← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

٦ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان، صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء وأن شيخيه، وابن القاسم مصريون، والباقون مدنيون (ومنها): أنه مسلسل بالفقهاء (ومنها): أن فيه قوله: "وأنا أسمع" وقد تقدم في مقدمة هذا الشرح بيان سبب هذا، وذلك أن المصنف ﵀ كان بينه وبين شيخه الحارث بن مسكين ﵀ منافرة، فمنعه من حضور مجلس تحديثه، فكان يسمع قراءة القارئ عليه وراء الجدار، فكان عند الأداء يبين كيفية تحمله، ورعا واحتياطا (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له"، يعني اللفظ المذكور للحارث بن مسكين، وأما محمَّد بن سلمة، فروايته بالمعنى، وقد تقدم البحث في هذا مستوفىً في أوائل هذا الشرح، وإنما أعدته تذكيرا، كسابقه (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضِهِم عن بعض، يزيد، ومحمد، وأبو سلمة (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: بصرت) بفتح الباء الموحدة، وضم الصاد المهملة، وقد تكسر، يقال: بَصُرَ به، ككَرُم، وفَرِحَ، بَصَرًا وبَصَارَةً بالفتح، ويكسر: صار مُبصِرًا. قاله المجد. وقال الفيومي ﵀: يقال: أبصرته برؤية العين، إبصارًا، وبَصُرْتُ بالشيء بالضم، والكسرُ لغةٌ، بَصَرًا، بفتحتين: علمت، فأنا بصير به، يتعدى بالباء في اللغة الفُصْحَى، وقد يتعدى بنفسه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وما هنا مما تعدى بنفسه، لكونه نصب "رسول الله". وفي النسخة الهندية: "فبصرت عيناي"، بالفاء، وهو صحيح أيضًا، فإن الحديث مختصر، كما سينبه عليه المصنف في الآخر. وسيأتي للمصنف مطولًا في ١٣٥٦ - لكن بلفظ: "فنظرت إليه". . . وقد ساقه البخاري ﵀ في "صحيحه" بلفظ قريب من لفظ الباب، فقال في [كتاب الاعتكاف]: حدثني إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري

стр. 8367

- ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يَخرُج من صبيحتها من اعتكافه، قال: "من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُرِيت هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر"، فمَطَرَت السماءُ تلك الليلةَ، وكان المسجد على عَرِيش، فوَكَفَ المسجد، فبَصُرَت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين. انتهى. (عيناي) فاعل "بصرت" مرفوع بالألف؛ لأنه مثنى مضاف إلى ياء المتكلم، ولا تقلب ألفه ياء لأن ألف التثنية لا تبدل، كما قال ابن مالك ﵀: وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقصُورِ عَنْ … هُذيْلٍ انقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ (رسول الله ﷺ ) بالنصب مفعول "بصرت" (على جبينه، وأنفه أثر الماء والطين) الجار والمجرور خبر مقدم، و"أثر" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال من "رسول الله". قال السندي ﵀: أشار به إلى أن المراد بالوجه في أعضاء السجدة الجبينُ والأنفُ، فذكر هذا الحديث تفسيرا للحديث السابق. (من صبح ليلة إحدى وعشرين) "من" بمعنى "في"، أي في صبح ليلة إحدى وعشرين من رمضان. والجار والمجرور متعلق بـ"بصرتْ"، أو بمحذوف خبرٍ لمبتدإ مقدر، أي وذلك كائن من صبح الخ. وفي بعض النسخ: "صبيحة"، وهو منصوب على الظرفية. (مختصر) بالرفع خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث أبي سعيد الطويل في الكلام على ليلة القدر، اختصره هنا على محل الاستدلال على أن السجود يكون على الجبين. وسيأتي مطولًا -٩٨/ ١٣٥٦ - إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. وسيأتي شرحه مستوفيً، وكذا بيان مسائله بالرقم المذكور. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8368

١٣٣ - (السُّجُودُ عَلَى الأَنْفِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بالسجود على الأنف. و"الأنف": الْمَعْطِسُ، والجمع آناف، على أفعال، وأُنُوف، وآنُفٌ، مثلُ فُلُوس، وأَفْلُسِ. قاله في "المصباح". ١٠٩٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفَّ الشَّعْرَ، وَلَا الثِّيَابَ، الْجَبْهَةِ وَالأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [١٠] تقدم ٣٥/ ٣٩. ٢ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفي، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ١/ ٤٤٩. ٣ - (الحارث بن مسكين) تقدم في الباب الماضي. ٤ - (ابن وهب) عبد الله القرشي مولاهم، أبو محمَّد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٦٣/ ٧٩. ٥ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢. ٦ - (عبد الله بن طاوس) أبو محمَّد اليماني، ثقة فاضل عابد [٦] تقدم ٤٩/ ٩٥٨. والباقيان تقدما قبل بابين، والحديث متفق عليه، وشرحه والمسائل المتعلقة به تقدمت هناك. قوله: "لا أكف الشعر، ولا الثياب" هكذا بدون واو العطف، و"لا" نافية، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "أسجد" أي حال كوني غير كاف الشعر والثياب. أو معترضة بين المجمل، وهو "سبعة" والتفسير، وهو "الجبهة" الخ. وفي "الكبرى" "لا أكفت الشعر، ولا الثياب" من الكَفْت، والكفت والكف بمعنى واحد، وهو الجمع والضم. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: آية ٢٥]. أي تجمع الناس في حياتهم، وموتهم. قاله العيني رحمه الله تعالى (١).

стр. 8369

وقوله: "الجبهة" بالجر عطف بيان، أو بدل لقوله: "سبعة"، وما بعدها عطف عليها. ويحتمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني الجبهة. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله. عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٤ - (السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على الأمر بالسجود على اليدين. ١٠٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى الأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن منصور النسائي) أبو سعيد، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (المُعَلّى بن أسد) بضم الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد اللام المفتوحة- العَمَّيّ -بفتح المهملة، وتشديد الميم- أبو الهَيْثَم البصري الحافظ، أخو بَهْز، ثقة ثبت، من كبار [١٠]. روى عن وهيب، وعبد الواحد بن زياد، ويزيد بن زريع، وغيرهم. وعنه البخاري، وروى الباقون له بواسطة. قال العجلي: شيخ بصري ثقة كَيِّس، وكان معلما، وأخوه بهز أسنّ منه، وهو ثبت في الحديث، رجل صالح. وقال أبو حاتم: ثقة، ما أعلم أني عَثَرت له على خطأ غير حديث واحد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة (٢١٨). وفيها أرخه ابن قانع، والقراب. وقال خليفة: مات سنة (٢١٩) وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. وقال مسعود بن الحكم: ثقة مأمون. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، فأخرج له في "القدر"، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.

стр. 8370

٣ - (وُهَيب) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلا بآخره [٧] تقدم ٢١/ ٤٢٧. والبابون تقدموا قريبا، والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، والمسائل المتعلقة به. وقوله: "على الجبهة" قد تكررت هنا كلمة "على"، ولا يجوز جعلهما متعلقين بـ"أسجد"، فقال الكرماني رحمه الله تعالى: "على" الثانية بدل من الأولى، التي هي في حكم الطرح، أو الأولى متعلقة بنحو "حاصلا"، أي أسجد على الجبهة، حال كون السجود حاصلا على سبعة أعضاء. انتهى. وقوله: "وأشار بيده على الأنف" الظاهر أن فاعل "أشار "هو النبي ﷺ . وأفاد السندي رحمه الله تعالى أن "على" بمعنى "إلى" أي أشار إلى الأنف، وما يتصل به من الجبهة، ليوافق الأحاديث السابقة. انتهى. والجملة معترضة بين المعطوف عليه، وهو "الجبهة"، والمعطوف، وهو "اليدين"، والغرض منها بيان أنهما عضو واحد، فدّل على أنه ﷺ سَوَّى بين الجبهة؛ والأنف؛ لأن عظمي الأنف يبتدئان من قرني الحاجب، وينتهيان عند الموضع الذي فيه الثنايا والرباعيات. فسقط بما ذكر سؤال من قال: المذكور في الحديث ثمانية أعظم، لا سبعة. أفاده العيني رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٥ - (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكْبَتَينِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بالسجود على الركبتين. ١٠٩٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَكِّيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ (١)، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، "أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ، وَنُهِىَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ، عَلَى يَدَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لَنَا ابْنُ طَاوُسٍ: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ، قَالَ: هَذَا وَاحِدٌ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).

стр. 8371

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّد بن منصور المكي) الخُزَاعي الجَوَّازُ، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن الزهري) البصري، صدوق، من صغار [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٨. ٣ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمَّد الكوفي، ثم المكي، الإمام الحافظ الثبت الحجة [٨] تقدم ١/ ١. والباقون تقدموا قريبًا، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، والمسائل المتعلقة به. وقوله: "على سبع" إنما ذكَّرَ العدد، مع أن المراد الأعضاء، أو الأَعْظُم، كما سبق، لكون المعدود محذوفا، إذ قاعدة العدد المشهورة في التذكير والتأنيث إنما تلزم إذا ذُكِرَ المعدود بعدها، وأما إذا قدم، أو حذف جاز الوجهان، كحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًا من شوال". . . أي ستة أيام. (وقوله: "أن يكفت) بكاف ساكنة، ثم فاء، مكسورة، أي يضم، ويجمع. يقال: كَفَتَ الشيءَ إِلَيه يَكْفِتُهُ، من باب ضرب: ضمه، وقبضه، ككفّته بتشديد الفاء. أفاده في "ق". والمعنى أنه نهُي أن يضم، ويجمع شعره، وثيابه من الانتشار عند السجود. وقوله: "على يديه" الخ بدل من قوله: "على سبع". وقوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة الراوي عن عبد الله بن طاوس. وقوله: "ووضع يديه"، وفي "الكبرى": "يده" بالإفراد، والظاهر أن فاعل "وضع" هو طاوس، أي وضع طاوس يديه على جبهته، وأمرّها، بتخفيف الميم، وتشديد الراء، من الإمرار، أي أجازها على أنفه، بيانا لمعنى الأمر بالسجود على الوجه. وقوله: "قال: هذا واحد": أي قال طاوس: هذا الذي أمررت عليه يديّ من الجبهة، والأنف، هو المأمور به في أداء السجود، فلا يتحقق الامتثال إلا بوضعه. ثم إن ما قلناه من أن فاعل "وضع" طاوس، لا ينافي ما تقدم في الباب الماضي من أن قوله: "وأشار" مرفوع، إذ يمكن أن يكون مقصود طاوس به إيضاح تفسير العدد السبعة، يكون الجبهة والأنف عضوا واحدا، بخلاف ما تقدم، فإنه إشارة، فقط. والله تعالى أعلم. وقوله: "واللفظ لمحمد"، أي لفظ الحديث المذكور لفظ شيخه محمَّد بن منصور، وأما شيخه عبد الله بن محمَّد، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8372

١٣٦ - (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بالسجود على القدمين. والمراد به وضع أطراف القدمين. على الأرض، ونصبهما. ١٠٩٩ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ (٢)، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ، سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ، وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي الإمام الحافظ الثبت الحجة الفقيه المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥ والباقون تقدموا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان متعلقاته من المسائل قبل أربعة أبواب -١٣١/ ١٠٩٤ - فراجعها هناك. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣٧ - (بَابُ نَصْبِ الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب نصب القدمين في حال السجود. وموضع الاستدلال قولها: "وقدماه منصوبتان". والله تعالى أعلم.

стр. 8373

١١٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ"). رجال هذا الإسناد. سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويهْ المروزي، نزيل نيسابور، ثقة حافظ حجة فقيه [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمَّد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار [٨] تقدم ٧/ ٣٣٩. [تنبيه]: وقع في النسخة المطبوعة: "عُبيدة" مصغرًا، وهو تصحيف فاحش، والصواب "عبدة" مكبرًا، كما في النسخة الهندية. فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٣ - (عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري، أبو عثمان المدني ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥. ٤ - (محمد بن يحيى بن حَبَّان) بن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه [٤] تقدم ٢٢/ ٢٣. ٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُزَ المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن اتفق الجماعة بالرواية لهم، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، وعبدة، فكوفي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، عبيد الله، ومحمد بن يحيي، والأعرج (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن صحابية، وكلاهما من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، أنها (قالت: فقدت رسول الله ﷺ ) أي عَدِمته، يقال: فقدته فَقْدًا، وفُقْدانا، من باب ضرب: عَدِمته (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي،

стр. 8374

قيل: "ذات" مقحَمَة للتأكيد، وقيل: من إضافة المسمى إلى الاسم (فانتهيت إليه) أي وصلت إلى الموضع الذي يصلي فيه، وفي الرواية المتقدمة -١٢٠/ ١٦٩ - من طريق أبي أُسَامة، عن عبيد الله: "فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه". . . (وهو ساجد) جملة في محل نصب على الحال من الضمير المجرور، أي والحال أنه ﷺ ساجد (وقدماه منصوبتان) جملة حالية معطوفة على الجملة الحالية. وهذا هو موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له، وهو المراد بالسجود على القدمين في الأحاديث السابقة، فكأنه رحمه الله تعالى يشرح بعض الأحاديث ببعض، فلله تعالى دَرُّه! ما أحسن ترتيبه!. وقد تقدم في "الطهارة" استدلاله به على عدم نقض الوضوء بمس المرأة الرجل، لكنه قيده بكونه بغير شهوة، وتقدم لنا أن الأولى إجراؤه على عمومه، فراجع -١٢٠/ ١٦٩. (وهو يقول) جملة حالية أيضا معطوفة على ما سبق، أي والحال أنه يقول (اللَّهم إني أعوذ برضاك من سخطك) أي أعتصم، وأتحصن متوسلا برضاك من فعل يوجب سخطك (وبمعافاتك من عقوبتك) أي أعتصم بتجاوزك فضلا منك ومنةً عن تعذيبك إياي بسبب معاصي (وبك منك) أي أعتصم بك مما يؤدي إلى عذابك من المخالفات. وقال السندي: ما حاصله: أي أعوذ بصفات جمالك عن صفات جلالك، فهذا إجمال بعد شيء من التفصيل، وتوسل بجميع صفات الجمال عن صفات الجلال، وإلا فالتعوذ من الذات مع قطع النظر عن شيء من الصفات لا يظهر. انتهى. (لا أحصي ثناء عليك) أي لا أستطيع فردا من ثنائك على شيء من نعمائك، وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حق الرب سبحانه، وتعالى (أنت كما أثنيت على نفسك) "أنت" مبتدأ، و"كما أثنيت" خبره، والكاف بمعنى "على"، و"على نفسك" متعلق بـ"أثنيت"، أي كائن على الأوصاف التي أثنيت بها على نفسك، والجملة في موضع التعليل لعدم إحصاء الثناء عليه. وقيل: "أنت" تأكيد للضمير المجرور في "عليك"، أي لا أحصي ثناء عليك، مثل ثنائك على نفسك. وإن أردت الزيادة والإيضاح فارجع إلى شرح الحديث برقم -١٢٠/ ١٦٩ تستفد. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. وقد تقدم الكلام على المسائل المتعلقة به بالرقم المذكور، فليراجع هناك. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8375

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١٣٨ - (بَابُ فَتْخ أَصَابعِ الرِّجْلَينِ فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على استحباب فَتْخ -بالخاء المعجمة- أي تليين أصابع الرجلين، حتى تتوجه نَحو القبلة. قال ابن منظور رحمه الله تعالى: وفَتَخَ الرجلُ أصابعه فَتْخًا، وفَتخَها: عَرَّضَها، وأرخاها. وقيل: فَتَخَ أصابع رجليه في جلوسه فَتخا: ثَنَاهَاو لَيَّنَهَا، قال أبو منصور: يَثْنِيها إلى ظاهر القدم، لا إلى باطنها. وفي حديث النبي ﷺ ، "أنه كان إذا سجد جافى عَضُدَيه عن جَنبَيه، وفَتَخَ أصابع رجليه". قال يحيي بن سعيد: الفَتْخُ أن يصنع هكذا: ونصب أصابعه، ثم غَمَزَ موضِعَ المفاصل منها إلى باطن الراحة، وثَنَاها إلى باطن الرجل، يعني أنه كان يفعل ذلك بأصابع رجليه في السجود. قال الأصمعي: وأصل الفَتْخ اللِّينُ ويقال لِلْبَرَاجِم إذا كان فيها لِينٌ وعِرَضٌ: إنها لَفُتْخٌ، ومنه قيل للعُقَاب: فَتْخَاءُ، وأنشد: [من الطوَيل] كَأَنِّي بِفَتخَاءِ الجَنَاحَينِ لَقوَةِ … دَفُوفٍ مِنَ الْعِقْبَانِ طَأْطَأْتُ شِمْلَالِي (١) ويقول: رجل أَفْتَخُ بَيَّنُ الْفَتَخِ: إذا كان عَرِيض الكفّ والقَدَم مع اللِّين، قال الشاعر: [من البسيط] فَتْخُ الشَّمَائِل فِي أَيْمَانهِمْ رَوَحُ انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (٢). ١١٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا

стр. 8376

أَهْوَى إِلَى الأَرْضِ، سَاجِدًا جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ إِبْطَيْهِ، وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ". مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن بشار) أبو بكر بُندار البصري ثقة حافظ [١٠] ٢٣ تقدم في ٢٧/ ٢٤. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان، أبو سعيد البصري الإمام الحافظ الحجة [٩] تقدم ٤/ ٤. ٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري المدني، صدوق رمي بالقدر [٦] تقدم ٢٦/ ٩١٤. ٤ - (محمَّد بن عطاء) هو محمَّد بن عمرو بن عطاء (١) القرشي العامري المدني، ثقة [٣] تقدم ٩٦/ ١٠٣٩. ٥ - (أبو حميد الساعدي) المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك. وقيل: غير ذلك، صحابي مشهور، شهد أحدا، وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد، سنة (٦٠) تقدم ٣٦/ ٧٢٩. ولطائف الإسناد تقدمت برقم -٩٦/ ١٠٣٩. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي حميد الساعدي) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا أهوى إلى الأرض) هكذا في نسخ "المجتبى" "أهوى" بالألف، والذي في "الكبرى" "هوى" بدونها، وذكر السندي ﵀ أنه يوجد أيضا في بعض نسخ "المجتبى": ونصه: قوله: "إذا أهوى" هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: "هوى"، أي سقط، وهو أقرب. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كلاهما ثابت لغةً، فلا وجه لقوله: وهو أقرب. قال المجد اللغوي ﵀: وهوَى الشيءُ: سقط، كأهوى، وانهوى. انتهى (٢). وقال الفيومي رحمه الله تعالى: هَوَى يَهْوِي، من باب ضرب، هُوِيّا بضم الهاء، وفتحها، وزاد ابن الْقُوطية: هَوَاءً: سقط من أعلى إلى أسفل. انتهى كلام الفيّومي مختصرا (٣).

стр. 8377

فقد أثبت في "ق" أن "هوى"، و"أهوى" يأتيان بمعنى "سقط"، فتنبه.، والله تعالى أعلم. (ساجدا) حال من الفاعل (جافى) أي بَاعَدَ (عضديه) تثنية "عَضُدٍ"، وهو ما بين المِرْفَق إلى الكَتِفِ، وفيها خمس لغات: وِزَان رَجُلٍ، وبضمتين، في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: آية: ٥١] ومثال كَبِدٍ، في لغة بني أسد، ومثال فَلْسٍ، في لغة تميم، وبَكْرٍ، والخامسة: وِزَان قُفْلٍ. قال أبو زيد: أهل تهِامة يؤنثون العضد، وبنو تميم يذكّرون، والجمع أَعْضُدٌ، وأعْضَادٌ، مثل أَفْلُس، وأَقْفَال. قاله الفيومي (١) .. (عن إبطيه) متعلق بـ"جافى"، و"الإبط" بكسر الهمزة، وسكون الباء: هو ما تحت الجَنَاح، ويذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، والجمع آبَاط، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَال. قاله الفيّومي أيضا. والمعنى أنه ﷺ كان إذا سجد باعد عضديه عن إبطيه، ليتمكن من السجود، ولأنه أبعد عن هيئة المتكاسل، فيكون أقرب للخشوع. والله تعالى أعلم. (وفَتَخَ أصابع رجليه) بفاء، ومثناة فوقية مفتوحتين، وخاء معجمة، أي ليّنَها حتى تنثني، فيوجهها نحو القبلة، وقال في "النهاية": أي نصبها، وغمز مواضع المفاصل، وثناها إلى باطن الرجل، وأصل الفَتْخِ: اللّين. انتهى. جـ ٣ ص ٤٠٨. وقد تقدم الكلام في أول الباب بأوسع من هذا،. وبالله تعالى التوفيق. (مختصر) خبر لمبتدإ محذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم في ٩٦/ ١٠٣٩ - أن المصنف ﵀ أخرج هذا الحديث مقطعا في أربعة أبواب، وما ساقه في واحد منها، إلا مختصرا بحسب ما تدعو الحاجة إليه للاستدل الذي الباب الذي يسوقه فيه، وقد ذكرناه بطوله في الرقم المذكور من رواية ابن ماجه لكونها أتم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم بيان المسائل المتعلقة به في الباب المذكور، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن شئت فراجعه هناك. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8378

١٣٩ - (بَابُ مَكَان الْيَدَيْنِ مِنَ السُّجُودِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عبارة "المجتبى" "من السجود" بلفظ "من"، وعبارة "الكبرى" "في السجود" بلفظ "في". هي ظاهرة، وللأولى أيضا وجه صحيح، وهو أن "من" بمعنى "في"؛ لأنها تأتي بمعناها على قول بعض النحاة، كما في قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر آية: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة﴾ [الجمعة: آية ٩]. انظر "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" جـ ١ ص ٣٢١. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٠٢ - (أَخْبَرَنِي (١) أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ، يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ إِبْهَامَيْهِ قَرِيبًا مِنْ أُذُنَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، فَكَانَتْ يَدَاهُ مِنْ أُذُنَيْهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَقْبَلَ بِهِمَا الصَّلَاةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن ناصح) بن موسى المِصِّيصِى، أبو عبد الله، صدوق، [١٠]. روى عن إسماعيل بن علية، وابن إدريس، وهشيم، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال صالح. وفي موضع آخر: لا بأس به، وحرب الكرماني، ومحمد بن سفيان المصّيصي، وغيرهم. قال الحاكم أبو أحمد: حدث بالثَّغْر عن مشايخه أحاديث مستوية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، تفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط. ٢ - (ابن إدريس) هو عبد الله الأودي الكوفي، ثقة فقيه عابد [٨] تقدم ٨٥/ ١٠٢. ٣ - (عاصم بن كُلَيب) الجَرْمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١١/ ٨٨٩. ٤ - (كُلَيب) بن شهاب بن المجنون المجنوني الجرمي، الكوفي، صدوق [٢] تقدم ١١/ ٨٨٩.

стр. 8379

٥ - (وائل بن حُجْر) الصحابي ﵁، تقدم ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدم للمصنف مطولًا في ١١/ ٨٨٩ - وهو حديث صحيح. وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك.، فليُراجعها من أراد الاستفادة منها. وقد أورده هناك استدلالا على بيان موضع اليمين من الشمال في الصلاة. واستدل له هنا على بيان مكان اليدين في حال السجود، وهو بحذاء الأذنين. وقوله: "فكانت يداه من أذنيه" المراد باليدين: الكفان، أي كان كفاه ﷺ من أذنيه. وقوله: "على الموضع الذي استقبل بهما الصلاة" أي ابتدأ بهما الصلاة. والمعنى أن كفي النبي ﷺ كانتا في حال السجود في الموضع الذي كانتا فيه عند التكبير في افتتاح الصلاة، وهو حذاء الأذنين، كما تقدم في الرواية المذكورة: "ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه". وفيه أن المستحب وضع الكفين حذاء الأذنين. [فإن قيل]: ثبت في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد وضع يديه حَذْوَ منكبيه". رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. فكيف يجمع بينه وبين حديث الباب؟ [أجيب]: بإمكان العمل بهما في أوقات، فيضع أحيانا حذاء الأذنين، وأحيانا حذاء المنكبين، جمعا بين الحديثين. ولذا قال أبو بكر ابن خزيمة في "صحيحه" بعد أن ترجم لوضع اليدين حذو المنكبين في السجود، وأورد حديث أبي حميد المذكور: "باب إباحة وضع اليدين في السجود حذاء الأذنين، وهذا من الاختلاف المباح". انتهى (١). يعني أن اختلاف الحديثين من جنس الاختلاف في الشيء المباح، لا من جنس اختلاف التضادّ، فيعمل بكلا الحديثين. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8380

١٤٠ - (بَابُ النَهْي عَنْ بَسْطِ الذرَاعَينِ فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن بسط المصلي ذراعيه على الأرض في حال السجود. وترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى: بقوله: [باب لا يفترش ذراعيه في السجود]. ثم أورد حديث أنس بلفظ: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٠٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ -وَاسْمُهُ أَيُّوبُ بْنُ أَبِي مِسْكِينٍ- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَفْتَرِشْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ثم النيسابوري، ثقة حجة إمام [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ١٥٣/ ١٤٤. ٣ - (أبو العلاء، أيوب بن أبي مسكين) ويقال: ابن مسكين، التميمي القَصّاب الواسطي، صدوق له أوهام [٧]. روى عن قتادة، وسعيد المقبري، وأبي سفيان، وغيرهم. وعنه إسحاق بن يوسف الأزرق، وخلف بن خليفة، وهشيم، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد: لا بأس به، وقال مرةً: رجل صالح ثقة. وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: كان مفتي أهل واسط. وقال إسحاق الأزرق: ما كان الثوري بأورع منه، وما كان أبو حنيفة بأفقه منه. وقال ابن سعد، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به، شيخ صالح، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال ابن عديّ: في حديثه بعض الاضطراب، ولم أجد في سائر أحاديثه شيئا منكرا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطئ. وقال أبو داود: كان يتفقه، ولم يكن بجيد الحفظ للإسناد. وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض الاضطراب. قال تميم بن المنتصر، عن يزيد بن هارون: مات سنة (١٤٠). أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

стр. 8381

٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه بلفظ: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب". وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في [الاعتدال الركوع]-٨٩/ ١٠٢٨ - بلفظ: "اعتدلوا في الركوع والسجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب"، وسيأتي له بهذا اللفظ بعد بابين، وقد تقدم شرحه، والكلام على المسائل المتعلقة به هناك، فلا حاجة إلى إعادة ذلك هنا، وتقدم هناك أيضًا بيان حكمة النهي عن الافتراش المذكور، وهي أن رفع ذراعيه عن الأرض أقرب إلى التواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض في السجود، وأبعد عن هيئات الكُسَالى، فإن من فَرَشَ ذراعيه يشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤١ - (بَابُ صِفَةِ السُّجُودِ) أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على كيفية السجود. و"الصِّفَةُ" من الوَصْف، مثل العِدَة، من الوَعْد، يقال: وَصَفْته وَصْفًا، من باب وَعَدَ: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وَصَفَ الثوبُ الجِسمَ: إذا أظهر حاله، وبَيَّنَ هيئته، ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقِلَة، والنعت بما كان في خَلْقٍ، أو خُلُقِ. قاله الفيومي (١). والمقصود من هذا الباب بيان الهيئة المشروعة في حالة السجود. فينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عنها، وعن جنبيه رفعا بليغا بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورا، وهذا مما لا خلاف فيه. قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع،

стр. 8382

وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط كشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة. والله تعالى أعلم. انتهى (١). ١١٠٤ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ السُّجُودَ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ بِالأَرْضِ، وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (علي بن حجر المروزي) نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣. ٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق، يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء [٨] تقدم ٢٥/ ٢٩. ٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد، اختلط بآخره، وكان يدلس [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢. ٤ - (البراء) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢) تقدم ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٧٣) من رباعيات الكتاب (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، ولا ابن ماجه، وأنهم كوفيون، سوى شيخه، فمروزي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي، أنه (قال: وصف لنا البراء) بن عازب ﵄ (السجود) أي كيفية السجود المأمور به في النصوص (فوضع يديه بالأرض) أي عليها، فالباء بمعنى "على"، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران آية: ٧٥] أي عليه، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أي عليهم، وقول الشاعر: [من الطويل] أَرَبٌ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأسِهِ … لَقَدْ هَانَ مَنْ بَالتْ عَلَيهِ الثَّعَالِبُ انظر ما كتبه ابن هشام الأنصاري النحوي رحمه الله تعالى في "مغني اللبيب" (٢)

стр. 8383

(ورفع عجيزته) قال ابن الأثير ﵀: العَجِيزة: العَجُز، وهي للمرأة خاصة، فاستعارها للرجل. انتهى (١). وقال الفيومي ﵀ العَجُز من الرجل والمرأة: ما بين الوَرِكَين، وهي مونثة، وبنو تميم يذكّرون، وفيها أربع لغات، فتح العين، وضمها، ومع كلّ واحدة ضم الجيم، وسكونها، والأفصح وِزَان رَجُلٍ، والجمع: أعْجَاز، والعَجُزُ من كل شيء مؤخره، ويذكّر ويؤنث، والعَجِيزَة للمرأة خاصّة، وأمرأة عَجْزاء؛ إذا كانت عَظِيمة العجيزة. قال الشاعر: [من البسيط] هَيْفَاءُ مُقْبِلَةَ عَجْزَاءُ مُدْبِرَةٍ … تَمَّتْ فَليْسَ يُرَى فِي خَلْقِهَا أَوَدُ انتهى كلام الفيومي، بزيادة من كلام ابن منظور (٢) .. قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل مما ذكر أن العَجِيزة للرأة خاصة، وإنما العَجُز هو الذي يقال للرجل والمرأة، فاستعار العَجيزة هنا للرجل. والله تعالى أعلم. (وقال) أي البراء (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل) ولأبي داود: "يسجد". أي رأيته ﷺ يسجد على هذه الهيئة، وذكر هذا دليلا على ما فعله، ليكون أدعى للقبول. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث البراء رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، ولا يضر فيه وجود شريك القاضي في سنده، وهو سيء الحفظ، كما تقدم؛ لأن أحاديث الباب وغيرها تشهد له، وقد صححه ابن خزيمة رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكره عند المصنف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤١/ ١١٠٤ - وفي "الكبرى" -٤٩/ ٦٩١ - عن علي ابن حجر، عن شريك، عن أبي إسحاق، عنه. وأخرجه (د) في "الصلاة" عن الربيع بن نافع، عن شريك به. (وأحمد) ٤/ ٣٠٣ (وابن خزيمة) رقم ٦٤٦. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٠٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ -هُوَ النَّضْرُ-

стр. 8384

قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى جَخَّى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبدة بن عبد الرحيم المروزي) أبو سعيد، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ت ٢٤٤ تقدم ٤٥/ ٥٩٧. ٢ - (النضر بن شُمَيل) المازني، أبو الحسن البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] تقدم ٤١/ ٤٥. ٣ - (يونس بن أبي إسحاق) السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلا [٥] تقدم ١٦/ ٦٥٢. والباقيان تقدما في السند الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن البراء) بن عازب رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى) أي إذا دخل في الصلاة (جَخّى) بجيم مفتوحة، فخاء معجمة مشددة، بوزن صَلَّى: أي فتح عضديه، وجافاهما عن جنبيه، ورفع بطنه عن الأرض. وهو مثل "جَخَّ" بوزن مدَّ، والأول أشهر. أفاده ابن الأثير رحمه الله تعالى (١) وقال ابن منظور: وقد جَخَّ، وجَخى: إذا خَوَّى في سجوده، وهو أن يرفع ظهره حتى يُقِلَّ بطنه عن الأرض، ويقال: جخَّى: إذا فتح عضديه في السجود. انتهى (٢) .. والحديث يدلّ على أنّ سنة السجود أن يباعد المصلي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن الأرض. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث البراء ﵁ هذا صحيح. ولا يضرّ فيه عنعنة أبي إسحاق، وإن كان مدلسا، لأن أحاديث الباب تشهد له، فيصح بها، وقد صححه ابن خزيمة رحمه الله تعالى. وهو من أفراد المصنف -رحمه الله تعالى- أخرجه هنا-١٤١/ ١١٠٥ وفي "الكبرى" ٤٩/ ٦٩٢ - بالسند المذكور، وأخرجه (ابن خزيمة) رقم ٦٤٧. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8385

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١١٠٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (بكر) بن مضر بن محمد بن جعفر المصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٢٢/ ١٧٣. ٣ - (جعفر بن ربيعة) بن شُرَحبيل بن حَسَنَة الكندي، أبو شُرَحبيل المصري، ثقة [٥] تقدم ١٢٢/ ١٧٣. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧. ٥ - (عبد الله بن مالك ابن بُحَينَة) الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، ومالك أبوه، وبُحَينة -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وبعدها ياء ساكنة، فنون مفتوحة-: أمه، وهي بنت الأرتّ، وهو الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف. تقدمت ترجمته ٦/ ٨٦٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأنهم ما بين بغلاني، ومصريينِ، ومدنيينِ، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنة) رضي الله تعالى عنه. [فائدة]: قال النووي -رحمه الله تعالى-: الصواب أن ينون "مالك"، ويكتب بالألف، لأن "ابن بحينة" ليس صفة لـ"مالك"، بل صفة لـ"عبد الله"؛ لأن "عبد الله" اسم أبيه "مالك"، واسم أم عبد الله "بحينة"، فبحينة امرأة مالك، وأم عبد الله بن مالك. انتهى (١) وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هو أحد من نُسِب إلى أمه، فعلى هذا إذا وقع "عبد الله" في موضع رفع وجب أن ينوّن "مالك" أبوه، ويرفع "ابن"؛ لأنه ليس صفة لمالك، فيتركَ تنوينه، ويجرَّ، وإنما هو صفة لعبد الله بن مالك، وإذا وقع "عبد الله" في

стр. 8386

موضح جرّ نُوِّنَ "مالك"، وجُرّ "ابن"؛ لأنه ليس "ابن" صفة لمالك. وهذا من المواضع التي يتوقف فيها صحة الإعراب على معرفة التاريخ (١). (أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى) أي إذا دخل في الصلاة. وأراد به السجود، لما في رواية مسلم من طريق عمرو بن الحارث: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد يُجَنِّح في سجوده حتى يُرَى وَضَحُ إبطيه". و"الوَضَح" بفتحتين: البياض. وفي رواية له من طريق الليث: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد فرّج يديه عن إبطيه، حتى إني لأرى بياض إبطيه". (فرّج بين يديه) يحتمل أن يكون من الفَرْج ثلاثيا، وهو الفتح، أو من التفريج رباعيا. والمراد أنه فتح بينهما، وبين ما يليهما من الجنب، حتى يستقيم معه قوله: "حتى يبدو"، فليس المتعدد الذي يُضاف إليه لفظُ "بين" لفظَ "يديه"، بل هو أحد طرفي المتعدد، والطرف الثاني محذوف، وهذا معنى قول الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": أي نحّى كلَّ يد عن الجنب الذي يليها. أفاده السندي رحمه الله تعالى (٢) .. قال القرطبي رحمه الله تعالى: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود أنه يخف بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض. وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ناصر الدين ابن المُنَيِّر ﵀ في "الحاشية": الحكمة فيه أن يظهر كل عضو بنفسه، ويتميز، حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقلّ كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضدّ ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض، لأن المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين حتى كأنهم جسد واحد. وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح، أنه قال: "لا تفترش افتراش السبع، وادعم على راحتيك، وأبد ضبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك". ولمسلم من حديث عائشة ﵄: "نهى النبي ﷺ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراشَ السبع".

стр. 8387

وأخرج الترمذي، وحسنه من حديث عبد الله بن أرقم ﵁: "صليت مع النبي، فكنت أنظر إلى بياض عُفْرَتَي إبطيه إذا سجد". ولابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وليضم فخذيه". وللحاكم من حديث ابن عباس ﵄ نحو حديث عبد الله بن أرقم، وعنه عند الحاكم: "كان النبي ﷺ إذا سجد، يُرَى وَضَحُ إبطيه". وله من حديثه، ولمسلم من حديث البراء ﵁، رفعه: "إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك". قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه الأحاديث، مع حديث ميمونة ﵂ عند مسلم: "كان النبي ﷺ يجافي يديه، فلو أن بَهْمَةً أرادت أن تمرّ لمرّت" (١). مع حديث ابن بحينة هذا ظاهرها وجوب التفريج المذكور. لكن أخرج أبو داود ما يدلّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة ﵁: شكا أصحاب النبي ﷺ له مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: "استعينوا بالرُّكَبِ". وترجم له [باب الرخصة في ذلك] أي في ترك التفريج، قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود، وأعيا (٢) .. وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: وقد يجاب عنه بأن ما استُدلّ به على الاستحباب أدلّ منه على الوجوب، فإن الترخيص فرع العزيمة، وهو مخصوص بحالة المشقة، فلابدّ من مسلك صحيح، يعمّ الحكم به جميعَ الأحوال، على أن قوله ﷺ : "استعينوا بالركب" أظهر في تكميل الواجب، وعدم الترخيص فيه. انتهى (٣) .. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الصنعاني رحمه الله تعالى تَعَقُّب وجيه، فدلالة هذه الأحاديث على الوجوب ظاهر، لا معارض له، وحديث "استعينوا بالركب" دلالته على الوجوب أظهر من دلالته على الاستحباب، ولو سُلِّمَ فهو لمن يتضرر بالتفريج فقط. والله تعالى أعلم. وقد أخرج الترمذي الحديث المذكور، ولم يقع في روايته "إذا انفرجوا"، فترجم له "ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود"، فجعل محلّ الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالبا للقيام، واللفظ محتمل ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تعيّن المراد. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٤).

стр. 8388

(حتى يبدو بياض إبطيه) بنصب "يبد و" بـ"أن" مضمرة بعد "حتى" وجوبا، كما قال ابن مالك ﵀: وَبَعْدَ حَتَّى هَكَذَا إِضْمَارُ أَنْ … حَتْمٌ كَجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ و"بياض" بالرفع على الفاعلية، أي حتى يظهر البياض الذي في إبطيه. قال ابن التين رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنه لم يكن عليه قميص، لانكشاف إبطيه. وتعقب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد روى الترمذي ﵀ في "الشمائل" عن أم سلمة ﵂، قالت: "كان أحب الثياب إلى النبي ﷺ القميص"، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرئي. قاله القرطبي. واستدلّ به على أن إبطيه ﷺ لم يكن عليهما شعر. وفيه نظر، فقد حكى المحب الطبري في "الاستسقاء" من "الأحكام" له أن من خصائصه ﷺ أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل الحافظ ﵀ كلام المحب الطبري، وأقرّه عليه، ولكن فيه نظر، لأن إثبات مثل هذه الخصوصية يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم. واستدل بإطلاقه على مشروعية التفريج في الركوع أيضا. قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر، لأنه تقدم في رواية مسلم من طريق عمرو بن الحارث، والليث بن سعد: "كان إذا سجد" الخ، وهي رواية البخاري في "المناقب" عن قتيبة، عن بكر ابن مضر، فتبين بها أن المراد بالصلاة في قوله: "كان إذا صلى" السجود، والرواية يفسر بعضها بعضا، فالاستدلال به على مشروعيته في الركوع محل نظر. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: خص الفقهاء ما ذكر من مشروعية التفريج بالرجال، دون النساء، وقالوا: المرأة تضم بعضها إلى بعض، لأن المقصود منها التصون والتجمع والتستر، وتلك الحالة أقرب إلى هذا المقصود،. هكذا قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. ولأنه قد روى أبو داود في "المراسيل" عن يزيد بن أبي حبيب، أنه ﷺ مرّ على امرأتين، وهما تصليان، فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست كالرجل في ذلك". ورواه البيهقي من طريقين موصولتين، لكن في كل منهما متروك. كما قال في "التلخيص". ذكره الصنعاني في "العدّة" جـ ٢ ص ٣٤٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الفرق بين الرجال والنساء محل توقف، فإنه يحتاج إلى دليل صحيح صريح، فإن أدلة مجافاة اليدين عن الجنبين، والبطن عن

стр. 8389

الفخذين، ووفع المرفقين عن الأرض تشمل الرجال والنساء، وهي أحاديث صحاح، والحديث الذي استدلوا به ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لإثبات الفرق بين الرجال والنساء، ولا يَقْوَى لمعارضة الأحاديث الصحيحة التي تعم الجنسين، فالظاهر أن الرجال والنساء في ذلك سواء. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤١/ ١١٠٦ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٦٩٣ - عن قتيبة بن سعيد، عن بكر ابن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في "الصلاة" عن يحيي بن بكير، عن بكر بن مضربه. وفي "المناقب" عن قتيبة به. (م) في "الصلاة" عن قتيبة به. وعن عمرو ابن سَوَّاد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، كلاهما عن جعفر به. وأخرجه (أحمد) ٥/ ٣٤٥. (وابن خزيمة) رقم ٦٠٦. والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "لَوْ كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَبْصَرْتُ إِبْطَيْهِ"، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّد بن عبد الله بن بَزِيع) بفتح الموحدة، وكسر الزاي- البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٣/ ٥٨٨. ٢ - (معتمر بن سليمان) التيمي، أبو محمَّد البصري، الملقب بالطُّفيل، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠/ ١٠. ٣ - (عمران) بن حُدَير -بمهملات مصغرا- السدوسي، أبو عُبيدة البصري، ثقة ثقة [٦] تقدم ٣٧/ ٥٨١. ٤ - (أبو مِجْلَز) لاحق بن حميد السدوسي البصري، ثقة، من كبار [٣] تقدم ١٨٨/ ٢٩٦.

стр. 8390

٥ - (بَشِير بن نَهِيك) بفتح النون، وكسر الهاء، آخره كاف، السدوسي، ويقال: السَّلُولي، أبو الشَّعْثاء البصري، ثقة [٣]. روى عن بَشِير بن الخَصَاصيه، وأبي هريرة. وعنه يحيى بن سعيد الأنصارى، وأبو مِجْلز، والنضر بن أنس بن مالك، وغيرهم. قال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من قُرّاء البصرة. ونقل صاحب "الكمال" عن أبي حاتم، قال: تركه يحيى القطان، وهذا وَهَمٌ وتصحيف، وإنما قال أبو حاتم: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مجلز، وبَرَكَة، ويحيى ابن سعيد. فقوله: وبركة هو بالباء الموحّدة، وهو أبو الوليد المجاشعي. وقال يحيى القطان، عن عمران بن حُدير، عن أبي مِجلَز، عن بشير بن نهيك، قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبته عنه، فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم. وقال ابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ونقل الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه قال: لم يذكر سماعا من أبي هريرة. وهو مردود بما تقدم. وقال الأثرم، عن أحمد: ثقة، قلت له: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مجلز، وبركة؟ قال: نعم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٩) أحاديث. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، ومسلم، والترمذي، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة رواية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: لو كنت بين يدي رسول الله ﷺ ) ولأبي داود: "قُدَّام النبي ﷺ " (لأبصرت إبطيه) وفي نسخة: "إبطه" بالإفراد، ولأبي داود: "لرأيت إبطه". أي لو كنت مستقبلا له، وهو يصلي لرأيت إبطيه. يعني أنه لو لم يكن خلف رسول الله ﷺ مصليا، وكان قُدّامه لأبصر إبطي النبي ﷺ لأجل تفريجه، ولكن منعه من هذا كونه وراءه في الصلاة، فلم يتمكن من النظر إليه. والله تعالى أعلم.

стр. 8391

(قال أبو مِجْلَز) لاحق بن حميد الراوي عن بشير بن نَهِيك (كأنه) أي أبا هريرة ﵁ (قال ذلك، لأنه في صلاة) أي إنما قال: "لو كنت بين يدي رسول الله ﷺ " الخ، لكونه مصليا خلفه ﷺ ، فلا يتمكن من الإبصار. وقال أبو داود: زاد ابن معاذ -يعني شيخه عبيد الله بن معاذ- قال: يقول لاحق: "ألا ترى أنه في الصلاة، ولا يستطيع أن يكون قدّام النبي ﷺ ". قال: وزاد موسى -يعني شيخه موسى بن مروان-: "يعني: إذا كبر رفع يديه". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أورده المصنف هنا في "باب صفة السجود" مستدلا به على مشروعية التفريج في السجود، لكن خالفه أبو داود، فأورده في "افتتاح الصلاة" مستدلا به على مشروعية المبالغة في رفع اليدين. والذي يظهر لي أن دلالة الحديث على ما استدلّ به أبو داود أقرب من دلالته على مقصود المصنف، لأن رؤية إبطي المصلي لمن كان أمامه إنما يتيسر في حالة الرفع للافتتاح ونحوه، لا في حالة السجود، فإنه إنما يتيسر لمن كان خلفه، كما يدل على ذلك حديث ميمونة ﵂ عند مسلم: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى حتى يَرَى مَنْ خلفه وَضَحَ إبطيه". أي بياضهما. فليتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكرالمصنف له: أخرجه هنا -١٤١/ ١٠٧١ - وفي "الكبرى" -٤٩/ ٦٩٤ - عن محمَّد بن عبد الله بن بزيع، عن معتمر بن سليمان، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في "الصلاة" عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه- وعن موسى بن مروان الرَّقِّيَ، عن شعيب بن إسحاق- كلاهما عن عمران ابن حُدَير به. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَقْرَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنْتُ أَرَى عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ).

стр. 8392

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، أبو إسحاق القارئ المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٦/ ١٧. ٣ - (داود بن قيس) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشي مولاهم المدني، ثقة فاضل [٥] تقدم ٩٦/ ١٢٠. ٤ - (عبيد الله بن عبد الله بن أقرم) الخزاعي الحجازي، ثقة [٣]. روى عن أبيه. وعنه داود بن قيس الفرّاء، والوليد بن سعيد بن أبي سندر الأسلمي. قال النسائي: ثقة. روى له الترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الله بن أقرم) -بتقديم القاف- ابن زيد الخزاعي الحجازي، أبو مَعْبَد، له، ولأبيه صحبة. له عن النبي ﷺ حديث واحد، حديث الباب. وعنه ابنه عبيد الله. وقال الحافظ ﵀: أورد له أبو القاسم البغوي في "معجمه" من حديث الوليد بن سعيد عنه حديثا آخر. أخرج له المصنف، والترمذي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم حجازيون، غير شيخه، فمروزي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، وأن صحابيه من المقلين، ليس له عند المذكورين إلا حديث الباب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن أقرم) الخزاعي رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: صليت مع رسول الله ﷺ ) الحديث مختصر، وقد طوله في "مسند أحمد"، قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، ثنا أبو نعيم، ثنا داود -يعني ابن قيس- قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الخزاعي، قال: حدثني أبي، أنه كان مع أبيه بالقاع من نَمِرَةَ، قال: فمر بنا رَكبٌ، فأَنَاخوُا بناحية الطريق، فقال أبي: أَيْ بُنَي كن في بَهْمِكَ حتى آتي هؤلاء الرَّكب، فأُسائلهم، قال: دنا منهم، ودنوت منه، وأقيمت الصلاة، فإذا فيهم رسول الله ﷺ ، فصليت معهم، وكأني انظر إلى عفرتي إبطي رسول الله ﷺ إذا سجد. وفي رواية وكيع: "قال: فخرج، وخرجت في أثره، فإذا رسول الله ﷺ ". . . انظر "المسند" جـ ٤ ص ٣٥.

стр. 8393

(فكنت أَرَى عُفْرَة إبطيه إذا سجد) "العفرة": -بضم العين المهملة (١)، وسكون الفاء، وزان غُرْفَة-: بياض غير خالص، بل هو كلون عَفَر الأرض، وهو وجهها. وأراد بذلك منبت الشعر من الإبطين بمخالطة بياض الجلد سواد الشعر. قال السندي رحمه الله تعالى: وكأنه كان ينظر في الصلاة، وهذا لا يضر حديث أبي هريرة السابق، لأنه مختلف حسب اختلاف الناس في الصلاة. انتهى (٢) والحديث يدلّ على أن السنة في السجود أن ينحّي يديه عن جبيه، ولا خلاف في ذلك. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درحته: حديث عبد الله بن أقرم رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤١/ ١١٠٨ - وفي "الكبرى" -٦٩٥/ ٤٩ - عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم، عن أبيه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) في الصلاة عن أبي كريب، عن أبي خالد الأحمر، عن داود به. وقال: حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس، ولا نعرف لعبد الله بن أقرم عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم عن الحافظ رحمه الله تعالى، أنه قال: أخرج له البغوي في "معجمه" حديثا آخر. والله تعالى أعلم. (ق) في "الصلاة" أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن بندار، عن ابن مهدي- وصفوان بن عيسى- وأبي داود- أربعتهم عن داود بن قيس به. وأخرجه (الحميدي) رقم ٩٢٣ (وأحمد) ٤/ ٣٥. والله تعالي أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8394

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١٤٢ - (بَابُ التَّجَافِي فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التجافي في حال السجود. و"التجافي": مصدر "تجافى"، "يتجافى": إذا تباعد. ويقال فيه: "المجافاة" أيضا، قال ابن مالك رحمه الله تعالى: لِفَاعَلَ الْفعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَامَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ والمراد بالتجافي هنا: تباعد الأعضاء بعضها عن بعض، كاليدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٠٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ- عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ الأَصَمِّ- عَنْ مَيْمُونَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى يَدَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (عبيد الله بن عبد الله بن الأصم) العامري، مقبول [٦]. تقدم ٥٠/ ٨٥٠. [تنبيه]: اختلفت نسخ "المجتبى" في هذا الاسم، فأكثر النسخ، وهو الذي في "الكبرى" "عبيد الله" مصغرا، ووقع في بعضها "عبد الله" مكبرا. وكذا وقع الاختلاف فيه عند غير المصنف. قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": قوله: أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد الله ابن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصمّ. . . وفي الرواية الأخرى: أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم. . . هكذا وقع في بعض الأصول: عبيد الله بن عبد الله بتصغير الأول في الروايتين، وفي بعضها "عبد الله" مكبرا في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى، والتصغير في الرواية الثانية، وكله صحيح، فـ"عبد الله"، و"عبيد الله" أخوان، وهما ابنا عبد الله بن الأصم، وعبد الله بالتكبير أكبر من عبيد الله، وكلاهما رويا عن عمه يزيد بن

стр. 8395

الأصمّ، وهذا مشهور في كتب أسماء الرجال، والذي ذكره خَلَفٌ الواسطي في كتابه "أطراف الصحيحين" في هذا الحديث عبدُ الله بالتكبير في الروايتين، وكذا ذكره أبو داود، وابن ماجه في "سننيهما" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكروا رواية الفزاري، ووقع في "سنن النسائي" اختلاف في الرواية عن النسائي، بعضهم رواه بالتكبير، وبعضهم بالتصغير، ورواه البيهقي في "السنن الكبير" من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الفزاري بالتكبير. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبد الله بن عبد الله بن الأصم العامري، هو أبو سليمان، ويقال: أبو العنبس، وكان أكبر من أخيه عبيد الله، رأى الحسن، والحسين. صدوق [٤]. روى عن عمه يزيد بن الأصم. وعنه السفيانان، وعبدة بن سليمان، وعبد الواحد بن زياد، ومروان الفزاري. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له مسلم حديثا واحدا فيما يقطع الصلاة. ٤ - (يزيد بن الأصم) واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البكّائي، أبو عوف الكوفي، نزيل الرَّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﵄، يقال: له رؤية، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] ت (١٠٣) تقدم ٥٠/ ٨٥٠. ٥ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية، أم المؤمنين ﵂، قيل: اسمها بَرّة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، وتزوجها بسَرِفَ سنة سبع، وماتت بها، ودفنت سنة (٥١) على الصحيح، تقدمت ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنهم كوفيون، غير شيخه، فهو بغلاني، وسفيان، وإن كان مكيا، إلا أنه كوفي الأصل (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن عمه، عن خالته، (ومنها): أن فيه قوله: "وهو ابن عبد الله بن الأصم"، والظاهر أن القائل هو قتيبة، ويحتمل أن يكون هو المصنف، وقوله: "وهو ابن الأصم" وفي نسخة بإسقاط العاطف، والقائل يحتمل أن يكون هو المصنف، أو من فوقه، وقد تقدم غير مرة بيان القاعدة المتعلقة بمثل هذه، وذلك أن الشيخ إذا لم ينسب شيخه، وأراد الراوي عنه أن ينسبه أتى بما يفصل زيادته عن كلام شيخه، وهو لفظة "هو"، أو "يعني"، أو "إنه". والله تعالى أعلم.

стр. 8396

شرح الحديث (عن ميمونة) رضي الله تعالى عنها (أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى يديه) فيه حذف المتَعَلِّقِ، وتقديره: "عن جنبيه". يعني أنه يباعد بينهما وبين جنبيه. وفي الرواية الآتية -١٧٨/ ١١٤٧ - من طريق مروان بن معاوية، عن عبيد الله، بن عبد الله بن الأصم: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد خوَّى بيده حتى يُرَى وَضَحُ إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى". ومعنى "خوّى" بتشديد الواو: جافى. والوضح بفتح الضاد: البياض. ولفظ مسلم: "كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بَهْمَةٌ أن تمرّ بين يديه لمرّت" وله أيضا من طريق وكيع، عن جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصم: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد جافى، حتى يَرَى من خلفه وَضَحَ إبطيه"، قال وكيع: يعني بياضهما. (حتى لو) "حتى" للغاية، و"لو" شرطية، كما قال في "الخلاصة": لَوْ حَرفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلّ … إِيلَاؤُهُ مُستَقْبَلًا لَكِنْ قُبِلْ وَهْيَ فِي الاخْتِصَاصِ بَالفِعْلِ كَإِنْ … لَكِن لَوْ أَنَّ بِهَا قَدْ تَقْتَرِنْ (أن بهمة) قال الفيّومي رحمه الله تعالى: "البهمة" -بفتح، فسكون-: ولد الضأن، يطلق على الذكر والأنثى، والجمع بَهْمٌ، مثلُ تَمْرة وتَمْر، وجمع البهْم بِهَام، مثل سَهْم وسِهَام، وتُطلَق البِهَام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليبا، فإذا انفردت، قيل لأولاد الضأن بِهَام، ولأولاد المَعْز سخَال. وقال ابن فارس: البَهْم: صغار الغنم. وقال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعَةَ تَضَعُها الضأنُ، أو المَعْزُ، ذكرا كان الولد، أو أنثى: سَخْلة. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى (١) .. (أرادت أن تمرّ تحت يديه) وفي نسخة "بين يديه" (مرت) أي استطاعت المرور تحت يديه. وقد تقدم وجه الحكمة في المجافاة المذكورة في الباب الماضي. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.

стр. 8397

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٢/ ١١٠٩ - وفي "الكبرى" ٥١/ ٦٩٧ - عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم، عنها. وفي -١٧٨/ ١١٤٧ - و"الكبرى" -٨٥/ ٧٣٣ - عن عبد الرحمن ابن إبراهيم دُحَيم، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن عبيد الله بن عبد الله به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في "الصلاة" عن يحيي بن يحيي، وابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة به. وعن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن مروان بن معاوية به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن وكيع، عن جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصم، عنها. (د) فيه عن قتيبة به. (ق) فيه عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة به. وأخرجه (الحميدي) رقم ٣١٤ و (أحمد) ٦/ ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٣٥ و ٣٣٣ و (الدارمي) رقم ١٣٣٦ و ١٣٣٧ و ١٣٣٨. (وابن خزيمة) ٦٥٧. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): المبالغة في مباعدة اليدين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في حالة السجود؛ لأنه لا يمكن مرور البهمة تحت اليدين إلا إذا كان المصلي على هذه الصفة (ومنها): كون هذه الهيئات أقربَ إلى الخشوع، وأمكنَ في التواضع، وأبعدَ عن هيئات الكسالى (ومنها): عناية أمهات المؤمنين بنقل صفة عبادة النبي ﷺ ، وتبليغها للأمة، ودقة وصفهن لها بحيث يتضح للسامع هيئتها تمام الاتضاح، وهذا هو السرّ والحكمة في سبب كثرة أزواجه ﷺ ، وفيه حكم أخرى سيأتي بيانها في "كتاب النكاح"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقِي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤٣ - (بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بالاعتدال في حال السجود. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاعتدال المطلوب هنا غير الاعتدال المطلوب في الركوع، فإنه هناك استواء الظهر والعنق، كما سلف، والمطلوب هنا ارتفاع أسافل البدن

стр. 8398

على أعاليه. وقال ابن دقيق العيد ﵀: لعل الاعتدال ها هنا محمول على أمر معنوي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع على وفق الأمر، فإن الاعتدال الخَلْقي الذي طلبناه في الركوع لا يتأتى في السجود، فإنه ثَمَّ استواء الظهر والعُنُق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي. ومما يقوي هذا الاحتمال أنه قد يفهم من قوله عقب ذلك: "ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب"، أنه كالتَّتِمَّة للأول، وأن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع علة لترك الانبساط انبساطَ الكلب، فإنه مناف لوضع الشرع، وقد تقدم الكلام في كراهة هذه الصفة، وقد ذكر في الحديث الحكم مقرونا بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة. ومثل هذا الشبيه أن النبي ﷺ لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة، قال: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه". انتهى كلام ابن دقيق العيد (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١١١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، ح وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ". اللَّفْظُ لإِسْحَاقَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت حجة [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمَّد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار [٨] تقدم ٧/ ٣٣٩. ٣ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٤ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٥ - (سعيد) بن أبي عروبة مهْران البصري، ثقة ثبت يدلس، واختلط آخرا [٦] تقدم ٣٤/ ٣٨. ٦ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] تقدم ٤٢/ ٤٦. ٧ - (قتادة) بن دعامة، أبو الخطاب البصري الإمام الحجة الثبت، لكنه يدلس، وقد

стр. 8399

صرح بالسماع هنا [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٨ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم ﵁، تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه، وقد استوفيت شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ٨٩/ ١٠٢٨ - حيث رواه المصنف رحمه الله تعالى هناك، عن شيخه سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، مستدلًا على مشروعية الاعتدال في الركوع. وقوله: "اعتدلوا في السجود" أي توسطوا بين الافتراش والقبض بوضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عنها، والبطن عن الفخذ، وهو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة، وأبعد من هيئة الكسالى. وقد تقدم في أول الباب تفسير آخر، والتفسيران متقاربان. وقوله: "انبساط الكلب" قال القرطبي ﵀: هو مصدر على غير لفظ الفعل، وفعله ينبسط، لكن لما كان انبسط من بسط جاء المصدر عليه، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب". … ١٤٤ - (بَابُ إِقَامَةِ الصُّلْبِ فِي السُّجُودِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الصلب" بضم، فسكون، وبضم اللام أيضًا، وبالتحريك: من لدن الكاهل إلى العَجْب. وتقدم الكلام عليه مستوفى في [باب إقامة الصلب في الركوع]. والمراد بإقامة الصلب هنا الطمأنينة وعدم الاستعجال، بل يثبت ساجدا حتى يستقر صلبه في موضعه، وحتى تستقرّ سائر مفاصله في مواضعها. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١١١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ،: أَنْبَأَنَا عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا

стр. 8400

تُجْزِئُ صَلَاةٌ، لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (علي بن خَشْرم المروزي) ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٨/ ٨. ٢ - (عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون [٨] تقدم ٨/ ٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكوفي الإمام الحافظ الحجة [٥] تقدم ١٧/ ١٨. ٤ - (عُمَارة) بن عُمَير التيمي الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ٤٩/ ٦٠٨. ٥ - (أبو معمَر) عبد الله بن سَخْبَرة الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٢٣/ ٨٠٧. ٦ - (أبو مسعود) البدري عقبة بن عمرو الصحابي رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦/ ٤٩٤. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه هذا حديث صحيح، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ٨٨/ ١٠٢٧ حيث رواه المصنف رحمه الله تعالى هناك عن شيخه قتيبة بن سعيد، عن الفُضَيل بن عياض، عن الأعمش، مستدلاّ به على إقامة الصلب في الركوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤٥ - (بَابُ النَّهْي عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن نقرة الغراب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "النقرة" بفتح، فسكون-: المرة من النَّقْر، قال في "الخلاصة": وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كجَلْسَهْ … وَفِعْلَةٌ لِهَيئَةٍ كَجِلْسَهْ يقال: نَقَرَ الطائر الحبَّ نَقْرًا، من باب قَتَلَ: التقطه. ونَقَرَ في صلاته نقْرَ الدِّيك: إذا أسرع فيها، ولم يتم الركوع والسجود. قاله في "المصباح" (١). و"الغُرَاب" بضم الغين المعجمة، وتخفيف الراء المهملة: الطائر الأسود، والجمع

стр. 8401

أَغْرِبَةٌ، وأَغْرُب، وغِرْبانٌ، وغُرُب، قال الشاعر: وَأَنْتُمْ خِفَافٌ مِثْلُ أَجْنِحَةِ الْغُرُبْ وغَرَابِين: جمع الجمع. والعرب تقول: فلان أبصر من غراب، وأحذر من غراب، وأزهى من غراب، وأصفى عيشًا من غراب، وأشد سوادا من غراب، وإذا نعتوا أرضًا بالخِصْب، قالوا: وَقَعَ في أرض لا يطير غرابها، ويقولون: وجد تَمْرَةَ الغراب، وذلك أنه يتبع أجود التمر، فيَنتَقِيه، ويقولون: أشأم من غراب، وأفسق من غراب، ويقولون: طار غراب فلان: إذا شاب رأسه. ذكره في "لسان العرب" (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١١١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ تَمِيمَ بْنَ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِبْلٍ، أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَلَاثٍ، عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ لِلصَّلَاةِ، كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الإمام الحجة الفقيه الثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد بن يزيد) الجُمَحِيّ، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، صدوق [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٦ - (جعفر بن عبد الله) بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري، والد عبد الحميد، وقيل: إن رافع بن سنان جده لأمه، ثقة [٣]. روى عن جده رافع، وعمه عمر بن الحكم، وأنس، وغيرهم. وعنه ابنه يزيد، وسعيد بن أبي هلال، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وغيرهم. قال النسائي: مدني ثقة (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب حديثان: هذا (١١١٢) وحديث رقم (٣٨٦٢).

стр. 8402

٧ - (تميم بن محمود) فيه لين [٤]. روى عن عبد الرحمن بن شبل هذا الحديث. وعنه جعفر بن عبد الله بن الحكم. قال البخاري: في حديثه نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج هو، وابن خزيمة، والحاكم حديثه هذا في صحاحهم. وذكره العقيلي، والدولابي، وابن الجارود في الضعفاء. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٨ - (عبد الرحمن بن شِبْل) -بكسر المعجمة، وسكون الموحدة- ابن عمرو بن زيد بن نجدة بن مالك بن لوذان بن عمرو بن عوف بن عبد عوف بن مالك بن الأوس، الأنصاري الأوسي، له صُحبة، وبنو مالك بن لوذان كان يقال لهم في الجاهلية: بنو الصّمّاء، وهي امرأة من مُزَينة، أرضعت أباهم مالك بن لوذان، فسماهم رسول الله ﷺ بني السَّمِيعَة، نزل الشام، وكان أحد نقباء الأنصار، وفقهائهم. روى عن النبي ﷺ . وعنه تميم بن محمود، وأبو راشد الحُبْرَاني، ويزيد بن خُمَير، وأبو سلام الأسود، وابن له غير مسمى. قال ابن سعد: كان له ثلاثة بنين، عزيز، ومسعود، وموسى، وبنت تسمى جميلة. وذكره عبد الصمد بن سعيد القاضي فيمن نزل حِمصَ من الصحابة، وحكاه عن محمَّد بن عوف، وعن أبي زرعة الدمشقي، قال: نزل الشام، ومات في إمارة معاوية بن أبي سفيان. وقال أبو راشد الحُبْرَاني: كنا مع معاوية بمسكن، فبعث إلى عبد الرحمن بن شِبْل إنك من أقدم أصحاب رسول الله ﷺ ، وفقهائهم، فقم في الناس، وعظهم. رواه الجُوزَجاني في تاريخه. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنف، وأن رجاله ثقات، غير تميم بن محمود، فلين، وأنه مسلسل بالمصريين إلى سعيد بن أبى هلال، وجعفر مدني، ولعل تميما مدني، والصحابي مدني، ثم حمصي، وأن تميما ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا حديثان، حديث الباب، وحديث النهي عن أكل لحم الضب عند أبي داود. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن تميم بن محمود (أن عبد الرحمن بن شبل) رضي الله تعالى عنه (أخبره) أي تميما

стр. 8403

(أن رسول الله ﷺ نهى عن ثلاث) أي ثلاث خصال، فتذكير العدد باعتبار الخصال (عن نقرة الغراب) بدل من الجار والمجرور قبله. بدل تفصيل من مجمل و"نقرة الغراب": كناية عن الإسراع في الركوع والسجود والرفع منهما بحيث لا يطمئنّ الاطمئنان المجزىء. وقال في "النهاية": يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منْقَاره فيما يريد أكله. انتهى. (وافتراش السبع) بالجر عطف على "نقرة الغراب"، أي ونهى ﷺ عن افتراش السبع. و"الافتراش". افتعال من الفرش، وهو البسط. و"السبع" بضم الباء: معروف، وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا قال الصغاني: السَّبُعُ والسَّبْع لغتان، وقرىء بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وهو مروي عن الحسن البصري، وطلحة بن سليمان، وأبي حَيْوَةَ، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير، أحَدِ السبعة. ويجمع في لغة الضم على سِبَاع، مثل رَجُل ورجال، لا جمع له غير ذلك على هذه اللغة. قال الصَّغَاني: وجمعه على لغة السكون في أدنى العدد: أَسْبُع، مثل فَلْس وأفلس، وهذا كما خفف ضَبْعٌ، وجمع على أضبُع. ويقع السبع على كل ما له ناب يَعْدُو به، ويفترِس، كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له ناب، لأنه لا يعدو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع. قاله الأزهري. أفاده في "المصباح" (١). ومعنى "افتراش السبع": أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط السبع والكلب، والذئب ذراعيه. ووجه الحكمة في النهى عنه أنه يشبه هيئة الكسلان، والكسل في الصلاة من صفات المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢]. (وأن يوطن) من التوطين، أو الإيطان، يقال: أوطن الأرض، ووطَّنَها واستوطنها: اتخذها وَطَنًا. والوطن بفتحتين، وتسكن طاؤه: مكان الإنسان، ومَقَرّه، وجمعه أوطان، مثل سبب وأسباب. أفاده في "ق"، و"المصباح". (الرجل) بالرفع على الفاعلية (المقام) بفتح الميم، وضمها: مكان الإقامة، وهو منصوب على المفعولية (للصلاة) متعلق بـ"يوطن" (كما يوطن البعير) أي مثلما يتخذ

стр. 8404

البعير موطِنا، يبرُك فيه. و"أن" وما دخلت عليه في تأويل المصدر عطف على "نقرة الغراب". والمعنى نهى النبي ﷺ عن أن يتخذ الرجل لنفسه مكانا معينا من المسجد، لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك إلا في مَبْرَك اعتاده في عَطَنه. قيل: الحكمة في النهي عنه أنه يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ والشهوات، وكل هذه آفات يتعين البعد عنها كلَّ البعد. وقال في "النهاية": قيل: معناه أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به، يصلي فيه، كالبعير، لا يأوي من عَطَن إلا إلى مَبْرَك دَمِث، قد أوطنه، واتخذه مُنَاخًا. وقيل: معناه أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود، مثل بروك البعير. انتهى (١) قال الجامع عفا الله عنه: التفسير الثاني غير موافق للفظ الحديث، كما قاله السندي رحمه الله تعالى. فقد وقع عند ابن ماجه بلفظ: "وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلي فيه كما يوطن البعير". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته؛ حديث عبد الرحمن بن شِبْل رضي الله تعالى عنه هذا صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وفي سنده تميم بن محمود، وهو ضعيف كما تقدم في ترجمته، وقد تفرد به عن عبد الرحمن، ففي تصحيحه نظر. وحسنه الشيخ الألباني، وقال: يشهد له ما أخرجه أحمد جـ ٥/ ٤٤٧ - بسنده عن عثمان البَتِّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ نهى عن نقرة الغراب، وعن فَرْشَة السبع، وأن يوطن الرجل مقامه في الصلاة كما يوطن البعير". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه عبد الحميد بن سلمة مجهول، كما في "التقريب". لكن يشهد للجزء الأول والثاني منه حديث أنس المتقدم قبل باب، وحديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد جـ ٢/ ص ٣١١ - قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي هريرة ﵁، قال: "أمرني رسول الله ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام

стр. 8405

ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب". وأخرج أيضا في ج ٢/ ٢٦٥ - قال: ثنا محمَّد بن فضيل، ثنا يزيد بن أبي زياد، حدثني من سمع أبا هريرة ﵁، نحوه. ويزيد ضعيف، لكن الأحاديث يتقوى بعضها ببعض. والحاصل أن الجزء الأول والثاني صحيح بشواهده، وأما الجزء الثالث، وهو توطين المقام ففي تصحيحه نظر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٥/ ١١١٢ - وفي "الكبرى" -٥٠/ ٦٩٦ - عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جعفر بن عبد الله، عن تميم بن محمود، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في "الصلاة" عن أبي الوليد الطيالسي، وقتيبة، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن عبد الله به. (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن أبي بشر بن خلف، عن يحيى ابن سعيد- كلاهما عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه جعفر بن عبد الله بن الحكم به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٢٨ و ٤٤٤ و (الدارمي) رقم ١٣٢٩ (وابن خزيمة) ٦٦٢ و ١٣١٩ (وابن حبان) ٢٢٧٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): النهي عن الإسراع في السجود حتى تكون السجدة كنقرة الغراب (ومنها): النهي عن افتراش الذراعين كافتراش السبع (ومنها): النهي عن استيطان المكان للصلاة، كاستيطان البعير المكان للبروك. قال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد نهي عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، سواء كانت خسيسة، أو شريفة، فنهي عن الإشارة بالأيدي كأذناب الخيل الشُّمْس، ونهي في السجود عن نقرة كنقرة الغراب، ونهي في السلام عن التفات كالتفات الثعلب، ونهي عن الإقعاء كإقعاء الكلب، وعن بروك كبروك الجمل، ومما يتعلق بالصلاة، وهو خارج عنها النهي عن إيطان المصلي في المسجد مكانا واحدا كإيطان البعير. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →