← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

١٠٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، قَامَ هُنَيْهَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [١٠]، تقدم ٤٢/ ٤٧. ٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد [٨]، تقدم ٦٦/ ٨٢. ٣ - (يونس) بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] ت ١٣٩ (ع) تقدم ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (ابن سيرين) هو محمَّد المذكور في السند الماضي. ٥ - (بعض من صلى مع رسول الله ﷺ ) هو أنس بن مالك ﵁ المذكور في السند الماضي. وقوله: "هنيهة" بالتصغير، أي قدرا يسيرا. ولفظ أبي داود: "هنية" بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد المثناة التحتانية- تصغير "هَنَةٍ". وقد تقدم الكلام على ضبطها، ومعناها مستوفى في ١٥/ ٨٩٥ - فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: [فإن قلت]: من أين أخذ المصنف رحمه الله تعالى القنوت في صلاة الصبح من هذا الحديث؟. [قلت]: الذي يظهر أنه يرى أن هذا الحديث مختصر من الحديث السابق، فقوله: "قام هنيهة"، أي قام بعد الركوع يسيرا؛ لأجل القنوت. هذا هو الظاهر من تصرفه، ومثله صنيع أبي داود في "سننه" حيث أورده في [باب القنوت في الصلوات"، وإليه يشير الحافظ المزي، في "تهذيبه"، والحافظ في "تهذيبه"، و"تقريبه". كما سيأتي قريبا. لكنه محل نظر وتأمل، إذ قيامه هنيهةً لا يستلزم القنوت، بل يحتمل أن يقول في تلك الهنيهة الأذكار التي ثبتت في الاعتدال، كما تقدم بيانها. والله تعالى أعلم. وقال السندي رحمه الله تعالى: يستدل به من يقول بالقنوت سرّا، ولا دلالة فيه على ذلك، لما علم أن قيامه بين الركوع والسجود بقدر الركوع والسجود، وكان يجمع بين التسميع والتحميد. والله تعالى أعلم. انتهى (١).

стр. 8297

[تنبيه]: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا -١١٧/ ١٠٧٢ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٦٥٩ - عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن بعض من صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، وهو أنس بن مالك ﵁، كما في "ت" ص ٤٦٢. و"تهذيب التهذيب". ج ١٢/ ٣٨٣. و"تهذيب الكمال" ج ٣٥/ ١٠١ .. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن بشر بن المفضل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن منصور) الْجَوَّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الثبت الحجة رأس [٤] تقدم ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب بن حَزْن الحافظ الثبت الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله، كلهم ثقات نبلاء، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأن شيخه، وسفيان مكيان، والباقون مدنيون، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وأنه من أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. وقوله: "حفظناه" من الزهري، هو من كلام ابن عيينة: أي سمعنا هذا الحديث من الزهري، فحفظناه منه. والله أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية من صلاة الصبح، قال: اللهم أنج) من الإنجاء رباعيا، أي خَلَّصْه، يقال: نَجا من الهلاك يَنْجُو نَجَاة: خَلَصَ. والاسم النَّجاء بالمد، وقد يُقصّرُ، فهو ناجٍ، والمرأة ناجية، وبها

стр. 8298

سميت قبيلة من العرب، ويتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال: أنجيته، ونَجَّيْتُه. قاله الفيومي (١). (الوليد بن الوليد) بفتح الواو، وكسر اللام في اللفظين، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أخو خالد بن الوليد، وكان ممن شهد بدرًا مع المشركين، وأُسِرَ بها، أسره عبد الله بن جحش، وفَدى نفسَهُ، ثم أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل أن تفتدي، فقال: كرهت أن يُظَن بي أني أسلمت جَزَعا، فحُبِسَ بمكة، ثم تواعد هو وسلمة، وعيّاش المذكوران معه، وهربوا من المشركين، فعلم النبي ﷺ هو بمخرجهم، فدعا لهم. أخرجه عبد الرزاق بسند مرسل، ومات الوليد المذكور لما قدم على النبي ﷺ . قال الحافظ رحمه الله تعالى: روينا ذلك في "فوائد الزياديات" من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري بسنده عن جابر ﵁، قال: رفع رسول الله ﷺ من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحةَ خمسة عشرة من رمضان، فقال: "اللهم أنج الوليد بن الوليد". . .الحديث. وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يوما، حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: "أَوَ ما عَلِمْت أنهم قَدِموا؟ "، قال: بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد، قد نكت إصبعه بالحرة، وساق بهم ثلاثا على قدميه، فنهج بين يدي النبي ﷺ حتى قضى، فقال النبي ﷺ : "هذا الشهيد، أنا على هذا شهيد". ورَثَتْهُ أمّ سَلَمَة زوج النبي ﷺ بأبيات مشهورة. انتهى (٢). (وسلمة بن هشام) بالنصب عطفا على "الوليد"، أي أنج سلمة بن هشام بن المغيرة، وهو ابن عم الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، وكان من السابقين إلى الإسلام، وعذب في الله، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة. واستشهد في خلافة أبي بكر ﵄ بالشام سنة أربع عشرة (٣). قال الحافظ الذهبي ﵀: هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فمنعوه من الهجرة، وعذبوه، ثم هاجر بعد الخندق، وشهد مُؤْتهْ، واستشهد بمَرْج الصفرة، وقيل: بأجنادين (٤).

стр. 8299

(وعَيَّاشَ بن أبي ربيعة) بفتح العين، وتشديد التحتانية، وبعد الألف شين معجمة، وأبو ربيعة اسمه: عمرو بن المغيرة، فهو عم الذي قبله أيضا، وهو أخو أبي جهل أيضا لأمه، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضا، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل، فرجع إلى مكة، فحبسه، ثم فرّ مع رفيقيه المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، فمات، قيل: سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. والله تعالى أعلم (١). وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحد منهم ابن عم الآخر (٢). (والمستضعفين بمكة) أي وأنج المستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم، فكانوا يعذبونهم بأنواع العذاب. وهو من عطف العام على الخاص، عكس قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. (اللَّهم اشدد) بضم الدال، أمر من شَدَّ الشيءَ يشده، من باب قَتَلَ: إذا أوثقه (٣) (وطأتك) أي بأسك، وعذابك. قال الفيومي: "الْوَطأَة" مثلُ الأخْذَةِ وزنا ومعنى (٤). . وقال في "الزهر": "الوطأة" بفتح الواو، وأصلها: الدَّوْس بالقدم، سمي بها الإهلاك؛ لأن من يطؤ على شيء برجله، فقد استقصى في هلاكه. والمعنى خذهم أخذا شديدا (٥). وقال ابن منظور: و"الوطأة" موضع القَدَم، وهي أيضا كالضَّغْطَة، و"الوَطْأَة": الأخذة الشديدة. وفي الحديث: "اللَّهم اشدد وطأتك على مضر"، أي خذهم أخذًا شديدًا، وذلك حين كذبوا النبي ﷺ ، فدعا عليهم، فدعا عليهم، فأخذهم الله بالسنين، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: وَوَطِأْتَنَا وَطْئًا عَلَى حَنَقٍ … وَطْءَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ وكان حماد بن سلمة يروي هذا الحديث: "اللَّهم اشدُدْ وَطْدَتَكَ على مضر"، والْوَطْدُ -أي بالدال-: الإثباتُ والغَمْزُ في الأرض. انتهى (٦). (على مضر) بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، اسم قبيلة، سميت باسم مضر بن نِزَار بن معد بن عدنان. وهو غير منصرف للعلمية والعدل، كما قال ابن مالك في

стр. 8300

"الخلاصة": وَالْعَلَمَ امْنعْ صَرْفَهُ إن عُدِلًا … كَفُعَلِ التَوْكيدِ أَوْ كَثُعَلَا وقال العيني ﵀: وهو شعب عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش، وهذيل، وأسد، وتميم، وضَبَّةَ، ومُزَينة، والضباب، وغيرهم، ومضر شعب رسول الله ﷺ ، واشتقاقه من اللبَنِ الْمَضير، وهو الحامض، قاله ابن دريد. انتهى (١). وقال ابن منظور: قال ابن سِيْدَة: مضر اسم رجل، قيل: سمي به لأنه كان مُولَعًا بشرب اللبن المَاضِرِ -وهو الحامض الشديد الْحُمُوضَة- وقيل: سمي به لبياض لونه، من مَضِيرَة الطَّبِبخ، وهي مُرَيقَة، تُطبَخُ بِلَبَنٍ وأشياء. انتهى (٢) (واجعلها) قال الطيبي: الضمير للوطأة، أو للأيام، وإن لم يجر لها ذكر، لما دل عليه المفعول الثاني الذي وهو"سنين" جمع السنة التي هي بمعنى القحط، وهي من الأسماء الغالبة، كالبيت، والكتاب (٣) (عليهم) أي على قبيلة مضر (سنين) جمع سنة، وهي الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السنة: إذا أجدبوا، وأُقْحِطُوا (كسني يوسف) ﵇، أي كالسنين السبع الشداد التي كانت في زمن يوسف ﵇ التي ذكرها الله في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٤٨]. ووجه الشبه امتداد زمان المحنة، والبلاء، والبلوغ غاية الشدة، والضرّاء. [فائدة]: جمع السنة بالواو والنون شاذ، من جهة أنه ليس لذوي العقول، ومن جهة تغيير مفرده بكسر أوله، وهذا الاستعمال مع شذوذه هو الغالب في اللغة، فهو ملحق بجمع المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء، وسقوط النون عند الإضافة، وقد يُجرَى مجرَى "حين" في لزوم الياء، والإعراب على النون، كما في قول الشاعر [من الطويل]: دَعَانِيَ من نَجْدٍ فَإِن سِنِينَهُ … لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وَشَيَّبْنَنًا مُرْدَا وإلى قواعد جمع المذكر السالم، وملحقاته أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "خلاصته" بقوله: وَارْفَعْ بِوَاوِ وَبِيًا اجْرُرْ وَانْصِبِ … سَالِمَ جمَع عَامِرٍ وَمُذْنِبِ وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا … وَبَابُهُ ألْحِقَ وَالأَهلُونَا أُلُو وَعَالَمُونَ عِلَّيُّونا … وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا

стр. 8301

وَبَابُهُ وَمِثْلَ حِينٍ قَدْ يَرِدْ … ذا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْمِ م يَطَّرِدْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١٧/ ١٠٧٣ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٦٦٠ - عن محمَّد بن منصور، عن ابن عيينة، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عنه. و-١٠٧٤ - و"الكبرى" -٦٦١ - عن عمرو بن عثمان، عن بقية بن الوليد، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عنه. و-١١٨/ ١٠٧٥ - و"الكبرى" -٢٦/ ٦٦٢ - عن سليمان بن سلم، البَلْخِيّ، عن النضر بن شُمَيل، عن هشام الدستوائي، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، به. وعن أبي نعيم الفضل بن لكن، عن ابن عيينة، به. وعن معاذ ابن فَضَالة، عن هشام الدستوائي، به. وعن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير به. وعن يحيي بن بكير، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن هلال بن أسامة، عن أبي سلمة به. وعن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن- وعن قبيصة، عن سفيان الثوري،- وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة،- ثلاثتهم عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. وأبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي سلمة، كلاهما عنه. (م) عن أبي الطاهر، وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن ابن عيينة به. وعن محمَّد بن مِهْران الرازي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي- وعن زهير بن حرب، عن حسين ابن محمَّد، عن شيبان- كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. وعن محمَّد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه به. (د) عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم به. وعن داود بن أمية، عن معاذ بن هشام به .. (ق) عن أبي بكر بن أبي شيبة به. (الحميدي) رقم ٩٣٩. (أحمد) ٢/ ٢٥٥ و ٢٣٩ و ٤٧٠ و ٥٢١ و ٢٧١ و٥٠٢ و ٤١٨ و ٤٠٧ و ٣٣٧ و ٣٩٦. (الدارمي) برقم ١٦٠٣ (ابن خزيمة) ٦١٩ و ٦١٥ و ٦١٧

стр. 8302

و٦٢١ و ٦٢٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية القنوت في صلاة الصبح للنازلة (ومنها): كون محله بعد الركوع (ومنها): جواز الدعاء لقوم بتعيين أسمائهم، وأسماء آبائهم، وأنه لا يبطل الصلاة، خلافا للحنفية (ومنها): جواز لعن الكفار والمنافقين في الصلاة، والدعاء عليهم بإنزال العذاب الذي يضعف شوكتهم، من الجوع والمرض (ومنها): استحباب الجهر بالقنوت للإمام، وفي رواية للبخاري: "يجهر بذلك". ولأبي داود من حديث ابن عباس ﵄، في قنوته ﷺ في الصلوات الخمس: "ويؤمن من خلفه"، فقد صرح بأنه ﷺ جهر به، وأن الصحابة أمنوا خلفه. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: قد أولى صاحب "المفهم" هذا الدعاء -يعني المذكور في حديث أبي هريرة ﵁ في هذا الباب- بحديث ابن مسعود ﵁، فقال: واستجيب له ﷺ فيهم، فأجدبوا سبعا، أكلوا فيها كل شيء، وذكر الحديث؛، وقال فيه: حتى جاء أبو سفيان، فكلم النبي ﷺ ، فدعا لهم، فسُقُوا، على ما ذكرناه عن ابن مسعود في "كتاب التفسير". انتهى كلام القرطبي. قال: وفيه أوهام: (أحدها): في قوله: "فأجدبوا سبعا". وليس ذلك في واحد من "الصحيحين"، وليس بصحيح أيضا، فإنه كشف عنهم قبل بدر، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وأيضًا فأبو هريرة ﵁ راوي الحديث شهد قنوت النبي ﷺ ، ودعاءه عليهم بذلك، وإنما أسلم أبو هريرة بعد خيبر، فلا يصح حمله على دعائه على قريش قبل وقعة بدر، وحديث ابن مسعود الذي أشار إليه في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ لما رأى قريشا استَعصَوا عليه، فقال: "اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"، فأخذتهم السنة حتى حَصَّت كلَّ شيء، حتى أكلوا العظام، والجلود. وفي رواية "الميتة" بدل "العظام"، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمدُ إن قومك هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم، فدعا، وفي رواية: فدعا ربه، فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر. ففي هذا الحديث أن دعاءه على قريش قبل وقعة بدر، وهذا لم يشهده أبو هريرة. والذي أوقع القرطبي في ذلك أن حديث ابن مسعود في بعض طرقه في "الصحيحين" ذكر مضر، فذكر أول الحديث إلى قوله: وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، استسق لمضر، فإنهم قد هلكوا، فقال: "لمضر؟، إنك لَجَرِيء"،

стр. 8303

قال: فدعا لهم، فأنزل الله ﷺ : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، فذكر الحديث، فظن صاحب "المفهم" أنها قصة واحدة، وليس كذلك، فقصة الدعاء على قريش كانت قبل بدر، ولم ينقل فيها قنوت، ولم يشهدها أبو هريرة ﵁، وقريش هي من مضر، وقصة القنوت كانت بعد خيبر، بعد إسلام أبي هريرة، وكان دعاؤه فيها على مضر، وهو اسم جامع لقريش وغيرها، وكان سبب القنوت قصة بئر معونة التي قتل فيها السبعون من القراء، فقنت النبي ﷺ شهرا يدعو عليهم، وعمم الدعاء على مضر، وليس بدعائه عليهم قبل بدر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى (١) .. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى تعقّب وجيه، وحاصله أن قصّة أبي هريرة غير قصّة ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، وهو ظاهر، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٧٤ - (أَخْبَرَنَا (٢) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ حِينَ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يَقُولُ -وَهُوَ قَائِمٌ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ-: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ"، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ"، فَيَسْجُدُ. وَضَوَاحِيَةُ مُضَرَ يَوْمَئِذٍ مُخَالِفُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠]، تقدم ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يُحْمِد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨]، تقدم ٤٥/ ٥٩٢. ٣ - (ابن أبي حمزة) هو شعيب الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، ثقة ثبت عابد [٧]، تقدم ٦٩/ ٨٥.

стр. 8304

٤ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١. والباقون تقدموا في السند السابق. وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "وضاحية مضر" الخ. أي أهل البادية منهم لم يسلموا، وجمع الضاحية: ضَوَاحٍ. وضاحية كل شيءٍ: ناحيته البارزة، يقال: هم ينزلون الضَّاحي، ومكانٌ ضَاحٍ، أي بارز. والضَّوَاحي من الشجر؛ القَلِيلَةُ الوَرَقِ التي تبرُزُ عِيدانهُا للشمس. وكل ما ظهر، وبرز، فقد ضَحَا، ويقال: خرج الرجلُ من منزل، فضحا لي. قاله في "اللسان" (١). وفي رواية البخاري: "وأهلُ المشرق يومئذ من مضر مخالفون له". والمعنى المراد هنا أن سبب دعاء رسول الله ﷺ على مضر كونهم مخالفين، ومعادين له، وصادِّين عن سبيل الله، ومعارضين لنشر الدعوة إلى الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٨ - (بَابُ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية القنوت في صلات الظهر، وهذا أيضا من قنوت النوازل، وليس منسوخا، بل هو مشروع إذا وجد سببه، كما تقدم تحقيق ذلك في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٧٥ - (أَخْبَرَنَا (٢) سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لأُقَرِّبَنَّ لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الْكَفَرَةَ).

стр. 8305

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سليمان بن سَلْم) بفتح، فسكون- بن سابق الهَدَادِيّ (١)، أبو داود المَصَاحفي (٢) البلخي (٣)، ثقة [١٠] روى عن النضر بن شميل، وعمرو بن هارون البلخي، وأبي معاذ الفضل بن خالد النحوي المروزي، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وله ذكر في "الزكاة" من "سنن أبي داود"، وغيرهم. قال أبو داود، والنسائي: ثقة. وقال موسى بن هارون: كان من خيار المسلمين، قال: ومات ببلخ سنة (٢٣٨) وكان شيخا فاضلا، وكان مقعدا. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ (٤)، وله عند المصنّف ثمانية أحاديث، برقم ١٠٥٧ و ١٦٥٣ و ١٦٧٧ و ٤٣٦٣ و ٤٩٧٩ و ٥١٤٢ و ٥٣٠٩ و ٥٤٨٣. ٢ - (النضر) بن شميل المازني، أبو الحسن البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩]، تقدم ٤١/ ٤٥. ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، رمي بالإرجاء من كبار [٧]، تقدم ٣٠/ ٣٤. ٤ - (يحيى) بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، بصري الأصل (٥)، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل [٥]، تقدم ٢٣/ ٢٤. والباقبان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الشيخان، وابن ماجه (ومنها): أن شيخه بلخي، والباقون بصريون، غير الصحابي، فمدني (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على قول. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن يحيى) بن أبي كثير، وفي رواية مسلم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن

стр. 8306

يحيي: "حدثني أبو سلمة" (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: لأقربن لكم) من التقريب، أي لأقرّبنّ إلى أفهامكم بالبيان الفعلي صلاته حيث أصلي كما صلى، فخذوا بصلاتي، لتدركوا صلاته ﷺ ، فمراده الحث على الأخذ بصلاة النبي ﷺ . وفي رواية البخاري: "لأقربن صلاة النبي ﷺ "، وللإسماعيلي: "إني لأقربكم صلاةً برسول الله ﷺ ". (فكان أبو هريرة) ﵁ (يقنت) بضم النون، من باب قَعَدَ، أي يدعو (في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء الآخرة، وصلاة الصبح بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده) أي مع "ربنا، ولك الحمد" (فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفرة) جمع كافر، فقوله: "فيدعو الخ بيان لقوله: "يقنت". أي إن قنوت أبي هريرة ﵁ في هذه الصلوات هو الدعاء للمؤمنين، ولعن الكفرة. وقد تقدم في الباب الماضي من رواية الزهري، عن أبي سلمة في هذا الحديث أن المراد بـ"المؤمنين" من كان مأسورا بمكة، وبـ"الكفرة" قريش. قال في "الفتح": قيل: المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت، لا وقوعه في الصلوات المذكورة، فإنه موقوف على أبي هريرة ﵁، ويوضحه ما في "تفسير النساء" من "صحيح البخاري"، من رواية شيبان، عن يحيى من تخصيص المرفوع بصلاة العشاء، ولأبي داود من رواية الأوزاعي، عن يحيي: "قنت رسول الله ﷺ في صلاة العتمة شهرا"، ونحوه لمسلم، لكن لا ينافي هذا كونه ﷺ قنت في غير العشاء، وظاهر سياق حديث الباب أن جميعه مرفوع، ولعل هذا هو السرّ في تعقيب البخاري له بحديث أنس ﵁ "كان القنوت في المغرب والفجر". إشارة إلى أن القنوت في النازلة لا يختص بصلاة معينة. انتهى (١). [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: قول أبي هريرة ﵁: "لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ " نص صريح في كون القنوت المذكور في هذه الصلوات مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وهو محمول على قنوت النوازل، فكان ﷺ يقنت وقتا بسبب أسر المؤمنين، وشدة شوكة الكفار، فلما قدم المستضعفون تركه، فأراد أبو هريرة ﵁ أن يبين للناس أن صلاة رسول الله ﷺ كان فيها قنوت في بعض الأحيان، فينبغي أن تقتدوا به في ذلك. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم بيان المسائل المتعلقة به في الحديث

стр. 8307

الماضي، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٩ - (بَابُ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي بعض النسخ إسقاط لفظ "باب". ١٠٧٦ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ح وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عبيد الله بن سعيد) السرخسي، أبو قدامة، ثقة مأمون [١٠]، تقدم ١٥/ ١٥. ٢ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ [١٠]، تقدم ٤/ ٤. ٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي، الإمام الحافظ الحجة الثبت البصري [٩]، تقدم ٤٢/ ٤٩. ٤ - (يحيي) بن سعيد القطان البصري، الإمام الجِهْبِذ الناقد [٩]، تقدم ٤/ ٤. ٥ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحافظ الحجة الثبت الكوفي [٧]، تقدم ٣٣/ ٣٧. ٦ - (شعبة) بن الحجاج الإمام القدوة الثبت الحجة البصري [٧]، تقدم ٢٤/ ٢٦. ٧ - (عمرو بن مرة) الْجَمَلي الْمُرَادي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١٧١/ ٢٦٥. ٨ - (ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤. ٩ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي، أبو عُمَارة الأنصاري الأوسي، نزيل الكوفة، صحابي ابن صحابي ﵄ تقدم ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.

стр. 8308

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات نبلاء، ومن رجال الجماعة، غير شيخه عبيد الله، فأخرج له الشيخان، والمصنف، فقط (ومنها) أن شيخه عبيد الله، سرخسي، ثم نيسابوري، وشيخه عمرو بن علي، وابن مهدي، ويحيى القطان، وشعبة بصريون، والباقون كوفيون (ومنها): أن شيخه عمرا أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وتقدموا غير مرة (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى الانتقال من سند إلى سند آخر، وقد تقدم أنها مختصرة، إما من "صح"، أو من "الحديث"، أو من "التحويل"، أو من "حاجز"، أقوال (ومنها): أن فائدة الإسناد الثاني تصريح سفيان، وشعبة بالتحديث عن عمرو بن مرة، لأنه كان في الإسناد الأول بالعنعنة (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. وشرح الحديث يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: حديث البراء بن عازب ﵄ هذا أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا -١١٩/ ١٠٧٦ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٦٦٣ - بالسند المذكور. وأخرجه مسلم، في "الصلاة" عن محمَّد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة- وعن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن سفيان- كلاهما عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وأخرجه (د) فيه عن أبي الوليد الطيالسي- ومسلم بن إبراهيم- وحفص بن عمر الحوضي- وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه- أربعتهم عن شعبة به. وأخرجه (ت) فيه عن قتيبة، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن غندر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٠ - (بَابُ اللَّعْنِ فِي الْقُنُوتِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية اللعن في قنوت الصلاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن هذه الترجمة للعن الكفار بدليل الترجمة التالية، فإنها للمنافقين، ولأن لعنه ﷺ المذكور في حديث الباب في قوم كفار، وفي الباب التالي في أناس منافقين.

стр. 8309

و"اللعن" بفتح، فسكون: الطرد، والإبعاد. يقال؛ لَعَنَهُ لَعْنًا، من باب نفع: طرده، وأبعده، أو سبه، فهو لَعِين، وملعون (١). والمراد هنا الدعاء بأن يطردهم الله ﷺ عن رحمته، ويبعدهم عنها. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٧٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَهِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، قَالَ: شُعْبَةُ: لَعَنَ رِجَالاً، وَقَالَ هِشَامٌ: يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ، مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ، بَعْدَ الرُّكُوعِ، هَذَا قَوْلُ هِشَامٍ، وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلاً، وَذَكْوَانَ، وَلِحْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ [١٠]، تقدم ٦٤/ ٨٠. ٢ - (أبو داود) الطيالسي، سليمان بن داود البصري، ثقة حافظ [٩]، تقدم ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (شعبة) بن الحجاج تقدم في السند الماضي. ٤ - (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي المتقدم قبل حديث. ٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت مدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٦ - (أنس) بن مالك ﵁ -٦/ ٦. والله تعالى أعلم. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ١١٦/ ١٠٧٠. أورده هناك لبيان أن محل القنوت بعد الركوع، أخرجه عن شيخه إسحاق بن إبراهيم، عن جرير بن عبد الحميد، عن سليمان التيمي، عن أبي مِجْلَز، عنه. وأروده هنا لبيان مشروعية لعن الكفار في قنوت الصلاة. وقوله: "وهشام" بالرفع عطف على شعبة، فأبو داود الطيالسي يروي هذا الحديث عن شعبة، وهشام الدستوائي، كليهما. وقوله: "قال شعبة الخ" بيان لاختلاف شعبة، وهشام في لفظ الحديث، فلفظ شعبة: "أن النبي ﷺ قنت شهرا، يلعن رعلا، وذكوان، ولحيان". ولفظ هشام، أن رسول الله ﷺ قنت شهرا، يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع. فقوله: "بعد الركوع" ظرف لـ"قنت"، لا لتركه، أي قنت بعد الركوع شهرا. وليس في لفظ شعبة "بعد الركوع".

стр. 8310

فقوله: "قال شعبة: لعن رجالا". إجمال، وقوله: وقال شعبة الثاني تفصيل للأول. لكن لو حذف قوله: قال شعبة لعن إلى قوله: "وقال هشام". فساقه هكذا: وهشام، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قنت شهرا بعد الركوع، يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه. هذا قول هشام. وقال شعبة: عن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قنت الخ. لكان أوضح. ولفظ أحمد جـ ٣ ص ٢١٧ - من طريق أبي قَطَن، عن هشام: "قنت رسول الله ﷺ شهرا بعد الركوع، يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه". ولفظه جـ ٣/ ٢١٦ من طريق أبى سعيد، عن شعبة: "قنت رسول الله ﷺ شهرا، يدعو على رعل، وذكوان، وبني لحيان، وعصية عصوا الله ورسوله". ولفظه -٣/ ٢٥٩ - من طريق الأسود بن عامر، عن شعبة، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه: "أن النبي ﷺ قنت شهرا، يدعو على رعل، وذكوان، وعصية، عصوا الله ورسوله". و"الأحياء" جمع حي، بمعنى القبيلة، أي على قبائل من قبائل العرب. و"لحيان" بكسر اللام، هو لحيان بن هُذَيل بن مُدركة، بن إلياس بن مُضَر. والمراد القبيلة. أي وبني لحيان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢١ - (بَابُ لعنِ الْمُنافِقِينَ فِي الْقُنُوتِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية لعن المنافقين في قنوت الصلاة. قال ابن منظورُ ﵀: و"النفاق" بالكسر: الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من آخر،، مشتق من نافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ، إِسْلَاميّةٌ، وقد نافق منافَقَةً، ونِفَاقًا، وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق، وما تصرف منه، اسما وفعلا، وهو اسمم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره، ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفا، يقال: نافق ينافِقُ مُنَافقةً ونِفَاقًا، وهو مأخوذ من النافقاء، لا من

стр. 8311

النَّفَقِ، وهو السَّرَب الذي يستتر فيه، لِسَتْرِهِ كُفْرَه. وقال أبو عُبَيد: سمي المنافق منافقا للنَّفَقِ، وهو السَّرَب في الأرض. وقيل: إنما سمي منافقا؛ لأنه نَافَقَ كاليربوع، وهو دخوله نافقاءه، يقال: قد نَفَقَ به، ونافق، وله جُحْرٌ آخر، يقال له: القَاصِعَاء، فإذا طُلِبَ قَصَّعَ، فخرج من القاصعاء، فهو يدخل في النافقاء، ويخرج من القاصعاء، أو يدخل من القاصعاء، ويخرج من النافقاء، فيقال: هكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام، ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه. وقال ابن الأعرابي: قُصعَةُ اليربوع أن يَحفِرَ حُفَيْرَة، ثم يسُدّ بابها بترابها، ويسمى ذلك التراب الدَّمَّاء، ثم يحفر حَفْرًا آخر، يقال له: النافقاء، والنُّفَقَة، والنَّفَق، فلا يَنْفُذُها، ولكنه يحفرها حتى ترق، فإذا أُخِذَ عليه بقاصعائه عَدَا إلى النافقاء، فضربها برأسه، ومَرَقَ منها، وتراب النُّفَقَة يقال له: الرَّاهِطاء، وقد أنشد [من الوافر]: وَمَا أُمُّ الرُّدَيْنِ وَإنْ أَدَلَّتْ … بِعَالِمَةِ بِأَخلَاقِ الْكِرَامِ إِذَا الشَيْطَانُ قصَّعَ فِي قَفَاهَا … تَنَفَّقْماهُ بِالحَبل التُّؤَامِ أي إذا سكن في قاصِعَاءِ قَفَاها تنَفقْناه، أي استخرجناه، كما يُستَخرجُ اليربوع من نافقائه. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى بتصرف (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٧٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا"، يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ، مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي ابن راهويه، ثقة ثبت [١٠]، تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ تغير في آخره، وكان يتشيع [٩] تقدم ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧]، تقدم ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم المدني الإمام الحجة الثبت رأس [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي الصحابي الشهير ﵄، تقدم ١٢/ ١٢.

стр. 8312

والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأن شيخه مروزي، ثم نيسابوري، وعبد الرزاق صنعاني، ومعمر بصري، ثم صنعاني، والباقون مدنيون (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه (ومنها): أن فيه سالما أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، وأحد الفقهاء السبعة، روى -٢٦٣٠ - حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (أنه سمع النبي ﷺ حين رفع رأسه) متعلق بـ"سمع" (من صلاة الصبح) متعلق بـ"رفع" (من الركعة الآخرة) الجار والمجرور بدل من الجار والمجروو الذي قبله بدل اشتمال. ولفظه في "التفسير" من طريق ابن المبارك: "أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة، من الفجر" (قال) تقدم الخلاف عليه، هل الجملة في محل نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ"سمع" (اللَّهم العن فلانا، وفلانا) زاد في "التفسير": "بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد". وقوله: "اللَّهم العن فلانا وفلانا" بالتكرير مرتين، وللبخاري: بالتكرير ثلاثا. و"العن" فعل أمر من لعن يلعن، من باب نَفَعَ، أي اطرُدهم، وأبعدهم عن رحمتك. وقد وقعت تسميتهم عند البخاري في "المغازي"، من رواية مرسلة أردها عقب هذا الحديث عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: "كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وأخرج أحمد، والترمذي هذا الحديث موصولا من رواية عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، فسماهم، وزاد في آخر الحديث: "فتِيبَ عليهم كلِّهم، وأشار بذلك إلى قوله في بقية الآية: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) ولأحمد، والترمذي أيضًا من طريق محمَّد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يدعو على أربعة، فنزلت، قال: وهداهم الله للإسلام. قال الحافظ ﵀: وكأن الرابع عمرو بن العاص، فقد عزاه

стр. 8313

السهيلي لرواية الترمذي، لكن لم أره فيه. انتهى (١). [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: عندي أن الرابع هو أبو سفيان بن حرب، فإنه الذي في "التفسير" من "جامع الترمذي" جـ ٥ ص ٢٢٧ - ، ولعل السهيلي أخطأ فيه. والله تعالى أعلم. (يدعو على أناس) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "قال"، أي قال. "اللَّهم العن فلانا"الخ حال كونه داعيا عليهم (من المنافقين) هكذا رواية المصنف رحمه الله تعالى هنا، وفي "التفسير" من "الكبرى" أيضا -١١٠٧٥ - "من المنافقين"، وترجم عليه هنا [باب لعن المنافقين] والثابت في سبب نزل الآية أنه دعا على هؤلاء الكفار، لا على المنافقين، ولعله أراد بالمنافقين الكافرين، فإن المنافق كافر، لكن الظاهر من ترجمة المصنف أنه يرى أن معنى الحديث أنه ﷺ دعا على أناس من المنافقين وفيه خفاءٌ، فليتأمل. والله تعالى أعلم. (فأنزل الله ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) جملة "ليس" مفعول به و"أنزل" محكي، أي أنزل الله هذه الآية. ومعنى الآية (٢): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي ليس لك من الحكم في عبادي شيء إلا ما أمرتك به فيهم ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الفاء للتعليل، أي لأنهم ظالمون يستحقون ذلك. فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ قيل: هو عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، والأولى كونه منصوبا بـ"أن" مضمرة بعد "أو"، وهي بمعنى "إلى"، كقول الشاعر [من الطويل]: لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى … فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ قال ابن مالك رحمه الله تعالى في بيان مواضع نصب "أن" مضمرة وجوبا: كَذَاكَ بَعْدَ "أَوْ" إِذَا يصْلُحُ فِي … مَوْضِعِهَا "حَتَّى" أَوِ إلَّا "أَنْ" خَفِي [تنبه]: تبين في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية هو الدعاء على هؤلاء الكفار من قريش، لكن يعارض هذا ما أخرجه المصنف في "التفسير" -١١٠٧٧ - من حديث أنس ﵁، قال: كسرت رباعيته ﷺ يوم أحد، وشُجَّ، فجعل الدمُ يسيل على وجهه، ومسح الدم وجهه، ويقول: "كيف يفلح قوم، خَضَبُوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى

стр. 8314

الإسلام، فأنزل الله تبارك، وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وأخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي، وعلقه البخاري في "الصحيح". وطريق الجمع -كما قال الحافظ ﵀ بين الحديثين أن يقال: إن الآية نزلت في الأمرين معا، فيما له من الأمر، وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم. وأما ما ذكر سببا لنزول الآية في حديث أبي هريرة ﵁ من أنه ﷺ قال: "اللَّهم العن لِحْيَان، ورِعْلًا، وذَكوان، وعُصَيَّة عصت الله ورسوله"، ثم ترك ذلك لما نزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. فقيه إشكال؛ لأن الآية نزلت في أحد، وقصة دعائه ﷺ على لح يان، ورعل، وذكوان، وعصية كان بعد أحد، فكيف يتأخر السبب عن النزول؟ وأجيب بأن في هذا الحديث علةً، وهي أن فيه إدراجا، كما بينه مسلم في "صحيحه"، وذلك أن الزهري قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. فهذا البلاغ لا يصح، لانقطاعه. كما قاله الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا أخرجه البخاري. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٢١/ ١٠٧٨ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٦٦٥ - وفي "التفسير" منه -١١٠٧٥ - عن إسحاق بن إبراهيم، عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم به. وفي "التفسير" -١١٠٧٦ - عن عمرو بن الحارث، عن محبوب بن موسى، عن ابن المبارك، عن معمر به. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد في "الكبرى" في هذا الباب بعد إخراج الحديث: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: لم يرو هذا الحديث أحد من الثقات إلا معمر. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: إنما قال من الثقات؛ لأنه رواه من غيرهم إسحاق بن راشد، كما سيأتي في عبارة البخاري رحمه الله تعالى، وإسحاق، وإن كان ثقة، إلا أنه

стр. 8315

قد يهم في حديث الزهري، قال في "ت" ص ٢٨ - : إسحاق بن راشد الجزري، أبو سليمان، ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهم. انتهى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في "المغازي" عن يحيي بن عبد الله السلمي- وفي "التفسير" عن حِبَّان ابن موسى- وفي "الاعتصام" عن أحمد بن محمَّد- ثلاثتهم عن ابن المبارك به. وقال عقب حديث يحيي: وعن حنظلة بن أبي سفيان، سمعت سالم بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وقال عقب حديث حبان: رواه إسحاق بن راشد، عن الزهري. (ت) في "التفسير" عن أبي السائب سَلْم بن جُنَادة، عن أحمد بن بشير، عن عُمَر بن حمزة، عن سالم، عنه. وعن يحيى بن حبيب ابن عربي، عن خالد بن الحارث، عن محمَّد بن عجلان، عن نافع، عنه. (أحمد) ٢/ ٩٣ و ١٠٤ و ١١٨. (ابن خزيمة) برقم ٦٢٣. والله تعالى أعلم. وفوائد الحديث تقدمت في الأبواب السابقة، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٢ - (تَرْكُ الْقُنُوتِ) ١٠٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَنَتَ شَهْرًا، يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ). [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: هذا الحديث متفق عليه وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى قبل بابٍ برقم ١٢/ ١٠٧٧ أورده هناك مستدلّا على مشروعية اللعن في القنوت، أخرجه عن شيخه محمَّد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة وهشام، كلاهما عن قتادة. وأورده هنا استدلالا على ترك القنوت، والاستدلال به واضح، فإن فيه أن قنوته ﷺ كان للدعاء على قوم، فلما زال السبب تركه، فدلّ على أن القنوت للنوازل مشروع، وإذا زال سببه يترك، وأما استدلال بعضهم به على نسخ القنوت أصلًا فغير صحيح، كما تقدم. ومباحث الحديث تقدّمت بالرقم المذكور. والله

стр. 8316

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٨٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ خَلَفٍ -وَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ- عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَقْنُتْ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمْ يَقْنُتْ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ، فَلَمْ يَقْنُتْ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَقْنُتْ، وَصَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيٍّ، فَلَمْ يَقْنُتْ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا بِدْعَةٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠]، تقدم ١/ ١. ٢ - (خَلَفَ بن خَليفة) بن صاعد الأشجعي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر [٨]، تقدم١١٠/ ١٤٩. ٣ - (أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق بن أشيم الكوفي، ثقة [٤]، تقدم ١١٠/ ١٤٩. ٤ - (أبوه) طارق بن أشيم -بالمعجمة وزِان أحمر- ابن مسعود الأشجعي، والد أبي مالك. روى عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الأربعة. وعنه ابنه أبو مالك. قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه. وقال ابن مَنْدَة في ترجمته: قال أبو الوليد: قال القاسم بن معن: سألت آل أبي مالك الأشجعي، هل سمع أبوهم من النبي ﷺ شيئًا؟ قالوا: لا. وقال الخطيب في "كتاب القنوت": في صحبة طارق نظر. انتهى. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. انتهى "تت" ج ٥ ص ٢. وقال في "الإصابة": "طارق بن أشيم" بن مسعود الأشجعي، والد أبي مالك، قال البغوي: سكن الكوفة، وقال مسلم: تفرد ابنه بالرواية عنه، وله عنده حديثان. قلت: وفي ابن ماجه أحدهما، وصرح فيه بسماعه من النبي ﷺ ، وفي "السنن" حديث آخر، عن أبي مالك الأشجعي: "قلت: يا أبت، إنك قد صليت الصبح خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال؛ يا بني محدث". وصححه الترمذي، وأغرب الخطيب، فقال في "كتاب القنوت": في صحبته نظر. قال الحافظ ﵀: وما أدري أيّ نظر فيه بعد هذا التصريح، ولعله رأى ما أخرجه ابن مَنْدَهْ من طريق أبي الوليد، عن القاسم بن مَعْنِ، قال: سألت آل أبي مالك الأشجعي: أسمع أبوهم من النبي ﷺ ؟ قالوا: لا. وهذا نفي، يقدم عليه من أثبت، ويحتمل أنه عَنَى بقوله: أبوهم أبا مالك، وهو كذلك، لا صحبة له، إنما الصحبة لأبيه. انتهى "الإصابة" ج ٥ ص ٢١١ - ٢١٢. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: كون المراد بالأب في قوله: "أبوهم" طارقا بعيد،

стр. 8317

بل هو أبو مالك، فالسؤال عن سماع أبي مالك الأشجعي، لا عن طارق. ولو سلمنا أن المراد به طارق، لكان هناك مانع من الصحة؛ لأن الذين قالوا: لم يسمع مجهولون، فلا تصح الحكايته. والحاصل أن صحبة طارق ثابتة، بدون شك والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٧٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله موثقون، وأنهم كوفيون، سوى شيخه، فبغلاني. (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن خليفة"، والقائل هو المصنف رحمه الله تعالى، وقد تقدم الكلام عليه غير مرة. وفي بعض النسخ إسقاط لفظة "وهو". (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه لم يرو عنه غير ابنه أبي مالك. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي مالك الأشجعى) سعد بن طارق (عن أبيه) طارق بن أَشْيَمَ، أنه (قال: صليت) بضم التاء للمتكلم (خلف رسول الله ﷺ ، فلم يقنت) أي في الفجر، ففي رواية ابن ماجَهْ من طريق عبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، ويزيد بن هارون، كلهم عن أبي مالك الأشجعي، قال: إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ها هنا بالكوفة، نحوًا من خمس سنين، فكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بُنَيَّ مُحْدَثٌ. وهذا نص صريح في إثبات صحبة والد أبي مالك، حيث أخبر بأنه صلى خلف رسول ال ﷺ ، كما تقدم قريبا. قال السندي رحمه الله تعالى: هذا يدلّ على أن القنوت في الصبح كان أياما، ثم نسخ، أو أنه كان مخصوصا بأيام المْهَامّ، والثاني أنسب بأحاديث القنوت، وإليه مال أحمد وغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الوجه الثاني هو المتعين، وأما احتمال النسخ، فبعيد، كما تقدم تحقيقه. والله تعالى أعلم. (وصليت خلف أبي بكر) ﵁ (فلم يقنت، وصليت خلف عمر) بن الخطاب ﵁ (فلم يقنت، وصليت خلفط عثمان) بن عفان ﵁ (فلم يقنت، وصليت خلف على) بن

стр. 8318

أبي طالب ﵁، وفي رواية ابن ماجه المذكورة: "وعليّ ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين" (فلم يقنت، ثم قال) طارق لولده (يا بُنَيَّ) بضم الموحدة، وفتح النون، تصغير "ابن"، مضاف إلى ياء المتكلم، وفيه خمسة أوجه: الأول: حذف الياء، والاجتزاء بالكسرة. الثاني: إثبات الياء ساكنة. الثالث: قلب الياء ألفًا، وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة. الرابع: قلبها ألفا، وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة. الخامس: إثبات الياء محركة بالفتخ. وإلى هذه الأوجه أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيا … كعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا ويزاد وجه سادس، وهو ضم الاسم بعد حذف الياء، اكتفاء بنية الإضافة. (إنها بدعة) أي إن القنوت في الفجر بدعة .. والمراد الدوام عليه من غير سبب، كما تقدم. وأنت الضمير باعتبار الخبر. قاله السندي رحمه الله تعالى. يعني أن حقه كان أن يقول: إنه بدعة، وإنما أنثه لكون خبر "إنّ" مؤنثا، وهو قوله: "بدعة". يعني أن القنوت في صلاة الصبح دائما بدعة، لم يفعله النبي ﷺ ، ولا الخلفاء الراشدون ﵃. والحديث دليل على أن القنوت محدث، وهو محمول على القنوت المستمرّ في الصبح، كما هو مذهب الشافعي، وطائفة، لا على نفي القنوت على الإطلاق، لثبوت ذلك في أحاديث الصحابة الآخرين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٢٢/ ١٠٧٩ - وفي "الكبرى" -٣٠/ ٦٦٧ - عن قتيبة، عن خَلَف بن خَلِيفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) في "الصلاة" عن أحمد بن مَنيع، عن يزيد بن هارون، وعن صالح بن عبد الله، عن أبي عَوَانَة، عن أبي مالك به.

стр. 8319

و (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن أبي مالك به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٧٢ و ٦/ ٣٩٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو ترك القنوت، والمراد أنه تُرك بعد ما شُرع لعلة؛ لأجل زوالها، فإذا وجدت العلة يُقنَتُ، كما هو رأي جمهور أهل العلم. قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى بعد إخراج هذا الحديث: ما نصّه: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وقال سفيان الثوري: إن قنت في الفجر، فحسن، وإن لم يقنُت فحسنٌ، واختار أن لا يقنت، ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى ج ٢ ص ٢٥٠. وقد تقدم تحقيق هذا، فلا تغفل. (ومنها): أن والد أبي مالك صحابي صلى خلف رسول الله ﷺ (ومنها): أن عليا ﵁ كان سكن الكوفة خمس سنين. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٣ - (بَاب تَبْريد الْحَصَى لِلسُّجُودِ عَلَيهِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز تبريد الحصى لأجل السجود عليه عند اشتداد الحر، أو البرد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التبريد": مصدر برّد يبرّد: إذا جعله باردا، وتضعيفه للمبالغة. قال الفيومي رحمه الله تعالى: وبَرُدَ الشيءُ بُرُودَةً، مثلُ سهُلَ سِهُولةً: إذا سَكَنَت حَرَارته، وأما بَرَدَ من باب قَتَلَ، فيستعمل لازما، ومتعدّيًا، يقال: بَرَدَ الماءُ، وبَرَدْتُهُ، فهو باردٌ، ومَبْرُودٌ، وهذه العبارة تكون من كل ثلاثي، يكون لازما ومتعدّيًا، قال الشاعر: [من الطويل] وَعَطِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكَابِ فَإِنهَّا … سَتَبْرُدُ أكْبَادًا وَتُبكِي بَوَاكِيَا

стр. 8320

وبَرَّدْتُهُ بالتثقيل مِبَالَغَةٌ. انتهى "المصباح" ص ٤٢ - ٤٣. و"الحَصَى" -بفتح المهملتين-: صغار الحجارة، الواحدة: حَصَاة، وجمعه: حَصيَاتٌ، وحُصِيٌّ -بضم الحاء، وكسرها، وكسر الصاد، وتشديد الياء. أفاده في "ق" ص ١٦٤٥. و"السجود": مصدر سَجَدَ: إذا خَضَعَ، وانتصب، ضِدٌّ. قاله في "ق". والأول هو المراد هنا. وقال الفيومي: سَجَدَ سُجُودًا: تطامَنَ -أي انحنى- وكلُّ شيء ذلَّ، فقد سجد. وسجد: انتصبَ في لغة طيّء. وسجد البعير: خَفَضَ رأسه عند ركوبه، وسجد الرجل: وضع جبهته بالأرض. والسجود لله تعالى في الشرع: عبارة عن هيئة مخصوصة. انتهى. "المصباح" ص ٢٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٠٨١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَآخُذُ قَبْضَةً مِنْ حَصًى فِي كَفِّي، أُبَرِّدُهُ، ثُمَّ أُحَوِّلُهُ فِي كَفِّي الآخَرِ، فَإِذَا سَجَدْتُ وَضَعْتُهُ لِجَبْهَتِي). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) تقدم في الذي قبله. ٢ - (عباد) بن عباد بن حبيب بن المُهَلَّب بن أبي صُفرة الأزدي العَتَكي، أبو معاوية البصري، ثقة ربما وهم [٧]. روى عن عاصم الأحول، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعي، وهشام بن عروة، وعبد الله، وعبيد الله ابني عمر بن حفص، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، وغيرهم. قال الأثرم، عن أحمد: ليس به بأس، وكان رجلًا عاقلًا أديبًا. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: عباد بن عباد، وعباد بن العوَّام جميعا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما، وأكثرهما حديثا. وقال يعقوب بن شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق، لا بأس به، قيل: يُحتَجّ بحديثه؟ قال: لا. وقال الترمذي عن قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف: مالكا، والليث، وعبد الوهاب الثقفي، وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين. وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غلط، وقال في موضع آخر: كان معروفا بالطلب، حسن الهيئة، ولم يكن بالقويّ في الحديث، وتوفي سنة (١٨١) وزاد أبو جعفر بن جرير الطبريّ "في رجب" قال: وكان ثقة غير أنه كان يَغلَطُ أحيانًا. وقال البخاري: قال سليمان بن حرب: مات

стр. 8321

قبل حماد بن زيد بستة أشهر. وقال إبراهيم بن زياد سبلان: مات سنة (١٨٠) قال البخاري: وهذا أشبه. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجلي، والعقيلي، وأبو أحمد المروزي، وابن قتيبة، وأورد ابن الجوزي في "الموضوعات" حديث أنس ﵁: "إذا بلغ العبد أربعين سنة". . . من طريق عباد هذا، فنسبه إلى الموضع، وأفحش القول فيه، فوهم وَهَمَّا شَنِيعَّا، فإنه التبس عليه براو آخر. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد تعقبت كلامه في "الخصال المكفرة". انتهى". أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط. ٣ - (محمَّد بن عمرو) بن علقمة بن وَقَّاص الليثي المدني، صدوق له أوهام [٦]، ت سنة ١٤٥ (ع) تقدم ١٦/ ١٧. ٤ - (سعيد بن الحارث) بن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى، ويقال: ابن أبي المعلى الأنصاري المدني، القاصّ، ثقة [٣]. روى عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن حسين. وعنه محمَّد بن عمرو بن علقمة، وعُمارة بن غَزِيّة، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. قال ابن معين: مشهور. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقاة، وأنهم من رجال الجماعة، وأنهم مدنيون، غير شيخه، فبغلاني، وعباد، فبصري (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله ﵄ أحد المكثرين السبعة، روى -١٥٤٠ - حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الظهر) ولفظ أبي داود: "كنت أصلي مع رسول الله ﷺ ". . . (فآخذ) بمد الهمزة، وأصله "أَأْخُذ"، فأبدلت الهمزة الثانية ألفا، لاجتماعها مع همزة المضارع ساكنة، كما قال في "الخلاصة": وَمَدَّا ابْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَينِ مِنْ … كِلْمَةٍ انِ يَشكُنْ كَآثِرْ وَاائْتَمِنْ

стр. 8322

(قبضة) بفتح القاف، وضمها، لغتان، يقال: قَبَضْتُ الشيءَ قَبْضًا: إذا أخذته، وهو في قَبْضَتِه: أي في ملكه، وقَبَضْتُ قَبْضَةً من تَمْرٍ بفتح القاف، والضمُّ لُغَةٌ. قاله في "المصباح" ص ٤٨٨. وقال ابن منظور ﵀: و"القُبْضَة" بالضم: ما قَبَضتَ عليه من شيء، يقال: أعطاني قُبْضَةً من سَوِيقٍ، أو تَمْرٍ: أي كَفّا منه، وربما جاء بالفتح. انتهى المقصود من كلام ابن منظور. "لسان العرب" ج ٥ ص ٣٥١٢. والمراد بالقبضة هنا المأخوذُ بكفه، وانتصابه على أنه مفعول به لـ"ـأخذت". (من حَصًى) بيان للقبضة متعلق بمحذوف صفةٍ لـ"ـقبضةَ"، أي قبضةٍ كائنْةٍ من حصى (في كفي) متعلق بـ"أخذت". (أبرده) من التبريد، كما تقدم ضبطه، وذكر ضميره لكونه بمعنى المقبوض، والجملة في محل نصب حال، أي حال كوني أبرّد الحصى المقبوض (ثم أحوله في كفي الآخر) من التحويل، أي أجعله في كفي الآخر، ليصيبه بردة كفه (فإذا سجدت وضعته لجبهتي) أي إذا أردت السجود أضعه على الأرض، لأجل أن أضع عليه جبهتي، حتى لا تصيبها حرارة الأرض. ولفظ أبي داود: "فآخذ قبضة من الحصى، لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليها، لشدة الحر". وفيه أن مثل هذا العمل لا ينافي صحة الصلاة. والظاهر أنهم كانوا يصلون الظهر في أول وقتها. قال الحافظ ﵀ في "الفتح": ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد يعارضه، فمن قال: الإبراد رخصة، فلا إشكال، ومن قال: سنة، فإما أن يقول: إن التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول: منسوخ بالأمر بالإبراد. وأحسن منهما أن يقال: إن شدة الحرّ قد توجد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه قد يستمرّ حره بعد الإبراد، ويكون فائدة الإبراد وجود ظل يُمشَى فيه إلى المسجد، أو يصلى فيه في المسجد. أشار إلى هذا الجمع القرطبي، ثم ابن دقيق العيد. وهو أولى من دعوى تعارض الحديثين. انتهى "فتح " ج ٢ ص ٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 8323

حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٢٣/ ١٠٨١ - وفي "الكبرى" -٣١/ ٦٦٨ - عن قتيبة، عن عباد بن عباد، عن محمَّد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في "الصلاة" عن أحمد بن حنبل، ومسدد، كلاهما عن عباد به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٢٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز تبريد الحصى لأجل السجود عليه (ومنها): المبادرة بأداء صلاة الظهر، ولا ينتظر حتى يبرد الحصى ونحوه، لأن ذلك ربما يؤدي إلى تفويتها، ولا يتعارض هذا مع الأمر بالإبراد؛ لأن ذلك المراد منه الانتظار حتى يخف حرها، ويظهرَ للشمس ظل يستظل به، لا أن تؤخر بالكلية (ومنها): مشروعية دفع الضرر حال الصلاة بما هو أجنبي عنها (ومنها): أن مثل هذا العمل يعدّ قليلًا، لا ينافي الصلاة (ومنها): الاهتمام بأداء الصلاة ولو مع المشقة (ومنها): مراعاة ما يؤدي إلى الخشوع في الصلاة (ومنها): ما قيل: إن قول الصحابي: "كنا نفعل كذا" من قبيل المرفوع، لكن هذا فيه ما هو أقوى من ذلك، وذلك أنه كان يصلي وراء النبي ﷺ ، وقد صح عنه ﷺ أنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، فلا يخفى عليه ما يفعله أصحابه في صلاتهم، فكونه مرفوعًا من هذا الوجه، أقوى من كونه مرفوعًا من مجرد صيغة "كنا نفعل"، وإن كان ذلك وجها صحيحا أيضًا. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٤ - (بَابُ التكْبِيرِ لِلسُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعية التكبير لأجل السجود. ١٠٨٢ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَكَانَ

стр. 8324

إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، فَقَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا قَالَ كَلِمَةً -يَعْنِي صَلَاةَ مُحَمَّد ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٦٠/ ٧٥. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي الجَهْضَمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه [٨]، تقدم ٣/ ٣. ٣ - (غَيْلان بن جَرِير) الْمِعْوَلي، الأزدي البصري، ثقة [٥]. روى عن أنس بن مالك، وأبي قيس زِيَاد بن رَبَاح، ومطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وغيرهم. وعنه موسى بن أبي عائشة، وأيوب، وجرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٢٩) ونسبه ضَبِّيًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: بصري ثقة. أخرج له الجماعة، وتقدم في ٣/ ٣. ٤ - (مُطَرِّف) بن عبد الله بن الشِّخِّير العامري الحَرَشِى، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل [٢]، تقدم ٥٣/ ٦٧. ٥ - (عِمْرَان بن حُصَين) بن عُبَيد بن خَلَف الخُزَاعي، أبو نُجَيد الصحابي ابن الصحابي ﵄، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلا، وقضى بالكوفة، مات سنة (٥٢) بالبصرة، تقدم ٢٠١/ ٣٢١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجمال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن مطرف) بن عبد الله، أنه (قال: صليت أنا) أَتَى بضمير الفصل ليعطف عليه قوله (وعمران بن حصين) كما قال ابن مالك في "خلاصته": وَإن عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِل … عَطَفْتَ فَافْصِل بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ (خلف علي بن أبي طالب) ﵁، والظرف متعلق بـ"صليت" قيل: يستدل به على أن موقف الاثنين يكون خلف الإمام، خلافا لمن قال: يجعل

стр. 8325

أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه أنه لم يكن معهما غيرهما. وفي رواية البخاري، من طريق أبي العلاء يزيد بن عبد الله، أخي مطرف بن عبد الله، عن مطرف، عن عمران ﵁، أنه صلى مع علي ﵁ بالبصرة. . . فبَيَّنَ مكان الصلاة أنه كان بالبصرة، وكذا رواه سعيد بن منصوو من رواية حُمَيد بن هلال، عن عمران، ووقع لأحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن غيلان "بالكوفة"، وكذا لعبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، وغير واحد، عن مطرف. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيحتمل أن يكون ذلك وقع منه بالبلدين. انتهى. (فكان) أي علي ﵁ (إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وإذا نهض من الركعتين) من باب قَعَدَ: أي قام. يعني أنه إذا شرع في القيام من الركعتين (كبر) هكذا فَصَّلَ في هذه الرواية مواضع الرفع بذكر السجود، والرفع منه، والنهوض من الركعتين فقط، ففيه إشعار بأن هذه المواضع الثلاثة هي التىِ كان تُركَ الرفعُ فيها، حتى تذكرها عمران بصلاة علي ﵄. وسيأتي -١/ ١١٨٠ - من طريق يحيي بن سعيد بصيغة العموم، ولفظه: "فكان يكبر في كل خفض، ورفع، يتم التكبير". (فلما قضى صلاته) أي سلم علي رضي الله تعالى عنه من صلاته (أخذ عمران) بن حُصَين ﵄ (بيدي) إنما أخذ بيده تنبيها له على ما سيلقيه إليه (فقال: لقد ذكرني هذا) يريد عليا ﵁. وفيه إشارة إلى أن تكبير الانتقالات كانت مهجورة عند بعض الأئمة في ذلك الوقت (قال كلمة يعني صلاة محمَّد ﷺ ) العناية من بعض الرواة، حيث شك في لفظ: "صلاة محمَّد ﷺ ". أي قال كلمة، معناها: "صلاة محمَّد ﷺ ". والحاصل أن بعض الرواة شك في لفظ المفعول الثاني لـ"ذَكَّرَ"، فأتى بـ"يعني". وأشار في "الفتح" إلى أن الشك يحتمل أن يكون من حماد؛ لأنه رواه أحمد من رواية سعيد بن أبي عروبة بلفظ: "صلى بنا هذا صلاة رسول الله ﷺ " ولم يشك، وفي رواية قتادة عن مطرف، قال عمران: "ما صليت منذ حين، أو منذ كذا وكذا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذه الصلاة". قال الجامع عفا الله عنه: كون الشك من حماد غير صحيح؛ لأنه سيأتي للمصنف من طريق يحيى بن سعيد القطان بدون شك. والله أعلم. قال ابن بطال: تَرْكُ النكير على من ترك التكبير يدلّ على أن السلف لم يتلقوه على أنه ركن من الصلاة.

стр. 8326

وأشار الطحاوي إلى أن الإجماع استقرّ على أن من تركه، فصلاته تامة. قال في "الفتح": وفيه نظر، لما تقدم عن أحمد، والخلاف في بطلان الصلاة بتركه ثابت في مذهب مالك، إلا أن يريد إجماعا سابقا. انتهى جـ ٢ ص ٥٢٤. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإجماع هنا غير صحيحة، فإن بعض أهل العلم يرى البطلان، كما أوضحه صاحب "الفتح" آنفًا، وهو المذهب الراجح، لأن تكبير الانتقالات من جملة ما علمه النبي ﷺ للمسيء صلاته، وقد تقدم أن كل ما كان في ذلك التعليم فإنه من واجبات الصلاة التي لا تتم إلا بها، فثبت بطلان الصلاة بذلك النص، وقد قدمت تمام البحث في هذا في محله، فتأمل بفهم رشيد، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومتمسك العنيد. واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث على مشروعية التكبير للسجود واضح. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمران بن حصين ﵄ هذا متفق عليه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٢٤/ ١٠٨٢ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٩٦٦ - عن يحيي بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف، عنه. وفي -١/ ١١٨٠ - ٣٧/ ١١٠٣ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن حماد به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في "الصلاة" عن إسحاق الواسطي، عن خالد الطحان، عن الجُرَيري، عن أبي العلاء، يزيد بن عبد الله أخي مطرف، عن مطرف، عنه. وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد به. وعن سليمان بن حرب، عن حماد به. (م) فيه عن يحيي بن يحيي، وخلف بن هشام، كلاهما عن حماد به. (د) فيه عن سليمان بن حرب به. (أحمد) ٤/ ٤٢٨ و ٤٣٢ و ٤٤٠ و ٤٤٤. (ابن خزيمة) رقم ٥٨١. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده:

стр. 8327

(منها): ما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعية التكبير للسجود، وقد تقدم أنه من واجبات الصلاة (ومنها): أن بعض الأئمة في عهد السلف كانوا قد ضيعوا بعض الأفعال التي ثبتت عن رسول الله ﷺ ، تأولا، أو جهلا (ومنها): بيان فضل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حيث كان يحفظ سنة رسول الله ﷺ ، ويعمل بها، ويحييها، في وقت تركها فيه كثير من الناس، حتى كان بعضهم ينكر ذلك، لخفائه عليه، لقلة من يعمل به. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٨٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄ يَفْعَلَانِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصري، ثقة حافظ [١٠]، تقدم ٤/ ٤. ٢ - (معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان العَنْبَري، أبو المثنّى البصري القاضي، ثقة متقن، من كبار [٩]، تقدم ٣٤/ ٣٨. ٣ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] تقدم ٤/ ٤. ٤ - (زِهَير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خَيثمَة الجُعْفي الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأَخَرَةٍ [٧]، تقدم ٣٨/ ٤٢. ٥ - (أبو إسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره، وكان يدلس [٣]، تقدم ٣٨/ ٤٢. ٦ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، ثقة [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢. ٧ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفى، ثقة ثبت فقيه عابد [٢]، تقدم ٦١/ ٧٧. ٨ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢]، تقدم ٢٩/ ٣٣. ٩ - (عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف ﵀ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، ويحيى، ومعاذا، فبصريون (ومنها): أن

стр. 8328

شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة كُلِّهِم، الذين يروون عنهم بلا واسطة (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع) زاد في الرواية الآتية -١٧٣/ ١١٤٢ - من طريق الفضل بن دُكَين، ويحيى بن آدم، كلاهما عن زهير: "وقيام، وقعود". والمعنى أنه ﷺ كان يكبر في كل انتقالاته. وهذا باعتبار الغالب؛ لأنه لا تكبير في الرفع عن الركوع، وإنما هو التسميع، والتحميد. وفيه دليل علي مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، سوى الرفع من الركوع، فيقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد". قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى بعد إخراج حديث ابن مسعود ﵁ هذا: ما نصّه: والعمل على هذا عند أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء. انتهى كلام الترمذي. جـ ١ ص ١٦٠. وقال قوم: لا يشرع التكبير إلا للإحرام فقط، وقال آخرون: ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة، وترجيح الراجح منها بدليله في -٨٤/ ١٠٢٣ - فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (ويسلم عن يمينه، وعن يساره) ولفظ الرواية المذكورة: "ويسلم عن يمينه، وعن شماله، السلام عليكم، ورحمة الله، حتى يُرَى بياض خده"، وسيأتي البحث عن السلام في محله -٧٠/ ١٣١٩ - إن شاء الله تعالى. (وكان أبو بكر وعمر ﵄ يفعلانه) أي يفعلان ما ذكر من التكبير في كل خفض، ورفع، ومن التسليم عن اليمين واليسار. زاد في -١٨٠/ ١١٤٩ - من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق "عثمان" ﵁، ولفظه: "كان رسول الله ﷺ يكبر في كل رفع ووضع، وقيام وقعود، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 8329

حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٢٤/ ١٠٨٣ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٦٧٥ - عن عمرو بن علي، عن معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد، كلاهما عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، كلاهما عنه. وفي -١٧٣/ ١١٤٢ - و"الكبرى" -٨٠/ ٧٢٨ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن دكين، ويحيى بن آدم، كلاهما عن زهير به. وفي ١٨٠/ ١١٤٩ - و"الكبرى" -٨٧/ ٧٣٥ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق به. وفي -٧٠/ ١٣١٩ - و"الكبرى" -١٠٤/ ١٢٤٢ - عن محمَّد بن المثنى، عن معاذ به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) في "الصلاة" عن قتيبة به. (وأحمد) ١/ ٣٨٦ و ٣٩٤ و ٤٢٦ و ٤١٨ و ٤٤٢ و ٤٤٣ (والدارمي) رقم ١٢٥٢. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها). ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية التكبير عند النزول للسجود، وكذا في جميع الانتقالات، ما عدا الرفع من الركوع، فيُسمِّع، ويُحَمِّد (ومنها): مشروعية السلام عن اليمين واليسار، وأن هذا الفعل مما واظب عليه النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدون بعده رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٥ - (بَابٌ كيْفَ يَخِرُّ (١) لِلسُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على بيان كيفية النزول إلى الأرض لأجل السجود. ١٠٨٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ -وَهُوَ ابْنُ مَاهِكٍ-، يُحَدِّثُ، عَنْ حَكِيمٍ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَخِرَّ إِلَّا قَائِمًا).

стр. 8330

رجال هذا الإسناد. ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري البصري، ثقة [١٠]، تقدم ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الناقد الثبت الحجة [٧] تقدم ٢٤/ ٤٦. ٤ - (أبو بِشْر) بن أبي وَحْشِيَّة جعفر بن إياس البصري، ثقة ثبت [٥]، تقدم ١٣/ ٥٢٠. ٥ - (يوسف بن ماهك) -بفتح الهاء- بن بُهزاد- بضم الموحدة، وسكون الهاء، بعدها زاي الفارسي المكي، مولى قريش، وقيل: لم يكن له ولاء ينتمي إليه، وقيل: إنه يوسف بن مِهْران، والصحيح أنه غيره، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وأبي هريرة، وعائشة، وحكيم بن حِزَام، وغيرهم. وعنه عطاء بن أبي رباح، وأبو بشر، وابن جريج، وأيوب، وغيرهم. قال ابن معين والنسائى؛ ثقة. وقال ابن خراش: ثقة عدل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٠٣) قال الحافظ المزِّي: وأراه وَهمّا. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة عشر. وقال الواقدي، وخليفة، وجماعة: مات سنة (١١٣). وقيل: سنة (١١٤) قاله ابن سعد، وزاد: وكان ثقة قليل الحديث. انتهى. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وحديث رقم (٤٦١٣). ٦ - (حكيم) بن حِزَام بن خُوَيلِد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ بن كلاب القرشي الأسدي، أبو خالد المكي، وأمه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى، وعمته خديجة بنت خُويلد زوج النبي ﷺ . روى عن النبي ﷺ . وعنه الله حزام، وابن أخيه الضحاك بن عبد الله بن خالد، وسعيد بن المسيب، وعروة، وغيرهم. قال ابن البَرْقي: أسلم يوم الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم. وقال البخاري: عاش في الإسلام ستين سنة، وفي الجاهلية ستين سنة. قاله ابن المنذر. وقال موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: سمعت حكيم بن حزام يقول: وُلِدتُ قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه عبد الله. وحكى الزبير ابن بَكّار أن حكيم بن حزام وُلِدَ في جوف الكعبة، وذلك أن أمه دخلت الكعبة في نسوة من قريش، فضربها المخاض، فأتيت بنطْع، فولدت حكيما على النطع. قال: وكان من سادات قريش في الجاهلية والإِسلام، وقال عراك بن مالك: إن حكيم بن حزام قال: كان محمَّد أحب رجل من الناس إليّ في الجاهلية. . .الحديث. ورُوي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ ليلة قربه من مكة في غزوة الفتح: "إن بمكة لأربعة نفر من قريش، أربأبهم عن الشرك، وأرغب لهم في الإسلام"

стр. 8331

قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو" وإسناده ضعيف. وقال هشام بن عروة، عن أبيه: إن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء أسلموا، وبايعوا، فبعثهم رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، يدعونهم إلى الإسلام. وبه قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن". وقال الزبير عن عمه مصعب: قال: جاء الإسلام، وفي يد حكيم الوفادة، وكان يفعل المعروف، يصل الرحم، ويحض على البرّ، قال: وجاء الإسلام، ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها من معاوية بعدُ بمائة ألف درهم، فقال له الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى، اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدكم أني قد جعلتها في سبيل الله -يعني الدراهم-. وقال أبو القاسم البغوي: كان عالما بالنسب، وكان يقال: أخذ النسب عن أبي بكر، وكان أبو بكر أنسب قريش. وقال إبراهيم بن المنذر، وخليفة، وغيرهما: مات سنة (٥٤) وكذا قال يحيي بن بكير، قال: وقيل: سنة (٥٨) وقال البخاري وغيره: مات سنة (٦٠) وقيل: غير ذلك. وصحح ابن حبان الأول، وقال: قيل: مات سنة (٥٠). انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، غير شيخه، فإنه من أفراده (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير يوسف، فمكي، وحزاما فمدني (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن حكيم) بن حزام رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: بايعت رسول الله ﷺ ) أي عاهدته، وعاقدته. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: المبايعة عبارة عن المعاقدة، والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلَة أمره. انتهى "النهاية" ج ١ ص١٧٤. (أن لا أخر) بكسر الخاء، وضمها، يقال: خرّ يَخِرُّ، بالكسر، ويخُرّ بالضم: إذا سقط، أو هو السقوط من علو إلى سُفْل. أفاده في "ق". أي لا أسقط إلى السجود (إلا قائما) أي أرجع من الركوع إلى القيام، ثم أخرّ منه إلى السجود، ولا أخرّ من الركوع إليه. وهذا هو المعنى الذي فهمه المصنف رحمه الله

стр. 8332

تعالى من الحديث. وقيل في معنى الحديث غير ذلك، قال السيوطي رحمه الله تعالى: قال في "النهاية": معناه: لا أموت إلا متمسكا بالإِسلام، ثابتا عليه، يقال: قام فلان على الشيء: إذا ثبت عليه، وتمسك به. وقيل: معناه: لا أقع في شيء من تجارتي وأموري إلا قمت به منتصبا له. وقيل: معناه: لا أَغْبِنُ، ولا أُغْبَنُ. قال السيوطي: وهذه الأقوال خارجة عما جنح إليه المصنف، حيث ترجم على الحديث [باب كيف يخر للسجود]. انتهى "زهر الربى" ج ٢ ص ٢٠٩. وقال السندي رحمه الله تعالى: وقيل: معناه: لا أموت إلا ثابتا على الإسلام، فهو مثل: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وذكر ما تقدم، ثم قال: وبالجملة فالحديث مما أشكل على الناس فهمه، وما أشار إليه المصنف في معناه أحسن. والله أعلم. انتهى شرح السندي ج ٢ ص ٢٠٥ - ٢٠٦. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه هذا حديث صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول أحد غيره، أخرجه في هذا الباب -١٢٥/ ١٠٨٤ - وفي "الكبرى" -٣٣/ ٦٧١ - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد) جـ ٣/ ص ٤٠٢. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٦ - (بَابُ رَفع الْيَدَيْنِ للسُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية رفع اليدين لأجل السجود. ١٠٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَإِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ).

стр. 8333

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِي البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠. ٢ - (ابن أبي عدي) محمَّد بن إبراهيم بن أبي عدي، نسب لجده، أبو عمرو البصري، ثقة [٩]، تقدم ١٢٢/ ١٧٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج تقدم في السند السابق. [تنبيه]: وقع في "الكبرى" هنا "سعيد" بدل "شعبة"، وهو سعيد بن أبي عروبة، وهكذا أخرج الحديث ابن حزم في "المحلى" جـ ٤ ص -٩٢ - من طريق المصنف، ورجح المحقق أحمد محمد شاكر فيما كتبه على "المحلى" كونه "سعيدا" بدل "شعبة"، وادعى أن ما في "المجتبى" تصحيف، ولكنه لم يقم على دعواه حجة مقبولة. قلت: الذي في "المجتبى" هو الذي ذكره الحافظ أبو الحجاج المزِّيّ في "تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٣٣٨ - والذي يترجح عندي أنه لا تصحيف، بل الروايتان صحيحتان، إذ يمكن أن يحمل على أن ابن أبي عدي رواه عن شعبة، وسعيد، كليهما. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤ - (قتادة) بن دعَامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت مدلس [٤]، تقدم ٣٠/ ٣٤. ٥ - (نصر بن عاصم) الليثي البصري، ثقة رمى برأي الخوارج، وصح رجوعه عنه [٣] تقدم ٤/ ٨٨٠. ٦ - (مالك بن الحويرث) أبو سليمان الليثي الصحابي البصري، ﵁، تقدم ٧/ ٦٣٤. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث مالك بن الحويرث ﵁ هذا حديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في -٤/ ٨٨٠ - حيث أورده المصنف رحمه الله تعالى هناك محتجا به على رفع اليدين حِيَالَ الأذنين، رواه عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد الهُجَيمي، عن شعبة، ورواه -٨٨١ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيّة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وفي -٨٥/ ١٠٢٤ - عن علي بن حجر، عن ابن علية به. وليس في هذه الطرق ذكر الرفع في السجود، وإنما هو في حديث شعبة من رواية ابن أبي عدي عنه، وحديث سعيد بن أبي عروبة، من رواية عبد الأعلى عنه، وحديث هشام الدستوائي، عن قتادة، من رواية ابنه معاذ عنه، وهذه

стр. 8334

الروايات هي التي أخرجها في هذا الباب مستدلا بها على مشروعية رفع اليدين في السجود، وفي الرفع منه. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فذهب الجمهوو إلى عدم مشروعية الرفع في السجود، ولا في الرفع منه، وذهبت طائفة إلى مشروعيته. فقد رَوَى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس ﵁، أنه كان يرفع يديه بين السجدتين. وعن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى. وعن ابن علية، عن أيوب، قال: رأيت نافعا، وطاوسا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وعن يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن، وابن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وعن ابن علية، أنه رأى أيوب يفعله. انتهى كلام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في "مصنفه" جـ ١ ص ٢٧١. قال النووي رحمه الله تعالى بعد ذكر مذهب الجمهور: ما نصه: وقال أبو بكر بن المنذر، وأبو علي الطبري من أصحابنا، وبعض أهل الحديث: يستحب أيضا في السجود. انتهى. وقال الحافظ رحمه الله تعالى بعد ذكره أن الرفع في السجود خلاف ما عليه الجمهور: ما نصه: وأغرب الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، فنقل الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواطن الثلاثة، -يعني الإحرام، والركوع، والرفع منه- وتعقب بصحة ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وطاوس، ونافع، وعطاء، كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيد قوية، وقد قال به من الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو علي الطبري، والبيهقي، والبغوي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وهو شاذ. وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود ما رواه النسائي من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: "أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه". وقد أخرج مسلم بهذا الإسناد طرفه الأخير.

стр. 8335

قال: ولم ينفرد به سعيد، فقد تابعه همام عن قتادة، عند أبي عوانة في "صحيحه". وفي الباب عن جماعة من الصحابة لا يخلو شيء منها عن مقال. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أنه تابع سعيدا أيضا عند المصنف هشام الدستوائي، وشعبة كلاهما عن قتادة، كما هو رواية "المجتبى". فتلخص من هذا أن حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه بزيادة الرفع في السجود صحيح، فمن ادعى ضعفه بشذوذ أو غيره، فقد جازف، وقال بغير برهان. وقد صح أيضا ما يؤيده من حديث أنس ﵁، فقد روى ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنفه" جـ ١ ص ٢٣٥ - فقال: حدثنا الثقفي، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود. وهذا إسناد صحيح.، فالثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقة من رجال الجماعة، وحميد هو الطويل. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" من طريق ابن أبي شيبة جـ ٤ ص ٩٢. والحاصل أن قوله من قال باستحباب رفع اليدين في السجود هو الراجح، لصحة دليله، ولكن مثل هذه السنة يعمل بها أحيانا، لأن أحاديث النفي، صحيحة أيضا، فيجمع بينها وبين أحاديث الإثبات بحمل أنه ﷺ فعل ذلك أحيانا، فبهذا تجتمع أحاديث الباب، ويمكن العمل بكلها، من غير تفريط، ولا إفراط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٠٨٦ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدموا في السند الماضي، غير اثنين: ١ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة [٨]، تقدم ٢٠/ ٣٨٦. ٢ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهرَان، أبو النضر البصري، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦] تقدم ٣٤/ ٣٨. والكلام على الحديث تقدم في الذي قبله. و (قوله): "فذكر مثله" الضمير المستتر في "ذكر" يعود إلى عبد الأعلى، والضمير
следующие страницы →