والحاصل أن الذين عُلِمَ عدم سجودهم من الكفار رجلان: أمية بن خلف، والمطلب بن أبي وداعة.
ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده جـ ٣ ص ٣٠٤ - عن أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ قرأ النجم، فسجد, وسجد معه الناس، إلا رجلين، أرادا الشهرة". قال أبو بكر الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" جـ ٢ ص ٢٨٥: وقد رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات. انتهى والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكان سبب سجودهم أنها أول سجدة نزلت. قال ﵀: وأما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله ﷺ من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل، لا يصح فيه شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل, لأن مدح إله غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله ﷺ , ولا أَن يقوله الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى (١). وسيأتي مزيد بسط لهذا في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
جزم الواقدي بأن هذه القصة كانت في رمضان سنة خمس -يعني من
стр. 7772
البعثة-، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحبشة خرجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا، فوجدوهم على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية. قاله في "الفتح". والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٤٩/ ٩٥٩ - وفي "الكبرى" -٤٩/ ١٠٣١ - بالسند المذكور. وأعاده في "التفسير" منه -١١٥٤٩ - بنفس السند مختصرًا بلفظ "قرأ النجم، فسجد فيها". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "سجود القرآن" عن حفص بن عمر الحوضي؛ وعن بندار، عن غندر؛ وفي "مبعث النبي ﷺ " عن سليمان بن حرب؛ وفي "المغازي" عن عبدان، عن أبيه، أربعتهم عن شعبة. وفي "التفسير" عن نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل- كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن ابن مسعود ﵁.
ومسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، وبندار، كلاهما عن غندر به. وأبو داود فيه عن الحوضي به.
стр. 7773
وأحمد ١/ ٣٨٨ و ٤٠١ و ٤٣٧ و ٤٤٣ و ٤٦٢، والدارمي رقم ١٤٧٣. وابن خزيمة برقم ٥٥٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في السجود في "سورة النجم":
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في السجود في "النجم"، فكان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
وعبد الله بن مسعود، وابن عمر ﵃ يسجدون في "النجم"، وسئل علي بن أبي طالب ﵁ عن عزائم السجود، فذكر "النجم".
وممن رأى السجود في "النجم" سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب طائفة إلى أنه ليس في "المفصل" سجود، وممن روي عنه أنه قال ذلك: ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، رحمهم الله تعالى.
قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه سجد في المفصل في غير سورة منه، وبذلك نقول. انتهى كلام
стр. 7774
ابن المنذر ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى هو الحق عندي لما ذكره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أخرج البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس ﵄ قال: سجد النبي ﷺ ، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجنّ، والإنس.
قال الكرماني ﵀: سجد المشركون مع المسلمين, لأنها أول سجدة نزلت، فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم.
قال: وما قيل: من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له عقلًا، ولا نقلًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض، والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفًا من حصىً، فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد، إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين، لا العكس. انتهى (٢).
стр. 7775
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الوجه الأول الذي عزاه إلى القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو أن ذلك السجود من الكفار لمعارضة المسلمين، حيث إنهم سجدوا لله تعالى، فأراد المشركون مخالفتهم في سجودهم لله، فسجدوا يقصد آلهتهم هو الصواب, لأنه الموافق لما هم عليه من العناد، والتكبر عن الحق، وانتصارهم لآلهتهم.
وأما ما اشتهر من أن سبب هذا السجود هو قصة الغرانيق فإنه باطل، وسيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
المسألة السادسة: أنه اشتهر أن سبب سجود المشركين في "سورة النجم" هو ما ذكره جماعة من المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. [الحج: ٥٢]: أنه ﷺ لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالسًا في نَادٍ من أنديتهم، وقد نزل عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩, ٢٠]، وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد
стр. 7776
معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل، فقال: ما صنعت؟ تَلَوْتَ على الناس ما لم آتك به من الله؟ فحزن رسول الله ﷺ ، وخاف خوفًا شديدًا، فأنزل الله هذه الآية (١).
قال الجامع عفا الله عنه: سبحان الله ما أبشع هذه القصة، وسيأتي إبطال المحققين لها.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبري، وابن المنذر من طرق عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: "قرأ رسول الله ﷺ بمكة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١]، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد، وسجدوا، فنزلت الآية" (٢).
وأخرجه البزار، وابن مردويه من طريق أمية بن خالد، عن شعبة، فقال في إسناده: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. قال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، قال: وإنما يروى هذا من طريق
стр. 7777
الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. انتهى. والكلبي متروك، ولا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، وذكره ابن إسحاق في "السيرة" مطولًا، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في "المغازي" عن ابن شهاب، وكذا ذكره أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وأورده من طريقه الطبري، وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن الكلبي، عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب، عن عكرمة، وسليمان التيمي، عمن حدثه ثلاثتهم، عن ابن عباس، وأوردها الطبري أيضا من طريق العوفي، عن ابن عباس، ومعناهم كلهم في ذلك واحد.
قال الحافظ: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف، وإما منقطع.
قال الجامع: ولقد أنصف الحافظ في هذا, ولكنه حاول بعد ذلك في جبر خلل هذه الأسانيد بكثرة طرقها، فما أنصف.
فإنه قال: ولكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين، رجالهما على شرط الصحيحين: أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكر نحوه. والثاني: ما أخرجه أيضًا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
стр. 7778
قال: وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته، فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها.
وهو بإطلاقه مردود عليه. وكذا قول عياض: هذا الحديث لم يخرجه أحدا من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده. وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية.
قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه. ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك. انتهى.
ثم رد على ما قال ابن العربي، وعياض بما لا طائل تحته، فلذا أعرضت عن ذكره.
والصواب أن ما قالاه هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن ضعف هذه الأحاديث مما لا يخالف فيه الحافظ، ولكنه يرى لها قوة بكثرة طرقها، وتباين مخارجها, لكن ثبوت مثل هذا الأمر الخطير والنبإ الجسيم الذي فيه مَدخَلٌ لأهل الزيغ والإلحاد في الطعن في الوحي وفي تبليغه بمثل هذه الإخبار الضعاف بعيد عن الحق كل البعد لمن تأمل بإنصاف، ونصوص كتاب الله تعالى صريحة في بطلان مثل هذا، كما سيأتي قريبًا.
стр. 7779
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في "تفسيره" بعد أن أورد ما تقدم مما قاله جماعة المفسرين من حديث قصة الغرانيق: ما نصه: ولم يصح شيء من هذا, ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه، فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقوله ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٨٤]، فنفى المقاربة للركون فضلًا عن الركون.
قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل.
وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال إمام الإئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. وقال القاضي عياض في "الشفا": إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصدًا, ولا عمدًا, ولا سهوًا، ولا غلطًا.
وقال ابن كثير، قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا, ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١).
стр. 7780
والحاصل أن هذه القصة لا تثبت نقلًا، وإن حاول من حاول في إثباتها, ولا تقبل عقلًا، ولا يجوز الاستناد إليها, ولا الاعتماد عليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7781
٥٠ - تَرْكُ السُجُودِ فِي "النَّجْمِ"
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز ترك السجود لمن قرأ "سورة النجم".
٩٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيءٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، فَلَمْ يَسْجُدْ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (علي بن حجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩]، مات سنة ٢٤٤. أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إِسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، أبو إسحاق القارئ المدني، ثقة ثبت، من [٨]، مات سنة ١٨٠، أخرج له
الجماعة. تقدم في ١٦/ ١٧.
стр. 7782
٣ - (يزيد بن خُصَيَفَة (١)) هو ابن عبد الله بن خُصَيفة بن عبد الله ابن يزيد الكندي المدني، نسب لجده، ثقة، من [٥].
روى عن أبيه، والسائب بن يزيد، ويزيد بن عبد الله بن قسيط، وغيرهم. وعنه الجعيد بن محمد الرحمن، ومالك، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: قال أحمد: منكر الحديث. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة، وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: إنه ابن أخي السائب بن يزيد، وكان ثقة مأمونًا. أخرج له الجماعة (٢).
٤ - (يزيد بن عبد الله بن قُسَيط (٣)) بن أسامة بن عُمَير الليثي، أبو عبد الله المدني الأعرج، ثقة، من [٤].
روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن المسيب، وخارجة بن زيد، وعطاء بن يسار، وغيرهم.
وعنه ابناه عبد الله، والقاسم، ويزيد بن خصيفة، ومالك، وعمرو ابن الحارث، والليث بن سعد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان
стр. 7783
في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: قال عبد الرزاق: قلت لِمَالِكٍ: مَالَكَ لا تُحَدِّثُني بحديث ابن المسيب عن عمر، وعثمان في "المعاطاة"؟، قال العمل عندنا على خلافه، والرجل ليس هناك -يعني يزيد بن عبد الله بن قُسَيط-. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي, لأن مالكًا لم يرضه، وتعقب ابن عبد البرّ في "الاستذكار" كلام أبي حاتم بأن قول عبد الرزاق أن مراد مالك بقوله: والرجل ليس هناك -يعني به يزيد بن قسيط- غلط من عبد الرزاق، لظنه أن مالكًا سمعه منه، وإنما سمعه مالك عنه بواسطة رجل لم يسمه، كما رواه الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عمن حدثه عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط، قال: فإنما أراد مالك الرجل الذي كتم اسمه.
قال الحافظ: لكن ليس في رواية عبد الرزاق عن الثوري، عن مالك أن بينه وبين ابن قسيط آخر، وهذا يستلزم أن يكون مالك إنما دلس. قال ابن عبد البرّ: ويزيد قد احتجّ به مالك في مواضع من "الموطأ"، وهو ثقة من الثقات.
وقال ابن عدي: مشهور عندهم، وهو صالح الروايات. وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط،
وكان فقيهًا، ثقة، وكان ممن يستعان به في الأعمال، لأمانته وفقهه.
стр. 7784
قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ١٢٢ وكان ثقة كثير الحديث. وذكر ابن حسان الزيادي: أنه بلغ تسعين سنة. أخرج له الجماعة (١).
٥ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣]، مات سنة ٩٤
وقيل. بعد ذلك، أخرج له الجماعة. تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٦ - (زيد بن ثابت) بن الضَّحَّاك بن لوذان الأنصاري النَّجَّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة، صحابي مشهور، كاتب الوحي، من الراسخين في العلم، مات سنة ٥ أو ٤٨، وقيل: بعد سنة ٥٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو
داود، ولا ابن ماجَهْ. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه مروزي. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابِعِينَ: يزيد، عن يزيد, عن عطاء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم (أنه أخبره) أي أن عطاءً
стр. 7785
أخبر يزيدَ بنَ عبد الله (أني سأل زيد بن ثابت) ﵁ (عن القراءة مع الإمام؟) أي عن حكم قراءة المأموم خلف إمامه (قال)
زيد: (لا قراءة مع الإمام في شيء) من الصلوات، هذا مذهب زيد ﵁، وطائفة، وهو أن المأموم لا يقرأ خلف إمامه؛ لا الفاتحة، ولا غيرها، وقد خالفه في ذلك كبار الصحابة، فأوجبوا قراءة الفاتحة، تبعًا للنصوص الصحيحة الصريحة التي توجب قراءتها وراء الإمام، فإنها مقدمة على آراء هؤلاء التي لا تَعتَمِدُ على نص صحيح مرفوع، فتفطن.
قال النووي رحمه الله تعالى: أما قوله: "لا قراءة مع الإمام في شيء"، فيستدل به أبو حنيفة ﵁ وغيره ممن يقول: لا قراءة على المأموم في الصلاة، سواء كانت سريَّهً، أو جهرية، ومذهبنا أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الصلاة السرية، وكذا في الجهرية على أصح القولين، والجواب عن قول زيد هذا من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت قول رسول الله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن"، وقوله ﷺ : "إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن"، وغير ذلك من الأحاديث، وهي مقدمة على قول زيد وغيره.
والثاني: أن قول زيد محمول علي قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين، ليحمل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة، ويؤيد هذا أنه يستحب
стр. 7786
عندنا، وعند جماعة للإمام أن يسكت في الجهرية بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وجاء فيه حديث حسن في سنن أبي داود وغيره، فيقرأ المأموم الفاتحة في تلك السكتة، فلا يحصل قراءته مع قراءة الإمام، بل في سكتته. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد قدمنا البحث في هذه المسألة مُستوفىً في باب القراءة بما فيه الكفاية، فإن أردت الاستفادة، فارجع إليه. وبالله تعالى التوفيق.
(وزعم) من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس. قاله في "المصباح" (٢).
قال النووي ﵀: المراد بالزعم هنا القول المحقق، والزعم يطلق على القول المحقق، والكذب، وعلى المشكوك فيه، ويُنَزَّلُ في كل موضع على ما يليق به. انتهى كلام النووي بتغيير يسير (٣).
وقال ابن منظور ﵀ ما حاصله: الزعم مثلث: الأول: القول، وقيل: هو القول يكون حقًا، ويكون باطلًا، وقيل: الزعم
الظن، وقيل: الكذب. وقال ابن بَرِّيّ: الزعم يأتي في كلام العرب على أربعة أوجه:
١ - يكون بمعنى الكفالة والضمان، كقول عمر بن أبي ربيعة: [من الرمل]:
стр. 7787
قلْتُ: كَفِّي لَك رَفنٌ بالرِّضَا … وَازعُمي يا هِنْدُ قالَتْ: قَدْ وَجَبْ
٢ - ويكون بمعنى الوعد، كقول عَمْرو بن شَأس: [من الطويل]:
تقُولُ: هَلكْنا إِنْ هَلَكْتَ وإِنَّمَا … عَلَى اللهِ أرْزَاقُ الْعِبَاد كَمَا زَعَمْ
٣ - ويكون بمعنى القول والذكر، كقول أبي زُبَيدٍ الطائيّ: [من البسيط]:
يَا لَهْف نَفسِيَ إِنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا … حَقًّا وَمَاذَا يَرُدّ الْقوْمَ تَلْهيفِي
٤ - ويكون بمعنى الظن، كقول عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة بن مسعود: [من الطويل]:
فَذقْ هجْرَهَا قدْ كنْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ … رَشَادٌ ألَايَا رُبمَا كَذَبَ الزَّعْمُ
قال: فهذا البيت لا يحتمل سوى الظن، وبيت عمر بن أبي ربيعة لا يحتمل سوى الضمان، وبيت أبي زُبَيد لا يحتمل سوى القول، وما سوى ذلك على ما فُسِّرَ. انتهى كلام ابن منظور باختصار (١).
(أنه قرأ على رسول الله ﷺ ) بفتح همزة "أن" لوقوعها موقع المصدر, لأنها مفعول "زعم"، كما قال في "الخلاصة".
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدر … مَسَدَّهَا وَفي سِوَى ذَاكَ اكْسرِ
﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] مفعول "قرأ" محكي، أي قرأت سورة النجم (فلم يسجد) أي لم يسجد النبي ﷺ تلك السجدة.
واستنبط بعضهم من هذا الحديث أن القارئ إذا تلا على الشيخ لا
стр. 7788
يندب له سجود التلاوة ما لم يسجد الشيخ، أدبًا مع الشيخ. قال الحافظ ﵀: وفيه نظر. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٥٠/ ٩٦٠ - وفي "الكبرى" -٥٠/ ١٠٣٢ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في الصلاة عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب - وعن أبي الربيع الزهراني، من إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خُصَيفَة - كلاهما عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط عن عطاء بن يسار، عنه.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وقتيبة، وعلي ابن حُجْر، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به.
وأبو داود فيه عن هناد بن السري، عن وكيع، من ابن أبي ذئب به. وعن أبي الطاهر بن السَّرْح، عن ابن وهب، عن أبي صَخْر، عن خارجة ابن زيد، عن أبيه.
والترمذي فيه عن يحيى بن موسى، عن وكيع به، وقال: حسن صحيح.
стр. 7789
وأخرجه أحمد ٥/ ١٨٣ و ١٨٦، وعبد بن حميد برقم ٢٥١، والدارمي برقم ١٤٨٠، وابن خزيمة برقم ٥٦٨. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اتفق ابن أبي ذئب، ويزيد بن خصيفة في هذا الإسناد على ابن قسيط، وخالفهما أبو صخر، فرواه عن ابن قسيط، عن خارجة بن زيد، عن أبيه. أخرجه أبو داود، والطبراني، فإن كان محفوظًا حمل على أنَّ لابنِ قُسَيط فيه شيخين.
وزاد أبو صخر في روايته: "وصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن حزم، فلم يسجدا فيها". انتهى (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
قال النووي رحمه الله تعالى: احتج بهذا الحديث مالك ﵀، ومن وافقه، في أنه لا سجود في المفصل، وأن سجدة "النجم"، و"إذا السماء انشقت"، و"اقرأ باسم ربك" منسوخات بهذا الحديث، وبحديث ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى الدينة". وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: سجدنا مع النبي ﷺ في "إذا السماء انشقت"، و"اقرأ باسم ربك". رواه مسلم (٢)، وقد أجمع العلماء على
стр. 7790
أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان سنه سبع من الهجرة، فدلّ على السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس ﵄ فضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج له، وأما حديث زيد ﵁ فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة ليس بواجب، ويُحتَاج إلى هذا التأويل، للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة ﵁. والله أعلم- انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
وقال الحافظ ﵀ عند قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى [باب من قرأ السجدة، ولم يسجد]:
ما حاصله: يشير بذلك إلى الردّ على من احتج بحديث الباب على أن المفصل لا سجود فيه كالمالكية، أو أن "النجم" بخصوصها لا سجود فيها، كأبي ثور, لأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدلّ على تركه مطلقًا، لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك، إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي, لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود، ولو بعد ذلك.
وأما ما رواه أبو داود في غيره من طريق مَطَرٍ الوَلاق، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من "المفصل" منذ تحول إلى المدينة"، فقد ضعفه أهل العلم بالحديث،
стр. 7791
لضعف في بعض رواته، واختلاف في إسناده، وعلى تقدير ثبوته فرواية من أثبت ذلك أرجح؛ إذ المثبت مقدم على النافي، فسيأتي في الباب الذي يليه ثبوت السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
وروى البزار, والدارقطني، من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ سجد في سورة النجم، وسجدنا معه". والحديث رجاله ثقات.
وروى ابن مردويه في "التفسير" بإسناد حسن عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه رأى أبا هريرة ﵁ سجد في خاتمة "النجم"، فسأله, فقال: إنه رأى رسول الله ﷺ يسجد فيها، وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة.
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد، عن عمر ﵁ أنه سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]. ومن طريق نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه سجد فيها.
وفي هذا ردّ على من زعم أن عمل أهل المدينة استمرّ على ترك السجود في "المفصل". ويحتمل أن يكون المنفي المواظبة على ذلك؛ لأن "المفصل" تكثر قراءته في الصلاة، فترك السجود فيه كثيرًا، لئلا تختلط الصلاة على من لم يفقه، أشار إلى هذه العلة مالك في قوله بترك السجود في "المفصل" أصلًا.
стр. 7792
وقال ابن القصار: الأمر بالسجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ينصرف إلى الصلاة. وردّ بفعل النبي ﷺ كما تقدم قبلُ.
وزعم بعضهم أن عمل أهل المدينة استمرّ بعد النبي ﷺ على ترك السجود فيها.
وفيه نظر، لما رواه الطبري بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمر ﵁ أنه قرأ "النجم" في الصلاة، فسجد فيها، ثم قام، فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]. ومن طريق إسحاق بن سويد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه سجد في "النجم". انتهى حاصل كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصل من الأدلة الصحيحة أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور، وهو مشروعية السجود في "المفصل". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7793
٥١ - باب السجود فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعيه السجود في قراءة سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
٩٦١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ بِهِمْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (عبد الله بن يزيد) المخزومي المدني المقرئ الأعور، أبو عبد الرحمن، مولى الأسود بن سفيان، ويقال: مولى الأسود بن عبد
الأسد، ثقة من [٦].
روى عن زيد بن أبي عياش، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
стр. 7794
وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير. وعنه يحيى بن أبي كثير، ومالك، وإسماعيل بن أمية، وصفوان بن سليم، وأسامة بن ليث الرَّبَذِيُّ، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة. فقيل له: حجة؟ قال: إذا روى عنه مالك، ويحيى بن أبي كثير، وأسامة، فهو حجة. وقال العجلي: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن الأثير في تاريخه: مات سنة ١٤٨. أخرج له الجماعة (١).
٤ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري، المدني، ثقة مكثر فقيه، من [٣]، مات سنة ٩٤، أخرج له الجماعة. تقدم في ١/ ١.
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، ومنها: أنه مسلسل
بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، ومنها: أن فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن مشهور بكنيته، لا اسم له غيرها، على الصحيح، وقيل: اسمه
стр. 7795
عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة) ﵁ (قرأ بهم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]) يعني أنه صلى بهم صلاة قرأ فيها بهذه السورة (فسجد فيها، فلما انصرف) أي سلم من الصلاة (أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها)، وفي رواية البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: "رأيت أبا هريرة ﵁ قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد".
وفي رواية من طريق بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، قال: "صليت خلف أبي هريرة ﵁ العَتَمَةَ، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه".
وقول أبي سلمة "لم أرك تسجد"، قيل: هو استفهام إنكار من أبي سلمة يشعر بأن العمل استمر على خلاف ذلك؛ ولذلك أنكره أبو رافع.
قال الحافظ: وفيه نظر، وعلى التنزل، فيمكن أن يتمسك به من لا
стр. 7796
يرى السجود في الصلاة، أما تركها مطلقًا، فلا. ويدل على بطلان المدَّعَى أن أبا سلمة، وأبا رافع لم ينازعا أبا هريرة بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه المسأله, ولا احتجا عليه بالعمل على خلاف ذلك.
قال ابن عبد البرّ: وأيُّ عَمَلٍ يُدَّعَى مع مخالفة النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين بعده؟. انتهى (١).
وفي هذا الحديث مشروعية السجود في "المفصل"، وهو الحق، وقد تقدم في الباب الماضي تحقيق ذلك، فارجع إليه. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٥١/ ٩٦١، ٩٦٢، ٩٦٣، ٩٦٤، ٩٦٥، -٥٢/ ٩٦٦ - ، ٩٦٧، ٥٣ - / ٩٦٨.
وفي "الكبرى"-٥١/ ١٠٣٣، ١٠٣٤، ١٠٣٥، ١٠٣٦، ١٠٣٧، -٥٢/ ١٠٣٨، ١٠٣٩،-٥٣/ ١٠٤٠. والله تعالى أعلم.
стр. 7797
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما حديث -٩٦١ - من طريق عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة، عنه فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد به. وأما حديث ٩٦٢ - من طريق عمر بن عبد العزيز فمن أفراده. وأما حديث ٩٦٣ - من رواية أبي بكر بن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام عنه، فأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر ابن عبد الرحمن المذكور عنه. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة به.
قال محمد بن يحيى الذهلي: لا أعلم ووى هذا الحديث عن يحيى ابن سعيد غير ابن عيينة، وهو عندي وَهَم، إنما ووى الناس عن يحيى في هذا الإسناد حديث الإفلاس (١). انتهى "تحفة الأشراف" جـ ١٠ ص ٤٣٠.
وأما حديث -٩٦٤ - فهو مثله. وأما حديث -٩٦٥ - و -٩٦٦ - فهو من أفراده.
وأما حديث -٩٦٧ - من رواية عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة -وعمرو الناقد-
стр. 7798
كلاهما عن ابن عيينة، من أيوب بن موسى، عن عطاء، عنه. وأبو داود فيه عن مسدد، عن ابن عيينة به والترمذي فيه عن قتيبة، عن ابن عيينة به. وابن ماجه فيه من أبي بكر بن أبي شيبة به. رواه علي بن محمد ابن أبي الخصيب، عن وكيع، فقال. عن عطاء بن يسار. وروي عن محمد بن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ (١).
وأما حديث -٩٦٨ - من طريق بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁، فأخرجه البخاري في "سجود
القرآن" عن مسدد - وفي "الصلاة" عن أبي النعمان- كلاهما عن معتمر بن سليمان، عن أبيه سليمان التيمي، عن بكر به. وعن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي به. ومسلم في "الصلاة" عن عبيد الله ابن معاذ، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن معتمر به. وعن أبي كامل الجحدري، من يزيد بن زريع به.
وعن عمرو الناقد، عن عيسى بن يونس - وعن أحمد بن عبدة، عن سليم بن الأخضر- كلاهما عن سليمان التيمي به. وأبو داود فيه عن مسدد، عن معتمر له. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ،
стр. 7799
قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ قَيْسٍ -وَهُوَ مُحَمَّدٌ- عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١].
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد، من [١١]، مات سنة ٢٤٥، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي. تقدم في ٩٢/ ١١٤.
٢ - (ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُدَيك -بالفاء مصغرًا- واسمه دينار، الدِّيِليُّ مولاهم، أبو إسماعيل المدني، ثقة من صغار [٨].
روى عن أبيه، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن سعد، وابن أبي ذئب، وغيرهم. وعنه الشافعي، وأحمد، والحميدي، وقتيبة،
وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس بحجة. قال البخاري: مات سنة ٢٠٠. وقال ابن سعد:
سنة ٩٩، وقال مرة: سنة ٢٠١. أخرح له الجماعة (٢).
стр. 7800
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب القرشي، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من [٧]، مات سنة ١٥٨ وقيل: ١٥٩، أخرج له الجماعة. تقدم في ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (عبد العزيز بن عياش) -بتحتانية، ومعجمة، وقيل: بموحدة، ومهملة- الحجازي المدني، مقبول من [٦].
روى من محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس القاصّ، وعمر بن عبد العزيز. وعنه ابن أبي ذئب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكذا ذكره ابن شاهين في "الثقات"، وقال: قال أحمد: صالح. وروى له المصنف حديث الباب فقط (١).
٥ - (محمد بن قيس) المدني قاصّ عمر بن عبد العزيز، أبو إبراهيم، ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، مولى يعقوب القبطي،
ويقال: مولى آل أبي سفيان، ثقة من [٦].
روى عن أبي هريرة، وجابر، مرسلًا، وأبي صِرْمة الأنصاري، وعن أبيه، وأمه، وعبد الله بن أبي قتادة، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وعنه إسماعيل بن أمية، وابن إسحاق وابن أبي ذئب، وغيرهم.
قال ابن سعد. كان كثير الحديث، عالمًا. وقال يعقوب بن سفيان، وأبو داود: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال خليفة: توفي أيام
стр. 7801
الوليد بن يزيد. له عند مسلم حديث أبي صِرْمَةَ، عن أبي هريرة ﵁: "لو لم تذنبوا" … الحديث، فقط. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: محمدُ بن قيس، عن أبي هريرة، وعنه أبو معشر، قال ابن معين: ليس بشيء، لا يُروىَ عنه. انتهى (١). أخرجه مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن معين ﵀: "ليس بشيء" هذه العبارة يطلقها ابن معين أحيانًا على من كان قليل الرواية، فقد ذكر الحافظ ﵀ في "مقدمة فتح الباري" في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري: وثقه ابن معين في رواية, وقال في رواية: إنه ليس بشيء، قال الحافظ: احتج به الجماعة، وذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات: "ليس بشيء"، يعني أن أحاديثه قليلة جدًا (٢).
والظاهر أنه أراد هنا هذا المعنى، ويؤيده قوله بعده: لا يُرْوىَ عنه. فتأمل. والله تعالى أعلم.
٦ - (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي مولاهم، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، من [٤] مات في رجب سنة
стр. 7802
١٠١ وله ٤٠ سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧١.
٧ - (أبو سلمة).
٨ - (أبو هريرة) ﵄.
تقدما في السند السابق.
وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه:
قال الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى في "تحفته": حديث: "سجد النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]. أخرجه النسائي في الصلاة عن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عبد العزيز بن عياش، عن محمد بن قيس، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. تابعه أبو علي الحنفي، عن ابن أبي ذئب، عن عبد العزيز بن عياش، عن محمد بن قيس عنه به.
ورواه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ -وهو الحديث الآتي بعد هذا ٩٦٣ - قال: وهو المحفوظ.
ورواه قُرَاد أبو نوح، عن ابن أبي ذئب، فلم يذكر "محمد بن قيس". وكذلك رواه الحجاج، عن محمد، عن ابن أبي ذئب، إلا أنه
стр. 7803
قال: "عبد العزيز بن عياض" بدل "ابن عياش"، ولم يتابع على ذلك. ورواه نجيح أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس، عن عمر بن عبد العزيز. ورواه عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سععد، عن أبيه، عن جده، عن جعفر بن ربيعة، عن حرب بن قيس، عن محمد بن قيس، عن عمر بن عبد العزيز. ورواه الربيع بن سليمان المرادي، عن شعيب بن الليث بن سعد بهذا الإسناد، ولم يذكر "محمد بن قيس". انتهى كلام الحافظ المزي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، وَ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الجوّاز المكي، ثقة من [١٠]، مات سنة ٢٥٢، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٠/ ٢١.
стр. 7804
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت الحافظ، من [٨]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة. تقدم في ١/ ١.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت من [٥] , مات سنة ١٤٤ أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم) الأنصاري النجّاري المدني القاصّ، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد من [٥]، مات سنة ١٢٠ وقيل: غير ذلك، أخرج له الجماعة. تقدم في ١٨٨/ ١٦٣.
٥ - (عمر بن عبد العزيز) تقدم في السند السابق.
٦ - (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة ابن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، كان أحد الفقهاء السبعة، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، ثقة فقيه عابد من [٣].
روى عن أبيه، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر، ونوفل بن معاوية، وعائشة، وأم سلمة، وأم معقل الأسدية، وغيرهم.
وعنه أولاده: عبد الملك، وعمر، وعبد الله، وسلمة، ومولاه سُمَيّ، وابن أخيه القاسم بن محمد بن عبد الرحمن، والزهري، وغيرهم.
стр. 7805
قال ابن سعد: ولد في خلامة عمر بن الخطاب، وكان يقال له: واهب قريش، لكثرة صلاته، وكان مكفوفًا. وقال الواقدي: اسمه كنيته، وكان قد ذهب بصره، واستصغر يوم الجمل، فرد هو وعروة بن الزبير، وكان ثقة فقيهًا عالمًا سخيًا كثير الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن خراش: هو أحد أئمة المسلمين، وقال أيضًا: أبو بكر، وعمر، وعكرمة، وعبد الله بنو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كلهم أجلة ثقات يضرب بهم المثل. روى الزهري عنهم كلهم، إلا عمر. وقال الآجري، عن أبي داود: كان أعمى، وكان إذا سجد يضع يده في طست ماء من علة كانت به.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الزبير بن بكار: كان قد كف بصره، وكان يسمى الراهب، وكان من سادات قريش. وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه: أدركت من فقهاء المدينة وعلمائها ومن يُرتضَى، ويُنتهَى إلى قولهم، منهم: ابن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار في مشيخة من نظرائهم أهل فقه وفضل. وقال الشعبي، عن عمر بن عبد الرحمن: إن أخاه أبا بكر كان يصوم ولا يفطر.
قال ابن المديني، وخليفة، وجماعة: مات سنة ٩٣، وقيل: ٩٤. وأرخه في سنة ٤ عمرو بن علي، وأبو عبيد، والواقدي، وغير واحد.
стр. 7806
زاد الواقدي: وكانت تسمى سنة الفقهاء. وقيل: مات سنة ٩٥. أخرج له الجماعة (١).
٧ - (أبو هريرة) تقدم قريبًا.
وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة له. وبالله تعالى التوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم قريبًا أن محمد بن يحيى الذهلي قال: لا أعلم روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد غيرُ ابن عيينة، وهو عندي وَهَمٌ، إنما روى الناس عن يحيى بن سعيد في هذا الإسناد حديث الإفلاس. انتهى. يعني حديث: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من غيره". رواه الجماعة.
قال الجامع: عندي أن الحكم بالوَهَمِ في حديث ابن عيينة هذا نظر، فإنه إمام حجة، لا يضره مخالفة الجماعة له، فقد تفرد برواية حديث بِسَنَدٍ رَوَى الجماعةُ بذلك السند حديثًا آخر.
وقد تقدم عن الحافظ المزي أنه قال: رواه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. قال وهو المحفوظ. انتهى. وهذا هو نفس السند الذي روى به ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، فقد حكم له المزي بكونه محفوظًا. فتدبر.
стр. 7807
والحاصل أن الظاهر كون هذا السند صحيحًا، لا وَهَمَ فيه. والله تعالى أعلم. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٩٦٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد سبعة، كلهم تقدموا في السند الماضي، إلا قتيبة، فتقدم في أول الباب. وقد تقدم البحث في الفرق بين "مثله" و"نحوه" غير مرة. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٦٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "سَجَدَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصري، ثقة حافظ
стр. 7808
من [١٠]، مات سنة ٢٤٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام المثبت الحجة من [٩]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة. تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (قسرة بن خالد) السَّدُوسِيُّ البصري، ثقة ضابط، من [٦] مات سنة ١٥٥، أخرج له الجماعة. تقدم في ٤/ ٤.
٤ - (محمد بن سيرين) الأنصاري أبو بكر البصري، ثقة تبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من [٣]، مات سنة ١١٠، أخرج له الجماعة. تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
قال الجامع عفا الله عنه. هذا الحديث من أفراد المصنف، وهو صحيح، وقد تقدم تخريجه في أول الباب، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
وقوله: (ومن هو خير منهما) يريد به النبي ﷺ . وفيه أن السجود في "المفصل" كان ثابتًا عن أبي بكر، وعمر ﵄ بعده ﷺ في المدينة، فبطل دعوى من ادعى انقطاعه فيها بعده ﷺ . وبالله تعالى التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 7809
٥٢ - السُجُودُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية السجود في قراءة سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
٩٦٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ قُرَّةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "سَجَدَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمَا ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث هو الذي قبله سندًا، إلا اثنين:
١ - (إِسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، ثم النيسابوري، الإمام الحافظ الحجة، من [١٠]، مات سنة ٢٣٨، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (المعتمر) بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، يلقب بـ"الطُّفيل" ثقة، من كبار [٩]، مات سنة ١٨٧ وقد جاوز الثمانين، أخرج له الجماعة. تقدم في ١٠/ ١٠.
وكذا المتن هو الماضي، إلا أنه زاد هنا: "و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 7810
٩٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَوَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "سَجَدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) هو الذي في السند الماضي.
٢ - (سفيان) بن عيينة تقدم قريبًا.
٣ - (أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، أبو موسى المكي، ثقة من [٦]، مات سنة ١٣٢، أخرج له الجماعة. تقدم في ١٥٠/ ٢٤١.
٤ - (عطاء بن ميناء) -بكسر الميم، وسكون التحتانية، ثم نون- المدني، وقيل: البصري، مولى ابن أبي ذُبَاب الدَّوْسِيّ، قيل: يكنى أبا معاذ، صدوق من [٣].
روى عن أبي هريرة. وعنه سعيد المقبري، وعمرو بن دينار، وأيوب ابن موسى، وغيرهم.
قال ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، وزعم