فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده النضر بن كثير، وهو ضعيف؟
قلت: يصح بشواهده، فقد تقدم في الباب -١٢٦ - أحاديث صحيحة في استحباب الرفع في السجود، تكون شواهد لحديثه، فيصح بها. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٧٧/ ١١٤٦ - وفي "الكبرى" -٨٤/ ٧٣٢ - عن موسى ابن عبد الله بن موسى البصري، عن النضر بن كثير، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عنه.
وأخرجه (د) عن قتيبة، ومحمد بن أبان البلخي، كلاهما عن النضر بن كثير به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو استحباب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
ومنها: ما كان عليه السلف من الإنكار على من أحدث في الدين شيئا يخالف السنة فيما يظهر للمُنكِر، وإن لم يكن مخالفا لها في الحقيقة.
ومنها: أن من أُنكِرَ عليه شيء مما فعله من السنة لا ينبغي له أن يقابل ذلك بالغضب، والعنف، وإنما يقابله بإظهار الحجة، وتبيينه للمُنكِر حتى يعلم السنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٨ - (بَابٌ كيفَ الْجُلُوسُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على صفة الجلوس.
فـ"باب" بالتنوين، و"كيف" في محل رفع خبر مقدم وجوبا لكونه اسم استفهام، مبنيٌّ على الفتح، و"الجلوس" مبتدأ مؤخر، والظرف متعلق به. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ:
стр. 8507
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَإِذَا قَعَدَ اطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الرحمن بن أبراهيم دُحَيم) الدمشقي، ثقة حافظ متقن [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٢ - (مروان بن معاوية) الفزاري الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ [٨] تقدم ٥٠/ ٨٥٠.
٣ - (عبيد الله بن عبد الله بن الأصم) العامري، صدوق (١) [٦] تقدم ٥٠/ ٨٥٠.
٤ - (يزيد بن الأصم) اسم أبيه عمرو بن عبيد، أبو عوف الكوفي، نزيل الرقة ابن أخت ميمونة، ثقة [٣] تقدم ٥٠/ ٨٥٠.
٥ - (ميمونة) بنت الحارث، أم المؤمنين ﵄، تقدمت ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف ﵀-١٤٢/ ١١٠٩ - حيث أورده هناك عن شيخه قتيبة، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، محتجا به على مشروعية التجافي في السجود، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، وبالله تعالى التوفيق.
قوله: "خَوَّى بيديه" بمعجمة، وواو مشددة: إذا تجافى، وفَرَّج ما بين عضديه وجنبيه. أفاده في "ق". وقال في "المصباح": خوَّى الرجل في سجوده: رفع بطنه عن الأرض، وقيل: جافى بين عضديه. انتهى.
وقوله: "وضح إبطيه" بفتحتين: أي بياض ما تحتهما، وذلك للمبالغة في رفعهما، وتجافيهما عن الجنبين، والوَضَحُ: البيان من كل شيء.
وقوله: "وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى": أي جلس مطمئنًّا على فخذه اليسرى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الحديث دلالة على أن السنة في الجلوس أن يكون على الفخذ اليسرى، وهذا هو معنى الافتراش، وهو يشمل جلسات الصلاة كلها إلا ما خرج بالنص، وهو الجلوس للتشهد الأخير، فالسنة فيه التورك، كما سيأتي في موضعه. إن شاء الله تعالى.
стр. 8508
فاستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على سنة الجلوس بين السجدتين واضح، إذ هو من جملة الجلسات التي لم يرد فيها نص مثل ما ورد في الجلوس الأخير. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: يشكل على حديث الباب ما أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وغيرهما عن طاوس، قال: قلنا لابن عباس ﵄ في الإقعاء على القدمين؟ فقال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جَفَاء بالرَّجُل (١)، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ ، انتهى.
فقد حمله العلماء على الجلوس بين السجدتين، فيدل على أن السنة في الجلوس بين السجدتين الإقعاء، وهو أن يجعل أليتيه على عقبيه، فهذا يعارض حديث الباب.
ويجاب بحمله على الجواز، فإن شاء افترش ببن السجدتين، وإن شاء فعل الإقعاء المذكور، وليس هذا مثل التورك الوارد في التشهد الأخير، فإنه هو السنة فيه، ولا يسن فيه غيره.
والحاصل أن الجلوس بين السجدتين يخيّر فيه المصلي بين أن يفترش، وبين أن يجعل أليتيه على عقبيه، والأول أفضل؛ لأنه أكثر أحوال النبي ﷺ ، وقد حقّق ذلك النووي رحمه الله تعالى في "شرح صحيح مسلم"، حيث قال:
(اعلم): أن الإقعاء ورد فيه حديث ثان، ففي هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس المذكور- أنه سنة، وفي حديثا آخر النهي عنه، رواه الترمذي، وغيره من رواية علي ﵁، وابن ماجه من رواية أنس، وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من رواية سمرة، وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة، وأسانيد كلها ضعيفة.
وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء، وفي تفسيره اختلافا كثيرا، لهذه الأحاديث، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:
أحدهما: أن يُلصق أَلْيَتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي.
стр. 8509
والنوع الثاني: أن يَجعَلَ أَلْيَتَيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس ﵄ بقوله: سنة نبيكم ﷺ .
وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى في "البويطي" و"الإملاء" على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.
وحَمَلَ حديثَ ابن عباس ﵄ عليه جماعات من المحققين، منهم البيهقي، والقاضي عياض، وآخرون رحمهم الله تعالى، قال القاضي: وقد رُوي عن جماعات من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس ﵄: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك. هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعي رحمه الله تعالى على استحبابه في الجلوس بين السجدتين.
وله نص آخر، وهو الأشهر أن السنة فيه الافتراشُ، وحاصله أنهما سنتان، وأيهما أفضل، فيه قولان.
وأما جلسة التشهد الأول، وجلسة الاستراحة، فسنتهما الافتراش، وجلسة التشهد الأخير السنة فيه التورك. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى. في "شرح صحيح مسلم".
وقال في "شرح المهذب": [فرع] في الإقعاء:
قد ذكرنا أن الأحاديث الواردة في النهي عنه مع كثرتها ليس فيها شيء ثابت، وبيَنّا رواتها، وثبت عن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل، قال: بل هي سنة نبيك ﷺ . رواه مسلم في "صحيحه". وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس ﵄، قال: "من سنة الصلاة أن تَمسَّ أليتاك عقبيك بين السجدتين".
وذكر البيهقي حديث ابن عباس هذا، ثم روى عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة، ثم روى عن ابن عمر وابن عباس ﵃ أنهما كانا يُقعيان، ثم روى عن طاوس أنه كان يُقعي، وقال: رأيت العبادلة يفعلون ذلك: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃.
قال البيهقي: فهذا الإقعاء المرضي فيه والمسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمر هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض، ويضع أليتيه على عقبيه، ويضع ركبتيه على الأرض.
ثم روى الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء بأسانيدها عن الصحابة الذين
стр. 8510
ذكرناهم، ثم ضعفها كلها، وبين ضعفها، وقال: حديث ابن عباس وابن عمر صحيح، ثم روى عن أبي عبيد أنه حكى عن شيخه أبي عبيدة أنه قال: الإقعاء أن يلصق ألْيَتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض. قال: وقال في موضع آخر: الإقعاء جلوس الإنسان على أَلْيَتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع. قال البيهقي: وهذا النوع من الإقعاء غير ما رويناه عن ابن عباس وابن عمر ﵃، فهذا منهي عنه، وما رويناه عن ابن عباس وابن عمر ﵃ مسنون. قال: وأما حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ "أنه كان ينهى عن عقب الشيطان"، فيحتمل أن يكون واردا في الجلوس للتشهد الأخير، فلا يكون منافيا لما رواه ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين.
هذا آخر كلام البيهقي رحمه الله تعالى، ولقد أحسن، وأجاد، وأتقن، وأفاد، وأوضح إيضاحا شافيًا، وحرَّر تحريرا وافيا ﵀، وأجزل مثوبته. وقد تابعه على هذا الإمامُ المحققُ أبو عمر وابن الصلاح، فقال: بعد أن ذكر حديث النهي عن الإقعاء: هذا الإقعاء محمول على أن يضع أَلْيَتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة، فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعدا عليها، وعلى أطرأف أصابع رجليه، وقد أستحبه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في "الإملاء"، و"البويطي". قال: وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من لا يعلم أنه نوعان كما ذكرنا، قال: وفيه في "المهذب" تخليط. هذا آخر كلام أبي عمرو ﵀.
وهذا الذي حكاه عن "البويطي" و"الإملاء" من نص الشافعي قد حكاه عنهما البيهقي في كتابه "معرفة السنن والآثار".
وأما كلام الخطابي فلم يحصل له ما حصل للبيهقي، وخالف في هذا الحديث عادته في حل المشكلات، والجمع بين الأحاديث المختلفة، بل ذكر حديث ابن عباس، ثم قال: وأكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء، وأنه عقب الشيطان.
وقد ثبت من حديث أبي حميد، ووائل بن حجر، أن النبي ﷺ قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى، قال: ورويت كراهة الإقعاء عن جماعة من الصحابة ﵃، وكرهه النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأهل الرأي، وعامة أهل العلم، قال: والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه، ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض. وهذا إقعاء الكلب والسباع.
قال أحمد بن حنبل: وأهل مكة يستعملون الإقعاء.
قال الخطابي: ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا، والعمل على الأحاديث
стр. 8511
الثابتة في صفة صلاة النبي ﷺ . هذا آخر كلام الخطابي، وهو فاسد من أوجه:
مها: أنه اعتمد على أحاديث النهي فيه، وادعى أيضا نسخ حديث ابن عباس، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ، ولم يتعذر هنا الجمع، بل أمكن كما ذكره البيهقي، ولم يعلم أيضا التاريخ، وجعل أيضا الإقعاء نوعا واحدا وإنما هو نوعان، فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي، وأبو عمرو: (أحدهما): مكروه. (والثاني): جائز وسنة.
وأما الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر، وأحاديث أبي حميد ووائل، وغيرهما في صفة صلاة رسول الله ﷺ ، ووصفهم الافتراش على قدمه اليسرى، فهو أن النبي ﷺ كانت له في الصلاة أحوال، حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك، كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها، وغير ذلك من أنواعها، وكما توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وكما طاف راكبًا وطاف ماشيا، وكما أوتر أول الليل، وآخره، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر، وغير ذلك كما هو معلوم من أحواله ﷺ ، وكان يفعل العبادة على نوعين، أو أنواع في بين الرخصة، والجواز بمرة، أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأولى.
فالحاصل أن الإقعاء الذي رواه ابن عباس وابن عمر فَعَله النبي ﷺ على التفسير المختار الذي ذكره البيهقي، وفَعَلَ النبيُّ ﷺ ما رواه أبو حميد، وموافقوه من جهة الافتراش، وكلاهما سنة، لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر، وهي رواية أبي حميد؛ لأنه رواها، وصدّقه عشرة من الصحابة، كما سبق، ورواها وائل بن حجر وغيره، وهذا يدلّ على مواظبته ﷺ عليها، وشهرتها عندهم، فهي أفضل وأرجح، مع أن الإقعاء سنة أيضا.
فهذا ما يسّر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء، وهو من المهمات، لتكرر الحاجة إليه في كل يوم، مع تكرره في كتب الحديث والفقه، واستشكال أكثر الناس له من كل الطوائف، وقد منّ الله الكريم بإتقانه، ولله الحمد على جميع نعمه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى في "المجموع" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد النووي رحمه الله تعالى في جمعه وتحريره، وتحقيقه وتحبيره، فجزاه الله تعالى عن ذلك خيرا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8512
وسيأتي الكلام على بقية الجلسات في مواضعها حيث يذكرها المصنف رحمه الله تعالى، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٧٩ - (قَدْرُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجدَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان مقدار الجلوس بين السجدتين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الترجمة الردَّ على من يقول: إن الجلوس بين السجدتين، وكذا الاعتدال من الركوع ركن قصير لا يشرع تطويله، بل بالغ بعضهم فأبطل به الصلاة إن تعمده، وإلا سجد للسهو، وهذا مذهب باطل منابذ للسنة الصحيحة الصريحة.
وقد تقدم البحث في هذا في ١١٤/ ١٠٦٥ مستوفى بحمد الله تعالى، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو قُدَامَةَ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُكُوعُهُ، وَسُجُودُهُ، وَقِيَامُهُ (٢) بَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا (٣) مِنَ السَّوَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد الله بن يسعيد أبو قدامة) السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني [١٠] تقدم ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحافظ الحجة الناقد [٩] تقدم ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الإمام الناقد البصري الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
стр. 8513
٤ - (الحَكَم) بن عُتَيبة، أبو محمَّد الكوفي، ثقة ثبت فقيه ربما دلس [٥] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة ثبت [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (البراء) بن عازب الأنصاري، أبو عمارة الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث البراء رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى ١١٤/ ١٠٦٥ - أورده هناك استدلالا على قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود، رواه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن ابن علية، عن شعبة، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٠ - (بَابُ التَّكْبِيرِ لِلسُّجودِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين علي مشروعية التكبير لأجل السجود، أو عند السجود، فاللام تعليلية، أو بمعنى "عند".
وأراد بالسجود هنا السجود الثاني، لأن الأول تقدم بيانه برقم ١٢٤/ ١٠٨٢ و ١٠٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ، وَوَضْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، ﵃).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث [٧] تقدم ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مدلس اختلط بآخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
стр. 8514
٤ - (عبد الرحمن بن الأسود) النخعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣.
٦ - (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/ ٧٧.
٧ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٥/ ٣٩.
وقوله: "في كل رفع" الخ تقدم أنه يُستثنى منه الرفع من الركوع فكان يقول فيه: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد".
وقوله: "ووضع" أراد به النزول، وتقدم بلفظ "وخفض" والمعنى واحد.
وقوله: "وأبو بكر" الخ عطف على "رسول الله"، ويحتمل عطفه على الضمير الفاعل لـ"يكبر" للفصل بالجار والمجرور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في ١٢٤/ ١٠٨٣ - أورده هناك استدلالا على مشروعية التكبير للسجود الأول، رواه عن عمرو بن علي الفَلاّس، عن معاذ بن معاذ، ويحيى القطان كلاهما عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق.
وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك بحمد الله تعالى، فإن شئت فراجعه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١١٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى- قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمَّد بن رافع) القُشَيري النيسابوري، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢/ ١١٤.
٢ - (حُجَين بن المُثَنَّى) -بحاء مهملة، ثم جيم مصغّرًا- أبو عُمَر اليمامي، نزيل بغداد، خُرَاساني الأصل ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
[تنبيه]: القائل: "وهو ابن المثنى" هو المصنف، وقد تقدم الكلام على مثله غير مرّة.
٣ - (ليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
стр. 8515
٤ - (عُقَيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] تقدم ١٢٥/ ١٨٧.
٥ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري الإمام الحجة المشهور [٤] تقدم ١/ ١.
٦ - (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي المدني، قيل: اسمه محمَّد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة فقيه عابد [٣] تقدم ٥١/ ٩٦٣.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١.
وقوله: "حين يرفع صُلبه من الركعة": أي حين يرفع ظهره من الركوع، فالركعة هنا بمعنى الركوع، من باب تسمية الشيء باسم الكلّ.
وقوله: "حين يهوي" بفتح الياء: أي ينزل إلى الأرض.
وقوله: "حتى يقضيها": أي يتمها، ويفرغ منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم للمصنف رحمه الله تعالى برقم ٨٤/ ١٠٢٣ - أورده هناك مستدلًّا على مشروعية التكبير للركوع، رواه عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه. وتقدم شرحه وبيان المسائل المتعلقة به هناك بحمد الله تعالى، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨١ - (بَابُ الاسْتِوَاءِ لِلْجُلُوسِ عِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَتَينِ)
أي باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعية الاستواء للجلوس وقت رفع الرأس من السجدتين.
والمراد بالاستواء هنا أن يجلس مفترشا مستقيما بحيث لا يعتمد بيده على الأرض في جلوسه.
стр. 8516
وهذا الجلوس هو المسمى بجلسة الاستراحة بكسر الجيم كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلسَهْ … وَفعْلَةٌ لهَيئَة كَجِلْسَهْ
وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في استحبابه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
١١٥١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: جَاءَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إِلَى مَسْجِدِنَا، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي؟ قَالَ: فَقَعَدَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زياد بن أيوب) دَلُّويَهْ البغدادي، أبو هاشم الطوسي الأصل، ثقة حافظ [١٠] تقدم ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُلَيّة البصري، ثقة حافظ [٨] تقدم ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، ثقة حجة فقيه [٥] تقدم ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرْمي البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] تقدم ٢٠٣/ ٣٢٢.
٥ - (أبو سليمان مالك بن الحُوَيرث) الليثي الصحابي نزيل البصرة ﵁، تقدم ٧/ ٦٣٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له مسلم، ولا ابن ماجه.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، أيوب عن أبي قلابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجَرْمي رحمه الله تعالى، أنه (قال: جاءنا مالك بن الحويرث) رضي الله تعالى عنه (إلي مسجدنا هذا) يريد مسجد قومه جَرْم بالبصرة (فقال: أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي) جملة "يصلي" في محل نصب على الحال من "رسول الله".
стр. 8517
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية المصنف لهذا الحديث فيها اختصار.
وقد ساقه أحمد مطولا بسنده، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث الليثي، أنه قال لأصحابه يوما: ألا أريكم كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: وذلك في غير حين صلاة، فقام، فأمكن القيام، ثم ركع، فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه، وانتصب قائما هُنَيًّة، ثم سجد، ثم رفع رأسه، ويكبر في الجلوس، ثم انتظر هُنَيّة، ثم سجد.
قال أبو قلابة: فصلى صلاة كصلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سَلِمةَ الجرمي، وكان يؤم على عهد النبي ﷺ .
قال أيوب: فرأيت عمرو بن سلمة يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قاعدًا، ثم قام من الركعة الأولى والثالثة (١).
(قال) أي أبو قلابة رحمه الله تعالى (فقعد) أي أبو سليمان مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه (في الركعهْ الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة) الجار والمجرور الأول، والظرف متعلقان بـ"قعد"، والثاني متعلق بـ"رفع".
الحديث يدلّ على ثبوت جلسة الاستراحة، وهو الصحيح من أقوال العلماء، ومن لا يقول بها حمل الحديث على أنه ﷺ فعله في آخر عمره حيث ثَقُلَ، ولم يفعله قصدا. وسيأتي الردّ عليه، وتحقيق المسألة بأدلتها في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٨١/ ١١٥١ - وفي "الكبرى" -٨٨/ ٧٣٧ - عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل ابن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عنه. و ١١٥٢ - و"الكبرى" ٧٣٨ - عن علي بن حُجْر، عن هُشيم، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة به. و ١٨٢/ ١١٥٣ - و"الكبرى" ٨٩/ ١١٥٣ - عن محمَّد بن بشار، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء به. والله تعالى أعلم.
стр. 8518
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب- وسليمان بن حرب، عن حماد بن زيد- وعن أبي النعمان، عن حماد- وعن معلي بن أسد، عن وهيب- كلاهما عن أيوب به. وعن محمَّد بن الصباح، عن هُشَيم به.
(د) عن مسدد، عن إسماعيل ابن علية به. وعن زياد بن أيوب به. وعن مسدد، عن هشيم به.
(ت) عن علي بن حجر به.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٣٦ و ٥/ ٥٣ (ابن خزيمة) برقم ٦٨٦ و ٦٨٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان مذاهب العلماء في جلسة الاستراحة:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: الصحيح المشهور في مذهب الشافعي ﵀ أنها مستحبة، وبه قال مالك بن الحويرث، وأبو حميد الساعدي، وأبو قتادة، وجماعة من الصحابة ﵃، وأبو قلابة، وغيره من التابعين.
قال الترمذي ﵀: وبه قال أصحابنا، وهو مذهب داود، ورواية عن أحمد.
وقال كثيرون، أو الأكثرون: لا تستحب، بل إذا وقع رأسه من السجود نهض. حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الزناد، ومالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق.
قال: قال النعمان بن أبي عياش. أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ يفعل هذا. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الأحاديث على هذا.
واحتج لهم بحديث المسيء صلاته، ولا ذكر لها فيه، وبحديث وائل بن حجر ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجدة استوى قائما بتكبيرة.
قال الطحاوي: ولأنه لا دلالة في حديث أبي حميد ﵁، ولأنها لو كانت مشروعة لسن لها ذكر كغيرها.
واحتج الأولون بحديث مالك بن الحُويرث رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، وبحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال في حديث المسيء صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا" رواه البخاري في "صحيحه" بهذا اللفظ في "كتاب السلام" جـ ٨ ص ٦٩ (١).
стр. 8519
وعن أبي حميد وغيره من الصحابة ﵃ أنه وصف صلاة النبي ﷺ ، فقال: "ثم هَوَى ساجدا، ثم ثَنَى رجله، وقعد حتى رجع كلّ عظم موضعه، ثم نهض" وذكر الحديث، فقالوا: صدقت. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وإسناد أبي داود إسناد صحيح، على شرط مسلم.
والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي ﷺ إنما علمه الواجبات دون المسنونات.
وأما حديث وائل ﵁، فلو صحّ وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة الاستراحة؛ لأنه ليس فيه تصريح بتركها، ولو كان صريحا لكان حديث مالك بن الحويرث، وأبي حميد، وأصحابه مقدما عليه لوجهين:
(أحدهما): صحة أسانيدها.
(والثانى): كثرة رواتها.
ويحتمل أن يكون حديث وائل أنه رأى النبي ﷺ في وقت، أو أوقات بيانا للجواز، وواظب على ما رواه الأكثرون، ويؤيد هذا أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث بعد أن قام يصلي معه، ويتحفظ العلم منه عشرين يوما، وأراد الانصراف من عنده إلى أهله: "اذهبوا إلى أهليكم، ومُرُوهم، وعلموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي". وهذا كله ثابت في "صحيح البخاري" من طرق، فقال له النبي ﷺ هذا، وقد رآه يجلس الاستراحة، فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد لما أطلق ﷺ قوله: "صلوا كما رأيتوني أصلي".
وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبي إسحاق المروزي بين القوي والضعيف، ويجاب به أيضا عن قول من لا معرفة له: ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه.
وأما قول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: إن أكثر الأحاديث على هذا، فمعناه أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتا، ولا نفيا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أكثر الأحاديث تنفيها؛ لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجلّ من أن يقول شيئا على سبيل الإخبار عن الأحاديث، ونجد فيها خلافه.
وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها، ولا نفيها لم يلزم ردّ سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة.
وأما قول الطحاوي: إنها ليست في حديث أبي حميد، فمن العجب الغريب!! فإنها
стр. 8520
مشهورة فيه في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما من كتب السنن والمسانيد للمتقدمين.
وأما قوله: لو شرعت لكان لها ذكر، فجوابه أن ذكرها التكبير، فإن الصحيح أنه يمدّ حتى يستوعبها، ويصل إلى القيام، كما سبق.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم أن مد التكبير حتى يصل إلى الركن التالي مما لا دليل عليه، بل الصواب أنه لا يزيد على المد المشروع. فتنبه. والله تعالى أعلم.
قال: ولو لم يكن فيها ذكر لم يجز ردّ السنن بهذا الاعتراض. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). .
وكتب العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح حديث مالك بن الُحوَيرث ﵁ المذكور في الباب: ما نصه:
الحديث فيه مشروعية جلسة الاستراحة، وهي بعد الفراغ من السجدة الثانية، وقبل النهوض إلى الركعة الثانية، والرابعة.
وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في المشهور عنه، وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان، وذكر الخلّال أن أحمد رجع إلى القول بها، ولم يستحبها الأكثر، واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي حميد الساعدي المشتمل على وصف صلاته ﷺ ، ولم يذكر فيه هذه الجلسة، بل ثبت في بعض ألفاظه أنه قام، ولم يتورك، كما أخرجه أبو داود، قال: فيحتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلّة كانت به، فقعد من أجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة، ثمّ قوّى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص.
وتعقب بأن الأصل عدم العلة، وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فحكايته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخلة تحت هذا الأمر.
وحديث أبي حميد يستدلّ به على عدم وجوبها، وأنه تركها لبيان الجواز، لا على عدم مشروعيتها، على أنها لم تتفق الروايات عن أبي حُميد في نفي هذه الجلسة، بل أخرج أبو داود والترمذي وأحمد عنه من وجه آخر بإثباتها.
وأما الذكر المخصوص، فإنها جلسة خفيفة جدًّا، استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام.
واحتج بعضهم على نفي كونها سنة بأنها لو كانت كذلك لذكرها كلُّ مَنْ وصف صلاته. وهو متَعَقَّبٌ بأن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وَصَفَ
стр. 8521
صلاته، إنما أُخذَ مجموعها عن مجموعهم.
واحتجوا أيضا على عدم مشروعيتها بما وقع من حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائما"، وهذا الاحتجاج يَرُدُّ على من قال بالوجوب، لا من قال بالاستحباب لما عرفت.
على أن حديث وائل قد ذكره النووي في "الخلاصة" في "فصل الضعيف".
واحتجوا أيضا بما أخرجه الطبراني من حديث معاذ أنه كان يقوم كأنه السهم، وهذا لا ينفي الاستحباب المدَّعَى، على أن في إسناده متهما بالكذب.
وقد عرفت مما قدمنا في شرح حديث المسيء أن جلسة الاستراحة مذكورة فيه عند البخاري وغيره، لا كما زعمه النووي من أنها لم تذكر فيه (١). وذكرها فيه يصلح للاستدلال به على وجوبها لولا ما ذكرنا فيما تقدم من إشارة البخاري إلى أن ذكر هذه الجلسة وَهَم، وما ذكرنا أيضا من أنه لم يقل بوجوبها أحد، وقد صرح بمثل ذلك الحافظ في "الفتح".
ومن جملة ما احتج به القائلون بنفي استحبابها حديث وائل بن حجر عند أبي داود، وما روى ابن المنذر عن النعمان بن أبي عياش، قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة، وفي الثالثة قام كما هو، ولم يجلس، وذلك لا ينافي القول بأنها سنة؛ لأن الترك لها من النبي ﷺ في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط، وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في سنيتها، لأن ترك ما ليس بواجب جائز. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما تقدم من تحقيق النووي والشوكاني رحمهما الله تعالى أن القول باستحباب جلسة الاستراحة هو الراجح، لقوة دليله، وأن الأدلة التي تدل على عدم فعل النبي ﷺ لها محمولة على أنه تركها لبيان الجواز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١١٥٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ جَالِسًا).
стр. 8522
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (هُشَيم) بن بَشِير الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس [٧] تقدم ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (خالد) بن مهران الحذاء البصري، ثقة يرسل [٥] تقدم ٧/ ٦٣٤.
والباقيان تقدما في الحديث الماضي.
وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به تقدمت هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٢ - (بَابُ الاعْتِمَادِ عَلَى الأَرضِ عِنْدَ النُّهُوضِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية الاعتماد بيديه على الأرض عند القيام إلى الركعة الثانية، وكذا الرابعة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الغرض من الترجمة بيان استحباب الاعتماد عند القيام من السجود، أو الجلوس، والإشارة إلى ردّ ما روي بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁، "أنه ﷺ كان ينهض على صدور قدميه".
وعن ابن مسعود ﵁ مثله بإسناد صحيح. وعن إبراهيم أنه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض. أفاده في "الفتح" (١).
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الآتية آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
١١٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يَأْتِينَا، فَيَقُولُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيُصَلِّي فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ قَامَ، فَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ).
стр. 8523
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمَّد بن بشار) بُندَار أبو بكر البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة تغير في الأخير [٨] تقدم ٤٢/ ٤٨.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي ﵀ (قال: كان مالك بن الحُوَيرث) رضي الله تعالى عنه (يأتينا) أي يأتي قومه في مساجدهم، كما تقدمت الإشارة في الراوية التي تقدمت في الباب الماضي (فيقول: ألا) أداة عرض وتحضيض، كما سبق غير مرّة (أحدثكم) بالرفع (عن صلاة رسول الله ﷺ ) أي عن كيفيتها، وصفتها (فيصلي في غير وقت صلاة) وفي نسخة "وقت الصلاة" بالتعريف.
قال في "الفتح": أي في غير وقت صلاة من المفروضة، ويتعين حمله على ذلك حتى لا يدخل فيه أوقات المنع من النافلة، لتنزيه الصحابي عن التنفل حينئذ، وليس في اليوم والليلة وقت أُجمْعَ على أنه غير وقت لصلاة من الخمس إلا من طلوع الشمس إلى زوالها. انتهى.
(فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة) من إضافة الصفة للموصوف، أي في الركعة الأولى (استوى قاعدا) هذا القعود هو المسمى بجلسة الاستراحة (ثم قام) أي شرع في القيام إلى الركعة الثانية (فاعتمد على الأرض) ليست الفاء للترتيب، بل لمجرد العطف، إذ الاعتماد على الأرض في حالة الشروع في القيام، لا بعده.
قيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد. وروى عبد الرزاق عن ابن عمر ﵁، أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما. أفاده في "الفتح".
وفيه أن السنة في القيام أن يقوم معتمدا بيديه على الأرض، وهو المذهب الراجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث مالك بن الحُوَيرث رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي مستَوْفًى، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن شئت فارجع إليه تستفد، وإنما أتكلم فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في كيفية النهوض عن الجلوس:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى:
واختلفوا في اعتماد الرجل على يديه عند القيام، فروينا عن ابن عمر رضي الله تعالى
стр. 8524
عنهما، أنه كان يعتمد على يديه إذا أراد القيام، وهكذا فعل مكحول، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي زكريا، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو مخرمة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
ورأت طائفة أن لا يعتمد على يديه إلا أن يكون شيخا كبيرا، وروي ذلك عن علي ﵁، وبه قال النخعي، والثوري. انتهى كلام ابن المنذر باختصار (١). .
وقال النووي رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه يستحب أن يقوم معتمدا على يديه، ثم ذكر القائلين بذلك من كلام ابن المنذر المذكور آنفا.
ثم قال: وقال أبو حنيفة، وداود: يقوم غير معتمد بيديه على الأرض، بل يعتمد على صدور قدميه. وهذا مذهب ابن مسعود ﵁، وحكاه ابن المنذر عن علي ﵁، والنخعي، والثوري.
واحتُجَّ لهم بحديث أبي شيبة، عن قتادة، عن أبي جحيفة، عن علي ﵁، قال: "من السنة إذا نهض الرجل في الصلاة المكتوبة من الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا، لا يستطيع". رواه البيهقي.
وعن خالد بن إلياس، ويقال: ابن إياس، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه". رواه الترمذي، والبيهقي.
وعن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ في نهى أن يعتمد الرجل على يديه، إذا نهض في الصلاة". رواه أبو داود.
وعن وائل بن حجر ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ : "وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه". رواه أبو داود.
وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى ابن مسعود يقوم على قدميه في الصلاة. رواه البيهقي، وقال: هذا صحيح عن ابن مسعود.
وعن عطية العَوْفي، قال: رأيت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد الخدري ﵃ يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة. رواه البيهقي.
واحْتَجَّ الأولون بحديث مالك بن الحُوَيرث ﵁ المذكور في الباب.
قال الشافعي ﵀: ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى أن لا ينقلب.
стр. 8525
والجواب عن أحاديثهم أنها كلها ليس فيها شيء صحيح، إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود ﵁، ولا يجوز ترك السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بقول غيره، أو فعله.
فأما حديث علي ﵁، فضعيف، ضعفه البيهقي، وقال: أبو شيبة ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما.
وأما حديث أبي هريرة ﵁، فضعيف، ضعفه الترمذي، والبيهقي، وغيرهما، لأن رواية خالد بن إلياس، وصالح ضعيفتان.
وأما حديث ابن عمر، فضعيف من وجهين: (أحدهما): أنه من رواية محمَّد بن عبد الملك الغَزّال، وهو مجهول.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "مجهول" فيه نظر، فإنه معروف وثقه النسائي، وغيره، وقال مسلمة بن القاسم: ثقة كثير الخطإ. انظر "تهذيب التهذيب" جـ ٩ ص ٣١٥ - ٣١٦.
فالأولى في تضعيف روايته مخالفته لأحمد وغيره من الثقات، مع كونه كثير الخطإ، كما يأتي في الوجه الثاني، فتبصر.
قال: (الثاني): أنه مخالف لرواية الثقات؛ لأن أحمد بن حنبل رفيق الغرّال في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق قال فيه: "نهى أن يجلس الرجل في الصلاة، وهو معتمد على يده". ورواه آخرون عن عبد الرزاق خلاف ما رواه الغزّال. وقد ذكر أبو داود ذلك كله.
قال النووي ﵀: وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن من خالف الثقات كان حديثه شاذا مردودا.
وأما حديث وائل فضعيف أيضا؛ لأنه من رواية ابنه عبد الجبار، عنه، واتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، ولم يدركه، وقيل: ولد بعد وفاته بستة أشهر.
وأما حكايته عطية، فمردودة، لأن عطية ضعيف. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى بتصرف (١). .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصل مما ذكر أن الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة قول الأولين القائلين: إن السنة أن يعتمد المصلي بيديه على الأرض في القيام؛ لصحة حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، وعدم صحة أدلة القائلين بخلافه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 8526
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٣ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنِ الأَرْضِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية رفع اليدين عن الأرض قبل رفع الركبتين في النهوض للقيام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث المذكور على الترجمة واضح، إلا أن الحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٥٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا عَنْ شَرِيكٍ غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) (١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن منصور) بن بهَرَام الكَوسَج، أبو يعقوب المروزي، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن [٩] تقدم ١٥٣/ ١٤٤.
٣ - (شريك) بن عبد الله النخعي القاضي الكوفي، صدوق يخطئ كثيرا، وتغير حفظه [٨] تقدم ٢٥/ ٢٩.
٤ - (عاصم بن كليب) الجَرْميّ الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١١/ ٨٨٩.
٥ - (كُلَيب) بن شهاب الجرمي الكوفي، صدوق [٢] ووَهِمَ من ذكره في الصحابة، تقدم ١١/ ٨٨٩.
٦ - (وائل بن حُجر) الحضرمي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، تقدم ٤/ ٨٧٩.
стр. 8527
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف، تقدم الكلام عليه مستوفًى في ١٢٧/ ١٠٨٩ - فإن أردت التحقيق، فراجعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٤ - (بَابُ التَّكْبِيرِ لِلنُّهُوضِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التكبير للنهوض.
واللام للتعليل، أو بمعنى "عند".
و"النهوض" بالضم مصدر نَهَضَ، قال في "ق": نَهَضَ كمَنَعَ، نَهْضًا، ونُهوضًا: قام.
وقال الفَيُّوميّ: نَهضَ عن مكانه يَنهَضُ نُهُوضًا: ارتفع عنه، ونَهضَ إلى العدو: أسرع إليه، ونهضتُ إلى فلان، وله نَهضًا، ونهُوضًا: تحركت إليه بالقيام، وانتهضتُ أيضا، وكان منه نَهْضَة إلى كذا: أي حركة، والجمع نهَضَات، وأَنَهْضْتُهُ بالألف: أقمته. انتهى (١).
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه على الترجمة واضح. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٥٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (٢)، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الثبت الحجة المدني [٧] تقدم ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدني [٤] تقدم ١/ ١.
٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١.
стр. 8528
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وتقدم للمصنف مطوّلا برقم -٨٤/ ١٠٢٣ - حيث استدلّ به هناك على مشروعية التكبير للركوع، رواه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١١٥٦ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارٍ (١)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا صَلَّيَا خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، فَلَمَّا رَكَعَ كَبَّرَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ، وَكَبَّرَ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ حِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا زَالَتْ هَذِهِ صَلَاتُهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَاللَّفْظُ لِسَوَّارٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (نصر بن علي) الجهضمي البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢٠/ ٣٨٦.
٢ - (سوّار بن عبد الله بن سوّار) أبو عبد الله البصري، ثقة [١٠] تقدم ١٦٠/ ١١٢٩.
٣ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة [٨] تقدم ٢٠/ ٣٨٦.
٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة اليمني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠.
٥ - (أبو بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، ثقة فقيه عابد [٣] تقدم ٥١/ ٩٦٣.
والباقون تقدموا في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله في ١٠٢٣/ ٨، فراجعه تستفد، والله تعالى ولي التوفيق.
وقوله: "ما زالت هذه صلاته" "ما نافية، و"زالت" من أخوات "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، كما قال في "الخلاصة":
تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا اسمًا وَالْخَبَرْ … تَنْصِبُهُ ككَانَ سَيِّدًا عُمَرْ
كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحًا … أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَال بَرِحَا
فَتِىءَ وَانْفَكَّ هَذِى الأَرْبَعَهْ … لِشِبْهِ نَقي أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ
стр. 8529
واسم الإشارة اسمها، و"صلاته" خبرها منصوب بها.
وقوله: "واللفظ لسوّار"، يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه سوّار بن عبد الله، وأما شيخه نصر، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٥ - (بَابٌ كَيفَ الْجُلُوسُ لِلتشَهُّدِ الأَوَّلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "باب" يحتمل الإضافة إلى جملة "كيف الجلوس"، ويحتمل التنوين. و"كيف" اسم استفهام خبر مقدم وجوبا؛ لوجوب تصدير أسماء الاستفهام مبني على الفتح، و"الجلوس" مبتدأ مؤخر وجوبا مرفوع، و"للتشهد" متعلق بـ"الجلوس"، واللام تعديدية، أو بمعنى "عند"، كما تقدم في الترجمة الماضية. والله تعالى أعلم.
واحترز بالتشهد الأول عن التشهد الأخير، فإن السنة في صفته التورُّك، لحديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي في ٢ - [باب صفة الجلوس في الركعة التي يُقضى فيها الصلاة].
وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" بقوله: [باب سنة الجلوس في التشهد] وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جِلْسَةَ الرجل، وكانت فقيهة. انتهى (١).
قال في "الفتح": أي السنة في الجلوس الهيئة الآتي ذكرها، ولم يرد أن نفس الجلوس سنة، ويحتمل إرادته على أن المراد بالسنة الطريقة الشرعية التي هي أعمّ من الواجب والمندوب.
وقال الزين ابن المُنَيّر ﵀: ضَمَّن الترجمة ستة أحكام، وهي أن هيئة الجلوس غير مطلق الجلوس، والتفرقة بين الجلوس للتشهد الأول، والأخير، وبينهما، وبين الجلوس بين السجدتين، وأن ذلك كله سنة، وأن لا فارق بين الرجال والنساء، وأن ذا العلم يُحتَجُّ بعمله. اهـ
стр. 8530
قال الحافظ: وهذا الأخير إنما يتم إذا ضمّ أثر أم الدرداء إلى الترجمة، وقد تقدم تقرير ذلك.
وأثر أم الدرداء المذكور وصله البخاري في "التاريخ الصغير" من طريق مكحول. ورجح الحافظ أن القائل: "وكانت فقيهة" هو مكحول.
قال: ومن طريقة البخاري أن الدليل إذا كان عامّا، وعمل بعمومه بعض العلماء رجح به، وإن لم يحتجّ به بمجرده، وعرف من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية، لا الكبرى الصحابية؛ لأنه أدرك الصغرى، ولم يدرك الكبرى، وعملُ التابعي بمفرده، ولو لم يُخَالَف لا يحتج به، وإنما وقع الاختلاف في العمل بقول الصحابي كذلك، ولم يورد البخاري أثر أم الدرداء ليحتجّ به، بل للتقوية. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض اختصار (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تُضْجِعَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى، وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث المصري الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (يحيى) بن سعيد الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٢/ ٢٣.
٤ - (القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة فقيه من كبار [٣] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المدني، كان وَصيَّ أبيه، ثقة [٣] ت ١٥٠ تقدم ٤٤/ ٥٢.
٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله عندهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى عبد الله بن عبد الله، فما أخرج له ابن ماجه، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فبغلاني، والليث، فمصري.
стр. 8531
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، يحيى، والقاسم، وعبد الله بن عبد الله.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه القاسم بن محمَّد أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
ومنها: أن فيه عبد الله بن عبد الله بن عمر ممن سمي باسم أبيه، وكني بكنيته.
ومنها: أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (أنه قال: إن من سنة الصلاة) الجار والمجرور خبر "إن" مقدما على اسمها (أن تضجع) من الإضجاع رباعيًّا، أي تَفْرُش، والمصدر المؤول اسم "إن" مؤخرا (رجلك اليسرى) بالنصب مفعول "تُضجع".
وفي الرواية الآتية في الباب التالي من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى "والجلوس على اليسرى"، فأفادت الروايتان أن السنة أن يفرش اليسرى، ويجلس عليها (وتنصب اليمنى) بنصب "ينصب" عطفا على "يضجع". زاد في الرواية الآتية "واستقباله بأصابعها القبلة".
والحديث فيه قصة، وقد ساقه البخاري مع القصة من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄، يتربّعُ في الصلاة إذا جلس، ففعلته، وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك، فقال: إن رجليّ لا تحملاني. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 8532
أخرجه هنا -١٨٥/ ١١٥٧ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٧٤٣ - عن قتيبة ابن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد، عن عبد الله بن عبد الله، عنه. و ١٨٦/ ١١٥٨ - و"الكبرى" ٩٣/ ٧٤٤ - عن الربيع بن سليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) عن القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله به. (د) عن القعنبي به. وعن ابن معاذ، عن عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن يحيى به.
وأخرجه مالك في (الموطإ) ٧٧ (وابن خزيمة) برقم ٦٧٨ و ٦٧٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان كيفية الجلوس للتشهد الأول، وهو أن يفترش الرجل اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويستقبل القبلة بأطراف الأصابع، وأما التشهد الأخير فالسنة فيه التورّك، كما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن قول الصحابي: "من السنة كذا" مرفوع حكما، عند جمهور أهل العلم، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح":
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في كيفية الجلوس للتشهد:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى:
افترق أهل العلم في صفة الجلوس في التشهد الأول والآخر ثلاث فرق، فسوّت فرقة بين الجلسة الأولى والأخيرة، فرأت أن ينصب الجالس رجله اليمنى، ويفترش اليسرى، فيجلس على بطن قدمه، هذا قوله سفيان الثوري، وقال أصحاب الرأي: يقعد الرجل في الصلاة إذا قعد في الثانية والرابعة يفترش رجله اليسرى، فيجعلها بين أليتيه، فيقعد عليها، وينصب اليمنى نصبًا، ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو القبلة.
واحتج من هذا مذهبه بحيث وائل بن حجر ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: لأنظرنّ إلى صلاته، كيف يصلي؟، فلما جلس افترش رجله اليسرى، ووضع يده على ركبته اليسرى، ووضع حدّ مرفقه على فخذه اليمنى. وتقدم للنسائي -١١/ ٨٨٩ - مطوّلًا.
стр. 8533
وبحديث ابن عمر المذكور في الباب.
ورأت فرقة أن يجلس بين السجدتين كما يجلس في التشهد، ينصب رجله اليمنى، ويَثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتى يستوي قاعدا، ويعتدل.
هذا قول مالك، قال: وهذا أحب ما سمعت إلى، وقال مالك: إذا نصب اليمنى جعل بطن الإبهام على الأرض.
واحتج بما رواه في "الموطإ" عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمَّد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب اليمنى، وثَنَى اليسرى، وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أياه كان يفعل ذلك.
ورأت فرقة ثالثة أن يجلس الجلسة الأولى كالذي ذكرناه عن الثوري، ويجلس في الرابعة على نحو ما حكيناه عن مالك.
هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
واحتج هؤلاء بحديث أبي حميد الساعدي ﵁. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشا، وفي الثاني متوركا، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركا. وقال مالك: يجلس فيهما متوركا، وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس فيهما مفترشا. وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعا افترش في الأول، وتورك في الثاني.
واحتُجَّ لمن قال يفرش فيهما بحديث عائشة ﵄: "أن النبي ﷺ كان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، وينهى عن عقب الشيطان"، وفي رواية البيهقي "يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى".
وعن وائل بن حجر ﵁ أن النبي ﷺ "كان يفرش رجله اليسرى".
واحتُجّ للتورك بحديث عبد الله بن الزبير ﵄ أن النبي ﷺ "كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى". رواه مسلم.
وعن ابن عمر ﵄ "سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى". رواه البخاري.
وروى مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ الجلوس على قدمه اليسرى.
стр. 8534
واحتج أصحابنا (١) بحديث أبي حميد الساعدي ﵁ في عشرة من أصحاب النبي ﷺ أنه وصف صلاة النبي ﷺ ، قال: "فإذا جلس في الركعتين جلس علي رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته" رواه البخاري بهذا اللفظ.
قال الشافعي والأصحاب: فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين، وباقي الأحاديث مطلقة، فيجب حملها على موافقته. فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة ﵃. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي من هذه المذاهب كلها هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أن التورّك يكون للصلاة التي يكون فيها تشهدان، وما عدا ذلك فالسنة فيه الافتراش، فهذا التفصيل هو الأرجح عندي، إذ هو أقرب للجمع بين الأحاديث، فإن حديث عائشة ﵄ نص صريح في أن السنة في كل تشهد هو الافتراش، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي الجَوْزاء عنها، في صفة صلاة النبي ﷺ ، وفيه: "وكان يقول في ركعتين التحيةَ، وكان يفرُش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عُقْبَة الشيطان (٣) "
فإن هذا نص صريح في أن السنة في الجلوس للتشهد في كل ركعتين هو الافتراش.
لكن لما صح لدينا حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه، وكان فيه زيادة أخذنا بالزيادة، وهي أن السنة في التشهد الأخير فيما كان فيه تشهدان التورك، فبقي ما عداه على حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
والحاصل أن الافتراش هو السنة في الجلوس مطلقا، ما عدا الجلوس للتشهد الأخير في الصلاة الثلاثية، والرباعية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]:
الأول: أخرج مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" بسنده عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه".
стр. 8535
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكره من صفة القعود هو التورك، لكن قوله. "وفرش قدمه اليمنى" مشكل؛ لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء، وقد تظافرت الأحاديث الصحيحة على ذلك في "صحيح البخاري" وغيره.
قال القاضي عياض ﵀: قال الفقيه أبو محمَّد الخُشَني: صوابه "وفرش قدمه اليسرى"، ثم أنكر القاضي قوله؛ لأنه قد ذكر في هذه الرواية ما يفعل باليسرى، وأنه جعلها بين فخذه وساقه، قال: ولعل صوابه "ونصب قدمه اليمنى"، قال: وقد تكون الرواية صحيحة في اليمنى، ويكون معنى فرشها أنه لم ينصبها على أطراف أصابعه في هذه المرّة، ولا فتح أصابعها كما كان يفعل في غالب الأحوال. هذا كلام القاضي رحمه الله تعالى.
قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار، ويكون فعل هذا لبيان الجواز، وأن وضع أطراف الأصابع على الأرض، وإن كان مستحبا يجوز تركه، وهذا له نظائر كثيرة، لا سيما في باب الصلاة، وهو أولى من تغليط رواية ثابتة في الصحيح، وأتفق عليها جميع نسخ مسلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
الثاني: أن الكيفيات المذكورة في التشهد ليست للوجوب، بل هي للاستحباب، فلو تورك في الأول، وافترش في الأخير جازت الصلاة. والله تعالى أعلم.
الثالث: أنه قيل: الحكمة في الافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني أنه أقرب إلى تذكر الصلاة، وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول، فيجلس مفترشا ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني، ولا قيام بعده، فيجلس متوركا ليكون أعون له، وأمكن ليتوفر الدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين؟. ذكره النووي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 8536
١٨٦ - (بَابُ الاسْتِقْبَالِ بِأَطْرَافِ أَصَابعِ الْقَدَمِ الْقِبْلَةَ عِنْدَ الْقُعُودِ لِلتشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب استقبال القبلة بأطراف أصابع القدم عند القعود للتشهد.
١١٥٨ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَحْيَى، أَنَّ الْقَاسِمَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ الْقَدَمَ الْيُمْنَى، وَاسْتِقْبَالُهُ بِأَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ، وَالْجُلُوسُ عَلَى الْيُسْرَى").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الربيع بن سليمان بن داود) الجِيزي، أبو محمَّد المصري الأعرج، ثقة [١١] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (إسحاق بن بكر بن مضر) أبو يعقوب المصري، صدوق فقيه [١٠] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (بكر بن مضر) بن محمَّد بن حكيم، أبو محمَّد، أو أبو عبد الملك المصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩.
والباقون تقدموا في الباب الماضي، والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، في الباب الماضي أيضًا، فراجعها تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
قوله. "أن تُنْصَبَ" أن مصدرية، "وتُنصَبَ" بالبناء للمفعول، و"القدم" نائب فاعله، وهي مؤنثة، ولذا لحق الفعل تاء التأنيث، والجملة في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور قبله.
وقوله: "واستقباله" الخ بالرفع عطفا على "أن تنصب" لأنه في تأويل المصدر، أي نصبه القدم اليمنى، واستقباله الخ. وإضافة "استقبال" إلى الضمير من إضافة المصدر إلى
стр. 8537
فاعله، والقبلة منصوب على المفعولية للمصدر، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَبَعْدَ جَرَّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ … كَمِّلْ بِنصَب أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ
وقوله: "بأصابعها" متعلق بـ"استقبال".
وقوله: "والجلوس على اليسرى" معطوف أيضا على المصدر المؤوّل.
والحديث يدلّ على استحباب استقبال القبلة بأصابع القدم اليمنى.
والمراد به توجيه رؤوس الأصابع إليها، وذلك يكون بوضع باطن الأصابع على الأرض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٧ - (بَابُ مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْجُلُوسِ لِلتَشَهُّدِ الأَوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على محل وضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول.
والكيفية المذكورة في هذا الحديث لا تختص بالتشهد الأول، بل تعم الأخير أيضا، وإنما قيده بالأول؛ لأن هذه الأبواب معقودة للتشهد الأول، وسيأتي له ذكر كيفيته في الأخير بباب خاص في أبواب التشهد الأخير -٣٢/ ١٢٦٦ - إن شاء الله تعالى.
١١٥٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَضْجَعَ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَنَصَبَ إِصْبُعَهُ لِلدُّعَاءِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ (١) الْيُسْرَى، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ مِنْ قَابِلٍ، فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الْبَرَانِسِ).
стр. 8538
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ) أبو يحيى المكي، ثقة [١٠] تقدم ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيي٠٠١٠نة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (عاصم بن كليب) الجَرْمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١١/ ٨٨٩.
٤ - (كُلَيب) بن شهاب الجرمي الكوفي، صدوق [٢] تقدم ١١/ ٨٨٩. والله تعالى أعلم.
وقوله: "حتى يحاذي منكبيه" فيه أن السنة رفع اليدين بحذاء المنكبين.
[فإن قلت]: تقدم للمصنف ﵀ من طريق زائدة، عن عاصم "ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه". وفيه مخالفة لما هنا لأنه يدلّ على أن السنة محاذاة اليدين للأذنين، فكيف التوفيق بينهما؟.
[أجيب]: بأنه لا تخالف بينهما؛ لأن المعنى أنه رفع يديه بحيث تكون الكفان بحذاء المنكبين، وأطراف الأصابع بحذاء الأذنين" (١).
أو يحمل على أنه رآه مرة يرفع بحذاء المنكبين، ومرة بحذاء الأذنين، بيانا للجواز، فلا تخالف، وهذا هو الأولى، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى" إلى قوله: "على فخذه اليسرى" هذا موضع الترجمة، فإنه يبين محل اليدين عند الجلوس للتشهد، فالسنة وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى، والإشارة بالأصبع عند الدعاء، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى.
وقوله: "ونصب إصبعه للدعاء" أي رفع أصبعه، كما بينته الرواية السابقة من طريق زائدة عن عاصم "ثم رفع إصبعه".
وتقدم أن للأصبع عشر لغات، تثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة أصبوع بوزن أُسْبُوع.
والمراد بالأصبع السبابةُ،، لحديث ابن عمر ﵄ الآتي في الباب التالي "وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام".
وقوله: "للدعاء" اللام تعليلية، أي رفعها لأجل أن يدعو بها، أو هي للتوقيت، كما في قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي وقت الدعاء. أو
стр. 8539
بمعنى "عند".
وتقدم في رواية زائدة المذكورة "فرأيته يحركها، يدعو بها". قال الطيبي ﵀: إما أن يضمن "يدعو" معنى "يشير"، أي يشير بها إلى وحدانية الله بالإلهية، وإما أن يكون حالا، أي يدعو مشيرا بها.
وقال ابن حجر الهيتمي ﵀: "يدعو بها": أي يتشهد بها، وإنما سمي التشهد دعاء لاشتماله عليه، إذ من جملته "السلام عليك أيها النبي" إلى "الصالحين"، وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. انتهى (١).
وقوله: "ثم أتيتهم من قابل" أي ثم أتيت النبي ﷺ ، وأصحابه في العام الذي بعد ذلك العام.
فـ"من" بمعنى "في"، و"قابل" صفة لمحذوف، أي عام مقابل للعام الذي رأى النبي ﷺ يصلي فيه الصلاة على الكيفية المذكورة.
وقوله "فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس" "البرانس" بفتح الموحدة جمع بُرْنُس -بضم، فسكون- قال ابن منظور ﵀: البُرْنُس: كل ثوب رأسه منه مُلتزق به، دَرَّاعةً كان، أو مِمْطَرًا، أو جُبَّةً. وقال الجوهري: البُرْنُس: قَلَنْسُوَة طويلة، وكان النُّسَّاك يلبسونها في صدر الإسلام، وقد تَبَرْنس الرجلُ إذا لبسه. قال: وهو من البرْس بكسر الباء، أي القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. انتهى (٢).
والمعنى أنه رآهم يرفعون أيديهم وهي تحت ثيابهم، لكون الوقت وقت برد شديد، ففي رواية أبي داود من طريق أبي الوليد، عن زائدة "ثم جئتهم بعد ذلك في زمان، فيه برد شديد، فرأيت الناس عليهم جُلُّ الثياب تحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب". وله من طريق شريك، عن عاصم بن كليب "ثم أتيتهم، فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة، وعليهم برانس، وأكسية".
فتبين بهذا أن سبب رفعهم أيديهم تحت الثياب لعذر البرد، يعني أنه رآهم في الأول يرفعون أيديهم إلى المنكبين، ثم لما جاءهم في العام الذي بعده جاءهم في وقت شدة البرد، فرآهم يرفعون أيديهم تحت الثياب إلى صدورهم لعدم تمكنهم من الرفع إلى المنكبين، لثقل الثياب التي نبسوها لدفع البرد عنهم.
وفيه استحباب رفع اليدين إلى المنكبين، إن أمكن، وإلا فإلى حيث يمكن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 8540
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل بن حُجْر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، تقدم للمصنف ﵀ في ١١/ ٨٨٩ - حيث استدل به هناك على بيان موضع اليمين من الشمال في الصلاة، رواه عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن عاصم بن كُلَيب. . وأورده هنا استدلالا على بيان موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول. وقد استوفيت هناك شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به، فإن أردت الاستفادة فارجع إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٨ - (بَابُ مَوْضِعِ الْبَصَرِ فِي التَّشَهُّدِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الموضع الذي ينظر إليه المصلي في تشهده.
١١٦٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَاوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً، يُحَرِّكُ الْحَصَى بِيَدِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تُحَرِّكِ الْحَصَى، وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنِ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ، قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَمَى بِبَصَرِهِ إِلَيْهَا، أَوْ نَحْوِهَا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٦/ ١٧.
٣ - (مسلم بن أبي مريم) يسار السَّلُولي المدني مولى الأنصار، وقيل في ولأئه: غير ذلك، ثقة [٤].
روى عن ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن سرجس، وعلي بن عبد الرحمن المُعاوي، وغيرهم. وعنه إسماعيل بن جعفر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وشعبة، وغيرهم.
стр. 8541
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة إخوة: محمَّد، وعبد الله، ومسلم، بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم. وقال ابن سعد: ليس بأخيهما. وقال علي بن زَنْجَلَةَ، عن القعنبي: كان مالك يثني عليه، وقال: لا يكاد يرفع حديثا إلى النبي ﷺ . وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو، وابن سعد: مات في ولاية أبي جعفر، زاد ابن سعد: وكان شديدا على القدرية، وكان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٤ - (علي بن عبد الرحمن الْمُعَاوي) الأنصاري المدني، ثقة [٤].
روى عن ابن عمر، وجابر. وعنه مسلم بن أبي مريم، والزهري. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
ذكر أبو عوانة في "صحيحه" أن شعبة روى حديثه عن مسلم بن أبي مريم، عنه، فقلبه، فقال: عبد الرحمن بن علي، قال أبو عوانة: وهو غلط.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي حديثا واحدا، وهو حديث الباب فقط.
[قوله]: "الْمُعَاويّ". هكذا في النسخة الهندية، و"تقريب التهذيب" ص ٢٤٧ و"تهذيب التهذيب" ج ٧ ص ٣٦١ و"الخلاصة" ج ٢ ص ١٥٣، و"تهذيب الكمال" ج ٢١ ص ٥٣ وهو الصواب.
ووقع "في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "المعافري" بدل "المعاوي"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو غلط؛ لأنه نسبة إلى معاوية بن مالك، قال في "تهذيب الكمال" جـ ٢١ ص ٥٣: من ولد مُعاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، من الأوس. انتهى.
والصواب في ضبطه ضم الميم، وتخفيف العين المهملة، كما في "الخلاصة" ج ٢ ص ٢٥٣ و"لب اللباب" ج ٢ ص ٢٦٤. فما وقع في بعض نسخ "تقريب التهذيب" من ضبطه بفتح الميم فغلط، وقد وقع على الصواب في بعضها، وهي النسخة التي حققها أبو الأشبال صغير أحمد شاغف. الباكستاني. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق.
٥ - (عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فمروزي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن فيه عبد الله بن عمر ﵄، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
стр. 8542
شرح الحديث
(عن علي بن عبد الرحمن الْمُعاوي، عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أنه رأى رجلا) هو علي بن عبد الرحمن الراوي عن ابن عير، ففي الرواية الآتية -٣٢/ ١٢٦٦ - من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، قال: سمعت علي بن عبد الرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى. . .
(يحرّك الحصى) جملة في محل نصب صفة لـ"رجلا"، أي يقلّب الحصى عَبَثًا (بيده) متعلق بـ"حرك" (وهو في الصلاة) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يحرك"، أي حال كونه كائنا في الصلاة.
وفي الرواية الآتية ٣٣/ ١٢٦٧ - من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي ابن عبد الرحمن، قال رآني ابن عمر، وأنا أعبث بالحصى في الصلاة". . .
والمراد أنه يعبث في جلوس الصلاة بدليل تعليم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فإنه اقتصر على بيان كيفية وضع اليدين في حال الجلوس (فلما انصرف) أي سلم الرجل من الصلاة (قال له عبد الله) بن عمر ﵄ (لا تحرك الحصى، وأنت في الصلاة) جملة حالية من فاعل "تحرك" (فإن ذلك من الشيطان) الفاء تعليلية، واسم الإشارة يعود إلى التحريك المفهوم من "تحرك" أي لأن ذلك التحريك من عمل الشيطان، أي من وسوسته للمصلي لئلا يُقبِلَ على ربه في صلاته (ولكن اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع) أي كصنعه في جلوسه للصلاة.
(قال) أي الرجل لابن عمر لمّا أمره أن يصنع كما كان ﷺ يصنع (وكيف كان يصنع) في محل نصب مقول القول، أي كيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ حتى أقتدي به في صنعه، وفي رواية يحيى المذكورة "وكيف رأيتَ رسولَ الله ﷺ يفعل؟ " (قال) الفاعل ضمير علي بن عبد الرحمن، وهو الرجل الذي أنكر عليه ابن عمر، كما تقدم (فوضع) أي ابن عمر ﵄ (يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه) تقدم ضبط الأصبع في الباب الماضي (التي تلي الإبهام) وفي رواية يحيى "وأشار بالسبّابة".
وفي رواية مالك "كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه، وقبض، يعني أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى".
قال ابن منظور ﵀: و"الإبهام" من الأصابع: الْعُظمَى معروفة مؤنثة. قال ابن سيده: وقد تكون في اليد والقدم، وحكى اللِّحْيَاني أنها تُذَكَّر وتؤنث. وقال الأزهري: وقيل للأصبع إبهام لأنها تُبْهم الكفَّ، أي تُطْبق عليها، قال: وبَهيم هي الإبهام للأصبع،
стр. 8543
قال: ولا يقال البِهام -أي بالكسر-، وقال أيضا: الإبهام: الإِصبع الكبرى التي تلي المُسَبِّحَة، والجمع الأباهيم، ولها مَفْصِلان. انتهى (١). .
والأصبع التي تلي الإبهام هي المُسَبّحة -بضم الميم، وكسر الباء المشددة- سميت بذلك لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه لله عن الشرك. قاله النووي رحمه الله تعالى (٢). وتسمى السَّبَّابة أيضا لأنها يشار بها عند المخاصمة والسب (٣).
وسيأتي ما يتعلق بالإشارة في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
(في القبلة) متعلق بـ"أشار"، و"في" بمعنى الباء، أي أشار بها إلى القبلة، و"أل" في القبلة للعهد، الذهني أي القبلة المعهودة التي توجه إليها المصلي، وهي الكعبة (ورمى ببصره إليها) أي نظر ببصره إلى الأصبع التي أشار بها، وهذا محل الترجمة، ففيه أن موضع البصر في حال التشهد هي الأصبع التي يشير بها إلى التوحيد، والحكمة في ذلك أن يتواطأ القلب واللسان والجوارح في توحيد الله .
(أو نحوها) "أو" للشك من بعض الراوة، ولذلك يقدر بعدها في حال القراءة لفظة "قال"، كما هو مقرر في "مصطلح الحديث"، أي أو قال: رمى ببصره نحوها،، أي جهةَ الأصبع التي أشار بها. فـ"نحوها" منصوب بالفعل المقدر، ويحتمل أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور بـ "إلى"، أي إلى نحوها، أي جهتها، والله تعالى أعلم.
(ثم قال) أي ابن عمر ﵄ (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع) أي يصنع الكيفية المذكورة، من وضع اليمنى على الفخذ اليمنى، والإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام، والنظر إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٨٨/ ١١٦٠ - و"الكبرى" ٩٦/ ٧٤٧ - عن علي بن حجر، عن
стр. 8544
إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن الْمُعَاويِّ، عنه.
وفي ٣٢/ ١٦٦ - و"الكبرى" -٦٧/ ١٨٩ - عن محمَّد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال. حدثنا يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، شيخٌ من أهل المدينة، ثم لقيت الشيخ، فقال: سمعت علي بن عبد الرحمن، يقول. . . وفي ٣٣/ ١٢٦٧ - و"الكبرى" ٦٨/ ١١٩٠ - عن قتيبة، عن مالك، عن مسلم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن ابن أبي عمر، عن سفيان به. (د) عن القعنبي، عن مالك به.
وأخرجه مالك في "الموطإ" ٧٦ و (الحميدي) في "مسنده" رقم ٦٤٨) (وأحمد) ٢/ ١٠ و ٤٥ و ٦٥ و ٧٣. و (ابن خزيمة) رقم ٧١٢ و ٧١٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو بيان موضع نظر المصلي في حال التشهد، وهي الإِصبع التي أشار بها، فيستحب للمصلي أن ينظر في حال التشهد إلى المسبحة، ولا يتجاوزها.
ومنها: استحباب الإشارة بالمسبحة، وتوجيهها إلى القبلة.
ومنها: الإنكار على من يلعب في الصلاة، وتعليمه السنة.
ومنها: فضل ابن عمر ﵄، حيث قام بالإنكار على من يعبث في الصلاة، وتعليمه السنة، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٨٩ - (بَابُ الإِشَارَةِ بِالأصْبَعِ فِي التَّشَهدِ الأَوَّلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب الإشارة بالأصبع في التشهد الأول،
стр. 8545
وإنما قيده بالأول، وإن كان لا يخصه، لأن الكلام فيه، وإلا فالحكم في التشهد الأخير كذلك، وسيأتي له باب مفرد في محله، إن شاء الله تعالى.
١١٦١ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ، يُعْرَفُ بِخَيَّاطِ السُّنَّةِ، نَزَلَ بِدِمَشْقَ، أَحَدُ الثِّقَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الثِّنْتَيْنِ، أَوْ فِي الأَرْبَعِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زكريا بن يحيى السجزي، يعرت بخياط السنّة، نزل بدمشق، أحد الثقات) هو زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة السجزي، أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ [١٢].
روى عن إسحاق بن راهويه، وبشر بن الحكم، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، والحسن بن عيسى، وغيرهم. وعنه النسائي، وهو من أقرانه، وابن صاعد، وأبو الحسن بن جُوصاء، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، وأبو القاسم الطبراني، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال عبد الغني بن سعيد: حافظ ثقة. وقال ابن يونس: قدم مصر، وكُتِبَ عنه، وخرج، وتوفي بدمشق بعد (٢٨٠) وقال أبو علي بن هارون: كان مولده سنة (١٩٥)، وكانت وفاته سنة (٢٨٩). انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا.
قوله: "السِّجْزي" -بكسر المهملة، وسكون الجيم، بعدها زاي-: نسبة إلى "السِّجْز"، اسم لسجستان.
وقوله: "خياط السنة" إنما عرف به، لألْه كان يَخيط أكفان أهل السنة. قاله في "الخلاصة" ج ١ ص ٣٣٨.
٢ - (الحسن بن عيسى) بن ما سَرْجس -بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسرجسي، أبو علي النيسابوري، مولى ابن المبارك، ثقة [١٠].
روى عنه، وعن أبي بكر بن عياش، وعبد السلام، وجرير بن عبد الحميد، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر الفقيه، وغيرهم.
قال الخطيب: كان من أهل بيت الثروة والقدم في النصرانية، ثم أسلم على يدي ابن