← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

والشياطين. قاله أبو عبيدة، والفراء. وقيل: بنو آدم. قاله الحسن بن الفضل، وأبو معاذ النحوي. وقال آخرون: هو الدنيا، وما فيها. قال الواحدي: اختلفوا في اشتقاق العالم، فقيل: مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه، كالعالم اسم لجميع المخلوقات، ودليله استعمال الناس في قولهم: العالم محدث. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، ودليله من القرآن قوله : ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. وقيل: مشتق من العلْمِ، فالعالمون على هذا مَنْ يعقل خاصة. قاله ابن عباس، واختارهَ أبو الهيثم، والأزهري، لقول الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (١). (لا شريك له) جملة في محل نصب على الحال من "الله"، أي حال كونه غير مشارك في الصلاة، والنسك، والمحيا والممات (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالتوحيد والإخلاص له (وأنا من المسلمين) أي المنقادين لأمر الله تعالى. وفي حديث علي ﵁ المذكور في الباب التالي: "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة، كما قاله قتادة ﵀. (اللهم اهدني لأحسن الأعمال) أي أكملها وأفضلها، وهي ما كانت موافقة للكتاب والسنة، وخالصة لله تعالى (والأخلاق) جمع

стр. 7037

خلق -بضمتين- السَّجِيّة، وأحسنها ما كانت على هدي رسول الله ﷺ الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، والذي تخلق بمعنى قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (لا يهدي لأحسنها إِلا أنت) علة لطلب الهداية منه، أي إنما طلبت منك الهداية لأحسن الأعمال والأخلاق لأنه لا يهدي إليها غيرك (وقني) أمر من وَقَى يَقِي: إذا حفظ (سيئ الأعمال، وسيئ الأخلاق) أي احفظني من قبيحها (لا يقي سيئها إِلا أنت) أي لأنه لا يحفظ من قبيحها غيرك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا صحيح. وهو من أفراد الصنف ﵀، أخرجه هنا - ١٦/ ٨٩٦ - وفي "الكبرى" -١٦٩٧٠ - بالسند المذكور. ويستفاد منه استحباب قراءة هذا الدعاء بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وتقدم في المسائل المتقدمة في الباب الماضي أنه لا تنافي بين هذه الدعوات، فإن المصلي مخير فيها، أو يجمعها إن تيسر له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7038

١٧ - نَوْعٌ آخرُ من الذِّكرِ والدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِراءَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ذكر نوع آخر من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، وهو النوع الرابع، والخامس. ٨٩٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي

стр. 7039

لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ، وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ، وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ". رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان، أبو سعيد البصري، مات سنة ١٩٨، ثقة ثبت حجة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (عبد العزيز بن أبي سلمة) هو ابن عبد الله بن أبي سلمة، الماجشون (١) -واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار- أبو عبد الله، ويقال: أبو الأصبغ، أحد الأعلام، المدني، نزيل بغداد، التيمي، مولى آل الهُدَير، مات سنة ١٦٤، ثقة فقيه، مصنف، من [٧]. قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي الماجشون لأن

стр. 7040

وجنتيه كانتا حَمْراوين، فسمي بالفارسية الماهكون، فشبه وجنتاه بالقمر، فعربه أهل المدينة، فقالوا: الماجشون. وقال ابن أبي خيثمة: قال أحمد: تعلق من الفارسية بكلمة، وكان إذا لقي الرجل يقول: شموني، فلقب الاجشون. وقال الحسين بن حبان: قيل لأبي زكريا: الماجشون، هو مثل ليث، وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا، هو دونهما، إنما كان رجلًا يقول بالقدَر والكلام، ثم تركه، وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد كتبوا عنه، فكان بعدُ يقول: جعلني أهل بغداد محدثًا، وكان صدوقًا. وقال أبو داود، عن أبي الوليد: كان يصلح للوزارة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود والنسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن مهدي، عن بشر بن السري: لم يسمع من الزهري. قال أحمد بن سنان: معناه أنه عرض. وقال ابن السراج، عن ابن وهب: حججت سنة -١٤٨ - وصائح يصيح: لا يفتح الباب إلا لمالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وأهل العراق أروى عنه من أهل المدينة. وتوفي ببغداد سنة ١٦٤ - وكان فقيها ورعًا متابعًا لمذهب أهل الحرمين مفرعًا على أصولهم ذابًّا عنه. وكذا قال البخاري. وقال أحمد بن صالح: كان نزهًا صاحب سنة ثقة. وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال ابن أبي مريم: سمعت أشهب يقول: هو أعلم من

стр. 7041

مالك. وقال أحمد بن كامل: لعبد العزيز كُتُبٌ مصنفةٌ في الأحكام، يروي عنه ذلك ابنِ وهب، وعبد الله بن صالح، وغيرهما. وقال موسى بن هارون الحمال: كان ثبتًا متقنًا. أخرج له الجماعة (١). ٤ - (الماجشون بن أبي سلمة) هو يعقوب التيمي مولاهم، أبو يوسف المدني، صدوق، من [٤]. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: يكنى أبا يوسف، وهو الماجشون، سمي بذلك هو وولده، وكان فيهم رجال لهم فقه، ورواية للحديث والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة. وقال البخاري، عن هارون بن محمد: الماجشون بالفارسية الوَرْد. وقال مصعب الزبيري: إنما سمي الماجشون لكونه كان يعلم الغناء، ويتخذ القيان، وكان يجالس عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته، وكان عمر يأنس إليه، فلما استخلف عمر قدم عليه، فقال له: إنا تركناك حين تركنا لبس الخز، فانصرف عنه. وكان الماجشون يعين ربيعة على أبي الزناد. وقال يعقوب بن شيبة: ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، ثنا سوار بن عبد الله، حدثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى بن موسى، عن ابن الماجشون، قال: عرج بروح أبي الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، وقلنا للناس: نَرُوح به، فدخل إليه غاسل يغسله، فرأى عِرْقًا

стр. 7042

يتحرك من أسفل قدميه، فأقبل علينا، فقال: أرى عِرْقًا يتحرك، ولا أرى أن أعجل عليه، فاعتللنا على الناس، وقلنا: نَغْدُو لم يتهيأ أمرنا على ما أردنا، فأصبحنا، وغدا عليه الغاسل، وجاء الناس، فرأى العرق على حاله، فاعتذرنا إلى الناس بالأمر الذي رأيناه، فمكث ثلاثًا على حاله، ثم إنه نشع (١) بعد ذلك، فاستوى جالسًا، فقال: ائتوني بسويق، فأتي به، فشربه، فقلنا له: أخبرنا مما رأيت؟ قال: نعم، عرج بروحي، فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا، فاستفتح، ففتح له، ثم هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة، فقيل له: من معك؟ قال: الماجشون، فقيل له: لم يَأنِ له، بقي من عمره كذا وكذا سنة، وكذا وكذا شهرًا، وكذا وكذا يوَمًا، وكذا وكذا ساعة، ثم هبطت، فرأيت النبي ﷺ ، ورأيت أبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للذي معي: من هذا؟ قال: أوَ ما تعرفه؟ قلت: إني أحببتُ أن أتثبت، قال: هذا عمر بن عبد العزيز، قلت: إنه لقريب المقعد من رسول الله ﷺ ، قال: إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عساكر: قال أبو الحسين ابن أبي القواس الوارق: مات يعقوب سنة ١٦٤، قال الحافظ المزي:

стр. 7043

كذا قال، وهو خطأ لا شك فيه، ولم ينبه عليه أبو القاسم (١)، والصواب إن شاء الله تعالى في سنة ١٢٤. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي (٢). ٥ - (عبد الرحمن الأعرج) بن هرمش، وأبوداود، المدني مولى ربيعة بن الحارث، مات سنة ١١٧، ثقة ثبت عالم، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٦ - (عبيد الله بن أبي رافع) المدني مولى النبي ﷺ ، ثقة، من [٣]. روى عن أبيه، وأمه سلمى، وعن علي بن أبي طالب، وكان كاتبه، وأبي هريرة، وشُقران مولى النبي ﷺ . وعنه أولاده إبراهيم، وعبد الله، ومحمد، والمعتمر، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن المنكدر، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وبسر بن سعيد، والحكم بن عتيبة، والأعرج، وعبد الله ابن الفضل، وعاصم بن عبيد الله، والزبير، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وآخرون. قال أبو حاتم، والخطيب: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان

стр. 7044

ثقة كثير الحديث. أخرج له الجماعة (١). ٧ - (علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن أحد الخلفاء الراشدين ﵃، تقدم في ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا الماجشون، فما أخرج له البخاري، وابن ماجه. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم دونَ واسطة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، الماجشون، عن أبي رافع، ورواية الراوي عن عمه، وفيه الإخبار بصيغة الجمع لكون الراوي سمع قارئًا على شيخه، والتحديث مرتين بصيغة الجمع لكونه سمع مع جماعة، ومرة بصيغة الإفراد، لكونه سمع وحده، والعنعنة. والله تعالى أعلم.

стр. 7045

شرح الحديث (عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إِذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، فالسين والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة، لما في رواية ابن حبان "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة"، وفي رواية الدارقطني: "كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة"، وفي رواية المصنف التالية: "إذا قام يصلي تطوعًا". وفيه دليل واضح على أن هذه الأدعية كانت في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه رد على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة. (كبر ثم قال) فيه تصريح بأن هذا الدعاء كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه رد على من قال: إنه قبل التكبير (وجهت وجهي) قال الأزهري، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي. وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه، ويجوز في "وجهي" إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان (للذي فطر السموات والأرض) أي ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق. وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعًا كالسموات، لأنه أراد جنس الأرضين، وجمع السموات لشرفها، قال النووي ﵀: وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض. وقيل: الأرضون أفضل؛ لأنها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى (١).

стр. 7046

قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لم يكلفنا الله تعالى بعلمه، ولو كان فيه خير لبينه الله تعالى في كتابه، أو بينه رسول الله ﷺ في سنته، فاللائق بالمسلم الكف عن مثل هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. والله تعالى أعلم. وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض- لأنا لا ننتفع من الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب موزعة عليها. وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقي عن أبي الضحى، عن ابن عباس، أنه قال: قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، قال: "سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم". قال: وإسناده صحيح عن ابن عباس، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا انتهى (١). (حنيفًا) منصوب على الحال، أي وجهت وجهي في حال حنيفيتي. قال الأزهري، وآخرون: أي مستقيمًا. وقال الزجاج، والأكثرون: الحنيف المائل، ومنه قيل: أحْنَفُ الرِّجْلِ، قالوا: والمراد هنا المائل إلى الحق. وقيل له ذلك لكثرة مُخالفيه. وقال أبو عبيدة: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم ﷺ . انتهى (٢).

стр. 7047

وفي "اللسان": قال الجوهري: الحَنِيفُ: المسلمُ، وقد سُمِّيَ المستقيمُ بذلك، كما سمي الغُراب أعْوَرَ. وتَحَنَّفَ الرَّجُل: أي عَمِلَ عَمَلَ الحَنفِيَّة. ويقالُ: اختتن. ويقال: اعتَزَلَ الأصنامَ، وتَعَبَّدَ، قال جِرَان العَوْد [من الطويل]: وَلَمَّا رَأَيْنَ الصُّبْحَ بَادَرْنَ ضَوْءَه … رَسِيمَ قَطَا الْبَطْحَاءِ أَوْ هُنَّ أَقْطَفُ وَأَدْرَكْنَ أَعْجَازًا مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَمَا … أَقَامَ الصَّلاةَ الْعَابِدُ الْمُتَحَنِّفُ والدين الحَنِيف: الإسلام، والحَنِيفية: ملة الإسلام. وفي الحديث: "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة". ويوصف به، فيقال: مِلَّةٌ حَنِيفية. وقال ثعلبٌ: الحنيفية: الميل إلى الشيء. قال ابن سيدَهْ: وليس هذَا بشيء. وقال الزجاجي: الحنيف في الجاهلية مَنْ كان يحج البيت، ويغتسل من الجنابة، ويختتن، فلما جاء الإسلام كان الحنيفُ المسلمَ، وقيل له: حنيفٌ، لعدوله عن الشرك؛ قال: وأنشد أبو عُبَيدٍ: فَمَا شِبْهُ كَعْبٍ غَيْرَ أعْتَمَ فَاجِرٍ … أَبَى مُذْ دَجَا الإِسْلامُ لا يَتَحَنَّفُ وقال أبو زيد: الحنيف المستقيم، وأنشد [من الوافر]: تَعَلَّمْ أَنْ سَيَهْدِيكُمْ إِلَيْنَا … طَرِيقٌ لا يَجُورُ بِكُمْ حَنِيفُ وجمع الْحَنِيف: الحُنَفَاءُ. انتهى. لسان العرب باختصار (١).

стр. 7048

(وما أنا من المشركين) بيان للحنيف، وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر، من عابد وثن، أو صنم، ويهودي، ونصراني، ومجوسي، وزنديق، وغيرهم. (إِن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين) تقدم تفسير هذه الجملة في الباب السابق (لا شريك له) حال من "الله"، أي حال كونه لا شريك له في هذه الأمور (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالمذكور من التوحيد والإخلاص (وأنا من المسلمين) أي المستسلمين لأمر الله، الخاضعين له، المنقادين لطاعته. وفي بعض النسخ "وأنا أول المسلمين"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو أيضًا ثابت في بعض روايات مسلم. قال الشافعي ﵀: لأنه ﷺ كان أول مسلمي هذه الأمة. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: وقوله : ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال قتادة: أي من هذه الأمة. وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له. انتهى (١). قال العلامة الشوكاني ﵀: قال في "الانتصار": إن غير النبي ﷺ إنما يقول: "وأنا من المسلمين". وهو وَهَمٌ، منشؤه توهم أن

стр. 7049

معنى "وأنا أول المسلمين" أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه المسارعة في الامتثال لا أمره به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقال موسى ﵊: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال الجامع عفا الله عنه: إن اعتراض الشوكاني غير واضح، فما قاله في "الانتصار" هو الأولى، ولا سيما وقد ثبت عنه ﷺ أنه قاله، كما تقدم. والله أعلم. قال: وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: "وأنا من المسلمين"، وقوله: "وما أنا من المشركين" بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص. وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "قومي، فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي" - إلى قوله: "وأنا من المسلمين"، فدلّ على ما ذكرناه. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. (١) (اللهم) قال الأزهري: فيه مذهبان للنحويين: قال الفرّاء: هي في الأصل يا الله أُمَّنَا بخير، فكثرت في الكلام، واختلطت، فقيل: اللهم، كما قالوا: هَلُمَّ، وأصلها: "هل" ضُمّ إليها "أُمَّ"، ثم تركت منصوبة الميم. وقال الخليل: معناه: يا ألله، والميم المشددة عوض عن "يا" النداء، والميم مفتوحة لسكونها، وسكون الميم قبلها، ولا يجمع

стр. 7050

بينهما، فلا يقال: يا أللهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد يجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]: إِني إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمَّا وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله: وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إِلا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ فائدة: ذكر بعض المحققين أن "اللهم" تستعمل على ثلاثة أوجه: "أحدها": النداء المحض، نحو اللهم أثِبْنَا. "ثانيها": أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في ذهن السامع، نحو اللهم نعم، في جواب: أزيد قائم. "ثالثها": أن تستعمل دليلاً على الندرة، وقلة وقوع المذكور؛ نحو: أنا أزورك، اللهم إذا لم تَدْعُنِي؛ إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة. ومنه قول المؤلفين: اللهم إلا أن يقال كذا. قيل: وهي على هذين موقوفة، لا معربة، ولا مبنية، لخروجها عن النداء، فهي غير مركبة. لكن استظهر العلامة الصبان في حاشيته على الأشموني بقاءها على النداء مع دلالتها على التمكين، أو الندرة، فتكون معربة كالأول، ولو

стр. 7051

سلم، فيقال: إنه منادى صورة، فله حكمه. انتهى (١). (أنت الملك) أي القادر على كل شيء، المالك الحقيقي لجميع المخلوقات (لا إِله إِلا أنت) أي لا معبود بحق غيرك (أنا عبدك) أي معترف بأنك مالكي، ومدبري، وحكمك نافذ فِيَّ. وفي رواية مسلم: "أنت ربي، وأنا عبدك". (ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي) اعتراف بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأدبًا، وأراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح (٢). وقال الأزهري: اعتراف بالذنب، قدمه على مسألة الله المغفرة، كما علَّمَ آدم ﵇ عند خطيئته أن يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال تعالى حكاية عن آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. انتهى (٣). (فاغفر لي ذنوبي جميعًا) أي استرها بعفوك، ولا تؤاخذني (لا يغفر الذنوب إِلا أنت) جملة تعليلية لطلبه أن يغفر له جميع ذنوبه، أي لأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. (واهدني لأحسن الأخلاق) أي أرشدني لصوابها ووفقني للتخلق

стр. 7052

بها (لا يهدي لأحسنها إِلا أنت) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مر نظيره آنفًا (واصرف عني سيئها) أي أبعد عني قبيحها (لا يصرف عني سيئها إِلا أنت) جملة تعليلية أيضًا. (لبيك) قال النووي ﵀: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة. انتهى. وقال الأزهري ﵀: أي أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وألَبَّ: إذا أقام به، لبّاً، وإِلْبَابًا. فأصل "لبيك" لَبَّيْنِ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة": نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كطُورِ سِينَا واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهري رحمه الله تعالى. وقال العلامة الرضي: أصل "لبيك" أُلِبّ لك إِلْبَابين، أي أقيم على طاعتك وإجابتك إقامتين، من ألَبَّ بالمكانَ: إذا أقام به، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، فصار إلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجار، وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى (١). (وسَعْدَيك) أي مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة. ولا تستعمل إلا بعد "لبيك" لأنها توكيد لها.

стр. 7053

(والخير كله في يديك) زاد الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة: "والمَهْديّ من هديت". قال الخطابي وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساويها على جهة الأدب. انتهى (١). (والشر ليس إِليك) قال النووي ﵀: هذا مما يجب تأويله، لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه للعلماء خمسة أقوال: "أحدها": معناه أنه لا يتقرب به إليك. قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل، وإسحاق بن راهويه، ويحيي بن معين، وأبو بكر ابن خزيمة، والأزهري، وغيرهم. "الثاني": حكاه الشيخ أبو حامد، عن المزني، وقاله غيره أيضًا: معناه: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا رب الشر، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم. "الثالث": معناه: والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح. "الرابع": معناه: والشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، فإنك خلقته بحكمة

стр. 7054

بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. "الخامس": حكاه الخطابي أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عِدَاده فيهم، أو صَفُّوه إليهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أصح الأقوال عندي هو الأول، لأن سياق الكلام يدل عليه، ويليه القول الثالث؛ إذ معناه قريب من معناه. والله تعالى أعلم. (أنا بك، وإِليك) أي التجائي، وانتمائي إليك، وتوفيقي بك. وقال الأزهري: معناه أعتصم بك، وأعوذ بك، وألجأ إليك، كأنه قال: بك أعوذ، وإليك ألجأ. انتهى (٢). (تباركت) أي استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العبادُ بتوحيدك. قاله النووي رحمه الله تعالى. وقال ابن منظور ﵀: و"تبارك الله": تقدس، وتنزه، وتعالى، وتعاظم. لا تكون هذه الصفة لغيره. وسئل أبو العباس عن تفسير "تبارك الله؟ " فقال: ارتفع، والمتبارِكُ المرتفع. وقال الزجاج: "تبارك" تَفَاعَلَ، من البركة، كذلك يقول أهل اللغة. وقال ابن الأنباريّ: "تبارك الله": أي يُتَبَرّك باسمه في كل أمر. انتهى كلام ابن

стр. 7055

منظور ﵀ باختصار (١). (وتعاليت) أي تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك (أستغفرك) أي أطلب منك ستر ذنوبي. قال الراغب الأصفهاني ﵀: الغَفْرُ: إلباسُ ما يصونه عن الدَّنَس، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوِعَاء، واصبُغْ ثوبَك، فإنه أغْفَرُ للوَسَخ. والغُفْران، والمغفرة من الله: هو أن يصون العبدَ من أن يمسه العذاب. انتهى (٢) (وأتوب إِليك) أي أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك. والتائب الراجع إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته. قاله الأزهري (٣). وقال الراغب ﵀: التَّوْبُ: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لَمْ أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فَرَطَ منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة (٤)، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة. انتهى (٥).

стр. 7056

تنبيه: قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀: فإن قيل: هذا وعد بطلب المغفرة؛ لأن معنى "أستغفرك" أطلب من الله تعالى المغفرة، لأن استفعل لطلب الفعل، فهذا وعد بأنَّا سنطلب منه، ولا يلزم من الوعد بالطلب حصول المطلوب الذي هو الطلب، وكذا "أتوب إليك" وعد بالتوبة، لا أنه توبة في نفسه. فالجواب أن هذا ليس وعدًا، ولا خبرًا، بل هو إنشاء، والفرق بين الخبر والإنشاء أن الخبر هو الدّالّ على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره، أو يقع بعد صدوره، والإنشاء هو اللفظ الدّالّ على أن مدلوله حصل مع آخر حرف منه، أو عقب آخر حرف منه على الخلاف بين العلماء في ذلك. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٧/ ٨٩٧ - وفي "الكبرى" -١٧/ ٩٧١ و ١٣/ ١٠٥٠ من "المجتبى" بدعاء الركوع و -٦٧ - / ١١٢٦ منه بدعاء السجود كله

стр. 7057

بالسند المذكور هنا. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي النضر- كلاهما عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه يعقوب الماجشون، وعن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن يوسف بن يعقوب الماجشون، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁. وأبو داود عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن عمه به. والترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد العزيز به. وعن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يوسف بن يعقوب الماجشون به. وعن الحسن بن علي الخلال، عن أبي الوليد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، ويوسف بن الماجشون، كلاهما عن يعقوب الماجشون به. وأحمد جـ ١ ص ١٠٢ و ١٠٣، والدارمي رقم ١٢٤١ و ١٣٢٠، وابن خزيمة ٤٦٢ و ٦١٢ و ٧٤٣ و ٧٢٣. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٩٨ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ

стр. 7058

الأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، وَبِحَمْدِكَ". ثُمَّ يَقْرَأُ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (يحيى بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي الحمصي، وهو أخو عمرو المذكور قبل باب، مات سنة ٢٥٥، صدوق عابد، من [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢٩/ ٨١٧. ٢ - (ابن حِمْيَرٍ) هو محمد بن حمير بن أنيس السَّلِيحِيّ، مات سنة ٢٠٠، صدوق، من [٩]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والنسائي، وابن ماجَهْ، تقدم في ٢/ ٥٣٥. ٣ - (شعيب بن أبي حمزة) الحمصي، ٤ - (محمد بن المنكدر) تقدما قبل باب.

стр. 7059

٥ - (عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) تقدم في الباب الماضي. ٦ - (محمد بن مسلمة) بن سَلَمَة بن حَرِيش بن خالد بن عَدِيّ ابن مجذعة (١) بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عد الرحمن، ويقال: أبو سعيد المدني، حليف بني عبد الأشهل، شهد بدراً، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وقيل: إن النبي ﷺ استخلفه على المدينة عام تبوك. روى عن النبي ﷺ وعنه ابنه محمود، والمسور بن مخرمة، وسهل بن أبي حثمة، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وقَبيصة بن ذؤيب، والأعرج، وضُبَيعة بن حصين، وعروة بن الزبير، وغيرهم. قال ابن عبد البر: يقال: كان أسمر شديد السمرة، طويلاً أصلع ذا جُثَّة، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه رسول الله ﷺ في بعض غزواته على المدينة، قيل: استخلفه في غزوة قَرْقَرَةَ الكُدْر، وقيل: إنه استخلفه عام تبوك. واعتزل الفتنة، واتخذ سيفًا من خضب، وجعله في جفن، وذَكَرَ أن رسول الله ﷺ أمره بذلك، ولم يشهد الجَمَلَ، ولا صِفِّين، وأقام بالرَّبذَة, وكان له من الولد عشرة ذكور، وست بنات. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من حلفاء بني عبد الأشهل، قال: وأسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسَيد بن حُضَير، وسعد بن

стр. 7060

معاذ، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. قال ابن البَرْقِيّ: توفي سنة -٤٢ - قال: وقال بعض أهل الحديث: توفي في صفر سنة -٤٣ - جاء عنه ستة أحاديث. وقال المدائني وجماعة: مات سنة -٣ - وهو ابن ٧٧ سنة، وصلى عليه مروان. وقيل: مات سنة -٦ - وقيل: سنة ٤٧. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه: أن شاميًا من أهل الأردن دخل عليه داره، فقتله. وقال ابن شاهين، عن ابن أبي داود: قتله أهل الشام، ولم يعين السنة، لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه. أخرج له الجماعة (١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث محمد بن مسلمة ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه غيره، أخرجه هنا -١٧/ ٨٩٨ - و ١٤/ ١٠٥٢ و ٦٧/ ١١٢٨، وفي الكبرى -١٣/ ٦٣٩ و ٦٥/ ٧١٣ بسند الباب. وشرحه واضح يعلم من شرح حديث علي ﵁ السابق، فلا حاجة إلى إعادته. وقوله: "وذكر آخر قبله". القائل: "وذكر" هو محمد بن حِمْيَر. يعني أن شعيب بن أبي حمزة حين حدث بهذا الحديث ذكر لهم قبل محمد بن المنكدر راويًا آخر معه، وكلاهما يرويان هذا الحديث عن عبد الرحمن الأعرج. (قلت): لم أجد مَن ذكر الراوي الآخر، لكن محمد بن المنكدر

стр. 7061

ثقة لا يحتاج إلى متابعة فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7062

١٨ - نوعٌ آخرُ منَ الذِّكرِ بَيْنَ افْتِتَاح الصَّلاةِ وبَيْنَ القِراءَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نوع آخر مما يقرأ بين التكبير وقراءة الفاتحة، وهو النوع السادس مما ذكره في الكتاب. ٨٩٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عبيد الله بن فَضَالة بن إِبراهيم) النسائي، أبو قُدَامة، مات سنة ٢٤١، ثقة ثبت، من [١١]، تقدم في ١٧/ ٧٩٨. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، مات سنة ١١١، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦١/ ٧٧. ٣ - (جعفر بن سليمان) الضُّبَعي، أبو سليمان البصري، مات

стр. 7063

سنة ١٧٨، صدوق زاهد يتشيع، من [٨]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٤/ ١٤. ٤ - (علي بن علي) بن نِجَاد بن رفاعة الرِّفَاعي اليشكري (١)، أبو إسماعيل البصري، لا بأس به، ورمي بالقدر، وكان عابدًا، من [٧]. قال حرب، عن أحمد: لم يكن به بأس. وفي رواية عن أحمد بن صالح. وقيل: إنه كان يشبه النبي ﷺ . وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال ابن عمار: كان زعموا يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وكانت تُشَبَّهُ عيناه بعيني النبي ﷺ ، وكان رجلاً عابداً، ما أرى يكون له عشرون حديثًا، قيل له: أثقة هو؟ قال: نعم. وقال ابن سعد: حدثنا الفضل بن دكين، وعفان، قالا: كان يُشبَّهُ بالنبي ﷺ . وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليس بحديثه بأس، قلت: يحتج به؟ قال: لا، ثم قال: حدث عنه وكيع، فقال: حدثنا علي بن علي وكان ثقة. قال أبو حاتم: وكان فاضلا في نفسه، وكان حسن الصوت بالقرآن. وقال الآجري: أثنى عليه أبو داود. وقال النسائي: لا بأس به. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان يرى القدر. وقال يعقوب الحضرمي: قدم علينا شعبة، فقال: اذهبوا بنا إلى سيدنا، وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي. وعن مالك بن دينار أنه كان يسميه راهب

стр. 7064

العرب، قال الترمذي: كان يحيى -يعني القطان- يتكلم فيه. وقال المرُّوذِيّ، عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنه رفع أحاديث. وقال أبو بكر البزار: بصري ليس به بأس. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. وليس له عند أبي داود، والنسائي إلا حديث الباب (١). ٥ - (أبو المتوكِّل) الناجي، علي بن داود، ويقال: ابن دُؤاد البصري، مات سنة ١٠٨، ثقة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. ٦ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رواته موثقون، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وجعفر بن سليمان، فما أخرج له البخاري في "الصحيح"، وعلي بن علي، فما أخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، وفيه أبو سعيد أحد المكثرين السبعة، روى ١١٧٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.

стр. 7065

شرح الحديث (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أن النبي ﷺ كان إِذا افتتح الصلاة)، ولفظ أبي داود: "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يقول: "لا إله إلا الله" ثلاثًا، ثم يقول: "الله أكبر كبيرًا" ثلاثًا، "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه"، ثم يقرأ. (قال: سبحانك اللهم) قال الأزهري ﵀: معناه أسبحك، أي أنزهك عما يقول الظالمون فيك. وسبحان: مصدر أريد به الفعل. اهـ. وقال في اللسان: و (سبحان الله): معناه: تنزيهًا لله من الصاحبة والولد. وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به. ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحًا له، تقول: سبحت الله تسبيحًا له، أي نزهته تنزيهًا. وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] قال: منصوب على الصدر: المعنى أسبح الله تسبيحًا. قال: وسبحان الله في اللغة تنزيهُ الله عن السوء. وقال ابن شميل: رأيت في المنام كأن إنسانًا فسر لي (سبحان الله)؛ فقال: أما ترى الفرس يَسْبَح في سُرْعَته؟ وقال: سبحان الله: السرعةُ إليه، والخفة في طاعته، وجمَاعُ معناه بُعْدُه ﵎ عن أن يكون له مِثْل، أو شريك، أو نِدّ، أو ضِدّ. وقال سيبويه: زعم أبو الخطاب أن

стр. 7066

"سبحان الله" كقوله: "سبحانك" أي انزهك يا رب من كل سوء، وأبرِّئُك. وروى الأزهري بإسناده أن ابن الْكَوَّاءِ سأل عليًا رضوان الله عليه عن "سبحان الله"، فقال: كلمة رضيها الله لنفسه، فأوصى بها. والعربُ تقول: سبحان من كذا: إذا تعجبت منه. وزعم أن قول الأعشى في معنى البراءة أيضًا: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … لسُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ أي براءة منه، وكذلك تسبيحه تبعيده. انتهى المقصود من "اللسان" باختصار (١). (وبحمدك) قيل: الواو للحال، والتقدير: ونحن متلبسون بحمدك. وقيل: زائدة، والجار والمجرور حال، أي متلبسين بحمدك. أفاده السندي رحمه الله تعالى. وقال القاري ﵀: الباء للملابسة، والواو زائدة. وقيل: الواو بمعنى "مع"، أي أسبحك مع التلبس بحمدك، وحاصله نفي الصفات السلبية، وإثبات النعوت الثبوتية، أو بحمدك سبحتك، أي اعتقدت نزاهتك، حال كوني متلبسًا بالثناء عليك، أو بسبب ثناء الجميل عليك اعتقدت نزاهتك، ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف: أي أسبحك تسبيحًا مقرونًا بشكرك؛ إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقًا إلهيًّا.

стр. 7067

وقال الخطابي: أخبرني ابن خلاد، قال: سألت الزجاج عن قوله في "وبحمدك"؟ فقال: معناه: سبحانك اللهم، وبحمدك سبحتك. قيل: قول الزجاج يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الواو للحال. وثانيهما: أن تكون لعطف جملة فعلية على مثلها، إذ التقدير: أنزهك تنزيهًا، وأسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك، وعلى التقديرين "اللهم" معترضة، والباء في "وبحمدك" إما سببية، والجار متصل بفعل مقدر، أو إلصاقية، والجار والجرور حال من فاعله. ذكره الطيبي. انتهى كلام القاري رحمه الله تعالى بتصرف (١). (وتبارك اسمك) البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وفيه إشارة إلى اختصاص أسمائه تعالى بالبركات. وقال القاري: أي كثرت بركة اسمك؛ إذ وُجِدَ كلُّ خير من ذكر اسمك. وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته؛ لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى، فأولى لذاته، نظير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. (وتعالى جدك) وقع هنا في بعض النسخ بإسقاط العاطف، بخلافه في الحديث التالي، وهو الذي وقع في نسخة الكبرى في الموضعين. والله أعلم .. والجَدُّ: العظمة، و"تعالى": تفاعَلَ، من العلوّ، أي علت عظمتك

стр. 7068

على عظمة كل أحد غيرك. قال ابن الأثير ﵀: معنى "تعالى جدك": علا جلالك وعظمتك. انتهى (١). (ولا إِلى غيرك) أي لا معبود بحق سواك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد ﵁ هذا صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: قد تكلم العلماء في هذا الحديث، فقال أبو داود بعد إخراجه عن عبد السلام بن مطهر، عن جعفر بن سليمان بإسناد المصنف - ما نصه: قال أبو داود: وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلاً، الوهم من جعفر. انتهى (٢). وقال الترمذي بعد إخراجه عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر المذكور- ما نصه: وقد تُكُلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. انتهى (٣).

стр. 7069

وقال الحافظ أبو بكر ابن خزيمة رحمه الله تعالى في صحيحه بعد ذكر حديث علي وأبي هريرة التقدمين في دعاء الاستفتاح، وحديث أنس الآتي في الباب التالي - ما نصه: أما ما يفتتح به العامة صلاتهم بخراسان من قولهم: "سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك"، فلا نعلم في هذا خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن إسناد نعلمه روي في هذا خبر أبي المتوكل، عن أبي سعيد. ثم ساقه عن محمد بن موسى الحَرَشِي، عن جعفر بن سليمان الضبعي، بسند المصنف، بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة كبر ثلاثًا، ثم يقولى: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك"، ثم يقول: "لا إله إلا الله" ثلاث مرات، ثم يقول: "الله أكبر" ثلاثا، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه". ثم قال: وهذا الخبر لم يسمع في الدعاء، لا في قديم الدهر، ولا في حديثه، استعمل هذا الخبر على وجه، ولا حكي لنا عمن لم نشاهده من العلماء أنه كان يكبر لافتتاح الصلاة ثلاث تكبيرات، ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك" - إلى قوله: ولا إله غيرك"، ثم يهلل ثلاث مرات، ثم يكبر ثلاثًا. ثم أخرجه من حديث جبير بن مطعم، ثم قال: وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم مجهولان. ثم أخرجه من حديث عائشة، ثم قال:

стр. 7070

وحارثة بن محمد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه. ثم صحح وقفه على عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح الصلاة بمثله، لا عن النبي ﷺ ، وقال: ولست أكره الافتتاح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك -على ما ثبت عن الفاروق ﵁ أنه كان يستفتح الصلاة به، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي ﷺ في خبر علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وغيرهما بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه ﷺ - أحب إلي، وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سنة النبي ﷺ أفضل وخير من غيرها. انتهى كلام الحافظ ابن خزيمة رحمه الله تعالى ملخصًا (١). قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث بمجموع طرقه يتقوى، ويشهد له ما صح عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو وإن كان موقوفًا، إلا أن كونه يجهر به بمحضر الصحابة يدل على أن له أصلاً عن النبي ﷺ . والحاصل أن الحديث صحيح بما ذكر. والله تعالى أعلم. تنبيه: حديث عمر ﵁ أخرجه مسلم في غير مظنته، في بحث عدم الجهر بالبسملة جـ ٤ ص ١١١ - بنسخة شرح النووي. وفيه انقطاع، لأن عبدة بن أبي لبابة لم يسمع من عمر ﵁. لكنه صح موصولاً عنه؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي من طرق عن الأسود بن يزيد، قال:

стр. 7071

سمعت عمر افتتح الصلاة، وكبر، فقال: سبحانك اللهم … واللفظ لابن أبي شيبة، وزاد: "ثم يتعوذ". وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، وزاد الدارقطني، في رواية له: "كان عمر ﵁ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك … يسمعنا ذلك، ويعلمنا"، وإسناده صحيح (١). والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٨/ ٨٩٩ - وفي "الكبرى" -١٨/ ٩٧٢ - عن عُبيد الله ابن فَضَالَة بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، عن أبي المتوكل، عنه. وفي ١٨/ ٩٠٠ - والكبرى ١٨/ ٩٧٣ - عن أحمد بن سليمان، عن زيد بن الحُباب، عن جعفر بن سليمان به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود عن عبد السلام بن مُطَهَّر، عن جعفر بن سليمان به. والترمذي عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر به. وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن جعفر به. وأحمد جـ ٣ ص ٥٠ و ٦٩، والدارمي رقم ١٢٤٢، وابن خزيمة ٤٦٧. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٠٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ،

стр. 7072

قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوِيّ، مات سنة ٢٦١، ثقة حافظ، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٢ - (زيد بن الحُبَاب) أبو الحسين العُكْلي الكوفي، خراساني الأصل، مات سنة ٢٠٣، صدوق يخطىء في حديث الثوري، من [٩]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته. وبالله تعالى التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 7073

١٩ - نوعٌ آخرُ منَ الذِّكْرِ بعد التَّكْبِيرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية نوع آخر غير ما تقدم من الذكر الذي يقرأ بعد تكبيرة الإحرام، وهو النوع السابع من الأذكار التي ذكرت في الكتاب. ٩٠١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، قَالَ: "أَيُّكُمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، قَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا". قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ، وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ، فَقُلْتُهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَىْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا".

стр. 7074

رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، مات سنة ٢٥٢، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (حجاج) بن المِنْهَال -بكسر، فسكون- الأنماطي، أبو محمد السلمي، أو البرساني -بضم، فسكون- مولاهم البصري، ثقة فاضل، من [٩]. قال أحمد: ثقة، ما أرى به بأساً. وقال أبو حاتم: ثقة فاضل. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال الفلاس: ما رأيت مثله فضلاً ودينًا. وقال أبو داود: إذا اختلفا، فعفان، وحجاج أفضل الرجلين. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن منده: ثنا علي بن الحسن، ثنا أبو حاتم، ثنا حجاج ابن المنهال، وكان من خيار الناس. وقال خلف بن محمد كردوس: مات سنة ٢١٦ وكان صاحب سنة يظهرها. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ٢١٧ - وكذا أرخه البخاري، وابن قانع. روى عنه البخاري بدون واسطة، والباقون بواسطة (١). ٣ - (حماد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري، مات سنة ١٦٧، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في

стр. 7075

١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَانِيّ، أبو محمد البصري، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ٨٦ سنة، ثقة عابد، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٧. ٥ - (قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، مات سنة بضع عشرة ومائة، ثقة ثبت مدلس، رأس الطبقة [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٦ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، قيل: اسم أبيه تِير، وقيل: تيرويه، وقيل غير ذلك، مات سنة ١٤٢ وله ٧٥ سنة، ثقة مَدلس، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨. ٧ - (أنس) بن مالك بن النضر، أبو حمزة ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، فقد أورد البخاري حماد بن سلمة في التعاليق. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن حمادًا هنا، مهمل، وهو ابن سلمة، لكون الراوي عنه
следующие страницы →