وتقدم البحث عنه قريبا.
ومنها: قوله: واللفظ له، يعني أن حمادا، ومالكا، وابن المبارك، رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، إلا أن اللفظ المذكور هو لفظ ابن المبارك، وأما لفظ حماد، ومالك، فغير هذا، بل وافقاه في المعنى.
والحاصل أن المصنف روى هذا الحديث هنا عن ثلاثة شيوخ:
أحدها: عن شيخه يحيى بن حبيب، عن حماد.
والثاني: عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
والثالث: عن سليمان بن منصور، عن عبد الله بن المبارك، والثلاثة عن يحيى بن سعيد، ثم إن اللفظ الذي ساقه هنا هولفظ ابن المبارك، وأما الآخران فروياه بالمعنى.
وهذا الذي سلكه من نسبة اللفظ لأحدهم هو الأحسن، كما أشار إليه السيوطي في الألفية، حيث قال:
ومَنْ رَوَى مَتْنًا عَنْ أشْيَاخ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ ما اتَّحَدْ
مُقْتَصرًا بلَفْظ واحد وَلَمْ … يُبَيّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أوْ قَال قَدْ تَقَاربَا في اللَّفْظ أوْ … وَاتَّحَدا المعَنَى عَلَى خُلْف حَكَوْا
وَإنْ يكُنْ للفظه يُبَيِّنُ … مَعْ قَالَ أو قَالا فَذَاكَ أحْسَنُ
وقد تقدم تمام هذا البحث، وسيأتي أيضًا، وسننبه عليه حيث يمر بنا إن شاء الله تعالى.
ومنها: كتابة "ح" بين الإسنادين وتقدم البحث عنها قريبا.
ومنها: أن إسناد حماد، وعبد الله عاليان، بخلاف إسناد مالك، فإنه نازل بدرجة، فقد وصل المصنف إلى يحيي بن سعيد، بواستطين
стр. 877
فيهما، ويثلاث فيه.
ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، وهم يحيى بن سعيد، ومحمد بن إبراهيم، وعلقمة، وهذا على قول الجمهور، حيث إنهم لم يثبتوا صحبة علقمة، وقيل: إن له صحبة، فعلى هذا ففيه رواية صحابي عن صحابي، والأول أصح.
ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث، والإنباء، وكلها من صيغ الاتصال في غير المدلس على الصحيح.
فائدة: من ألطف ما وقع في الأسانيد رواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض، أو خمسة، ولا يوجد أكثر من ذلك، قال السيوطي في ألفيته:
وفي الصِّحَاب أرْبَعٌ في سَنَد … وخَمْسَةٌ وبَعْدَهَا لم يُزدِ
وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصفهاني جزءا لرباعي الصحابة وخماسيهم، ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء جمع اختلاف طرقه، وهو حديث منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الرَّبيع بن خُثَيْم، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ في "إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن".
وقال يعقوب بن أبي شيبة: وهو أطول إسناد روي، قال الخطيب: والأمر كما قال، قال: وقد روي هذا الحديث أيضا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الرَّبيع، عن عبد الرحمن، فذكره، قاله البدر العيني في العمدة ج ١/ ص ٢١ والله أعلم.
стр. 878
شرح الحديث
(عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال) جمع عمل، مصدر قولك: عَملَ يَعْمَلُ عَمَلًا، والتركيب يدل على فعل يُفْعل،، والفرق بينه وبين الفعل كما قال الصغاني: أن الفعل أعم من العمل؛ لأنَّ الفعل إحداث شيء من العمل وغيره، أفاده العيني، وفي "ق" وشر حه: العمل محركة: المهنة، والفعل، جمعه أعمال، وزعم بعض أئمة اللغة والأصول: أن العمل أخص من الفعل؛ لأنه الفعل بنوع مشقة، قالوا: ولذا لا ينسب إلى الله تعالى، وقال الراغب: العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بقصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم الإبل والبقر العوامل، وقال شيخنا: العمل حركة البدن بكله أو بعضه، وربما أطلق على حركة النفس، فهو إحداث أمر، قولا كان أو فعلا بالجارحة، أو القلب، لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة وخصه البعض بما لا يكون قولا، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أولى من حيث استعمالهما متقابلين، فيقال: الأقوال، والأفعال، وقيل: القول لا يسمى عملا عُرْفا، ولذا يعطف عليه، فمن حلف لا يعمل، فقال، لم يحنث، وقيل التحقيق: إنه لا يدخل في العمل، والفعل إلا مجازا. اهـ تاج العروس ج ٨/ ص ٣٤.
(بالنية) بالإفراد، وسنبين اختلاف ألفاظه في المسائل إن شاء الله تعالى، والنية: مصدر نَوَى ينوي، قال الجوهري: نويت نيَّة ونواة، أي عزمت، وانتويت مثله، وهي بالتشديد على المشهور، وحكي تخفيفها كما تقدم في أول الباب.
стр. 879
واختلفوا في تفسيرها: فقيل: هو القصد إلى الفعل، وقال الخطابى: هو قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقال التيمي: هنا وجهة القلب، وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالا أو مآلا، وقال النووي: النية القصد، وهي عزيمة القلب، وقال الكرماني: ليس هو عزيمة القلب، لما قال المتكلمون: القصد إلى الفعل، هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه، ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد، ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به.
قال البدر العيني: قلت: العزم هو إرادة الفعل، والقطع عليه، والمراد من النية هنا هو هذا المعنى، فلذلك فسر النووي القصد الذي هو النية بالعزم، فافهم.
على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي قد جعل في أربعينه النية، والإرادة، والقصد والعزم بمعنى، ثم قال: وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه، وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها. اهـ عمدة جـ١/ ص ٢٦.
قال في الفتح: قال الكرماني: هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختلف في وجه إفادته، فقيل: لأن "الأعمال" جمع مُحَلى بالألف واللام، مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر؛ لأن معناه كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية، وقيل: لأن "إنما" للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو العرف، أو تفيده بالحقيقة أو المجاز؟ ومقتضى كلام الإمام، وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل
стр. 880
العربية، واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن، إنما قام زيد، في جواب هل قام عمرو؟ وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب ما قام إلا زيد، وهي للحصر اتفاقا، وقيل: لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد، مع ما قام إلا زيد، ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول، وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفي الحصر، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع كسوف والسين، وقد وقع استعمال "إنما" موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: آية ١٦] وكقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: آية ٣٩]، وقوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: آية ٩٢]، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: آية ٩٩] ومن شواهده قول الأعشى:
ولسْتَ بالأكْثَر منهم حَصىً … وَإنَّمَا العزَّة للكَاثرِ
يعني: ما ثبتت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. اهـ فتح جـ ١/ ص ١٨ - ١٩. وسيأتي مزيد بسط في هذا البحث في المسائل إن شاء الله تعالى.
والمراد بالأعمال: الأعمال الصادرة عن المكلفين، وهل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر الإخراج؛ لأن المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا بها معاقبا على تركها، ولا يرد
العتق، والصدقة؛ لأنهما بدليل آخر.
وقوله (بالنية) الباء للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل، فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل، فلا يشترط أن لا تتخلف عن أوله. قاله في الفتح، وسيأتي تمام البحث في المسائل إن شاء الله تعالى.
(وإنما لامريء) قال السندي ﵀: وقوله "لامرئ" بمعنى لكل
стр. 881
امرئ، كما جاء في الروايات، وذلك لأن "إنما" يتضمن الأثبات في أول الكلام والنفي في آخر جزء منه فالنكرة صارت في حيز النفي فتفيد ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: آية ١٤] ولا يخفى أنه يظهر على هذا المعنى تفريع "فمن كانت هجرته" على ما قبله أشدَّ ظهور. اهـ.
وفيه لغتان: امرء كزبْرج، ومَرْء كفَلْس، ولا جمع له من لفظه، وهو من الغرائب؛ لأن عين فعله تابع للامه في الحركات الثلاث دائما، وكذا في مؤنثه أيضا لغتان: امرأة، ومرأة، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذْ قال: "لكل امرئ" "وإلى امرأة" قاله العيني. وقال العراقي: المعروف في الرواية كسر الراء من قوله "لكل امرئ" وعلى هذا فإعرابه بحرفين من آخره الراء والهمزة، تقول امرؤ جيد برفع الراء، ورأيت امرءا بنصبها، وهذه هي اللغة الفصحى، وفيه لغتان أخريان فتح الراء مطلقا، حكاها الفراء، وضمها مطلقا، وتكون حركات الإعراب في الهمزة فقط. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١١
(وإنما لكل إمرىء ما نوى) أي لكل رجل: الذي قصده، وكذا لكل امرأة لأن النساء شقائق الرجال، وفي "ق" المرأ مثلث الميم: الإنسان، أو الرجل.
وعلى القول بأن "إنما" للحصر، فهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ، أو يقال من قصر الصفة على الموصوف؛ لأن المقصور عليه في "إنما"، دائما المؤخر، قاله القسطلاني، وفي هذه الجملة تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال، قاله القرطبي.
فتكون على هذا جملةً مؤكدةً لما قبلها، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى نبهت على أن العمل تابع للنية، ويصاحبها
стр. 882
فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.
ثم فصل ما أجمله فيما تقدم بقوله (فمن كانت هجرته) بكسر الهاء فعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، قاله في النهاية. وفي الشرع: مُفارقةُ دار الكفر إلى دار الإسلام خوفَ الفتنة، وطلبَ إقامة الدين، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله إلى ما يحبه، ومن ذلك سُمِّيَ الذين تركوا مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك. قاله العيني.
أي من كانت رحلته من بلد إلى بلد آخر (إلى الله وإلى رسوله) بإعادة الجار، وثبت في رواية بحذفها، نيةً وقصدًا (فهجرته إلى الله وإلى رسوله) ﷺ حكما وشرعا، أو ثوابا وجزاء، وإنما قدرنا ذلك، ليتغاير الشرط، والجزاء؛ لأنه لا بد من ذلك، وإلا لم يكن مفيدا، وقيل: يجوز الاتحاد في الشرط والجزاء، والمبتدإ والخبر، إذا قصد التعظيم، أو التحقير كأنت أنت، أي العظيم، أو الحقير، ومنه قول أبي النجم: وشعري شعري، أي العظيم، وقيل: الخبر محذوف في الجملة الأولى منهما: أي فهجرته إلى الله ورسوله محمودة أو مثاب عليها، وفهجرته إلى ما هاجر إليه مذمومة أو قبيحة، أو غير مقبولة. اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٠٢.
(ومن كانت هجرته إلى دنيا) بضم الدال، وحكى ابن قتيبة كسرها وهي فُعْلى من الدُّنُوِّ، أي القرب، سميت بذلك لسبقها الأخرى، وقيل لدنوها إلى الزوال، وهي غير منونة على الأشهر، وحكي تنوينها،
وجمعها دُنَا، ككُبَر جمع كُبْرَى، والنسبة إليها دنيوي، ودنياوي، ودنْييّ، بقلب الواو ياء فتصير ثلاث ياءات، واختلف في حقيقتها،
стр. 883
فقيل: ما على الأرض من الهواء والجوّ، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، والأول أولى، لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة، ويطلق على كل جزء منها مجازا. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٣ - ٢٤.
(يصيبها) جملة في موضع جر صفة لدنيا، أي يحصلها؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود. اهـ فتح.
(أو امرأة ينكحها) أي يتزوجها، كما في الرواية الأخرى، وخص المرأة بالذكر بعد ذكر ما يعمها وغيرها للاهتمام بها، والتحذير عنها لأن الافتتان بها أشد (فهجرته إلى ما هاجر إليه) من الدنيا والمرأة. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه:
أخرج حديث عمر الأئمة الستة، فأخرجه مسلم عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يزيد ابن هارون، فوقع بدلا لهما عاليا بدرجتين، واتفق عليه الشيخان من
رواية مالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي.
وأخرجه البخاري، وأبو داود، من رواية الثوري، ومسلم من طريق الليث، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وحفص بن غياث، والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي، والنسائي من طريق مالك وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي خالد الأحمر، وابن ماجه أيضا من رواية الليث، عشرتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أورده البخاري في سبعة مواضع من صحيحه في بدء الوحي، والإيمان، والنكاح، والهجرة، وترك الحيل، والعتق، والنذور.
стр. 884
ومسلم في الجهاد، وأبو داود في الطلاق، والترمذي في الجهاد، والنسائي في أربعة مواضع في الطهارة، والإيمان، والعتاق، والطلاق، وابن ماجه في الزهد. اهـ طرح جـ ١/ ص ٣ بزيادة من العيني.
ورواه أحمد في مسنده والدارقطني، وابن حبان، والبيهقي، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في موطئه، ووهم ابن دحية الحافظ فقال في إملائه على
هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ، ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه. اهـ عمدة القاري جـ١/ ص ٢٤.
المسألة الثالثة: في بيان اختلاف ألفاظه:
قال البدر العيني: قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ "إنما الأعمال بالنيات" "والأعمال بالنية" "والعمل بالنية" وادعى النووي في تلخيصه قلَّتَهَا، والرابع "إنما الأعمال بالنية" وأورده القضاعي في الشهاب بلفظ خامس "الأعمال بالنيات" بحذف إنما، وجمع "الأعمال" "والنيات" قلت: هذا أيضا موجود في بعض نسخ البخاري، وقال الحافظ أبو موسى الأصفهاني: لا يصح إسنادها وأقره النووي على ذلك في تلخيصه، وغيره وهو غريب منهما، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في صحيحه عن علي بن محمَّد العتابي، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد،
عن علقمة، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "الأعمالُ بالنيات" الحديث، وأخرجه الحاكم أيضا في كتابه الأربعين في شعار أهل الحديث، عن أبي بكر بن خزيمة، ثنا القعنبي: ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، به سواء، ثم حكم بصحته، وأورده ابن الجارود في المنتقى بلفظ سادس عن ابن المقري: حدثنا سفيان، عن يحيى به "إن الأعمال بالنية،
стр. 885
وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا" الحديث، وأورده الرافعي في شرحه الكبير بلفظ آخر غريب وهو: "ليس للمرء من عمله إلا ما نواه" وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعا "لا عمل لمن لا نية له" وهو بمعناه لكن في إسناده جهالة. اهـ عمدة جـ ١/ ص ٢٤.
المسألة الرابعة: قال الحافظ العراقي: هذا الحديث من أفراد الصحيح لم يصح عن النبي ﷺ إلا من حديث عمر، ولا عن عمر، إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمَّد بن إبراهيم التيمي، ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، قال أبو بكر البزار:
في مسنده: لا نعلم يُروَى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ بهذا الإسناد.
وقال الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في أنه لم يصح مسندا عن النبي ﷺ إلا من رواية عمر، وقال الترمذي بعد تخريجه: هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد، وقال حمزة ابن محمَّد الكناني: لا أعلم رواه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم، ولا عن محمَّد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد، وقال محمَّد بن عتاب: لم يروه غير عمر، ولا عن عمر غير علقمة، إلى آخره اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣.
المسألة الخامسة: قال العراقي أيضا: ما ذكره هؤلاء الأئمة من كون حديث عمر فردا هو المشهور، وقد روي من طرق أخرى رأيت ذكرها للفائدة، فوقفت عليه مسندا من غير طريق عمر من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأنس، وعلي. فحديث أبي سعيد رواه الخطابي في معالم السنن، والدارقطني في غرائب مالك، وابن عساكر في
стр. 886
غرائب مالك، من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد. وهو غلط من ابن أبي رواد، وقول الخطابي: إنه يقال: إن الغلط إنما جاء من قبل نوح بن حبيب الذي رواه عن ابن أبي رواد، فليس بجيد من قائله، فإنه لم ينفرد به نوح به عنه، بل رواه غيره عنه، وإنما الذي تفرد به ابن أبي رواد كما قال الدارقطني، وغيره.
وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه، وهو وهم أيضا.
وحديث أنس: رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جدا، والمحفوظ من حديث عمر انتهى.
والمعروف من حديث أنس ما رواه البيهقي من رواية عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس فذكر حديثا فيه "أنه لا عمل لمن لا نية له" الحديث.
وحديث علي: رواه محمَّد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت إسنادها ضعيف. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤.
وقال العيني: وقال ابن منده: رواه عن النبي ﷺ غير عمر، سعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت. وعتبة بن عبد الأسلمي، وهزال بن سويد، وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذر، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم، ﵃.
وأيضًا قد توبع علقمة، والتيمي، ويحيى بن سعيد على رواياتهم،
стр. 887
قال ابن منده: هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة، ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكلاع، وعطاء بن يسار، وواصل بن عمر، والجذامي، ومحمد بن المنكدر.
ورواه عن علقمة غير التيمي سعيد بن المسيب، ونافع وتابع يحيى ابن سعيد على روايته عن التيمي محمَّد بن محمَّد بن علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة وعبد الله بن قيس، اهـ. عمدة جـ ١/ ص ٢٢.
وقال العراقي: وأما من تابع علقمة عليه، فذكر أبو أحمد أن موسى ابن عقبة رواه عن نافع وعلقمة، وأما من تابع يحيى بن سعيد عليه، فقد رواه الحاكم في تاريخ نيسابور، من رواية عبد ربه بن سعيد عن محمَّد بن إبراهيم، وأورده في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، وقال: إنه غلط فيه، وقال: وإنما هو عن يحيى بن سعيد، لا عن عبد ربه بن سعيد، وذكر الدارقطني أنه رواه حجاح بن أرطاة عن محمَّد بن إبراهيم، وأنه رواه سهل بن صقر عن الدَّرَاوَرْديّ، وابن عيينة، وأنس بن عياض، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن محمَّد بن إبراهيم، ووهم سهل على هؤلاء الثلاثة وإنما رواه الثلاثة، وغيرهم عن يحيى بن سعيد.
ورأيت في كتاب المستخرج من أحاديث الناس للفائدة لعبد الرحمن ابن منده أنه رواه سعبة عشر من الصحابة غير عمر، وأنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير التيمي، وعن التيمي غير يحيى بن سعيد، وبلغني أن الحافظ أبا الحجاج المزي سئل عن كلام ابن منده هذا، فاستبعده. وقد تتبعت كلام ابن منده فوجدت أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الباب إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية، لا هذا الحديث بعينه، كحديث "يبعثون على نياتهم" وحديث "ليس له من غَزَاته إلا ما
стр. 888
نوى" ونحو ذلك، وهكذا يفعل الترمذي حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فكثيرا ما يريد بذلك أحاديث غير الحديث الذي يسنده في أول الباب، ولكن بشرط كونها تصلح أن تورد في ذلك الباب.
وهو عمل صحيح إلا أن أكثر الناس إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعين. والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٥.
المسألة السادسة: قال العراقي: أطلق بعضهم على هذا الحديث اسم التواتر، وبعضهم اسم الشهرة، وليس كذلك، وإنما هو فرد، ومن أطلق ذلك فمحمول على أنه أراد الاشتهار، أو التواتر في آخر السند، من عند يحيى بن سعيد. قال النووي: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، قال: وليس متواترًا لفقد شرط التواتر في أوله: رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة، قال العراقي: روينا عن الحافظ أبي موسى محمَّد بن عمر المديني: أنه رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل اهـ طرح جـ ١/ ص ٥.
وقال البدر العيني: قال أبو سعيد محمَّد بن علي الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلا. وذكر ابن منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى
الأصفهاني: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول: في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، وقال الحافظ أبو موسى المديني، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: أنه رواه عن يحيى سبعمائة رجل.
فإن قلت: قد ذكر في تهذيب مستمر الأوهام لابن ماكولا أن يحيى ابن سعيد لم يسمعه من التيمي، وذكر في موضع آخر أنه يقال: لم
стр. 889
يسمعه التيمي، عن علقمة. قلت: رواية البخاري عن يحيى بن سعيد أخبرني محمَّد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة ترد هذا. اهـ عمدة جـ ١/ ص ٢٣.
المسألة السابعة:
هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل فيه: إنه ثلث العلم، وقيل: ربعه، وقيل: خمسه، وقال الشافعي، وأحمد: إنه ثلث العلم، قال البيهقي: لأن كسب العبد بقلبه ولسانه، وجوارحه، فالنية
أحد الأقسام وهي أرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها، ولذلك كانت نية المؤمن خيرًا من عمله، وهكذا أوله البيهقي. وكلام الإمام أحمد يشعر بأنه أراد بكونه ثلث العلم معنى آخر، فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث:
حديث "إنما الأعمال بالنية".
وحديث عائشة "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"
وحديث النعمان بن بشير "الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن".
وقال أبو داود: اجتهدت في المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة أحاديث "الحلال بين" "والأعمال بالنية" وحديث أبي هريرة "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" وحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" هكذا روى ابن الأعرابي عنه، وروى ابن داسة عنه نحوه إلا أنه أبدل حديث "إن الله طيب" بحديث: "لا يكون المرء مؤمنًا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه" وجعل بعضهم مكان هذا الحديث الذي تردد كلام أبي داود فيه حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس". وروي عن أبي داود أيضا: الفقه يدور على خمسة أحاديث "الحلال بين" "والأعمال
стр. 890
بالنيات" "وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" "ولا ضرر ولا ضرار". اهـ طرح ٢/ ٦.
وقال البدر: قال الشافعي، وغيره: يدخل فيه أي حديث الباب، سبعون بابا من الفقه. وقال النووي: لم يرد الشافعي رحمه الله تعالى انحصار أبوابه في هذا العدد، فإنها أكثر من ذلك، وقد نظم طاهر بن
مفوز الأحاديث الأربعة: (من الخفيف)
عُمْدَةُ الدِّين عنْدَنَا كَلمَاتٌ … أربَعٌ من كَلام خَيْر البَريَّهْ
اتَّق الشُّبُهَات وازْهَدْ ودَعْ مَا … ليْسَ يَغنيكَ واعْمَلَنْ بنيِّهْ
اهـ عمدة، جـ ١/ ص ٢٤.
المسألة الثامنة: قال العراقي: كلمة "إنما" للحصر على ما تقرر في الأصول، ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: آية ٩٨] ولكن دلالتها على النفي فيما عداه هل هو بمقتضى موضوع اللفظ، أو بطريق المفهوم؟ فيه كلام لبعض المتأخرين، واستدل على وفاقهم أنها للحصر أن ابن عباس فهمه من قوله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" فاعترضه المخالفون له بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارضوه فيما فهمه من الحصر، لاتفاقهم عليه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٦.
وقال الحافظ في الفتح: واختلفوا هل هي بسيطة أو مركبة؟ فرجحوا الأول، وقد يرجح الثاني، ويجاب عما أورد عليه من قولهم: إنّ "إنّ" للأثبات و "ما" للنفي، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلا: أصلهما كان للإثبات والنفي، لكنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما بل أفادا شيئا آخر، أشار إلى ذلك الكرماني، قال: وأما قول من قال: إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدا بعد تأكيد،
стр. 891
وهو المستفاد من "إنما"، ومن الجمع، فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس؛ لأن قائله لا رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكيد ظن أن كل ما وقع كذلك يفيد الحصر. وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة "إنما" للحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث "إنما الربا في النسيئة" وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر: وتعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلا، وأما من قال: يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله "لا ربا إلا في النسيئة" لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور، فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر، بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه.
وأوضح من هذا حديث "إنما الماء من الماء" فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضم في الحكم من أدلة أخرى كحديث "إذا التقى الختانان".
قال ابن عطية: "إنما" لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد، حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه، فجعل وروده للحصر مجازا يحتاج إلى قرينة، وكلام غيره على العكس من ذلك، وأن الأصل ورودها للحصر. لكن قد يكون في شيء مخصوص، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: آية ١٧١]، فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله صفات أخرى كالعلم والقدرة.، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: آية ٧] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله ﷺ صفات أخرى كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي فيما يقال: السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقا. اهـ فتح جـ ١/ ص ١٩.
стр. 892
وقال العراقي: إذا تقرر أنها للحصر، فتارة تقتضي الحصر المطلق، وهو الأغلب أكثر، وتارة تقتضي حصرا مخصوصا، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد ﷺ : آية ٣٦] فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن، ونفي قدرته على ما طلبوا من الآيات، وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر، وكذا قوله في الحديث "إنما أنا بشر" أراد بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه. قال ابن دقيق العيد: ويفهمُ ذلك بالقرائن والسياق. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٦.
المسألة التاسعة:
قال العراقي: المراد بالأعمال هنا: أعمال الجوارح كلها حتى تدخل في ذلك الأقوال، فإنها من عمل اللسان، وهو من الجوارح، قال ابن دقيق العيد: ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خَصَّص الأعمال بما لا يكون قولا، وأخرج الأقوال من ذلك، قال: وفي هذا عندي بُعْد، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا. اهـ، طرح جـ ٢/ ص ٧.
قال الجامع عفا الله عنه: ويتناول الحديث أيضا التروك لأنها أفعال، قال الشيخ إبراهيم الكردي: الترك إذا أريد به كف النفس، فهو فعل اختياري، وكل فعل اختياري يختلف باختلاف النيات، وقد صح "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة" إلى قوله "وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة".
ومفهومه أنه إذا لم يتركها من أجل الله لا تكتب له حسنة، وهو كذلك كما قاله الغزالي وغيره.
стр. 893
قال الصنعاني: بل قد نقل الشيخ نفسه أنه قد قيل إذا تركها لخوف المسلمين كان آثما. قال الشيخ: "ومن حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعنيه" فنقول: الكف إن كان تركا للشر لله فهو خير، وإن كان تركا للخير بلا عذر شرعي فهو شر، والعمل قد أطلق على الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨﴾ [الزلزلة: آية ٧ - ٨]، ويوضحه أن الكف قد أطلق عليه أنه صدقة كما في حديث أبي ذر "كف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك" أخرجه ابن أبي الدنيا (١) وفي حديث معاذ عند الديلمي "أفضل الصدقة حفظ اللسان" والأصل الحقيقة، ولا صارف، ولا سيما وقد ورد "كل معروف صدقة" وترك الأذى والشر من المعروف ولا شبهة، والصدقة من أفضل الأعمال فالكف عن الأذى والشر من أفضل الأعمال، فالتروك من الأعمال، وهو المطلوب، انتهى. ونقله العلامة الصنعاني في العدة حاشية العمدة، وناقشه فيه بما تركته لعدم جدواه.
المسألة العاشرة: النية بتشديد الياء على المشهور، وحكي التخفيف أيضا كما تقدم، وقد ورد بلفظ الإفراد فيه، وفي العمل أيضا، وقد ورد بلفظ الجمع أيضا، وكلها صحاح.
واختلف في حقيقة النية: فقيل: هي الطلب، وقيل: الجدُّ في الطلب، ومنه قول ابن مسعود: ومن ينو الدنيا تُعجزُه. أي من يجدّ في طلبها، وقيل: القصد للشيء بالقلب، وقيل: عزيمة القلب، وقيل: هي من النَّوى بمعنى البُعْد، فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه، فجعلت النية وسيلة
стр. 894
إلى بلوغه، اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧.
وقد ذكر العلامة الصنعاني في العدة حاشية العمدة كلاما نفيسا في هذا المبحث أردت نقله وإن طال لنفاسته. قال ﵀:
النيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف، فالتشديد هو المشهور من نَوَى يَنْوي، وأصل النية نوْيَة بكسر النون وسكون الواو فقلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة، ثم أدغمت في الياء بعدها، والتخفيف من وَنَى مثل وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً، ومعنى وَنَى: أبطأ، وتأخر، وأطلقَ هنا لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء، كذا قيل، قال البيضاوي: النية انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلا، والشارع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضوان الله، وامتثال حكمه، وأقره الحافظ في الفتح. ونقله الشيخ إبراهيم الكردي في رسالته في النية وأقره أيضا وقال: هذا تعريف شامل لأفراد النية المأجور صاحبها، قال الحافظ: والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده، قال الشيخ إبراهيم: وكذلك المراد بها المعنى اللغوي في حديث عمر مرفوعا عند ابن أبي الدنيا "إنما يبعث المقتولون على نياتهم" وعدّة أحاديث في معناه. قال: وكذا حديث ابن مسعود عند أحمد "رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته" وحديث عبادة عند النسائي "من غزا ولا ينوي إلا عقالا فله نيته" إلى غير ذلك. قال: فالشرع قد اعتبر القصد الأعم ورتب عليه أحكاما دنيوية وأخروية، فتختلف أحكام الصور باختلاف نياتها، أما الدنيوية فكما تختلف أحكام صور القتل باختلاف كونه عمدا، أو خطأ، أو شبه عمد، وكما تختلف أخذ الدائن من مال المدين باختلاف قصده الاستيفاء وغيره إلى غير ذلك.
وأما الأخروية فلأنهم يبعثون على نياتهم مع اختلافها، فيجازون
стр. 895
عليها كما يوضحه حديث أبي هريرة عند مسلم في الأربعة الذين هم أوّل من يقضى بينهم يوم القيامة "رجل استشهد" وفيه "فيقال له كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: جريء فقد قيل" وفي قارئ القرآن كذلك "ولكنك قرأت ليقال قارئ، فقد قيل" ومثله في العالم والمنافق.
وحديث ابن عمر عند أبي داود: "إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسابا، وإن قاتلت مكاثرا مرائيا بعثك الله مكاثرا مرائيا" انتهى.
قال الصنعاني: وهذا التقسيم للنية وإن جرى عليه أئمة أعلام، فلا يخفى ما فيه على ذوي الأفهام، وهو أن النية من أفعال القلوب كما رسموها بقولهم انبعاث القلب الخ. وأفعال القلوب كأفعال الجوارح لم ينقل الشارع مسماه عن الاسم اللغوي، إذا لم يقصد بها وجه الله تعالى، فإن الشارع لم ينقل حركة البدن بالسجود لله عن مسماها بالسجود للصنم، بل الكل سجود، ولا نقل حركته بالطواف لله عن مسماه بالطواف للصنم، بل الكل باق على مسماه اللغوي. فإن حركة البدن بالصلاة لله لم تنقل بالصلاة رياء وسمعة عن مسماها، بل المسمى في الكل واحد: سجود، وطواف، وصلاة من غير نقل، ولا زيادة قيد، لكن هذا مأمور به وهذا منهي عنه، فكذلك حركة القلب بالنية وانبعاثه باق على مسماه لغة لم ينقلها الشرع ولا خصصها ولا هنا معنى لغوي ومعنى شرعي كما قال الحافظ محمول على المعنى اللغوي، وقال البيضاوي: والشرع خصصها، وقال الشيخ إبراهيم: قد استعملها الشرع في المعنيين، بل نقول: الشارع لم ينقلها ولم يخصصها، وإنما جاء الشارع ببيان أن الداعي والباعث لهذه النية إن كان ابتغاء مرضاة الله واتباع أمره فهي التي طلبها الله من عباده ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥]، فكان صاحبها مأجورا، وإن كان الباعث غير ذلك فإن كان ما نهى الله عنه كالرياء والسمعة كان مأزورا
стр. 896
كما أفاده حديث الأربعة الذين هم أول من تسعر بهم النار، وحديث "ويبعث مرائيا مكاثرا" وإن كان ما أباحه الله كالغزو لقصد الغنيمة كان له ما نوى كحديث "من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى" والأظهر أنه لا يكون آثما لأنه طلب ما أحله الله ووعد به ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: آية ٢٠]، وإن كان قصد المقصد الأدنى بجهاده، فإن المجاهد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالقول بأن حديث "يبعثون على نياتهم" ونحوه ورد على المعنى الأعم غير صحيح، بل ورد على بيان اختلاف أحوال القتلى في الجزاء على حسب الدواعي والبواعث كما صح به في حديث الأربعة من قوله "ليقال" فإنه بيان للدواعي الحاملة على تعلم العلم وقراءة القرآن والجراءة والجود، وكذلك مكاثرا ومرائيا، وكحديث الباب فإنه قسم الهجرة باعتبار ذلك بيانا للحوامل والبواعث وإنما عبر بالنيات في هذا وفي حديث الباب أيضا تعبيرا عن السبب باسم المسبب مجازا، وإن كان الأصل الحقيقة فالصارف ما ذكرناه من الصرائح ولا يقال: فليعكس، ويُدَّعَى المجاز فيما عبر فيه بالنيات كحديث الباب ونحوه؛ لأنا نقول العكس لا يتم إلا بعد قيام الدليل على نقل النية، ولا دليل ولا مُلجىء، بل الدليل القاهر قائم على أنه لا يصح دخول هذه الأحاديث التي زعم الشيخ إبراهيم أنها داخلة تحت المعنى الأعم، إذ الأحاديث سيقت لبيان انقسام الناس في الآخرة إلى مُثابين ومُعاقَبين بالبواعث والحوامل، فحديث "يبعث المقتولون على نياتهم" ورد في القوم يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى، أي منقسمين إلى مُعاقب ومُثاب، ففيهم المثاب، ولا يدخل تحت المعنى اللغوي، إذا لم
يصرح فيه بقيد ابتغاء رضوان الله أو عدمه، والمعاقب أيضا إذا لم يصرح فيه بعدمه لا يدخل تحته، وحينئذ فلا يتم حمل الحديث على المعنى اللغوي أصلا، ولا على الشرعي؛ لأنه أخذ فيه قيد ابتغاء رضوان الله
стр. 897
فلا يشمل إلا قسما واحدا، وهو تقصير بالحديث عن معناه وإخراج له عما أريد به، فعرفت أنه لا يتم حمله على أي المعنيين، وإن حمل على معنى ثالث شامل للمعنيين ليشمل القسمين فما في المعنيين لا يشمل، ثم الحمل على المعنييين فرع ثبوت الشرعي، وهو محل النزاع إذ لم يثبت بدليل، ونحن باقون على الأصل، وهو عدم إثبات معنى شرعي، وبه يتم بطلان قول الشيخ إبراهيم: إنه ورد على المعنى الأعم وفساده، ويعلم أنه محمول على معناه اللغوي: أي يبعثون على قيد بواعثهم ودواعيهم بين مثاب ومعاقب.
فالأحاديث كلها واردة إخبارا على أن أفعال العباد دارت على البواعث والدواعي إثابة وعقوبة، وتحقيقه ما قال الغزالي: إن العضو لا يتحرك إلا بالقدرة، والقدرة تنتظر الداعية الباعثة، والداعية تتنظر العلم والمعرفة أو الظن والاعتقاد، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق له فلابد أن يُفعل، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت الإرادة، فإذا انبعثت الإرادة انبعثت القدرة بتحريك الأعضاء، فالقدرة خادمة للأرادة، والإرادة متابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة انتهى.
فهذا الباعث الصادر عن الاعتقاد والمعرفة إن كان ما أمر به الشارع فالنية المُثَارة عنه موافقة لمراده تعالى مثاب فاعلها وإلا فلا، وقد أخبر الله تعالى عن هذه البواعث المأمور بها والمنهي عنها بقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: آية ٩]، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: آية ١٩ - ٢٠] ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: آية ٦٧]، وبهذا عرفت أن النية غير منقسمة إلى شرعية ولغوية، وعرفت أنه لا وجه لجعل النية ذات أفراد وتقاسيم ورسوم متغايرات تقضي بتغاير ما هيتها، وأعم وأخص، وإدخال بعض الأحاديث في الأعم مما قد صح لك
стр. 898
بطلانه، بل الأحاديث كلها على معنى واحد، والنية شيء واحد تعددت أحكامها إلى إثابة وعقوبة بالنظر إلى تعدد البواعث، وكذا اختلف أخذ الدائن من مال المدين لاختلاف البواعث أيضا، اختلاف القتل العمد والخطأ وشبه العمد قيل في البواعث.
ومن هنا علمت أن المراد بالنية في حديث الباب هو هذا المعنى اللغوي، وأن تقسيم النية الذي في أثناء الحديث باعتبار بواعثها، فمن كان باعث هجرته رضاء الله ورسوله فهجرته مقبولة مثاب صاحبها، ومن كان باعث هجرته المرأة والدنيا فهجرته لا أجر فيها ولا وزر، ويحتمل أن يكون مأزورا لأنه طلب الدنيا بما صورته عمل الآخرة أي في هذا الحديث لقرينة السياق. وأما في غيره فمدار الإثم والإثابة على تحقق قصده، فإن قصد الأمر المباح غير مُغَرِّر بمحض الطاعة فلا إثم عليه، إذ طلب المباح غير إثم من حيث هو طلب مباح، وإلا كان إثما بالتغرير.
والحاصل أن هنا صورا أربعا:
الأولى: أن يقصد أمرا محرما كالرياء والسمعة كان آثما لحديث الأربعة.
الثانية: أن يقصد أمرا غير محرم كإعلاء كلمة الله فقط كان مأجورا أجر المجاهد المخلص.
الثالثة: أن يقصد أمرا مباحا فقط كالغنيمة فقط فإنه إذا تجرد قصد المجاهد لها لا غير لم يأثم إن صحبتها نية أنها كسب من الحلال أجر أجر كاسب الحلال.
الرابعة: أن يقصد الغنيمة وإعلاء كلمة الله كان له أجر الجهاد وهي رتبة أدنى ممن لم يلاحظ إلَّا على إعلاء كلمة الله فقط.
стр. 899
وإذا عرفت هذا عرفت بطلان القول بأن الحديث محمول على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيم أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل النبي ﷺ وإنما قلنا: إنه باطل لأن المعنى اللغوي لم يعتبر فيه إثابة ولا عقوبة كما عرفت، والتقسيم في أثناء الحديث اعتبر فيه ذلك أو بعضه، ومعنى المقسم معتبر في الأقسام ضرورة دخولها تحته دخول الأخص تحت الأعم، وإلا لما كانت أقسامَهُ.
فالتحقيق ما سمعت من أنه تقسيم للحوامل والبواعث في فوات الأعمال بالحوامل والبواعث، فباعث النية في هذا الفعل وهو الهجرة إن كان ابتغاءَ مرضات الله ورسوله فهي هجرة لله ورسوله، وإن كانت المرأةَ والدنيا فليست لله ورسوله، لا يقال: يحمل قولهم في رسم اللغوي حالا ومآلا وجلب نفع ودفع ضر على ما يشمل الإثابة والعقوبة فيتم التقسيم في حديث الباب لأنا نقول منع منه أمران:
الأول: أن الإثابة والعقوبة أمور شرعية لا يعرفها أهل اللغة قبل الشرع.
والثاني: أنه لو أريد ذلك لما احتيج إلى القول بأنه خصصها الشرع، ولما افتقر إلى تقسيمها إلى لغوي وشرعي، ولا يصح، ثم لا يخفى أن رسم البيضاوي شامل لأفراد النية المأجور صاحبها كما عرفت، إلا أنه لا يخفى أنه أورده رسما للنية العامة كما عرفت من سياقه، وقد طال الكلام حتى كاد أن يكون رسالة مستقلة، ولا ينكر طوله فإنه في حديث مفرد يأتي بجمع، ولذا قيل: إنه ثلث العلم. (من البسيط).
فقَدْ أطالَ ثَنَائي طُولُ لابِسِهِ … إنَّ الثَّنَاءَ عَلَى التِّنْبَال تنْبَالُ
اهـ. العدة، جـ ١/ ص ٥٦ - ٦١.
التنبال بالكسر: القصير كالتنبالة قاله في "ق" يعني الثناء على القصير قصير.
стр. 900
المسألة الحادية عشرة:
قال الحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم ما نصه:
فائدة مهمة:
واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فُرِّقَ بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره، والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا. وتمييز رمضان من صيام غيره.
أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره؟.
وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهذه هي التي توجد في كلام السلف المتقدمين، وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه "كتاب الإخلاص والنية" وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك، وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله بغير لفظ النية أيضا من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء.
стр. 901
فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص
بذلك، كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوى ذلك، وقد ذكرنا
أن النية في كلام النبي ﷺ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبا،
فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولهذا يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرا
كما في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: آية ١٥٢]، وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: آية ٦٧] وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: آية ١٥]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ [الشورى: آية ٢٠] وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: آية ١٨]، وقوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: آية ٥٢]، وقوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: آية ٢٨]، وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: آية ٣٨]، وقوله ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: آية ٣٩].
وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: آية٢٠]، وقوله ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: الآية ٢٦٥]، وقوله ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: آية ٢٧٢]، وقوله ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: الآية ١١٤]، فنفى الخير عن كثير مما يتناجي الناس به إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس بعموم نفعهما، فدل ذلك على
أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء
стр. 902
مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرا له وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرا له ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صلى وصام وذكر الله يقصد بذلك عرض الدنيا فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك
وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدًا، ونحن نذكر بعضه:
كما خَرَّج الإمامُ أحمد، والنسائي، من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته".
وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﵂ عن النبي ﷺ قال "يحشر الناس على نياتهم"، ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما يبعث الناس على نياتهم" وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما يبعث المقتتلون على نياتهم" وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بهم، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارها؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته".
وفيه أيضا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ معنى هذا الحديث،
стр. 903
وقال فيه: "يهلكون مَهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، ويبعثهم الله على نياتهم".
وخرَّج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من كانت همه الدنيا فرق الله شمله" وفي لفظ "أمره" "وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد "من كانت همه الآخرة ومن كانت نيته الدنيا" وخرَّجه ابن أبي الدنيا، وعنده "من كانت نيته الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا".
وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك"، وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال: "لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له" يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله ، وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة. وعن يحيى بن أبي كثير قال: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل، وعن زيد الشامي، قال: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب.
وعنه أيضا أنه قال: انْو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة، وعن داود الطائي قال: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك بها خيرا وإن لم تَنْصَب، قال داود: والبرُّ همَّةُ التقي ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله، وعن سفيان الثوري قال: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ لأنها تتقلب
стр. 904
علي، وعن يوسف بن أسباط قال: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد، وقيل لنافع بن حبيب: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال: ففكر هنيهة ثم قال: امض، وعن مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية، وعن بعض السلف قال: من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا أحسن نيته حتى باللقمة، وعن ابن المبارك قال: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، وقال ابن عجلان: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة، والإصابة.
وقال الفضيل بن عياض: إنما يريد الله منك نيتك وإرادتك، وعن يوسف بن أسباط قال: إيثار الله أفضل من القتل في سبيل الله، خَرَّجَ ذلك كله ابنُ أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية، وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله ، والورع عما حرم الله ، وصدق النية فيما عند الله .
وبهذا يعلم ما روى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث:
حديث "إنما الأعمال بالنيات" وحديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وحديث: "الحلال بين والحرام بين" فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف عن الشبهات، وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير، وإنما يتم ذلك بأمرين:
أحدهما: أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد".
والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ، كما
стр. 905
تضمنه حديث عمر "الأعمال بالنيات" وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: آية ٢]، قال: أخلصه وأصوبه، وقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا وصوابا، قال: والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة.
وقد دل هذا الذي قال الفضيل على قوله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: آية ١١٠]، وقال بعض العارفين: إنما تفاضلوا بالإرادات، ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
"فصل":
وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وهو تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها من بعض، فإن الإمساك عن أكل والشرب يقع تارة حمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركا للشهوات لله فيحتاج في الصيام إلى نية، ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه، وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرض ومنها نفل، والفرض يتنوع أنواعا، فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات في كل يوم وليلة، والصيام الواجب تارة يكون صيام رمضان، وتارة يكون صيام كفارة، أو عن نذر، ولا يتميز هذا كله إلا بالنية، وكذلك الصدقة تكون نفلا، وتكون فرضا والفرض منه زكاة، ومنه كفارة، ولا يتميز ذلك إلا بالنية، فيدخل ذلك في عموم قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى".
وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء، فإن منهم من لا
стр. 906
يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة، بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت، وإن لم يستحضر تسميته في الحال، وهي رواية عن الإمام أحمد، ويبنى على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة.
وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية معينة أيضا، بل يجزئ نية الصيام مطلقا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر، وهو رواية عن الإمام أحمد، وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعينه بنفسه، فهو كرد الودائع، وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك، وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج، وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته، وقد روي أن النبي ﷺ سمع رجلا يلبي بالحج عن رجل، فقال له: "أحَجَجْتَ عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نفسك ثم حج عن الرجل" قال: وقد تكلم في صحة هذا الحديث، ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره، ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذلك لو حج عن نذر، أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام، فإنها تنقلب عنها، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعد ما دخلوا معه، وطافوا وسعوا، أن يفسخوا حجهم، ويجعلوه عمرة وكان منهم القارن والمفرد، وإنما كان طوافهم عند قدومهم طوافَ القدوم، وليس بفرض، وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة، وهو فرض، وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج، وعمل به، وهو
стр. 907
مشكل على أصله، فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء، كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الأحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعا لانقلاب الإحرام من أصله، ووقوعه عن فرضه، بخلاف ما إذا طاف للزيارة لنية الوداع، أو التطوع، فإن هذا لا يجزيه إلا أن ينوي به الفرض، ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه، والله أعلم.
ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا في عهد النبي ﷺ كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده، فعلم بذلك أبوه، فخاصمه إلى النبي ﷺ ، فقال: ما إياك أردت، فقال النبي ﷺ للمتصدق: "لك ما نويت" وقال للآخذ: "لك ما أخذت" خرَّجه البخاري. وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث، وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه، فإن الرجل إنما منع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيمث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا، وكان غنيا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلعُ على حقيقته.
وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة، أم هي شرط من شروط الصلاة، كإزالة النجاسة وستر العورة؟ فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر الشروط، ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة، فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية، وهذا قول جمهور العلماء، ويدل
стр. 908
على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ : أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا، وأن من توضأ كما أُمر كان كفارة لذنوبه، وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها، حيث رتب عليه تكفير الذنوب، والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق، فلا يكون مأمورا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة، ما ورد في الوضوء من الثواب ولو شرك بين نية الوضوء، وبين قصد التبرد، أو إزالة النجاسة، أو الوسخ، أجزأه في المنصوص عن الشافعي، وهذا قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه، ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك، وقد كان النبي ﷺ يقصد أحيانا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج كما قال:
"خذوا عني مناسككم".
قال ﵀: ومما تدخل فيه النية من أبواب العلم: مسائل الأيمان، فلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب البتة، كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: آية ٨٩]، وكذلك يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف، وما قصد بيمينه، فإن حلف بطلاق، أو عتاق، ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه، فإنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله ، وهل يقبل منه في ظاهر الحكم، فيه قولان للعلماء مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهْني، قال: كأنك ظَبْيَة، كأنك حَمَامة، فقالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خَليَّة طالق، فقال ذلك، فقال عمر: خذ بيدها فهي امرأتك، خَرَّجه أبو عبيد، وقال: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها، ويُحَلّ عنها، فهي خَليَّة من العقال،
стр. 909
وهي طالق لأنها قد انطلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه عمر الطلاق لنيته، قال: وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق، والعَتَاق، وهو ينوي غيره، أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله ، وفي الحكم على تأويل عمر ﵁، ويروى عن السُّمَيط السَّدُوسيّ، قال: خطبت امرأة فقالوا: لا نُزَوِّجك حتى تطلق امرأتك، فقلت: إني طلقتها ثلاثا، فزوجوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليس قد طلقتها ثلاثا، فقلت: كان عندي فلانة، فطلقتها، وفلانة فطلقتها، فأما هذه فلم أطلقها فأتيت شقيق بن ثور، وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدا، فقلت له: سَلْ أمير المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله، فذكر ذلك لعثمان، فجعلها له، فقال: بنيته. خرَّجه أبو عبيد في كتاب الطلاق، وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك، وقال إسحاق ابن منصور: قلت لأحمد: حديث السميط تعرفه؟ قال: نعم السدوسي، وإنما جعل نيته بذلك، وقال: فإن كان الحالف ظالما ونوى خلاف ما حلَّفه عليه غريمه لم تنفعه نيته.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك" وفي رواية له "اليمين على نية المستحلف" وهو محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك، وقد خرّج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث سُوَيد بن حَنْظَلَة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ، ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدوّ له، فتحرج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فخلي سبيله، وأتينا النبي، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي، فقال: "صدقت، المسلم أخو المسلم".
وكذلك قد تدخل النية في الطلاق والعتاق، فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو العتاق، فلابد له من النية، وهل يقوم مقام
стр. 910
النية دلالة الحال من غضب، أو سؤال الطلاق، ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء، وهل يقع بذلك الطلاف في الباطن كما لو نواه أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط، فيه خلاف مشهور، ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كالبتة ونحوها، فهل يقع به الثلاثة أو واحدة؟ فيه قولان مشهوران، فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دون الثلاث وقع به ما نواه، وحكي عنه رواية أخرى أنه يلزمه الثلاث أيضا، ولو رأى امرأة يظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طلقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته نص على ذلك أحمد، وحكي عنه رواية أخرى أنها لا تطلق، وهو قول الشافعي، ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة فظنها أجنبية فطلقها فبانت امرأته فهل تطلق؟ فيه قولان وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره أنها لا تطلق، ولوكان له امرأتان، فنهى إحداهما عن الخروج، ثم رأى امرأة قد خرجت فظنها المنهية، فقال لها فلانةُ خرجت أنت طالق، فقد اختلف العلماء، فيها فقال الحسن: تطلق المنهية لأنها التي نواها، وقال إبراهيم: يطلقان، وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما. وقال أحمد: إنها تطلق المنهية رواية واحدةً؛ لأنه نوى طلاقها، وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق، هل تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضا على طريقتين لهم.
وقد استدل بقوله ﷺ : "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" على أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى الحرام غير صحيحة، كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها كما هو مذهب مالك وأحمد، وغيرهما، فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا البيع "إنما
لكل امرئ ما نوى".
ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدّا، وفيما ذكرنا كفاية، وقد تقدم
стр. 911
عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: أنه يدخل في سبعين بابا من الفقه
والله أعلم اهـ كلام الحافظ ابن رجب ﵀ وهو كلام نفيس جدًّا والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة:
قال ابن دقيق العيد: قوله "إنما الأعمال بالنيات" لا بد فيه من حذف المضاف، واختلف الفقهاء في تقديره: فالذين اشترطوا النية قدروه: صحة الأعمال بالنيات، أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدروه كمال الأعمال بالنيات، أو ما يقاربها، وقد رُجِّحَ الأولُ بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليه أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ فكان الحمل عليه أولى، وكذلك قد يقدرونه إنما اعتبار الأعمال بالنيات، وقد قرب ذلك بعضهم
بنظائر من المثل، كقولهم: إنما المُلْكُ بالرجال، أي: قوامه ووجوده، وإنما الرجال بالمال، وإنما المال بالرعية، وإنما الرعية بالعدل، كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور اهـ إحكام الأحكام.
وكتب العلامة الصنعاني ﵀ عند قوله: لا بد من حذف مضاف، ما نصه: أقول: لما أنه معلوم وجود صورة العمل من دون نية فلابد من التقدير لتوقف الصدق على المقدَّر، ولذا قيل: إنه من المجمل لتردده بين المحتملات، والجمهور على خلافه لسبق المقصود إلى اللهم عرفا، فتقدر الصحة: أي لا صحة للأعمال إلا بالنيات، ورجح بأنه الأقرب إلى نفي الذات عن الأعمال لأن ما لا يصح كالعدم.
قلت: إنما لاحظوا الأقرب إلى نفي الذات لأن الكلام ظاهر في نفيها والحَرْف موضوع لذلك، إذ قولك لا رجل في الدار يراد به نفي الذات، أي نفي صفة استقرار الذات في الدار، وكأنهم يتسامحون في العبارة،
стр. 912
قال الحلبي: ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات ثبت أن دلالته على نفي الصفات مستمرة، فحيث ولابد من مقدر يتوجه النفي إليه فما هو في حكم العدم، والشارح (يعني ابن دقيق العيد) ذكر مرجحا آخر وهو أن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، يريد أن الأفعال الصحيحة أكثر وجودا من الأفعال الكاملة فيتوجه النفي إلى ملازم الحقيقة، فكان نفي الملازَم -بالفتح- وهو ملاق للأول، إذ نفي الملازَم كنفي الملازِم.
وقوله: لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال، وهو مُلَاقٍ لقول أهل الأصول لسبق المقصود إلى الفهم.
قلت: وهنا مرجح أوضح وهو أن خطابات الشارع محمولة على تعريفه وتعليمه للمكلفين التكاليف الصحيحة إذ هي المطلوبة منهم، ولذا حملت الخطابات المطلقة في مثل ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: آية ٢٣٠]، على النكاح الصحيح لأنه مطلوب الشارع، لا الفساد فلا يكون محللا، فكذلك يكون مطلوب الشارع تعريف العباد صحيح التكاليف التي يسقط الطلب بها وتستحق به الإثابة، وأما الكمال فهو مطلوب ندبا لا وجوبا وإلا لزم أن لا يجزئ إلا الكامل من الأفعال لا الصحيح، على أني أقول: ها هنا مانع من تقدير الكمال وهو أنه سيق الحديث لبيان الأعمال التي يثاب عليها العباد، فلو قدر الكمال لزم أن لا يثاب العباد، فلو قدر (١) الكمال على الأفعال الصحيحة حتى تتصف بالكمال وهو باطل، ثم الكمال يتفاوت بتفاوت رتب العاملين، فصلاة نبينا ﷺ أكمل الصلوات، ثم تختلف رتبته على اختلاف طبقات الأتقياء،
стр. 913
فأيُّ كمال المقدرُ، فالقول بتقديره كالأحالة على مجهول، مع أن الكمال ليس بملازم لجميع الأفعال، والحديث عام لجميعها بخلاف الصحة، فهي شيء واحد ملازم لكل ما يُسقط التكليف، وهي ترتب الآثار، فعرفت أن تقدير الكمال غير صحيح هنا ولا مُلجئ إليه إلا الدليل الناهض كما نهض على تقديره في حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" إن ثبت، وذلك أنه ثبت "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة" الحديث عند أحمد، والشيخين من حديث أبي هريرة.
وقول الشارح المحقق (يعني ابن دقيق العيد) إن من لم يشترط النية يُقَدِّر الكمال، فيه بحث؛ لأنا لا نعلم قائلا يقول: إنها لا تشترط النية في شيء من الأعمال حتى يقدر في جميعها الكمال، إنما وقع الخلاف في مسائل، وفروع من العبادات، وإلا فالكل يتفقون على شرطيتها في مواضع من المسائل مع أن من لم يشترطها في بعض المواضع لا يقدر الكمال فيها، وحينئذ لا يتم له تقدير الكمال هنا؛ لأن هذا الحديث عام لكل عمل كما عرفت، ومن الأعمال ما هي شرط في صحته عنده فلا يتم هذا الإطلاق إلا أن يثبت أن قائلا يقول: لا تشترط النية في عمل من الأعمال، ولا أظنه يوجد من يقول هذا، إلا أن يكون مراده أن من لازم كل عمل النية وأن شرطيتها لغو لأنها أمر لابد منه، كما قال بعض المتأخرين: إنه لو كلف بعمل بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، على أن هذا لا يتم به حمل الحديث على الكمال، بل يقول: الحديث أتى لطلب أن يكون باعث النية ابتغاء رضي الله تعالى، ولا تقدر صحة، ولا كمال، فالكلام صادق عنده؛ لأنه لا يوجد عمل إلا بنية. اهـ كلام الصنعاني في العدة جـ ١/ ص ٧٢ - ٧٤.
المسألة الثالثة عشرة:
قال الحافظ ﵀: الأعمال تقتضي عاملين، والتقدير الأعمال
стр. 914
الصادرة من المكلفين، وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر لإخراج لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا معاقبا على تركها، ولا يرد العتق والصدقة لأنهما بدليل آخر اهـ فتح جـ ١/ ص ١٩.
المسألة الرابعة عشرة:
قال الحافظ أيضا: الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقبَة للضمير، والتقدير الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلا صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضا أو نفلا ظهرا مثلا أو عصرا مقصورة أو غير مقصورة، وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر، والله أعلم. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٠.
المسألة الخامسة عشرة:
قال العراقي: وذكر بعض المتأخرين من الحنفية وهو قاضي القضاة شمس الدين السروجي أن التقدير (يعني تقدير إنما الأعمال بالنيات) ثوابها لا صحتها لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعا بدونها ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقل إضمارا فهو أولى، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنع، ولأن العامل في قوله "بالنية" مقدر بإجماع النحاة ولا يجوز أن يتعلق بالأعمال لأنها رفع بالابتداء، فيبقى بلا خبر فلا يجوز، فالمقدر إما مجزئة أو صحيحة، أو مثيبة، فمثيبة أولى بالتقدير لوجهين:
стр. 915
أحدهما: أن عدم النية لا يبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل، فلا يبطل بالشك.
الثاني: أن قوله "لكل امرئ ما نوى" يدل على الثواب والأجر؛ لأن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. انتهى.
قال العراقي: وفيه نظر من وجوه:
أحدها: أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة، أو الكمال، أو الثواب، إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد حقيقة العمل الشرعي فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار، وأيضا فلابد من إضمار شيء يتعلق به الجار والمجرور فلا حاجة لإضمار مضاف لأن تقليل الإضمار أولى فيكون التقدير إنما الأعمال، وجودها بالنية ويكون المراد الأعمال الشرعية.
والثاني: أن قوله: إن تقدير الثواب أقل إضمارا لكونه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فلا نسلم أن فيه تقليل الأضمار لأن المحذوف واحد، ولا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب ووجوب الإعادة، وغير ذلك فلا نحتاج إلى أن نقدر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلا بالنية، بل المقدر واحد وإن ترتب على ذلك الواحد شيء آخر فلا يلزم تقديره.
والثالث: أن قوله: إن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد فإنه أراد به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكون النية لم تذكر في الكتاب فهذا ليس بنسخ، وأيضا فالثواب مذكور في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥]، فهذا هو القصد، والنية ولو سلم أن فيه نسخ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول.