← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

١١٤٨ - و"الكبرى" -٨٦/ ٧٣٤ - عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيي القطان، عن شعبة به. وفي-٧٧/ ١٣٣٢ - و"الكبرى"-١١١/ ١٢٥٥ - عن أحمد بن سليمان، عن عمرو ابن عون، عن أبي عوانة، عن هلال بن حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. والله أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في "الصلاة" عن بدل بن المحبر، وعن أبي الوليد، كلاهما عن شعبة- وعن محمَّد بن عبد الرحيم، عن أبي أحمد، عن مسعر- كلاهما عن الحكم به، (م) فيه عن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه- وعن بندار، عن غندر- كلاهما عن شعبة به. وعن حامد بن عمر، وأبي كامل، كلاهما عن أبي عوانة به. (د) فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به. وعن مسدد، وأبى كامل، كلاهما عن أبي عوانة به. (ت) فيه عن أحمد بن محمَّد بن موسى، عن ابن المبارك- وعن بندار، عن غندر- كلاهما عن شعبة به. (أحمد) ٤/ ٢٨٠ و ٢٧٥ و ٢٩٤ (الدارمي) رقم ١٣٣٩ و ١٣٤٠ (ابن خزيمة) ٦١٠ و ٦٥٩ و ٦٦١. والله أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): أنه يستفاد من هذا الحديث ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقدار القيام الذي بين رفع الرأس من الركوع والسجود، وذلك أنه قريب من مقدار الركوع، وفيه أن الاعتدال ركن طويل كالركوع، خلافا للمرجح عند أصحاب الشافعي من أنه ركن قصير، بل قالوا. إن تعمد تطويله بطلت صلاته. قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس ﵁ يعني قوله: "فإذا رفع رأسه قام حتى نقول: قد نسي"- أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود. ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد، وأيضا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير "سبحان ربي العظيم" ثلاثا يجيء قدرَ قوله: "اللَّهم ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وقد شرع في الاعتدال ذكر أطول، كما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى"، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس (١) ﵃ بعد قوله: "حمدا كثيرا طيبا" ملء السموات، وملء

стр. 8262

الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد". زاد في رواية ابن أبي أوفى: "اللَّهم طهرني بالثلج، والبرد، والماء البارد، اللَّهم طهرني من الذنوب كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الوسخ"، وزاد في حديث الآخرين: "أهل الثناء والمجد" الخ. وقد تقدم ترك إنكار النبي ﷺ على من زاد في الاعتدال ذكرا غير مأثور، ومن ثم اختار النووي ﵀ جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافا للمرجح في المذهب. واستدل لذلك أيضا بحديث حذيفة ﵀ في مسلم أنه ﷺ قرأ في ركعة بالبقرة، أو غيرها، ثم ركع نحوا مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: "ربنا لك الحمد" قياما طويلًا قريبا مما ركع، قال النووي: الجواب عن هذا الحديث صعب، والأقوى جواز الإطالة بالذكر. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد أشار الشافعي في "الأم" إلى عدم البطلان فقال في ترجمة [كيف القيام من الركوع]: ولو أطال القيام بذكر الله، أو يدعو، أو ساهيا، وهو لا ينوي به القنوت كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك. فالعجب ممن يصحح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيهه ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة. معترض بأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونها منها. والله أعلم (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد اتضح مما قاله المحققون من الشافعية، كالنووي، وابن دقيق العيد، والحافظ رحمهم الله تعالى أن قول من قال: إن الاعتدال ركن قصير ضعيف، بل باطل؛ لمنابذته للأحاديث الصحيحة. والحاصل أن الاعتدال، والجلوس بين السجدتين يجوز تطويلهما بالأذكار بدون كراهة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8263

١١٥ - (بَابُ مَايَقُولُ فِي قِيَامِهِ ذَلِكَ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأذكار التي يقولها المصلي في حال قيامه المذكور في الباب الماضي، وهو الاعتدال من الركوع. فـ"ما" موصول اسمي بمعنى الذي، وجملة "يقول" صلته، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة": . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلي في عَائِدِ مُتَّصِلِ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلِ اوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهبْ والتقدير "يقوله"، والجارّ والمجرور متعلق به، وقوله: "ذلك" في محل، جرّ بدل من "قيامه"، أو عطف بيان، وفي بعض النسخ إسقاطه. والله أعلم بالصواب. ١٠٦٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو داود سليمان بن سيف) بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم، أبو داود الحراني، ثقة حافظ [١١] ت ٢٧٢ (س) تقدم ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (سعيد بن عامر) الضُّبَعِي، أبو محمَّد البصري، ثقة صالح، ربما وهم [٩] ت ٢٠٨ (ع) تقدم ١١/ ٥١٨. ٣ - (هشام بن حسان) الأزدي القُرْدُوسي، أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦] ت ٧ - أو ١٤٨ (ع) تقدم ١٨٨/ ٣٠٠. ٤ - (قيس بن سعد) المكي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشي، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة، مفتي مكة، ثقة [٦]. روى عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وعنه الحمادان، وعمران القصير، وجرير بن حازم، وهشام بن حسان، وغيرهم. قال أحمد،

стр. 8264

وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان قد خلف عطاء في مجلسه، ولكنه لم يعمر، مات سنة (١١٩) وكان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٧) وقيل: سنة (١٩) وقال العجلي: مكي ثقة. وسئل أبو داود عن قيس، وابن جريج في عطاء؟، فقال: كان قيس أقدم، وابن جريج يقدم. علق له البخاري، وأخرج له الباقون، سوى الترمذي (١). ٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال [٣] ت ١١٤ على المشهور (ع) تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وقيس بن سعد، فما أخرج له الترمذي، وعلق عنه البخارى، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث والعنعنة، وفيه ابن عباس ﵄، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثا. والله أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (أن النبي ﷺ كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "اللَّهم ربنا لك الحمد") قال النووي ﵀: قال العلماء: معنى "سمع" أجاب، ومعناه أن من حمد الله تعالى متعرضا لثوابه استجاب الله تعالى له، وأعطاه ما تعرض له، فإنا نقول: ربنا لك الحمد، لتحصيل ذلك. انتهى (٢). وقوله: "لك الحمد" الرواية هنا بلا واو، وفي الرواية التي بعد هذا "ولك" بالواو. (ملء السموات وملء الأرض) بكسر الميم، ويجوز نصب آخره، ورفعه، وممن ذكرهما جميعا ابن خالويه، وآخرون، وحكي عن الزجاج أنه لا يجوز إلا الرفع، ورجح ابن خالويه، والأكثرون النصب، وهو المعروف في روايات الحديث، وهو منصوب على الحال، أي مالئا، وتقديره لو كان جسما لملأ ذلك، قاله النووي رحمه الله تعالى (٣).

стр. 8265

قال الجامع عفا الله عنه: نصب "ملء" على أنه صفة لمصدر محذوف، أي حمدا ملء، أو مفعول لفعل محذوف، أي أعني، ورفعه على أنه صفة لـ"الحمدُ"، أو خبر لمحذوف، أي هو. و"الملء" بالكسر ما يأخذه الإناء إذا امتلأ. وقال الخطابي ﵀: هو تمثيل، وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قدر ذلك أجسامّا ملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال هذا الكلمة تملأ طباق الأرضء وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى إبقاء لفظ الحديث على ظاهره، وما المانع أن يكون الحمد شيئا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يوزن إلا ما كان شيئا محسوسا، فلا داعي إلى هذه التكلفات التي ذكروها. والله أعلم. (وملء ما شئت من شيء بعد) "ملء" عطف على الأول، ومضاف إلى "ما" الموصولة، و"شئت" صلتها، و"من شيء" بيان لـ"ما" و"بعد" من الظروف المبنية لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، وبني على الضم لشبهه بأحرف الغاية، كـ"حيث"، و"منذ"، قال في "الخلاصة": وَأضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْت مَا … لهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ والمضاف المقدر هنا "السموات، والأرض"، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ"شيء". والمراد بقوله: "من شيء": العرش، والكرسي، ونحوهما، مما في مقدور الله . [تنبيه]: ثبت في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق هشيم بن بشير، عن هشام بن حسان، زيادة، بعد قوله: "وملء ما شئت من شيء بعدُ"، ولفظها: "أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد، منك الجد". وسيأتي تمام شرحها في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الآتي قريبا، إن شاء الله . والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 8266

أخرجه هنا -١١٥/ ١٠٦٦ - وفي "الكبرى" -٢٣/ ٦٥٣ - عن سليمان بن سيف الحراني، عن سعيد بن عامر، عن هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عنه. و-١٠٦٧ - و"الكبرى"-٦٥٤ - عن محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيي بن أبي بكير الكرماني، عن إبراهيم بن نافع، عن وهب بن ميناس العدني، عن سعيد بن جبير، عنه. والله أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشيم بن بشير- وعن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن حفص ابن غياث- كلاهما عن هشام بن حسان به. (أحمد) ١/ ٢٧٦ و ٣٧٠ و ٢٧٧ و ٣٣٣ و ٢٧٥ (عبد بن حميد) رقم ٦٢٨ و ٦٣٥. والله أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الذكر المشروع الذي يقوله المصلي في حال اعتداله من الركوع (ومنها): مشروعية الاعتدال، والطمأنينة فيه، لأنه لا يمكن أن يقول هذا الذكر إلا إذا اعتدل، وأطمأن (ومنها): استحباب هذا الذكر لكل مصل، إماما كان، أو مأموما، أو منفردا، لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. (ومنها): أن هذا الذكر يشرع في جميع الصلوات، سواء كانت فرضا، أو نفلا، خلافا لبعض العلماء، حيث قالوا: إنه خاص بالتطوع فقط. ولا دليل لهم على ما قالوا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٦٧ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مِينَاسٍ الْعَدَنِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي المعروف أبوه بابن علية، نزيل دمشق وقاضيها، ثقة [١١] ت ٢٦٤ (س) تقدم ٢٢/ ٤٨٩. ٢ - (يحيى بن أبي بُكَير) واسم أبيه نَسْر -بفتح النون، وسكون المهملة- الأسدي القيسي، أبو زكرياء الكرماني، كوفي الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩]. روى عن حَرِيز بن عثمان، وإبراهيم بن طَهْمان، وإبراهيم بن نافع المكي، وغيرهم. وعنه أبو بكر بن أبي شيبة، ويعقوب الدورقي، ومحمد بن إسماعيل ابن

стр. 8267

علية، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: كان كَيِّسًا، وقال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد يثني عليه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد المائتين. وقال أبو موسى: مات سنة ثمان، وقال ابن قانع: سنة (٢٠٩) وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: قال علي بن المديني: ابن أبي بكير ثقة. روى له الجماعة، أربعة أحاديث (١). ٣ - (إبراهيم بن نافع) المخزومي، أبو إسحاق المكي، يقال: إنه ابن أخت عطاء الكَيْخَاراني، ثقة حافظ [٧] تقدم في ١٤٩/ ٢٤٠. ٤ - وهب بن ميناس العدني) هو بكسر الميم، وبالنون، ويقال: مانوس -كما هو في بعض النسخ- ويقال: ابن ما بوس، بالموحدة، ويقال: ابن ماهنوس، البصري، نزيل اليمن مستور [٦]. روى عن سعيد بن جبير. وعنه إبراهيم بن عُمَر بن كيسان، وإبراهيم بن نافع المكي. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان أصله من البصرة، وحبسه الحجاج باليمن، وقال ابن القطان: مجهول الحال. اهـ أخرج له أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، و (١١٣٥) حديث: "في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات" (٢). ٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] ت ٩٥ (ع) ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث أخرجه مسلم، وشرحه، والمسائل المتعلقة به واضحة تعلم مما سبق. وقوله: "بعد الركعة": أي الركوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٦٨ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزَعَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ حِينَ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ، وَالْمَجْدِ، خَيْرُ مَا قَالَ الْعَبْدُ -وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ-: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ").

стр. 8268

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن هشام، أبو أمية الحراني) ثقة [١٠]، ت ٢٤٥ (س) تقدم ١٤١/ ٢٢٢. ٢ - (مَخْلَد) بن يزيد القرشي الحراني، صدوق له أوهام، من كبار [٩]، ت ١٩٣ (خ م د س) تقدم ١٤١/ ٢٢٢. ٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التنوخي الدمشقي، ثقة إمام، لكنه اختلط بآخره [٧] ت ١٦٧ (ع) تقدم ٥/ ٤٦. ٤ - (عطية بن قيس) الكلابي، أو الكلاعي، أبو يحيي الشامي، ثقة مقرىء [٣] ت ١٢١ (خت م ٤) تقدم ٥٦/ ٩٧٣. ٥ - (قَزَعَة بن يحيى) البصري، ثقة [٣] (ع) تقدم ٥٦/ ٩٧٦. ٦ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخدري رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، ومخلد، فما أخرج له الترمذي، وابن ماجه، وأن شيخه، ومخلدا حرانيان، وسعيدا، وعطية شاميان، وقزعة بصري، والصحابي مدني، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الأقران، وفيه أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى -١١٧٠ - حديثا. والله أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يقول حين يقول: "سمع الله لمن حمده: ربنا لك الحمد") قوله: "حين يقول" متعلق بـ"يقول"، وقوله: "سمع الله لمن حمده" مقول "يقول" الثاني، وقوله: "ربنا لك الحمد" مقول لـ"يقول" الأول. وفي بعض النسخ إسقاط "حين يقول". وفي رواية مسلم من طريق مروان بن محمَّد، عن سعيد بن عبد العزيز: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض". . . الحديث (ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ) تقدم الكلام على هذا في شرح حديث ابن عباس ﵄ (أهل الثناء) بالنصب على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة": الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ يَا … كَأَيُّهَا الْفَتَى بإِثْرِ ارْجُونِيَا وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أَيٍّ تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ

стр. 8269

أو منصوب على النداء بحذف حرف النداء، كما قال الحريري في "ملحته": وَحَذْفُ يَا يَجُوزُ فِي النِّدَاء … كقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي أو منصوب على المدح، أي أمدح أهلَ الثناء. وجوز بعضهم رفعه على أنه خبر لمحذوف، أي أنت أهل الثناء، والنصب هو المشهور، كما قال النووي رحمه الله تعالى. قال الفيومي ﵀: "الثناء" بالفتح والمد، يقال: أثنيت عليه خيرا، وبخير، وأثنيت عليه شرّا، وبشر، لأنه بمعنى وصفته، هكذا نص عليه جماعة: منهم صاحب "الْمُحكَم"، وكذلك صاحب "البارع"، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن الْقُوطِيْة، وهو الحبر الذي ليس في منقوله غَمْزٌ، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر (١) عَنَاه بقوله: [من الوافر]: إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وقد قيل فيه: هو العالم النِّحْرير، ذو الإتقان والتحرير والحجة لمن بعده، والبرهانُ الذي يُوقف عنده، وتبعه على ذلك مَن عُرِف بالعدالة، واشتهر بالضبط، وصحة المقالة، وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابنُ الْقَطَّاع، واقتصر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم ينفوا غيره، ومن هذا اجترأ بعضهم، فقال: لا يستعمل إلا في الْحَسَنِ، وفيه نظر، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو كان الثناء لا يستعمل إلا في الخير كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيا في المدح، وكان قوله: "وله الثناء الحسن" لا يفيد إلا التأكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: "الحسن" احتراز عن غير الحسن، فإنه يستعمل في النوعين، كما قال: "والخير في يديك، والشر ليس إليك"، وفي "الصحيحين": "مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال ﷺ : "وجبت"، ثم مَرُّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال ﷺ : "وجبت"، وسئل عن قوله: "وجبت" فقال: "هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرّا، فوجبت له النار". . . الحديث. وقد نقل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفُصَحَاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يكتفون بالنقل عن واحد، ولا يُعْرَف حاله، فإنه قد يَعرِض له ما يخرجه عن حَيِّز الاعتدال، من دَهْش، وسُكْر، وغير ذلك،

стр. 8270

فإذا عرف حاله لم يُحتَجَّ بقوله، ويَرجِعُ قوله من زَعَم أنه لا يستعمل في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسمَع، فلا يقال، والإثبات أولى، ولله دَرُّ من قال: [من الوافر] وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعُ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَدًا سَبِيلُ وقال بعض المتأخرين: إنما استُعمِلَ في الشرّ في الحديث للازدواج، وهذا كلام من لا يعرف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيومي رحمه تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما حرره الفيومي رحمه الله تعالى أن الثناء يستعمل للمدح، والذم، وإنما يميز بالقرينة، مثل ما هنا، فإن المقام مقام مدح، فمن فسره بـ"أنه الوصف الجميل"، كالنووي ﵀ يحمل على أنه فسره بما يقتضيه المقام. والله أعلم. (والمجد) بالجر عطف على "الثناء"، وهو بفتح الميم، وسكون الجيم: العظمة، ونهاية الشرف. قال النووي رحمه الله تعالى: هذا هو المشهور في الرواية في مسلم وغيره، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ووقع في رواية ابن ماهان: "أهل الثناء والحمد". وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول. انتهى (٢). (خير ما قال العبد) هكذا في أكثر نسخ "المجتبى" "خير"، ووقع في بعضها "حق ما قال العبد"، وهو الذي في "الكبرى"، والذي في صحيح مسلم، وغيره: "أحق ما قال العبد" بالهمزة. وهو مبتدأ خبره جملة قوله: "لا مانع لما أعطيت" الخ، وجملة "وكلنا لك عبد" معترضة بين المبتدإ والخبر، أو"خير" خبر لمحذوف، تقديره هذا -يعني ما سبق من الذكر- خير ما قال العبد. والمراد بـ"العبد" جنس العباد. و"ما" موصول، أو موصوف مضاف إليه، وجملة "قال العبد" صلة، والعائد محذوف، أي الذي قاله، أو صفة، أو"ما" مصدرية، أي خيرُ قولِ العبد. وقال النووي -رحمه الله تعالى-: هكذا في مسلم وغيره "أحق" بالألف، "وكلنا" بالواو، وأما ما وقع في كتب الفقه: "حق ما قال العبد: كلنا" بحذف الألف، والواو فغير معروف من حيث الرواية، وإن كان صحيحا. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن "حق" رواية المصنف في "الكبرى"، ونسخة من "المجتبى"، فصح روايةً، كما صححه النووي درايةً. والله أعلم.

стр. 8271

قال: وعلى الرواية المعروفة تقديره: أحق ما قال العبد لا مانع لما أعطيت الخ. واعترض بينهما "وكلنا لك عبد"، ومثلُ هذا الاعتراض في "القرآن" قولُ الله ﷺ : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] اعترض قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة:٧٦] اعترض ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦] اعترض قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ على قراءة من قرأ "وضعت" بفتح العين، وإسكان التاء، ونظائره كثيرة، ومما جاء منه في شعر العرب: قول الشاعر: [من الوافر] أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ فاعترض قوله: "والأنباء تنمي". وقولُ امرى القيس: [من الطويل] أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ … بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنِ تَمْلِكَ بَيْقَرَا (١) فاعترض قوله: "والحوادث جمة". وقال الآخر: [من الطويل] إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كَلَالُهَا … إِلَى الْمَاجِدِ الْقَزْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ فاعترض قوله: "أبيت اللعن". وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلنا لك عبد، فينبغي لنا أن ن قوله. وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ، فقد أخبر النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نُحَافِظ عليه، لأن كلنا عبد، ولا نهمله، وإنما كان أحق ما قاله العبد، لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعانِ له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشرّ منه، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (٢). (لا مانع) وفي نسخة: "لا نازع"، وهو الذي في "الكبرى". ولفظ مسلم من طريق مروان بن محمد، عن سعيد: "اللَّهم لا مانع دمًا أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا

стр. 8272

ينفع ذا الجد، منك الجد"، ففيه زيادة: "ولا معطي لما منعت". قال الجامع عفا الله عنه: [فإن قلت]: إن القاعدة في اسم "لا" التي لنفي الجنس إذا كان مضافا، نحو لا طالبَ علم ممقوتٌ، أو شبيها بالمضاف، وهو ما له تعلق بما بعده، إما بالعمل، أو غيره، نحو لا طالعا جبلا حاضر، أن ينصب، فلماذا سقط تنوين اسمها في هذا الحديث؟ أجيب: بأنه إما مبني، إجراء له مجرى المفرد، أو معرب حذف تنوينه تشبيها بالمضاف، أو مبني لكونه مفردا، وقوله: "لما أعطيت" متعلق محذوف خبرٍ لـ "لا"، أي لا مانعَ مانعٌ لما أعطيت. قال الخضري رحمه الله تعالى في حاشيته على شرح ابن عقيل على "الخلاصة": [واعلم]: أن مشبه المضاف يلزم إعرابه منونا عند البصريين، وجوز ابن كيسان بناءه أيضًا، فلا ينون، إجراءً له مجرى المفرد، لعدم الاعتداد بالمعمول، لصحة الكلام بدونه، وأجاز ابن مالك إعرابه غير منون بقلة، تشبيها بالمضاف، وعلى أحد هذين يخَرَّجُ حديث: "لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت"، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ويمكن تخريجه على الأول بجعل الظرف خبرا متعلقا بمحذوف، لا باسم "لا"، فهو مفرد مبني، لا شبيه بالمضاف، أي لا مانعَ مانعٌ لما أعطيت، واللام للتقوية، ولا جدالَ حاصل في الحج، وأجاز البغداديون بناءه، إن عمِلَ في ظرف، كالآية. انتهى إسقاطي بزيادة. انتهى كلام الخضري رحمه الله تعالى (١). (لما أعطيت) "ما" تعم العقلاء وغيرهم، فهي موصول اسمي، و"أعطيت" صلته، والعائد محذوف، أي لا مانع للذي أعطيته. ويحتمل أن تكون حرفا مصدريا، أي لإعطائك. وهذا بمعنى قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر:٢]. (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) "ذا" بمعنى "صاحب" مفعول مقدم، منصوب بالألف، كما قال في "الخلاصة": وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُز بِيَاءِ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ ذُو إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَالْفَمُ حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا و"الجدّ" بالرفع فاعل مؤخر. قال النووي رحمه الله تعالى: المشهور فيه فتح الجيم، هكذا ضبطه العلماء

стр. 8273

المتقدمون والمتأخرون، قال ابن عبد البر ﵀: ومنهم من رواه بالكسر، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: هو بالفتح، قال: وقاله الشيباني بالكسر، قال: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل، قال: ولا يعلم من قاله غيره، وضعف الطبري، ومن بعده الكسر (١)، قالوا: ومعناه على ضعفه: الاجتهاد، أي لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه، وينجيه رحمتك. وقيل: المراد ذا الجد والسعي التامّ في الحرص على الدنيا. وقيل: معناه الإسراع في الهرب، أي لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هربه، فإنه في قبضتك، وسلطانك. والصحيح المشهور الْجَدّ بالفتح، وهو الحظ والغنى والعظمة والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه، وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية [الكهف: ٤٦] والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (٢). وقد اختلف في "مِنْ" من قوله "منك الجد"، فقال الزمخشري في "الفائق": بمعنى "بدل"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزخرف: ٦٠]، أي بدلكم، والمعنى: أن المحظوظ لا ينفعه حظه بَدَلَكَ، أي بدل طاعتك وعبادتك. وقال التوربشتي: أي لا ينفع ذا الغنى غناه عندك، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وعلى هذا فمعنى "منك" عندك، ويحتمل وجها آخر، أي لا يسلمه من عذابك غناه. وقال المظهري: أي لا يمنعه غناه من عذابك، إن شئت به عذابا. انتهى (٣). [تنبيه]: روي سبب قوله ﷺ : "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" فيما أخرجه ابن ماجه رحمه الله تعالى بسنده عن أبي جحيفة ﵁ قال: ذكرت الجُدُود عند رسول الله ﷺ ، وهو في الصلاة، فقال رجل: جَدُّ فلان في الخيل، وقال آخر: جد فلان في الإبل، وقال آخر: جد فلان في الغنم، وقال آخر: جد فلان في الرقيق. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، ورفع رأسه من آخر الركعة، قال: "اللَّهم ربنا لك الحمد، ملْ السموات

стр. 8274

وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وطول رسول الله ﷺ صوته بـ"الجد" ليعلموا أنه ليس كما يقولون. انتهى (١). لكن الحديث في سنده أبو عمر، مجهول، لا يعرف حاله، كما قال البوصيري رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١٥/ ١٠٦٨ - وفي "الكبرى" -٢٣/ ٦٥٥ - بالسند المذكور. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في "الصلاة" عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن مروان بن محمَّد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيي، عن أبي سعيد ﵁. (د) فيه عن مؤمل بن الفضل الحراني، عن الوليّد بن مسلم- وعن محمود بن خالد، عن أبي مسهر- وعن أبي الطاهر بن السرح، عن بشر بن بكر- وعن محمَّد بن مصعب، عن عبد الله بن يوسف- وعن محمَّد بن مصفّى عن بقية بن الوليد- خمستهم عن سعيد به. (أحمد) ٣/ ٨٧ (الدارمي) رقم ١٣١٩ (ابن خزيمة) ٦١٣. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٠٦٩ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَسَمِعَهُ حِينَ كَبَّرَ، قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، ذَا الْجَبَرُوتِ، وَالْمَلَكُوتِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعَظَمَةِ"، وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "لِرَبِّي الْحَمْدُ، لِرَبِّي الْحَمْدُ، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى"، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي"، وَكَانَ قِيَامُهُ، وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ".

стр. 8275

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حميد بن مسعدة) السامى الباهلي البصري، صدوق [١٠]، تقدم ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاويْة البصري، ثقة ثبت [٨]، تقدم ٥/ ٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧]، تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عمرو بن مرة) الجملي المرادي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء [٥]، تقدم ١٧١/ ٢٦٥. ٥ - (أبو حمزة) طلحة بن يزيد مولى الأنصار نزيل الكوفة، وثقه النسائي، وابن حبان-[٣]، تقدم ٧٨/ ١٠٠٩. ٦ - (رجل من بني عبس) قال النسائي: يشبه أن يكون صلة بن زفر. انتهى. ٧ - (حديفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢/ ٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، سوى الرجل المبهم، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. والله أعلم. شرح الحديث (عن حذيفة) ﵁ (أنه صلى مع رسول الله ﷺ ذات ليلة) أي ليلة من الليالي، فـ"ذات" مقحمة، وقيل: هو من إضافة المسمى إلى الاسم ((فسمعه) أي سمع حذيفة النبي ﷺ (حين كبر) أي أراد أن يكبر، الظرف متعلق بـ"سمع" (قال: الله أكبر) فيه أن الدخول في الصلاة يكون بهذا اللفظ (ذا الجبروت) منصوب على الحالية، وهو مبالغة في الجبر، وهو القهر، أي حال كونه صاحب القهر التام (والملكوت) مبالغة في الملك، وهو التصرف (والكبرياء) قيل: هي العظمة، وقيل: عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود (والعظمة) عطف تفسير على الأول، وعطف مغاير على الثاني (وكان) ﷺ (يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم") تقدم شرحه في ٩٩/ ١٠٤٦ (وإذا رفع رأسه من الركوع قال: "لربي الحمد، لربي الحمد") الجار والمجرور خبر مقدم، عن "الحمدُ"، وفي تقديمه إفادة الحصر والاختصاص، أي الحمد كائن لربي، لا لغيره، وأراد بتكراره أنه كان يكثر منه، والظاهر أنه يقول ذلك بعد قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، لأن التسميع من واجبات الصلاة، لما في حديث المسيء صلاته، الآتي ١٦٧/ ١١٣٦ - حيث قال له ﷺ : "إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ

стр. 8276

الوضوء كما أمره الله . . . الحديث، وفيه: "ثم يقول: "سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائما". (وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى") تقدم شرحه، أي ويقوله في حال سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وفيه عطف المعمولين علي معمولي عامل واحد، فالجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور، و"سبحان ربي الأعلى" معطوف على "سبحان ربي العظيم"، وكلاهما معمولان لعامل واحد، وهو "يقول"، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة. كما قاله ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى في "مغني اللبيب" (١). (وبين السجدتين: "رب اغفر لي، رب اغفرلي") أي يقول في حال جلوسه بين السجدتين: "رب اغفر لي"، وفيه الإعراب المذكور قبله، وأراد بذكره مرتين أنه كان يكرره مرارا (وكان قيامه) أي للقراءة (وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين قريبا من السواء) تقدم شرح هذا الكلام في الباب الماضي، فراجعه، تستفد. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حذيفة ﵁ هذا صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: [إن قيل]: كيف يصح، وفيه الرجل المبهم؟ [أجيب]: بأنه يشهد له رواية صِلَة بن زُفَرَ، عن حذيفة ﵁، كما تقدم بيانه في -٧٧/ ١٠٠٨ - على أن المصنف ﵀ قال: إنه يشبه أن يكون صلة، فعلى هذا لا إشكال. والله أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١٥/ ١٠٦٩ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ٦٥٦ - عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريم، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن رجل من بني عبس، عنه. وفي -١٧٦/ ١١٤٥ - و"الكبرى" -٨٣/ ٧٣١ - عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة به، وقد تقدّم ذكر بقية المواضع التي أورده المصنف فيها في ٧٧/ ١٠٠٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:

стр. 8277

أخرجه (د) في "الصلاة" عن أبي داود الطيالسي، وعلي بن الجعد، كلاهما عن شعبة به. (ت) في "الشمائل" عن محمَّد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة به. (أحمد) ٥/ ٣٩٨. والله أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان بعض أنواع الذكر المشروع في الاعتدال من الركوع، وهو "لربي الحمد"، لربي الحمد" (ومنها): استحباب قول "سبحان ربي العظيم" في الركوع، و"سبحان ربي الأعلى" في السجود، و"رب اغفر لي رب اغفر لي" في الجلوس بين السجدتين (ومنها): تقارب القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه في مقدار الطول. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. … ١١٦ - (بَابُ الْقُنُوتِ بَعْد الرُّكُوعِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية القنوت بعد الركوع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "القنوت" بالضم مصدر "قَنَتَ" من باب قعد، يطلق في اللغة على معان: قال ابن منظور رحمه الله تعالى: القنوت: الإمساك عن الكلام. وقيل: الدعاء في الصلاة، والقنوت: الخُشُوع، والإقرار بالعبودية، والقيام بالطاعة التي ليس معها معصية. وقيل: القيام. وزعم ثعلب أنه الأصل. وقيل: إطالة القيام، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال زيد بن أرقم ﵁: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: "وقوموا لله قانتين"، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام"، فالقنوت ها هنا الإمساك عن الكلام في الصلاة. وقال أبو عبيد: أصل القنوت في أشياء، فمنها القيام، وبهذا جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائما، وأبين من ذلك حديث جابر ﵁ قال: سئل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (١). يريد طول القيام. ويقال للمصلي: قانت.

стр. 8278

وقد تكرر في الحديث، ويرد لمعان متعددة، كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. وقال ابن الأنباري: القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت. وقال ابن سِيدَه: القنوت الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ثم سمي القيام في الصلاة قنوتا، ومنه قنوت الوتر. وقَنَتَ الله يَقْنُتُه: أطاعه. وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أي: مطيعون، ومعنى الطاعة ها هنا: أن من في السموات والأرض مخلوقون بإرادة الله تعالى، لا يقدر أحد على تغيير الْخِلْقَة، ولا مَلَك مقرب، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، وليس يُعْنَى بها طاعة العبادة، لأن فيهما مطيعا، وغير مطيع، وإنما هي طاعة الإرادة والمشيئة. والقانت: المطيع، والقانت الذاكر لله تعالى، كما قال : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وقيل: القانت العابد، والقانت في قوله : ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أي من العابدين، والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله، فالداعي إذا كان قائما خُص بأن يقال له: قانت؛ لأنه ذاكر لله تعالى، وهو قائم على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة، والدعاء لله في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة، لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين، فهو قيام بالشيء بالنية. قال ابن سِيدَهْ: والقانت القائم بجميع أمر الله تعالى، وجمع القانت من ذلك كله: قُنت، قال الْعَجَّاجُ: [من الرجز] رَبُّ الْبلَادِ وَالعِبَادِ الْقُنَّتِ وقَنَتَ له: ذلّ، وقَنَتت المرأةَ لبعلها: أقرّت (١). انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (٢) وقد نظم الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى معاني القنوت بقوله [من الطويل]: وَلَفْظُ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تجَدْ … مَزِيدًا عَلَى عَشْرِ مَعَانِيَ مَرْضِيَّهْ دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةُ … إِقَامَتُها إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّهْ سُكُوت صَلَاةٌ وَالقِيَامُ وَطُولُهُ … كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ الْقِنْيَهْ (٣)

стр. 8279

والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٧٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، عَصَتِ اللَّهَ، وَرَسُولَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي، ثم النيسابوري، ثقة حافظ حجة فقيه [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، نزيل الري، ثقة ثبت [٨]، تقدم ٢/ ٢. ٣ - (سليمان التيمي) بن طرخان، أبو المعتمر البصري، ثق عابد [٤]، تقدم ٨٧/ ١٠٧. ٤ - (أبو مِجْلَز) لاحِق بن حُمَيد بن سعيد السَّدُوسي البصري، ثقة مشهور بكنيته، من كبار [٣]، تقدم ١٨٨/ ٢٩٦. ٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري الخادم ﵁ تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه (ومنها): أن شيخه مروزي، نزيل نيسابور، وجرير كوفي نزيل الرَّيّ، والباقون بصريون (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي (ومنها): أن فيه أنس بن مالك ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا، بعد الركوع) الظرفان متعلقان بـ"قنت" (يدعو) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه داعيا (على رِعْلٍ) بكسر الراء، وسكون العين المهملة: حَيّ من سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وهو رِعل بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، والنسبة إليهم رِعْلي. قاله في "اللباب" (١). (وذكوان) بفتح الذال المعجمة، وسكون الكاف: بطن كبير من سُلَيم المذكور، وهو ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سُلَيم. قاله في

стр. 8280

"اللباب" (١). وهو غير منصرف للعلمية وزيادة الألف والنون (وعُصَيَّة) بضم العين، وفتح الصاد المهملتين بلفظ تصغير عَصَا: قبيلة من سليم أيضًا، وهو عُصَيَّة بن خُفَاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلُيم. قاله المرتضى الزَّبيدي في شرح "ق" (٢). (عصت الله ورسوله) الضمير المستتر الفاعل يعود على القبائل الثلاث، والجملة مستأنفة، استئنافا بيانيا، كأن قائلا قال له: لماذا دعا عليهم، فقال: لأنها عصت الله ورسوله ﷺ . قال السندي ﵀: وفي وصله لفظا بعصية مناسبة المجانسة، كما لا يخفى. انتهى (٣). [تنبيه]: سبب دعائه النبي ﷺ على هؤلاء القبائل، هو ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه"، عن أنس ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيّان من بني سُلَيم، رِعْل، وذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ عليهم شهرا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت". وأخرج عنه أيضا: "أن رِعْلًا، وذكوان، وعصية، وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ النبي ﷺ ، فقنت شهرا، يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رعل، وذكوان، وعُصية، وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع، بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا". انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١٦/ ١٠٧٠ - وفي "الكبرى" -٢٤/ ٦٥٧ - عن إسحاق بن إبراهيم،

стр. 8281

عن جرير ابن عبد الحميد، عن سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَز، عنه. و ١١٧/ ١٠٧١ - و"الكبرى" ٢٥/ ٦٥٨ - عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه. و ١١٧/ ١٠٧٢ و"الكبرى" ٢٥/ ٦٥٩ عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن بعض من صلى مع رسول الله ﷺ ، وهو أنس ﵁ و-١٢٠/ ١٠٧٧ - و"الكبرى" ٢٨/ ٦٦٤ - عن محمَّد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن قتادة، عنه. و-١٢٢/ ١٠٧٩ - و"الكبرى" ٢٩/ ٦٦٥ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن سليمان التيمي به. وعن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي به. وعن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب، عنه. وعن إسماعيل بن عبد الله، ويحيى بن بكير، كلاهما عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عنه. وعن أبي النعمان، عن ثابت بن يزيد، ض عاصم الأحول، عنه. ومن مسدد، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن عبد الواحد بن زياد، عن عاصم به. (م) عن عبيد الله بن معاذ العنبري، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الأعلى، كلهم عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه عنه. وعن محمَّد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن هشام به. وعن عمرو الناقد، عن الأسود بن عامر، عن شعبة، عن موسى بن أنس، عنه. وعن يحيي ابن يحيى، عن مالك به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي غريب، كلاهما عن أبي معاوية، عن عاصم به. وعن محمَّد بن حاتم، عن بهز ابن أسد، عن حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عنه. (د) عن أبي الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة به. (ق) عن نصر بن علي، عن يزيد بن زريع، عن هشام الدستوائي به. وعن نصر بن علي، عن سهل بن يوسف، عن حميد، عنه. (الحميدي) رقم ١٢٠٧. (أحمد) ٣/ ١٦٧ و ١١١ و ١١٦ و ٢٠٤ و ١١٥ و ١٨٠ و ٢١٧ و ٢٦١ و ١٩١ و ٢٥٢ و ٢٥٩ و ٢٧٨ و ٢٨٢ و ٢١٥ و ١٨٤ و ٢٤٩ و ٢٠٧ و ٢٣٥ و ٢٣٢. (الدارمي) رقم ١٦٠٤ (ابن خزيمة) ٦٢٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية القنوت بعد الركوع، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه حجة على الإمام أبي حنيفة في منعه أن يُدعَى لمعين، أو على معين في الصلاة،

стр. 8282

وخالفه الجمهور، فجوزوا ذلك، لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث الصحيحة وهو المذهب الراجح. (ومنها): أن فيه الرد عليه أيضًا في منعه الدعاء بما ليس بلفظ القرآن من الدعاء في الصلاة، وخالفه غيره في ذلك، وهو الراجح. (ومنها): أن فيه جواز الدعاء على الكفار، ولعنهم، قال صاحب "المفهم": ولا خلاف في جواز لعن الكفرة، والدعاء عليهم، قال: واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي، فأجازه قوم، ومنعه آخرون. قال ولي الدين ﵀: أما الدعاء على أهل المعاصي، ولعنهم من غير تعيين، فلا خلاف في جوازه، لقوله ﷺ : "لعن الله السارق، يسرق البيضة". "لعن الله من غيّر منار الأرض"، ونحو ذلك، وأما مع التعيين فوقع كثيرا في الأحاديث، كقوله ﷺ : "اللَّهم لا تغفر لِمُحَلِّم بن جَثَّامَة"، ولهذا قال النوويّ ﵀ في "الأذكار": إن ظواهر الأحاديث تدلّ على جواز لعن أهل المعاصي مع التعيين. انتهى (١). [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: ما دلت عليه ظواهر النصوص هو الراجح عندي، وأما ما أشار إليه ولي الدين في كتابه "الطرح" من الخصوصية له ﷺ ، واستدل له بما ليس دليلا عليه، ففيه نظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلافا أهل العلم في محل القنوت: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في القنوت قبل الركوع وبعده: فممن رُوي عنه أنه قنت قبل أن يركع عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وحميد الطويل، وعَبِيدة السلماني، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وكذلك إسحاق، وعامة من ذكرنا أنه رأى القنوت قبل الركوع، أو بعده، فإنما هو في صلاة الصبح. قال: وقال أصحاب الرأي: بلغنا أنه قنت النبي ﷺ بعد ما فرغ من القراءة قبل أن يركع، وليس في الصلوات قنوت إلا الوتر. وفيه قول ثان: وهو أن القنوت بعد الركوع، روي هذا القول عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقال أنس بن مالك: كل ذلك كنا نفعل قبلُ، وبعدُ، وممن رأى أنه يقنت بعد الركوع أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، وروي هذا القول عن الحسن، والحكم، وحماد، وأبي إسحاق.

стр. 8283

قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الإخبار عن رسول الله ﷺ أنه قنت بعد الركوع في صلاة الصبح، وبه نقول، إذا نزلت نازلة، احتاج الناس من أجلها إلى القنوت، قنت إمامهم بعد الركوع. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). وقال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: فيه -أي في حديث الباب- حجة لمن ذهب إلى أن محل القنوت بعد الركوع، وهو قوله الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ورواية عن مالك. وقد ثبت أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، يقول: "اللَّهم العن فلانا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا، ولك الحمد". . . الحديث، ولمسلم من حديث خُفاف بن إِيمَاء: ركع رسول الله ﷺ ، ثم رفع رأسه، فقال: "غفار غفر الله لها". . . الحديث. وهو في "الصحيحين" أيضًا من حديث أنس ﵁. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن محله قبل الركوع، واستدلّ له بما رواه البخاري ومسلم من رواية عاصم، قال: سألت أنسا عن القنوت، أكان قبل الركوع، أم بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: بعده، قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرا. وذهب جماعة إلى التخيير بين القنوت قبله، أو بعده، حكاه صاحب "المفهم" عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة، والتابعين. . انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (٢). [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: الذي يظهر من عمل المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب أنه يرى ترجيح مذهب القائلين يكون محل القنوت بعد الركوع، حيث ترجم له فقط، كما أنه يرى ترجيح القول بترك القنوت، حيث ترجم له آخر أبواب القنوت بقوله "ترك القنوت". وهذا المذهب هو الذي يترجح عندي؛ لأن أكثر الأحاديث على أنه ﷺ قنت بعد الركوع، كما أشار إليه ابن المنذر فيما تقدم، واختاره. ثم إن هذا الاختلاف بالنسبة لمحل القنوت، وأما الاختلاف في أصل مشروعية القنوت، وعدمه، فسيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8284

١١٧ - (بَابُ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية القنوت في صلاة الصبِح. ١٠٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، سُئِلَ، هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: بَعْدَ الرُّكُوعِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠]، تقدم ١/ ١. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت حجة [٨]، تقدم ٣/ ٣. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت فقيه [٥]، تقدم ٤٢/ ٤٨. ٤ - (ابن سيرين) هو محمَّد، أبو بكر البصري الإمام الحجة الثبت [٣]، تقدم ٤٦/ ٥٧. ٥ - (أنس بن مالك) ﵁ تقدم في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، وأنهم بصريون، سوى شيخه، فبغلاني، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن) محمَّد (ابن سيرين، أن أنس بن مالك) ﵁ (سئل) بالبناء للمفعول، ولمسلم من طريق إسماعيل، عن أيوب: "قلت لأنس"، فعرف بذلك أنه السائل له، فأبهم نفسه (هل قنت رسول الله ﷺ في صلاة الصبح؟، قال: نعم) أي قنت في الصبح (فقيل له: قبل الركوع، أو بعده؟) أي أقنت ﷺ قبل الركوع، أو بعد الركوع؟ (قال: بعد الركوع) أي قنت بعد الركوع. وفي رواية البخاري: "قال: بعد الركوع يسيرا". قال في "الفتح": قد بين عاصم في روايته مقدار هذا اليسير، حيث قال؛ "إنما قنت بعد الركوع شهرا". وفي "صحيح ابن خزيمة" من وجه آخر عن أنس: "أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم". انتهى.

стр. 8285

[قال الجامع عفا الله تعالى عنه]. هذا الحديث متفق عليه وقد تقدم بيان المسائل المتعلقة به في حديث الباب الماضي. وإنما أبين هنا الاختلاف في حكم القنوت في الصبح، فأقوله -وبالله تعالى التوفيق-: (مسألة): اختلف أهل العلم في القنوت في صلاة الصبح: فذهب جماعة من العلماء إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه الحازمي عن أكثر الناس من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء الأمصار، ثم عد من الصحابة الخلفاء الأربعة إلى تمام تسعة عشر من الصحابة، ومن المخضرمين أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غَفَلَة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ. ومن التابعين اثنا عشر. ومن الأئمة والفقهاء أبو إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمَّد، والحكم بن عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي، وأصحابه. وعن الثوري روايتان. ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير. وزاد العراقي عبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وداود، ومحمد بن جرير، وحكاه عن جماعة من أهل الحديث: منهم أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأبو عبد الله الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، والخطابي، وأبو مسعود الدمشقي،. وحكاه الخطابي في "المعالم" عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وحكى الترمذي عنهما خلاف ذلك. وقال النوويّ في "شرح المهذب": القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف، ومن بعدهم، أو كثير منهم. انتهى. قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: (واعلم): أنه قد وقع الاتفاق على ترك القنوت في أربع صلوات من غير سبب، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات، وفي صلاة الوتر من غيرها. أما القنوت في الوتر فسيأتي الكلام عليه في "أبواب الوتر". إن شاء الله تعالى. وأما القنوت في صلاة الصبح، فاحتج المثبتون له بحجج: منها حديث أنس المذكور في الباب، وحديث البراء الآتي بعد باب. ويجاب أنه لا نزاع في وقوع القنوت منه ﷺ ، إنما النزاع في استمرار مشروعيته. فإن قالوا: لفظ "كان" يدلّ على استمرار المشروعية. قلنا: قد قدمنا عن النووي ما حكاه عن جمهور المحققين أنه لا يدلّ على ذلك. سلمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي الترك آخرا، كما صرحت بذلك الأدلة الآتية، على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب، فهو جوابنا عن الفجر.

стр. 8286

وأيضًا في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه -وهو الآتي في الباب التالي- أنه كان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة، والصبح. فما هو جوابكم عن مدلول لفظ "كان" ها هنا فهو جوابنا. قالوا: أخرج الدارقطني، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، وأحمد، والبيهقي، والحاكم، وصححه عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ قنت شهرا يدعو على قاتلي أصحاب بئر معونة، ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا". وأول الحديث في "الصحيحين"، ولو صح هذا لكان قاطعا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي، قال فيه عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقوي. وقال علي بن المديني: إنه يخلط. وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال عمرو بن علي الفلاس: صدوق سيىء الحفظ. وقال ابن معين: ثقة، ولكنه يخطئ. وقال الدوري: ثقة، ولكنه يغلط. وحكى الساجي أنه صدوق، ليس بالمتقن، وقد وثقه غير واحد، ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده عمرو بن عبيد، وليس بحجة. قال الحافظُ ﵀: ويَعْكُر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: إن قوما يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الفجر، فقال: كذبوا، إنما قنت شهرا واحدا، يدعو على حي من أحياء المشركين. وقيس، وإن كان ضعيفا لكنه لم يتهم بالكذب. وروى ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ لم يقنت إلا إذا دعام قوم، أو دعا على قوم". فاختلفت الأحاديث عن أنس، واضطربت، فلا يقوم بمثل هذا حجة. انتهى (١). قال الشوكاني ﵀: إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تُخَصّ به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص من حديث أنس ﵁ عند ابن خزيمة في "صحيحه"، وقد تقدم، ومن حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن حبان بلفظ: "كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد"، وأصله في البخاري، قال: وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل، وحاصله ما عرفناك. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢). وقد أطال البحث في هذه المسألة الإمام المحقق، والعلامة المدقق ابن قيم الجوزية

стр. 8287

في كتابه الممتع "زاد المعاد في هدي خير العباد"، ودونك تحقيقه المفيد: قال: وقنَتَ في الفجر بعد الركوع شهرا، ثم ترك القنوت، ولم يكن من هديه القنوتُ فيها دائما، ومن المحال أن رسول الله ﷺ كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: "اللَّهم أهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت. . ." الخ، ويرفع بذلك صوته، وُيؤَمِّن عليه أصحابه دائما إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلوما عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه، بل كلهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه مُحدَث، كما قال سعد بن طارق الأشجعي: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ ها هنا، بالكوفة منذ خمس سنين، فكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني محدث. رواه أهل السنن، وأحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة (١). وذكر البيهقي عن أبي مِجْلَز، قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنت، فقلت: لا أراك تقنت؟، فقال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا (٢). ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لو كان يقنت كل غداة، ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمن الصحابة ﵃ لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها، وعددها، ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها، جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق، وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كلَّ يوم وليلة خمس مرات دائما مستمرا، ثم يضيَّعُ أكثر الأمة ذلك، ويخفى عليها، وهذا من أمحل المحال، بل لو كان ذلك واقعا، لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها. والله الموفق. والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه ﷺ جهر، وأسرّ، وقنت، وترك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لَمَّا قدِم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في "صحيحه" عن أنس ﵁. وقد ذكره مسلم عن البراء ﵁. وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس ﵁، قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا متتابعا في الظهر، والعصر، والمغرب،

стр. 8288

والعشاء، والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: "سمع الله لمن حمده" من الركعة الأخيرة، يدعو على حي من بني سليم، على رعل، وذكوان، وعُصيّة، ويؤمن مَنْ خلفه. ورواه أبو داود (١). وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار، كما روي هذا، وهذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وأما حديث ابن أبي فُدَيك، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو بهذا الدعاء: "اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك في فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت، تباركت ربَّنَا، وتعاليت". فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا، أو حسنا، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا (٢)، وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فُدَيك. . . فذكره. نعم صح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاةً برسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده"، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار (٣). ولا ريب أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وأن رسول الله ﷺ فعله، وهذا ردّ على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقا عند النوازل (٤) وغيرها، ويقولون: هو منسوخ، وفِعلُهُ بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ ، ويتركونه حيث تركه،

стр. 8289

فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة، ومع هذا، فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعلَه مخالفا للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفا للسنة، بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء والثناء، وقد جمعهما النبي ﷺ فيه، ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو أولى كذا المحل، وإذا جهر به الإمام أحيانا ليعلم المأمومين، فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقرأءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا أيضًا جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنَّف فيه من فعله، ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه (١)، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد، والقران، والتمتع. وليس مقصودنا إلا ذكر هديه ﷺ الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله، وتركه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة، لم يدلّ ذلك على كراهة غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه ﷺ أكمل الهدي وأفضله، والله المستعان. وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال: "ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا"، وهو في "المسند"، والترمذي، وغيرهما، فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهم كثيرًا. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: آية ١٧٢] حديث أبي بن كعب ﵁ الطويل، وفيه: وكان روح عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل تلك الروح إلى مريم ﵍ حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فأرسله الله في صورة بشر، فتمثل لها بشرا سويا، قال: فحملت الذي

стр. 8290

يخاطبها، فدخل من فيها. وهذا غلط محض، فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم، هذا محال. والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يَحْتَج بما تفرد به أحدٌ من أهل الحديث البتة، ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: آية ٢٦] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: آية ٩] وقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: آية ١٢]، وقال ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت" (١). وقال زيد بن أرقم ﵁: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: آية ٢٣٨] أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام (٢). وأنس ﵁ لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعا صوته: "اللهم اهدني فيمن هديت. . ." الخ، ويؤمن من خلفه، ولا ريب أن قوله: "ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد. . ." الى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله قنوت، وتطويلُ هذا الركن قنوت، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت، فمن أين لكم أن أنسا إنما أراد هذا الدعاء المعين، دون سائر أقسام القنوت؟! ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وأنس خص الفجر، دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين؛ لأن أنسا قد أخبر أنه قنت شهرا، ثم تركه، فتعين أن يكون هذا الدعاء المعين الذي داوم عليه هو القنوت المعروف، وقد قنت أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وغيرهم. والجواب من وجوه: (أحدها): أن أنسا ﵁ قد أخبر أنه ﷺ كان يقنت في الفجر والمغرب، كما ذكره البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب ﵄ سواء، فما

стр. 8291

بال القنوت اختص بالفجر؟! فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك قنوت الفجر سواء، ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كان دليلًا على نسخ قنوت الفجر سواء، ولا يُمكنُكم أبدا أن تقيموا دليلًا على نسخ قنوت المغرب، وإحكام قنوت الفجر. فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتا للنوازل، لا قنوتا راتبا، قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوت الفجر سواء، وما الفرق؟ قالوا: ويدل على أتى قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتا راتبا أن أنسا نفسه أخبر بذلك، وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة، ثم تركه، ففي "الصحيحين" عن أنس ﵁ قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه. (الثاني): أن شبابة روى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، قال: قلنا لأنس بن مالك؛ إن قوما يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت بالفجر، قال: كذبوا، وإنما قنت رسول الله ﷺ شهرا واحدا يدعو على حىّ من أحياء العرب، وقيس بن الربيع، وإن كان يحيى بن معين ضعفه، فقد وثقه غيره، وليس بدون أبى جعفر الرازي، فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله: لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وقيس ليس بحجة في هذا الحديث، وهو أوثق منه، أو مثله، والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسا، فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيي، وذكر سبب تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد ابن أبي مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع؟ فقال: ضعيف لا يكتب حديثه، كان يحدث بالحديث عن عبيدة، وهو عنده عن منصور، ومثل هذا لا يوجب رد حديث، الراوي؛ لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور، ومَن الذي يسلم من هذا من المحدثين؟ (الثالث): أن أنسا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت هو قنوت النبي ﷺ يدعو على رعل وذكوان، ففي "الصحيحين" من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم: القراء. . . فذكر الحديث، وفيه: "فدعا رسول الله ﷺ عليهم شهرا في صلاة الغداة، فذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت". فهذا يدلّ على أنه لم يكن من هديه ﷺ القنوت دائما، وقول أنس: فذلك بدء القنوت، مع قوله: قنت شهرا، ثم تركه دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوت

стр. 8292

النوازل، وهو الذي وقته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهرا، كما في "الصحيحين" عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قنت في صلاة العتمة شهرا، يقول: "اللَّهم أنج عياش بن الوليد. . . الحديث (١). فقنوته في الفجر كان هكذا لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقته أنس بشهر. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قنت لهم أيضًا في الفجر شهرا، وكلاهما صحيح، وقد تقدم ذكر حديث عكرمة، عن ابن عباس: قنت رسول الله ﷺ شهرا متتابعا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح. ورواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح. وقد ذكر الطبراني في "معجمه" من حديث محمَّد بن أنس، حدثنا مطرف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ كان لا يصلي صلاة مكتوبة، إلا قنت فيها (٢). قال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا محمَّد بن أنس. انتهى. وهذا الإسناد، وإن كان لا تقوم به حجة، فالحديث صحيح من جهة المعنى، لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول الله ﷺ لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها، كما تقدم، وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، ونحن لا نشك، ولا نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استم رّ في الفجر إلى أن فارق الدنيا. (الوجه الرابع): أن طرق أحاديث أنس تبيّن المراد، ويصدق بعضها بعضا، ولا نتناقض. وفي "الصحيحين" من حديث عاصم الأحول، قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبل الركوع، أو بعده؛ قال: قبله، قلت: وإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده، قال: كذب، إنما قلت: قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرا. وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول، تفرد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقة جدًّا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين، والحافظ قد يهم، والجواد قد يعثر، وحكوا عن الإمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل -أيقول أحد في حديث أنس: إن رسول الله ﷺ

стр. 8293

قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمت أحدا يقوله غيره (١). قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كُلَّهُم، هشامٌ، عن قتادة، عن أنس، والتيميُّ، عن أبي مجلز، عن أنس، عن النبي ﷺ : قنت بعد الركوع، وأيوبُ عن محمَّد بن سيرين، قال: سألت أنسا، وحنظلةُ السدوسي، عن أنس، أربعة وجوه. وأما عاصم، فقال: قلت له؟ فقال: كذبوا، إنما قنت بعد الركوع شهرا، قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره. قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ فقال: بلى كلها عن خُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، وأبي هريرة. قلت لأبي عبد الله: فلم ترخص إذا في القنوت قبل الركوع، وإنما صح الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يُختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع، فلا بأس، لفعل أصحاب النبي ﷺ واختلافهم، فأما في الفجر، فبعد الركوع. فيقال: من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، ورواه أئمة ثقات أثبات حفاظ، والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي، وقيس بن الربيع، وعمرو بن أيوب، وعمرو بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي، وقك مَنْ تحمل مذهبا، وانتصر له في كل شيء إلا اضطرّ إلى هذا المسلك. فنقول -وبالله التوفيق-: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها بعضا، ولا تتناقض، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده، والذي وَقَّتَه غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت". والذي ذكره بعده، هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرا، يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمرّ يُطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما في "الصحيحين" عن ثابت، عن أنس، قال: إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال: وكان أنس يصنع شيئا لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي، فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا.

стр. 8294

ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل، بل كان يُثني على ربه، ويمجده، ويدعوه، وهذا غير القنوت المؤقت بشهر، فإن ذلك دعاء على رعل، وذَكْوَان، وعُصَيّة، وبني لِحْيَان، ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة. وأما تخصيص هذا بالفجر، فبحسب سؤال السائل، فإنما سأله عن قنوت الفجر، فأجابه عما سأله عنه، وأيضًا، فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان -كما قال البراء بن عازب- ركوعه، واعتداله، وسجوده، وقيامه متقاربا. وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك، ومعلوم أنه يدعو ربه، ويثني عليه، ويمجده في هذا الاعتدال، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وهذا قنوت منه، لا ريب، فنحن لا نشكّ، ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. ولما صار القنوت في لسان الفقهاء، وأكثر الناس، هو هذا الدعاء المعروف: "اللَّهم اهدني فيمن هديت. . ." إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون، وغيرهم من الصحابة ﵃ حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَنْ لا يعرف غيرَ ذلك، فلم يشكَّ أن رسول الله ﷺ ، وأصحابه ﵃ كانوا مداومين عليه كل غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله. وغاية ما روي عنه في هذا القنوت، أنه علمه للحسن بن علي ﵄، كما في "المسند"، و"السنن" الأربع عنه، قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا، وتعاليت" (١). قال الترمذي: حديث حسن، ولا نعرف ذلك في القنوت عن النبي ﷺ شيئًا أحسن من هذا، وزاد البيهقي بعد "ولا يذل من واليت": و"لا يعز من عاديت". ومما يدلّ على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة -قلت: هو السدوسي- قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركع، فأتينا أنس بن مالك، فذكرنا له ذلك، فقال: أتيت النبي ﷺ في صلاة

стр. 8295

الفجر، فكبر، وركع، ورفع رأسه، ثم سجد، ثم قام في الثانية، فكبر، وركع، ثم رفع رأسه، فقام ساعة، ثم وقع ساجدا (١). وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء، هو يبين مراد أنس بالقنوت، فإنه ذكره دليلًا لمن قال: إنه قنت بعد الركوع، فهذا القيام والتطويل هو مراد أنس ﵁، فاتفقت أحاديثه كلها. وبالله التوفيق. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وهو يبين مراد أنس ﵁ الخ، فيه نظر، إذ هذا الحديث إسناده ضعيف، فلا يصلح بيانا لمراد أنس ﵁، فتأمل. والله تعالى أعلم. قال: وأما المروي عن الصحابة ﵃، فنوعان: (أحدهما): قنوت عند النوازل، كقنوت الصديق ﵁ في محاربة الصحابة لمسيلمة، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوت عمر ﵁، وقنوت علي ﵁ عند محاربته لمعاوية وأهل الشام. (الثاني): مطلق، مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء. والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى (٢). [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: خلاصة هذه المسألة أن الراجح أن القنوت المشروع هو القنوت عند النوازل، وأما القنوت الوارد في الصبح، أو غيره، فالمراد به تطويل القيام بالأذكار، فبهذا تتفق الأحاديث والآثار المروية في الباب، وقد تقدم قول العلامة الشوكاني ﵀: إذا تقرر لك هذا علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما دلّ على هذا الاختصاص من حديث أنس ﵁ عند ابن خزيمة في "صحيحه": "أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم". ومن حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن حبان بلفظ: "كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد". قال: وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل. انتهى. هذا كله في غير الوتر، وأما القنوت فيه، فسيأتي الكلام عليه في محله، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 8296

١٠٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، قَامَ هُنَيْهَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [١٠]، تقدم ٤٢/ ٤٧. ٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد [٨]، تقدم ٦٦/ ٨٢. ٣ - (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ت ١٣٩ (ع) تقدم ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (ابن سيرين) هو محمَّد المذكور في السند الماضي. ٥ - (بعض من صلى مع رسول الله ﷺ ) هو أنس بن مالك ﵁ المذكور في السند الماضي. وقوله: "هنيهة" بالتصغير، أي قدرا يسيرا. ولفظ أبي داود: "هنية" بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد المثناة التحتانية- تصغير "هَنَةٍ". وقد تقدم الكلام على ضبطها، ومعناها مستوفى في ١٥/ ٨٩٥ - فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: [فإن قلت]: من أين أخذ المصنف رحمه الله تعالى القنوت في صلاة الصبح من هذا الحديث؟. [قلت]: الذي يظهر أنه يرى أن هذا الحديث مختصر من الحديث السابق، فقوله: "قام هنيهة"، أي قام بعد الركوع يسيرا؛ لأجل القنوت. هذا هو الظاهر من تصرفه، ومثله صنيع أبي داود في "سننه" حيث أورده في [باب القنوت في الصلوات"، وإليه يشير الحافظ المزي، في "تهذيبه"، والحافظ في "تهذيبه"، و"تقريبه". كما سيأتي قريبا. لكنه محل نظر وتأمل، إذ قيامه هنيهةً لا يستلزم القنوت، بل يحتمل أن يقول في تلك الهنيهة الأذكار التي ثبتت في الاعتدال، كما تقدم بيانها. والله تعالى أعلم. وقال السندي رحمه الله تعالى: يستدل به من يقول بالقنوت سرّا، ولا دلالة فيه على ذلك، لما علم أن قيامه بين الركوع والسجود بقدر الركوع والسجود، وكان يجمع بين التسميع والتحميد. والله تعالى أعلم. انتهى (١).

стр. 8297

[تنبيه]: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا -١١٧/ ١٠٧٢ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٦٥٩ - عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن بعض من صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، وهو أنس بن مالك ﵁، كما في "ت" ص ٤٦٢. و"تهذيب التهذيب". ج ١٢/ ٣٨٣. و"تهذيب الكمال" ج ٣٥/ ١٠١ .. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن بشر بن المفضل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن منصور) الْجَوَّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الثبت الحجة رأس [٤] تقدم ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب بن حَزْن الحافظ الثبت الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله، كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأن شيخه، وسفيان مكيان، والباقون مدنيون، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وأنه من أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. وقوله: "حفظناه" من الزهري، هو من كلام ابن عيينة: أي سمعنا هذا الحديث من الزهري، فحفظناه منه. والله أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية من صلاة الصبح، قال: اللهم أنج) من الإنجاء رباعيا، أي خَلَّصْه، يقال: نَجا من الهلاك يَنْجُو نَجَاة: خَلَصَ. والاسم النَّجاء بالمد، وقد يُقصّرُ، فهو ناجٍ، والمرأة ناجية، وبها

стр. 8298

سميت قبيلة من العرب، ويتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال: أنجيته، ونَجَّيْتُه. قاله الفيومي (١). (الوليد بن الوليد) بفتح الواو، وكسر اللام في اللفظين، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أخو خالد بن الوليد، وكان ممن شهد بدرًا مع المشركين، وأُسِرَ بها، أسره عبد الله بن جحش، وفَدى نفسَهُ، ثم أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل أن تفتدي، فقال: كرهت أن يُظَن بي أني أسلمت جَزَعا، فحُبِسَ بمكة، ثم تواعد هو وسلمة، وعيّاش المذكوران معه، وهربوا من المشركين، فعلم النبي ﷺ هو بمخرجهم، فدعا لهم. أخرجه عبد الرزاق بسند مرسل، ومات الوليد المذكور لما قدم على النبي ﷺ . قال الحافظ رحمه الله تعالى: روينا ذلك في "فوائد الزياديات" من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري بسنده عن جابر ﵁، قال: رفع رسول الله ﷺ من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحةَ خمسة عشرة من رمضان، فقال: "اللهم أنج الوليد بن الوليد". . .الحديث. وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يوما، حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: "أَوَ ما عَلِمْت أنهم قَدِموا؟ "، قال: بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد، قد نكت إصبعه بالحرة، وساق بهم ثلاثا على قدميه، فنهج بين يدي النبي ﷺ حتى قضى، فقال النبي ﷺ : "هذا الشهيد، أنا على هذا شهيد". ورَثَتْهُ أمّ سَلَمَة زوج النبي ﷺ بأبيات مشهورة. انتهى (٢). (وسلمة بن هشام) بالنصب عطفا على "الوليد"، أي أنج سلمة بن هشام بن المغيرة، وهو ابن عم الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، وكان من السابقين إلى الإسلام، وعذب في الله، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة. واستشهد في خلافة أبي بكر ﵄ بالشام سنة أربع عشرة (٣). قال الحافظ الذهبي ﵀: هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فمنعوه من الهجرة، وعذبوه، ثم هاجر بعد الخندق، وشهد مُؤْتهْ، واستشهد بمَرْج الصفرة، وقيل: بأجنادين (٤).

стр. 8299

(وعَيَّاشَ بن أبي ربيعة) بفتح العين، وتشديد التحتانية، وبعد الألف شين معجمة، وأبو ربيعة اسمه: عمرو بن المغيرة، فهو عم الذي قبله أيضا، وهو أخو أبي جهل أيضا لأمه، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضا، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل، فرجع إلى مكة، فحبسه، ثم فرّ مع رفيقيه المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، فمات، قيل: سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. والله تعالى أعلم (١). وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحد منهم ابن عم الآخر (٢). (والمستضعفين بمكة) أي وأنج المستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم، فكانوا يعذبونهم بأنواع العذاب. وهو من عطف العام على الخاص، عكس قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. (اللَّهم اشدد) بضم الدال، أمر من شَدَّ الشيءَ يشده، من باب قَتَلَ: إذا أوثقه (٣) (وطأتك) أي بأسك، وعذابك. قال الفيومي: "الْوَطأَة" مثلُ الأخْذَةِ وزنا ومعنى (٤). . وقال في "الزهر": "الوطأة" بفتح الواو، وأصلها: الدَّوْس بالقدم، سمي بها الإهلاك؛ لأن من يطؤ على شيء برجله، فقد استقصى في هلاكه. والمعنى خذهم أخذا شديدا (٥). وقال ابن منظور: و"الوطأة" موضع القَدَم، وهي أيضا كالضَّغْطَة، و"الوَطْأَة": الأخذة الشديدة. وفي الحديث: "اللَّهم اشدد وطأتك على مضر"، أي خذهم أخذًا شديدًا، وذلك حين كذبوا النبي ﷺ ، فدعا عليهم، فدعا عليهم، فأخذهم الله بالسنين، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: وَوَطِأْتَنَا وَطْئًا عَلَى حَنَقٍ … وَطْءَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ وكان حماد بن سلمة يروي هذا الحديث: "اللَّهم اشدُدْ وَطْدَتَكَ على مضر"، والْوَطْدُ -أي بالدال-: الإثباتُ والغَمْزُ في الأرض. انتهى (٦). (على مضر) بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، اسم قبيلة، سميت باسم مضر بن نِزَار بن معد بن عدنان. وهو غير منصرف للعلمية والعدل، كما قال ابن مالك في

стр. 8300

"الخلاصة": وَالْعَلَمَ امْنعْ صَرْفَهُ إن عُدِلًا … كَفُعَلِ التَوْكيدِ أَوْ كَثُعَلَا وقال العيني ﵀: وهو شعب عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش، وهذيل، وأسد، وتميم، وضَبَّةَ، ومُزَينة، والضباب، وغيرهم، ومضر شعب رسول الله ﷺ ، واشتقاقه من اللبَنِ الْمَضير، وهو الحامض، قاله ابن دريد. انتهى (١). وقال ابن منظور: قال ابن سِيْدَة: مضر اسم رجل، قيل: سمي به لأنه كان مُولَعًا بشرب اللبن المَاضِرِ -وهو الحامض الشديد الْحُمُوضَة- وقيل: سمي به لبياض لونه، من مَضِيرَة الطَّبِبخ، وهي مُرَيقَة، تُطبَخُ بِلَبَنٍ وأشياء. انتهى (٢) (واجعلها) قال الطيبي: الضمير للوطأة، أو للأيام، وإن لم يجر لها ذكر، لما دل عليه المفعول الثاني الذي وهو"سنين" جمع السنة التي هي بمعنى القحط، وهي من الأسماء الغالبة، كالبيت، والكتاب (٣) (عليهم) أي على قبيلة مضر (سنين) جمع سنة، وهي الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السنة: إذا أجدبوا، وأُقْحِطُوا (كسني يوسف) ﵇، أي كالسنين السبع الشداد التي كانت في زمن يوسف ﵇ التي ذكرها الله في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٤٨]. ووجه الشبه امتداد زمان المحنة، والبلاء، والبلوغ غاية الشدة، والضرّاء. [فائدة]: جمع السنة بالواو والنون شاذ، من جهة أنه ليس لذوي العقول، ومن جهة تغيير مفرده بكسر أوله، وهذا الاستعمال مع شذوذه هو الغالب في اللغة، فهو ملحق بجمع المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء، وسقوط النون عند الإضافة، وقد يُجرَى مجرَى "حين" في لزوم الياء، والإعراب على النون، كما في قول الشاعر [من الطويل]: دَعَانِيَ من نَجْدٍ فَإِن سِنِينَهُ … لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وَشَيَّبْنَنًا مُرْدَا وإلى قواعد جمع المذكر السالم، وملحقاته أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "خلاصته" بقوله: وَارْفَعْ بِوَاوِ وَبِيًا اجْرُرْ وَانْصِبِ … سَالِمَ جمَع عَامِرٍ وَمُذْنِبِ وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا … وَبَابُهُ ألْحِقَ وَالأَهلُونَا أُلُو وَعَالَمُونَ عِلَّيُّونا … وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا
следующие страницы →