قال: "غدوت على النبي ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة، فسجد" … الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني في الصغير من حديث علي ﵁: "أن النبي ﷺ سجد في صلاة الصبح في "تنزيل السجدة". لكن إسناده ضعيف. والله تعالى أعلم.
الثانية: قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السجدة، قصد السجود الزائد حتى إنه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها, فيها سجدة، وقد عاب ذلك على فاعله غير واحد من العلماء، ونسبهم صاحب الهدي إلى قلة علم، ونقص المعرفة، لكن عند ابن أبي شيبة بإسناد قوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا أنه فعل ذلك، فقرأ سورة مريم، ومن طريق ابن عون قال: كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا، قال: وسألت محمدًا -يعني ابن سيرين- عنه؟ فقال: لا أعلم به بأسًا. انتهى.
فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة، فلا ينبغي القطع بتزييفه.
وقد ذكر النووي في زيادات الروضة هذه المسألة، وقال: لم أر فيها كلامًا لأصحابنا، ثم قال: وقياس مذهبنا أنه يكره في الصلاة إذا قصده. انتهى.
стр. 7737
وقد أفتى ابن عبد السلام قبله بالمنع، ويبطلان الصلاة بقصد ذلك.
قال صاحب المهمات: مقتضى كلام القاضي حسين الجواز. وقال الفاروقي في "فوائد المهذب": لا تستحب قراءة سجدة غير تنريل، فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها, ولو بآية السجدة منها. ووافقه ابن أبي العصرون في "كتاب الانتصار"، وفيه نظر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قراءة غير ما ثبت عن النبي ﷺ من السورة التي فيها السجدة، بدلًا عما ثبت عنه ليس مما ينبغي، بل لا يبعد القول بكراهته إن قصده، وأما القول ببطلان الصلاة به فشيء عجيب، فكيف تبطل الصلاة بقراءة سورة من السور القرآنية مع الفاتحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) شَرِيكٌ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
стр. 7738
﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَةِ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان﴾ [الإنسان: ١].
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم في الباب الماضي.
٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، من [٧] مات سنة ١٧٥ أو ١٧٦، أخرج له الجماعة، تقدم في
٤١/ ٤٦.
٣ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩]، مات سنة ٢٤٤، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣.
٤ - (شريك) بن عبد الله النخعي القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، عادل فاضل عابد شديد على أهل
البدع، من [٨]، مات سنة ١٧٧، أخرج له البخاري تعليقًا، مسلم، والأربعة، تقدم في ٢٥/ ٢٩.
٥ - (مُخَوَّل (١) بن راشد) أبو راشد بن أبي المُجَالد النهدي مولاهم الكوفي الحنّاط (٢) ثقة نسب إلى التشيع، من [٦] مات بعد أربعين ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٤٢٦.
стр. 7739
٦ - (مسلم) بن عمران البطين، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفي، ثقة من [٦] , تقدم في ٢٦/ ٩١٥.
٧ - (سعيد بن جُبَير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من [٣] قتل سنة ٩٥ ولم يكمل ٥٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦.
٨ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵄, تقدم في ٢٧/ ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: لطائف الإسناد تقدم غير مرة، وكذا شرح الحديث تقدم في الحديث الذي قبله. والله ولي التوفيق، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٤٧/ ٩٥٦ - وفي "الكبرى" -٤٧/ ١٠٢٨ - بالسند المذكور. وفي -٣٨/ ١٤٢١ - وفي "الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٦ - عن محمد ابن عبد الأعلى الصنعاني، عن خالد بن الحارث الهُجَيمي، عن شعبة، عن مخول، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عنه، بلفظ: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾
стр. 7740
[السجدة: ١، ٢]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين". وأعاده في "الكبرى" في "التفسير" -١١٦٣٩ - بلفظ حديث الباب عن علي بن حجر به. والله تعالى ولي التوفيق.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، وعن أبي كريب، عن وكيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري- وعن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة- كلاهما عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عنه - بلفظ: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة "سورة الجمعة، والمنافقين".
وأبو داود" فيه عن مسدد، عن يحيى القطان، عن شعبة به. وعن مسدد، عن أبي عوانة، عن مخول- بالقصة الأولى.
والترمذي فيه عن علي بن حُجْر، عن شريك، عن مخول بالقصة الأولى، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن خلاد الباهلي، عن وكيع، وابن مهدي، كلاهما عن سفيان له.
стр. 7741
وأخرجه أحمد جـ ١ ص ٢٢٦ و ٣٢٨ و ٣٤٠ و ٣٥٤ و ٢٧٢ و ٣٠٧ و ٣١٦ و ٣٣٤ و ٣٦١ و ٣٣٤. وابن خزيمة رقم ٥٥٣. والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7742
٤٨ - بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية السجود في تلاوة القرآن.
وكان الأولى للمصنف رحمه الله تعالى أن يترجم بـ[كتاب سجود القرآن]، أو بـ[أبواب سجود القرآن] كما فعل الإمام البخاري رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
السُّجُودُ فِى ﴿صَ﴾ [ص: ١]
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السجود في "سورة ﴿ص﴾ ".
٩٥٧ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي ﴿ص﴾ [ص: ١]، وَقَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِبراهيم بن الحسن المِقْسَمِيّ) أبو إسحاق المِصِّيصِيّ، ثقة،
стр. 7743
من [١١]، أخرج له أبو داود، النسائي, تقدم في ٥١/ ٦٤.
٢ - (حجاج بن محمد) الأعور، أبو محمد الترمذي، نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدم بغداد، من
[٩] مات سنة ٢٠٦، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (عمر بن ذرّ) بن عمد الله بن زُرَارة الهَمْدَاني الْمُرْهِبِيّ، أبو ذرّ الكوفي، ثقة رمي بالإرجاء، من [٦].
روى عن أبيه، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، ويزيد بن أمية، ومجاهد، وآخرين.
وعنه أبان بن تغلب، وحجاج بن محمد الأعور، وابن عيينة، ووكيع، وابن المبارك، وآخرون.
قال البخاري، عن علي: له نحو ثلاثين حديثًا، وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان. قال جدي: عمر بن ذرّ ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. وقال الدُّورِيّ وغيره عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائي، والدارقطني. وقال العجلي. كان ثقة بليغًا يرى الإرجاء، وكان لَيِّن القولِ فيه.
وقال أبو داود: كان رأسًا في الإرجاء، وكان قد ذهب بصره. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وكان مرجئًا، لا يحتج بحديثه، هو مثل يونس بن أبي إسحاق، وقال في موضع آخر: كان رجلًا صالحًا، محله
стр. 7744
الصدق. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو عاصم، عن عمر بن ذرّ كوفيٍّ ثقةٍ مرجىءٍ. وقال ابن خراش: صدوق من خيار الناس، وكان مرجئًا، وعن يحيى بن سعيد القطان ما يدلّ على أنه كان رأسًا في الإرجاء. وقال ابن حبان في "الثقات": كان مرجئًا، وهو ثقة. وقال البَرْدِيجي: روى عن مجاهد أحاديث مناكير، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مرجىء. وقال ابن سعد: قال محمد بن عبد الله الأسدي: توفي سنة (١٥٣) كان مرجئًا، فمات، فلم يشهده الثوري، وكان ثقة، إن شاء الله، كثير الحديث، وقيل: مات سنة (١٥٠) وقيل: سنة (٢) وقيل: (٥) وقيل: (٦) وقيل: (٧). والله أعلم.
روى له ابن ماجه في "التفسير" والباقون سوى مسلم (١). والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وقع في النسخة المطبوعة "عَمْرو بن ذَرّ" بالفتح، وهو خطأ، والصواب عُمَر بالضمّ.
ووقع في نسخة "الكبرى" "عمر بن زر" بالزاي، وهو خطأ، والصواب "ذرَ" بالذال المعجمة. فتنبه.
٤ - (ذّرّ) بن عبد الله المرهبي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء، من [٦] مات قبل المائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٥/ ٣١٢.
وأما سعيد، وابن عباس، فتقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم
стр. 7745
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن شيخه ممن انفرد به هو وأبو داود، والباقون من رجال الجماعة، إلا عمر ابن ذر، فما أخرج له مسلم، وأخرج له ابن ماجه في "التفسير"، وأن شيخه وحجاجًا مصيصيان، والباقون كوفيون، إلا ابن عباس، فمدني، ثم بصري، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾) ولفظه عند البخاري، وغيره: عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها".
ووقع عند البخاري في "التفسير" من طريق مجاهد، قال: "سألت ابن عباس من أين سجدت في ﴿ص﴾؟ "، ولابن خزيمة من هذا الوجه: "من أين أخذت سجدة ﴿صَ﴾؟ "، ثم اتفقا، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
ففي هذا بيان أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية، وفي الأول أنه أخذه عن النبي ﷺ ، ولا تعارض بينهما، لاحتمال أن يكون استفاده من الطريقين.
стр. 7746
وقد وقع عند البخاري في أحاديث الأنبياء من طريق مجاهد في آخره فقال ابن عباس: "نبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم". فاستنبط وجه سجود النبي ﷺ فيها من الآية.
وسبب ذلك كون السجدة التي في ﴿ص﴾ إنما وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة.
وقوله: "ليست من عزائم السجود": المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله، كصيغة الأمر، مثلًا، بناءً على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب، وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن: "إن العزائم ﴿حم﴾، ﴿وَالنَّجْمِ﴾، و ﴿اقْرَأْ﴾، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخيرة. وقيل. "الأعراف"، و ﴿سُبْحَانَ﴾، و ﴿الم﴾. أخرجه ابن أبي شيبة. قاله في "الفتح" (١).
(وقال) ﷺ حينما سجدها (سجدها داود) عليه الصلاة، والسلام (توبةً) منصوب على أنه مفعول لأجله، وكذا قوله: "شكرًا"، كما قال في "الخلاصة":
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ … أبَانَ تَعْلِيلًا "جُدْ شُكْرًا وَدِنْ"
والمعنى أن داود ﵇ سجد هذه السجدة لأجل التوبة إلى الله .
стр. 7747
(ونسجدها شكرًا) أي نحن أيتها الأمة نسجد هذه السجدة في هذه السورة شكرًا لله تعالى على ذلك، فحين يجري في القرآن ذِكْرُ مَنِّ الله تعالى على عبده داود ﵇ بالتوفيق لتلك التوبة والقبول لها؛ نسجد لله تعالى شكرًا على ذلك.
وقد استدلّ الشافعي ﵀ بقوله: "شكرًا" على أنه لا يسجد فيها في الصلاة, لأن سجود الشكر لا يشرع داخل الصلاة.
وفي رواية أبي داود، وابن خزيمة، والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: قرأ رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة، نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَنَّزَ الناس (١) للسجود، فقال النبي ﷺ : "إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَنَّزْتم للسجود، فنزل، فسجد، وسجدوا". فهذا السياق يشعر بأن السجود فيها لم يؤكد كما أكد في غيرها.
واستدل بعض الحنفية من مشروعية السجود عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] بأن الركوع عندها ينوب عن السجود، فإن شاء المصلي ركع بها، وإن شاء سجد، ثم طرده في جميع السجدات، وبه قال ابن مسعود ﵁ (٢).
стр. 7748
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستنباط محل نظر. والله تعالى أعلم.
وقال السندي رحمه الله تعالى: وكون السجدة للشكر لا يستلزم عدم الوجوب، كما أنه لا يستلزم الوجوب، فينبغي الرجوع في معرفة أحد الأمرين إلى خارج. والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵁ هذا صحيح.
وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنف ﵀، أخرجه هنا -٤٨/ ٩٥٧ - وفي "الكبرى" -٤٨/ ١٠٢٩ - بالسند المذكور. وأعاده في "التفسير" من "الكبرى" -١١٤٣٧.
وأخرجه أيضًا في "التفسير" ١١١٦٩ - عن عبيد الله بن سعد، عن عمه يعقوب بن إبراهيم، عن شريك، عن حصين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه سجد في ﴿ص﴾ ثم قال: "أمرَ نَبِيُّ الله ﷺ أن يقتدي بالأنبياء، ثم قرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
стр. 7749
اقْتَدِهْ﴾ " [الأنعام: ٩٠].
وفي -١١١٧٠ - عن عتبة بن عبد الله، عن سفيان، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "رأيت النبي ﷺ يسجد في ﴿ص﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ﴾ " [الأنعام: ٩٠].
وقد أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، بلفظ: " ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها".
فأخرجه البخاري في سجود القرآن عن سليمان بن حرب، وأبي النعمان، كلاهما عن حماد بن زيد- وفي "أحاديث الأنبياء" عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب- كلاهما عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: " ﴿ص﴾ ليست من عزائم السجود … ".
وأبو داود في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل به. والترمذي فيه عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن أيوب به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية. في اختلاف العلماء في سجود ﴿ص﴾.
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: وقد اختلف أهل العلم في السجود في ﴿ص﴾، فروينا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر أنهم سجدوا فيها. وفعل ذلك طاوس، وهو قول سعيد بن جبير، والحسن الحصري، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
وذهبت طائفة إلى أنه لا سجود في ﴿ص﴾، وممن كان لا يسجد
стр. 7750
فيها: عبد الله بن مسعود، وعلقمة، وأصحاب عبد الله، وكان الشافعي لا يرى السجود فيها.
قال: وبالقول الأول أقول، للثابت عن رسول الله ﷺ . انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما رجحه الإمام ابن النذر رحمه الله تعالى هو الراجح عندي، لقوة دليله. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم سجود التلاوة:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن سجود التلاوة سنة، وليس بواجب، وممن قال بهذا عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعمران
ابن حصين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وغيرهم ﵃.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن سجود التلاوة واجب على القارئ، والمستمع, واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠، ٢١]، وبقول تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وبالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ سجد للتلاوة، وقياسًا على سجود الصلاة.
واحتح الأولون بالأحاديث الصحيحة:
стр. 7751
منها: حديث زيد بن ثابت ﵁، قال: قرأت على رسول الله ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. متفق عليه.
ومنها: ما احتج به الشافعي رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وهو حديث الأعرابي: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع". متفق عليه.
ومنها: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأها، حتى إذا جاء السجدة، قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر". وفي رواية قال: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء". أخرجهما البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه".
قال النووي ﵀: وهذا القول من عمر ﵁ في هذا الموطن، والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس
بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا يوجد هنا.
وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها، فهي إنما وردت في ذم الكفار في تركهم السجود استكبارًا، وجحودًا، وأما المراد بالسجود في الآية الثانية سجود الصلاة، والأحاديث التي احتجوا بها محمولة على
стр. 7752
الاستحباب، جمعًا بين الأدلة. والله تعالى أعلم. انتهى من "مجموع النووي" ﵀ مختصرًا (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مذهب الجمهور وهو عدم الوجوب هو الراجح، لقوة دليله، كما ذكر آنفًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في عدد سجود القرآن:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في عدد سجود القرآن، فروينا عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما كانا يعدان سجود القرآن، فقالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطس، وآلم تنزيل، وص، وحم السجدة، إحدى عشرة سجدة. وروينا عن ابن عباس رواية أخرى أنه عدها عشرًا، وأسقط السجود في ص.
وقد اختلف عن ابن عمر في السجدة الثانية من سورة الحج.
وقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدة، في الحج منها سجدتان، وفي المفصل ثلاثة، وليس في ص منها شيء. هكذا قال
الشافعي، وقال أبو ثور كقول الشافعي في العدد، غير أنه أثبت السجود في ص، وأسقط السجود من سووة النجم، خالف الشافعي في هاتين السجدتين.
стр. 7753
وقال إسحاق في سجود القرآن: خمس عشرة: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، وفي الحج سجدتان مباركتان، وفي
الفرقان، والنمل، وألم تنزيل السجدة، وفي ص، وفي حم السجدة، وفي النجم، وفي إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك الذي خلق.
وقال أصحاب الرأي كما قال إسحاق، إلا في السجود في الحج، فإنهم قالوا: فيها سجدة واحدة، وقولهم كقوله في سائر سجود القرآن. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). وبالله تعالى التوفيق.
فائدة: قال النووي ﵀ في شرح مسلم: واعلم: أنه يشترط لجواز سجودة التلاوة، وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن
الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولا يجوز السجود حتى يتم قراءة السجدة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة اشتراط الطهارة في سجود التلاوة فيها خلاف، فقد صح عن ابن عمر ﵄، وغيره عدم
اشتراط ذلك، وهو ظاهر مذهب البخاري، فإنه ترجم [باب سجود المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس ليس له وضوء].
قال: وكان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء.
стр. 7754
انتهى (١).
وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر ينزل عن راحلته،
فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ.
وأما ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال. لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما -كما قال الحافظ- بأنه أراد بقوله طاهر الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة.
ووافق ابن عمرَ على جواز السجدة بلا وضوء الشعبيُّ، أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ أنه كان يقرأ بالسجدة، ثم يسجد، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء. قاله في "الفتح" (٢).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وقد كان يسجد معه ﷺ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون، كما
стр. 7755
تقدم، وهم أنجاس، لا يصح وضوؤهم. انتهى (١).
قال الجامع: عندي الأولى أن لا يسجد على غير وضوء، وأما إيجاب الوضوء فمحل توقف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
فائدة أخرى: قال النووي رحمه الله تعالى: يجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؛ لأنها ذات سبب، ولا
يكره عندنا ذوات الأسباب، وفي المسألة خلاف مشهور انتهى (٢).
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: روي عن بعض الصحابة أنه يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروهة، والظاهر عدم الكراهة, لأن
السجود المذكور ليس بصلاة، والأحاديث الواردة في النهي خاصة بالصلاة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشوكاني رحمه الله تعالى حسن جِدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 7756
٤٩ - السُّجُودُ فِي ﴿وَالنَّجْمُ﴾ [النجم: ١]
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية السجود في سورة ﴿وَالنَّجْمُ﴾ [النجم: ١].
٩٥٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَسْلَمَ الْمُطَّلِبُ.
رجال هذا الإسناد: تسعة
١ - (عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران) الجزري، ثم الرقيّ، أبو الحسن الميموني، الحافظ الفقيه، ثقة فاضل، من [١١].
صحب أحمد بن حنبل، وروى عنه، وعن أبيه عبد الحميد، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وحجاج بن محمد ورَوْح بن عُبَادَةَ،
стр. 7757
وغيرهم. وعنه النسائي، وأبو حاتم، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو علي الحَرَّاني: مات سنة (٢٧٤).
وذكر مسلمة في "الصلة" أن ابن الأعرابي حدثهم عنه، فهو على هذا خاتمة أصحابه. وقال أبو بكر الخلال: كان سنه يوم مات دون المائة، سمعته يقول: ولدت سنة (١٨١) وكان فقيه البدن، كان أحمد يكرمه، ويفعل معه ما لا يفعله مع أحد غيره، قال: وسمعته يقول: صحبت أحمد على الملازمة من (٢٠٠) إلى سبع وعشرين (١). انفرد به المصنف.
"تنبيه":
قوله: "عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران" هكذا وقع في نسخ "المجتبى" وهو"عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن ميمون ابن مهران" فسقط" عبد الحميد" الثاني من نسخ "المجتبى" فتنبه.
٢ - (ابن حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقة حافظ
فقيه حجة، وهو رأس الطبقة [١٠].
خرجت به أمه من مرو، وهي حامل، فولدته ببغداد، وبها طلب العلم، ثم طاف البلاد، فروى عن بشر بن المفضل، وإسماعيل ابن علية،
стр. 7758
وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي داود الطيالسي، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، وعلي ابن عياش الحمصي، والشافعي، وغندر، ومعتمر بن سليمان، وجماعة كثيرين.
روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والباقون مع البخاري أيضًا بواسطة، وأسود بن عامر شاذان، وابن مهدي، والشافعي، وأبو الوليد، وعبس الرزاق، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويزيد بن هارون، وهم من شيوخه، وقتيبة، وداود بن عمرو الضبي، وخلف بن هشام، وهم أكبر منه، وأحمد بن أبي الحواري، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والحسين بن منصور، وزياد بن أيوب، ودُحَيم، وأبو قدامة السرخسي، ومحمد بن رافع، ومحمد بن يحيى بن أبي سَمينَة، وهؤلاء من أقرانه، وابناه. عبد الله، وصالح، وتلامذته أبو بكر الأثرم، وحرب الكرماني، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحنبل بن إسحاق، وشاهين بن السميدع، والميموني، وغيرهم، وآخر من حدث عنه أبو القاسم البغوي.
قال ابن معين: ما رأيت خيرًا من أحمد، ما افتخر علينا قط بالعربية، ولا ذكرها. وقال عارم: قلت له يومًا: يا أبا عبد الله: بلغني أنك من العرب، فقال: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين. وقال صالح: سمعت أبي يقول: ولدت سنة (١٦٤) في أولها, في ربيع الأول. وقال عبد الله: سمعت أبي يقول. مات هشيم سنة (١٨٣) وخرجت إلى الكوفة في تلك الأيام، ودخلت البصرة سنة (٨٦). وقال أيضًا: سمعته يقول:
стр. 7759
سمعت من علي بن هاشم بن البريد سنة (١٧٩) في أول سنة طلبت الحديث، ثم عدت إليه المجلس الآخر، وقد مات، وهي السنة التي مات فيها مالك، وقال أيضًا: حججت سنة (٨٧) وقد مات فضيل بن عياض قبل ذلك، ورأيت ابن وهب بمكة، ولم أكتب عنه، قال: وحججت خَمْسَ حِجَجٍ، منها ثلاث حجج راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا. وقال إبراهيم بن شماس: سمعت وكيع بن الجراح، وحفص بن غياث يقولان. ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى، يعنيان أحمد. وقال القطان: ما قدم علي مثل أحمد، وقال فيه مرة: حبر من أحبار هذه الأمة. وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه، ولا أورع. وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه. وقال يحيى ابن آدم: أحمد إمامنا. وقال الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل. وقال عبد الله الخريبي: كان أفضل أهل زمانه. وقال أبو الوليد: ما بالمصْرَيْنِ أحب إلى من أحمد، ولا أرفع قدرًا في نفسي منه. وقال العباس العنبري: حجة. وقال ابن المديني. ليس في أصحابنا أحفظ منه. وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا. وقال أبو عبيد: ليس أعلم في الإسلام مثله. وقال يحيى بن معين: لو جلسنا مجلسًا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، نَزِهُ النفسِ، فقيه في الحديث، متبع
стр. 7760
الآثار، صاحب سنة وخير. وقال أبو ثور: أحمد شيخنا، وإمامنا. وقال العباس بن الوليد ابن مَزْيَد: قلت لأبي مُسْهِر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد. وقال بشر بن الحارث. أدْخِلَ الكِيَر، فخرج ذهبًا أحمر. وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل. وقال أحمد الدورقي: مَنْ سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتهموه على الإسلام.
وقال أبو زرعة الرازي. كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له. وما يدريك؟ قال: أخذت عليه الأبواب. وقال نوح بن حبيب: رأيت أحمد في مسجد الخيف سنة (٩٨) مستندًا إلى المنارة، فجاءه أصحاب الحديث، فجعل يعلمهم الفقه والحديث، ويفتي الناس. وقال عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة. وقال هلال ابن العلاء: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم، بالشافعي، تفقه بحديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد، ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين، نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد، فسر الغريب. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: إمام، وهو حجة. وقال النسائي: الثقة المأمون أحد الأئمة. وقال ابن ماكولا: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين. وقال الخليلي: كان أفقه أقرانه وأورعهم، وأكفهم عن الكلام في المحدثين، إلا في
стр. 7761
الاضطرار، وقد كان أمسك عن الرواية من وقت الامتحان، فما كان يروي إلا لابنيه في بيته. وقال ابن حبان في "الثقات": كان حافظًا متقنًا فقيهًا ملازمًا للورع الخفي، مواظبًا على العبادة الدائمة، أغاث الله به أمة محمد ﷺ ، وذاك أنه ثبت في المحنة، وبذل نفسه لله، حتى ضرب بالسياط للقتل، فعصمه الله تعالى عن الكفر، وجعله علمًا يقتدى به، وملجأ يُلْجَأ إليه. وقال سليمان بن حرب لرجل سأله عن مسألة: سل أحمد عنها، مإنه إمام. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد، ولا أعقل، وهو عندي أفضل، وأفقه من الثوري. وقال ابن سعد: ثقة ثبت صدوق كثير الحديث. وقال أبو الحسن بن الزعفراني: كشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه، فوجد كفنه صحيحًا لم يبل، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة.
قال عباس الدُّوري، ومُطّيَّن، والفضل بن زياد، وغيرهم: مات يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، سنة (٢٤١)، لكن قال
الفضل: في ربيع الآخر، وكذلك قال عبد الله بن أحمد، وقيل: حُزِر من صلى عليه، فكانوا ثمانمائة ألف رجل، وستين ألف امرأة، وقيل: أكثر من ذلك. وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز. أخرج له الجماعة (١).
стр. 7762
٣ - (إِبراهيم بن خالد) بن عبيد القرشي الصنعاني المؤذن، ثقة، من [٩].
روى عن رباح بن زيد الثوري، ومعمر، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وابن المديني، وأحمد بن صالح، وجماعة. قال ابن معين: ثقة.
وقال أحمد: كان ثقة، وأثنى عليه خيرًا.
وقال أبو حاتم ابن حبان في "الثقات": كان مؤذن مسجد صنعاء سبعين سنة. ووثقه البزار، والدارقطني. أخرج له أبو داود، والنسائي (١).
٤ - (رباح) بن زيد القرشي مولاهم الصنعاني، ثقة فاضل، من [٩].
روى عن معمر، وعبد الله بن بجير بن ريسان، وعمر بن حبيب المكي، وغيرهم. وعنه إبراهيم بن خالد، وعبد الرزاق، ومحمد بن عبد الرحيم بن شروس، وزيد بن المبارك الصنعانيون، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم.
قال حرب: رأيت أحمد، وذكر رباحًا، فذكر من فضله. وقال: كان ابن المبارك يثني عليه. وقال الميموني، عن أحمد: كان خيارًا، ما
أرى كان في زمانه خير مثله، قد انقطع عن الناس. وقال أبو حاتم: جليل
стр. 7763
ثقة. وقال ابن سعد، من الواقدي: قد رأيته، وكان له فضل وعلم بحديث معمر.
وقال النسائي: ثقة. ووثقه العجلي، والبزار، ومسلم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان شيخًا صالحًا فاضلًا. وقال إبراهيم ابن خالد الصنعاني: مات سنة (١٨٧) وهو ابن (٨١) سنة. أخرج له أبو داود، والنسائي (١).
٥ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧]، مات سنة ١٥٤، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٦ - (ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان الأبْنَاوي، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد، من [٦].
روى من أبيه، وعطاء، وعمرو بن شعيب، وعكرمة بن خالد، وغيرهم. وعنه ابناه طاوس، ومحمد، وعمرو بن دينار، وأيوب
السختياني، ومعمر، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال عبد الرزاق، عن معمر: قال لي أيوب: إن كنت راحلًا إلى أحد، فعليك بابن طاوس، فهذه رحلتي إليه، وقال أيضًا عن معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس، فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال: حسبك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا، وكان أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقًا. قال ابن سعد، عن الهيثم
стр. 7764
ابن عديّ: مات في خلافة أبي العباس. وقال ابن عيينة: مات سنة (١٣٢) وأرخه ابن قانع سنة إحدى. وقال النسائي في "الكنى": ثقة مأمون، وكذا قال الدارقطني في "الجرح والتعديل". وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد أيوب بسنة، وكان من خيار عباد الله فضلًا ونسكًا ودينًا، وتكلم فيه بعض الرافضة.
ذكر أبو جعفر الطوسي في "تهذيب الأحكام" له عن أبي طالب الأنباري عن محمد بن أحمد البريري، عن بشر بن هارون، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: جلست إلى ابن عباس بمكة، فقلت: روى أهل العراق، عن طاوس، عنك مرفوعًا: "ما أبقت الفرائض، فلأولى عَصَبَةٍ ذَكَر". فقال: أبْلِغْ أهلَ العراق أني ما قلت هذا, ولا رواه طاوس عني. قال حارثة: فلقيت طاوسًا، فقال: لا والله ما رويت هذا، وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال: ولا أراه إلا من قبل ولده، وكان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان كثير الحمل على أهل البيت.
قال الحافظ ﵀: قلت: ومن دون الحميدي لا يعرف حاله، فلعل النبلاء من بعضهم، والحديث المذكور في "الصحيحين". انتهى. أخرج له الجماعة (١).
٧ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام المخزومي المكي، ثقة
стр. 7765
عابد، من [٣]، مات بعد عطاء، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٣٧/ ٩٤٠.
٨ - (جعفر بن المطلب بن أبي وداعة) السهمي، أخو كثير، مقبول، من [٣].
روى عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو، وأبيه المطلب. وعنه عكرمة بن خالد، وابن أخيه، سعيد بن كثير بن المطلب. ذكره ابن حبان في "الثقات". انفرد به المصنف (١).
٩ - (المُطَّلِب بن أبي وَدَاعَةَ) الحارث بن صُبَيرة (٢) بن سُعَيد بن سهم السهمي القرشي، أمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب. له ولأبيه صحبة، وهما من مسلمة الفتح، وأمه أروى بنت الحارث ابن عبد المطلب.
روى عن النبي ﷺ ، وعن حفصة. وعنه أولاده: جعفر، وعبد الرحمن بن المطلب، والسائب ابن يزيد، وعكرمة بن خالد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، على خلاف فيه. روى له مسلم حديثه عن حفصة في صلاة السبحة قاعدًا.
وقال الواقدي: نزل المدينة، وله لها دار، وبقي دهرًا، ومات بها.
стр. 7766
أخرج له الجماعة، إلا البخاري (١).
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من تساعيات المصنف ﵀ وهو قريب من أنزل الأسانيد له، وهي العُشَاريات.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيه من المقلين،
ليس له في الكتب الخمسة إلا ثلاثة أحاديث:
حديث الباب عند المصنف. وحديث حفصة ﵂ أنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ في سبحته قاعدًا" … أخرجه الجماعة، إلا البخاري، وحديث أنه رأى النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم … عند أبي داود، والترمذي، والمصنف. وحديث أن العباس جاء إلى النبي ﷺ ، وكأنه سمع شيئًا، فقام النبي ﷺ على المنبر، فقال: "من أنا" … عند الترمذي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن المطلب بن أبي وَدَاعَةَ) السهمي ﵁، أنه (قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد، وسجد مَنْ عنده) وفي رواية لأحمد: "وسجد الناس معه"، أي سجد كل من حضره من المسلمين والمشركين، والجن والإنس، ففي رواية البخاري من حديث ابن
стр. 7767
عباس ﵄: "أن النبي ﷺ سجد بـ"النجم"، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجنّ، والإنس" (فرفعت رأسي) كناية عن عدم سجوده، فقوله (وأبيت أن أسجد) أي امتنعت عن السجود معهم. بيان لمعنى قوله: "فرفعت رأسي".
ثم بين سبب امتناعه عن ذلك بقوله (ولم يكن يومئذ أسلم المطلب) يحتمل أن يكون هذا الكلام للمطلب نفسه، فيكون من باب
الالتفات، ويحتمل أن يكون للراوي عنه. يعني أنه إنما امتنع من السجود لكونه وقتئذ غير مسلم.
زاد في رواية أحمد: "وكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا قرأها إلا سجد". وفي رواية: "قال المطلب: فلا أدع السجود فيها أبدًا".
وفيه بيان مشروعة السجود في "سورة النجم"، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي بيان ذلك في مسائل
الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث المطلب بن أبي وَدَاعَةَ ﵁ هذا صحيح.
فإِن قلت: فيه جعفر بن المطلب، قال عنه في "التقريب". مقبول،
стр. 7768
فيكف يصح؟
أجيب: بأنه تابعي روى عن عمرو بن العاص، وعبد الله ابن عمرو، وأبيه المطلب، وروى عنه عكرمة بن خالد، وابن أخيه سعيد
بن كثير، ووثقه ابن حبان، فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، ثم إن حديثه هذا يشهد له حديث ابن مسعود ﵁ الذي بعده، فيكون حديثًا صحيحًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف ﵀، فإنه ما أخرجه من أصحاب الأصول، غيره، أخرجه هنا -٤٩/ ٩٥٨ - وفي "الكبرى" -٤٩/ ١٠٣٠ - بالسند المذكور.
وأخرجه أحمد جـ ٣ ص ٤٢٠ وجـ ٤ ص ٢١٥ وجـ ٦ ص ٣٩٩ و ٤٠٠. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا, ونعم الوكيل.
٩٥٩ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ النَّجْمَ، فَسَجَدَ فِيهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَريّ، أبو مسعود البصري، ثقة، من [١٠]، مات سنة ٢٤٨، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث بن عُبَيْد الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة
стр. 7769
ثبت، من [٨]، مات سنة ١٨٦، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت، من [٧]، مات سنة ١٦٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو إِسحاق) السبيعي، عَمْرُو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة عابد يدلس، واختلط بآخره، من [٣]، مات سنة ١١٧، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، مخضرم ثقة مكثر فقيه، من [٢]، مات سنة ٧٤ أو ٧٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عبد الله) بن مسعود الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأن الثلاثة الأولين
بصريون، والباقون كوفيون، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه عبد الله، وهو إذا أطلق في الصحابة عند الكوفيين ابن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم.
стр. 7770
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ أي السورة بكاملها (فسجد فيها) أي عند فراغه من قراءتها.
زاد في رواية الشيخين: "وسجد من كان معه، غير أن شيخًا أخذ كَفًا من حصى، أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: لقد رأيته بعدُ قتل كافرًا".
وفي البخاري في "التفسير": من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق: قال. أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، قال: فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد من خلفه، إلا رجلًا رأيته أخذ كفًا من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمَيَّةُ بنُ خَلَف.
ووقع في رواية زكريا، من أبي إسحاق في أول هذا الحديث: أن أول سورة استعلن بها رسول الله ﷺ ، فقرأ على الناس: ﴿وَالنَّجْمِ﴾. وفي رواية زهير بن معاوية: أول سورة قرأها على الناس.
قال الجامع عفا الله عنه: لا تنافي بين حديث ابن مسعود ﵁ هذا، المفيد تعميم سجود كل من حضر، إلا أمية بن خلف،
وبين حديث المطلب الماضي المفيد أنه لم يسجد أيضًا, لأنه يحمل تعميم ابن مسعود على أنه بالنسبة إلى من اطلع هو عليه. أفاده في الفتح (١).
стр. 7771
والحاصل أن الذين عُلِمَ عدم سجودهم من الكفار رجلان: أمية بن خلف، والمطلب بن أبي وداعة.
ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده جـ ٣ ص ٣٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ قرأ النجم، فسجد, وسجد معه الناس، إلا رجلين، أرادا الشهرة". قال أبو بكر الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" جـ ٢ ص ٢٨٥: وقد رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات. انتهى والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكان سبب سجودهم أنها أول سجدة نزلت. قال ﵀: وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله ﷺ من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل، لا يصح فيه شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل, لأن مدح إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله ﷺ , ولا أَن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى (١). وسيأتي مزيد بسط لهذا في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
جزم الواقدي بأن هذه القصة كانت في رمضان سنة خمس -يعني من
стр. 7772
البعثة-، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة خرجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا، فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية. قاله في "الفتح". والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٤٩/ ٩٥٩ - وفي "الكبرى" -٤٩/ ١٠٣١ - بالسند المذكور. وأعاده في "التفسير" منه -١١٥٤٩ - بنفس السند مختصرًا بلفظ "قرأ النجم، فسجد فيها". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "سجود القرآن" عن حفص بن عمر الحوضي؛ وعن بندار، عن غندر؛ وفي "مبعث النبي ﷺ " عن سليمان بن حرب؛ وفي "المغازي" عن عبدان، عن أبيه، أربعتهم عن شعبة. وفي "التفسير" عن نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل- كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن ابن مسعود ﵁.
ومسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، وبندار، كلاهما عن غندر به. وأبو داود فيه عن الحوضي به.
стр. 7773
وأحمد ١/ ٣٨٨ و ٤٠١ و ٤٣٧ و ٤٤٣ و ٤٦٢، والدارمي رقم ١٤٧٣. وابن خزيمة برقم ٥٥٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في السجود في "سورة النجم":
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في السجود في "النجم"، فكان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
وعبد الله بن مسعود، وابن عمر ﵃ يسجدون في "النجم"، وسئل علي بن أبي طالب ﵁ عن عزائم السجود، فذكر "النجم".
وممن رأى السجود في "النجم" سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب طائفة إلى أنه ليس في "المفصل" سجود، وممن روي عنه أنه قال ذلك: ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، رحمهم الله تعالى.
قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه سجد في المفصل في غير سورة منه، وبذلك نقول. انتهى كلام
стр. 7774
ابن المنذر ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى هو الحق عندي لما ذكره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أخرج البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس ﵄ قال: سجد النبي ﷺ ، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجنّ، والإنس.
قال الكرماني ﵀: سجد المشركون مع المسلمين, لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم.
قال: وما قيل: من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له عقلًا، ولا نقلًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًا من حصىً، فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد، إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين، لا العكس. انتهى (٢).
стр. 7775
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الوجه الأول الذي عزاه إلى القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو أن ذلك السجود من الكفار لمعارضة المسلمين، حيث إنهم سجدوا لله تعالى، فأراد المشركون مخالفتهم في سجودهم لله، فسجدوا يقصد آلهتهم هو الصواب, لأنه الموافق لما هم عليه من العناد، والتكبر عن الحق، وانتصارهم لآلهتهم.
وأما ما اشتهر من أن سبب هذا السجود هو قصة الغرانيق فإنه باطل، وسيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
المسألة السادسة: أنه اشتهر أن سبب سجود المشركين في "سورة النجم" هو ما ذكره جماعة من المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. [الحج: ٥٢]: أنه ﷺ لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالسًا في نَادٍ من أنديتهم، وقد نزل عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩, ٢٠]، وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد