← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

أَغْرِبَةٌ، وأَغْرُب، وغِرْبانٌ، وغُرُب، قال الشاعر: وَأَنْتُمْ خِفَافٌ مِثْلُ أَجْنِحَةِ الْغُرُبْ وغَرَابِين: جمع الجمع. والعرب تقول: فلان أبصر من غراب، وأحذر من غراب، وأزهى من غراب، وأصفى عيشًا من غراب، وأشد سوادا من غراب، وإذا نعتوا أرضًا بالخِصْب، قالوا: وَقَعَ في أرض لا يطير غرابها، ويقولون: وجد تَمْرَةَ الغراب، وذلك أنه يتبع أجود التمر، فيَنتَقِيه، ويقولون: أشأم من غراب، وأفسق من غراب، ويقولون: طار غراب فلان: إذا شاب رأسه. ذكره في "لسان العرب" (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١١١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ تَمِيمَ بْنَ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شِبْلٍ، أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَلَاثٍ، عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمُقَامَ لِلصَّلَاةِ، كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الإمام الحجة الفقيه الثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد بن يزيد) الجُمَحِيّ، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، صدوق [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٦ - (جعفر بن عبد الله) بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري، والد عبد الحميد، وقيل: إن رافع بن سنان جده لأمه، ثقة [٣]. روى عن جده رافع، وعمه عمر بن الحكم، وأنس، وغيرهم. وعنه ابنه يزيد، وسعيد بن أبي هلال، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وغيرهم. قال النسائي: مدني ثقة (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب حديثان: هذا (١١١٢) وحديث رقم (٣٨٦٢).

стр. 8402

٧ - (تميم بن محمود) فيه لين [٤]. روى عن عبد الرحمن بن شبل هذا الحديث. وعنه جعفر بن عبد الله بن الحكم. قال البخاري: في حديثه نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج هو، وابن خزيمة، والحاكم حديثه هذا في صحاحهم. وذكره العقيلي، والدولابي، وابن الجارود في الضعفاء. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٨ - (عبد الرحمن بن شِبْل) -بكسر المعجمة، وسكون الموحدة- ابن عمرو بن زيد بن نجدة بن مالك بن لوذان بن عمرو بن عوف بن عبد عوف بن مالك بن الأوس، الأنصاري الأوسي، له صُحبة، وبنو مالك بن لوذان كان يقال لهم في الجاهلية: بنو الصّمّاء، وهي امرأة من مُزَينة، أرضعت أباهم مالك بن لوذان، فسماهم رسول الله ﷺ بني السَّمِيعَة، نزل الشام، وكان أحد نقباء الأنصار، وفقهائهم. روى عن النبي ﷺ . وعنه تميم بن محمود، وأبو راشد الحُبْرَاني، ويزيد بن خُمَير، وأبو سلام الأسود، وابن له غير مسمى. قال ابن سعد: كان له ثلاثة بنين، عزيز، ومسعود، وموسى، وبنت تسمى جميلة. وذكره عبد الصمد بن سعيد القاضي فيمن نزل حِمصَ من الصحابة، وحكاه عن محمَّد بن عوف، وعن أبي زرعة الدمشقي، قال: نزل الشام، ومات في إمارة معاوية بن أبي سفيان. وقال أبو راشد الحُبْرَاني: كنا مع معاوية بمسكن، فبعث إلى عبد الرحمن بن شِبْل إنك من أقدم أصحاب رسول الله ﷺ ، وفقهائهم، فقم في الناس، وعظهم. رواه الجُوزَجاني في تاريخه. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنف، وأن رجاله ثقات، غير تميم بن محمود، فلين، وأنه مسلسل بالمصريين إلى سعيد بن أبى هلال، وجعفر مدني، ولعل تميما مدني، والصحابي مدني، ثم حمصي، وأن تميما ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا حديثان، حديث الباب، وحديث النهي عن أكل لحم الضب عند أبي داود. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن تميم بن محمود (أن عبد الرحمن بن شبل) رضي الله تعالى عنه (أخبره) أي تميما

стр. 8403

(أن رسول الله ﷺ نهى عن ثلاث) أي ثلاث خصال، فتذكير العدد باعتبار الخصال (عن نقرة الغراب) بدل من الجار والمجرور قبله. بدل تفصيل من مجمل و"نقرة الغراب": كناية عن الإسراع في الركوع والسجود والرفع منهما بحيث لا يطمئنّ الاطمئنان المجزىء. وقال في "النهاية": يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منْقَاره فيما يريد أكله. انتهى. (وافتراش السبع) بالجر عطف على "نقرة الغراب"، أي ونهى ﷺ عن افتراش السبع. و"الافتراش". افتعال من الفرش، وهو البسط. و"السبع" بضم الباء: معروف، وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا قال الصغاني: السَّبُعُ والسَّبْع لغتان، وقرىء بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وهو مروي عن الحسن البصري، وطلحة بن سليمان، وأبي حَيْوَةَ، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير، أحَدِ السبعة. ويجمع في لغة الضم على سِبَاع، مثل رَجُل ورجال، لا جمع له غير ذلك على هذه اللغة. قال الصَّغَاني: وجمعه على لغة السكون في أدنى العدد: أَسْبُع، مثل فَلْس وأفلس، وهذا كما خفف ضَبْعٌ، وجمع على أضبُع. ويقع السبع على كل ما له ناب يَعْدُو به، ويفترِس، كالذئب، والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له ناب، لأنه لا يعدو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع. قاله الأزهري. أفاده في "المصباح" (١). ومعنى "افتراش السبع": أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط السبع والكلب، والذئب ذراعيه. ووجه الحكمة في النهى عنه أنه يشبه هيئة الكسلان، والكسل في الصلاة من صفات المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢]. (وأن يوطن) من التوطين، أو الإيطان، يقال: أوطن الأرض، ووطَّنَها واستوطنها: اتخذها وَطَنًا. والوطن بفتحتين، وتسكن طاؤه: مكان الإنسان، ومَقَرّه، وجمعه أوطان، مثل سبب وأسباب. أفاده في "ق"، و"المصباح". (الرجل) بالرفع على الفاعلية (المقام) بفتح الميم، وضمها: مكان الإقامة، وهو منصوب على المفعولية (للصلاة) متعلق بـ"يوطن" (كما يوطن البعير) أي مثلما يتخذ

стр. 8404

البعير موطِنا، يبرُك فيه. و"أن" وما دخلت عليه في تأويل المصدر عطف على "نقرة الغراب". والمعنى نهى النبي ﷺ عن أن يتخذ الرجل لنفسه مكانا معينا من المسجد، لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك إلا في مَبْرَك اعتاده في عَطَنه. قيل: الحكمة في النهي عنه أنه يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ والشهوات، وكل هذه آفات يتعين البعد عنها كلَّ البعد. وقال في "النهاية": قيل: معناه أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به، يصلي فيه، كالبعير، لا يأوي من عَطَن إلا إلى مَبْرَك دَمِث، قد أوطنه، واتخذه مُنَاخًا. وقيل: معناه أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود، مثل بروك البعير. انتهى (١) قال الجامع عفا الله عنه: التفسير الثاني غير موافق للفظ الحديث، كما قاله السندي رحمه الله تعالى. فقد وقع عند ابن ماجه بلفظ: "وأن يوطن الرجل المكان الذي يصلي فيه كما يوطن البعير". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته؛ حديث عبد الرحمن بن شِبْل رضي الله تعالى عنه هذا صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وفي سنده تميم بن محمود، وهو ضعيف كما تقدم في ترجمته، وقد تفرد به عن عبد الرحمن، ففي تصحيحه نظر. وحسنه الشيخ الألباني، وقال: يشهد له ما أخرجه أحمد جـ ٥/ ٤٤٧ - بسنده عن عثمان البَتِّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ نهى عن نقرة الغراب، وعن فَرْشَة السبع، وأن يوطن الرجل مقامه في الصلاة كما يوطن البعير". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه عبد الحميد بن سلمة مجهول، كما في "التقريب". لكن يشهد للجزء الأول والثاني منه حديث أنس المتقدم قبل باب، وحديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد جـ ٢/ ص ٣١١ - قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي هريرة ﵁، قال: "أمرني رسول الله ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام

стр. 8405

ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب". وأخرج أيضا في ج ٢/ ٢٦٥ - قال: ثنا محمَّد بن فضيل، ثنا يزيد بن أبي زياد، حدثني من سمع أبا هريرة ﵁، نحوه. ويزيد ضعيف، لكن الأحاديث يتقوى بعضها ببعض. والحاصل أن الجزء الأول والثاني صحيح بشواهده، وأما الجزء الثالث، وهو توطين المقام ففي تصحيحه نظر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٥/ ١١١٢ - وفي "الكبرى" -٥٠/ ٦٩٦ - عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جعفر بن عبد الله، عن تميم بن محمود، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في "الصلاة" عن أبي الوليد الطيالسي، وقتيبة، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن عبد الله به. (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن أبي بشر بن خلف، عن يحيى ابن سعيد- كلاهما عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه جعفر بن عبد الله بن الحكم به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٢٨ و ٤٤٤ و (الدارمي) رقم ١٣٢٩ (وابن خزيمة) ٦٦٢ و ١٣١٩ (وابن حبان) ٢٢٧٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): النهي عن الإسراع في السجود حتى تكون السجدة كنقرة الغراب (ومنها): النهي عن افتراش الذراعين كافتراش السبع (ومنها): النهي عن استيطان المكان للصلاة، كاستيطان البعير المكان للبروك. قال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد نهي عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، سواء كانت خسيسة، أو شريفة، فنهي عن الإشارة بالأيدي كأذناب الخيل الشُّمْس، ونهي في السجود عن نقرة كنقرة الغراب، ونهي في السلام عن التفات كالتفات الثعلب، ونهي عن الإقعاء كإقعاء الكلب، وعن بروك كبروك الجمل، ومما يتعلق بالصلاة، وهو خارج عنها النهي عن إيطان المصلي في المسجد مكانا واحدا كإيطان البعير. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8406

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤٦ - (بَابُ النَّهْي عَنْ كَفَّ الشَّعْرِ فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن كفّ الشعر في حال السجود. والمراد بكف الشعر ضمه في السجود، تحرّزا عن التراب. وموضع الاستدلال من الحديث واضح. ١١١٣ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَرَوْحٌ -يَعْنِي ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، وَلَا أَكُفَّ شَعْرًا، وَلَا ثَوْبًا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حميد بن مسعدة البصري) صدوق [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زريع) البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (روح بن القاسم) التميمي العنبري، أبو غياث البصري، ثقة حافظ [٦] تقدم ١١٢/ ١٥٥. ٥ - (عمرو بن دينار) الجمحي، أبو محمَّد الأثرم المكي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدم ٢٧/ ٣١. ٧ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في ١٣٠/ ١٠٩٣ - حيث رواه هناك عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو، مستدلًّا به على بيان عدد أعضاء السجود، فإن

стр. 8407

أردت الاستفادة فراجعه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤٧ - (بَابُ مَثَلِ الَّذِي يُصَلِّي، وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ) وقع في نسخة: "وهو معقوص". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على صفة الشخص الذي يصلي مربوطَ الشعر على رأسه كفعل النساء. و"باب" مضاف، و"مثل" مضاف إليه، وجملة "ورأسه معقوص" في محل نصب على الحال من فاعل "يصلي" ربط بالواو والضمير، كما قال في "الخلاصة": وَجُمْلَةُ الحَالِ سوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوِ اوْ بِمُضمَرِ أَوْ بِهمَا و"المثل" بالكسر، وبالتحريك، وكأمير: الشِّبْهُ، جمعه "أمثال" قاله في "ق". والله تعالى أعلم بالصواب. و"المعقوص" اسم مفعول، من عَقَصَ شعره يعقِصه، من باب ضرب: ضَفَرَه، وفَتَلَه. قاله في "ق" أيضا. وقال الفيومي: العَقِيصَة: للمرأة الشعر يُلْوَى، وُيدخَل أطرافه في أصوله، والجمع: عقائص، وعِقَاص، والْعِقْصَةُ مثلُهَا. انتهى (١). ١١١٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو السَّرْحِيُّ، مِنْ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُصَلِّي، وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ، مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ، يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ، وَرَأْسِي؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي، وَهُوَ مَكْتُوفٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو السَّرْحي، من وُلْد عبد الله ابن سعد بن أبي

стр. 8408

سَرْح) أبو محمَّد المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤. [تنبيهان]: (الأول): قوله: "من ولد عبد الله" ضُبِط بالقلم لفظ "ولد" في بعض النسخ بضم الواو، وسكون اللام، وفي بعضها بفتحهما، وكلاهما صحيح. قال الفيومي ﵀: الوَلَد بفتحي: كلُّ ما ولده شيء، ويطلق على الذكر والأنثى، والمثنّى والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو مذكر، وجمعه أولاد، والوُلْد وزان قُفْل لغة فيه، وقيسٌ تجعل المضموم جمعَ المفتوح، مثل أُسْدٍ جمع أَسَد. انتهى (١). (الثاني): قوله: "من ولد عبد الله بن سعد" الخ: أي إن عمرو بن سوّاد هذا من أحفاد عبد الله بن سعد، لأنه عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو بن محمَّد بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، بفتح السين المهملة، وسكون الراء المهملة، وبعدها حاء مهملة. وعبد الله بن سعد هذا صحابي مشهور، وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حُبَيب -بالمهملة مصغرا- ابن حذافة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، وقيل: غير ذلك في نسبه، أبو يحيى، كان أخا عثمان بن عفّان ﵄ من الرضاعة. وكان يكتب للنبي ﷺ ، فأزلّه الشيطان، فارتدّ، ولحق بالكفار، فأمر النبي ﷺ أن يُقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان، فأجاره النبي ﷺ ، وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان، وولي مصر بعد ذلك سنة خمس وعشرين، ومات سنة تسع وخمسين في آخر عهد معاوية ﵄. وسبب موته أنه خرج إلى الرَّمْلَة، فلما كان عند الصبح، قال: اللَّهم اجعل آخر عملي الصبح، فتوضأ، ثم صلى، فسلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه. ﵁، أخرجه البغوي بسند صحيح. انتهى ملخصا من "الإصابة" جـ ٦ ص ١٠٠ - ١٠٢. ٢ - (ابن وهب) عبد الله، أبو محمَّد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩. ٤ - (بكير) بن عبد الله بن الأشجّ المدني، نزيل مصر. ثقة [٥] تقدم ١٣٥/ ٢١١. ٥ - (كريب) بن أبي مسلم، أبو رِشْدِين المدني، مولى ابن عباس، ثقة [٣] تقدم ١٦١/ ٢٥٣.

стр. 8409

٦ - (عبد الله بن عباس) ﵄، تقدم ٢٧/ ٣١. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، والترمذي (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى كريب، فإنه، ومولاه مدنيان (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وقد تقدم غير مرّة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما (أنه رأى عبد الله بن الحارث) بن أبي ربيعة (١) ولفظ أحمد ﵀ جـ ١ ص ٣١٦ من طريق حجاج، عن الليث: أن عبد الله بن عباس ﵄ مرّ بعبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة، وهو يصلي مضفور الرأس معقودا من ورائه، فوقف عليه، فلم يبرح يحلّ عقد رأسه، فأقرّ له عبد الله بن الحارث حتى فرغ من حَلّه، ثم جلس، فلما فرغ ابن الحارث من الصلاة أتاه، فقال: علامَ صنعت برأسي ما صنعت آنفا؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "مثل الذي يصلي، ورأسه معقود من ورائه، كمثل الذي يصلي مكتوفًا". (يصلي) جملة حالية من المفعول، أي حال كونه مصليا (ورأسه معقوص) وفي نسخة: "وهو معقوص"، والعَقْص: جمع الشعر وسط رأسه، أو لفّ ذوائبه حول رأسه، ونحو ذلك، كفعل النساء. وتقدم ما نقل عن "ق" و"المصباح" أول الباب، والجملة في محل نصب أيضا حال، وهي من الأحوال المتداخلة، إن كانت من فاعل "يصلي"، أو المترادفة، إن كانت من المفعول. (من ورائه) متعلق بـ"معقوص" (فقام) أي ابن عباس ﵄ (فجعل يحله) زاد في رواية أبي داود: "وأقره الآخر". و"جعل" من أفعال الشروع، ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر، وخبرها يكون جملة مضارعية، وهو هنا قوله: "يحله"، وهو بضم الحاء المهملة، يقال: حَلَّ العُقْدةَ، من باب قتل: إذا نقضها. والمعنى أن ابن عباس ﵄ شرع ينقض عقص شعر عبد الله بن الحارث.

стр. 8410

(فلما انصرف) أي سلم عبد الله بن الحارث من صلاته (أقبل إلى ابن عباس) ﵄، مستفسرا سبب نقض عقصه (فقال: مالك، ورأسي؟) "ما" استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور خبرها، وقوله: "ورأسي" الواو فيه واو المعية، و"رأسي" منصوب على أنه مفعول معه. أي أْيُّ شيء ثبت لك مع رأسي، حتى تحلّ عقصه؟. والله تعالى أعلم. (قال) أي ابن عباس مبينا دليله على ما صنع (إني) وفي نسخة بحذف "إني" (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما مثل هذا) أي صفة من يصلي معقوصا. فـ"مثل" مبتدأ، خبره "مثل" الآتي. وفي رواية أحمد المتقدمة: "مثل الذي يصلي، ورأسه معقود من ورائه". . . (مثل الذي يصلي، وهو مكتوف) أي مربوطة يداه بحبل ونحوه، ومشدودة إلى خلفه. وهو اسم مفعول، من كتَفْتُهُ كَتْفًا، من باب ضرب، وَكِتَافًا بالكسر: إذا شَدَدْتَ يديه إلى خلف كتِفَيه، مُوثَقًا بحبل ونحوه، وكَتَّفْتُهُ بالتشديد مبالغةٌ. أفاده في "المصباح". قال ابن الأثير رحمه الله تعالى في معنى هذا الحديث: ما نصّه: أراد أنه إذا كان شعره منشورًا سقط على الأرض عند السجود، فيعطى صاحبه ثوَابَ السجود به، وإذا كان معقوصًا صار في معنى ما لم يسجد، وشَبَّهَه بالمكتوف، وهو المشدود اليدين، لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٧/ ١١١٤ - وفي "الكبرى" -٥٥/ ٧٠١ - عن عمرو بن سوّاد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن كريب، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في "الصلاة" عن عمرو بن سوّاد به. (د) فيه عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب به.

стр. 8411

وأخرجه (أحمد) ١/ ٣٠٤ و ٣١٦. (والدارمي) برقم ١٣٨٨ (وابن خزيمة) ٩١٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): كراهة السجود معقوص الشعر (ومنها): الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن ذلك لا يُؤَخَّرُ، ولذا لم يؤخره ابن عباس ﵄ حتى يفرغ من الصلاة (ومنها): أن المكروه ينكر كما ينكر المحرَّمُ (ومنها): أن من رأى منكرا، وأمكنه تغييره بيده غَيَّرَه بها، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعا: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده". . . الحديث (ومنها): قبول خبر الواحد. قاله النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموضع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم فيمن صلى معقوص الشعر: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: كَرهَ أن يصلي الرجل، وهو عاقص شعره عليُّ بن أبي طالب، وابنُ مسعود، وحذيفة. وقال عطاء: لا يكف الشعر عن الأرض. وكره ذلك الشافعي، وكان ابن عباس إذا سجد يقع شعره على الأرض. واختلفوا فيما يجب على من فعل ذلك، فكان الشافعي، وعطاء يقولان: لا إعادة عليه، وكذلك أحفظ عن كل من لقيته من أهل العلم غير الحسن البصري، فإنه كره ذلك، وقال: عليه إعادة تلك الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٢). وقال النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على النهي عن الصلاة، وثوبه مشمَّر، أو كمه، أو نحوه، أو رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك، فكل هذا منهي عنه باتفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك، فقد أساء، وصحت صلاته، واحتج في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بإجماع العلماء. وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصري. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: في قوله: "كراهة تنزيه" نظر لا يخفى، إذ لا صارف له عن، التحريم، وما ادعاه ابن جرير من الإجماع غير صحيح، لما ذكر من خلاف الحسن، فالظاهر أن النهي للتحريم. والله تعالى أعلم. قال: ثم مذهب الجمهور أن النهي لمن صلى كذلك مطلقًا، سواء تعمده للصلاة، أم كان قبلها كذلك، لا لها، بل لمعنى آخر. وقال الداودي: يختص النهي بمن فعل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح هو الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم،

стр. 8412

ويدل له فعل ابن عباس ﵄ المذكور هنا. قال العلماء: والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثّلَه بالذي يصلي، وهو مكتوف. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤٨ - (النَّهْيُ عَنْ كَفِّ الثِّيَابِ فِي السُّجُودِ) ١١١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَنُهِيَ أَنْ يَكُفَّ الشَّعْرَ، وَالثِّيَابَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن منصور المكي) الجوّاز، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١٠. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١. والباقون تقدموا قبل باب، وكذا الكلام على الحديث تقدم هناك وهو حديث متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤٩ - (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الثِّيَابِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز السجود على الثياب، سواء كانت متصلة بالمصلي، أو منفصلة عنه، وسيأتي اختلاف أهل العلم في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.

стр. 8413

١١١٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -هُوَ السَّلَمِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا، اتِّقَاءَ الْحَرِّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) المروزي، راوية ابن المبارك، لقبه الشاهْ، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي، أبو عبد الرحمن المروزي الإمام الحافظ الحجة الثبت الفقيه [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦. ٣ - (خالد بن عبد الرحمن) بن بكير السلمي، أبو أمية البصري، صدوق يخطىء [٨]. روى عن الحسن البصري، وغالب القطان، ونافع، وابن سيرين. وعنه ابن المبارك، وابن مهدي، ووكيع، وإسرائيل، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وقال العقيلي: يخالف في حديثه. وقال الحاكم، عن الدارقطني: لا بأس به. أخرج له البخاري، والترمذي، والمصنف، وله عندهم حديث الباب فقط. ٤ - (غالب) بن خُطَاف بضم المعجمة، وقيل: بفتحها، وتشديد الطاء- ابن أبي غيلان القطان أبو سليمان البصري، مولى ابن كريز، وقيل: مولى بني تميم، وقيل: غير ذلك، صدوق [٦]. روى عن أنس، فيما قيل، ومحمد بن سيرين، والحسن، وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم. وعنه شعبة، وابن علية، وخالد بن عبد الرحمن السلمي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال عمار بن عمر بن المختار، عن أبيه: حدثنا غالب القطان، وكان والله من خيار الناس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث: الضعف على أحاديثه بين، وفي حديثه النكرة، ثم أورد له حديثا منكرا، العمل فيه على الراوي عنه، عمر بن المختار. وقال الذهبي: لعل الذي ضعفه ابن عديّ آخر. أخرج له الجماعة، له عند مسلم، والمصنف حديث الباب فقط. [تنبيه]: "خطّاف" ضبطه أحمد بالفتح، وابن المديني، وابن معين بالضم. و"القطان": نسبة إلى بيع القطن. كما في "اللب" جـ ٢ ص ١٨٣. ٥ - (بكر بن عبد الله المزني) أبو عبد الله البصري، ثقة ثبت نبيل [٣] تقدم ٨٧/ ١٠٧.

стр. 8414

٦ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم الشهير ﵁ تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وخالد بن عبد الرحمن، فما أخرج له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير سويد، وابن المبارك، فمروزيان (ومنها): أن فيه أنسا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر) جمع ظهيرة، وهي شدة الحرّ نصفَ النهار، ولا يقال في الشتاء: ظهيرة (١). (سجدنا على ثيابنا) قال في "الفتح": والثوب في الأصل يطلق على غير المخيط، وقد يطلق على المخيط مجازا. انتهى (٢). ثم إن الظاهر أن المراد بالثياب الثيابُ التي هم لابسوها، ضرورةَ أن الثياب في ذلك الوقت قليلة، فمن أين لهم ثياب فاضلة؟، فهذا يدلّ على جواز أن يسجد المصلي على ثوب، هو لابسه، كما عليه الجمهور. أفاده السندي رحمه الله تعالى (٣). (اتقاء الحرّ) منصوب على أنه مفعول لأجله، كما قال في "الخلاصة": يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ المَصْدَرُ إن … أَبَانَ تَعْيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ أي لأجل اتقاء حرارة الأرض. وفيه جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي، وإن لم يتحرك بحركته، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 8415

أخرجه هنا -١٤٩/ ١١١٦ - وفي "الكبرى" -٥٧/ ٧٠٣ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن خالد بن عبد الرحمن السلمي، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني، عنه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن أبي الوليد، ومسدد، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن غالب القطان به. وعن محمَّد بن مقاتل، عن ابن المبارك به. (م) عن يحيى بن يحيى، عن بشر ابن المفضل به. (د) عن أحمد بن حنبل، عن بشر به (ت) عن أحمد بن محمَّد، عن ابن المبارك به. (ق) عن إسحاق ابن إبراهيم بن حبيب، عن بشر بن المفضل به. (أحمد) ٣/ ١٠٠ (الدارمى) رقم ١٣٤٣ (ابن خزيمة) ٦٧٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): جواز استعمال الثياب وكذا غيرها في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض، لاتقائه بذلك حرّ الأرض وكذا بردها. (ومنها): أن مباشرة ما باشر الأرض بالجبهة واليدين هو الأصل؛ لأنه علّق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، وذلك يُفهم منه أن الأصل والمعتاد عدم بسطه. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. (ومنها): جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي. قال النووي ﵀: وبه قال أبو حنيفة، والجمهور، وحمله الشافعي على الثوب المنفصل. انتهى. قال في "الفتح". وأيد هذا العمل البيهقيُّ بما رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: "فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه، وسجد عليه". قال: فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه. وتعقب باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة، يسجد عليها، مع بقاء سترته له. انتهى (١). وقال ابن دقيق العيد ﵀: يحتاج من استدلّ به على الجواز إلى أمرين: (أحدهما): أن تكون لفظة "ثوبه" دالّة على المتصل به، إما من حيث اللفظ، أو من أمر خارج عنه، ونعني بالخارج قلة الثياب عندهم. ومما يدلّ عليه من جهة اللفظ قوله: "بسط ثوبه، فسجد عليه" يدلّ على أن البسط معَقّب بالسجود عليه، لدلالة الفاء على ذلك ظاهرًا.

стр. 8416

(الثاني): أن يدلّ الدليل على تناوله لمحل النزاع، إذ من منع السجود على الثوب المتصل به يشترط في المنع أن يكون متحركا بحركة المصلي، وهذا الأمر الثاني سهل الإثبات، لأن طول ثيابهم إلى حيث لا تتحرك بالحركة بعيد. انتهى كلام ابن دقيق رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول أن استدلال من استدل بهذا الحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي الذي يتحرك بحركته ظاهر، إذ تعقيبه بالفاء التعقيبية في قوله: "بسط ثوبه، فسجد عليه" كما في رواية مسلم ظاهر في ذلك، ويؤيد ذلك قلة ثيابهم، ويؤيده أيضا بُعْدُ حمله على غير المتحرك بحركته، لأن طول ثيابهم بهذا القدر لعيد كلّ البعد. والحاصل أن مذهب الجمهور هو الراجح لظهور دليله. والله تعالى أعلم. (ومنها): جواز العمل القليل في الصلاة، ومراعاة الخشوع فيها، لأن الظاهر أن صنيعهم هذا لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض. (ومنها): تقديم الظهر في أول الوقت، لكن يعارض هذا ما ورد من الأحاديث في الأمر بالإبراد. قال في "الفتح": فمن قال: الإبراد رخصة، فلا إشكال، ومن قال: سنة، فإما أن يقول: التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول: منسوخ بالأمر بالإبراد. وأحسن منهما أن يقال: إن شدة الحرّ قد توجد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه قد يستمرّ حره بعد الإبراد، وتكون فائدة الإبراد وجود ظل يُمشَى فيه إلى المسجد، أو يُصَلَّى فيه في المسجد، أشار إلى هذا الجمع القرطبي، ثم ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى، وهو أولى من دعوى تعارض الحديثين. انتهى (٢). (ومنها): أن قول الصحابي: "كنا نفعل كذا" من قبيل المرفوع، لاتفاق الشيخين على تخريج هذا الحديث في "صحيحيهما"، بل ومعظم المصنفين، لكن قد يقال: إن في هذا زيادة على مجرد الصيغة، لكونه في الصلاة خلف النبي ﷺ ، وقد كان يرى فيها مَنْ خلفه كما يرى مَنْ أَمَامه، فيكون تقريره فيه مأخوذا من هذه الطريق، لا من مجرد صيغة "كنا نفعل". قاله في "الفتح" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8417

(المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في سجود المرء على ثوبه في الحرّ والبرد، فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: إذا إشتدّ الحر، فليسجد على ثوبه، وقال عباس بن سهل: أدركت الناس في زمن عثمان بن عفان ﵁ يضعون أيديهم على الثياب، يتقون بها حرّ الحصى. وممن رخص في السجود على الثوب في الحرّ والبرد إبراهيم النخعي، والشعبي، ورخص طاوس، وعطاء في السجود على الثوب في الحرّ. وكان مالك بن أنس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأى لا يرون بأسا بالسجود على الثوب في الحر والبرد. وكان الشافعي يقول: ولو سجد على جبهته، ودونها ثوب لم يجزه. إلا أن يكون جريحا، فيكون ذلك عذرا، وأحب أن يباشر براحتيه الأرض، فإن سترهما من حرّ، أو برد فسجد عليهما، فلا إعادة عليه. قال ابن المنذر ﵀: أقول كما قال عمر بن الخطاب ﵁، ومن تبعه من أهل العلم (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى من جواز السجود على الثوب المتصل، سواء تحرك بحركة المصلي أم لا، هو الراجح عندي، لما تقدم في المسألة الرابعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في السجود على كور العمامة: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: وأختلفوا في السجود على كور العمامة، فروي عن علي أنه قال: ليرفعها عن جبهته، ويسجد علي الأرض، وحسر عبادة بن الصامت العمامة عن جبهته، وكره السجود عليها ابن عمر. وقال مالك: أحب أن يرفعها عن بعض جبهته حتى يمس بعض جبهته الأرض. وقال الشافعي: لا يجوز السجود عليها. وقال أحمد: لا يعجبني إلا في الحرّ والبرد، وكذلك قال إسحاق. ورخصت طائفة في السجود على كور العمامة، وممن رخص فيه الحسن البصري،

стр. 8418

ومكحول، وعبد الرحمن بن يزيد. وكان شريح يسجد على برنسه. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الراجح عندي قول من قال بجواز السجود على كور العمامة، لدلالة حديث أنس رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، ولما أخرجه البيهقي عن الحسن بسند صحيح: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على عمامته". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٠ - (بَابُ الأَمْرِ بِإِتْمام السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بإتمام السجود. والمراد من الإتمام حصول الطمأنينة فيه بحيث يستقرّ كل عضو مكانه. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي فيِ رُكُوعِكُمْ، وَسُجُودِكُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت حجة [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار [٨] تقدم ٧/ ٣٣٩. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مِهران، أبو النضر البصري، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره، [٦] تقدم ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، يدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابي رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم

стр. 8419

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وتقدم للمصنف في ١٠٦/ ١٠٥٤ - حيث أورده هناك عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، عن قتادة، مستدلًّا به على الأمر بإتمام الركوع، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "فإني لأراكم من خلف ظهري" وفي بعض النسخ إسقاط لفظة "من". وتقدم هناك أيضًا اختلاف العلماء في معنى رؤيته ﷺ من وراء ظهره، وأن الراجح أنه رؤية حقيقية، ولا نعلم كيفيتها، هل هي بباصرته الأَمَامية، أو بشيء آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥١ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْقِراءَةِ فيِ السُّجُودِ) ١١١٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، قَالَ: نَهَانِي حِبِّي ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ، لَا أَقُولُ: نَهَى النَّاسَ، نَهَانِي عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنِ الْمُعَصْفَرِ الْمُفَدَّمَةِ، وَلَا أَقْرَأُ سَاجِدًا، وَلَا رَاكِعًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أبو داود سليمان بن سيف) الحرّاني، ثقة حافظ [١١] تقدم ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (أبو علي الحنفي) عُبَيد الله بن عبد المجيدالبصري، صدوق، لم يثبت أن يحيى ابن معين ضعفه [٩]. روى عن عكرمة بن عمار، وإسرائيل، وداود بن قيس، ومالك، وهشام الدستوائي،

стр. 8420

وغيرهم. وعنه ابن المديني، وبندار، والفلاس، وسليمان بن سيف، وغيرهم. وثقه العجلي، والدارقطني، وابن قانع، وقال ابن معين، وأبو حاتم: ليس به بأس. وضعفه العقيلي. مات سنة (٢٠٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث. ٣ - (عثمان بن عمر) بن فارس بن لقيط العبدي، أبو محمَّد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عديّ البصري، قيل: أصله من بخارى، ثقة [٩]. روى عن ابن عون، وداود بن قيس، وإسرائيل، وغيرهم. وعنه أحمد، وإسحاق، وبندار، وسليمان بن داود، وغيرهم. وثقه أحمد، وابن معين، وابن سعد، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث. وقال أبو حاتم: صدوق، وكان يحيي بن سعيد لا يرضاه، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري في "تاريخه": قال علي: احتج يحيى بن سعيد بكتاب عثمان بن عمر بحديثين عن أسامة، عن عطاء، عن جابر: "عرفة كلها موقف". مات سنة (٢٠٩) في ربيع الأول. وقيل: (٧) وقيل: (٨). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٤ - (داود بن قيس) الفرّاء الدّبّاغ، أبو سليمان المدني، ثقة فاضل [٥] تقدم ٩٦/ ١٢٠. ٥ - (إبراهيم بن عبد الله بن حُنَين) الهاشمي مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة [٣] تقدم ٩٧/ ١٠٤١. ٦ - (عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة [٣] تقدم ٩٧/ ١٠٤١. ٧ - (عبد الله بن عباس) الحبر البحر، ﵁، تقدم ٢٧/ ٣١. ٨ - (علي بن أبي طالب) أبو الحسن الهاشمي الخليفة الثالث ﵁، تقدم ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث علي رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في ٩٧/ ١٠٤٠ - من رواية عَبيدة السلماني، عن علي ﵁، و ١٠٤١ و ١٠٤٢ من رواية ابن عباس، عن علي ﵃. و ١٠٤٣ و ١٠٤٤ من رواية عبد الله بن حنين عن علي رضي الله تعالى عنه، استدلّ به هناك على "النهي عن القراءة في الركوع". وقد مر هناك شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها هنا. وقوله: "قال أبو علي" الخ: بيان لاختلاف شيخيه في صيغة الأداء، فأبو علي الحنفي عبر بقوله: "حدثنا داود بن قيس"، وعثمان بن عمر عبر بقوله: "أنبأنا داود بن قيس". وهذا من احتياطات المحدثين، وورعهم، حيث يراعون اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن لم

стр. 8421

يختلف المعنى. وقوله: "داود بن قيس" تنازعه الفعلان قبله، فاختار البصريون إعمال الثاني، لقربه، وأختار الكوفيون إعمال الأول لتقدمه، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك -رحمه الله تعالى- في "الخلاصة" حيث قال: إِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْم عَمَلْ … قَبلُ فَللْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ وَالثَّانِ أَوْلى عِنْدَ أَهْلِ الّبصْرَهْ … وَاخْتِارَ عَكسَا غَيْرُهُم ذَا أُسْرَهْ وقوله: "لا أقول: نهى الناس" ليس معناه أن النهي مختص به، دون سائر الناس، وإنما معناه أن اللفظ الذي سمعته بصيغة الخطاب لي، فأنا أنقله كما سمعته، وإن كان الحكم يتناول الناس كلهم. وقوله: "حبي" بكسر الحاء المهملة: بمعنى محبوبي. وقوله: "القسّي" بفتح القاف، وكسر السين المهملة المشددة، بعدها ياء مشددة: هي ثياب مضَلَّعَة -أي مخططة- بالحرير، وقيل في تفسيره غير ذلك، فراجع ما تقدم. وقوله: "المعصفر المفدّمة" هكذا نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى" "وعن المعصفرة المفدمة"، وهو الأولى، إذ الظاهر أن "المفدمة" صفة لـ"لمعصفرة"، فيمتنع اختلافهما تذكيرا وتأنيثا. و"المعصفرة": هي المصبوغة بالعُصفُر، وهو نبت يُصبغ به. و"المفدّمة": بصيغة اسم المفعول المضعف: هي الثياب المشْبَعَة حُمْرةً. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا بأوسع مما ذكرته هنا في الباب المذكور، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١١٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا، قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أحمد بن عمرو بن السّرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [١٠] تقدم ٣٥/ ٣٩. ٢ - (ابن وهب) عبد الله، أبو محمَّد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة، ربما وهم، من كبار [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري القاضي الفقيه، ثقة [١٠] تقدم ٩/ ٩. وقوله: "والحارث" الخ عطف على أحمد بن عمرو، فالمصنف يروي هذا

стр. 8422

الحديث، عن شيخين: أحمد بن عمرو، والحارث بن مسكين، وكلاهما يرويان عن ابن وهب، وقد تقدم غير مرّة سبب قوله دائما: "قراءة عليه، وأنا أسمع"، فلا تغفل، وبالله تعالي التوفيق. ٥ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري الإمام الحافظ الحجة الثبت، رأس [٤] تقدم ١/ ١. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا الكلام على الحديث، والله تعالى ولي التوفيق. [تنبيه]: رَوَى عبد الله بن حنين هذا الحديثَ عن علي ﵁ فيما تقدم بواسطة ابن عباس ﵄، ورواه هنا بدون واسطة، وكلاهما صحيح، إذ يحمل على أنه سمعه من ابن عباس ﵄، ثم لقي عليا ﵁، فسمعه منه، فكان يحدث عن كليهما، ومثل هذا موجود في أحاديث الثقات بكثرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٢ - (بَابُ الأَمْرِ بِالاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الأمر بالاجتهاد في الدعاء في حال السجود. و"الاجتهاد": مصدر "اجتهد"، يقال: اجتهد في الأمر: إذا بذل وُسْعَه وطاقته في طلبه، ليبلغ مجهُودَه، ويصل إلى نهايته. قاله في "المصباح". و"الدعاء": بالضم مصدر "دَعَا"، يقال. دعوت الله أَدْعُوه دُعَاءً: ابْتَهَلْت إليه بالسؤال، ورغِبتُت فيما عنده من الخير. قاله في "المصباح" أيضا. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ -هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتْرَ، وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ (١) فِيهِ، فَقَالَ (٢): "اللَّهُمَّ قَدْ بَلَّغْتُ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، "إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ

стр. 8423

النُّبُوَّةِ، إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْعَبْدُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا، وَإِنِّي، قَدْ نُهِيتُ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِذَا رَكَعْتُمْ، فَعَظِّمُوا رَبَّكُمْ، وَإِذَا سَجَدْتُمْ، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (علي بن حُجْر المروزي) ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن جعفر) الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٦/ ١٧. ٣ - (سليمان بن سُحَيم) أبو أيوب المدني، صدوق [٣] تقدم ٩٨/ ١٠٤٥. ٤ - (إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس) الهاشمى المدني، صدوق [٣] تقدم ٩٨/ ١٠٤٥. ٥ - (عبد الله بن معبد بن عباس) المدني، ثقة قليل الحديث [٣] تقدم ٩٨/ ١٠٤٥. ٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، تقدم في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف ﵀ في ٩٨/ ١٠٤٥ - رواه هناك عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن سليمان بن سُحَيم. . . واستدلّ به هنا على الأمر بالاجتهاد في الدعاء في حالة السجود، واستدل به هناك على الأمرب "تعظيم الرب في الركوع"، وتقد قدم شرحه هناك مستوفًى، وكذا بيان المسائل المتعلقة به، فارجع إليه تستفد. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "يراها المسلم": بالبناء للفاعل، أي يراها المُبَشَّر بها له. وقوله: "أو ترى له" بالبناء للمفعول، أي أو يراها غير الْمُبَشَّرِ لأجله. وقوله: "قمن" بفتح القاف، وكسر الميم، أو فتحها: أي جدير، وخَلِيق أن يستجاب دعاؤكم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8424

١٥٣ - (بَابُ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ) ١١٢١ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي رِشْدِينَ -وَهُوَ كُرَيْبٌ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا، فَرَأَيْتُهُ قَامَ لِحَاجَتِهِ، فَأَتَى الْقِرْبَةَ، فَحَلَّ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَنَامَ ثُمَّ قَامَ قَوْمَةً أُخْرَى، فَأَتَى الْقِرْبَةَ، فَحَلَّ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا، هُوَ الْوُضُوءُ، ثُمَّ قَامَ، يُصَلِّي، وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ تَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَعَنْ يَمِيني نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَاجْعَلْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ خَلْفِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا"، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ بِلَالٌ، فَأَيْقَظَهُ لِلصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميمي، أبو السَّريّ الكوفي، ثقة [١٠] تقدم ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث [٧] تقدم ٧٩/ ٩٦. ٣ - (سعيد بن مسروق) الثوري، الكوفي، ثقة [٦]. رَوَى عن إبراهيم التيمي، وسلمة بن كُهَيل، وأبي وائل. وعنه الأعمش، وولده سفيان، وابن المبارك، وشعبة، وأبو الأحوص، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، والنسائي: ثقة. ووثقه ابن المديني، وذكره ابن حبان في "الثقات". مات سنة (١٢٦) وقيل: سنة (١٢٨) وقيل: (٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٤ - (سلمة بن كُهَيل) الحضرمي، أبو يحيى الكوفي، ثقة [٤] تقدم ١٩٥/ ٣١٢. ٥ - (أبو رِشْدِين كريب) بن أبي مسلم، مولى ابن عباس المدني، ثقة [٣] تقدم ١٦١/ ٢٥٣. ٦ - (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله عندهم ثقات، ومن

стр. 8425

رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، إلا في "خلق أفعال العباد"، وأنهم كوفيون غير كريب، وابن عباس، فمدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن عباس أحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثا، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: بتّ عند خالتي ميمونة بنت الحارث) ﵂ (وبات رسول ﷺ عندها) جملة في محل نصب على الحال بتقدير "قد" على رأي البصريين، أي والحال أنه ﷺ قد بات تلك الليلة عند ميمونة، لكونها نوبتها. وفي رواية للبخاري: "وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها" (فرأيته) ﷺ (قد قام لحاجته) أي لقضائها، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المفعول، وليست مفعولا ثانيا لـ"رأى" لأنها بصرية لا تتعدى لمفعولين. والمراد بالحاجة هنا حاجة البول، لما في رواية المصنف في "الكبرى" ٢٧/ ١٣٣٩ - من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن كريب: "ثم قام، فخرج، فبال، ثم أتى سقاء مُوكًا، فحلّ وِكاءه". . . (فأتى القربة) بكسر القاف، وسكون الراء: وَطْبُ اللبنِ -أي سقاؤه-، وقد تكون للماء. وقيل: هى المَخْرُوز من جانب واحد، والجمع في القلّة قِرْبَات -بسكون الراء- وقِرِبات -بكسرها- وقِرَبَات -بفتحها- وهكذا كل ما كان على "فِعْلَة"، مثل سِدْرَة، وفِقْرَة، يجوز لك أن تفتح العين، وتكسرها، وتسكنها. وجمعها في الكَثْرة: قِرَبٌ. أفاده المجد، وابن منظور (١) و"الوطب" بفتح، فسكون: سقاء اللبن، يتخذ من جلد الجَذَع، فما فوقُ، جمعه أوطُب، ووِطَاب، وأوطاب. أفاده المجد (٢) .. (فعل شِنَاقها) بكسر الشين المعجمة: الخيط، أو السَّيْرُ الذي تعلق به القِرْبة، والخيط الذي يشدّ به فمها. يقال: شَنَقَ القربة، وأشنقها: إذا أوكأها، وإذا علّقها. قاله ابن الأثير (٣). وقال في "الفتح": "الشناق" بكسر المعجمة، وتخفيف النون، ثم قاف: هو رِبَاط القِرْبَة، يشدّ عنقها، فشبه بما يُشنق به، وقيل: هو ما تعلق به، ورجح أبو عبيد الأول. انتهى (٤).

стр. 8426

(ثم توضأ وُضوءًا بين الوضوءين) زاد في رواية للبخاري من طريق سفيان عن سلمة: "لم يكثر، وقد أبلغ". وهذه الزيادة تفسير لقوله: "بين الوضوءين" أي وضوءا وَسَطًا، بيّن الإسراف والتقتير. وقال في "الفتح": وهو يحتمل أن يكون قلّل من الماء مع التثليث، أو اقتصر على ما دون الثلاث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر؛ لأنه يؤيده وصف الوضوء الآتي بقوله: "هو الوضوء". أي الوضوء الكامل. والله تعالى أعلم. ووقع عند الطبراني من طريق منصور بن المعتمر، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه في هذه القصة: "وإلى جانبه مِخْضَب من بِرَام مطبق، عليه سواك، فاستّن به، ثمّ توضّأ". (ثم أتى فراشه، فنام) الظاهر أن هذا الوضوء لم يصل به، بل نام بعده، ويحتمل أنه صلى به، ثم أتى الفراش، فنام. والله تعالى أعلم. (ثم قام قومة أخرى) التاء للمرة، كما قال في "الخلاصة": وَفَعْلَةٌ لمَرَّةٍ كجَلْسَهْ … وَفعْلَةٌ لهَيْئَة كَجِلْسَهْ (فأتى القربة، فْحلَّ شِنَاقها، ثم توضأ وُضوءًا هو الوضوء) أي الكامل، يعني أنه توضأ ثلاثا، وفي الروأية الآتية في "كتاب قيام الليل" -٩/ ١٦٢٠ - من طريق مخرمة بن سليمان، عن كريب: "ثم قام" إلى شنّ معلّقة، فتوضأ منها، فأحسن الوضوء. . ." (ثم قام يصلي) جملة "يصلي" في محلّ نصب على الحال، أي قام حال كونه مصليا، ولم يذكر هنا عدد صلاته ﷺ ، وذكره في الرواية المذكورة أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، وأن ابن عباس صلى معه، ولفظه: "قال عبد الله بن عباس: فقمت، فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت، فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى، يَفتِلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر". (وكان يقول في سجوده) كذا عند المصنف ﵀ أن هذا الدعاء قاله في سجوده، وكذا عند مسلم رحمه الله تعالى. ويعارضه ما وقع في رواية لمسلم من طريق محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، أنه ﷺ قال ذلك، وهو خارجٌ إلى الصلاة، ولفظه: فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: "اللَّهم اجعل في قلبي نورا". . . وما وقع عند الترمذي أنه ﷺ قال ذلك حين فرغ من صلاته، وعند البخاري في

стр. 8427

"الأدب المفرد" من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، "كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يصلي، فقضى صلاته يثني على الله بما هو أهله، ثم يكون آخر كلامه: "اللَّهم اجعل في قلبي نورا". . . الحديث. وأجاب الحافظ رحمه الله تعالى بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر عندي أنه ﷺ كان يقول هذا الدعاء في سجوده، وعند فراغه من صلاته، وحينما يخرج إلى المسجد.، فبهذا تجتمع الروايات، والله تعالى أعلم. (اللَّهم اجعل في قلبي نورًا) التنوين للتعظيم، أي نورًا عظيما. والنور في الأصل: ما يتبين به الشيء حسيا كان، أو معنويًا. وقَدَّمَ القلب لشرفه، لكونه ملك الأعضاء، إذ هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فإذا استنار القلب فاض نوره على البدن كله، فتنشط الأعضاء للطاعة، كما قال بعضهم: [من الخفيف] وَإِذَا حَلَّتِ الهِدَايَةُ قَلبًا … نَشِطَتْ للْعِبَادَةِ الأَعْضَاءُ (واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا) أي في جانبي، أو في جارحتي (واجعل أمامي نورًا) أي قدامي نورا يسعى بين يديّ (واجعل خلفي نورًا) أي ليتبعني أتباعي، ويقتدي بي أشياعي. والمعنى: اجعل في كل عضو من هذه الأعضاء، وفي كل جهة من هذه الجهات نورا، أهتدي به في اتباع الحق، والعمل به، ويهتدي به من أراد اتباعي على الحق. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: أراد ضياء الحق، وبيانه، كأنه قال: اللَّهم استعمل هذه الأعضاء مني في الحقّ، واجعل تصرفي وتقلّبي فيها على سبيل الصواب والخير. انتهى (١) وقال النووي ﵀: قال العلماء ﵏: سأل النور في أعضائه وجهاته، والمراد به بيان الحقّ، وضياؤه، والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه، وجسمه، وتصرفاته، وتقلباته، وحالاته، وجملته في جهاته الستّ حكى لا يزيغ شيء منها عنه. انتهى (٢)

стр. 8428

وقال القرطبي ﵀: هذه الأنوار يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نورا يستضيء به في ظلمات يوم القيامة هو، ومن تبعه، أو من شاء الله منهم. قال: والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٢]. قال: والتحقيق في معناه أن النور مُظهِرُ ما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصَرَات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات. انتهى. وقال الطيبي رحمه الله تعالى: معنى طلب النور للأعضاء عضوا عضوا أن يتحلى كلُّ عضو بأنوار المعرفة والطاعات، ويتعرّى عما عداهما، فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادّة لتلك الجهات. قال: وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان، وضياء الحق، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النور: ٣٥] انتهى ملخصا. قال الحافظ: وكان في بعض ألفاظه ما لا يليق بالمقام، فحذفته. انتهى. وقال الطيبي أيضا: خص القلب والسمع والبصر بـ"في" الظرفية؛ لأن القلب مقرّ الفكر في آلاء الله تعالى، والبصر مَسَارح النظر في آيات الله المنصوبة المبثوثة في الآفاق والأنفس، والسمع مَحَطُّ آيات الله المنزلة على أنبياء الله، واليمين والشمال خُصّا بـ"عن" للإيذان بتجاوز الأنوار عن قلبه وبصره وسمعه إلى من عن يمنيه وشماله من أتباعه، وعُزِلَت "فوق"، و"تحت"، و"أمام"، و"خلف" من "مِنْ" الجارّة لتشمل استنارته وإنارته معا من الله والخلق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه تعالى: هذا الذي قاله الطيبي ﵀ من تجريد "تحت"، و"فوق" إنما يناسب رواية الشيخين، وأما رواية المصنف، فقد اقترن "تحت" و"فوق". بها، فليُتنَبَّهْ. والله تعالى أعلم. (وأعظم لي نورًا) أي اجعل لي نورًا عظيما جامعا للأنوار كلها. انتهى. وفي رواية لمسلم: "واجعل لي نورا، أو قال: "واجعلني نورا". وهذا إجمال بعد تفصيل. قال بعضهم: جعله فَذْلَكَةً لما تقدم، أي إجمالا لذلك التفصيل. وفَذْلَكَة الشيء:

стр. 8429

جمعُة، مأخوذ من "فَذَلِك"، وهو مصنوع، كالبسملة. أفاده في "المرقاة". وقال المجده اللغوي رحمه الله تعالى: فَذْلَكَ حسابَهُ: أنهاه، وفرغ منه، مُختَرَعَةٌ من قوله إذا أجمل حسابه: فَذَلِكَ كذا وكذا. انتهى. وفي رواية لمسلم من طريق عقيل بن خالد، عن سلمة: "واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا". وفي أخرى له متن طريق حبيب بن أبي ثابت، عن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: "اللَّهم أعطني نورًا" وفي رواية للترمذي: قال ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حين فرغ من صلاته: "اللَّهم إني أسألك رحمة متن عندك". . . فساق الدعاء بطوله، وفيه: "اللَّهم اجعل لي نورًا في قلبي، ونورًا في قبري" ثم ذكر الجهات الستّ، والسمع، والبصر، ثم الشعر والبشر، ثم اللحم والدم والعظام، ثم قال في آخره: "اللَّهم أعظم لي نورًا، وأعطني نورا، واجعل لي نورا". قال الترمذي رحمه الله تعالى: غريب، وقد روى شعبة، وسفيان عن سلمة، عن غريب بعض هذا الحديث، لم يذكروه بطوله انتهى. وعند ابن أبي عاصم في "كتاب الدعاء" من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن كريب في آخر الحديث: "وهب لي نورا على نور". ويجتمع من اختلاف الروايات، كما قال ابن العربي خمس وعشرون خصلة. أفاده في "المرعاة". (ثم نام حتى نفخ، فأتاه بلال) ﵁ (فأيقظه للصلاة) وفي الرواية المتقدمة ٤١/ ٦٨٦ - من طريق مخرمة بن سليمان، عن كريب: "ثم نام حتى استُثقِلَ، فرأيته ينفخ، وأتاه بلال، فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام، فصلى ركعتين، وصلى بالناس، ولم يتوضأ". وفي الرواية الآتية ٩/ ١٦٢٠: "ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فصلى ركعتين خفيفتين". وفي رواية للبخاري: "ثم اضطجع، فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة، فصلى، ولم يتوضأ". وفي رواية لمسلم: "ثم نام حتى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٥٣/ ١١٢١ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٧٠٨ - عن هناد بن السري، عن أبي

стр. 8430

الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن سلمة بن كُهَيل، عن كريب، عنه. وفي -٤١/ ٦٨٦ - و"الكبرى" ٣٨/ ١٦٥٠ - عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عنه. وفي -٢٩/ ٤٤٢ - عن قتيبة عن داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن كريب به. وفي -٩/ ١٦٢٠ - عن محمَّد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن مخرمة به. وفي ٢٢/ ٨٠٦ - و"الكبرى" ٢٢/ ٨٨٠ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عنه. وفي -٣٩/ ١٧٠٤ - و ٢٧/ ١٣٤٤ - عن محمَّد ابن رافع، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده. و-١٧٠٥ - و"الكبرى" -١٣٤٨ - عن أحمد بن سليمان، عن حسين المعلم، عن زائدة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن حبيب به. و-١٧٠٦ - و"الكبرى" ١٣٤٥ - عن محمد بن جَبَلَةَ، عن مَعْمَر بن مَخلَد، عن عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أبي أنيسة، عن حبيب به. وفي "الكبرى" ٢٧/ ١٣٣٧ - عن قتيبة، عن مالك به. و ٢٧/ ١٣٣٩ - عن محمَّد بن إسماعيل بن سمرة، عن محمَّد بن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب، عن كريب به. وفي -٥٨/ ١٤٢٥ - عن محمَّد ابن رافع، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عنه. وفي ٢٧/ ١٣٤١ - عن عمرو بن يزيد، عن بهز، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁. و ٢٧/ ١٣٤٢ - عن محمَّد بن علي بن ميمون الرَّقِّيِّ، عن القعنبي، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبد المجيد بن سهيل، عن يحيي بن عباد، عن سعيد به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن إسماعيل بن أبي أويس، والقعنبي، وعن عبد الله بن يوسف، كلهم عن مالك به. وعن علي بن المديني، عن ابن مهدي، ومعن بن عيسى، كلاهما عن مالك به. وعن قتيبة، عن مالك به. وأخرجه أيضا بأسانيد أخرى، تركتها اختصارا. (م) عن يحيى بن يحيي، عن مالك به. وعن محمَّد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب، عن عياض بن عبد الله، عن مخرمة بن سليمان به. وعن محمَّد بن رافع، عن ابن أبي فُديك، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن وكيع، عن الثوري- وعن عبد الله بن هاشم، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري- وعن محمَّد بن بشار، عن غندر، عن شعبة- كلاهما عن سلمة ابن

стр. 8431

كهيل به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السري، كلاهما عن أبي الأحوص به. وله أسانيد أخرى تركتها اختصارا. (د) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده به. وعن القعنبي، عن مالك به. وأخرجه بأسانيد أخرى. (ت) عن قتيبة، عن داود العطار به. (ق) عن أبي بكر بن خلاد، عن معن بن عيسى، عن مالك به. وأخرجه مالك في "الموطإ"، والحميدي، وأحمد في "مسنديهما"، وابن خزيمة في "صحيحه"، وغيرهم بألفاظ مختلفة، مطولا، ومختصرا. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الدعاء في السجود بهذا الدعاء (ومنها): جواز مبيت من لم يحتلم عند ذوات محارمه (ومنها): جواز المبيت عند الرجل، ومعه أهله (ومنها): فضل ابن عباس ﵄، حيث بات يراقب النبي ﷺ في أفعاله، ليقتدي به (ومنها): مبالغة العبد في طلب الأنوار من الله تعالى، حتى تكون محيطة به ظاهرا وباطنا، ليكون على بصيرة من أمره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) أي هذا باب ذكر الحديث المشتمل على نوع آخر مما يُدْعَى به في السجود. ودلالة الحديث على ما بوب له واضحة. ١١٢٢ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا، وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سويد بن نصر) المروزى، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥.

стр. 8432

٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحافظ الحجة [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧. ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] تقدم ٢/ ٢. ٥ - (أبو الضحى) مسلم بن صُبَيح الكوفي، ثقة فاضل [٤] تقدم ٩٦/ ١٢٣. ٦ - (مسروق) بن الأجدع، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] تقدم ٩٠/ ١١٢. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم للمصنف -رحمه الله تعالى- في ١٠٠/ ١٠٤٧ - أخرجه هناك عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيمي، ويزيد بن زريع، كلاهما عن شعبة، عن منصور. . . وقد استوفيت هناك شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فراجعه تستفد. والله ولي التوفيق. ومعنى قوله: "يتأول القرآن": أي يعمل ما أمر به في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الآية [النصر: ٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٥ - (نَوْعٌ آخَرُ) ١١٢٣ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، رَبَّنَا (١)، وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث هو المذكور في الباب الماضي سندا

стр. 8433

ومتنا، ولا وجه لإيراده تحت ترجمة: "نوع آخرُ" إذ هو ليس نوعا آخر. وإنما غايته أنه طريق آخر للحديث، فقد أبدل شيخه نصرًا بمحمود بن غيلان، وأبدل شيخ شيخه ابن المبارك بوكيع. فليُتَأَمّل. ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح الرُّؤَاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما إستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٦ - (نَوعٌ آخَرُ) ١١٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂، فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَضْجَعِهِ، فَجَعَلْتُ أَلْتَمِسُهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ، فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن قُدَامة) المصيصي، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الكوفي، نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر تقدم قبل باب. ٤ - (هلال بن يسِاَف) الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٩/ ٤٣. ٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت -٢٢١٠ - أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂) أنها قالت (فقدت رسول الله ﷺ ) قال الفَيُّومي: فَقَدْتُه فَقْدًا، من

стр. 8434

باب ضرب، وفِقْدَانا: عَدِمتُهُ، فهو مفقود، وفَقِيد، وافتقدته مثلُهُ. انتهى. (من مضجعه) بفتح الميم، والجيم: موضع الضُّجُوع، وهو وضع الجنب بالأرض. يقال: ضَجَعْتُ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: وضعت جنبي بالأرض، وأضجعت بالألف لغةٌ. أفاده في "المصباح"، و"المختار". والجارّ والمجرور متعلق بـ"فقدت". (فجعلت ألتمسه) أي شرعت أطلبه، فـ"جعل" من أفعال الشروع، والضمير اسمها، وجملة "ألتمسه" خبرها. و"التمس" الشيءَ بمعنى طَلَبَه. (وظننت) جملة في محل نصب على الحال من ضمير "ألتمسه"، أي حال كوني ظانة (أنه أتى بعض جواريه) جمع جارية، بمعنى الأمة، وأصل الجارية: السفينة، سميت بذلك لجريها في البحر، فسميت الأمة به على التشبيه، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة لخفتها، ثم توسعوا حتى سموا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزا لا تقدر على السعي، تسميةً بما كانت عليه. قاله الفيومي رحمه الله تعالى. وكأن عائشة ﵂ استبعدت إتيانه زوجا أخرى، لمراعاة القَسْم، سواء قلنا بوجوبه عليه ﷺ ، أم لا؟. ويحتمل أنها أرادت باسم الجارية ما يعم الأزواج، وهو الموافق لما سيأتي ١٦٣/ ١١٣١ - حيث قالت: "فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه". والله تعالى أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى. (فطلبته، فإذا هو ساجد) "إذا" هنا في الفُجائية، أي ففجاءني سجوده ﷺ (وهو يقول) جملة حالية من "هو" على رأي سيبويه في جواز مجيء الحال من المبتدإ، أو من الضمير في "ساجد". (اللَّهم) أي يا الله، فالميم عوض عن حرف النداء، ولا يجمع بينهما إلا في الضرورة، كما قال ابن مالك ﵀: وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إِلَّا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ وفي بعض النسخ "رب" بدل "اللَّهم". (اغفر لي ما أسررت) أي استر لي ذنوبي التي عملتها سرّا، فـ"ما" موصول اسمي، مفعول به لـ"اغفر"، والعائد محذوف لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة": وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كحَذفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ أي الذي أسررته (وما أعلنت) أي الذنوب التي عملتها عَلَنًا، أي جهرا بين الناس، وإعرابه كسابقه.

стр. 8435

وفي الحديث استحباب هذا الدعاء في السجود، وبيان ما كان عليه النبي ﷺ من كثرة الاستغفار، مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ليكون عبدا شكورا، ولتقتدي به أمته، وفيه ما جُبلَت عليه النساءُ من الغَيْرَة على أزواجهن، ولا يؤاخذن بمثل ذلك، إلا إذا وقع منهن ظلم الضرائر بسببه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٥٦/ ١١٢٤ - وفي "الكبري" ٦٣/ ٧١٠ - بالسند المذكور. و -١١٢٥ - و"الكبرى" ٧١١ - بالسند الآتي، إن شاء الله تعالى. وأخرجه (أحمد) ٦/ ١٤٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١١٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ، فَطَلَبْتُهُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ، يَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ"). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم الكلام على هذا الحديث سندا ومتنا في الحديث الذي قبله. والذين لم يُذْكَرُوا فيه من رجال الإسناد ثلاثة: ١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠. ٢ - (محمَّد) بن جعفر المعروف بغندر، أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] تقدم ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. وقوله: "رب" منادى حذف منه حرف النداء، أي يارب، قال الحريري رحمه الله تعالى في "مُلحَته": وَحَذْفُ يَا يَجُوزُ فِي النَّدَاء … كَقَوْلِهم رَب اسْتَجِبْ دُعَاءِ فأصل "رب" ياربي مضافًا إلى ياء المتكلم، ثم يجوز فيه ست لغات، ذكر ابن مالك منها الخمسة بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَح إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا والسادس ضمه تشبيها له بالمفرد، وهو قليل الاستعمال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8436

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٧ - (نَوْعٌ آخَرُ) ١١٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا سَجَدَ، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) البصري الإمام الحافظ الحجة [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩. ٣ - (عبد العزيز بن أبي سلمة) هو ابن عبد الله، نسب لجده، المدني، نزيل بغداد، ثقة فقيه [٧] تقدم ١٧/ ٨٩٧. ٤ - (الماجشون بن أبي سلمة) هو يوسف بن أبي سلمة المدني، صدوق [٤] تقدم ١٧/ ٨٩٧. ٥ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٧/ ٧. ٦ - (عبيد الله بن أبي رافع) المدني مولى النبي ﷺ ، وكاتب علي ﵁، ثقة [٣] تقدم ١٧/ ٨٩٧. ٧ - (علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، تقدم ٧٤/ ٩١. ولطائف الإسناد تقدمت غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد يقول: اللَّهم لك سجدت) أي لك، لا لغيرك، ففي تقديم المعمول إفادة الحصر والاختصاص (وبك آمنت) أي بك لا بغيرك صدقت، ففيه ما تقدم قبله (سجد وجهي) أي خضع، وذل، وانقَاد (للذي خلقه) أي أوجده من العدم، وأسبغ عليه النعم

стр. 8437

(وصوره) أي رتبه على هيئة خاصة، كما شاءها (فأحسن صورته) أي أحسن تركيب هيئته كما شاء. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الآية [الحشر: ٢٤]: ما نصه: الخلق: التقدير، والبَرْء هو الفَرْي، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدّره، وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدّر شيئًا، ورتّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ، قال الشاعر يمدح آخر (١): [من الكامل] وَلأَنتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وَبعْـ … ـضُ الْقَوْمِ يخلُقُ ثمَّ لَا يَفْري أي أنت تنفذ ما خلقت، أي قدّرت، بخلاف غيرك، فإنه لا يستطع ما يريد، فالخلق التقدير، والفَرْى التنفيذ، ومنه يقال: قدّر الجَلَّادُ ثم فَرَى أي قطع على ما قدّره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ أي الذي إذا أراد شيئا قاله "كن"، فيكون على الصفة التي يريد الصورة التي يختار، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] ولهذا قال: "المصور"، أي الذي ينقذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريد. انتهى (٢) (تبارك الله) قال ابن منظور رحمه الله تعالى: "تبارك الله": تقدّس، وتنزه، وتعالي، وتعاظم. ولا تكون هذه الصفة لغيره. قال: وسئل أبو العباس عن تفسير "تبارك الله"؟ فقال: ارتفع، والمتبارِكُ: المرتفع. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة، وروي عن ابن عباس ﵄. ومعنى البركة: الكثرة في كل خير. وقال ابن الأنباري: تبارك الله: أي يُتَبَرَّك باسمه في كل أمر. وقال الليث في تفسير تبارك الله: تمجيد وتعظيم. انتهى "لسان العرب" اختصار. جـ ١ ص ٢٦٦. وقال النووي ﵀ في "المجموع" برقم ص ٤٠٩ - ٤١٠: قوله: "تبارك الله": أي تعالى، والبركة النماء والعلوّ، حكاه الأزهرى، عن ثعلب. وقال ابن الأنباري: تبرك العباد بتوحيده، وذكر اسمه. وقال ابن فارس: معناه ثبت الخير عنده.، قيل: تعظم، وتمجّد. قاله الخليل. انتهى. (أحسن الخالقين) بالرفع فاعل "تبارك"، أي المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد، وغيره إنما يوجد صورا مُمَوَّهَةً، ليس فيها شيء من حقيقة الخلق، مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته،

стр. 8438

كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وقال العلامة القرطبي ﵀: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أتقن الصانعين، يقال لمن صنع شيئا: خلقه، ثم استشهد بالبيت المتقدم عند ذكر كلام ابن كثير ﵀. قال: وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. وقال ابن جريج: إنما قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لأنه تعالى أذن لعيسى ﵇ أن يخلق. واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تُنفَى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى (١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن إطلاق الخلق لغير الله بمعنى الصنع جائز؛ لوقوعه في كلام الله تعال، كقوله سبحانه: ﴿آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] حيثا أضاف "أحسن" إلى "الخالقين"، وكقوله تعالى في تعداد ما أنعم الله على نبيه عيسى ﵊: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الآية [المائدة: ١١٠]، فإذا ورد ذلك في القرآن، فلا توقف، ولا اعتراض ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. والله تعالى أعلم بالصواب. وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "أحسن الخالقين" أي المقدرين، أو لو فرض هناك خالق آخر لكان أحسنهم خَلْقًا، وإلا فهل من خالق غير الله، لا إله إلا هو. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا داعي للاحتمال الثاني؛ إذ لا محذور في المعنى الأول؛ إذ الخلق من الله بمعنى الإيجاد، ومن الخلق بمعنى التقدير والتصوير، فبينهما بَوْنٌ عظيم. فالله له التقدير والتصوير، والإيجاد، فأفادت إضافة أفعل التفضيل زيادة خلقه على خلق غيره، فإنهم وإن وُصفوا بالخالقية، فلا يراد بها إلا الناقص، وهو التقدير والتصوير، وهو مع ذلك مخلوق لله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وأما خالقية الله سبحانه، فأكمل، إذ هي التقدير والتصوير المقترن بالإيجاد، والإمداد، من دون مشارك له في ذلك والله تعالى أعلم.

стр. 8439

[تنبيه]: رأيت للشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى استشكالا في "أحسن الخالقين"، ونحو "أرحم الراحمين"، و"أحكم الحاكمين" نقله الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الكتاب، أعرضت عن ذكره، لكونه اعتراضا على ما جاء النص الصريح به، فالاشتغال بحكاية مثل هذا اشتغالٌ بما لا يعني. والله أعلم بالصواب. [قال الجامع عفا الله تعالى عنه]: حديث علي رضي الله تعالى عنه هذا حديث طويل مشتمل على أذكار الصلاة من أولها إلى آخرها، أخرجه المصنف -رحمه الله تعالى- مقطعا في عدة أبواب، فأخرجه في ١٦/ ٨٩٦ و ١٧/ ٨٩٧ مستدلا به على ما يقال بين التكبير والقراءة من الذكر، وفي ١٠٣/ ١٠٥٠ - مستدلاّ به على ما يقال في الركوع من الذكر، وفي هذا الباب مستدلّا به على ما يقال في السجود من الذكر، وكلها بسند الباب. والحديث بطوله أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال: حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدّمي، قال: حدثنا يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكى، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، اللَّهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك، وإليك، تباركت، وتعاليت، أستغفرك، وأتوب إليك". وإذا ركع قال: "اللَّهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظمي، وعصبي". وإذا رفع قال: "اللَّهم ربنا لك الحمدُ ملءَ السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعدُ". وإذا سجد قال: "اللَّهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوّره، وشقّ سمعه، وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين". ثمّ يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللَّهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم،

стр. 8440

وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥٨ - (نَوْعٌ آخَرُ) ١١٢٧ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَيْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَأَنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يحيى بن عثمان) الحمصي القرشي، صدوق عابد [١٠] تقدم ٢٩/ ٨١٧. ٢ - (أبو حيوة) شُرَيح بن يزيد الحضرمي الحمصي المؤذن، ثقة [٩] تقدم ١٦/ ٨٩٦. [تنبيه]: أشار في هامش بعض النسخ إلى أن لفظة "أبو" من "أبو حيوة" ساقطة من بعض النسخ، وهو غلط، والصواب ما هنا، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٣ - (شعيب بن أبي حمزة) دينار الحمصي، أبو بشّر، ثقة ثبت عابد [٧] تقدم ٦٩/ ٨٥. ٤ - (محمَّد بن المنكدر) التيمي المدني، ثقة فاضل [٣] تقدم ١٠٣/ ١٣٨. ٥ - (جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، تقدم للمصحف رحمه الله تعالى في ١٦/ ٨٩٦ - بجزء دعاء الاستفتاح، رواه هناك، عن شيخه عمرو بن عثمان الحمصي، وهو أخو شيخه هنا يحيي بن عثمان، وتقدم الكلام على ذكر لطائف الإسناد، وبيان المسائل المتعلقة بالحديث هناك، وأما شرح الحديث، فيُعلم من شرح حديث علي رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب الذي قبله. فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →