طابع الله على عباده، يدفع به عنهم الآفات. وقيل: معناه: اللهم أُمَّنَا بخير. هذا ما ذكره صاحب المطالع.
وقال الإمام أبو عبد الله، صاحب "التحرير" في شرح مسلم: في "آمين" لغتان: فتح الألف من غير مد، والثانية بالمد، وهي مبنية، قال بعضهم: بنيت لأنها ليست عربية، أو أنها اسم فعل، كصَهْ، ومَهْ، ألا ترى أن معناها: اللهم استجب، وأعطنا ما سألناك، وقالوا: إن مجيء آمين دليل على أنها ليست عربية، إذ ليس في كلام العرب فاعيل، فأما آري، فليس بفاعيل، بل هو عند جماعة فاعول، وعند بعضهم فاعلي، وعند بعضهم فاعي بالنقصان، وقد قال جماعة: إن أَمين -يعني المقصورة- لم يجئ عن العرب، والبيت الذي يُنشَدُ:
أَمِينَ فَزَادَ اللهُ ما بَينَنَا بُعْدَا
لا يصح على هذا الوجه، وإنما هو: فآمين زاد الله ما بيننا بعدا، قال: وكثير من العامة يشددون الميم منها، وهو خطأ، لا وجه له. هذا آخر كلام صاحب التحرير. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: إنما ذكرت عبارة النووي بعد عبارة الفتح؛ لأن في كلام النووي تفصيلًا لما اختصره في الفتح من الأقوال.
والحاصل أنه تلخص مما تقدم أن أفصح لغاتها: المد، والتخفيف، وأشهر معانيها: استجب. والله تعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع
стр. 7422
والمآب.
تنبيه:
أخذ المصنف كالإمام البخاري رحمهما الله تعالى حكم الجهر بـ"آمين" من قوله في الحديث: "إذا أمن القارئ"، وفي لفظ: "إذا أمن الإمام".
قال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "إذا أمن القارئ" أخذ منه المصنف الجهر بـ "آمين" إذ لو أسر الإمام بـ "آمين" لما علم القوم بتأمين الإمام، فلا يحسن أمرهم بالتأمين عند تأمينه.
وهذا استنباط دقيق، يرجحه ما سبق من التصريح بالجهر، وهذا هو الظاهر المتبادر.
نعم قد يقال: يكفي في الأمر معرفتهم لتأمين الإمام بالسكوت عن القراءة، لكن تلك معرفة ضعيفة، بل كثيرًا ما يسكت الإمام عن القراءة، ثم يقول: "آمين"، بل الفصل بين القراءة والتأمين هو اللائق، فيتقدم تأمين المقتدي على تأمين الإمام، إذا اعتمد على هذه الأمارة، لكن رواية: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ربما رجح هذا التأويل، فليتأمل.
والأقرب أن أحد اللفظين من تصرفات الرواة، وحينئذ، فرواية "إذا أمن" أشهر، وأصح، فهي أشبه أن تكون هي الأصل. والله أعلم. انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى (١).
стр. 7423
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي ﵀ من بيان وجه استنباط المصنف ﵀ ترجمته من حديث الباب، واستحسانه لذلك مخالفًا للمذهب الحنفي الذي لا يرى الجهر بـ"آمين" يُعَدّ من إنصافه، وعدم تعصبه للمذهب، وهذا هو واجب كل مسلم أن يدور مع الدليل حيثما دار ولا يتعصب لرأي بعض العلماء، فإنهم ليسوا معصومين، فكثيرًا ما يقعون في الخطأ، ومخالفة النص، دون قصد منهم، وإنما لعدم وصوله إليهم، أو نحو ذلك، فهم معذورون بذلك، لكن لا يكون خطؤهم مذهبًا يتمسك به مقلدهم، فلا عذر للمقلد بعد أن يتضح له الحق، ويصح لديه النص، فإن ذلك من الحماقة بمكان.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٢٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ، تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ،
стр. 7424
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق، مات سنة ٢٥٠، من [١٠]،
أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بقية بن الوليد) بن صائد بن كعب الكَلَاعي، أبو يُحْمِد، الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنة ١٩٧، من
[٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في ٤٥/ ٥٩٢.
٣ - (الزُّبَيدي) -بالزاي، والباء الوحدة، مصغرًا- محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، مات سنة ١٤٦، وقيل: غير ذلك، من [٧]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم، الإمام الحافظ الحجة الثبت، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، المدني الفقيه ثقة مكثر، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ١/ ١.
стр. 7425
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، إلا بقية، فإنه صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، ويسوي، فهو كما قيل:
احذر أحاديث بقية، وكن منها على تقية، فإنها غير نقية.
ومنها: أن الثلاثة الأولين حمصيون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ الزهري، عن أبي سلمة.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رئيس المكثرين في الرواية، روى ٥٣٧٤ حديثًا، اتفق الشيخان على ٣٢٥، وانفرد البخاري بـ ٧٩، ومسلم بـ ٩٣ حديثًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أمّن القارئ، فأمنوا) المراد من "القارئ" هو الإمام، أي إذا قال الإمام: آمين. وفي الرواية الآتية ٩٢٧ منِ طريق معمر عن الزهري: "إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
وفي رواية مالك، عن ابن شهاب ٩٢٨: "إذا أمن الإمام فأمنوا … ".
وفي رواية الأعرج، عن أبي هريرة ٣٥/ ٩٣٠: "إذا قال أحدكم:
стр. 7426
آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: [قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا] ظاهرٌ في أن الإمام يؤمن. وقيل: معناه إذا دعا، والمراد دعاء الفاتحة من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخره، بناءً على أن التأمين دعاء. وقيل: معناه إذا بلغ إلى موضع استدعى التأمين، وهو قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، ويرد ذلك التصريحُ بالمراد في حديث الباب.
واستدل به على مشروعية التأمين للإمام، قيل: وفيه نظر، لكونها قضية شرطية. وأجيبَ بأن التعبير بـ "إذا" يشعر بتحقق الوقوع.
وخالف مالك في إحدى الروايتين عنه، وهي رواية ابن القاسم، فقال: لا يؤمن الإمام في الجهرية، وفي رواية عنه: لا يؤمن مطلقًا، وأجاب عن حديث ابن شهاب هذا بأنه لم يره في حديث غيره، وهي علة غير قادحة، فإن ابن شهاب إمام لا يضرّه التفرد، مع ما سيذكر قريبًا أن ذلك جاء في حديث غيره.
وررجح بعض المالكية كون الإمام لا يؤمّن من حيث المعنى بأنه داع، فناسب أدن يختص المأموم بالتأمين، وهذا يجيء على قولهم: إنه لا قراءة على المأموم، وأما من أوجبها عليه فله أن يقول: كما اشتركا في القراءة، فينبغي أن يشتركا في التأمين.
ومنهم من أوّل قوله: "إذا أمن الإمام"، فقال: معناه دعا، قال: وتسمية الداعي مُؤَمِّنًا سائغة، لأن المؤمّن يسمى داعيًا، كما جاء في قوله
стр. 7427
تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وكان موسى داعيًا، وهارون مؤمِّنًا، كما رواه ابن مردويه من حديث أنس.
وتعقب بعدم الملازمة، فلا يلزم من تسمية المؤمِّن داعيًا عكسه. قاله ابن عبد البر.
على أن الحديث في الأصل لم يصح، ولو صح، فإطلاق كون هارون داعيًا إنما هو للتغليب.
وقال بعضهم: معنى قوله: "إذا أمّن": بلغ موضع التأمين، كما يقال: أنجد: إذا بلغ نَجْدًا، وإن لم يدخلها.
قال ابن العربي: هذا بعيد لغة وشرعًا. وقال ابن دقيق العيد: هذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه عمل به، وإلا فالأصل عدمه.
قال الحافظ: قلت: استدلوا برواية أبي صالح، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين"، قالوا: فالجمع بين الروايتين يقتضي حمل قوله: "إذا أمن" على المجاز.
وأجاب الجمهور -على تسليم المجاز المذكور- بأن المراد بقوله: "إذا أمن" أي أراد التأمين، ليتوافق تأمين الإمام والمأموم معًا، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها الإمام.
وقد ورد التصريح بأن الإمام يقولها، وذلك في رواية (١)، ويدل
стр. 7428
على خلاف تأويلهم رواية معمر، عن ابن شهاب في هذا الحديث، بلفظ: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين … " الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، والسّرّاج، وهو صريح في كون الإمام يؤمِّن. وقيل في الجمع بينهما: المراد بقوله: "إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين" أي ولو لم يقل الإمام: آمين.
وقيل: يؤخذ من الخبرين تخيير المأموم في قولها مع الإمام أو بعده. قاله الطبري.
وقيل: الأول لمن قرب من الإمام، والثاني لمن تباعد عنه؛ لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة، فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه، فمن سمع تأمينه أمَّن معه، وإلا يؤمن إذا سمعه يقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]؛ لأنه وقت تأمينه. قاله الخطابي. وهذه الوجوه كلها محتملة، وليست بدون الوجه الذي ذكروه.
وقد رده ابن شهاب بقوله: "وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين". كأنه استشعر التأويل المذكور، فبين أن المراد بقوله: "إذا أمّن" حقيقة التأمين، وهو وإن كان، مرسلًا، فقد اعتضد بصنيع أبي هريرة راويه، كما سيأتي.
وإذا ترجح أن الإمام يؤمن، فيجهر به في الجهرية، كما ترجم به المصنف [جهر الإمام بآمين] والبخاري [باب جهر الإمام بالتأمين]، وهو قول الجمهور خلافًا للكوفيين، وروايةٍ عن مالك، فقال: يسر به مطلقًا.
стр. 7429
ووجه الدلالة من الحديث أنه لو لم يكن التأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علق تأمينه بتأمينه.
وأجابوا بأن موضعه معلوم، فلا يستلزم الجهر به. وفيه نظر، لاحتمال أن يخلّ به، فلا يستلزم علم المأموم به.
وقد روى رَوْحُ بن عُبَادة، عن مالك في هذا الحديث: قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] جهر بـ "آمين": أخرجه السّرّاج.
ولابن حبان من رواية الزُّبيدي في حديث الباب عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: "آمين". وللحميدي من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة نحوه، بلفظ: إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. ولأبي داود من طريق أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة مثله، وزاد: "حتى يسمع من يليه من الصف".
ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث وائل بن حُجْر نحو رواية الزبيدي.
وفيه ردّ على من أومأ إلى النسخ، فقال: إنما كان ﷺ يجهر بالتأمين في ابتداء الإسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حجر إنما أسلم في أواخر الأمر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
стр. 7430
(فأمنوا) جواب "إذا". استدلّ به على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء، لكن تقدم في الجمع بين الروايتين أن المراد المقارنة، وبذلك قال الجمهور.
وقال أبو محمد الجويني: لا تستحب مقارنة الإمام في شيء من الصلاة غيرِهِ.
قال إمام الحرمين: يمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام، لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه، وهو واضح.
ثم إن الأمر عند الجمهور للندب. وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم، عملًا بظاهر الأمر. قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصلّ.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي ذكره أبو محمد بن حزم الظاهري في كتابه "المحلى" أنه فرض على المأموم فقط. ونصه فيه: وقول المأموم: "آمين" إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فرض، وإن قاله الإمام فهو حسن، وسنة. انتهى (١).
ثم إن الذي يظهر لي وجوبه على المأموم؛ لأن الأمر للوجوب على قول الجمهور، إلا إذا صرفه صارف، وما ذكر الجمهور القائلون بالندب هنا صارفًا. والله تعالى أعلم.
стр. 7431
ثم إن مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يُؤَمّن، ولو كان مشتغلًا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية.
ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة على وجهين؟: أصحهما: لا تنقطع؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة، بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها، كالحمد للعاطس. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحمد للعاطس مثل التأمين، لا يقطع الموالاة، إذ هو مشروع، ولا دليل على أنه يقطع. والله تعالى أعلم.
(فإِن الملائكة تؤمن) تعليل للأمر بالتأمين، أي لأن الملائكة تؤمن.
ثم إن ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة.
وقيل: الحفظة منهم. وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة، ممن في الأرض، أو في السماء، ففي رواية البخاري، من طريق الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه". وستأتي هذه الرواية للمصنف ٣٥/ ٩٣٠.
стр. 7432
وقد علق البخاري عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ووصله أحمد، والدارمي، وابن خزيمة، وفيه: "فوافق ذلك قول أهل السماء". ونحوه لسهيل بن أبي صالح، عن أبيه عند مسلم، وروى عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: "صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر للعبد" انتهى.
قال الحافظ: ومثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى. انتهى (١).
(فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة) قيل: المراد بالموافقة هو الموافقة في القول والزمن، ويدل عليه قوله قبله: "فإن الملائكة تؤمن".
وقيل: الموافقة في الإخلاص والخشوع، وإليه مال ابن حبان، فإنه لما ذكر الحديث قال: يريد موافقة الملائكة في الإخلاص بغير إعجاب، وكذا جنح إليه غيره، فقال نحو ذلك من الصفات المحمودة، أو في إجابة الدعاء، أو في الدعاء بالطاعة خاصة. أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول هو الذي رجحه الأكثرون؛ القرطبي، وابن دقيق العيد، والحافظ ولي الدين، والحافظ في الفتح، وهو الذي يظهر لي. والله تعالى أعلم.
стр. 7433
وقال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها، لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظًا (١).
(غفر الله له ما تقدم من ذنبه) جواب "من".
وفي الروايات الآتية كلها: "غفر له ما تقدم من ذنبه" ببناء الفعل للمجهول. ولعل تقديم المصنف لهذه الرواية، مع أن في سندها ضعفًا من أجل بقية، لتصريحها بالفاعل. والله تعالى أعلم.
ثم إن ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية كبائرها وصغائرها، وقد خص العلماء هذا وأشباهه بتكفير الصغائر فقط، وقالوا: إنما يكفر الكبائر التوبة، وكأنهم لما رأوا التقييد في بعض ذلك بالصغائر حملوا ما أطلق في غيرها عليها، كالحديث الصحيح "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفّارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر". والله أعلم (٢).
وقد تقدم البحث في ذلك مستوفًى في الكلام على حديث عثمان ابن عفان ﵁، فيمن توضأ كوضوئه ﷺ في كتاب الطهارة، وبالله التوفيق.
تنبيه:
قال في "الفتح": وقع في أمالي الجرجاني، عن أبي العباس الأصم،
стр. 7434
عن بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن يونس في آخر هذا الحديث: "وما تأخر"، وهي زيادة شاذة، فقد رواه ابن الجارود في "المنتقى" عن بحر بن نصر بدونها، وكذا مسلم عن حرملة، وابنُ خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، وكذلك في جميع الطرق عن أبي هريرة، قال الحافظ: إلا أني وجدته في بعض نسخ من ابن ماجه عن هشام بن عمار، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن ابن عيينة بإثباتها، ولا يصح؛ لأن أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه في مسنده، ومصنفه بدونها، وكذلك حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن المديني , وغيرهما.
وله طرق أخرى ضعيفة من رواية أبي فروة محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عثمان، والوليد ابني ساج، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة. انتهى ما في "الفتح".
والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: إسناد الصنف، وإن كان فيه بقية، وهو يدلس عن الضعفاء، ويُسَوِّي، إلا أن الحديث أخرجه الشيخان،
وغيرهما من طرق عن الزهري، وأخرجه المصنف من رواية ابن عيينة،
стр. 7435
٩٢٦ ومن رواية معمر ٩٢٧، ومن رواية مالك ٩٢٨، كلهم عن الزهري. وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٣٣/ ٩٢٥، وفي الكبرى ٣٣/ ٩٩٧، عن عمرو بن عثمان، عن بقية، عن محمد بن الوليد الزُّبَيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي ٩٢٦، والكبرى ٩٩٨، عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. و ٩٢٧، والكبرى ٩٩٩، عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، به. و ٩٢٨، والكبرى ١٠٠٠ عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عنه. و ٣٤/ ٩٢٩، والكبرى ٣٤/ ١٠٠١ عن قتيبة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عنه. و ٣٥/ ٩٣٠، والكبرى ٣٥/ ١٠٠٢، عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسلمة -وعن عبد الله بن يوسف- وفي "جزء القراءة" عن إسماعيل بن أبي أويس- كلهم عن مالك، عن سمي، به. وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد به. وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن
стр. 7436
المسيب به. وعن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة، به.
وأخرجه مسلم عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، به. وعن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، به. وعن يحيى بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، به. وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، به. وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بنّ الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة.
وأبو داود عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، به.
والترمذي عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن مالك به.
وابن ماجه عن بكر بن خلف، وجميل بن الحسن، كلاهما عن عبد الأعلى، عن معمر، به. وعن أحمد بن عمرو بن السرح، وهاشم بن القاسم، كلاهما عن عبد الله بن وهب، عن يونس به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن ابن عيينة، به، وعن محمد بن بشار، عن صفوان بن عيسى، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة ﵁.
ومالك في "الموطأ" رقم ٧٦، وأحمد ١/ ٤٥٩ و ٢/ ٢٣٣ و ٤٥٩ و ٢٣٨ و ٢٧٠ و ٤٤٩ و ٣١٢، والدارمي رقم ١٢٤٨ و ١٢٤٩، والحميدي ٩٣٣، وابن خزيمة ٥٧٠ و ١٥٨٣ و ٥٦٩.
стр. 7437
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو جهر الإمام بـ "آمين"، ووجه ذلك أنه علق تأمين المأمومين على تأمينه، وإنما يُطَّلَعُ على ذلك بالسماع، ولا يُسْمَع ما لا يُجْهَرُ فيه.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية عنه إلى أنه يسرّ به.
قال ابن دقيق العيد: ودلالة الحديث على الجهر بالتأمين أضعف من دلالته على التأمين قليلًا، لأنه قد يدل دليل على تأمين الإمام من غير جهر.
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: في قوله: "إذا أمن فأمنوا" دليل بَيِّنٌ على أن الإمام يجهر للناس، ولا يجوز أن يكون غير ذلك؛ لأن الإمام لو أسر التأمين لم يعلم بذلك المأموم، فيؤمن إذا أمن الإمام، وهذا بين ظاهر لمن وفقه الله للفهم عن رسول الله ﷺ ، إذ محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمن إذا أمن إمامه. انتهى (١).
وقد ورد. التصريح بالجهر فيما رواه أبو داود من حديث وائل بن حجر ﵁، قال: "صليت خلف ﷺ ، فجهر بآمين".
стр. 7438
وفي لفظ له: "ورفع بها صوته". ورواه الترمذي، وحسنه بلفظ: "ومد بها صوته". وأخرجه الحاكم، وصححه.
وأما رواية شعبة في هذا الحديث: "وخفض بها صوته"، فهي خطأ، خطّأه فيها البخاري، وأبو زرعة، وغيرهما.
ولأبي داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتجّ بها المسجد". لفظ ابن ماجه، وفي إسناده ضعف، لكن يشهد له ما أخرج ابن حبان في صحيحه جـ ٥ ص ١١١ - ١١٢، والدارقطني في سننه جـ ١ ص ٣٣٥، وحسن إسناده، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: "آمين".
قال الحافظ ولي الدين ﵀: وفي حديث أبي هريرة هذا جهرُ المأمومين أيضًا بالتأمين، وهو القول القديم للشافعي، وعليه الفتوى، وفي الجديد لا يجهرون، قال الرافعي: قال الأكثرون: في المسألة قولان: أصحهما أنه يجهر.
ومنها: أن الله تعالى جعل للملائكة قوة الإدراك بالسمع، وهم في السماء لِماَ ينطق به بنو آدم في الأرض، أو لبعض ذلك؛ لأنه جعل
مكان تأمين الملائكة في السماء، ويحتمل أن يراد بالسماء العلو،
стр. 7439
والأولى حمله على ما تقدم. (١).
ومنها: أن فيه حجة على الإمامية في دعواهم أن التأمين في الصلاة مبطل لها، لأنه ليس بلفظ قرآن، ولا ذكر. قال ولي الدين ﵀: وهم في ذلك خارقون لإجماع السلف والخلف، ولا حجة لهم في ذلك، لا صحيحة، ولا سقيمة.
وقال الحافظ ﵀: ويمكن أن يكون مستندهم ما نقل عن جعفر الصادق أن معنى "آمين" أي قاصدين إليك، وبه تمسك من
قال: إنه بالمد والتشديد، وصرح المتولي من الشافعية بأن من قاله هكذا بطلت صلاته. انتهى (٢).
ومنها: أن فيه فضيلة الإمام؛ لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة، ولهذا شرع للمأموم موافقته. وظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإمام، لا إذا ترك، وقال به بعض الشافعية، كما صرح به صاحب "الذخائر"، وهو مقتضى إطلاق الرافعي الخلاف. وادعى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على خلافه ونص الشافعي في "الأم" على أن المأموم يؤمن، ولو تركه الإمام عمدًا، أو سهوًا.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشافعي ﵀ في "الأمّ"، هو الأرجح عندي، لظاهر قوله: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧]
стр. 7440
فقولوا: آمين". والله تعالى أعلم.
ومنها: أنه يستفاد من رواية الأعرج الآتية ج ٣٥/ ٩٣٠: "إذا قال أحدكم آمين، والملائكة في السماء آمين … "، استحباب التأمين للمنفرد والمأموم أيضًا. قال صاحب المفهم: وقد اتفقوا على أن الفذّ يؤمن مطلقًا، والإمام والمأموم فيما يسران فيه يؤمِّنان.
ومنها: أنه أطلق التأمين في الرواية المذكورة، ولم يقيده بالصلاة، فمن قال: يعمل بالمطلق، كالحنفية والظاهرية، يقولون: إن هذا الثواب لا يتقيد بالصلاة، بل التأمين في غير الصلاة حكمه هكذا.
لكن يمكن أن يقال لهم: إن الثواب مترتب على موافقة تأمين ابن آدم لتأمين الملائكة، وإنما نقل لنا تأمين الملائكة لتأمين المصلي، كما تدل الوواية الآتية من طريق معمر، عن الزهري: "إذا قال الإمام: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين … "، وأما من حمل المطلق على المقيد، فإنه يخصه بالصلاة، لرواية مسلم: "إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين … " أفاده ولي الدين رحمه الله تعالى.
ومنها: أنه قد يستدل بقوله: "فأمنوا"، على أن تأمين المأموم بعد تأمين الإمام، لا قبله، ولا معه؛ لأنه رتبه عليه بالفاء. وقد جزم أصحاب الشافعي باستحباب مقارنة الإمام فيه، فقال الرافعي: والأحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله، ولا بعده. وقال ابن
стр. 7441
الرفعة: إنه لا يستحب مساواته فيما عداه من الصلاة. قال إمام الحرمين: ويمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام، لا لتأمينه.
قال الحافظ ولي الدين: ويدل عليه قوله: "إذا قال الإمام: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين … ".
وروى أبو داود من حديث بلال أنه قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين، وإسناده ثقات، إلا أن البيهقي صحح رواية من جعله عن أبي
عثمان النهدي مرسلًا، ثم رواه عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبقني بآمين". قال البيهقي: فكأن بلالًا كان يؤمن قبل تأمين رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تسبقني بآمين"، كما قال: "إذا أمن الإمام، فأمنوا". اهـ كلام ولي الدين رحمه الله تعالى.
ومنها: أن المستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة من غير زيادة عليه اتباعًا للحديث، وأما ما رواه البيهقي من حديث وائل بن حجر أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] قال: "رب اغفر لي آمين"، فإن في إسناده أبا بكر النهشلي، وهو ضعيف.
وفي "الأم" للشافعي: فإن قال: آمين رب العالمين كان حسنًا. ونقله النووي في زوائده في الروضة. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نقل عن الشافعي رحمه الله
стр. 7442
يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
استدل القرطبي في "المفهم" بقوله: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين" على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، قال ولي الدين: وفي الاستدلال به على الوجوب نظر، والأدلة على الوجوب قائمة صحيحة من غير هذا الحديث. اهـ.
تنبيه آخر:
استدل القرطبي به أيضًا على أن المأموم ليس عليه أن يقرأ الفاتحة فيما جهر به إمامه. قال ولي الدين: وما أدري ما وجه الدلالة منه؟، والأدلة الصحيحة قائمة على وجوب القراءة على المأموم مطلقًا. اهـ.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في الجهر بـ "آمين":
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀ بعد ذكر أحاديث الجهر، ما نصه: فقد ثبت الجهر بالتأمين عن رسول الله ﷺ من وجوه.
وممن كان يؤمّن على إثر القراءة من أصحاب رسول الله ﷺ : عبد الله بن الزبير، ويؤمّن من خلفه حتى إن للمسجد لَلَجّةً، ثم قال: إنما آمين دعاء، وكان ابن عمر إذا ختم أم القرآن قال: آمين. وروي ذلك عن أبي هريرة.
وبه قال عطاء، والأوزاعي، واختلف فيه عن الأوزاعي، فحكى
стр. 7443
الوليد بن مسلم عنه أنه كان يرى الجهر بآمين، وحكى عنه الوليد بن يزيد أنه قال: خمس يخفيهن الإمام، فذكر آمين.
وقال أحمد: يجهر بآمين، وبه قال إسحاق، ويحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقال أبو هريرة، وهلال بن يساف: آمين اسم من أسماء الله.
وكان أصحاب الرأي يرون أن يخفي الإمام آمين، وقال سفيان الثوري: فإذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب، فقل: آمين تخفيها. انتهى كلام ابن المنذر ملخصًا (١).
وقال النووي ﵀: مذهب الشافعي ﵀ استحباب التأمين للإمام، والمأموم، والمنفرد، وأن الإمام والمنفرد يجهران به،
وكذا المأموم على الأصح، وحكى القاضي أبو الطيب، والعبدري الجهر به لجميعهم عن طاوس، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود، وهو مذهب ابن الزبير.
وقال أبو حنيفة، والثوري: يسرون بالتأمين، وكذا قال مالك في المأموم، وعنه في الإمام روايتان:
إحداهما: يسر به.
стр. 7444
والثانية: لا يأتي به، وكذا المنفرد عنده. انتهى (١).
واحتج الأولون بالأحاديث الصحيحة:
منها: أحاديث أبي هريرة التي أخرجها المصنف في هذه الأبواب الثلاثة.
ووجه الدلالة منها هو ما بينه الشافعي رحمه الله تعالى، فيما نقله عنه الربيع، قال: سئل الشافعي عن الإمام، هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها من خلفه أصواتهم، فقلت: وما الحجة؟ قال: ثنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة المذكور في الباب، ثم قال: ففي قول رسول الله ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا"، دلالة على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين؛ لأن من خلفه لا يعرفون وقت تأمينه، إلا أن يُسمعَ تأمينه، ثم بينه ابن شهاب، فقال: وكان رسول الله ﷺ يقول: "آمين".
فقلت للشافعي: فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا، وصاحبكم، عن رسول الله ﷺ ، ولو لم يكن عندنا وعندهم إلا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك، فينبغي أن يُستَدَلَّ على أن النبي ﷺ كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف، ولم يزل أهل العلم عليه.
وروى وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان يقول: "آمين، يرفع بها
стр. 7445
صوته"، ويحكى مده إياها، وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، وكان يؤذن له، أنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، كنت أسمع الأئمة؛ ابن الزبير، ومن بعده يقولون: آمين، ومن خلفهم آمين، حتى إن للمسجد لَلَجَّة. انتهى كلام الشافعي رحمه الله تعالى منقولا من "التعليق المغني على الدارقطني" (١). وتقدم تفسير ابن المنذر ﵀ بنحو مما نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى.
ومنها: حديث وائل بن حُجر ﵁، قال: "سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، ومد بها صوته". رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن. وفي رواية أبي داود: "رفع بها صوته". قال النووي: وإسناده حسن، كل رجاله ثقات، إلا محمد بن كثير العبدي جرحه ابن معين، ووثقه غيره، وقد روى له البخاري، وناهيك به شرفًا، وتوثيقًا له.
وهكذا رواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن العنبس، عن وائل بن حجر.
ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل، فاختلف عليه فيه، فرواه عنه أبو الوليد الطيالسي كذلك، ورواه عنه أبو داود الطيالسي، وقال فيه:
"قال: آمين،. خفض بها صوته". ورواه الأكثرون عن سلمة بإسناده، قالوا: "يرفع بها صوته".
стр. 7446
قال البخاري في تاريخه: أخطأ شعبة، إنما هو "جهر بها". وقال الترمذي: قال البخاري: حديث سفيان أصح في هذا من حديث
شعبة، قال: وأخطأ فيه شعبة، قال الترمذي: وكذلك قال أبو زرعة الرازي. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
وقال الدارقطني ﵀ في سننه بعد إخراج حديث وائل عن طريق شعبة، ما نصه: كذا قال شعبة: "وأخفى بها صوته"، ويقال: إنه وهم فيه؛ لأن سفيان الثوري، ومحمد بن سلمة بن كهيل، وغيرهما رووه عن سلمة، فقالوا: "ورفع صوته بآمين"، وهو الصواب. انتهى.
وقد طعن صاحب "التنقيح" كما نقله عنه في "التعليق المغني" ج ١ ص ٣٣٤ - ٣٣٧. في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه، كما أخرجه البيهقي في "سننه" عن أبي الوليد الطيالسي، ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، سمعت أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي، أنه "صلى خلف النبي ﷺ ، فلما قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: آمين رافعًا صوته". فهذه الرواية توافق رواية سفيان.
وقال البيهقي في "العرفة": إسناد هذه الرواية صحيح، وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ، وقال يحيى القطان، ويحيى بن معين: إذا خالف شعبة سفيان، فالقول قول سفيان، قال: وقد أجمع الحفاظ: البخاري، وغيره على أن شعبة أخطأ، فقد روُي من أوجه: "فجهر بها". انتهى.
стр. 7447
وقال الحافظ ﵀ في "التلخيص": حديث وائل بن حجر ﵁: "صليت خلف النبي ﷺ ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: "آمين"، ومَدَّ بها صوته". رواه الترمذي، وأبو داود، والدارقطني، وابن حبان من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عنه، وفي رواية أبي داود: "ورفع بها صوته". وسنده صحيح، وصححه الدارقطني.
وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس، وأنه لا يُعرَف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين،
وغيره.
وتصحف اسم أبيه على ابن حزم، فقال فيه: حجر بن قيس، وهو مجهول، وهذا غير مقبول منه.
ورواه ابن ماجه من طريق أخرى عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: صليت مع النبي ﷺ ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: "آمين"، فسمعناها منه. ورواه أحمد، والدارقطني من هذا الوجه، بلفظ: "مد بها صوته".
قال الترمذي في "جامعه": رواه شعبة عن سلمة بن كهيل، فأدخل بين حجر، ووائل علقمة بن وائل، فقال: "وخفض بها صوته". قال: وسمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح، وأخطأ فيه شعبة في مواضع، قال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو أبو السكن، وزاد فيه
стр. 7448
علقمة، وليس فيه علقمة، وقال: "وخفض بها صوته"، وإنما هو: "ومد بها صوته". وكذلك قال أبو زرعة.
قال الترمذي: وَرَوَى العلاءُ بن صالح، عن سلمة نحو رواية سفيان.
وقال أبو بكر الأثرم: اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان، فضبطه، ولم يضطرب في إسناده، ولا في متنه.
وقال الدارقطني: يقال: وهم فيه شعبة، وقد تابع سفيان محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه.
وقال القطان: اختلف شعبة، وسفيان فيه، فقال شعبة: "خفض"، وقال الثوري: "رفع"، وقال شعبة: حجر أبي العنبس، وقال الثوري: حجر بن العنبس، وصوب البخاري، وأبو زرعة قول الثوري، وما أدري لِمَ لم يصوبا القولين حتى يكون حجر بن عنبس هو أبو العنبس؟.
قال الحافظ: وبها جزم ابن حبان في الثقات أن كنيته كاسم أبيه، ولكن قال البخاري: إن كنيته أبو السكن، ولا مانع أن يكون له كنيتان.
قال: واختلفا أيضًا في شيء آخر، فالثوري يقول: حجر، عن وائل، وشعبة يقول: حجر، عن علقمة بن وائل، عن أبيه.
قال الحافظ: لم يقف ابن القطان على ما رواه أبو مسلم الكجي في سننه: حدثنا: عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن
стр. 7449
حجر، عن علقمه بن وائل، عن وائل، قال: وقد سمعه حجر من وائل، قال: صلى النبي ﷺ … فذكر الحديث.
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، عن شعبة، عن سلمة، سمعت حُجْرًا أبا العنبس، سمعت علقمة بن وائل، عن وائل، قال:
وسمعته من وائل.
فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة، وسفيان فيه في الرفع والخفض، وقد رُجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له، بخلاف شعبة، فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين عن رب العالمين": قال البيهقي: لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا، فالقول قول سفيان، وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني، فهذا ترجيح لرواية سفيان.
وترجيح ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح، ومحمد بن سلمة بن كهيل له.
وترجيح ثالث: وهو أن أبا الوليد الطيالسي، وحسبك به، رواه
стр. 7450
عن شعبة بوفاق الثوري في متنه. فقد اختلف على شعبة كما ترى. قال البيهقي: فيحتمل أن يكون تنبه لذلك، فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده (١).
وترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرافع متضمنة لزيادة، وكانت أولى بالقبول.
وترجيح خامس: وهو موافقتها، وتفسيرها لحديث أبي هريرة: "إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإن الإمام يقول: آمين، والملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له".
وترجيح سادس: وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته بآمين". ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانًا، فقال: قال: "آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول". وفي رواية عنه: "كان النبي ﷺ إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: "آمين"، يرفع لها صوته، ويأمر بذلك".
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما تقدم تحقيقه من كلام هؤلاء الأئمة الحفاظ أن أرجح الذاهب هو ما عليه الأكثرون، من مشروعية التأمين جهرًا في الجهرية للإمام، والمأموم، والمنفرد، لصحة الأحاديث بذلك، وأما القائلون بعدم الجهر فليس عندهم دليل، إلا ما تقدم من
стр. 7451
رواية شعبة: "وأخفى بها صوته"، وقد اتفق الحفاظ على أن هذه الرواية غير صحيحة، وإنما الصحيح رواية الثوري، وهي بلفظ: "قال: آمين، يمدّ بها صوته". والله سبحانه، وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٢٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الخُزاعي الجَوَّاز المكي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٣ - (سعيد بن المسيب)، الإمام الفقيه الثقة الثبت، مات سنة ٩٤, من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩.
стр. 7452
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٢٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ، وَإِنَّ الإِمَامَ يَقُولُ: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ، أو مسعود البصري، ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم الصنعاني، ثقة ثبت فاضل، مات سنة ١٥٤، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم
في ١٠/ ١٠.
стр. 7453
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث واضح مما مضى. والله سبحانه، وتعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٩٢٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
كلهم تقدموا في هذا الباب، إلا:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت من [١٠]، فتقدم في ١/ ١.
٢ - و (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه، من [٧]، فتقدم في ٧/ ٧.
وشرح الحديث واضح مما سبق. والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7454
٣٤ - بَابُ الأمْرِ بِالتَّأْمِينِ خَلْفَ الإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على أمر المأموم بأن يقول: "آمين" خلف إمامه عقب قراءة فاتحة الكتاب.
ومحل الاستدلال من الحديث واضح، وقد تقدم الكلام عليه مستوفىً في الباب الماضي.
٩٢٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
كلهم تقدموا في الباب الماضي، إلا اثنين:
١ - (سُميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة، مات سنة ١٣٠ مقتولًا بقُدَيد، من [٦]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٢٢/ ٥٤٠.
٢ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، وكان
стр. 7455
يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة١٠١, من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
وشرح الحديث، ومسائله تقدمت في الباب الماضي، فراجعها تستفد. وبالله التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7456
٣٥ - فَضْلُ التَّأمِينِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل التأمين.
الظاهر أن المصنف ﵀ أراد أن التأمين لا يختص بحالة الصلاة فقط، بل ينبغي التأمين لقراءة القارئ مطلقًا، ولهذا أورد فيه
رواية الأعرج، لأنها مطلقة غير مقيدة بحال.
قال ابن المُنَيِّر ﵀: وأيُّ فضل أعظم من كونه قولًا يسيرًا، لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة، سواء كان داخل الصلاة، أو خارجها، لقوله: "إذا قال أحدكم"، لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: "إذا قال أحدكم في صلاته"، فيحمل المطلق على القيد.
نعم في رواية همام، غن أبي هريرة عند أحمد -وساق مسلم إسنادها-: "إذا أمن القارئ، فأمنوا"، فهذا يمكن حمله على الإطلاق،
فيستحب التأمين إذا أمّن القارئ مطلقًا لكل من سمعه، من مصل، أو غيره.
ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحد, اختلفت ألفاظه. انتهى (١).
стр. 7457
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الإطلاق هو الأولى، والأحوط؛ عملًا بإطلاق قوله: "إذا أَمّنَ القارئ فأَمِّنُوا"، حديث الباب، فينبغي التأمين لقراءة فاتحة الكتاب مطلقًا، في الصلاة، أو خارجها. والله تعالى أعلم.
٩٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
كلهم تقدموا قريبًا، إلا اثنين:
١ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه، مات سنة ٢٣، وقيل: بعدها، من [٥]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٢ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، مات لسنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
وشرح الحديث ومتعلقاته واضحة مما تقدم، فلا حاجه إلى إطالة
стр. 7458
الكتاب بإعادتها. والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7459
٣٦ - قَوْلُ الْمَأمُومِ إِذَا عَطَسَ خَلْفَ الإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي ينبغي أن يقوله المأموم خلف إمامه وقت العطاس.
فالقول بمعنى القول، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول. والله تعالى أعلم.
٩٣١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ، مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَقَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِى الصَّلَاةِ؟ "، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ "، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا، طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 7460
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا؟ ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (رفاعة بن رافع بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع) ابن مالك بن العجلان الأنصاري الزرقي، إمام مسجد بني زريق، صدوق من [٨].
روي عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع. وعنه بشر بن عمر الزهراني، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، وقتيبة، وعبد العزيز بن أبي
ثابت.
ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة (١) أخرج له أبو داود، والترمذي، وصحح حديثه، والنسائي، وله عندهم حديث الباب فقط (٢).
٣ - (معاذ بن رفاعة بن رافع) بن مالك بن عجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي المدني، صدوق من [٤]، روى له