٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) البصري الإمام الحافظ الحجة الثبت [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩.
٣ - (عبد العزيز بن أبي سلمة) هو ابن عبد الله نسب لجده المدني، نزيل بغداد، ثقة فقيه-[٧] تقدم ١٧/ ٨٩٧.
٤ - (الماجشون بن أبي سلمة) هو يوسف بن أبي سلمة التيمي مولاهم، أبو يوسف المدني، صدوق [٤]، تقدم ١٧/ ٨٩٧.
٥ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هُرْمُز المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧.
٦ - (عبيد الله بن أبي رافع) مولى النبي ﷺ المدنيّ، كان كاتب علي ﵁، ثقة [٣] ١٧/ ٨٩٧.
٧ - علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين المدنيين، يروي بعضهم عن بعض: الماجشون، والأعرج، وعبيد الله. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشربن بالجنة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن علي بن أبي طالب) ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان إذا ركع قال: "اللَّهم لك) لا لغيرك (ركعت) أي خضعت. فمعنى الركوع: الخضوع. كما نقله في "اللسان" عن ثعلب. وفي تقديم الجار والمجرور في هذه الجمل كلها إفادة الحصر والاختصاص (ولك) لا لغيرك (أسلمت) أي ذللت، وانقدت لطاعتك (وبك آمنت) أي بك، لا بغيرك صدقت (خشع لك) أي تواضع، وخضع لك لا لغيرك (سمعي) فلا يسمع إلا ما أذنت في سماعه (وبصري) فلا يبصر إلا ما أذنت في إبصاره، وخص السمع والبصر من بين الحواسّ؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعا قلت الوساوس، ولأن تحصيل العلم النقلي والعقلي بهما (وعظامي، ومخي، وعصبي) المخّ بضم الميم، وتشديد الخاء المعجمة: الوَدَك الذي في العظم، وخالص كل شيء، وقد يسمى الدماغ مخّا. قاله في "المصباح". والعصب بفتحتين: أطناب المفاصل، والجمع أعصاب، مثل سبب وأسباب. أي خضع لك جسمي باطنا، كما خضع ظاهرا، فكنى بهذه الثلاثة عن الجسم
стр. 8227
كله، لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كله المبالغة في الانقياد، والخضوع لله تعالى (١).
وقال السندي ﵀: ما حاصله: إسناد الخشوع إلى هذه الأشياء كناية عن كمال الخشوع والخضوع، أي قد بلغ غايته حتى ظهر أثره في هذه الأعضاء، وصارت خاشعة لربها. انتهى (٢).
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث أخرجه مسلم، وأما المسائل المتعلقة به، فقد تقدّمت في ١٧/ ٨٩٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٤ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٠٥١ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، أَنْتَ رَبِّي، خَشَعَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَدَمِي، وَلَحْمِي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن عثمان الحمصي) القرشى، صدوق عابد [١٠]، ت ٢٥٥ (د س ق) تقدم ٢٩/ ٨١٧.
٢ - (أبو حيوة) شُرَيح بن يزيد الحضرمي الحمصي المؤذن، ثقة [٩] ت ٢٠٣ (د س) تقدم ١٦/ ٨٩٦.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصي، أبو بشر ثقة ثبت عابد [٧]، ت ١٦٢ (ع) تقدم ٦٩/ ٨٥.
٤ - (محمَّد بن المنكدر) التيمي المدني، ثقة فاضل [٣] تقدم ١٠٣/ ١٣٨.
٥ - (جابر بن عبد الله) الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى
стр. 8228
عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف في ١٦/ ٨٩٦ بجزء دعاء الاستفتاح، أخرجه هناك عن شيخه عمرو بن عثمان الحمصي، وهو أخو شيخه يحيي هنا، ويأتي عنه أيضًا في ١٥٨/ ١١٢٧ وكلاهما موثقان، وقد تقدم هناك ذكر لطائف الإسناد، وبيان المسائل المتعلقة بالحديث، وأما شرح الحديث فواضح يُعلم مما قبله، فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٥٢ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، يَقُولُ إِذَا رَكَعَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، أَنْتَ رَبِّي خَشَعَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَمُخِّي، وَعَصَبِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يحيى بن عثمان) تقدم في السند السابق.
٢ - (ابن حمير) هو محمَّد بن حمير بن أُنَيس السَّلِيحي، صدوق [٩]، ت ٢٠٠ تقدم ٢١/ ٥٣٥.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة، تقدم في السند السابق.
٤ - (محمَّد بن المنكدر) تقدم في الذي قبله.
٥ - (عبد الرحمن) بن هرمز الأعرج المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٦ - (محمَّد بن مسلمة) بن سلمة الأنصاري الحارثي، أبو عبد الله، ويقال: غيره، صحابي شهد بدرا، وما بعدها ﵁ توفي سنة ٤٢ تقدم ١٧/ ٨٩٨.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث صحيح، وهذا الإسناد تقدم للمصنف ﵀ في ١٧/ ٨٩٨ أخرج به من الحديث ما يتعلق بدعاء الاستفتاح، وتقدم الكلام عليه هناك، وشرح الحديث المذكور هنا واضح يعلم مما سبق. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: وذكر آخر" فاعل "ذكر" هو شعيب، ولم أعرف الآخر الذي أشار إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 8229
١٠٥ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الذِّكرِ فِي الرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التسهيل في ترك المصلي الذكر في حال الركوع، والمراد بالذكر جنسه، أَيْ أَيّ ذكر كان سواء الأذكار المذكورة هنا، أو غيرها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنف ﵀ بهذه الترجمة إلى أن أذكار الركوع ليست واجبة تبطل الصلاة بتركها، للحديث المذكور في الباب، حيث إن النبي ﷺ قال له: "ثم اركع، حتى تطمئن راكعا"، ولم يذكر الأذكار فيه، فدلّ على أنّ الواجب هو الركوع، والطمأنينة فيه، لا الأذكار التي تقال فيه، فإنها ليست من واجبات الصلاة، إذ لو كانت من واجباتها لما أهملها، وهو في مقام بيان الواجبات، وهو استدلال واضح. والله أعلم بالصواب.
١٠٥٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُهُ، وَلَا يَشْعُرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ﵇، ثُمَّ قَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، قَالَ: لَا أَدْرِي فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، لَقَدْ جَهِدْتُ، فَعَلِّمْنِي، وَأَرِنِي، قَالَ: "إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ، فَتَوَضَّأْ، فَأَحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قُمْ، فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ، ثُمَّ ارْكَعْ، حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَاعِدًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، فَإِذَا صَنَعْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا تَنْقُصُهُ مِنْ صَلَاتِكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثفقي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠]، ت ٢٤٠ (ع) تقدم ١/ ١.
٢ - (بكر بن مضر) بن محمد المصري، ثقة ثبتط [٨]، ت ١٧٣ (خ م د ت س) تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (ابن عجلان) هو محمد بن عجلان المدني، صدوق، إلا في أبي هريرة [٥]، ت ١٤٨ (خت م ٤) تقدم ٣٦/ ٤٠.
стр. 8230
٤ - (علي بن يحيى) بن خلاد بن رافع الزُّرَقي الأنصاري، ثقة [٤]، ت ١٢٩ (خ د س ق) تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
٥ - (يحيى بن خَلّاد) بن رافع بن مالك بن العجلان العجلاني الأنصاري الزُّرَقي المدني، له رؤية، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ومات في حدود سنة (٧٠) (خ ٤) تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
٦ - (رفاعة بن رافع) بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري، البدري، الصحابي ابن الصحابي ﵃، مات في أول خلافة معاوية ﵁ تقدم ٢٧/ ٦٦٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فبغلاني، وبكر، فمصري (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الراوي، عن أبيه، عن عمه. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن علي بن يحيى الزرقي) بضم الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف: نسبة إلى بني زريق، بطن من الأنصار، وهو زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جُشم بن الخزرج. قاله في "اللباب" (١) (عن أبيه) يحيى بن خلّاد الأنصاري الزرقي (عن عمه رفاعة بن رافع) بالجر بدل من "عمه"، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدإ، أي هو، وإلى النصب بتقدير فعل، أي أعني (وكان بدريا) جملة مستأنفة، ذكرت لبيان أن رفاعة ﵁ ممن شهد وقعة بدر الكبرى، وهي الغزوة المشهورة، كانت في السنة من الثانية للَّهجرة (قال) رفاعة (كنا مع رسول الله ﷺ ) وفي الرواية الآتية ١٦٧/ ١١٣٦ - من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى: "بينما رسول الله ﷺ جالس، ونحن حوله". . . (إذ دخل رجل) هو خلاد بن رافع، جد علي بن يحيي راوي الخبر (المسجد) النبوي (فصلى) وفي رواية إسحاق المذكورة: "فأتى القبلة، فصلى"، وزاد في الرواية الآتية ٦٧/ ١٣١٤ - من طريق داود بن قيس، عن علي بن يحيى: "ركعتين" (ورسول الله ﷺ يرمقه) أي يطيل النظر إليه. يقال: رَمَقَه بعينه رَمْقًا، من باب قتل: أطال النظر إليه (٢). والجملة الاسمية في محل نصب على الحال،
стр. 8231
والرابط الواو، والضمير المنصوب (ولا يشعر) من باب قعد، أي لا يعلم ذلك الرجل نظره ﷺ إليه (ثم انصرف) أي سلم من صلاته، وفي رواية إسحاق المذكورة: "فلما قضى صلاته جاء". . . (فأتى رسول الله ﷺ ) فاعل "أتى" ضمير الرجل، و"رسول الله" منصوب على المفعولية (فسلم عليه) وفي رواية إسحاق المذكورة: "فسلم على رسول الله ﷺ ، وعلى القوم"، (فرد ﵇ أي رد النبي ﷺ على الرجل سلامه، وفي رواية إسحاق: "وعليك"، وفي رواية للشيخين: "فقال: "وعليك السلام" (ثم قال) ﷺ للرجل (ارجع، فصل) وفي رواية: "أعد صلاتك" (فإنك لم تصل) الفاء للتعليل، أي لأنك لم تصل الصلاة التي أوجب الله عليك أن تصليها، حيث تركت الطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة، ففيه نفي لحقيقة الصلاة، خلافا لمن قال: إنه نفي لكمالها، وقدم تقدم تفنيد هذا القول، ورده في -٧/ ٨٨٤ - (قال) الراوي، والظاهر أنه رافع ﵁ (لا أدري في الثانية، أو في الثالثة) وفي رواية إسحاق: "فأعادها مرتين، أو ثلاثا"، وفي رواية داود بن قيس -٦٧/ ١٣١٤ - : "حتى كان عند الثالثة، أو الرابعة". وفي حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم في -٧/ ٨٨٤ - "فعل ذلك ثلاث مرات" بالجزم، فترجح لعدم وقوع الشك فيها، ولأن عادته ﷺ استعمال الثلاث في تعليمه (قال) الرجل (والذي أنزل عليك الكتاب) أقسم الرجل بالله ﷺ الذي أنزل القرآن على النبي ﷺ لتشريع الأحكام، ثم أمره بتبيين ما فيه من المرام (لقد جهدت) من باب منع: أي بذلت وُسْعي، وطاقتي أن أبلغ حقيقة الصلاة المطلوبة مني، فلم أستطع (فعلمني) أركان الصلاة، وواجباتها (وأرني) كيفيتها، وجملة "أرني" توكيد لقوله؛ "علمني". وفي رواية إسحاق: "فقال الرجل: يا رسول الله ما عِبْتَ من صلاتي؟ " أي أيّ شيء عبت من هذه الصلاة التي صليتها الآن (قال) النبي ﷺ معلما له أركان الصلاة، وواجباتها (إذا أردت الصلاة) أي أداءها (فتوضأ، فأحسن الوضوء) بغسل ما أمرت بغسله، ومسح ما أمرت بمسحه، وفي رواية: "فتوضأ كما أمرك الله"، وفي رواية: "إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه، ويديه، إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ويمجده" (ثم قم) فيه أن القيام في الصلاة فرض، وهذا للقادر عليه (فاستقبل القبلة) فيه فرضية استقبال القبلة في الصلاة، وهذا محمول على غير التطوع في السفر، كما تقدم في محله (ثم كبر) فيه فرضية التكبير للدخول في الصلاة، وخالف في ذلك بحضهم، وقِد تقدم الرد عليه في محله ٧/ ٨٨٤ - (ثم اقرأ) أي اقرأ فاتحة الكتاب، ففي رواية محمَّد بن عمرو عند أبي داود "ثم اقرأ بأم القرآن، أو بما شاء الله"، ولأحمد، وابن حبان من هذا الوجه: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم
стр. 8232
اقرأ بما شئت"، ترجم له ابن حبان بـ[باب فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة] (ثم اركع حتى تطمئن راكعا) وفي رواية إسحاق: "ثم يكبر، ويركع، حتى تطمئنّ مفاصله، وتسترخي".
وهذا محل، استدلال المصنف ﵀ على ترجمته، حيث إن النبي ﷺ أمره بالركوع، والطمأنينة فيه، ولم يأمره بالأذكار التي تقال فيه، فلو كانت من واجبات الصلاة لما سكت عنها في وقت البيان، أما تكبير الركوع، فقد ذكره فهو من واجبات الصلاة على الراجح (ثم ارفع حتى تعتدل قائما) أي حتى تستوي في قيامك، وفي رواية إسحاق: "ثم يقول: "سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائما حتى يقيم صلبه" وفيه وجوب الاعتد الذي القيام من الركوع، وقول: "سمع الله لمن حمده" (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا) وفي رواية إسحاق: "ثم يكبر، ويسجد، حتى يمكن وجهه، حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي". وفيه وجوب الطمأنينة في السجود، وكذا التكبير على الراجح (ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدا) وفي رواية إسحاق: "ويكبر، فيرفع، حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويقيم صلبه". وفيه وجوب الرفع من السجود، والقعود ممكنا مقعدته، ومقيما صلبه (ثم اسجد، حتى تطمئن ساجدا، فإذا صنعت ذلك) أي فعلت ما ذكرت لك في هذا التعليم (فقد قضيت صلاتك) أي قد أديت صلاتك التي أمرت بها (وما انتقصت من ذلك) أي وما تركت مما ذكرت لك (فإنما تنقصه) أي تتركه، قال الفيّومي رحمه الله تعالى: نَقَصَ نَقصًا من باب قتل، ونُقْصَانًا، وانتَقَصَ: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ يتعدى، ولا يتعدى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصتُ زيدًا حَقَّهُ، وانتقصته مثله. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فقول المصنف ﵀: "وما انتقصت" لازم، وقوله: "تنقصه" متعدّ لواحد، وهو الضمير. وفي رواية إسحاق: "فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته".
أراد النبي ﷺ -والله أعلم- أنه إذا ترك شيئًا مما ذكره له في هذا التعليم، فقد ترك جزءا من صلاته، ومن ترك جزءا من أجزاء الشيء الواحد، فقد ترك ذلك الشيء بكامله، ولذلك قال له ﷺ : "صل، فإنك لم تصل". والله أعلم
стр. 8233
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق يهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٠٥ - / ١٠٥٣ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٦٤٠ - عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن محمَّد بن عجلان، عن علي بن يحيي الزرقي، عن أبيه، عنه. وفي -٢٧/ ٦٦٧ - و"الكبرى" -٢٦/ ١٦٣١ - عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيي بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع ﵁. وفي -١٦٧/ ١١٣٦ - و"الكبرى" -٧٤/ ٧٢٢ عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبيه، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن على بن يحيى به. وفي -٦٧/ ١٣١٣ - و"الكبرى" ١٠١/ ١٢٣٦ - عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان به. و -١٣١٤ - و"الكبرى" -١٢٣٧ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن داود بن قيس، عن علي بن يحيي به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في "الصلاة" عن الحسن بن علي الحلواني، عن هشام بن عبد الملك، وحجاج بن منهال، كلاهما عن همام بن يحيي به. وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد ابن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى، عن عمه، ولم يسمه، ولم يقل: "عن أبيه. وعن مؤمل ابن هشام، عن إسماعيل ابن علية، عن محمَّد ابن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع ﵁. وعن عَبّاد بن موسى الخُتَّليّ، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيي به. وعن وهب بن بقية، عن خالد، عن محمَّد بن عمرو، عن علي بن يحيي، عن رفاعة بن رافع، ولم يقل: "عن أبيه". " (١) (ت) فيه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيي، عن جده به، ولم يقل: "عن أبيه". وقال: حسن. (ق) فيه عن محمَّد بن يحيى، عن حجاج بن منهال ببعضه: "لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء". . . فذكره.
(أحمد) ٤/ ٣٤٠ و ٣٤٠ (البخاري في جزء القراءة) -١٠١ - و ١٠٢ و ١١١ أو ١١٢
стр. 8234
و ١٠٨ و ١٠٩ (الدارمي) ١٣٣٥ (ابن خزيمة) ٥٩٧ و ٦٣٨. والله أعلم.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث صحيح، وأما ما يتعلق به من الفوائد، واختلاف العلماء في الأحكام المستنبطة منه، فقد استوفيناه في شرح حديث أبي هريرة ﵁ -٧/ ٨٨٤ - فمن أراد الاستفادة فليرجع إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٦ - (بَابُ الأَمْرِ بِإِتْمَامِ الرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أمر المصلي بإتمام ركوعه في صلاته.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد من الإتمام هو الاطمئنان، والسكون حتى تستقر أعضاؤه في مواضعها، كما تقدم في حديث المسيء صلاته "ثم يكبر، ويركع حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي". والله أعلم بالصواب.
١٠٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أَتِمُّوا الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ، إِذَا رَكَعْتُمْ، وَسَجَدْتُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨]، تقدم ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (قتادة) بن دِعَامة السدوسي البصري، ثقة ثبت مدلس [٤]، تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير ﵁ تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، وأخرج له أبو
стр. 8235
داود في الناسخ والمنسوخ (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين (ومنها): أن فيه أن قتادة، وإن كان مدلسًا، لكنه صرح هنا بالسماع (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن قتادة) بن دعامة رحمه الله تعالى، أنه (قال: سمعت أنسًا) ﵁ (يحدث) جملة في منحل النصب على الحال على الراجح، وقيل: مفعول ثان لـ "سمع"؛ لأنها تتعدى إلى مفعولين (عن النبي ﷺ ، قال: "أتموا الركوع، والسجود) أي أكملوهما بمراعاة الطمأنينة والاعتدال (إذا ركعتم، وسجدتم") ولفظه في ١٥٠/ ١١١٧ - من طريق سعيد، عن قتادة: "أتموا الركوع، والسجود، فوالله إني لأراكم من خلف ظهري في ركوعكم، وسجودكم".
وأخرج البخاري في "صحيحه" عن هلال بن علي، عن أنس بن مالك ﵁، قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة، ثم رقي المنبر، فقال في الصلاة، وفي الركوع. "إني لأراكم من ورائي كما أراكم".
وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى حديثُ أبي هريرة ﵁ -٦٣/ ٨٧٢ - من رواية سعيد المقبري، عن أبيه، عنه، قال: صلى رسول الله ﷺ يومًا، ثم انصرف، فقال: "يا فلان، ألا تحسن صلاتك، ألا ينظر المصلي، كيف يصلي لنفسه؟ إني أبصِرُ من وَرَائي، كما أُبصِرُ بينَ يديَّ".
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين من رواية الأعرج عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "هل تَرَون قبلتي ها هنا؟ فوالله ما لا يخفى علي خشوعكم، ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري".
والمعنى: هل تظنون أني لا أراكم لكون قبلتي في هذه الجهة؛ لأن من استقبل شيئًا استدبر ما وراءه، لكن بَيَّنَ النبي ﷺ أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة.
وقد اختلف في معنى ذلك، فقيل: المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يلهم، قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لأن العلم لو كان مرادا لم يقيده بقوله: "من وراء ظهري". وقيل: المراد أنه يرى مِنْ عَن يمينه، ومِنْ عَنْ يساره من تدركه عينه مع التفات يسيرة في النادر، ويوصف من هناك وراء ظهره. قال الحافظ ﵀ وهو ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب، والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وعلى هذا عمل البخاري رحمه الله تعالى، فأخرج هذا الحديث في "علامات النبوة". وكذا نقل
стр. 8236
عن الإمام أحمد ﵀، وغيره.
ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى بها من غير مقابلة؛ لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلا، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافا لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة.
وقيل: كانت له عين خلف ظهره، يرى بها من وراءه دائما. وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، يبصر بهما، لا يحجبهما ثوب، ولا غيره.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول، والذي قبله مما لا ينبغي أن يلُتْفَتَ إليه، حيث لم يكن عليه بينة، ولا أثارة من علم. والله تعالى أعلم.
وقيل: كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنبطع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. انتهى (١)
[قال الجامع]: هذا القول أيضا ليس عليه برهان، فالحق أن الحديث على ظاهره، كما تقدم عن الحافظ رحمه الله تعالى، وأما معرفة كيفية رؤيته ﷺ ، هل هي بنفس باصرته الأمامية، أو بشيء آخر نوعه كذا وكذا فتكلف بارد، لا برهان لهم به. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤].
وَالدَّعَاوِي مَا لَمْ تُقِيمُوا عَلَيهَا … بِيِّنَاتِ أَبنَاؤُها أَدْعِيَاءُ
وأغرب من هذا كله، ما نقل عن الداودي أنه حمل البعدية هنا على ما بعد الوفاة؛ يعني أن أعمال الأمة تعرض عليه، وكأنه لم يتأمل سياق حديث أبي هريرة ﵁، حيث بين فيه سبب هذه المقالة. والله أعلم (٢).
وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعا في جميع أحواله، وقد نقل ذلك عن مجاهد. وحكى بقي بن مخلد أنه ﷺ كان يبصر في الظلمة، كما يبصر في الضوء (٣).
[فائدة]: سئل عن الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم، دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبين في سؤال جبريل ﵇ "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك".
стр. 8237
[فأجيب]: بأن في التعليل برؤيته ﷺ لهم تنبيها على رؤية الله تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة، لكون النبي ﷺ يراهم أيقظهم ذلك إلى مراقبة الله تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزات له ﷺ بذلك، ولكونه يبعث شهيدا عليهم يوم القيامة، فإذا علموا أنه يراهم تحفظوا في عبادتهم، ليشهدهم بحسن عبادتهم. قاله في "الفتح" أيضا (١). . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٠٦/ ١٠٥٤ - و"الكبرى"-١٥/ ٦٤١ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، عن قتادة، عنه. و ١٥٠/ ١١١٧ - و"الكبرى" ٥٨/ ٧٠٤ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عنه، و ١٠٢/ ١٣٦٣ عن علي بن حُجر، عن علي بن مُسهِر، عن المختار بن فُلْفُل، عنه موصولًا. والله أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "الصلاة" عن محمَّد بن بشار، عن غندر، عن شعبة به. وفي "الأيمان والنذور" عن إسحاق، عن حَبَّان، عن همام بن يحيي، عن قتادة، عنه. (م) في "الصلاة" عن محمَّد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن عندر به. وعن أبي غسان المسمعي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عنه.
(أحمد) ٣/ ١١٥ و ٢٧٤ و ١٣٠ و ١٧٠ و ١٧٧ و ٢٦٩ (عبد بن حميد) رقم ١١٧٠. والله أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف، وهو الأمر بإتمام الركوع، ومعنى إتمامه، أنا يطمئن المصلي فيه بحيث تعود مفاصله إلى مواضعها، ويستقر كل عضو مكانه، والأمر للوجوب، فالطمأنينة في الركوع، وكذا في سائر أفعال الصلاة من فرضها التي لا تتم إلا بها، فالخلاف في هذه المسألة ضعيف جدًّا تقدم تفينيده (ومنها): وجوب إتمام السجود
стр. 8238
أيضًا، وسيبوب له المصنف في أبوابه -١٥٠/ ١١١٧ (ومنها): وجوب اهتمام المصلي على المحافظة على إتمام أركان الصلاة، وأبعاضها (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن ينبه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأولى (ومنها):
بيان ما أكرم الله ﷺ نبيه ﷺ بمعجزة الإبصار من وراء ظهره، كما يبصر من أمامه، قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في "ألفية السيرة":
أَكثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى وَرَاءَهُ كَقْدَّامٍ مَعَا
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
…
١٠٧ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع.
وهذا الرفع مستحب عند جمهور أهل العلم، وهو الحث، وخالف في ذلك الحنفية، وبعض أهل الكوفة، وقد تقدم تمام البحث في ذلك بما فيه الكفاية، ولله الحمد.
١٠٥٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، هَكَذَا، وَأَشَارَ قَيْسٌ إِلَى نَحْوِ الأُذُنَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠]، تقدم ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي المروزي الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨]، تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (قيس بن سُلَيم العنبري) الكوفي، ثقة [٧]، تقدم ٩/ ٨٨٧.
٤ - (علقمة بن وائل) بن حُجْر الحضرمي الكوفي، صدوق [٣] تقدم ٩/ ٨٨٧.
стр. 8239
٥ - (وائل) بن حُجْر بن سعد بن مسروق الحضرمي الصحابي الشهير نزل الكوفة، ومات في ولاية معاوية ﵄، تقدم ٤/ ٨٧٩.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، وتقدم بأتمّ مما هنا في ٩/ ٨٨٧ أخرج به المصنف حديث وائل ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائما في الصلاة قبض بيمينه على شماله". وتقدم البحث عنه مستوفًى هناك، ولله الحمد.
وأخرجه المصنف هنا -١٠٧/ ١٠٥٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٦٤٢ - بالسند المذكور. وأخرجه (البخاري في "جزء رفع اليدين") رقم ١٠. والله أعلم.
[تنبيه]: ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في "ت" أن علقمة لم يسمع من أبيه، ونقل ذلك في "تت" عن ابن معين رحمه الله تعالى.
فعقب ذلك بعض المحققين في تعليقه على "ت" فقال: والصحيح أنه سمع من أبيه، كما صرح به البخاري في "التاريخ الكبير" (١)، والترمذي في الحدود، في [باب إذا استكرهت المرأة على الزنا"، وفي سنن النسائي في "باب القود" من [كتاب القسامة]، وفي "جزء رفع اليدين للبخاري رقم (١٠١) أيضا تصريح سماعه عن أبيه، وقال الحافظ في "بلوغ المرام" في [باب صفة الصلاة] بعد ذكر حديث وائل: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهذا إنما هو من طريق علقمة، عن وائل. فليتنبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد صرح علقمة في حديث الباب بقوله: "حدثني أبي"، فصح سماعه منه.
والحاصل أن الراجح ثبوت سماعه من أبيه، كما صرح به البخاري، والترمذي. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٨ - (بَابُ رَفْعِ اللْيَدَيْنِ حَذْوَ فُرُوعِ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية رفع اليدين عند الرفع من الركوع مُقابِل فروع الأذنين.
стр. 8240
فـ"الحَذْو" بفتح، فسكون: الْمُوَازاة، والمقا بلة، كالحِذاء بالكسر والمد.
ومحل الاستدلال من الحديث واضح. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٥٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ-، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَري البصري، ثقة [١٠]، تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨]، تقدم ٥/ ٥.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مهران البصري، ثقة ثبت يدلس، واختلط آخرا [٦] تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري تقدم قبل باب.
٥ - (نصر بن عاصم) الليثي البصري، ثقة رمي برأي الخوارج، وصح رجوعه عنه [٣]. تقدم ٤/ ٨٨٠.
٦ - (مالك بن الحُويرث) أبو سليمان الليثي الصحابي الشهير ﵁ نزيل البصرة تقدم ٧/ ٦٣٤.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف، في ٤/ ٨٨ أخرجه هناك عن شيخه محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، وتقدم الكلام عليه، وعلى ما يتعلق به من المسائل، فلا حاجة إلى إعادة ذلك هنا، فمن أراد الاستفادة فليرجع إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٩ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَينِ عِنْدَ الرَّفعِ مِنَ الرُّكُوعِ)
أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذا إلى أن المصلي مخير في رفع يديه، إن شاء رفع إلى فروع الأذنين، وإن شاء رفع إلى المنكبين، لصحة الأمرين عن رسول الله ﷺ .
стр. 8241
والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٥٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" قَالَ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"، وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠]، تقدم ٤/ ٤.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩]، تقدم ٤/ ٤.
٣ - (مالك بن أنس) الإمام المدني المجتهد الحافظ الحجة الثبت [٧]، تقدم ٧/ ٧.
٤ - (الزهري) محمَّد بن ملم المدني الإمام الحافظ الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني ثقة ثبت عابد فاضل فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم للمصنف في ١/ ٨٧٦ - أخرجه هناك عن عمورو بن منصور، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة- (ح) عن أحمد بن محمَّد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، عن شعيب، عن الزهري، وتقدم هناك شرحه، والمسائل المتعلقة به. ولله الحمد.
وقوله: "وكان لا يرفع يديه بين السجدتين" سيأتي للمصنف رحمه الله تعالى [باب رفع اليدين للسجود] وسنبين هناك إن شاء الله تعالى مذاهب العلماء في رفع اليدين للسجود، وأن الراجح قول من قال بمشروعيته، لصحة الحديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٠ - الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التسهيل في ترك رفع اليدين في الرفع من الركوع.
стр. 8242
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: تقدم في ٨٧/ ١٠٢٦ - أن حديث ابن مسعود ﵁ الذي استدل به المصنف رحمه الله تعالى على الرخصة في ترك الرفع ضعيف على الراجح، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة، كأحاديث ابن عمر، ومالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وغيرهم ﵃ فتبصر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. والله أعلم بالصواب.
١٠٥٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي نزيل بغداد، ثقة [١٠]، تقدم ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الجرَّاح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة ثبت حجة [٩]، تقدم ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الإمام الحافظ الحجة [٧]، تقدم ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عاصم بن كليب) الجرمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥]، تقدم ١١/ ٨٨٩.
٥ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢]، تقدم ٦١/ ٧٧.
٧ - (عبد الله) بن مسعود الصحابي الشهير ﵁، تقدم ٣٥/ ٣٩.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث تقدم البحث عنه مستوفى، وأن الصحيح أنه ضعيف، حيث أورده المصنف ﵀ محتجا به على ترك الرفع عند الركوع ٨٧/ ١٠٢٦ - وعلى تقدير صحته يحمل على بيان الجواز، وأن الرفع ليس من واجبات الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 8243
١١١ - (بَابُ مَا يقُولُ الإِمَامُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي يقوله الإمام وقت رفع رأسه من الركوع، فـ "ما" موصول اسمي بمعنى الذي، وجمله "يقول" صلتها، والعائد محذوف، أي يقوله، و"إذا" ظرف متعلق بـ"يقول". ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية، أي باب قول الإمام الخ. والله أعلم بالصواب.
١٠٥٩ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلهم تقدموا قريبا، فـ (سويد بن نصر) و (عبد الله) بن المبارك تقدما قبل ثلاثة أبواب، والباقون تقدموا قبل باب، وتقدم الكلام على الحديث؛ مستوفى في أوائل [كتاب الافتتاح]-١/ ٩٧٦ - .
(قوله: "أيضا") قال المجد رحمه الله تعالى: الأَيْضُ: العَوْد إلى الشيء، آضَ يئيض، وصَيْرُورة الشيء غَيْرَهُ، وتحويله من حاله، والرجوع، وآضَ كذا: صار، وفَعَلَ ذلك أيضًا: إذا فعله مُعاوِدًا، فاستعير لمعنى الصيرورة. انتهى (١).
فهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي إِضتُ أيضًا، أو حال من محذوف على حذف مضاف، أو على تقديره بالمشتق، أي أقول هذا ذا أيضٍ، أو آئضا. والله أعلم.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الموضع الذي أشرت إليه آنفا، وإنما أتكلم هنا على ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الذكر الذي يقوله الإمام في رفع رأسه من الركوع، وهو "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
(فقوله): وقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا، ولك الحمد" أي قال النبي ﷺ حينما
стр. 8244
يرفع رأسه من الركوع: "سمع الله لمن حمده". وقال حينما اعتدل قائما: "ربنا ولك الحمد". فالتسميع ذكر الرفع، والتحميد ذكر الاعتدال، كما بينته الروايات الأخرى. والهاء في "حمده " ضمير يعود لـ"الله" . وقيل: هاء سكت، وهو ضعيف.
وفي قوله: "سمع الله" إثبات صفة السمع لله . قال ابن منظور رحمه الله تعالى: السميع من صفات الله وأسمائه، لا يَعزُبُ عن إدراكه مسموع، وإن خفي، فهو سميع بغير جارحة. وفَعِيل من أبنية المبالغة، وفي التنزيل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، وهو الذي وسع سمعه كل شيء، كما قال النبي ﷺ . قال الله على: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية [المجادلة: ١]، وقال : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ الآية [الزخرف: ٨٠].
قال الأزهري ﵀: والعجب من قوم فسَّروا السميع بمعنى الْمُسْمِعِ، فرارا من وصف الله بأن له سمعًا، وقد ذكر الله ﷺ الفعل في غير موضع من كتابه، فهو سميع ذو سمع بلا تكييف، ولا تشبيه بالسمع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصف الله بما وصف به نفسه، بلا تحديد، ولا تكييف، قال: ولست أنكر في كلام العرب أن يكون السميع سامعًا، ويكونَ مُسمِعًا، وقد قال: عمرو بن معديكرب: [من الوافر]
أَمِنْ رَيحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ … يُؤَرَّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
فهو في هذا البيت بمعنى المُسمِع، وهو شاذّ والظاهر الأكثر من كلام العرب أن يكون السميع بمعنى السامع، مثل عليم، وعالم، وقدير وقادر. انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (١).
(وقوله: ربنا") بنصب ربنا على أنه منادى حذف منه حرف النداء، كما قال الحريري رحمه الله تعالى في "ملحة الإعراب":
وَحَذفُ يَا يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي
(وقوله: "ولك الحمد") مبتدأ وخبر، وقدم الخبر لإفادة الحصر، والاختصاص، أي لا لغيرك. واختلفت الروايات في زيادة "اللَّهم"، وفي ثبوت هذه الواو، وحذفها، واختُلِفَ أيضًا في كونها عاطفة، أو زائدة، أو حالية:
قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرح المهذب": ثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة: "ربنا لك الحمد"، وفي روايات كثيرة "ربنا ولك الحمد"، بالواو، وفي
стр. 8245
روايات "اللَّهم ربنا، ولك الحمده"، وفي روايات "اللَّهم ربنا، لك الحمد"، وكله في الصحيح.
قال الشافعي، والأصحاب: كله جائز. وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن الواو في قوله: "ربنا، ولك الحمد"؟ فقال: هي زائدة، تقول العرب: بعني هذا الثوب، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة.
[قلت]: ويحتمل أن تكون عاطفة على محذوف، أي ربنا أطعناك، وحمدناك، ولك الحمد. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله: "اللَّهم ربنا" ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف "اللَّهم"، وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرير النداء، كأنه قال: يا ألله، يا ربنا.
وقوله: "ولك الحمد" كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي بعضها بحذفها. قال النوويّ: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر. وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دالّ على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلا ربنا استجب، ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر. انتهى.
وهذا بناء على أن الواو عاطفة، وقيل: زائدة وقيل: هى واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعف ما عداه.
قال: ورجح الأكثروذ ثبوتها. وقال الأثرم: سمعت أحمد يثبت الواو في "ربنا، ولك الحمد"، ويقول: ثبت فيه عدة أحاديث. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: الظاهر أن مذهب المصنف رحمه الله تعالى أنه يرى أن الإمام يجمع بين التسميع، والتحميد، وأما المأموم فيحمد فقط، حيث بوب لكل منهما بباب مستقل، وأورد دليل كل منهما، وهذا هو المذهب الراجح، ومثل الإمام في الجمع المنفرد، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، ودونك ما كتبه المحققون فيها:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في قول المأموم إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده": فقالت طائفة: يقول: "سمع الله لمن حمده،
стр. 8246
اللهم ربنا، لك الحمد"، كذلك قال محمَّد بن سيرين، وأبو بردة. وقال عطاء يجمعهما مع الإمام أحب إليّ، وبه قال الشافعي، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد.
وقالت طائفة: إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده"، فليقل من خلفه: "ربنا، ولك الحمد". هذا قول عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة ﵃. وبه قال الشعبي، ومالك، وقال أحمد بن حنبل: إلى هذا انتهى أمر النبي ﷺ .
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد"، فالاقتصار على ما عَلَّمَ النبي ﷺ المأمومَ أن يقوله أحب إلي، وينبغي أن يكون قوله المأموم: ربنا لك الحمد، أوكد من التشهد، والصلاة على النبي ﷺ في التشهد عند من يجعل أمر النبي ﷺ على الفرض، ومما يزيد ما قلناه توكيدا قول الرجل وراء رسول الله ﷺ : ربنا، ولك الحمد لمّا سمع النبي ﷺ قال: سمع الله لمن حمده (١). انتهى المقصود من كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٢).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في شرح قوله: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهم ربنا لك الحمد":
ما نصّه: استُدِلَّ به على أن الإمام لا يقول: "ربنا لك الحمد"، وعلى أن المأموم لا يقول: "سمع الله لمن حمده"، لكون ذلك لم يذكر في هذه الرواية، كما حكاه الطحاوي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وفيه نظر، لأنه ليس فيه ما يدلّ على النفي، بل فيه أن قول المأموم: "ربنا لك الحمد" يكون عقب قول الإمام: "سمع الله لمن حمده"، والواقع في التصوير ذلك، لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام، كما في الخبر، وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين، كما تقدم من أنه لا يلزم من قوله: "إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين" أن الإمام لا يؤمّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وليس فيه أن الإمام يؤمّن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول: "ربنا لك الحمد"، لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة، كما تقدم في التأمين، وكما ثبت أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد.
وأما ما احتجوا به من حيث المعنى من أن معنى "سمع الله لمن حمده" طلب
стр. 8247
التحميد، فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه الإجابة بقوله: "ربنا، لك الحمد"، ويقويه حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عند مسلم وغيره (١)، ففيه: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم".
فجوابه أن يقال: لا يدلّ ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: "ربنا ولك الحمد"، إذ لا يمتنع أن يكون طالبا ومجيبًا، وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين من أنه لا يلزم من كون الإمام داعيا، والمأموم مؤَمِّنًا أن لا يكون الإمام مؤمّنا، ويقرب منه ما تقدم البحث فيه في الجمع بين الحيعلة والحوقلة لسامع المؤذن، وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تشهد له، وزاد الشافعي أن المأموم يجمع بينهما أيضًا، لكن لم يصح في ذلك شيء، ولم يثبت عن ابن المنذر أنه قال: إن الشافعي انفرد بذلك؛ لأنه نقل في "الإشراف" عن عطاء، وابن سيرين، وغيرهما القول بالجمع بينهما للمأموم.
وأما المنفرد فحكى الطحاوي، وابن عبد البرّ الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما، للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب "الهداية" إلى خلاف عندهم في المنفرد. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتغيير يسير (٢).
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: قد تبين مما تقدم أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الإمام يجمع بين التسميع، والتحميد، وأن المأموم يُحَمِّدُ فقط هو المذهب الراجح، عملا بما صح عن رسول الله ﷺ ، فإنه كان يصلي إمامًا، ويقوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فثبت أن الإمام يجمع بينهما.
[فإن قيل]: إن حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" يشمل المأموم أيضًا، كما استدل به من قال بأنه يجمع بينهما.
[أجيب]: بأنه قوله ﷺ : "وإذا قال: سمع الله لمن حمده"، فقولوا: "ربنا ولك الحمد" يقدم عليه، لأمرين:
(الأول): أنه عام خص منه عدم متابعة المأموم في الجهر بالقراءة إجماعا.
(الثاني): حديث رفاعة بن رافع ﵁ قال: "كنا يوما نصلي وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة، قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: ربنا ولك
стр. 8248
الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه". . . الحديث، فإنه ﷺ قرر ذلك الرجل على عدم تسميعه، فدلّ على أن تسميع المأموم غير مشروع. فتبين بهذا أن المراد بقوله: "صلوا كما رأيتوني أصلي" الإمام، والمنفرد، ولا يشمل المأموم.
وأما المنفرد فلا خلاف أنه يجمع بينهما، وقد تقدم أنه ادعى الإجماع على ذلك ابنُ عبد البرّ، والطحاويُ.
والحاصل أن الراجح أنه يجمع الإمام، والمنفرد بين التسميع، والتحميد، ويكتفي المأموم بالتحميد فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٦٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي ابن راهويه المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة-[١٠]، تقدم ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ تغير في آخر عمره [٩] تقدم ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم الصنعاني، ثقة ثبت من كبار [٧]، تقدم ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم القرشي أبو بكر المدني الإمام الحافظ الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير ﵁ تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، نبلاء، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأنه مروزي، وعبد الرزاق، ومعمر صنعانيان، والباقون مدنيون، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وأحد المكثرين السبعة. والله أعلم.
стр. 8249
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللَّهم ربنا ولك الحمد) أي بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده"، بدليل الرواية السابقة عن أبي هريرة ﵁ -٨٤/ ١٠٢٣ "فإذا رفع رأسه من الركعة، قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
وقال السندي رحمه الله تعالى؛ قوله: "قال: اللَّهم ربنا ولك الحمد" أي مع قوله: "سمع الله لمن حمده"، وإنما تركه لظهور أنه من وظائف الإمام، وإنما الكلام في جمع التحميد معه. انتهى (١).
والحديث يدل على أن الإمام يقول: "ربنا ولك الحمد" مع التسميع، ولذلك استدل به المصنف رحمه الله تعالى لما بوب له، وهو "ما يقوله الإمام إذا رفع رأسه من الركوع". والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، كما أشار الحافظ أبو الحجاج الْمِزِّيّ رحمه الله تعالى (٢) أخرجه هنا -١١١/ ١٠٦٠ - وفي "الكبرى" -٢٠/ ٦٤٧ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٢ - (بَابُ مَا يَقُول المَأْمُومُ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على ما يقوله المأموم من الذكر في حال رفع رأسه من الركوع. وإنما حذف القيد بحالة الرفع للاختصار، ولدلالة الترجمة السابقة عليه. والله أعلم بالصواب.
١٠٦١ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَقَطَ مِنْ فَرَسٍ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، يَعُودُونَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا
стр. 8250
قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ").
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم للمصنف سندا ومتنا، في [كتاب الإمامة]-١٦/ ٧٩٤ - أورده تحت ترجمة [الائتمام بالإمام]-١٦/ ٧٩٤ - والسند من رباعياته، وهو (٧١) من رباعيات الكتاب.
استدل به هناك على وجوب ائتمام المأموم لإمامه في أفعال الصلاة، وتقدم الكلام عليه هناك مستوفى، فمن شاء فليرجع إليه.
واستدل به هنا على أن المأموم يقتصر على التحميد فقط، فلا يقول: "سمع الله لمن حمده"؛ لأنه من وظيفة الإمام، كما تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَالَ رَجُلٌ، وَرَاءَهُ: رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا، يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلاً").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمَّد بن سلمة) المرادي الجَمَلي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١]، تقدم ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العُتَقِيّ، أبو عبد الله المصري الفقيه صاحب مالك، ثقة من كبار [١٠]، تقدم ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة الفقيه الثبت [٧]، تقدم ٧/ ٧.
٤ - (نعيم بن عبد الله) المدني المجمر، ثقة [٣] تقدم ٢١/ ٩٠٥.
٥ - (علي بن يحيى الزُّرَقي) الأنصاري المدني، ثقة [٤] تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
٦ - (يحيى) بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقي الأنصاري المدني، له رؤية، وذكره ابن حبان في "الثقات"، تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
٧ - (رفاعة بن رافع) بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنهما تقدم ٢٧/ ٦٦٧. والله تعالى أعلم.
стр. 8251
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون سوى شيخه، وابن القاسم، فمصريان، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن أبيه. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن رفاعة بن رافع) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: كنا يوما نصلي وراء رسول الله ﷺ ) الظرفان متعلقان بـ"نصلي"، أو الأول متعلق بـ"كان"، والثاني بـ"نصلي" (فلما رفع) ﷺ (رأسه من الركعة) بفتح، فسكون: المرة من الركوع، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةِ كَجَلسَهْ … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلسَهْ
(قال: سمع الله لمن حمده) جواب "لما" (قال رجل) وفي "الكبرى": "فقال رجل" بالفاء، وهذا الرجل تقدم في -٣٦/ ٩٣١ - عن ابن بشكوال ﵀ أنه قال: هو رفاعة ابن رافع راوي الخبر، واحتج على ذلك بقصة عطاسه خلف رسول الله ﷺ ، وهو يصلي، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرا طيبا. . .الحديث. ونوزع في ذلك لاختلاف السياق والقصة، وأجيب بأنه لا تعارض بينهما، بل يحمل على أن عطاسه وقع عند رفع رأسه ﷺ ، ولا مانع أن يكني عن نفسه، لقصد إخفاء عمله. أو لغير ذلك.
(وراءه) ظرف متعلق بـ"قال"، أو بمحذوف صفةٍ لرجل"، أي رجلٌ كائنٌ وراء النبي ﷺ (ربنا، ولك الحمد حمدًا) مفعول مطلق لفعل مقدر، أي نحمدك حمدًا (كثيرا طيبا) أي خالصا من الرياء والسمعة (مباركا فيه) أي كثير الخير، زاد في الرواية المتقدمة ٣٦/ ٩٣١: "مباركا عليه، كما يحب ربنا، ويرضى" (فلما انصرف رسول الله ﷺ ) أي سلم من الصلاة (قال: "من المتكلم) "من" استفهامية مبتدأ خبره "المتكلم" (آنفا) بالمد والقصر، كحاذر وحَذِر، وآسن وأَسِنٍ، واختلفوا فيه، فقيل: منصوب على الحال، أي مَنِ الذي تكلم مُؤتَنِفًا الكلام قبل خروجنا من الصلاة؟. وقيل: منصوب على الظرف، أي مَنِ الذي تكلم الساعة؟ (١).
(فقال الرجل: أنا يا رسول الله) "أنا" مبتدأ حذف خبره جوازا، أي أنا المتكلم، كما قال في "الخلاصة":
стр. 8252
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ: زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
وفي الرواية المتقدمة: فلم يكلمه أحد حتى قالها مرتين (قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيت) اللام هي الموطئة للقسم، أي والله لقد رأيت (بضعة وثلاثين ملكا) "البضع" بالفتح والكسر: ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة، يضاف إلى ما تضاف إليه الآحاد؛ لأنه قطعة من العدد (يبتدرونها) أي يتسارعون، ويتسابقون إليها (أيهم يكتبها أولًا) "أي" استفهامية مبتدأ وجملة "يكتبها" خبره، والجملة منصوبة المحل لكونها معلقة بفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب على الحال، أي ينظرون أيهم يكتبها أولا. وقيل: الجملة محكية بقول مقدر، أي يقولون: أيهم يكتبها أوّلا (١) .. والله أعلم.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث أخرجه البخاري، وقد تقدّم بيان المسائل المتعلقة به في -٣٦/ ٩٣١ - فلا حاجة إلى إعادتها، فمن أراد الاستفادة، فليراجعها هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٣ - (بَابُ قَوْلِهِ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ")
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على فضل قول المصلي: "ربنا ولك الحمد"، فالظاهر أنه أراد بهذه الترجمة بيان فضل قول "ربنا ولك الحمد"، فهو كقول الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه": [باب فضل: "اللَّهم ربنا لك الحمد"]. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
стр. 8253
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، تقدم في الباب الماضي.
٣ - (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني، ثقة [٦] ت ١٣٠ (ع) تقدم ٢٢/ ٥٤٠.
٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيّات المدني، ثقة ثبت [٣] ت ١٠١ (ع) تقدم ٣٦/ ٤٠.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، ومن رجال الجماعة (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيا، إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك رحمه الله تعالى (ومنها): أن أبا هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثا. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) وفي رواية البخاري. "فقولوا: اللَّهم ربنا، لك الحمد". قال في "الفتح": في رواية الكشميهني: "ولك الحمد" بإثبات الواو، وفيه ردّ على ابن القيم حيث جزم بأنه لم يرد الجمع بين "اللَّهم"، والواو في ذلك. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: "سمع الله": أي أجاب، أي من حمد الله متعرضا لثوابه استجاب الله له، وأعطاه ما تعرض له. قال: ولفظ "ربنا" على تقدير إثبات الواو متعلق بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا، فاستجب حمدنا، ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا. انتهى.
وقال البغوي في "شرح السنة": وقوله: "سمع الله لمن حمده"، أي تقبل الله منه حمده، وأجابه، يقال: اسمع دعائي، أي أحب؛ لأن غرض السائل الإجابة، فوضع السمع موضع الإجابة، ومنه قوله ﷺ : ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] أي اسمعوا مني سمع الطاعة والقبول، ومنه الحديث "أعوذ بك من دعاء لا يسمع"، أي لا
стр. 8254
يجاب. انتهى (١).
وقال الكرماني ﵀: يحتمل أن يكون السماع بمعناه المشهور. [فإن قلت]: فلا بد تستعمل بـ"من" لا باللام. [قلت]: معناه سمع الحمد لأجل الحامد منه. ثم لفظ "ربنا" لا يمكن أن يتعلق بما قبله لأنه كلام المأموم، وما قبله كلام الإمام، (٢) بدليل قوله: "فقولوا"، بل هو ابتداء كلام، و (لك الحمد) حال منه، أي أدعوك، والحال أن الحمد لك، لا لغيرك.
[فإن قلت]. هل يكون عطفا على أدعوك؟.
[قلت]: لا؛ لأنها إنشائية، وهذه خبرية. انتهى.
وقال الطيبي ﵀: ما حاصله: هذا الكلام يحتاج إلى مزيد كشف وبيان، وذلك أن قوله: "سمع الله لمن حمده" وسيلة، و"ربنا ولك الحمد" طلب، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، فإذا روي بالعاطف تعلق "ربنا" بالأولى، ليستقيم عطف الجملة الخبرية على مثلها، وإذا عزل عن الواو تعلق "ربنا" بالثانية، فإنه لا يجوز عطف الإنشائي على الخبري، وتقديره على الوجه الأول: يا ربنا قبلت في الدهور الماضية حمدَ مَنْ حَمِدَكَ من الأمم السالفة، ونحن نطلب منك الآن قبول حَمْدِنا، ولك الحمد أوّلا وآخرا، فأخرج الأولى على الجملة الفعلية، وعلى الغيبة، وخص اسم الله الأعظم بالذكر، والثانية على الاسمية، وعلى الخطاب، لإرادة الدوام، ولمزيد إنجاح المطلوب، فعلى هذا في الكلام التفاتة واحدة، وعلى الأول التفاتتان من الخطاب إلى الغيبة، ومنه إلى الخطاب. انتهى (٣).
(فإن من وافق) وفي نسخة من "المجتبى"، وهو الذي في "الكبرى": "فإنه" بزيادة ضمير الشأن (قوله قول الملائكة) "قوله" بالرفع فاعل "وافق"، و"قولَ" بالنصب مفعوله. وفيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقوله المأمومون.
وقد تقدم في باب التأمين أن الراجح أن المراد بالموافقة هو الموافقة في القول والزمن، وقيل: الموافقة في الإخلاص والخشوع، وقيل: غير ذلك، وأن المراد من الملائكة من يشهد تلك الصلاة ممن في الأرض، أو في السماء، وأدلة ذلك، فراجعه تستفد.
(غفر له ما تقدم من ذنبه) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضية، وفضل الله ﷺ
стр. 8255
واسع، لكن خصه العلماء بالصغائر، وقد تقدم البحث في ذلك في الكلام على حديث عثمان بن عفان ﵁ فيمن توضأ كوضوئه ﷺ في الطهارة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١١٣/ ١٠٦٣ - و"الكبرى" -٢٢/ ٦٥٠ - وفي "الملائكة" -كما قاله الحافظ المزي -رحمه الله تعالى-- (١) عن قتيبة، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عنه. وفي "الملائكة" عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك- وعن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم- كلاهما عن مالك به. والله أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف- وفي "بدء الخلق" عن إسماعيل- كلاهما عن مالك به. (م) في "الصلاة" عن يحيي بن يحيي، عن مالك به. (د) فيه عن القعنبي، عن مالك به. (ت) فيه عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك به.
(مالك في "الموطإ") ٧٦ (أحمد) ٢/ ٤٥٩ و ٤١٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٦٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُوسَى، قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا، وَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ، فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ، وَإِذَا كَبَّرَ، وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا، وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ". قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ، وَسَجَدَ، فَكَبِّرُو، وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ"، وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ، بِتِلْكَ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ،
стр. 8256
فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ: التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ، وَرَسُولُهُ، سَبْعَ كَلِمَاتٍ، وَهِيَ تَحِيَّةُ الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [١٠]، تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة البصري، ثقة ثبت يدلس، واختلط آخرا [٦] تقدم ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت يدلس [٤]، تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (يونس بن جُبَير) الباهلي، أبو غَلاَّب البصري، ثقة [٣] تقدم ٣٨/ ٨٣٠.
٦ - (حِطَّان بن عبد الله) الرَّقَاشي البصري، ثقة [٣]، تقدم ٣٨/ ٨٣٠.
٧ - (أبو موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الصحابي الشهير ﵁، تقدم ٣/ ٣. والله تعالى أعلم.
[قال الجامع عفا الله تعالى]: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في -٣٨/ ٨٣٠ باب [مبادرة الإمام] أخرجه هناك عن شيخه مؤمل بن هشام، عن إسماعيل ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة.
وقد استوفيت شرحه، وذكر المسائل المتعلقة به هناك، ويأتي ما يتعلق بالتشهد في محله إن شاء الله تعالى-١٩١/ ١٧٢ أو-١٩٢/ ١١٧٣.
(قوله: (بين لنا سنتنا) أي ما يليق أن نتخذه طريقا لنا.
وقوله: "فإذا كبر الإمام فكبروا" فيه أن المأموم لا يكبر قبل إمامه، ولا معه، بل عقبه.
(وقوله: "يجبكم الله") مجزوم بالطلب قبله. وكذا "يسمع الله لكم".
(وقوله: "فتلك بتلك") أي إن اللحظة التي اسبقكم الإمام بها في تقدمه في الركوع، وفي الرفع منه، وفي السجود، وفي الرفع منه تقابل لكم بتأخركم في الركن قليلا بعد انتقاله هو إلى الذي يليه، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، فيصير سجودكم، وركوعكم، ورفعكم بقدر سجوده، وركوعه، ورفعه. والله تعالى أعلم.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: هذا إشارة إلى أن حق الإمام السبق، فإذا فرغ تلاه المأموم معقبا، والباء في "بتلك" للإصاق. انتهى (١).
стр. 8257
(وقوله: "سبع كلمات:) يحتمل النصب على الحالية، أي حال كونها سبع كلمات، ويحتمل الرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي هي سبع كلمات، والمراد من الكلمة الكلام؛ لأن الكمة تطلق لغة على الجملة المفيدة، كقوله ﷺ : ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، قال في "الخلاصة":
وَكِلْمةٌ بَهِا … كَلَامٌ قَدْ يُؤَمّ
يعني أن الألفاظ المذكورة سبع جمل. فالظاهر أن قوله: "التحيات، الطيبات، الصلوات لله" ثلاث جمل، إذ الجار والمجرور خبر لأحد الثلاثة، ويقدر للاثنين نظيره. و (الرابعة): قوله: "سلام عليك أيها النبي، ورحمة الله، وبركاته"، و (الخامسة): قوله: "سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين". و (السادسة): قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله". و (السابعة): قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقِى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١٤ - (قَدْرُ الْقِيَامِ بَينَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكوعِ وَالسُّجودِ):
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مقدار القيام الذي بين رفع الرأس من الركوع، ووضع الجبهة على الأرض في السجود.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى عقد هذا الباب لرد قول من يقول: إن الاعتدال ركن قصير، لا يجوز تطويله، فإن طَوَّلَهُ عمدا بطلت صلاته، وهو قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٦٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ رُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ).
стр. 8258
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.
٢ - (ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم، أبو بشر البصري، ثقة ثبت حافظ [٨]، تقدم ١٨/ ١٩.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الثقة الثبت الحجة [٧]، تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (الحكم) بن عتيبة، أبو محمَّد الكندي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس [٥] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (عبد الرحمن بن أبي ليلي) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة ثبت [٣] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (البراء بن عازب) الأنصاري، أبو عُمَارة الكوفي، الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما تقدم غير مرة، وأنه بغدادي، وابن علية، وشعبة بصريان، والباقون كوفيون، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن البراء بن عازب) رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ كان ركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع) قال العيني ﵀: كلمة "إذا" للوقت المجرد منسلخا عنه معنى الاستقبال. انتهى (١).
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: فعلى هذا يكون معطوفا على اسم "كان"، أي وكان وقت رفعه رأسه من الركوع، ويحتمل أن تكون شرطية وجوابها مقدر دل عليه السابق واللاحق، أي وإذا رفع رأسه كان كذلك، والجملة معترضة (وسجوده) عطف على "ركوعه" أي وكان سجوده (وما بين السجدتين) "ما" اسم موصول بمعنى الذي معطوف على اسم "كان"، و"بين" منصوب على الظرفية صلته، لكونه شبه جملة، قال
стр. 8259
في "الخلاصة":
وَجملَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ … بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُةُ كُفِلْ
أي والوقت الذي ثبت بين السجدتين. والمراد بـ"ما بين السجدتين" الجلوس بينهما (قريبا من السواء) منصوب على الخبرية لـ"كان". أي قريبا من الاستواء.
والمراد أن مقدار ركوعه، وسجوده، واعتداله، وجلوسه متقارب. وفيه جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، وأن القول بأن الاعتدال ركن قصير ضعيف، بل باطل.
وقال النووي ﵀: فيه دليل على تخفيف القراءة والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع، وعن السجود، ونحو هذا قول أنس ﵀: "ما صليت خلف أحد أوجز صلاةً من صلاة رسول الله ﷺ في تمام".
وقوله: "قريبا من السواء" يدل على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضا في التشهد.
[واعلم]: أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث بتطويل القيام، وأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ"الم تنزيل السجدة"، وأنه كان تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع، فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ "سورة المؤمنين" حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بـ"الطور"، وبـ "المرسلات"، وبـ"الأعراف"، وأشباه ذلك، وهذا كله يدل على أنه ﷺ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى (١).
وقال بعضهم: المراد بقوله: "قريبا من السواء" ليس أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود، والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريبا معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفها أخفّ بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بـ"الصافات"، وثبت في "السنن" عن أنس ﵁ أنهم حَزَرُوا في السجود قدر عشر تسبيحات، فحمل على أنه إذا قرأ بدون الصافات اقتصر على دون العشر، وأقله كما ورد في السنن أيضًا ثلاث تسبيحات (٢). قاله في "الفتح" (٣).
стр. 8260
[تنبيه]: ثبت في صحيح البخاري ﵀ من رواية بَدَل بن الْمُحَبَّر، عن شعبة زيادة استثناء، ولفظه: "كان ركوع النبي ﷺ ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع -ما خلا القيام والقعود- قريبا من السواء".
قال في "الفتح": قوله: "ما خلا القيامَ والقعودَ" بالنصب فيهما. قيل: المراد بالقيام الاعتدال، وبالقعود الجلوس بين السجدتين. وجزم به بعضهم، وتمسك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطوّلان. ورده ابن القيم في كلامه على حاشية السنن، فقال: هذا سوء فهم من قائله، لأنه قد ذكرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما، وهل يحسن قول القائل: جاء زيد، وعمرو، وبكر، وخالد، إلا زيدا، وعمرا، فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضا انتهى (١).
وتعقب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة. انتهى.
[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا التعقب غير سديد، بل رد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى مستقيم. والله أعلم.
قال: وقال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله: "قريبا من السواء" أن كل ركن قريب من مثله، فالقيام الأول قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود الذين استثنيا الاعتدالُ والجلوس بين السجدتين، ولا يخفى تكلفه. اهـ (٢).
[قال الجال الجامع عفا الله عنه]: بل هو تكلف بارد بعيد عن مدلول معنى الحديث. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١١٤/ ١٠٦٥ - وفي "الكبرى" -٢٢/ ٦٥٢ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي ١٧٩/
стр. 8261
١١٤٨ - و"الكبرى" -٨٦/ ٧٣٤ - عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيي القطان، عن شعبة به. وفي-٧٧/ ١٣٣٢ - و"الكبرى"-١١١/ ١٢٥٥ - عن أحمد بن سليمان، عن عمرو ابن عون، عن أبي عوانة، عن هلال بن حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. والله أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في "الصلاة" عن بدل بن المحبر، وعن أبي الوليد، كلاهما عن شعبة- وعن محمَّد بن عبد الرحيم، عن أبي أحمد، عن مسعر- كلاهما عن الحكم به، (م) فيه عن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه- وعن بندار، عن غندر- كلاهما عن شعبة به. وعن حامد بن عمر، وأبي كامل، كلاهما عن أبي عوانة به. (د) فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. وعن مسدد، وأبى كامل، كلاهما عن أبي عوانة به. (ت) فيه عن أحمد بن محمَّد بن موسى، عن ابن المبارك- وعن بندار، عن غندر- كلاهما عن شعبة به. (أحمد) ٤/ ٢٨٠ و ٢٧٥ و ٢٩٤ (الدارمي) رقم ١٣٣٩ و ١٣٤٠ (ابن خزيمة) ٦١٠ و ٦٥٩ و ٦٦١. والله أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): أنه يستفاد من هذا الحديث ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقدار القيام الذي بين رفع الرأس من الركوع والسجود، وذلك أنه قريب من مقدار الركوع، وفيه أن الاعتدال ركن طويل كالركوع، خلافا للمرجح عند أصحاب الشافعي من أنه ركن قصير، بل قالوا. إن تعمد تطويله بطلت صلاته.
قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس ﵁ يعني قوله: "فإذا رفع رأسه قام حتى نقول: قد نسي"- أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود. ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد، وأيضا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير "سبحان ربي العظيم" ثلاثا يجيء قدرَ قوله: "اللَّهم ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول، كما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى"، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس (١) ﵃ بعد قوله: "حمدا كثيرا طيبا" ملء السموات، وملء
стр. 8262
الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد". زاد في رواية ابن أبي أوفى: "اللَّهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد، اللَّهم طهرني من الذنوب كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الوسخ"، وزاد في حديث الآخرين: "أهل الثناء والمجد" الخ. وقد تقدم ترك إنكار النبي ﷺ على من زاد في الاعتدال ذكرا غير مأثور، ومن ثم اختار النووي ﵀ جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافا للمرجح في المذهب.
واستدل لذلك أيضا بحديث حذيفة ﵀ في مسلم أنه ﷺ قرأ في ركعة بالبقرة، أو غيرها، ثم ركع نحوا مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: "ربنا لك الحمد" قياما طويلًا قريبا مما ركع، قال النووي: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى جواز الإطالة بالذكر. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وقد أشار الشافعي في "الأم" إلى عدم البطلان فقال في ترجمة [كيف القيام من الركوع]: ولو أطال القيام بذكر الله، أو يدعو، أو ساهيا، وهو لا ينوي به القنوت كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك.
فالعجب ممن يصحح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيهه ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة. معترض بأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونها منها. والله أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اتضح مما قاله المحققون من الشافعية، كالنووي، وابن دقيق العيد، والحافظ رحمهم الله تعالى أن قول من قال: إن الاعتدال ركن قصير ضعيف، بل باطل؛ لمنابذته للأحاديث الصحيحة.
والحاصل أن الاعتدال، والجلوس بين السجدتين يجوز تطويلهما بالأذكار بدون كراهة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 8263
١١٥ - (بَابُ مَايَقُولُ فِي قِيَامِهِ ذَلِكَ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأذكار التي يقولها المصلي في حال قيامه المذكور في الباب الماضي، وهو الاعتدال من الركوع.
فـ"ما" موصول اسمي بمعنى الذي، وجملة "يقول" صلته، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلي
في عَائِدِ مُتَّصِلِ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهبْ
والتقدير "يقوله"، والجارّ والمجرور متعلق به، وقوله: "ذلك" في محل، جرّ بدل من "قيامه"، أو عطف بيان، وفي بعض النسخ إسقاطه. والله أعلم بالصواب.
١٠٦٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم، أبو داود الحراني، ثقة حافظ [١١] ت ٢٧٢ (س) تقدم ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (سعيد بن عامر) الضُّبَعِي، أبو محمَّد البصري، ثقة صالح، ربما وهم [٩] ت ٢٠٨ (ع) تقدم ١١/ ٥١٨.
٣ - (هشام بن حسان) الأزدي القُرْدُوسي، أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦] ت ٧ - أو ١٤٨ (ع) تقدم ١٨٨/ ٣٠٠.
٤ - (قيس بن سعد) المكي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشي، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة، مفتي مكة، ثقة [٦].
روى عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وعنه الحمادان، وعمران القصير، وجرير بن حازم، وهشام بن حسان، وغيرهم. قال أحمد،
стр. 8264
وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان قد خلف عطاء في مجلسه، ولكنه لم يعمر، مات سنة (١١٩) وكان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٧) وقيل: سنة (١٩) وقال العجلي: مكي ثقة. وسئل أبو داود عن قيس، وابن جريج في عطاء؟، فقال: كان قيس أقدم، وابن جريج يقدم. علق له البخاري، وأخرج له الباقون، سوى الترمذي (١).
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ت ١١٤ على المشهور (ع) تقدم ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وقيس بن سعد، فما أخرج له الترمذي، وعلق عنه البخارى، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث والعنعنة، وفيه ابن عباس ﵄، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثا. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (أن النبي ﷺ كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "اللَّهم ربنا لك الحمد") قال النووي ﵀: قال العلماء: معنى "سمع" أجاب، ومعناه أن من حمد الله تعالى متعرضا لثوابه استجاب الله تعالى له، وأعطاه ما تعرض له، فإنا نقول: ربنا لك الحمد، لتحصيل ذلك. انتهى (٢). وقوله: "لك الحمد" الرواية هنا بلا واو، وفي الرواية التي بعد هذا "ولك" بالواو.
(ملء السموات وملء الأرض) بكسر الميم، ويجوز نصب آخره، ورفعه، وممن ذكرهما جميعا ابن خالويه، وآخرون، وحكي عن الزجاج أنه لا يجوز إلا الرفع، ورجح ابن خالويه، والأكثرون النصب، وهو المعروف في روايات الحديث، وهو منصوب على الحال، أي مالئا، وتقديره لو كان جسما لملأ ذلك، قاله النووي رحمه الله تعالى (٣).
стр. 8265
قال الجامع عفا الله عنه: نصب "ملء" على أنه صفة لمصدر محذوف، أي حمدا ملء، أو مفعول لفعل محذوف، أي أعني، ورفعه على أنه صفة لـ"الحمدُ"، أو خبر لمحذوف، أي هو. و"الملء" بالكسر ما يأخذه الإناء إذا امتلأ.
وقال الخطابي ﵀: هو تمثيل، وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قدر ذلك أجسامّا ملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال هذا الكلمة تملأ طباق الأرضء وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى إبقاء لفظ الحديث على ظاهره، وما المانع أن يكون الحمد شيئا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يوزن إلا ما كان شيئا محسوسا، فلا داعي إلى هذه التكلفات التي ذكروها. والله أعلم.
(وملء ما شئت من شيء بعد) "ملء" عطف على الأول، ومضاف إلى "ما" الموصولة، و"شئت" صلتها، و"من شيء" بيان لـ"ما" و"بعد" من الظروف المبنية لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، وبني على الضم لشبهه بأحرف الغاية، كـ"حيث"، و"منذ"، قال في "الخلاصة":
وَأضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْت مَا … لهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا
قَبْلُ كَغَيرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ
والمضاف المقدر هنا "السموات، والأرض"، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ"شيء". والمراد بقوله: "من شيء": العرش، والكرسي، ونحوهما، مما في مقدور الله .
[تنبيه]: ثبت في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق هشيم بن بشير، عن هشام بن حسان، زيادة، بعد قوله: "وملء ما شئت من شيء بعدُ"، ولفظها: "أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد، منك الجد". وسيأتي تمام شرحها في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الآتي قريبا، إن شاء الله . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: