أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، له عندهم حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى (ومنها): أن رجاله عندهم موثقون، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له مسلم، وهقل، فما أخرج له البخاري (ومنها): أن الثلاثة الأولين دمشقيون، ويحيى يمامي، والباقيان مدنيان (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. يحيى عن أبي سلمة (ومنها): أن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) أنه (قال: حدثني ربيعة بن كعب الأسلميُّ) رضي الله تعالى عنه (قال: كنت آتي رسول ال ﷺ ) وفي رواية مسلم: "كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه". . .
والحديث اختصره مسلم وأصحاب السنن، وقد ساقه في "مسند أحمد" مطولا، قال عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى جـ ٤ ص ٥٩:
حدثني أبي، حدثنا يعقوب، يعني ابن إبراهيم بن سعد- قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن مجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أَخدُم رسول الله ﷺ ، وأقوم له في حوأئجه نهاري أجمعَ حتى يصلي رسول الله ﷺ العشاء الأخيرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجةٌ، فما أزال أسمعه يقول رسول الله ﷺ : "سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، وبحمده" حتى أملَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني، فأرقد، قال: فقال لي يوما لمَا يرى من خِفَّتي له، وخدمتي إياه: "سلني يا ربيعة، أعطك" قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله، ثم أعلمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سيكفيني، ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، فإنه من الله بالمنزل الذي هو به، قال: فجئت، فقال: "ما فعلت يا ربيعة؟ "، قال: فقلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: "من أمرك بهذا يا ربيعة؟ " قال: فقلت لا والله الذي بعثك بالحقّ ما أمرني به أحد، ولكنك لَمَّا قلت: سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به، نظرت في أمري، وعرفت أن الدنيا منقطعة، وزائلة، وأن لي فيها رزقا
стр. 8472
سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، قال: فصمت رسول الله ﷺ طويلًا، ثم قال لي: "إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود".
(بوضوئه) بفتح الواو، أي بالماء الذي يتوضأ به (وبحاجته) أي بما يحتاج إليه في أمر الطهارة وغيرها، فهو من عطف العام على الخاص (فقال) ﷺ -بفتح السين، وسكون اللام- فعل أمر من سالَ يَسَالُ لغة في سَأَلَ يسْأَلُ مهموز العين.
يقال: سال يسال من باب خافا يخاف، والأمر منه سَلْ، وفي المثنى والمجموع سَلَا، وسَلُوا على غير قياس، لأن القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا، كقولههم: خافا، وخافوا. انتهى "المصباح" بزيادة من هامشه.
أي اطلب مني حاجتك (قلت: مرافقتك في الجنة) بالنصب مفعول لفعل محذوف دلّ عليه قوله: "سلني"، أي أسألك مرافقتك وصحبتك في الجنة، والجملة في محل نصب مقول القول.
(قال) ﷺ (أو غير ذلك) يحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام، دخلت على واو العطف، و"غير" مفعول لفعل مقدر، أي أتسأل غير ذلك من أمور الدنيا، كالغنى، ونحوه، ويحتمل أن تكون "أو" بسكون الواو للإضراب بمعنى "بل"، أي بل اسأل غير ذلك من الحوائج (قلت: هو ذاك) أي المسؤول الذي أطلبه هو الذي ذكرته لك من المرافقة لك في الجنة، لا غير، فـ"هو" مبتدأ، و"ذاك" خبره، والجملة مقول القول.
(قال) ﷺ (فأعني) الفاء فصيحية، أي إذا كان مطلوبك ما ذكر فأعني (على نفسك بكثرة السجود) الجاران متعلقان بـ"أعني"، أي كن عونا لي على تحصيل مراد نفسك التي هي المرافقة لي في الجنة بكثرة الصلاة، وخص السجود بالذكر لأنه مُذلٌّ للنفس، وقاهر لها، لما فيه من وضع أشرف الأعضاء، وأعلاها على الأرض، وأيّ نفس خضعت لله تعالى استحقت رحمته وإحسانه.
ولأن الساجد أقرب إلى الله تعالى، لقول الله : ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] ولما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب الماضي مرفوعًا: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
وقال السندي رحمه الله تعالى: والمراد تعظيم تلك الحاجة، وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرد السؤال مني لا يكفي فيها.
أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهرا بها على نفسك. وقيل: أَعِنِّي على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرتَ لا يحصل إلا بقهر نفسك التي هي أعدى عدوك، فلابد لي من قهر نفسك بصرفها عن الشهوات، ولابد لك أن تعاونني فيه.
стр. 8473
وقيل: معناه كن لي عونا في إصلاح نفسك، وجَعْلِها طاهرة مستحقة لما تطلب، فإني أطلب إصلاح نفسك من الله تعالى، وأطلب منك أيضا إصلاحها بكثرة السجود لله، فإن السجود كاسر للنفس، ومُذِلٌّ لها، وأيّ نفس انكسرت، وذلت استحقت الرحمة. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السندي ﵀ تعال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٦٩/ ١١٣٨ - وفي "الكبرى" -٧٦/ ٧٢٤ - عن هشام بن عمّار، عن هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. وفي -٩/ ١٦١٨ - و"الكبرى" ١٦/ ١٣١٨ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر والأوزاعي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به بلفظ: كنت أبيت عند حجرة رسول الله ﷺ ، فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: سبحان الله رب العالمين الهُوِيَّ (١)، ثم يقول: "سبحان الله وبحمده" الهُويّ.
وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ٨٦٢ - عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي به، بلفظ: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ آتيه بوَضوئه، وبحاجته، فكان يقوم من الليل، في قوله: "سبحان الله وبحمده، سبحان ربي العظيم، وبحمده، سبحان ربي، وبحمده"، ثم يقول: "سبحان رب العالمين، سبحان رب العالمين". والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن الحكم بن موسى، عن هقل بن زياد به. (د) عن هشام بن عمار به. (ت) جزء التسبيح عن إسحاق بن منصور، عن النضر بن شميل، ووهب بن جرير، وأبي عامر العقدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى ابن أبي كثير به.
(ق) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، عن يحيى به، بجزء التسبيح.
стр. 8474
وأخرجه (أحمد) ٤/ ٥٧ و ٥٩. وقد تقدم لفظه بطوله. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): الحثُّ على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: كثرة السجود أفضل من إطالة القيام، وقد تقدم الخلاف في المسألة، وأن الراجح أن إطالة القيام أفضل من كثرة السجود في الباب الماضي (ومنها): اهتمام الرئيس بأمر مرؤوسيه، وسؤاله إياهم ما يحتاجون إليه (ومنها): جواز طلب الرُّتَب الرفيعة (ومنها): أن من عامة الناس من يكون مع الأنبياء في الجنة (ومنها): الحث على مجاهدة النفس، وقهرها بكثرة الطاعة، وعلى أن نيل المراتب العلية بمخالفة النفس الدَّنيَّة (ومنها): مزيد فضل الصلاة، وأن الإكثار منها سبب لعلو الدرجات، ومصاحبته ﷺ في دار الكرامة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٠ - (بَابُ ثَوابِ مَن سَجَدَ للهِ سَجْدَةَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على ثواب من سجد سجدة مخلصًا لله .
١١٣٩ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَنْفَعُنِي، أَوْ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ عَنِّي مَلِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ، يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً".
قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ ثَوْبَانَ؟ فَقَالَ لِي: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدِ، يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً").
стр. 8475
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو عمّار الحسين بن حُرَيث) الخُزاعي مولاهم المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو المذكور في الباب الماضي.
٤ - (الوليد بن هشام) بن معاوية بن هشام بن عُقْبة بن أبي معيط -بالتصغير- الأموي، أبو يَعيش المُعَيطيّ، ثقة [٦].
روى عن عمر بن عبد العزيز، وكان عامله على قنّسرين، وعن أبان بن الوليد بن عقبة، وعبد الله بن محيريز، ومعدان بن أبي طلحة، وأم الدرداء، وغيرهم. وعنه أبنه يعيش، والأوزاعي، والوليد بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجلي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه، ثنا دُحَيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، حدثني الوليد بن هشام، وهو ثقة عدل. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن عساكر بلغني أنه عاش إلى دولة مروان بن محمد. أخرج له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (معدان بن طلحة)، ويقال: ابن أبي طلحة اليعْمَري الشامي، ثقة [٢] تقدم ١٧/ ٧٠٨.
[تنبيه]: قوله: "اليعمري" بفتح أوله والميم، وسكون المهملة، آخره راء: نسبة إلى يعمَر بطن من كندة. اهـ "لب اللباب" ج ٢ ص٣٤٠.
٦ - (ثَوْبَان) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن الهاشمي، مولى رسول الله ﷺ ، من أهل السَّرَاة، والسَّرَاةُ: موضع بين مكة واليمن.
وقيل: إنه من حميَر. وقيل: من أَلْهَان. وقيل: من حَكَم بن سعد العشيرة. أصابه سباء، فاشتراه رسول الله ﷺ ، فأعتقه، فلم يزل معه في الحضر والسفر حتى توفي، فخرج إلى الشام، فنزل بالرَّمْلَة، ثم انتقل إلى حمص، فابتنى بها دارا، ولم يزل بها إلى أن مات.
وقال أحمد بن محمَّد بن عيسى صاحب "تاريخ حمص": ونزلها من موالي قريش: ثوبان بن جَحْدَر، ويقال: ابن بُجْدُد، يكنى أبا عبد الله، رجل من ألهان، أصابه السِّبَاء، فأعتقه رسول الله ﷺ ، فقال له: "يا ثوبان: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، فعلت، فأنت منهم، وإن شئت أن تثبت، فأنت منا أهلَ البيت"، فثبت على ولاء رسول
стр. 8476
الله ﷺ حتى قُبض بحمص في إمارة عبد الله بن قُرْط.
روى عن النبي ﷺ . وعنه أبو أسماء الرَّحَبِيّ، ومعدان بن أبي طلحة اليَعْمَرى، وأبو حَيّ المؤذن، وراشد بن سعد، وجُبَير بن نُفَير،، وعبد الرحمن بن غنْم، وأبو عامر الألهاني، وأبو إدريس الخَوْلاني، وجماعة. قال صاحب "تاريخ حمص": بلغنا أن وفاته كانت سنة (٥٤) وكذا قال ابن سعد، وغير واحد. أخرج له الجماعة، سوى البخاري، فأخرج له في "الأدب المفرد"، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀ (ومنها). أن رجاله كلهم ثقات (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزي (ومنها): أنه مسلسل بالإخبار، والإنباء، والتحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن معدان بن طلحة اليَعْمَري -رحمه الله تعالى- أنه (قال: لقيت ثوبان) ﵁ أي استقبلته، يقال: لَقِيتُهُ ألقاه، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضم مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقْصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه. ومنه لِقَاءُ البيتِ: وهو استقباله. قاله في "المصباح".
(مولى رسول الله ﷺ ، فقلت دُلَّني) فعل أمر، من دَلَّه على الشيء أو إليه، يدلُّهُ من باب قتل: إذا أرشده. أي أرشدني (على عمل) متعلق بـ"دُلَّني" (ينفعني) جملة في محل جرّ صفة لـ "عمل" (أو) للشك من بعض الرواة (يدخلني الجنة) أي أو قال: "ودلني على عمل يدخلني الجنة" (فسكت عني) أي صَمَتَ، وأمسك عن الكلام معي. وفي نسخة "فأسكت عني" بالألف، وهي لغة، قال الفيّومي ﵀: سكت سَكْتًا، وسُكُوتًا: صَمَتَ، ويتعدّى بالألف، والتضعيف، فيقال: أُسْكَتُّهُ، وسَكَّتُّهُ، واستعمال المهموز لازما لغةٌ. وبعضهم يجعله بمعنى أطرق، وانقطع. انتهى (١).
(مليًّا) بفتح الميم، وتشديد الياء- قال في "النهاية": هي طائفة من الزمان لا حد لها. انتهى.
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ومرّ مَلِيّ من الليل: وهو ما بين أوله إلى ثلثه.
وقيل: هو قطعة منه لم تحُدَّ، والجمع أَمْلاءٌ، وتكرر في الحديث. ومرّ عليه ملا من الدهر: أي قطعة، والمَليُّ: الْهُوِيّ من الدهر، يقال: أقام مَلِيًّا من الدهر، ومضى ملِيٌّ
стр. 8477
من النهار: أي ساعة طويلة. انتهى.
والهوَي كغَنِيّ ويضم: الساعة.
والمعنى هنا أنه سكت عن رد الجواب علي مقدارا من الزمان.
(ثم التفت إليّ، فقال: عليك بالسجود) أي الزَم السجودَ، وأراد بذلك كثرة السجود.
فـ"عليك" اسم فعل أمر بمعنى "الزم"، كما قال في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا … وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إَلَيْكَا
وهو منقول من الجارّ والمجرور، ويتعدى بنفسه، نحو عليك زيدا، أي الزمه، فـ"زيدًا" منصوب على المفعولية، ويتعدى بالباء، كما في هذا الحديث، وكـ"عليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلا، وقيل: إن الباء زائدة، لأنها تزاد كثيرا في مفعول اسم الفعل، لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب، كما هو مبسوط في محله من كتب النحو.
ثم ذكر دليله على الأمر بكثرة السجود، فقال (فإني سمعت رسول الله ﷺ ) فالفاء تعليلية، أي لأني سمعت رسول الله ﷺ (يقول: ما من عبد، يسجد لله سجدة، ألا رفعه الله بها درجة) "ما" نافية، و"من" زائدة، كما قال في "الخلاصة":
وَزيدَ فِي نفْي وَشِبْهِهِ فَجَرُّ … نَكِرةً كمَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرُّ
و"عبدٍ" مبتدأ، وجملة "يسجد" الخ في محلّ جرّ صفة لـ"عبد"، و"سجدة" مفعول مطلق أريد به بيان الوحدة، أي سجدة واحدة و"إلا" أداة استثناء ملغاة، وجملة "رفعه الله" الخ خبر المبتدإ. و"درجة" منصوب على التمييز.
والمعنى أنه ليس عبد ساجد لله تعالى سجدة واحدة، إلا رفعه الله تعالى بسببها درجة، فإنه لما تواضع لله تعالى غاية التواضع، حيث وضع أشرف أعضائه على الأرض، وباعد نفسه من الكبر جازاه الله تعالى بأن رفعه درجة. والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وسبب الحث على السجود ما سبق في الحديث الماضي "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"، وهو موافق لقول الله تعالى ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، ولأن السجود غاية التواضع والعبودية لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان، وأعلاها، وهو وجهه من التراب الذي يُداسُ، ويُمتَهَن. والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(وحط عنه بها خطيئة) يقال: حط الرَّحْلَ وغيرَه حَطًّا من باب قتل: أنزله من علو إلى
стр. 8478
سفل، وحططت من الدَّين: أسقطت منه. والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أزال عنه بسببها ذنبه. و"خطيئة" مفعول "حط"، والجملة في محل رفع عطف على الخبر.
(قال معدان) بن طلحة (ثم لقيت أبا الدَّرداء) عُوَيمر بن قيس بن زيد، وقيل: غيره، الأنصاري، الصحابي المشهور، أول مشاهده أحد، وكان عابدا، مات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما، وقيل: عاش بعد ذلك. تقدم ٤٨/ ٨٤٧.
أي استقبلت أبا الرداء ﵁ بعد ما لقيت ثوبان ﵁، وجرى بيني وبينه ما تقدم (فسألته عما سألت عنه ثوبان) أي عن الشيء الذي سألت عنه ثوبان ﵁، وهو أن يدله على عمل ينفعه، أو يدخله الجنة (فقال لي) وسقطت لفظة "لي" في بعض النسخ. أي قال أبو الدرداء ﵁ لمعدان (عليك بالسجود) أي الزم السجود، وأستكثر منه (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد، يسجد لله سجدة، إلا رفعه الله بها درجةً، وحط عنه بها خطيئةً") فاتفق جواب كلّ من الصحابيين ﵄. وفيه فضل السجود، وأنه من أسباب رفع الدرجات، وحط الخطيئات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧٠/ ١١٣٩ - وفي "الكبرى" -٧٧/ ٧٢٥ - عن الحسين بن حُرَيث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الوليد بن هشام المُعَيطِيّ، عن معدان بن طلحة، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم به. (ت) عن الحسين بن حريث به. (ق) عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، عن الوليد بن مسلم به.
وأخرجه (أحمد) ٥/ ٢٧٦ و ٢٨٠ و ٢٧٦ و ٢٨٣. (ابن خزيمة) رقم ٣١٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ثواب من سجد لله تعالى.
ومنها: ما كان عليه السلف من الحرص على سؤال ما ينفعهم في آخرتهم، إذ هي الدار الباقية، وهي الحياة الأبدية الدائمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ
стр. 8479
الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
ومنها: فضل ثوبان رضي الله تعالى عنه، حيث لم يستعجل في الجواب، بل تأخر حتى يستحضر الجواب المقرون بدليله، فينبغي للعالم إذا سئل عن مسألة أن لا يستعجل في الجواب، بل يتثبت حتى يستحضر الأدلة، فيجيب على ضوئها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧١ - (بَابُ مَوْضِعِ السُّجُودِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل مواضع السجود.
والمراد بـ"موضع السجود" الأعضاء التي يجب أن يسجد عليها، وهل المراد به الأعضاء السبعة كلها، أم الوجه فقط؟ فيه خلاف، والأول هو المختار، كما قال النووي ﵀، وعليه فـ"موضع" في كلام المصنف بمعنى المواضع، إذ هو مفرد مضاف، فيعم. وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى.
١١٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ بِالْمَصِّيصَةِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، فَحَدَّثَ أَحَدُهُمَا حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وَالآخَرُ مُنْصِتٌ، قَالَ: فَتَأْتِي الْمَلَائِكَةُ، فَتَشْفَعُ، وَتَشْفَعُ الرُّسُلُ، وَذَكَرَ الصِّرَاطَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، فَإِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَأَخْرَجَ مِنَ النَّارِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ وَالرُّسُلَ أَنْ تَشْفَعَ، فَيُعْرَفُونَ بِعَلَامَاتِهِمْ، إِنَّ النَّارَ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنِ ابْنِ آدَمَ، إِلاَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَاءِ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمَّد بن سليمان لُوَيْن) بن حَبيب بن جبير الأسدي، أبو جعفر العلاّف الكوفي، ثم المصيصي، لقبه "لُوَين" بالتصغير، ثقة [١٠].
روى عن مالك، وابن أبي الزناد، وسليمان بن بلال، وحماد بن زيد، وغيرهم.
стр. 8480
وعنه أبو داود، والنسائي، وروى النسائي عن أبي داود سليمان بن سيف الحرّاني، وعثمان بن خُرَّزاذ الأنطاكي عنه، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال البلاذُري: سمعت ابن جرير، يقول: إنما لقب بـ"لوين" لأنه كان يبيع الدّوابّ، فيقول: هذا الفرَس له لُوَين (١)، هذا الفرس له فديد، فلقّب بـ"لوين". وقال محمَّد بن القاسم الأزدي. قال لوين لقّبتني أمي لُوَينًا، وقد رضيتُ. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه صالح صدوق، وقيل له: ثقة؟ فقال: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو نعيم الأصفهاني: كان ممن يرابط بالثغور، وآثر المصِّميصَة، وكان لا يكره أن يُلَقَّبَ بـ"لوين"، وذكر أن له حلقة في "الفرائض" أيام ابن عيينة. وقال أحمد بن القاسم بن نصر: حدثنا محمَّد بن سليمان سنة (٢٤٠) ثم قال: قال له أبي: كم لك؟ قال. مائة وثلاث عشرة. وقال أبو جعفر محمَّد بن علي الطرائفي: مات سنة (٢٤٥) بالثغر، وكنت فيمن صلى عليه. وقال القاسم بن إبراهيم ابن أحمد المَلَطيّ: مات سنة (٤٦) بأَذَنَةَ، وحمل إلى المصيصة، فدفن بها، وفيها أرّخه محمَّد بن يحيى الصَّولي. وقال مسلمة: كان ثقة. والله تعالى أعلم. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
[تنبيه]: قوله: "بالمِصِّيصَة" متعلق بـ"أخبرنا". وهي بكسر الميم، وتشديد المهملة الأولى، وتخفيف الثانية: نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر. اهـ "لب اللباب" ج ٢ ص ٢٦١.
٢ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل الجهضمي البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٣/ ٣.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠.
٤ - (النعمان بن راشد) الجزري، أبو إسحاق الرَّقي مولى بني أمية، يقال: إنه أخو إسحاق بن راشد، وقال أبو حاتم: لم يصحّ عندىِ ذلك. صدوق سيء الحفظ [٦].
روى عن الزهري، وأخيه عبد الله بن مسلم بن شهاب، وعبد الملك بن أبي محذورة، وميمون بن مهران. وعنه ابن جريج من أقرانه، ووهيب بن خالد، وحماد بن زيد، وغيرهم.
قال ابن المديني: ذكره يحيى القطان، فضعفه جدّا. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ضعيف،
стр. 8481
وقال مرة: ليس بشيء. وقال البخاري، وأبو حاتم: في حديثه وَهَم كثير، وهو في الأصل صدوق. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء، فسمعت أبي يقول: يحول منه. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط، وقال في موضع آخر: أحاديثه مقلوبة، وقال أيضا: صدوق، فيه ضعف، قال: وقال ابن معين مرةً: ضعيف مضطرب الحديث، وقال مرة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العُقَيلي: ليس بالقوي، يعرف فيه الضعف. وقال ابن عديّ: احتمله الناس. علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
[تنبيه]: قوله: "والنعمان بن راشده" مجرور عطفا على "معمر"، فما يوجد في النسخ المطبوعة مضبوطا بالرفع بضبط القلم فغلط، فتبصر.
فحماد بت زيد يروي عن معمر والنعمان كليهما، وهما يرويان عن الزهري، ولذا يقدر عند قراءة السند كلمة "كلاهما" قبل قوله: "عن الزهري"، كما هو مقرر في مصطلح الحديث، وقد تقدم بيان هذا غير مرة. فتنبه. والله تعالى ولى التوفيق.
٥ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٦ - (عطاء بن يزيد) الليثي الجُنْدَعي، المدني، نزيل الشام، ثقة [٣] تقدم ٢٠/ ٢١.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١.
٨ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، سوى النعمان، فمتكلم فيه، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به وأبو داود.
ومنها: أن شيخه مصيصي، وحمادا بصري، ومعمرا بصري ثم يمني، والنعمان جزري، ثم رَقّي، وعطاء مدني، ثم شامي، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عن صحابيين.
ومنها: أن صحابييه من المكثرين السبعة، فأبو هريرة روى (٥٣٧٤) حديثا، وأبو سعيد روى (١١٧٠) حديثا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عطاء بن يزيد) الليثي ﵀، أنه (قال: كنت جالسا إلى أبي هريرة، وأبي
стр. 8482
سعيد) ﵄، أي في مكان يقرب من مكانهما، فـ"إلى" بمعنى "في"، ويحتمل أن تكون بمعنى "مع"، أي جلست معهما (فحدثا أحدهما حديث الشفاعة) وفي نسخة "بحديث الشفاعة". أي حدث أحد الصحابيين، وهو أبو هريرة ﵁ -كما سيأتي التصريح به في الحديث الذي سأذكره- بالحديث المشتمل على ذكر الشفاعة، فإضافة "حديث" إلى "الشفاعة" لأدنى ملابسة، أو الإضافة بمعنى "في"، أي بالحديث الذي ورد في ذكر الشفاعة.
و"الشفاعة": مصدر "شفع": إذا طلب. قال ابن منظور رحمه الله تعالى: وشَفَعَ لي يشفَعُ شَفَاعَةً، وتشفْعَ: طلب، والشفيعُ: الشافع، والجمع شُفَعَاء، واستشفع بفلان على فلان، وتشفع له إليه، فشَفَّعَه فيه. وقال الفارسي: استشفعه: طلب منه الشفاعةَ، أي قال له: كن لي شافعاه وفي التنزيل: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥].
وروي عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: الشفاعة: الدعاء ها هنا والشفاعة: كلام الشفِيعِ للملك في حاجة يسألها لغيره. وشَفَعَ إليه: في معنى طَلبَ إليه. والشافعُ: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تشفعت بفلان إلى فلان، فشَفَّعَنى فيه، واسم الطالب شَفيع، قال الأعشى: [من البسيط]
وَاسْتَشْفَعَتْ مِنْ سَرَاةِ الْحَيَّ ذَا ثِقَةٍ … فَقَدْ عَصَاهَا أَبُوها وَالَّذِي شَفَعَا
واستشفعته إلى فلان: أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفَّعت إليه في فلان، فشَفَّعَني فيه تشفيعًا، قال حاتم يخاطب النعمان: [من الطويل]
فَكَكْتَ عَدِيًّا كُلَّهَا مِنْ إِسَارِهَا … فَأَفْضلْ وَشَفَّعْنِي بِقَيْسِ بنِ جَحْدَرِ
وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجَرَائم، والمشفِّع بالكسر: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع بالفتح: الذي تُقبَل شفاعته. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى.
وقال بعضهم: أصل الشفاعة من قولنا: شَفَعَ كذا بكذا: إذا ضمه إليه، وسمي الشافع شافعًا لأنه يضم طلبه ورجاءه إلى طلب المشفوع له.
[تنبيهان]:
الأول: قال في "الفتح": قال ابن بطال رحمه الله تعالى: أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وغير ذلك من الآيات.
стр. 8483
وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشاعة المحمدية متواترة، ودلّ عليها قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، والجمهور على أن المراد به الشفاعة. وبالغ الواحدي، فنقل الإجماع، ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد، وزَيَّفَه، وقال الطبري ﵀: قال أكثر أهل التأويل: المقام المحمود هو الذي يقومه النبي ﷺ ، ليريحهم من كرب الموقف. انتهم. ما في "الفتح" باختصار.
وقال بعضهم: والشفاعة من الأمور التي ثبتت بالكتاب والسنة، وأحاديثها متواترة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فنفيُ الشفاعةِ بلا إذن إثباتٌ لها من بعد الإذن، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، فبين الله تعالى أن الشفاعة الصحيحة هي التي تكون بإذنه، ولمن يرضى قوله وعمله.
وأما ما يتمسك به الخوارج، والمعتزلة في نفي الشفاعة من مثل قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ الآية [الشعراء: ١٠٠] فإن الشفاعة المنفية هنا هى الشفاعة في أهل الشرك، وكذلك الشفاعة الشركية التي يثبتها المشركون لأصنامهم، ويثبتها النصارى للمسيح والرهبان، وهي التي تكون بغير إذن الله ورضاه. انتهى (١).
[الثاني]: أنه اختلف العلماء في عدد الشفاعة لاختلاف الآثار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يُقضَى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء، آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحقّ النار، وهذه الشفاعة له، ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وقال النووي تبعا لعياض رحمهما الله تعالى: الشفاعة خمس: في الإراحة من هول الموقف، وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم
стр. 8484
حوسبوا، فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أُدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات.
قال الحافظ ﵀: وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب. وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة، لحديث سعد ﵁، رفعه: "لا يَثْبُتُ على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدا، أو شفيعا". أخرجه مسلم، ولحديث أبي هريرة ﵁ رفعه: "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليفعل، فإني شفيع لمن مات بها". أخرجه الترمذي.
قال الحافظ: وهذه غير واردة لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عُدَّ مثل ذلك لعدّ حديث عبد الملك بن عباد: "سمعت النبي ﷺ يقول: أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف". أخرجه البزار والطبراني، وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر رفعه: "أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم".
وذكر القزويني في "العروة الوثقى" شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكر مستندها، ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة.
وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه أفردها النقّاش بالذكر، وهي واردة. وزاد النقاش أيضا شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وليست واردة؛ لأنها تدخل في الثالثة، أو الرابعة.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيآته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄، قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي ﷺ . وقد ثبت أن أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم.
وشفاعة أخرى، وهي شفاعته فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرا قطّ، ومستندها رواية الحسن، عن أنس ﵁، وفيه: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله"، ولا يمنع مِنْ عَدِّها قول الله تعالى له: "ليس ذلك إليك". لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صدرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها أثرها، فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد، كما ترد (١) الشفاعة في التخفيف
стр. 8485
عن صاحبي القبرين، وغير ذلك، لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى ما في "الفتح" بنوع تصرف (١).
(والآخر منصت) جملة في محل نصب على الحال من "أحدهما"، أي والحال أن الآخر، وهو أبو سعيد ساكت مستمع لتحديثه، ولا يعترض عليه.
و"المنصتُ" اسم فاعل من أنصت له رباعيًّا: إذا سكت مستمعًا، ويقال أيضًا: نصت له ثلاثيا من باب ضرب. كما في "المصباح".
(قال) أي أحدهما (فتأتي الملائكة، فتشع، وتشفع الرسل، وذكر الصراط) أي ذكر أحدهما ضرب الصراط على ظهراني جهنم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا اختصر المصنف رحمه الله تعالى حديث الشفاعة، وهو مذكور في "الصحيحين" وغيرهما بطوله، وأحببت أن أسوقه من "صحيح البخاري" تتميما للفائدة، قال رحمه الله تعالى في "باب فضل السجود" من "كتاب الصلاة":
حدثنا أبو اليمان، قال أخبرني شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تُمَارُون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فهل تُمارُون في الشمس في ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه كذلك، يُحشَرُ الناس يوم القيامة، فيقول (٢): من كان يعبد شيئا فليتّبع، فمنهم من يتّبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها، فيأتيهم الله ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، فيُضرَب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكونُ أولَ من يَجُوزُ من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللَّهم سلم سلم، وفي جهنم كَلاليبُ مثل شَوك السَّعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم، قال: "فإنها مثل شوك السعدان، غيرَ أنه لا يعلم قدر عِظَمِهَا إلا الله، تخَطَفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم من يوبَقُ بعمله، ومن يُخَردَلُ، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يُخرِجُوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرّم الله على النار أن تأكل أثَرَ السجود،
стр. 8486
فيخرجون، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار، قد امتَحَشُوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياة، فينبتون كما تنبت الْحِبَّة في حَمِيل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار -وهو آخر أهل النار دخولًا الجنةَ- مقبلًا بوجهه قِبَلَ النار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، قد قَشَبَني (١) ريحها، وأحرقني ذَكَاؤها (٢)، فيقول: هل عسيت إن فعلتُ ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتك، فيعطى اللهَ ما يشاءُ من عَهْد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بَهْجَتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: ياربّ قَدِّمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكونُ أشقى خلقك، فيقول: فما عسيتَ إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره، فيقول: لا، وعزتك، لا أسألُ غيرَ ذلك، فيعطي رَبَّهُ ما شاء من عهد وميثاق، فيقدّمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، فرأى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك؟ أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي أُعْطِيتَ؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول له: تَمَنَّ، فيتمنى، حتى إذا انقطع أُمنيّتُه قال الله : زدْ من كذا وكذا، أقبل يذكّرُه ربُّه ، حتى إذا انتهت به الأمانيّ، قال الله تعالى: لك ذلك، ومثله معه".
قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : لك ذلك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلا قوله: "لك ذلك، ومثله معه"، قال أبو سعيد الخدري: إني سمعته يقول: "لك ذلك، وعشرة أمثاله". انتهى (٣).
(قال) أي أحدهما، وفي نسخة بإسقاط لفظة "قال" (قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يُجيز) من الإجازة، وفي رواية البخاري "فأكون أنا وأمتي أول من يجيز". قال في "الفتح": في رواية شعيب "يجوز بأمته"، وفي رواية إبراهيم بن سعد "يُجِيزها"، والضمير لجهنم.
قال الأصمعي ﵀: جاز الوادي مشى فيه، وأجازه قطعه. وقال غيره: جاز،
стр. 8487
وأجاز بمعنى واحد.
وقال النووي ﵀: المعنى أكون أنا وأمتي أولَ من يمضي على الصراط، ويقطعه، يقال: جاوز الوادي، وأجازه: إذا قطعه، وخَلَّفَه. وقال القرطبي: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، لأنه لما كان هو وأمته أوّل من يجوز على الصراط لزم تأخير غيرهم عنهم حتى يجوز، فإذا جاز هو وأمته، فكأنه أجاز بقيةَ الناس. انتهى.
ووقع في حديث عبد الله بن سلام عند الحاكم: "ثم ينادي مناد أين محمَّد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته بَرُّها وفاجرها، فيأخذون الجِسْرَ، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وينجو النبي والصالحون".
وفي حديث ابن عباس ﵄ يرفعه "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب"، وفيه "فتُفرِج لنا الأممُ عن طريقنا، فنمرّ غُرّا مُحَجلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء". انتهى (١). .
(فإذا فرغ الله من القضاء بين خلقه) أي أتم القضاء بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وفي نسخة "من القسط" بدل "القضاء". و"القسط": العدل (وأخرج من النار من أراد أن يُخرج) الظاهر أن معنى قوله: "أخرج" أراد أن يخرج من النار؛ لأن أمره بالشفاعة إنما يكون لأجل إخراج من أراد إخراجه من النار. والله تعالى أعلم.
فـ"مَنْ" من قوله: "من أراد" موصولة مفعول "أخرج".
(أمر الملائكة والرسل أن تشفع، فيعرفون) عطف على مقدر، أي فيشفعون، ويعرفون. وهو بالبناء للمفعول، والواو ضمير "مَنْ" في قوله: "من أراد أن يُخرج". ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والواو ضمير الملائكة والرسل، والمفعول محذوف، أي يعرفونهم.
(بعلاماتهم) متعلق بـ"يعرفون". وفي رواية البخاري "فيعرفونهم بعلامة آثار السجود"، وفي رواية له "فيعرفونهم في النار بأثر السجود".
قال الزين ابن المُنَيِّر: تُعْرَفُ صفةُ هذا الأثر مما ورد في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار، فتبقى صفتها باقية. وقال غيره: بل يعرفونهم بالغُرَّة. وفيه نظر، لأنها مختصة بهذه الأمة، والذين يخرجون أعم من ذلك (٢). .
(أن النار تأكل) بفتح "أن" بتقدير لام الجر، أي لأن النار تأكل الخ، أو بدل من
стр. 8488
"علاماتهم". ويحتمل أن يكون بكسر "إنَّ" على الاستئناف.
(كل شيء) بالنصب على أنه مفعول "تأكل"، أي تأكل جميع الأعضاء (من ابن آدم) متعلق بمحذوف صفة لـ"شيء" (إلا موضع السجود) الاستثناء متصل، والمراد من موضع السجود العضو الذي يقع عليه السجود، وهو الوجه، أو جميع الأعضاء السبعة، كما اختاره النووي رحمه الله تعالى، على ما سيأتي، وهو الراجح عندي، ولا يشكل على هذا إفراد "موضع"، لأنه مفرد مضاف، فيعمّ. وتسميته موضعَ السجود على سبيل المجاز، وذلك لأن السجود لا يتحقق إلا بوضع هذه الأعضاء، فكأنها مكان له. والله تعالى أعلم.
وفي رواية الشيخين: "فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود".
قال في "الفتح": قوله: "وحرم الله على النار" جواب عن سؤال مقدر تقديره كيف يُعرَف أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم "فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فَحْمًا أَذِنَ اللهُ بالشفاعة"، فإذا صاروا فَحْمًا كيف يتميز محل السجود من غيره حتى يعرف أثره.
وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دلّ عليها هذا الخبر، وأن الله منع النار أن تحرق أثر السجود من المؤمن.
وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يسجد، أو المراد مَنْ سَجَدَ؟ فيه نظر، والثاني أظهر.
قال القاضي عياض ﵀: فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلِقَ آدم والبشر عليها، وفضلوا بها على سائر الخلق.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الأول منصوص، والثاني محتمل، لكن يشكل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك.
قال النووي رحمه الله تعالى: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان. وبهذا جزم بعض العلماء.
وقال عياض ﵀: ذكر الصورة، ودارات الوجوه يدلّ على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة، خلافا لمن قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في
стр. 8489
بقية الحديث: "ان منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه"، وفي حديث سمرة ﵁ عند مسلم "وإلى ركبتيه"، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد ﵁ "وإلى حقويه".
قال النووي ﵀: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم: "إن قوما يخرجون من النار، يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم"، فإنه يحمل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصًّا بهم، وغيره عامًّا، فيحمل على عمومه، إلا ما خُصَّ منه.
قال الحافظ ﵀: إن أراد أن هؤلاء يخصون بأن النار لا تأكل وجوههم كلها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصة، وهو في الجبهة، سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حق الجميع إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغرّة كما تقدم النقل عمن قاله، وما تعقبه بأنها خاصة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين والقدمين مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي من جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان.
وما استدل به القاضي من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار، لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا. ودلّ التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار، إكراما لمحلّ السجود، ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها.
وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا أن من كان مسلما، ولكنه لا يصلي لا يخرج، إذ لا علامة له. لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة، لعموم قوله: "لم يعملوا خيرا قطّ" وهو مذكور في حديث أبي سعيد ﵁، أخرجه البخاري ﵀ في "كتاب التوحيد".
وهل المراد بمن يسلم من الاحتراق من كان يسجد، أو أعمّ من أن يكون بالفعل، أو القوة؟ الثاني أظهر، ليدخل فيه من أسلم مثلا، وأخلص، فبغته الموت قبل أن يسجد.
قال الحافظ ﵀: ووجدت بخط أبي رحمه الله تعالى، ولم أسمعه من نظمه ما يوافق مختار النووي، وهو قوله [من الكامل]:
يَا رَبِّ أَعْضَاءُ السُّجُودِ عَتَقْتَها (١) … مِنْ عَبْدِكَ الْجَانِي وَأَنْتَ الْوَاقِي
وَالْعِتْقُ يَسْرِي بِالْغِنَى يا ذا الْغِنَى … فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِي
انتهى ما في "الفتح" (٢).
стр. 8490
(فيصب عليهم من ماء الجنة) ببناء الفعل للمجهول، وهو عطف على محذوف، أي فيُخرَجُون من النار، فيصب عليهم بعد الإخراج من ماء الجنة. وفي بعض النسخ "من ماء الحياة".
وفي رواية للبخاري: "فيُخرِجونهم، قد امتَحَشُوا، فيصب عليهم ماء، يقال له: ماء الحياة". وقوله: "امتحشوا" بفتح الحاء، وضم المعجمة، كاحتَرَقُوا وزنا ومعنى.
وظاهر قوله: "من ماء الجنة" أن الماء يصب من داخل الجنة.
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عند البخاري: "فيُلقَون في نهر بأفواه الجنة، يقال له ماء الحياة". وفي رواية لمسلم "على نهر، يقال له: الحيوان، أو الحياة"، وفي أخرى له: "فليقيهم في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة".
ولا تنافي بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بكون أصل ذلك النهر من الجنة. والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح": وفي تسمية ذلك النهر به إشارة إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. انتهى (١). .
(فينبتون) بفتح الياء، مضارع نَبَتَ، من باب قَتَلَ (كما تنبت الحِبَّة) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحدة: هي بُزُور الصحراء، والجمع حِبَبٌ بكسر المهملة، وفتح الموحدة، بعدها مثلها. وأما الحَبَّة بفتح أوله: هو ما يزرعه الناس، فجمعها حُبُوب بضمتين. ووقع في حديث أبي سعيد ﵁ "فينبتون في حافتيه"، وفي رواية لمسلم "كما تنبت الغُثَاءة" بضم الغين المعجمة، بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة، ثم هاء تأنيث، هو في الأصل كلُّ ما حمله السيل، من عيدان، وورق، وبزور، وغيرها، والمراد هنا ما حمله السيل من البزور خاصة. قاله في "الفتح".
(في حميل السيل) بالحاء المهملة المفتوحة، والميم المكسورة: أي ما يحمله السيل. وفي نسخة بإسقاط لفظة "حميل".
وفي رواية أبي سعيد عند البخاري: "إلى جانب السيل".
والمراد أن الغُثَاء الذي يجيء به السيل يكون فيه الحِبّة، فيقع في جانب الوادي، فتصبح من يومها نابتة.
ووقع في رواية لمسلم "حمئة السيل" بعد الميم همزة، ثم هاء، وقد تُشْبَع الميم، فيصير بوزن عظيمة، وهو: ما تغير لونه من الطين، وخُصَّ بالذكر، لأنه يقع فيه النبت غالبا.
стр. 8491
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى سرعة نباتهم؛ لأن الحبَّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع، لما يجتمع فيه من الطين الرخْوِ الحادث مع الماء مع ما خالطه من حرارة الزبل المجذوب معه، قال: ويستفاد منه أنه ﷺ كان عارفا بجميع أمور الدنيا بتعليم من الله تعالى، وإن لم يباشر ذلك.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: اقتصر المازَري ﵀ على أن موقع التشبيه السرعة، وبقي عليه نوع آخر، دلّ عليه قوله في الطريق الأخرى "ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصفر وأخضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض". وفيه تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة يسبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخر النُّصُوع عنه، فيبقى أُصَيفِر وأُخَيضِر إلى أن يتلاحق البياض، ويستوي الحسن والنور، ونضارة النعمة عليهم.
قال: ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن الذي يباشر الماء، يعني الذي يُرَشّ عليهم يسرع نُصُوعه، وأن غيره يتأخر عنه النصوع، لكنه يسرع إليه. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة، وأبي سعيد ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧١/ ١١٤٠ - وفي "الكبرى" -٧٨/ ٧٢٦ - عن محمد بن سليمان لُوَين، عن حماد بن زيد، عن معمر، والنعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عنهما.
وفي "التفسير" من "الكبرى" -١٤٨٨ - عن عيسى بن حماد، عن ليث، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب به بأكثر الحديث عن أبي هريرة وحده. و-١١٦٣٧ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر ببعضه.
وفي "النعوت" منه -٧٧٦٣ - عن عمرو بن يزيد، عن سيف بن عبيد الله، قال: وكان ثقة، عن سلمة بن عَيَّار، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه، وليس فيه ذكر عطاء بن يزيد، وهو مختصر. والله تعالى أعلم.
стр. 8492
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. وعن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد به. وعن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر به. (م) عن أبي اليمان به. وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه به. (ق) عن محمد بن عبادة الواسطي، عن يعقوب بن محمد الزهري، عن إبراهيم بن سعد به.
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٢٧٥ و ٢٩٣ (الدارمي) برقم ٢٨٠٤. والله تعالي أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو فضل موضع السجود، حيث إن الله تعالى حرمه على النار، وكان علامةً يعرف بها المسلم عند الإذن بالشفاعة.
ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من كمال الأدب، حيث ينصت بعضهم إلى تحديث الآخرين، وإن كانوا يعلمون ذلك الحديث.
ومنها: ثبوت الشفاعة للملائكة والرسل، وإن أنكر ذلك المعتزلة والخوارج.
ومنها: إثبات الصراط، وأن المؤمنين يَجُوزونه.
ومنها: بيان فضل النبي ﷺ ، وأمته حيث إنهم أول من يجيز على الصراط قبل سائر الأمم.
ومنها: أن بعض المؤمنين يعذبون بدخول النار، ثم يرحمهم الله تعالى بالخروج منها.
ومنها: أن عذاب المؤمن يخالف عذاب الكفار، حيث إنه لا يعم جميع أجسادهم، بل يسلم لهم أثر السجود، حتى يكون علامة لهم، فيعرفهم الشفعاء به، فيخرجونهم من النار.
ومنها: أن الذين يخرجون بالشفاعة يموتون في النار، ثم إذا خرجوا منها ألقوا في نهر الحياة، فينبتون كنبات البزور طَورًا بعد طور، حتى يتكامل خَلْقُهُم ثم يدخلون الجنة.
اللَّهم إنا نسألك الجنة، وما قرّب إليها من قول، أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول، أو عمل، برحمتك، يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 8493
١٧٢ - (بَابٌ، هَلْ يَجْوزُ أَنْ تَكُونَ سَجْدَةٌ أَطْوَلَ مِنْ سَجْدَةٍ؟)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواب الاستفهام بـ"هل يجوز أن تطوّل سجدة على أخرى؟ ".
والحديث المذكور في الباب يدلّ على الجواز. والله تعالى أعلم.
١١٤١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا، أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ؟، قَالَ: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلَّام) -بالتشديد- ابن ناصح البغدادي، ثم الطَّرَسُوسي، أبو القاسم مولى بني هاشم، وقد ينسب إلى جدّه، لا بأس به [١١].
روى عن يزيد بن هارون، وحجاج الأعور، وزيد بن الحُبَاب، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، ومطَيَّن، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما خالف. وقال الدارقطني: طَرَسُوسي ثقة. وأرخ صاحب "الزهرة" وفاته سنة (٢٣١).
انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٢ - (يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله، الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه [٦] ت
стр. 8494
سنة (١٧٠) بعد ما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه، وتقدم في ١٠١٤/ ٨٢.
٤ - (محمَّد بن أبي يعقوب) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب، التيمي البصري، نسب لجده، ثقة [٦].
روى عن عبد الله بن شداد، والحسن بن سعد، ورجاء بن حيوة، وغيرهم. وعنه جرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وهشام بن حسان، وشعبة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال شعبة في رواية: حدثنا محمَّد بن أبي يعقوب سيد بني تميم. وذكره ابن، حبّان في "الثقات". وقال العجلي: بصري ثقة. وقال ابن نمير: ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث.
٥ - (عبد الله بن شدّاد) بن الهاد الليثي المدني، ولد في عهد النبي ﷺ ، ثقة فقيه [٢] تقدم ٤٣/ ٧٣٨.
٦ - (شداد بن الهاد) الليثي المدني، والد عبد الله بن شدّاد بن الهاد، من بني بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خُزَيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قيل: اسمه أسامة بن عمرو، وشداد لقبه، واسم الهاد عمرو. وقال خليفة بن خيّاط: اسم الهاد أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر بن عتوارة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر.
وقال غيره: إنما قيل له: الهاد لأنه كان يوقد النار بالليل لمن سلك الطريق للأضياف.
روى عن النبي ﷺ ، وعن ابن مسعود. وعنه ابنه عبد الله، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمّار، وإبراهيم بن محمد بن طلحة. قال الآجري: قلت لأبي داود: عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبيه سمع النبي ﷺ ؟ فقال: قد رُويَ، وما أدري.
وقال غيره: كان سلفا (١) لرسول الله ﷺ ، ولأبي بكر، كانت تحته سلمى بنت عميس، أخت أسماء بنت عميس، وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها. سكن المدينة، ثم تحول إلى الكوفة. وقال البخاري: له صحبة. وذكره ابن سعد فيمن شهد الخندق. انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا (١١٤١) وحديث رقم (١٩٥٣). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن شيخه بغدادي، ثم طرسوسي، ويزيد واسطي، وجرير، ومحمد بن أبي يعقوب بصريان، وعبد الله مدني،
стр. 8495
وأبوه مدني، سكن الكوفة، وأن صحابيه من المقلين، ليس له إلا ثلاثة أحاديث، وانفرد بإخراجها المصنف من بين أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن شدّاد، عن أبيه) شدّاد بن الهاد رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشاء) أراد المغرب والعشاء، وفي نسخة "في إحدى صلاتي العشي".
و"العشي": قيل: ما بين الزوال إلى غروب الشمس، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العَشيّ. وقيل: هو آخر النهار. وقيل: العشي من الزوال إلى الصباح. وقيل: العشي والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة. قاله في "المصباح".
(وهو حامل حسنا، أو حسينا) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي خرج، والحال أنه حامل حسن بن علي بن أبي طالب، أو أخاه حسينا، ﵄.
أما الحسن، فهو الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمي سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته، أمير المؤمنين أبو محمَّد. وُلد في شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. وقيل: في شعبان منها. وقيل: سنة أربع. وقيل: سنة خمس، والأول أثبت، وقد صحب النبي ﷺ ، وحفظ عنه، مات بالسم سنه ع (٤٩) وهو ابن (٤٧) وقيل: بل مات سنة (٥٠) وقيل: بعدها. وستأتى ترجمته مبسوطة في ١٧٤٥ - إن شاء الله تعالى.
وأما الحسين، فهو ابن علي بن أبي طالب أخو الحسن أصغر منه، استشهد بكربلاء يوم عاشوراء سنة (٦١) وله (٥٦) سنة، تقدمت ترجمته في -٧٨/ ٩٥.
(فتقدّم رسول الله ﷺ ) ليصلي بالناس (فوضعه) أي الحسن، أو الحسين، ﵄ (ثم كبر للصلاة، فصلى) أي شرع في الصلاة (فسجد بين ظهراني صلاته) أي أثناء صلاته. وفي نسخة "بين ظهري صلاته".
قال ابن منظور -رحمه الله تعالى-: وهو نازل بين ظَهْرَيهم، وظَهْرَانَيهم، بفتح النون، ولا يكسر: بين أَظْهُرهم. وفي الحديث: "فأقاموا بين ظهرانيهم"، و"بين أظهرهم". قال ابن الأثير ﵀: تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد بها أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدا، ومعناه أن ظهرا منهم قُدّامه، وظهرا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه، إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. وكلّ ما كان في وسط شيء ومُعْظمه فهو بين ظهريه وظهرانيه.
стр. 8496
وقال الأزهري عن الفرّاء: فلان بين ظَهْرَيْنَا، وظَهْرَانَيْنَا، وأظهُرِنا بمعنى واحد، قال: ولا يجوز بين ظهرانِينا بكسر النون، ويقال: رأيته بين ظهراني الليل، أي بين العشاء إلى الفجر. ويقال للشيء إذا كان في وسط شيء: هو بين ظَهْرَيه، وظَهْرَانَيه. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى باختصار.
(سجدة أطالها) "سجدة" منصوب على أنه مفعول مطلق مبين للنوع، وجملة "أطالها" في محل نصب صفة له.
يعني أنه طَوَّلَ من بين سجدات تلك الصلاة سجدة واحدة، وهذا هو محل الاستدلال من الحديث، حيث طول النبي ﷺ السجدة من بين أخواتها، فدلّ على جواز ذلك.
(قال أبي) هو شدّاد بن الهاد ﵁ (فرفعت وأسي) أي ظنا منه أنه ﷺ رفع رأسه دون أن يسمع منه التكبير، أو فعل ذلك خوفا أن يحدث أمر، كما سيأتي قولهم: "حتى ظننا أنه قد حدث أمر".
(وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ ) "إذا" هي الفجائية، و"الصبي" مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، أي ففجاءني كون الصبي على ظهر رسول الله ﷺ .
(وهو ساجد) جملة في محل نصب على الحال (فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة) أي انتهى منها، وسلم (قال الناس) أي الذين صلوا معه (يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك) وفي نسخة "بين ظهري صلاتك" سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر) كناية عن الموت، أو المرض (أو أنه يوحى إليك) بباء الفعل للمفعول، وجملة "أن" عطف على "أمر"، أي أو حدث وَحْيٌ إليك.
(قال) ﷺ (كلُّ ذلك) إشارة إلى المذكور من حدوث أمر، أو حدوث وحي، و"كل" مرفوع على الابتداء، وخبره جملة قوله (لم يكن) أي لم يحصل، فـ"يكن" تامة تكتفي بمرفوعها، ولا تحتاج إلى منصوب، كما قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
. . . . . . . . . . … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريري رحمه في "ملحته":
وَإنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَها إِلَى خَبَرْ
والمعنى أنه لم يحصل، ولم يوجد شيء مما ظننتم من حدوث أمر، أو حدوث وحي، ثم بين لهم سبب الإطالة بقوله (ولكن ابني ارتحلني) "لكن" يحتمل أن تكون مشددة النون، فتكون من أخوات "إنّ" و"ابني" اسمها، و"ارتحلني" خبرها، أو بتخفيف النون حرف استدراك، وما بعدها جملة من مبتدإ وخبر.
стр. 8497
والمراد بابنه هو الحسن، أو الحسين رضي الله تعالى عنهما، وفيه إطلاق الابن علي ابن البنت.
ومعنى "ارتحلني": أي جعلني كالراحلة، فركب على ظهري، يقال: ارتحل فلان فلانًا: إذا علا ظهره، وركبه. أفاده في "اللسان".
(فكرهت أن أعجله) من التعجيل، أو الإعجال. أي أحمله على العَجَلَة.
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: والاستعجال، والإعجال، والتعجُّلُ واحد: بمعنى الاستحثاث، وطلب العَجَلَة. وأعْجَلَه، وعَجَّلَه تعجيلا: إذا استَحَثَّه. انتهى.
(حتى يقضي حاجته) متعلق بـ"أعجله"، أي إلى أن ينتهي، من حاجته، وهي الركوب على ظهره ﷺ .
وإنما قضى النبي ﷺ حاجة الصبي، وإن كان فيه تطويل على المأمومين؛ لأن ذلك لا يضر بهم، إذ اشتهاء الصبيان للشيء سريع الزوال، فلا يكون التطويل بذلك القدر مضرًّا بالمأمومين، والله تعالى أعلم.
والحديث يدلّ على أن تطويل سجدة على سجدة لا يضرّ بالصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث شداد بن الهاد رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٧٢/ ١١٤١ - وفي "الكبرى" -٧٩/ ٧٢٧ - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٩٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز كون سجدة أطول من سجدة.
ومنها: عدم بطلان صلاة المأموم برفع رأسه قبل الإمام ظنا منه أنه رفع، أو لغير ذلك، إذا عاد إلى المتابعة.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الرحمة، وحسن الملاطفة للأطفال، حيث لم يقطع على الصبي قضاء وطره من الركوب عليه حتى يكون هو الذي ينزل باختياره.
ومنها: جواز تسمية ابن البنت ابنا من حيث القرابة، وإن لم يكن كالابن من حيث الإرث، وأما قول القائل: [من الطويل]:
стр. 8498
يَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُن أَبْنَاءُ الرَّجالِ الأَبَاعِدِ
فأراد به أن أبناء البنات في الإرث ليسوا كالأبناء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٣ - (بَابُ التَكْبِيرِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التكبير عند رفع الرأس من السجود.
١١٤٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الثقة الحجة [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (الفضل بن دُكَين) أبو نعيم الكوفي، ثقة ثبت، من كبار شيوخ البخاري [٩] تقدم ١١/ ٥١٦.
٣ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١.
٤ - (زهير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٦ - (عبد الرحمن بن الأسود) النخعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٧ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣.
стр. 8499
٨ - (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/ ٧٧.
٩ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم للمصنف ١٢٤/ ١٠٨٣ - أخرجه هناك عن عمرو بن علي، عن معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن زهير به، استدلّ به هناك على "التكبير للسجود"، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادتها هنا، فمن شاء فليراجع هناك، والله تعالى ولي التوفيق.
وقوله: "يُرَى بياض خده": ببناء الفعل للمفعول، و"بياض" نائب فاعله. وسيأتي البحث عن جزء السلام في بابه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٤ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَةِ الأولى)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الباب، والذي بعده قد تقدم برقم -١٢٦ و ١٢٧ - بلفظ [باب رفع اليدين للسجود]، [ترك رفع اليدين للسجود] والأحاديث هي نفسها، سوى الاختلاف في بعض الأسانيد، فالترجمة هناك لرفع اليدين عند النزول للسجود، وهنا لرفعهما عند رفع الرأس من السجود، فلا تكرار. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ (١) رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلَّهُ (٢)، يَعْنِي رَفْعَ يَدَيْهِ).
стр. 8500
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائي، البصري، سكن اليمن، صدوق ربما وهم [٩] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت مدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (نصر بن عاصم) الليثي البصري، ثقة [٣] تقدم ٤/ ٨٨٠.
٦ - (مالك بن الحُوَيرث) أبو سليمان الصحابي الشهير، نزيل البصرة ﵁ تقدم ٧/ ٦٣٤. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، تقدم شرحه وبيان المسائل المتعلقة به في ٤/ ٨٨٠ - حيث أورده المصنف ﵀ هناك محتجّا به على رفع اليدين حِيَال الأذنين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٥ - (تَرك ذلك بَينَ السَّجْدَتَينِ)
الإشارة إلى رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى.
١١٤٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَبَعْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه، تقدم قبل باب.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمَّد بن مسلم، تقدم قبل بابين.
стр. 8501
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠.
٥ - (عبد الله بن عمر) ﵄، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى -١٢٧/ ١٠٨٨ - وتقدم الكلام عليه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٦ - (بَابُ الدعَاءِ بَينَ السَّجْدَتَينِ)
١١٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ"، ثُمَّ قَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، وَقَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: "لِرَبِّيَ الْحَمْدُ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ" (١)، وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى"، وَكَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عمرو بن مرّة) الجَمَلِي المُرَادي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (أبو حمزة) طلحة بن يزيد مولى الأنصار الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٧٨/ ١٠٠٩.
٦ - (رجل من عبس) قال النسائي رحمه الله تعالى: يشبه أن يكون صلَةَ بن زُفَرَ.
٧ - (حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢/ ٢. والله تعالى أعلم.
стр. 8502
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم للمصنف ٧٧/ ١٠٠٨ - وتكلمت هناك على المسائل المتعلقة به، وتقدم أيضا في ١١٥/ ١٠٦٩ - ومضى شرحه هناك. وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديثا حذيفة ﵁ استدلالا على استحباب الدعاء بين السجدتين، وفيه: "رب اغفر لي، رب اغفر لي".
وقد ثبت الدعاء بين السجدتين أيضا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما بإسناد جيّد، وقال الحاكم صحيح الإسناد، ولفظ أبي داود "اللَّهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني". ولفظ الترمذي مثله، لكنه ذكر "واجبُرني، وعافني". وفي رواية ابن ماجهْ "وارفعني" بدل "واهدني"، وفي رواية البيهقي "رب اغفر لي، وارحمني، وأجبُرني، وارفعني، وارزقني، واهدني". أفاده النووي في "المجموع" (١).
وقال الحافظ ﵀ في "التلخيص": حديث ابن عباس ﵄ كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: "اللَّهم اغفر لي، واجبرني، وعافني، وارزقني، واهدني -ويروى- وارحمني- بدل واجبرني". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، واللفظ الأول للترمذي، إلا أنه لم يقل: "وعافني"، وأبو داود مثله، إلا أنه أثبتها، ولم يقل: "واجبرني"، وجمع ابن ماجهْ بين "ارحمني"، واجبرني"، وزاد "وارفعني"، ولم يقل: "اهدني"، ولا "عافني"، وجمع بينها الحاكم كلها، إلا أنه لم يقل: "وعافني"، وفيه كامل أبو العلاء، وهو مختلف فيه. انتهى (٢).
قال النووي رحمه الله تعالى: فالاحتياط والاختيار أن يجمع بين الروايات، ويأتي بجميع ألفاظها، وهي سبعة: "اللَّهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واجبُرني، وارفعني، واهدني، وارزقني". انتهى "المجموع" (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي من اختيار الجمع بين هذه الألفاظ هنا حسن جدًّا، حيث إن الحديث واحد، وزاد فيه بعض الرواة بعض الألفاظ، حيث حفظ ما لم يحفظه الآخرون، فالجمع في مثل هذا هو المختار.
وأما إذا كان الحديث مرويا عن صحابيين، فأكثر، واختلفت الألفاظ، فلا يستحسن الجمع، بل يُعمل بكل صيغة كما وردت، ولا يصاغ منها صيغةٌ تجمع بين الاختلافات،
стр. 8503
ويحمل على أنه ﷺ قاله في أوقات مختلفة، وذلك كما في صيغ التشهد، وصيغ الصلاة الإبراهيمية، ونحوهما.
فما يستحسنه بعض أهل العلم من المتأخرين من الجمع بين صيغها، وصوغها صياغة واحدة، فغير مستحسن؛ لأن ذلك خروج عن تعليمات النبي ﷺ إلى صيغ أُخرَى مخالفة لها، فليُتَنَبّه.
وسيأتي تحقيق ذلك في باب الصلاة على النبي ﷺ ، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٧ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
و"التلقاء" بالكسر: المُقَابل. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ كَثِيرٍ أَبُو سَهْلٍ الأَزْدِيُّ، قَالَ: صَلَّى إِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الأُولَى، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا، رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَأَنْكَرْتُ أَنَا ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِوُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ: إِنَّ هَذَا يَصْنَعُ شَيْئًا، لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ، فَقَالَ لَهُ وُهَيْبٌ: تَصْنَعُ شَيْئًا، لَمْ نَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْتُ أَبِي يَصْنَعُهُ، وَقَالَ أَبِي: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَصْنَعُهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (موسى بن عبد الله بن موسى البصري) الخزاعي الطلحي، أبو طلحة، صدوق (١) [١١].
стр. 8504
روى عن أبيه، وعمته رقية بنت موسى، والنضر بن كثير البصري، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وبكر بن سليمان، وعيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي. وروى عنه النسائي، وقال: لا بأس به، وجعفر بن أحمد بن سنان القطان، وأحمد بن يحيى بن زُهَير التستري، ويحيى بن الحسن بن جعفر النسابة، ومحمد بن هارون الرويانى. وقال الذهبي: صدوق. تفرد به المصنف وروى عنه في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (النضر بن كثير أبو سهل الأزدي) السعدي، ويقال: الضبي، البصري ضعيف عابد [٨].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن عون، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي، ومحمد بن أبان البلخي، وموسى بن عبد الله بن موسى البصري، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ، فيه نظر، وقال الدارقطني: فيه نظر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال عمرو بن علي: ثنا النضر ابن كثير، أبو سهل، وكان يعدّ من الأبدال. وضعفه علي بن الحسين بن الجنيد، والدولابي، والعقيلي، وغيرهم. تفرد به أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو محمَّد، ثقة فاضل عابد [٦] تقدم ٤٩/ ٩٥٨.
٤ - (طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاض [٣] تقدم ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن النضر بن كثير أنه (قال: صلى إلي جنبى عباس الله بن طاوس بمنى) الباء بمعنى "في"، أي في مني.
وهو: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيصرف. وقال ابن السرّاج: منىّ ذَكَرٌ، والشامُ ذَكَرٌ، وهَجَرٌ ذَكَرٌ، والعراق ذَكَرٌ، وإذا أُنِّثَ منع، ويقال. أمنى الرجل بالألف: إذا أتى مني، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمي مني لما يُمنَى فيه من الدماء، أي يراق. أفاده في "المصباح".
стр. 8505
وقد أشار الحريري رحمه الله تعالى إلى صرف بعض أسماء الأماكن سماعا، ومنها "منىّ"، فقال في "مُلحَة الإعراب":
وَلَيسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَينِ وَمِنًى وَبَدْرِ … وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ
(في مسجد الخيف) الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله. و"الخيف" بفتح المعجمة، وسكون الياء: قال الفيومي ﵀: ما ارتفع من الوادي قليلا عن مسيل الماء، ومنه "مسجد الخيف" بمنى؛ لأنه بُنِيَ في خَيف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخفف بالحذف، ولا يكون الخيف إلا بين الجبلين. انتهى.
(فكان) أي عبد الله بن طاوس (إذا سجد السجدة الأولى، فرفع رأسه منها، رفع يديه تلقاء وجهه) بكسر، فسكون: أي حذاء وجهه (فأنكرت أنا) الضمير المنفصل لتوكيد المتصل، ولا يلزم الإتيان به إلا عند وجود العطف، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [الأعراف: ١٩] (ذلك) في محل نصب مفعول "أنكرت"، وهو إشارة إلى رفع يديه في السجود (فقلت لوُهَيب بن خالد) بن عَجْلان الباهلي مولاهم، أبي بكر البصري المتوفى سنة -١٦٥ - وقيل: بعدها، وتقدمت ترجمته في ٢١/ ٤٢٧ (إن هذا) يشير إلى عبد الله بن طاوس (يصنع شيئا لم أر) وفي نسخة "لم نر" بنون الجمع (يصنعه) فيه الإنكار على من فعل شيئا في الصلاة بلا دليل، وفيه أن مثل هذا لا يكون غيبة، بل يكون من باب الشكوى، أو الاستفتاء.
(فقال له) أي لعبد الله بن طاوس (وهيب) بالرفع على الفاعلية (تصنع شيئا لم نر) وفي بعض النسخ "لم أر" بهمزة المتكلم (أحدا يصنعه) وإنما قال له وهيب ذلك إنكارا لما فعله، من رفع يديه في السجود (فقال عبد الله بن طاوس) ردًّا على إنكار وهيب عليه (رأيت أبي) يعني طاوسا (يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (يصنعه، وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (رأيت رسول الله ﷺ يصنعه) يعني أنه إنما فعله اتباعا لما ثبت لديه من السنة، فمن فعل ما ثبت عنده من السنة لا يُنكَر عليه.
والحديث يدلّ على استحباب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
стр. 8506
فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده النضر بن كثير، وهو ضعيف؟
قلت: يصح بشواهده، فقد تقدم في الباب -١٢٦ - أحاديث صحيحة في استحباب الرفع في السجود، تكون شواهد لحديثه، فيصح بها. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٧٧/ ١١٤٦ - وفي "الكبرى" -٨٤/ ٧٣٢ - عن موسى ابن عبد الله بن موسى البصري، عن النضر بن كثير، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عنه.
وأخرجه (د) عن قتيبة، ومحمد بن أبان البلخي، كلاهما عن النضر بن كثير به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو استحباب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
ومنها: ما كان عليه السلف من الإنكار على من أحدث في الدين شيئا يخالف السنة فيما يظهر للمُنكِر، وإن لم يكن مخالفا لها في الحقيقة.
ومنها: أن من أُنكِرَ عليه شيء مما فعله من السنة لا ينبغي له أن يقابل ذلك بالغضب، والعنف، وإنما يقابله بإظهار الحجة، وتبيينه للمُنكِر حتى يعلم السنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٨ - (بَابٌ كيفَ الْجُلُوسُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على صفة الجلوس.
فـ"باب" بالتنوين، و"كيف" في محل رفع خبر مقدم وجوبا لكونه اسم استفهام، مبنيٌّ على الفتح، و"الجلوس" مبتدأ مؤخر، والظرف متعلق به. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ:
стр. 8507
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الرحمن بن أبراهيم دُحَيم) الدمشقي، ثقة حافظ متقن [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٢ - (مروان بن معاوية) الفزاري الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ [٨] تقدم ٥٠/ ٨٥٠.
٣ - (عبيد الله بن عبد الله بن الأصم) العامري، صدوق (١) [٦] تقدم ٥٠/ ٨٥٠.
٤ - (يزيد بن الأصم) اسم أبيه عمرو بن عبيد، أبو عوف الكوفي، نزيل الرقة ابن أخت ميمونة، ثقة [٣] تقدم ٥٠/ ٨٥٠.
٥ - (ميمونة) بنت الحارث، أم المؤمنين ﵄، تقدمت ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف ﵀-١٤٢/ ١١٠٩ - حيث أورده هناك عن شيخه قتيبة، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، محتجا به على مشروعية التجافي في السجود، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، وبالله تعالى التوفيق.
قوله: "خَوَّى بيديه" بمعجمة، وواو مشددة: إذا تجافى، وفَرَّج ما بين عضديه وجنبيه. أفاده في "ق". وقال في "المصباح": خوَّى الرجل في سجوده: رفع بطنه عن الأرض، وقيل: جافى بين عضديه. انتهى.
وقوله: "وضح إبطيه" بفتحتين: أي بياض ما تحتهما، وذلك للمبالغة في رفعهما، وتجافيهما عن الجنبين، والوَضَحُ: البيان من كل شيء.
وقوله: "وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى": أي جلس مطمئنًّا على فخذه اليسرى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الحديث دلالة على أن السنة في الجلوس أن يكون على الفخذ اليسرى، وهذا هو معنى الافتراش، وهو يشمل جلسات الصلاة كلها إلا ما خرج بالنص، وهو الجلوس للتشهد الأخير، فالسنة فيه التورك، كما سيأتي في موضعه. إن شاء الله تعالى.
стр. 8508
فاستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على سنة الجلوس بين السجدتين واضح، إذ هو من جملة الجلسات التي لم يرد فيها نص مثل ما ورد في الجلوس الأخير. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: يشكل على حديث الباب ما أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وغيرهما عن طاوس، قال: قلنا لابن عباس ﵄ في الإقعاء على القدمين؟ فقال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جَفَاء بالرَّجُل (١)، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ ، انتهى.
فقد حمله العلماء على الجلوس بين السجدتين، فيدل على أن السنة في الجلوس بين السجدتين الإقعاء، وهو أن يجعل أليتيه على عقبيه، فهذا يعارض حديث الباب.
ويجاب بحمله على الجواز، فإن شاء افترش ببن السجدتين، وإن شاء فعل الإقعاء المذكور، وليس هذا مثل التورك الوارد في التشهد الأخير، فإنه هو السنة فيه، ولا يسن فيه غيره.
والحاصل أن الجلوس بين السجدتين يخيّر فيه المصلي بين أن يفترش، وبين أن يجعل أليتيه على عقبيه، والأول أفضل؛ لأنه أكثر أحوال النبي ﷺ ، وقد حقّق ذلك النووي رحمه الله تعالى في "شرح صحيح مسلم"، حيث قال:
(اعلم): أن الإقعاء ورد فيه حديث ثان، ففي هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس المذكور- أنه سنة، وفي حديثا آخر النهي عنه، رواه الترمذي، وغيره من رواية علي ﵁، وابن ماجه من رواية أنس، وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من رواية سمرة، وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة، وأسانيد كلها ضعيفة.
وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء، وفي تفسيره اختلافا كثيرا، لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:
أحدهما: أن يُلصق أَلْيَتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.
стр. 8509
والنوع الثاني: أن يَجعَلَ أَلْيَتَيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس ﵄ بقوله: سنة نبيكم ﷺ .
وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى في "البويطي" و"الإملاء" على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.
وحَمَلَ حديثَ ابن عباس ﵄ عليه جماعات من المحققين، منهم البيهقي، والقاضي عياض، وآخرون رحمهم الله تعالى، قال القاضي: وقد رُوي عن جماعات من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس ﵄: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك. هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعي رحمه الله تعالى على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.
وله نص آخر، وهو الأشهر أن السنة فيه الافتراشُ، وحاصله أنهما سنتان، وأيهما أفضل، فيه قولان.
وأما جلسة التشهد الأول، وجلسة الاستراحة، فسنتهما الافتراش، وجلسة التشهد الأخير السنة فيه التورك. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى. في "شرح صحيح مسلم".
وقال في "شرح المهذب": [فرع] في الإقعاء:
قد ذكرنا أن الأحاديث الواردة في النهي عنه مع كثرتها ليس فيها شيء ثابت، وبيَنّا رواتها، وثبت عن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل، قال: بل هي سنة نبيك ﷺ . رواه مسلم في "صحيحه". وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس ﵄، قال: "من سنة الصلاة أن تَمسَّ أليتاك عقبيك بين السجدتين".
وذكر البيهقي حديث ابن عباس هذا، ثم روى عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة، ثم روى عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أنهما كانا يُقعيان، ثم روى عن طاوس أنه كان يُقعي، وقال: رأيت العبادلة يفعلون ذلك: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃.
قال البيهقي: فهذا الإقعاء المرضي فيه والمسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمر هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض.
ثم روى الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء بأسانيدها عن الصحابة الذين
стр. 8510
ذكرناهم، ثم ضعفها كلها، وبين ضعفها، وقال: حديث ابن عباس وابن عمر صحيح، ثم روى عن أبي عبيد أنه حكى عن شيخه أبي عبيدة أنه قال: الإقعاء أن يلصق ألْيَتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض. قال: وقال في موضع آخر: الإقعاء جلوس الإنسان على أَلْيَتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع. قال البيهقي: وهذا النوع من الإقعاء غير ما رويناه عن ابن عباس وابن عمر ﵃، فهذا منهي عنه، وما رويناه عن ابن عباس وابن عمر ﵃ مسنون. قال: وأما حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ "أنه كان ينهى عن عقب الشيطان"، فيحتمل أن يكون واردا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيا لما رواه ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين.
هذا آخر كلام البيهقي رحمه الله تعالى، ولقد أحسن، وأجاد، وأتقن، وأفاد، وأوضح إيضاحا شافيًا، وحرَّر تحريرا وافيا ﵀، وأجزل مثوبته. وقد تابعه على هذا الإمامُ المحققُ أبو عمر وابن الصلاح، فقال: بعد أن ذكر حديث النهي عن الإقعاء: هذا الإقعاء محمول على أن يضع أَلْيَتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة، فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعدا عليها، وعلى أطرأف أصابع رجليه، وقد أستحبه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في "الإملاء"، و"البويطي". قال: وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من لا يعلم أنه نوعان كما ذكرنا، قال: وفيه في "المهذب" تخليط. هذا آخر كلام أبي عمرو ﵀.
وهذا الذي حكاه عن "البويطي" و"الإملاء" من نص الشافعي قد حكاه عنهما البيهقي في كتابه "معرفة السنن والآثار".
وأما كلام الخطابي فلم يحصل له ما حصل للبيهقي، وخالف في هذا الحديث عادته في حل المشكلات، والجمع بين الأحاديث المختلفة، بل ذكر حديث ابن عباس، ثم قال: وأكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء، وأنه عقب الشيطان.
وقد ثبت من حديث أبي حميد، ووائل بن حجر، أن النبي ﷺ قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى، قال: ورويت كراهة الإقعاء عن جماعة من الصحابة ﵃، وكرهه النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأهل الرأي، وعامة أهل العلم، قال: والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه، ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض. وهذا إقعاء الكلب والسباع.
قال أحمد بن حنبل: وأهل مكة يستعملون الإقعاء.
قال الخطابي: ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا، والعمل على الأحاديث