← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وهم ثلاثة إخوة: محمَّد، وعبد الله، ومسلم، بنو أبي مريم، ومسلم أعلاهم. وقال ابن سعد: ليس بأخيهما. وقال علي بن زَنْجَلَةَ، عن القعنبي: كان مالك يثني عليه، وقال: لا يكاد يرفع حديثا إلى النبي ﷺ . وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو، وابن سعد: مات في ولاية أبي جعفر، زاد ابن سعد: وكان شديدا على القدرية، وكان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. ٤ - (علي بن عبد الرحمن الْمُعَاوي) الأنصاري المدني، ثقة [٤]. روى عن ابن عمر، وجابر. وعنه مسلم بن أبي مريم، والزهري. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". ذكر أبو عوانة في "صحيحه" أن شعبة روى حديثه عن مسلم بن أبي مريم، عنه، فقلبه، فقال: عبد الرحمن بن علي، قال أبو عوانة: وهو غلط. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي حديثا واحدا، وهو حديث الباب فقط. [قوله]: "الْمُعَاويّ". هكذا في النسخة الهندية، و"تقريب التهذيب" ص ٢٤٧ و"تهذيب التهذيب" ج ٧ ص ٣٦١ و"الخلاصة" ج ٢ ص ١٥٣، و"تهذيب الكمال" ج ٢١ ص ٥٣ وهو الصواب. ووقع "في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "المعافري" بدل "المعاوي"، وهو الذي في "الكبرى"، وهو غلط؛ لأنه نسبة إلى معاوية بن مالك، قال في "تهذيب الكمال" جـ ٢١ ص ٥٣: من ولد مُعاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، من الأوس. انتهى. والصواب في ضبطه ضم الميم، وتخفيف العين المهملة، كما في "الخلاصة" ج ٢ ص ٢٥٣ و"لب اللباب" ج ٢ ص ٢٦٤. فما وقع في بعض نسخ "تقريب التهذيب" من ضبطه بفتح الميم فغلط، وقد وقع على الصواب في بعضها، وهي النسخة التي حققها أبو الأشبال صغير أحمد شاغف. الباكستاني. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق. ٥ - (عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، سوى شيخه، فمروزي. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن فيه عبد الله بن عمر ﵄، أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.

стр. 8542

شرح الحديث (عن علي بن عبد الرحمن الْمُعاوي، عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أنه رأى رجلا) هو علي بن عبد الرحمن الراوي عن ابن عير، ففي الرواية الآتية -٣٢/ ١٢٦٦ - من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، قال: سمعت علي بن عبد الرحمن يقول: صليت إلى جنب ابن عمر، فقلبت الحصى. . . (يحرّك الحصى) جملة في محل نصب صفة لـ"رجلا"، أي يقلّب الحصى عَبَثًا (بيده) متعلق بـ"حرك" (وهو في الصلاة) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يحرك"، أي حال كونه كائنا في الصلاة. وفي الرواية الآتية ٣٣/ ١٢٦٧ - من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي ابن عبد الرحمن، قال رآني ابن عمر، وأنا أعبث بالحصى في الصلاة". . . والمراد أنه يعبث في جلوس الصلاة بدليل تعليم ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فإنه اقتصر على بيان كيفية وضع اليدين في حال الجلوس (فلما انصرف) أي سلم الرجل من الصلاة (قال له عبد الله) بن عمر ﵄ (لا تحرك الحصى، وأنت في الصلاة) جملة حالية من فاعل "تحرك" (فإن ذلك من الشيطان) الفاء تعليلية، واسم الإشارة يعود إلى التحريك المفهوم من "تحرك" أي لأن ذلك التحريك من عمل الشيطان، أي من وسوسته للمصلي لئلا يُقبِلَ على ربه في صلاته (ولكن اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع) أي كصنعه في جلوسه للصلاة. (قال) أي الرجل لابن عمر لمّا أمره أن يصنع كما كان ﷺ يصنع (وكيف كان يصنع) في محل نصب مقول القول، أي كيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ حتى أقتدي به في صنعه، وفي رواية يحيى المذكورة "وكيف رأيتَ رسولَ الله ﷺ يفعل؟ " (قال) الفاعل ضمير علي بن عبد الرحمن، وهو الرجل الذي أنكر عليه ابن عمر، كما تقدم (فوضع) أي ابن عمر ﵄ (يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه) تقدم ضبط الأصبع في الباب الماضي (التي تلي الإبهام) وفي رواية يحيى "وأشار بالسبّابة". وفي رواية مالك "كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه، وقبض، يعني أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". قال ابن منظور ﵀: و"الإبهام" من الأصابع: الْعُظمَى معروفة مؤنثة. قال ابن سيده: وقد تكون في اليد والقدم، وحكى اللِّحْيَاني أنها تُذَكَّر وتؤنث. وقال الأزهري: وقيل للأصبع إبهام لأنها تُبْهم الكفَّ، أي تُطْبق عليها، قال: وبَهيم هي الإبهام للأصبع،

стр. 8543

قال: ولا يقال البِهام -أي بالكسر-، وقال أيضا: الإبهام: الإِصبع الكبرى التي تلي المُسَبِّحَة، والجمع الأباهيم، ولها مَفْصِلان. انتهى (١). . والأصبع التي تلي الإبهام هي المُسَبّحة -بضم الميم، وكسر الباء المشددة- سميت بذلك لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه لله عن الشرك. قاله النووي رحمه الله تعالى (٢). وتسمى السَّبَّابة أيضا لأنها يشار بها عند المخاصمة والسب (٣). وسيأتي ما يتعلق بالإشارة في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (في القبلة) متعلق بـ"أشار"، و"في" بمعنى الباء، أي أشار بها إلى القبلة، و"أل" في القبلة للعهد، الذهني أي القبلة المعهودة التي توجه إليها المصلي، وهي الكعبة (ورمى ببصره إليها) أي نظر ببصره إلى الأصبع التي أشار بها، وهذا محل الترجمة، ففيه أن موضع البصر في حال التشهد هي الأصبع التي يشير بها إلى التوحيد، والحكمة في ذلك أن يتواطأ القلب واللسان والجوارح في توحيد الله . (أو نحوها) "أو" للشك من بعض الراوة، ولذلك يقدر بعدها في حال القراءة لفظة "قال"، كما هو مقرر في "مصطلح الحديث"، أي أو قال: رمى ببصره نحوها،، أي جهةَ الأصبع التي أشار بها. فـ"نحوها" منصوب بالفعل المقدر، ويحتمل أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور بـ "إلى"، أي إلى نحوها، أي جهتها، والله تعالى أعلم. (ثم قال) أي ابن عمر ﵄ (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع) أي يصنع الكيفية المذكورة، من وضع اليمنى على الفخذ اليمنى، والإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام، والنظر إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٨٨/ ١١٦٠ - و"الكبرى" ٩٦/ ٧٤٧ - عن علي بن حجر، عن

стр. 8544

إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن الْمُعَاويِّ، عنه. وفي ٣٢/ ١٦٦ - و"الكبرى" -٦٧/ ١٨٩ - عن محمَّد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال. حدثنا يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، شيخٌ من أهل المدينة، ثم لقيت الشيخ، فقال: سمعت علي بن عبد الرحمن، يقول. . . وفي ٣٣/ ١٢٦٧ - و"الكبرى" ٦٨/ ١١٩٠ - عن قتيبة، عن مالك، عن مسلم به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن ابن أبي عمر، عن سفيان به. (د) عن القعنبي، عن مالك به. وأخرجه مالك في "الموطإ" ٧٦ و (الحميدي) في "مسنده" رقم ٦٤٨) (وأحمد) ٢/ ١٠ و ٤٥ و ٦٥ و ٧٣. و (ابن خزيمة) رقم ٧١٢ و ٧١٩. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو بيان موضع نظر المصلي في حال التشهد، وهي الإِصبع التي أشار بها، فيستحب للمصلي أن ينظر في حال التشهد إلى المسبحة، ولا يتجاوزها. ومنها: استحباب الإشارة بالمسبحة، وتوجيهها إلى القبلة. ومنها: الإنكار على من يلعب في الصلاة، وتعليمه السنة. ومنها: فضل ابن عمر ﵄، حيث قام بالإنكار على من يعبث في الصلاة، وتعليمه السنة، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨٩ - (بَابُ الإِشَارَةِ بِالأصْبَعِ فِي التَّشَهدِ الأَوَّلِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب الإشارة بالأصبع في التشهد الأول،

стр. 8545

وإنما قيده بالأول، وإن كان لا يخصه، لأن الكلام فيه، وإلا فالحكم في التشهد الأخير كذلك، وسيأتي له باب مفرد في محله، إن شاء الله تعالى. ١١٦١ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السِّجْزِيُّ، يُعْرَفُ بِخَيَّاطِ السُّنَّةِ، نَزَلَ بِدِمَشْقَ، أَحَدُ الثِّقَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي الثِّنْتَيْنِ، أَوْ فِي الأَرْبَعِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زكريا بن يحيى السجزي، يعرت بخياط السنّة، نزل بدمشق، أحد الثقات) هو زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة السجزي، أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ [١٢]. روى عن إسحاق بن راهويه، وبشر بن الحكم، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، والحسن بن عيسى، وغيرهم. وعنه النسائي، وهو من أقرانه، وابن صاعد، وأبو الحسن بن جُوصاء، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، وأبو القاسم الطبراني، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال عبد الغني بن سعيد: حافظ ثقة. وقال ابن يونس: قدم مصر، وكُتِبَ عنه، وخرج، وتوفي بدمشق بعد (٢٨٠) وقال أبو علي بن هارون: كان مولده سنة (١٩٥)، وكانت وفاته سنة (٢٨٩). انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا. قوله: "السِّجْزي" -بكسر المهملة، وسكون الجيم، بعدها زاي-: نسبة إلى "السِّجْز"، اسم لسجستان. وقوله: "خياط السنة" إنما عرف به، لألْه كان يَخيط أكفان أهل السنة. قاله في "الخلاصة" ج ١ ص ٣٣٨. ٢ - (الحسن بن عيسى) بن ما سَرْجس -بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها مهملة- الماسرجسي، أبو علي النيسابوري، مولى ابن المبارك، ثقة [١٠]. روى عنه، وعن أبي بكر بن عياش، وعبد السلام، وجرير بن عبد الحميد، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن نصر الفقيه، وغيرهم. قال الخطيب: كان من أهل بيت الثروة والقدم في النصرانية، ثم أسلم على يدي ابن

стр. 8546

المبارك، ورحل في العلم، ولقي المشايخ، وكان ديّنا ورعا ثقة، ولم يزل من عقبه بنيسابور فقهاء ومحدثون. قال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يحكي عن شيوخه أن ابن المبارك قد كان نزل مرّة رأس سكة عيسى، وكان الحسن بن عيسى يركب، فيجتاز به، وهو في المجلس، وكان الحسن من أحسن الشباب وجها، فسأل عنه ابن المبارك؟ فقيل له: إنه نصراني، فقال: اللَّهم ارزقه الإسلام، فاستجاب الله دعوته فيه. وقال السرّاج: كان عاقلا عُدّ في مجلسه بباب الطاق اثنا عشر ألف محبرة، ومات بالثَّعْلَبية في الْمُنصَرَف من مكة سنة (٢٣٩) وقيل: سنة (٢٤٠). قال أبو بكر بن المؤمل بن الحسن ابن عيسى: أنفق جدّي في حجته الأخيرة ثلثمائة ألف درهم. وقال الحاكم: خرجت مع أبي بكر بن المؤمل، وأخيه أبي القاسم، فلما بلغت الثعلبية زرت معهما قبر جدهما، فقرأت على لوح قبره: هذا قبر الحسن بن عيسى، توفي في صفو سنة (٢٤٠). وروى عنه ابن خزيمة في "صحيحه". وقال أحمد بن سيار في "تاريخ نيسابور": كان يظهر أمر الحديث، وُيسرّ الرأي جهدَهُ، ذكرته لإسحاق بن إبراهيم، فلم ينبسط بذكره. وقال السرّاج: لمّا قدم بغداد هجره بعض أصحاب الحديث بقوله في الإيمان، ثم اجتمعوا إليه، وقالوا: بيّن لنا مذهبك، قال: الإيمان قوله وعمل، قالوا: يزيد وينقص؟ فقال: لي أستاذان، ابنُ المبارك، وابنُ حنبل، كان عبد الله يقول: يزيد، ويتوقف في النقصان، فإن قال أحمد: ينقص قلت بقوله، فأحضروا له خط أحمد يزيد وينقص، فقال الحسن: هو قولي، فرضوا بذلك، وكتبوا عنه. وقال الدارقطني: ثقة. انفرد به مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط. ٣ - (ابن المبارك) عبد الله الإمام الحافظ الحجة الثبت المروزي [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦. ٤ - (مخرمة بن بكير) بن عبد الله بن الأشج، أبو المسور المدني، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا [٧]. تقدم ٢٨/ ٤٣٨. ٥ - (عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، ثقة عابد [٤] تقدم ٣٧/ ٧٣٠. ٦ - (عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم ٤٠/ ٤٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.

стр. 8547

شرح الحديث عن عامر بن عبد الله (عن أبيه) عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الثنتين) أي في آخر الركعتين، من الصلاة الثنائية، أو الثلاثية، أو الرباعية (أو) جلس (في الأربع) أي في آخر الأربع من الصلاة الرباعية، ومثله الثالث في الثلاثية، للأدلة لأخرى (يضع يديه على ركبتيه) والمراد وضع باطن الكفين على الركبتين. وفيه دلالة، على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد، وهو مجمع عليه (١). والحكمة في وضعهما صونهما عن العبث في الصلاة. (ثم أشار بإصبعه) تقدم في الباب الماضي أن المراد بالإصبع هي التي تلي الإبهام، وهي المسبّحة. وفيه استحباب الإشارة بالمسبحة في التشهد.، وهو موضع استدلال المصنف لما ترجم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٨٩/ ١١٦١ - وفي "الكبرى" -٩٤/ ٧٤٥ - عن زكريا بن يحيى السجزي، عن الحسن بن عيسى، عن ابن المبارك، عن مخرمة بن بُكَير، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه. وفي ٣٥/ ١٢٧٠ - و"الكبرى" ٧٠/ ١١٩٢ - عن أيوب بن محمَّد الوزّان، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن محمَّد بن عجلان، عن عامر به. بلفظ: "أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحرّكها". قال ابن جريج: وزاد عمرو قال: أخبرني عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ يدعو كذلك، ويتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى". وفي ٣٩/ ١٢٧٥ - و"الكبرى" ٧٤/ ١١٩٨ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى، عن ابن عجلان به. بلفظ: "أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع كله اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته". والله تعالى أعلم.

стр. 8548

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) عن قتيبة، عن ليث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان به. وعن محمد بن معمر القيسي، عن أبي هشام المخزومي، عن عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، عن عامر بن عبد الله به. (د) عن إبراهيم بن الحسن المصيصي، عن حجاج الأعور به. وعن محمَّد بن بشار، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان به. وعن محمَّد بن عبد الرحيم البزاز، عن عفان، عن عبد الواحد بن زياد به. وأخرجه (الحميدي) برقم ٨٧٩ (وأحمد) ٤/ ٣ (والدارمي) رقم ١٣٤٤ (وابن خزيمة) رقم ٦٩٦. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الإشارة بالإصبع، وهي المُسَبِّحَة في التشهد الأول، ومثله الأخير، وتقدم وجه تخصيصه بالأول في أول الباب. ومنها: استحباب وضع اليدين على الركبتين. فأما اليمنى فالمستحب فيها القبض، والإشارة بالسبابة، وسيأتي هيئات قبضها قريبا، إن شاء الله تعالى. وأما اليسرى فالمستحب فيها الوضع. قال النووي رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها -يعني اليسرى- عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: يَعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله في رواية مسلم لحديث؛ الباب من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان: "ويلقم كفه اليسرى على ركبته". انتهى (١). . ثم إنه لا خلاف بين أهل العلم في وضع اليدين على الركبتين، والإشارة بمسبحة اليمنى. قال صاحب "التعليق الممجد" من العلماء الحنفية: أصحابنا الثلاثة -يعني الإمام أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمد بن الحسن- اتفقوا على تجويز الإشارة (٢)، لثبوتها عن النبي ﷺ وأصحابه بروايات متعددة، وقد قال به غير واحد من العلماء، حتى قال ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف في ذلك، وإلى الله المشتكى من صنيع سير من أصحابنا، أصحاب الفتاوى، كصاحب "الخلاصة" وغيره حيث ذكروا أن المختار عدم الإشارة، بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، فالحذرَ الحذرَ من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة

стр. 8549

مع كونه مخالفا لما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضا، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول الله ﷺ وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول وأصحابه أحقّ وألزم بالقبول، فكيف، وقال به أئمتنا أيضا؟. انتهى كلام صاحب "التعليق الممجد" باختصار (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: قد ورد في كيفية وضع اليد اليمني هيآت: الأول: ما في حديث وائل بن حجر ﵁ الآتي للمصنف ٣٤/ ١٢٦٨ - وفيه "وجعل حَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّقَ حَلْقَة، ثم رفع إصبعه، في أيته يحركها، يدعو بها". الثانية: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة". الثالثة: ما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ﵄ "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام". . . الحديث. وسيأتي للمصنف نحوه ٣٢/ ١٢٦٧. إن شاء الله تعالى. الرابعة: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته". الخامسة: وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدلّ على ذلك؛ لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة. وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عمر ما يدلّ على ذلك، وأخرج أبو داود، والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض، قال العلامة الشوكاني ﵀: اللَّهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يُذكر فيها القبض على الروايات التي ذكر فيها القبض حمل المطلق على المقيد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحمل هو المتعين في المسألة؛ توفيقا بين الأدلة. والله تعالى أعلم. وقد جعل العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "الهدي" الروايات المذكورة كلها واحدة، قال: فإن من قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت

стр. 8550

مضمومة، ولم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى، وقد صرّح بذلك من قال: وعقد ثلاثا وخمسين، فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة، ولا تكون مقبوضة مع البنصر. وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بدّ أن تركب البنصر في هذا العقد. وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمة، وهي التي ذكرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع تحليق الإبهام مع الوسطى، وحديثة، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب. والله أعلم. انتهى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في بيان معنى عقد ثلاث وخمسين الوارد في حديث التشهد: أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة". قال النووي ﵀: (واعلم): أن قوله: "وعقد ثلاثا وخمسين" شرطه عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادا ها هنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة، ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين. والله أعلم انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (اعلم): أن للعرب طريقة مشهورة اصطلحوا عليها في عقود الحساب، وهي أنواع: آحاد، وعشرات، وألوف. وقد بين ذلك العلامة الفقيه الحنفي محمَّد أمين المعروف بـ "ابن عابدين" رحمه الله تعالى، في رسالته "رفع التردد": وخلاصة ما قاله فيها: أن للواحد: ضم الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف ضما مُحْكَمًا، وللاثنين: ضم البنصر معها كذلك، وللثلاثة: ضمهما مع الوسطى كذلك، وللأربعة: ضمهما، ورفع الخنصر، وللخمسة: ضم الوسطى فقط، وللستة: ضم البنصر فقط، وللسبعة: ضم الخنصر فقط مع مدها حتى تصل إلى لحمة أصل الإبهام، وللثمانية: ضم البنصر

стр. 8551

معها كذلك، وللتسعة: ضمهما مع الوسطى كذلك. وللعشرة: جعل طرف السبابة على باطن نصف الإبهام، وللعشرين: إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى بحيث يكون ظفرها بين عقدتي السبابة، وللثلاثين: إلزاق طرف السبابة بطرف الإبهام، وللأربعين: وضع باطن الإبهام على ظاهر السبابة، وللخمسين: عطف الإبهام كأنها راكعة، وللستين: تحليق السبابة على طرف الإبهام الراكعة، وللسبعين: وضع طرف الإبهام على وسط السبابة مع عطف السبابة إليها قليلا، وللثمانين: مد الإبهام والسبابة كأنهما ملتصقتان خلقة، وللتسعين: ضم طرف السبابة إلى أصلها، وعطف الإبهام عليها. ثم انقل الحساب إلى اليد اليسرى، واجعل المائة كعقد الواحد، وهكذا دواليك. والحاصل أن عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليمنى للآحاد، والسبابة والإبهام للعشرات، بتبديل كيفية الوضع، وكذلك عقد الخنصر، والبنصر، والوسطى من اليد اليسرى للمئات، والسبابة، والإبهام منها للألوف. فغاية ما تجمعه اليمنى من العدد تسعة وتسعون، وما تجمعه اليسرى تسعمائة وتسعة آلاف. انتهى كلام ابن عابدين رحمه الله تعالى (١). . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما حكم تحريك السبابة عند الإشارة فسيأتي الكلام عليه حيث يترجم له المصنف رحمه الله تعالى في ٣٩/ ١٢٧٥ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩٠ - (كَيْفَ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظة "كيف" ساقطة من بعض النسخ، وفي بعضها "باب التشهد الأول". أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على صيغ التشهد في الجلوس الأول، وإنما خص الأول، وإن كانت الكيفية المذكورة لا تخصه، لأن الكلام فيه، وأما التشهد الأخير فسيأتي له باب يخصه. والله أعلم بالصواب.

стр. 8552

١١٦٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ إِذَا جَلَسْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم الدورقي) أبو يوسف البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢. [تنبيه]: قوله: "الدَّوْرَقي" بفتح أوله، والراء، وقاف: نسبة إلى دَوْرق بلد بخُوزسْتَان، وإلى القلانس الدَّوْرقية. وإلى دَوْرَقَةَ بلد بالأندلس. واختلف في نسبة يعقوب، وأخيه أحمد، فقيل: إن أصلهما من فارس، وقيل: نسبا إلى لبس القلانس الدورقية. انتهى "اللب" ج ١ ص، ٣٢٥ واللباب" ج ١ ص ٥١٢. والله تعالى أعلم. ٢ - (الأشجعي) عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مأمون، أثبت الناس كتابا في الثوري، من كبار [٩]. روى عن هشام بن عروة، ومالك بن مغول، وشعبة، والثوري، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وابن معين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وغيرهم. قال الأشجعي: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث. وقال ابن سعد: رَوَى كُتُبَ الثوري على وجهها، وروى عنه "الجامع"، وكان من أهل الكوفة، وقدم بغداد، فمات بها، وقال قَبيصة: لما مات الثوري أرادوا الأشجعي على أن يَقْعُدَ مكانه، فأبى. وقال أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوري؟ فقال: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، ثم الأشجعي. وقال أبو داود عن أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صح حديثه. وقال ابن محرز عن ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعي. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة مأمون. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا متقنا عالما بحديث الثوري رجلا صالحا أرفع من روى عن سفيان. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوري إذا أخرج كتابه. وقال ابن سعد: أشجعي من أنفسهم، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يغرب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة (١٨٢) في أولها. أخرج له الجماعة سوى أبي داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٦٢) وحديث رقم (٣١٨٦). ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحافظ الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.

стр. 8553

٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد مدلس واختلط بآخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢. ٥ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة فقيه مخضرم مكثر [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣. ٦ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى الأشجعي، فما أخرج له أبو داود. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبغدادي. ومنها: أن شيخه أحد من اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، أبو إسحاق، عن الأسود. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: عَلَّمَنَا رسولُ الله ﷺ ) وفي راوية علقمة الآتية ١١٦٨ - كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ نقول: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله الخ". . . (أن نقول) في تأويل الصدر مفعول ثان لـ"علم" و"نا" هو المفعول الأول (إذا جلسنا في الركعتين) "إذا" متعلق بـ"نقول"، والجار والمجرور متعلق بـ"جلس". أي عَلَّمَنا القولَ وقت جلوسنا في رأس كل ركعتين من الصلاة الثنائية، أو الرباعية، وترك ذكر القعدة الأخيرة من الثلاثية لقلتها، وظهور أن حكمها كحكم غيرها من القَعَدَات في هذا الذكر، فلا يرد أن الحديث لا يشمل القعدة الأخيرة من الثلاثية. ثم إن المصنف ﵀ قدم تشهد ابن مسعود ﵁ لما صرحوا به من أنه أصح التشهدات ثبوتا بالاتفاق، فهو أحق بالاعتناء به. والله تعالى أعلم. قاله السندي رحمه الله تعالى (١). (التحيات لله) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب مقول القول. و"التحيّات" جمع تحية: ومعناها السلام، وقيل: البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك. وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية

стр. 8554

الملكَ نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيَّا به الملك. وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيّا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جمُعَت، فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مُستَحَقَّةٌ لله. وقال الخطابي، ثم البغوي: ولم يكن في تحيتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين المعاني المقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا. قاله في "الفتح" (١). وقال البدر العيني رحمه الله تعالى: وقال الخطابي ﵀: "التحيات" كلمات مخصوصة كانت العرب تحُيّى بها الملوك، نحو قولهم: أَبَيتَ اللعنَ، وقولهم: انعَم صباحا، وقول العجم: وزى ده هزار سال، أي عِشْ عشرةَ آلاف سنة (٢)، ونحوها من عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقات، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى، فتُركَتْ أعيان تلك الألفاظ، واستعمل منها معنى التعظيم، فقيل: قولوا: "التحيات لله"، أي أنواع التعظيم لله، كما يستحقه، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه في أسماء الله تعالى السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات، لا يُحَيّا بها غيره. واللام في "لله" لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني أحسن. انتهى كلام البدر العيني رحمه الله تعالى (٣). وقال ابن منظور ﵀: والتحيّة: السلام، وقد حيّاه تحيةً، وحكى اللِّحْياني: حيّاك الله تحيّةَ المؤمن، والتحيةُ: البقاء، والتحية: المُلك، وقول زُهير بن جناب الكَلْبي: [من مجزو الكامل] وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى … قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّهْ قيل: أراد الملك. وقال ابن الأعرابي: أراد البقاء؛ لأنه كان مَلكا في قومه. قال ابن بَرِّيّ: زهير هذا هو سيد كَلْب في زمانه، وكان كثير الغارات، وعُمِّر عمرًا طويلا، وهو القائل لمّا حضرته الوفاة: أَبَنِيَّ إِنْ أَهلِكْ فَإِنْ … فِي قَدْ بَنَيتُ لَكُمْ بَنِيَّهْ

стр. 8555

وَتَرَكْتُكُمْ أَوْلَادَ سَا … دَاتٍ زِذْنَاكُمُ وَرِيَّهْ وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى … قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ قال: والمعروف بالتحية هنا إنما هي بمعنى البقاء، لا بمعنى الملك. وقال سيبويه: تحيّة: تَفْعِلَة، والهاء لازمة، والمضاعف من الياء قليل؛ لأن الياء قد تُثَقَّلُ وحدها لاما، فإذا كان قبلها ياء كانت أثقل لها. وقال أبو عبيد: والتحية في غير هذا: السلام. وقال الأزهري: قال الليث: في قولهم في الحديث: "التحيات لله": معناه: البقاء لله، ويقال: الملك لله. وقيل: أراد بها السلام، يقال: حَيّاك الله: أي سلّم عليك، والتحية تفعلة من الحياة، وإنما أدغمت لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة لها، والتاء زائدة. وقولهم: حيّاك الله، وبَيّاك: اعتَمَدَك بالملك، وقيل: أضحكك. وقال الفرّاء حياك الله: أبقاك الله، وحياك الله: أي ملّكَك الله، وحياك الله: أي سلَمَّ عَليك، قال: وقولنا في التشهد "التحيات لله" يُنْوَى بها البقاء لله، والسلام من الآفات، والملك لله، ونحو ذلك. وقال أبو عمرو: التحية: الملك، وأنشد قول عمرو بن مَعْديكَرِب: [من الوافر] أَسِيرُ بِهِ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى … أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي يعني على ملكه. وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحيّة الملك لَمَا قيل: التحيات لله، والمعنى السلامات من الآفات كلِّها، وجَمَعَهَا لأنه أراد السلامة من كلّ آفة. وقال القُتَيبي: إنما قيل: التحيات لله على الجمع؛ لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّونَ بتحيات مختلفة، يقال لبعضهم: أَبَيتَ اللّعْنَ، ولبعضهم: اسْلَمْ، وانْعَمْ، وعِشْ ألفَ سنة، ولبعضهم: انْعَمْ صَبَاحًا، فقيل لنا: قولوا: "التحيات لله". أي الألفاظ التي تَدُلُّ على الملك والبقاء، ويكنى بها عن الملك فهي لله . وروي عن أبي الْهَيْثَم أنه يقول: التحية في كلام العرب ما يُحَيِّي به بعضهم بعضا إذا تلاقَوا، قال: وتحية الله التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني عباده إذا تلاقوا، ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال الله : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقال في تحية الدنيا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وقيل في قوله: قَدْ نِلْتُهُ إِلَّا التَّحِيَّهْ يريد إلا السلامة من المَنيّة والآفات، فإن أحدا لا يسلم من الموت على طول البقاء، فجَعَلَ معنى التحيات لله: أي السلامُ له من جميع الآفات التي تلحق العباد من العناء، وسائر أسباب الفناء.

стр. 8556

قال الأزهري: وهذا الذي قاله أبو الهيثم حسن، ودلائله واضحة، غير أن التحية، وإن كانت في الأصل سلاما، كما قال خالد، فجائز أن يسمى المُلْك في الدنيا تحية، كما قال الفراء وأبو عمرو، لأن المَلِكَ يُحَيّا بتحية المُلك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وكانت تحية ملوك العجم نحوا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زِهْ هَزَارْ سَالْ: المعنى: عش سالما ألف عام، وجائز أن يقال للبقاء تحية؛ لأن من سلم من الآفات فهو باق، والباقي في صفة الله من هذا؛ لأنه لا يموت أبدا. انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (١). (والصلوات) قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعمّ من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة. وقيل: العبادات كلها. وقيل: الدعوات. وقيل: الرحمة. وقيل: "التحيات" العبادات القولية، و"الصلوات": العبادات الفعلية، و"الطيبات": العبادات المالية (٢). . (والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحَسُنَ أن يُثنَى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل: الطيبات ذكرُ الله. وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء. وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعمّ. قال ابن دقيق العيد ﵀: إذا حمل التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مثلا مُستَحَقَّةٌ لله تعالى، وإذا حمل على البقاء، فلا شك في اختصاص الله به، وإذا حمل على الملك والعظمة، فيكون معناه الملك الحقيقي التامّ لله، والعظمة الكاملة لله، لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو ناقص. قال: و"الصلوات" يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة، ويكون التقرير أنها واجبة لله تعالى، لا يجوز أن يُقصَدَ بها غيره، أو يكون ذلك إخبارا عن إخلاصنا الصلوات له، أي إن صلواتنا مخلصة له، لا لغيره، ويحتمل أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون معنى قوله: "لله" أي المتفضل بها، والمعطي لها هو الله لأن الرحمة التامة لله تعالى، لا لغيره. يؤتيها من يشاء. وإذا حملت على الدعاء فظاهر. وقرر بعض المتكلمين في هذا فصل، بأن قال: ما معناه: إن كل من رحم أحدا، فرحمته له بسبب ما حصل له عليه من الرقة، فهو برحمته دافع لألم الرقّة عن نفسه، بخلاف رحمة الله تعالى، فإنها لمجرد إيصال النفع إلى العبد. وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال الطيبات، ولعل تفسيرها بما هو أعمّ أولى، أعني

стр. 8557

الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف، وطيبُ الأوصاف كونها بصفة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (١). وقال القرطبي: قوله: "لله" فيه تنبيه على الإخلاص في العبادة، أي أن ذلك لا يُفعَل إلا لله. ويحتمل أن يراد به الاعتراف بأن مُلكَ الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله تعالى. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون "والصلوات"، "والطيبات" عطفا على "التحيات"، ويحتمل أن تكون "الصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على الجملة. وقال ابن مالك: إن جعلت "التحيات" مبتدأ، ولم تكن صفة لموصوف محذوف كان قولك: "والصلوات" مبتدأ، لئلا يعطف نعت على منعوته، فيكون متن باب عطف الجمل بعضها على بعض، وكلّ جملة مستقلّة بفائدتها، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو (٢). (السلام عليك أيها النبي) قيل: معناه التعويذ بالله، والتحصين به ، فإن "السلام" اسم له ، تقديره: الله حفيظ عليك وكفيل، كما يقال: الله معك، أي بالحفظ والمعونة واللطف. وقيل: معناه السلامة والنجاة لك، ويكون مصدرا كاللذاذة واللذاذ كما قال الله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] (٣). وقيل: الانقياد لك، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: وليس يخلو بعض هذا من ضعف؛ لأنه لا يتعدى السلام ببعض هذه المعاني بكلمة "على". انتهى (٤). وقال النووي رحمه الله تعالى: (واعلم): أن "السلام " الذي في قوله: "السلام عليك أيها النبي" "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" يجوز فيه حذف الألف واللام، فيقال: "سلام عليك أيها النبي"، و"سلام علينا"، ولا خلاف في جواز الأمرين هنا، ولكن الألف واللام أفضل، وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم،

стр. 8558

وأما الذي في آخر الصلاة، وهو سلام التحلل، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من جوّز الأمرين فيه هكذا، ويقول: الألف واللام أفضل، ومنهم من أوجب الألف واللام؛ لأنه لم ينقل إلا بالألف واللام، ولأنه تقدم ذكره في التشهد، فينبغي أن يعيده بالألف واللام، ليعود التعريف إلى سابق كلامه، كما يقول: جاءني رجل، فأكرمت الرجل. انتهى (١). وقال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود ﵁ بحذف الألف واللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس ﵄، وهو من أفراد مسلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا ينقضي عجبي من النووي ﵀، كيف ذكر الخلاف في جواز الحذف المذكور، وهو يعلم أنه لم يثبت في شيء من الروايات إلا معرفا، ثم لا يتعقبه؟ إن هذا لشيء عجيب!. اللَّهم إلا أن يكون مراه حديث ابن عباس ﵄، لكن ظاهر عبارته يأبى ذلك!. والحاصل أن القول بالحذف المذكور مخالف للتعليم النبوي، ومنابذ للسنة، فلا يجوز القول به. فتبصر، ولا تتحير، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال الطيبي ﵀: أصل سلام عليك سلَّمتُ عليك سلاما، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعُدلَ عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره. ثم التعريف إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وُجِّهَ إلى الأمم السالفة علينا، وعلى إخواننا. وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كلّ واحد عمن يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا. ويجوز أن يكون للعهد الخارجي، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة. انتهى. وحكى صاحب "الإقليد" عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة. وقال البيضاوي: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر، لشرفه، ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصصوا أنفسهم أوّلًا، لأن الاهتمام بها أهمّ، ثم أمرهم بتعميم السلام على

стр. 8559

الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم. وقال التوربشتي: السلام بمعنى السلامة، كالمقام والمقامة، والسلامُ من أسماء الله تعالى وُضعَ المصدر موضع الأصم مبالغة، والمعنى أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى قولنا: السلام عليك الدعاء، أي سلمت من المكاره، وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى. [فإن قيل]: كيف شرع هذا اللفظ، وهو خطابُ بَشَرٍ، مع كونه منهيّا عنه في الصلاة؟ [فالجواب]: أن ذلك من خصائصه ﷺ . [فإن قيل]: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي"، مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى الصالحين؟ أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة. ويحتمل أن يقال على طريقة أهل العرفان: إن المصلين لمّا استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرّت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة، وبركات متابعته، فالتفتوا، فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: "السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله، وبركاته". وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ﵁ هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال بلفظ الخطاب، وأما بعده، فيقال بلفظ الغيبة، وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور. ففي "الاستئذان" من "صحيح البخاريّ" من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود ﵁ بعد أن ساق حديث التشهد، قال: وهو بين ظهرانينا، فلمّا قبض قلنا: "السلام" -يعني- "على النبي". كذا وقع في البخاريّ، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، والسّرّاج، والجوزقي، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ "فلما قبض قلنا: السلام على النبي" بحذف لفظ "يعني". وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم. قال السبكي في "شرح المنهاج" بعد ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صح هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب، فيقال: السلام على النبي. قال الحافظ: قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعا قويّا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون، والنبي ﷺ حيّ: "السلام عليك

стр. 8560

أيها النبي"، فلما مات قالوا: "السلام على النبي". وهذا إسناد صحيح. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من أنهم كانوا يقولون بلفظ الخطاب، والنبي ﷺ حي، فلما مات قالوه بلفظ الغيبة، إنما قالوه اجتهادًا منهم، لا من تعليم النبي ﷺ لهم، فلا يكون دليلا يُعمل به، بل التعليم النبوي باق أبدا؛ لعدم وجود ما ينسخه، ولو كان يتغير الحكم بموته ﷺ لما أغفله، ﴿وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ولا يقتضي قول ابن مسعود ﵁: "قلنا" كونه إجماعا من الصحابة، بل هو لبعضهم، بدليل أن الصحابة الآخرين ما زالوا يعلمون التابعين بلفظ الخطاب، كما يأتي في حديث أبي موسى الأشعري، وغيره، فدلّ على أن ما قاله ابن مسعود ليس محل إجماع، بل هو رأي لبعضهم، وكذا الكلام فيما قاله عطاء، ولأن الكثيرين من الصحابة في زمنه ﷺ يغيبون في البلدان النائية عنه ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه علمهم خلاف ما علم الحاضرين لديه. والحاصل أن التعليم النبوي لا يُترك بما قاله بعض الصحابة اجتهادًا. والله تعالى أعلم. وأما ما رَوَى سعيد بن منصور من طريق أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي ﷺ علمهم التشهد، فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا ن قوله: "السلام عليك أيها النبي" إذ كان حيّا، فقال ابن مسعود: هكذا علمنا، وهكذا نعلم، فظاهر أن ابن عباس قاله اجتهادًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصحّ، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والإسناد إليه مع ذلك ضعيف. [فإن قيل]: لم عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة، مع أن الوصف بالرسالة أعمّ في حق البشر؟. أجاب بعضهم بأن الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين، لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد، وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوّة، لكن التصريح بهما أبلغ. [قيل]: الحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذا وجدت في الخارج، لنزول قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] قبل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] والله تعالى أعلم (١). (ورحمة الله) قال العيني: الرحمة عبارة عن إنعامه عليه، وهو المعنى الغائي؛ لأن معناها اللغوي الحُنُوّ والعطف، فلا يجوز أن يوصف الله به. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العيني من أن الله لا يوصف بالرحمة بمعناها

стр. 8561

اللغوي غير صحيح، فإن تفسير الرحمة بما ذكره إنما هو إذا وصف بها المخلوق، وأما إذا وصف بها الرب ، فلها المعنى اللائق بجلاله. فالصواب أنه تعالى يوصف بالرحمة اللغوية بالمعنى الذي يليق بجلاله، لا بالمعنى الذي يكون للمخلوقين، فلا يلزم عليه تشبيه ولا تمثيل. فتبصر، ولا تتحير، والله الهادي إلى سواء السبيل. (وبركاته) جمع بركة، وهو الخير الكثير من كل شيء، واشتقاقه من البَرْك -بفتح، فسكون-: وهو صدر البعير، وبَرَك البعيرُ: ألقى بَرْكه، واعتبر منه معنى اللزوم، وسمي محبس الماء بركة -أي بكسر، فسكون- للزوم الماء فيها. وقال الطيبي: البَرَكَة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوتَ الماء في البركة، والْمُبَارَك: ما فيه ذلك الخير، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ الآية [الأنبياء: ٥٠] تنبيها على ما يَفيض منه من الخيرات الإلهية، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يُحتَسَبُ، وعلى وجه لا يُحصى قيل لكل ما يُشاهد فيه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، أو فيه بركة. انتهى (١). . (السلام علينا) مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة أريد بها إنشاء الدعاء. وأراد بالضمير الحاضرين من الإمام والمأمومين، والملائكة عليهم الصلاة والسلام. قال الحافظ ﵀: واستدلّ به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مُصَحَّحًا من حديث أُبَيّ بن كعب ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر أحدًا، فدعا له بدأ بنفسه". وأصله في مسلم، ومنه قوله نوح ﵇ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية [نوح: ٢٨]. وقول إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ الآية [إبراهيم: ٤١]. (وعلى عباد الله الصالحين) عطف على الجار والمجرور قبله. والأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله تعالى، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته. قال الترمذي الحكيم: من نظر أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة، فليكن عبدا صالحا، وإلا حُرم هذا الفضل العظيم. وقال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين. يعني ليتوافق لفظه مع قصده (٢). . [تنبيه]: زاد البخاري من رواية أبي وائل عن عبد الله: "فإنكم إذا قلتموها أصابت كل

стр. 8562

عبد صالح في السماء والأرض". . ونحوه لمسلم. أي إذا قلتم "وعلى عباد الله الصالحين" أصابت الدعوة كل عبد صالح الخ. وهو كلام معترض بين قوله: "الصالحين"، وبين قوله: أشهد الخ"، وإنما قدم للاهتمام به لكونه أنكر عليهم عدّ الملائكة واحدا واحدا، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك، فعلمهم لفظا يشمل الجميع مع غير الملائكة، من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﷺ ، وإلى ذلك الإشارة بقول ابن مسعود ﵁ الآتي في الرواية التالية "وأن محمدا ﷺ عَلَّمَ فواتح الخير وخواتمه"، وفي الرواية الآتية -١١٦٧ - "فعلمنا نبي الله ﷺ جوامع الكلم". وقوله: "كل عبد صالح". استدل به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلَّى بالألف واللام يعمّ، لقوله أوّلًا "عباد الله الصالحين"، ثم قال: "أصابت كل عبد صالح" (١). وقال القرطبي: فيه دليل أن جمع التكسير للعموم. قال الحافظ: وفي هذه العبارة نظر. وقال ابن دقيق العيد ﵀: وفي قوله ﵇: "فإذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح" دليل على أن للعموم صيغة، وأن هذه الصيغة للعموم، كما هو مذهب الفقهاء، خلافا لمن توقف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوع به من لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة عندنا، ومن تتبع ذلك وجده، واستدلالنا بهذا الحديث ذكر لفرد من أفراد لا يُحصَى الجمع لأمثالها، لا للاقتصار عليه، وإنما خص "العباد الصالحين"، لأنه كلام ثناء وتعظيم. انتهى (٢) (أشهد أن لا إله إلا الله) زاد في الرواية الآتية -١١٦٨ - من طريق حارث بن عطية، عن هشام الدستوائي: "وحده لا شريك له"، وهي زيادة شاذة، لمخالفة حارث بن عطية بها، وهو صدوق يهم لروايات الحفاظ. وقال في "الفتح": زاد في رواية ابن أبي شيبة من رواية أبي عُبيدة، عن أبيه "وحده لا شريك له". وسنده ضعيف، لكن ثبتت الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطإ". وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني، إلا أن سنده ضعيف.

стр. 8563

وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله"، قال ابن عمر: زدت فيها "وحده لا شريك له"، وهذا ظاهره الوقف. انتهى (١) ومعنى "أشهد": أعلم وأتيقن. (وأن محمدا عبده ورسوله) قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم تختلف الطرق عن ابن مسعود ﵁ في ذلك، وكذا هو في حديث أبي موسى، وابن عمر، وعائشة المذكور، وجابر، وابن الزبير عند الطحاوي وغيره. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: "بينا النبي ﷺ يعلِّمُ التشهد، إذ قال رجل: وأشهد أن محمدا رسوله وعبده، فقال ﵊: "لقد كنت عبدا قبل أن أكون رسولًا، قل: عبده ورسوله". ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل. وفي حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم وأصحاب السنن: "وأشهد أن محمدا رسول الله"، ومنهم من حذف "وأشهد". ورواه ابن ماجه بلفظ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. قاله في "الفتح" (٢). . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي عزاه في "الفتح" إلى ابن ماجه من كون لفظ ابن عباس كلفظ ابن مسعود ﵃ هو الذي عند المصنف ﵀ في -١٩٣/ ١١٧٤. ولفظه "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"، كما هو لفظ ابن مسعود ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٩٠/ ١١٦٢ - وفي "الكبرى" ٩٧/ ٧٤٨ - عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عنه. و ١١٦٣ - و"الكبرى" ٧٤٩ - عن محمَّد ابن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عنه. و ١١٦٤ - و"الكبرى" ٧٥٠ - عن قتيبة، عن عَبْثَر، عن الأعمش، عن أبي إسحاق به. و ١١٦٥ - و"الكبرى" ٧٥١ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن سفيان

стр. 8564

الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عنه. ح وعن منصور، وحماد، كلاهما عن أبي وائل، عنه. و ١١٦٦ - و"الكبرى" ٧٥٤ عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن زيد بن أبي أنيسة الجَزَري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، وعلقمة، كلاهما عنه. و ١١٦٧ - و"الكبرى" ٧٥٥ - عن محمَّد بن جبلة الرّافقي، عن العلاء بن هلال، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن حماد -وهو ابن أبي سليمان- عن إبراهيم، عن علقمة، عنه. و ١١٦٨ - و"الكبرى" ٧٥٦ - عن عبد الرحمن بن خالد الرّقيّ، عن حارث بن عطية، عن هشام، عن حماد به. و ١١٦٩ - و"الكبرى" ٧٥٧ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيمي، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن أبي وائل، عنه. و ١١٧٠ - و"الكبرى" ٧٥٨ - عن بشر بن خالد العسكري، عن غندر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، ومنصور، وحماد، ومغيرة، وأبي هاشم، كلهم عن أبي وائل عنه. و ١١٧١ - و"الكبرى" ١١٥٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفَضْل بن دُكَين، عن سَيْف المكي، عن مجاهد، عن أبي معمر، عنه. و ٤١/ ١٢٧٧ - و"الكبرى" ٧٦/ ١٢٠٠ - عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن الأعمش، ومنصور، كلاهما عن شقيق، عنه. و ٤٣/ ١٢٧٩ - و"الكبرى" ٧٨/ ١٢٠٢ - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض، عن الأعمش به. و ٥٦/ ١٢٩٨ - و"الكبرى" ٩٠/ ١٢٢١ - عن يعقوب الدَّوْرقي، وعمر وابن علي، كلاهما عن يحيى، عن الأعمش، به. وألفاظهم فيها بعض اختلاف بالزيادة والنقص، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن أبي نعيم- وعن مسدد، عن يحيى القطان- كلاهما عن الأعمش به. وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور به. وعن عمرو بن عيسى، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن شقيق بن سلمة به. وعن أحمد بن يونس، عن زهير، عن المغيرة به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن عبد الله بن سَخْبَرة به. و (م) عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. وعن زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن جرير به. وعن محمَّد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن محمَّد بن جعفر به. وعبد بن حميد، عن حسين الجُعفي، عن زائدة، عن منصور به.

стр. 8565

(د) عن مسدد به. وعن عبد الله بن محمَّد النُّفَيلي، عن زهير، عن الحسن بن الحُرّ، عن القاسم بن مُخَيمرة، عن علقمة به. وعن تميم بن المنتصر، عن إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، به. (ت) عن قتيبة، عن عبثر بن القاسم به. وعن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، عن عبيد الله الأشجعي به. (ق) عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن الأعمش به. وعن أبي بكر بن خلاد الباهلي، عن يحيى بن سعيد به. وعن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، والأعمش، وحُصَين، وأبي هاشم، وحماد به. وعن هشام بن عَمَّار، عن عيسى بن يونس، عن أبيه، عن أبي إسحاق به. وعن محمَّد بن معمر، عن قبيصة، عن سفيان به. وأخرجه (أحمد) ١/ ٣٨٢ و ٤٢٧ و ٤١٣ و ٤٣١ و ٣٩٤، و ٤١٨ و ٤٢٣ و ٤٦٤ و ٤١٤ و ٤٢٢ و ٤٥٠ و ٤٠٨ و ٤٣٧ و ٤٥٩ و ٣٧٦. (الدارمى) رقم ١٣٤٦. (وابن خزيمة) ٧٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في بيان الخلاف في اختيار ألفاظ التشهد: اختلف الفقهاء في المختار من ألفاظ التشهد، فإن الروايات اختلفت فيه: فذهب أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله إلى اختيار تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، وهو أصح ما روي في التشهد. وذهب الشافعي ﵀ إلى اختيار تشهد ابن عباس ﵄ الآتي -١٩٣/ ١١٧٤. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: ورجح من اختار تشهد ابن مسعود -بعد كونه متفقا عليه في "الصحيحين"- بأن واو العطف تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا، وإذا أسقطت واو العطف، كان ماعدا اللفظ الأول صفة له، فيكون جملة واحدة في الثناء، والأول أبلغ، فكان أولى. وزاد بعض الحنفية في تقرير هذا بأن قال: لو قال: "والله، والرحمن، والرحيم" لكانت أيمانا متعددة تتعدد بها الكفارة، ولو قال: "والله الرحمن الرحيم" لكانت يمينا واحدة فيها كفارة واحدة، هذا، أو معناه. ورأيت بعض من رجح مذهب الشافعي -في اختيار تشهد ابن عباس- أجاب عن هذا بأن واو العطف قد تسقط، وأنشد في ذلك [من الخفيف]: كَيفَ أَصْبَحْتَ كَيفَ أَمْسَيتَ مِمَّا … يُنْبِتُ الْوُدَّ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ

стр. 8566

والمراد بذلك كيف أصبحت، وكيف أمسيت. وهذا أوّلًا إسقاط للواو العاطفة في عطف الجملة، ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات، وهو أضعف من إسقاطها في عطف الجمل، ولو كان غير ضعيف لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد الثناء، بخلاف ما لم يصرّح به فيه. وترجيح آخر لتشهد ابن مسعود، وهو أن "السلام" معرّف في تشهد، ابن مسعود وُنَكِّر في تشهد ابن عباس، والتعريف أعمّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفيه أن تنكيره في حديث ابن عباس ﵄ ليس في جميع الروايات، بل في بعضها، فقد وقع في "صحيح مسلم" معرّفًا. والله تعالى أعلم. وذهب مالك إلى اختيار تشهد عمر بن الخطاب ﵁ الذي علمه الناس على المنبر، ورجحه أصحابه بشهرة هذا التعليم، ووقوعه على رؤوس الصحابة من غير نكير، فيكون كالإجماع. ويترجح عليه تشهد ابن مسعود، وابن عباس ﵃ بأن رفعه إلى النبي ﷺ مصرح به، ورفع تشهد عمر بطريق استدلالي. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (١). وقال الترمذي رحمه الله تعالى: حديث ابن مسعود ﵁ روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم. قال: وذهب الشافعي إلى حديث ابن عباس ﵄ في التشهد. وقال البزار لمّا سئل عن أصح حديث في التشهد، قال: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقا، ثم سرد أكثرها، وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالا. اهـ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في "شرح السنة"، ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقينا، فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه، قال: "أخذت التشهد من في رسول الله ﷺ ، ولقننيه كلمة كلمة"، وقد تقدم أن في رواية أبي معمر عنه "علمني رسول الله ﷺ ، وكفي بين كفيه"، ولابن أبي شيبة وغيره من رواية جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عنه، قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن". وقد وافقه

стр. 8567

على هذا اللفظ أبو سعيد الخدري ﵁، وساقه بلفظ ابن مسعود. أخرجه الطحاوي، لكن هذا الأخير ثبت مثله في حديث ابن عباس عند مسلم. ورُجِّحَ أيضا بثبوت الواو في "الصلوات" و"الطيبات"، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف، والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا، بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح، فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني. ورُجِّحَ بأنه ورد بصيغة الأمر، بخلاف غيره، فإنه مجرد حكايته. ولأحمد من حديث ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ عَلَّمَه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. وقال الشافعي ﵀ بعد أن أخرج حديث ابن عباس ﵄: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلى لأنه أكملها. وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع، وأكثر لفظا من غيره، وأخذت به، غيرَ مُعَنِّفٍ لمن يأخذ بغيره مما صحّ. ورجحه بعضهم بكونه مناسبا للفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وأما من رجحه بأن ابن عباس من أحداث الصحابة، فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو يكون إسناد حديثه حجازيّا، وإسناد ابن مسعود كوفيًّا، وهو مما يُرَجّح به، فلا طائل فيه لمن أنصف، نعم يمكن أن يقال إن الزيادة التي في حديث ابن عباس، وهي "المباركات" لا تنافي رواية ابن مسعود، ورجح الأخذ بها، لكون أخذه عن النبي ﷺ كان في الأخير. وقد اختار مالك وأصحابه تشهد عمر ﵁، لكونه علمه للناس، وهو على المنبر، ولم ينكروه، فيكون إجماعا، ولفظه نحو حديث ابن عباس ﵄، إلا أنه قال: "الزاكيات" بدل "المباركات"، وكأنه بالمعنى، لكن أورد على الشافعي زيادة "بسم الله" في أول التشهد، ووقع ذاك في رواية عمر المذكورة، لكن من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، لا من طريق الزهري، عن عروة التي أخرجها مالك، أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهما، وصححه الحاكم مع كونه موقوفا. وثبت في "الموطإ" أيضا عن ابن عمر موقوفا، ووقع أيضا في حديث جابر المرفوع، تفرد به أيمن بن نابل -بالنون، ثم الموحدة- عن أبي الزبير، عنه. وحكم الحفاظ -البخاري، وغيره- على أنه أخطأ في إسناده، وأن الصواب رواية

стр. 8568

أبي الزبير، عن طاوس وغيره، عن ابن عباس. وفي الجملة لم تصح هذه الزيادة. وقد ترجم البيهقي عليها "من استحب، أو أباح التسمية قبل التحية"، وهو وجه لبعض الشافعية وضُعِّفَ، ويدلّ على عدم اعتبارها أنه ثبت في حديث أبي موسى المرفوع في التشهد وغيره: "فإذا قعد أحدكم، فليكن أول قوله: التحيات لله". . . الحديث، كذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بسنده. وأخرج مسلم من طريق عبد الرزاق هذه، وقد أنكر ابن مسعود وابن عباس وغيرهما على من زادها، أخرجه البيهقي وغيره. ثم إن هذا الاختلاف إنما هو في الأفضل، وكلام الشافعي المتقدم يدلّ على ذلك، ونقل جماعة من العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت، لكن كلام الطحاوي يشعر بأن بعض العلماء يقول بوجوب التشهد المروي عن عمر ﵁. وذهب جماعة من محدثي الشافعية، كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود. وذهب بعضهم، كابن خزيمة إلى عدم الترجيح (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القوله باختيار تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مع جواز غيره، كما ذهب إليه ابن المنذر ﵀ هو الراجح عندي، لما ذكر من المرجّحات. قال ابن المنذر ﵀: ما حاصله: فأي تشهد تشهد به المصلي مما ذكرناه، فصلاته مجزئة. والذي آخذ به التشهد الذي بدأتُ به -يعني تشهد ابن مسعود ﵁ -انتهى (٢). والحاصل أنه يجوز أن يتشهد بأيّ نوع من أنواع التشهد مما صح عن رسول الله ﷺ ، إلا أن الأفضل أن يتشهد بتشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لما ذكر من وجوه الترجيحات له. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذهب المالكية إلى أن التشهد مطلقا غير واجب. والمعروف عند الحنفية أنه وأجب، لا فرض، بخلاف ما يوجد عنهم في كتب مخالفيهم. وقال الشافعي: هو فرض، لكن قال: لو لم يزد رجل على قوله: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي" الخ كرهت ذلك له، ولم أر عليه إعادة. هذا لفظه في "الأم". وقال صاحب "الروضة" تبعا لأصله: وأما أقل التشهد فنص الشافعي وأكثر الأصحاب إلى أنه. . . فذكره، لكنه قال: "وأن محمَّد رسول الله"، قال: ونقله ابن كج والصيدلاني، فقال: "وأشهد أن محمدا رسول الله"، لكن أسقطا "وبركاته" اهـ.

стр. 8569

وقد استشكل جواز حذف "الصلوات" مع ثبوتها في جميع الروايات الصحيحة، وكذلك "الطيبات" مع جزم جماعة من الشافعية بأن المقتصر عليه هو الثابت في جميع الروايات، ومنهم من وجه الحذف بكونهما صفتين كما هو الظاهر من سياق ابن عباس، لكن يعكر على هذا ما تقدم من البحث في ثبوت العطف فيهما في سياق غيره، وهو يقتضي المغايرة. أفاده في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القوله بجواز حذف شيء من ألفاظ التشهد مما لا دليل عليه، فإن النبي ﷺ قال: قولوا: "التحيات" الخ فعلمهم التشهد بألفاظ مخصوصة، وأمرهم أن يقولوها، وأمره للوجوب، فكيف يجوز تركها، أو ترك شيء منها؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: قال القفال ﵀ في "فتاويه": ترك الصلاة يضرّ جميع المسلمين، لأن المصلي يقول: اللَّهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولابد أن يقول في التشهد "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين"، فيكون مقصرا في خدمة الله، وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافّة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها. واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقّا للعباد مع حق الله، وأن من تركها أخلّ بحق جميع المؤمنين، من مضى، ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها: "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين". انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، غَيْرَ أَنْ نُسَبِّحَ، وَنُكَبِّرَ، وَنَحْمَدَ رَبَّنَا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وَخَوَاتِمَهُ، فَقَالَ: "إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَلْيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَلْيَدْعُ اللَّهَ "). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزِيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.

стр. 8570

٢ - (محمَّد) بن جعفر، أبو عبد الله البصري، المعروف بغُنْدَر، ثقة صحيح الكتاب [٩] تقدم ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الجُشَمّي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٥٠/ ٨٤٩. والباقيان تقدما في السند الماضي. وقوله: "في كل ركعتين"، أي في آخر كلّ ركعتين. وقوله: "ما نقول" "ما" اسم موصول مفعول "نقول"، والعائد محذوف، أي الشيء الذي نقوله. وقوله: "غير أن نسبح" بنصب "غير" على البدلية لـ"ما نقول". أي كنا لا نعلم الشيء الذي نقوله في الصلاة غير التسبيح، والتحميد. وقوله: "وأن محمدا ﷺ الخ". ضبط بالقلم بفتح همزة "إن"، ولا وجه له، بن الصواب كسرها، فتكون جملتها عطفا على جمله "كنا لا ندري"، فيكون مقولا لـ"قال". وقوله: "علم" الظاهر أنه بالبناء للفاعل، من التعليم، أي علّمَ أمته، ويحتمل أن يكون "عُلِّمَ" بالبناء للمفعول، من التعليم أيضا، أي عَلَّمَهُ الله تعالى، ويحتمل أن يكون عَلِمَ بالبناء للفاعل، من العلم ثلاثيا، أي علم بتعليم من الله . وقوله: "فواتح الخير، وخواتمه" جمع فاتحة، والإضافة بمعنى اللام، فواتح كل خير وخواتمها، وهو كناية عن الخير، يعني أنه ﷺ علم أمته كلَّ خي، أو علّمه الله تعالى كلَّ خير. وقوله: "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه". أي أحسن الدعاء إلى المصلي، وأحبه إليه. وفي الرواية الآتية ٤٣/ ١٢٧٩ - من رواية شقيق، عن عبد الله: "ثم ليتخير بعد ذلك من الكلام ما شاء". والمراد بالكلام الدعاء بدليل الرواية السابقة، وغيرها. وفي رواية البخاري: "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو"، وفي رواية "ثم ليتخير من الدعاء ما أحبّ"، وفي رواية "ثم ليتخير من الثناء ما شاء"، ونحوه لمسلم بلفظ "من المسألة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان ما يتعلق به من المسائل في الحديث الذي قبله، وأذكر هنا بعض ما لم يذكر هناك، تتميما للفائدة:

стр. 8571

(مسألة): استُدِلَّ بهذا الحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما اختاره المصلي من أمر الدنيا والآخرة. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: خالف في ذلك النخعي، وطاوس، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن. قال الحافظ رحمه الله تعالى: كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن، أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثورا، قال قائلهم: والمأثور أعمّ من أن يكون مرفوعا، أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يردّ عليهم، وكذا يردّ على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة. واستثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ، فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرّمة مطلقا لا يجوز. انتهى (١) وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: قال الله جلّ ذكره: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ الآية [غافر: ٦٠] وثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أما الركوع، فعظموا فيه الربّ، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم"، فقد ندب الله جل ذكره عباده إلى دعائه، وأمر النبي ﷺ الساجد بالاجتهاد في الدعاء، ولم يخصّ دعاء دون دعاء، فللمرء أن يدعو الله في صلاته بما أحب، ما لم يكن معصية، وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ دالّة على صحة هذا القول. قال: وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "إذا تشهد أحدكم، فليتعوذ من أربع، ثم ليدع ما بدا له" (٢). قال: وفي قوله: "ثم ليدع ما بدا له" إباحة للدعاء مما في القرآن، ومما ليس في القرآن، مما يخاطب به العبد ربه من أمر دينه ودنياه، غيرُ جائز حظر شيء من الدعاء بغير حجة. وقال أيضا في موضح آخر: ندب الله جلّ ذكره إلى الدعاء في كتابه، وثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه دعا في صلاته، وعلمهم الدعاء في الصلاة، وثبت عنه أنه قنت، فدعا لقوم، وعلى قوم بالدعاء، فالدعاء بالخير مباح في الصلاة بما أحب المرء من أمر

стр. 8572

دينه ودنياه، ويدعو لوالديه، ولمن أحب من إخوانه، يسميهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، والسنن الثابتة دالّة على ذلك. وقد روينا عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: إني لأدعو لسبعين أخا من إخواني، وأنا في الصلاة، أسميهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وكان عروة بن الزبير يقول في سجوده: اللَّهم اغفر للزبير، اللَّهم اغفر لأسماء. وقال الشعبي: ادع في الصلاة بكل حاجة لك. ودعا علي بن أبي طالب ﵁ في قنوته في الصلاة على قوم سماهم. ودعا أبو عبد الرحمن السلمي على قَطَرِيّ -يعني ابن فُجَاءة، من رؤوس الأزارقة الخوارخ-. قال: وممن كان لا يرى بالدعاء في الصلاة بأسا: مالك بن أنس، قال: لا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه في المكتوبة، حوائج دنياه وآخرته، وهذا مذهب الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصا (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى هو الراجح عندي فيُشرَع الدعاء في الصلاة بكل مباح يحتاج إليه المصلي، ويجوز أن يطلبه من ربه . والحاصل أن المذهب الراجح جواز الدعاء في الصلاة بالأشياء المباحة من الأمور الدنيوية والأخروية، لإطلاق النصوص في ذلك، قولا وفعلا. وأما استدلال الحنفية وغيرهم على ما ذهبوا إليه بالحديث الآتي -٢٠/ ١٢١٨ - "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، فغير صحيح؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم، وهو قوله: "إنما هو التسبيح والتكبير، وتلاوة القرآن"، وفي الرواية الآتية ٢٠/ ١٢٢٠ - : "إن الله أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين". فبين آخر الحديث أن ذكر الله تعالى ليس ممنوعا، والدعاء من ذكر الله تعالى، وإنما الممنوع هو ما كان من كلام الناس، كأن ينادي رجلا، وهو في الصلاة، أو يطلب حاجة من الناس، وهو فيها. ويدل على ذلك حديث زيد بن أرقم ﵁ الآتي ٢٠/ ١٢١٩ - قال: "كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله ﷺ ، حتى نزلت الآية: ﴿حَافِظُوا

стр. 8573

عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت". وسنتكلم على تمام البحث في هذه المسألة في موضعها، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ، فَأَمَّا التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (عَبْثَرٌ) -بفتح أوله، وسكون المثلثة- ابن القاسم الزُّبَيدي -بالضم- أبو زُبَيد -بالضم أيضا- الكوفي، ثقة [٨] تقدم ٨٤٦/ ٤٧. [فائدة]: ليس في الكتب من يسمى عَبْثَرًا غير عبثر بن القاسم هذا، وأما جدّ محمَّد بن سَوَاء، فهو عنبر -بمهملة، ثم نون، ثم باء موحدة- وقد أشار إلى ذلك الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية المصطلح" حيث قال: وَوَلَدُ القَاسِمِ فهوَ عَبْثَرُ … وَابْن سَوَاءٍ السَّدوسِي عَنْبَرُ ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحافظ الحجة [٥] تقدم ١٧/ ١٨. والباقون تقدموا قريبًا. وقوله: "والتشهد في الحاجة" لم يذكر التشهد في الحاجة هنا، وذكره في "كتاب الجمعة" -٢٤/ ١٤٠٤ - [باب كيفية الخطبة] من رواية أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: عَلَّمَنَا خطبةَ الحاجة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره" الخ، وسنتكلم عليه هناك، إن شاء الله تعالى. وقوله: "فأما التشهد في الصلاة، "التحيات لله، والصلوات، والطيبات"، وهكذا ساقه إلى قوله: "عبده ورسوله" في النسخة الهندية. وفي النسخ المطبوعة زاد في آخره: ما لفظه: "إلى آخر التشهد"، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه سقط من بعض النسخ النظامية من قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" إلى قوله: "ورسوله". والظاهر أن ما في النسخة الهندية هو الصحيح، وكذا ما في النسخة التي أسقطت ما بعد "الصالحين"، وزادت قوله: "إلى آخر التشهد" صحيحة أيضا، وأما الجمع بين

стр. 8574

سوق جميعه، وزيادة "إلى آخر التشهد" فلا يظهر له وجه. والله تعالى أعلم. وجوابُ "أما" في قوله: "فأما التشهد الخ": قولُه: "التحيات" الخ، حذفت منه الفاء على قلة، أو حذفت مع القول، وهو كثير، كما قال في "الخلاصة": أَمَّا كَمَهْما يَكُ مِنْ شيءٍ وَفا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا وَحَذفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثرٍ إذا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبذَا قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ (١) ابْنُ آدَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَتَشَهَّدُ بِهَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالتَّطَوُّعِ، وَيَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَحَمَّادٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال الإسناد: تسعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (يحيى بن آدم) الكوفي، ثقة حافظ فاضل من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. [تنبيه]: "سفيان" في السند هو الثوري. ٣ - (منصور) بن المعتمر الكوفي، أبو عَتَّاب، ثقة ثبت [٦] تقدم ٢/ ٢. ٤ - (حماد) بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي الفقيه، صدوق له أوهام [٥]. روى عن أنس، وزيد بن وهب، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وغيرهم. وعنه ابنه إسماعيل، وعاصم الأحول، وشعبة، والثوري، وهشام الدستوائي، وغيرهم. قال أحمد: مقارب ما روى عنه القدماء، سفيان، وشعبة، وقال أيضا: سماع هشام منه صالح، قال: ولكن حماد -يعني ابن سلمة- عنده عنه تخليط كثير، وقال أيضا: كان يُرمَى بالإرجاء، وهو أصح حديثا من أبي معشر -يعني زياد بن كليب-. وقال مغيرة: قلت لإبراهيم: إن حمادا قد قعد يفتي، فقال: وما يمنعه من أن يفتي، وقد سألني هو وحده عما لم تسألوني كلكم عن عُشْره. وقال ابن شبْرُمة: ما رأيت أحدا أَمَنَّ عَليَّ من

стр. 8575

حماد. وقال معمر: ما رأيت أفقه من هؤلاء: الزهري، وحماد، وقتادة. وقال بقيّة: قلت لشعبة: حماد بن أبي سليمان؟ قال: كان صدوق اللسان. وقال ابن المبارك، عن شعبة: كان لا يحفظ. وقال القطان: حماد أحبّ إليّ من مغيرة، وكذا قال ابن معين، وقال: حماد ثقة. وقال أبو حاتم: حماد صدوق لا يحتج بحديثه، وهو مستقيم في الفقه، فإذا جاء الأثر شوّش. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان أفقه أصحاب إبراهيم. وقال النسائي: ثقة إلا أنه مرجئي. وقال داود الطائي: كان سخيا على الطعام، جوادا بالدنانير والدراهم. وقال حماد بن سلمة: قلت له: قل: سمعتُ إبراهيم، فكان يقول: إن العهد قد طال بإبراهيم. وقال أبو نعيم، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت أبي يقول: كان حماد يقول: قال إبراهيم، فقلت: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو إن إبراهيم ليخطىء. وقال ابن عدي: حماد كثير الرواية خاصة عن إبراهيم، ويقع في حديثه أفراد وغرائب، وهو متماسك في الحديث، لا بأس به، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات سخة (١٢٠) وقال البخاري: مات سنة (١٩) وهو قول ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وكان مرجئا، وكان لا يقول بخلق القرآن، وينكر على من يقوله ونقل ابن سعد أنهم أجمعوا على أنه مات سنة (٢٠) وقال أبو حذيفة: ثنا الثوري، قال: كان الأعمش يَلقَى حمادا حين تكلم في الإرجاء، فلم يكن يسلم عليه. وقال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش: حدثنا حماد، عن إبراهيم بحديث، وكان غير ثقة. وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": وكان الأعمش سيء الرأي فيه. وقال جرير، عن مغيرة: حج حماد بن أبي سليمان، فلما قدم أتيناه، فقال: أبشروا يا أهل الكوفة، رأيت عطاء، وطاوسا، ومجاهدا، فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم، قال مغيرة: فرأينا ذلك بَغْيًا منه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، واختلط في آخر أمره، وكان مرجئا، وكان كثير الحديث، إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال عن غير إبراهيم أخطأ. وقال الذهلي: كثير الخطإ والوهم. وقال شعبة: كنت مع زُبَيد، فمررنا بحماد، فقال: تَنَحَّ عن هذا، فإنه قد أحدث. وقال مالك بن أنس: كان الناس عندنا هم أهلَ العراق، حتى وَثَبَ إنسان، يقال له: حماد، فاعترض هذا الدين، فقال فيه برأيه. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الكوفي المخضرم، ثقة ثبت [٢] تقدم ٢/ ٢. والباقون تقدموا قريبا. قوله: "سمعت سفيان" يعني الثوري (يتشهد بهذا الخ) الإشارة إلى ما تقدم من صيغ الألفاظ المذكورة في الحديث الذي قبله، يعني أنه كان يقرأ التشهد المذكور في الصلاة

стр. 8576

المكتوبة وصلاة التطوع. وقوله: "وحدثنا منصور، وحماد الخ عطف على قوله: "حدثنا أبو إسحاق" الخ، وقائل "حدثنا" هو سفيان، فلسفيان فيه ثلاثة أشياخ: أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله. ومنصور، وحماد، وكلاهما عن أبي وائل، عن عبد الله. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (٢)، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ الْجَزَرِيَّ، حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ حَدَّثَهُ، عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُولُوا فِي كُلِّ جَلْسَةٍ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [١٠] تقدم ٣٥/ ٣٩. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩. ٤ - (زيد بن أبي أُنَيسة) الجَزَري، أبو أسامة كوفي الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] تقدم ١٩١/ ٣٠٦. [فائدة]: "الجزَري" -بفتحتين- نسبة إلى الجزيرة، وهي عدة بلاد من ديار بكر، واسم خاص لبلدة واحدة، يقال لها: جَزيرة ابن عمر، وعدة بلاد، منها: الموصل، وسنجار، وحرّان، والرَّقَّة، ورأس العين، وآمد، وميافارقين، وهي بلاد بين الدجلة والفرات. اهـ "الأنساب" ج ٢ ص ٥٥ - ٥٦. و"اللباب" ج ١ ص ٢٧٧. ٥ - (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/ ٧٧. والباقون تقدموا في الذي قبله، والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به قريبًا. قوله: "لا نعلم شيئا" تقدم بيان المراد به في قوله: "كنا لا ندري ما نقول في كل

стр. 8577

ركعتين" الخ، فالعلم المنفي هو الذي يقال في آخر كل ركعتين، ويدل عليه أيضا قوله: "قولوا في كل جلسة: التحيات لله" الخ. وقوله: "في كل جلسة" -بفتح الجيم- لأن المراد المرة من الجلوس، لا الهيئة، قال في "الخلاصة": وَفعْلَةٌ لِمَرَّةِ كَجَلْسَهْ … وَفِعْلَةٌ لِهَيئَةٍ كَجِلْسَهْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٧ - (أَخْبَرَنِا مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ الرَّافِقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ (١)، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ إِذَا صَلَّيْنَا، فَعَلَّمَنَا نَبِيُّ اللَّهِ (٢) ﷺ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، فَقَالَ لَنَا: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّه، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: قَالَ زَيْدٌ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمَّد بن جَبَلَة الرَّافقيّ) وقيل: ابن خالد بن جبلة، أبو بكر، ويقال: أبو عمر، خراساني الأصل، صدوق [١١]. روى عن عبد الله بن جعفر الرَّقِّيّ، والعلاء بن هلال، والمعافى بن سليمان، وغيرهم. وعنه النسائي، وأبو الآذان عمر بن إبراهيم البغدادي، وأحمد بن عبد الله الشعراني، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كتب إلى أبي، وإلى أبي زرعة، وإلَيَّ بأحاديث من فوائده. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو علي محمَّد بن سعيد الحرّاني: مات بالرَّافقة سنة (٢٥٥). وروى البخاري حديثا عن محمَّد بن خالد، عن محمَّد بن موسى، فقيل: إنه الرافقي هذا، وقيل: إنه محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي، وهو الأشبه. وذكر ابن عدي محمَّد بن خالد بن جبلة في شيوخ البخاري، وتبعه صاحب "الزهرة"، فقال: روى عنه حديثين. انتهى. انفرد به المصنف، روى عنه في هذا الكتاب (٥) أحاديث.

стр. 8578

[فائدة]: "الرافقي" بفتح الراء، وكسر الفاء، آخره القاف: نسبة إلى الرافقة، وهي بلدة على الفرات، يقال لها الآن الرَّقَّة. أفاده في "اللباب" ج ٢ ص ٨. ٢ - (العلاء بن هلال) بن عمر بن هلال بن أبي عطية الباهلي، أبو محمَّد الرّقّيّ، فيه لين [٩]. روى عن أبيه، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وخلف بن خليفة،؛ غيرهم. وعنه ابنه هلال، ومحمد بن جبلة، وإبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني، وغيرهم. قال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف الحديث، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة. وقال النسائي: هلال بن العلاء روى عن أبيه غير حديث منكر، فلا أدري منه أَتَى، أو من أبيه. وقال الخطيب: في بعض حديثه نكرة. وذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: يقلب الأسانيد، ويغير الأسماء، فلا يجوز الاحتجاج به. قال هلال: وُلد أبي سنة (١٥٠) ومات سنة (٢١٥). انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث. ٣ - (عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم، أبو وهب الجزري الرّقي، ثقة فقيه، ربما وهم [٨] تقدم في ٢٨٠/ ١٧٧. والباقون تقدموا في هذا الباب. وقوله: "قال عبيد الله" هو ابن عمرو المذكور، وهو موصول بالسند المذكور. وليس معلقا، و"زيد" هو ابن أبي أنيسة. و"حماد" هو ابن أبي سليمان. وقوله: "جوامع الكلم" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكلم الجوامع للخيرات. وقوله: "هؤلاء الكلمات" إشارة إلى ألفاظ التشهد المذكور. وقوله: "كما يعلمنا السورة" أي كان يهتم بتعليمنا ألفاظ التشهد، كاهتمامه بتعليمنا القرآن، وفيه تعظيم شأن التشهد؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فينبغي الاهتمام بتعلمه وتعليمه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح (١)، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٨ - (أَخْبَرَنِا (٢) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ الرَّقِّيُّ (٣)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَارِثُ بْنُ عَطِيَّةَ، وَكَانَ مِنْ زُهَّادِ النَّاسِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ

стр. 8579

مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ (١) أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبد الرحمن بن خالد) بن يزيد القطان الواسطي، ثم الرقي، صدوق [١١] تقدم ٧/ ٧٥٣. ٢ - (حارث بن عطية) البصري، نزل المصِّيصَة، صدوق يهم [٩]. روى عن الأوزاعي، وهشام الدستوائي، وهشام بن حسان، وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن خالد القطان الرقي، وقال: كان من الزهاد، والحسن بن الربيع البُوراني، وإبراهيم بن الحسن المصيصي، وغيرهم. قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن سعد: يكنى أبا عبد الله، توفي سنة (١٩٩) وقال الدارقطني: من الثقات. وقال الساجي في "الضعفاء": قال أحمد بن حنبل: جلست إليه، فلم أكتب عنه، وقال: عنده عن الأوزاعي مسائل. انفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٦٨) وحديث رقم (٢٣٧٣). ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٠/، ٣٤ والباقون تقدموا. وقوله: "السلام على جبريل، السلام على ميكائيل". زاد في رواية البخاري "السلام على فلان وفلان"، وفي رواية عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عند ابن ماجه "يعنون الملائكة"، وللإِسماعيلي من رواية علي ابن مُسهر "فنعدّ الملائكة"، ومثله للسرّاج من رواية محمَّد بن فضيل، عن الأعمش بلفظ "فنعد من الملائكة ما شاء الله". قاله في "الفتح". قوله: "فقال رسول الله ﷺ الخ". وفي رواية للبخاري "فالتفت إلينا رسول الله ﷺ ، فقال. . ." قال في "الفتح": ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة، ونحوُهُ في رواية حُصين،

стр. 8580

عن أبي وائل، عند البخاري، بلفظ "فسمعه النبي ﷺ ، فقال: قولوا"، لكن بيّن حفص ابن غياث في روايته المحلّ الذي خاطبهم بذلك فيه، وأنه بعد الفراغ من الصلاة، ولفظه "فلما انصرف النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه"، وفي رواية عيسى بن يونس أيضا "فلما انصرف من الصلاة قال". انتهى بتصرف (١). قوله: "إن الله هو السلام". قال البيضاوي ﵀: ما حاصله: أنه ﷺ أنكر عليهم التسليم على الله، وبيَّنَ أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له، ومنه، وهو مالكها ومعطيها. وقال التوربشتي ﵀: وجه النهي عن السلام على الله لأنه المرجوع إليه بالمسائل المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يُدعَى له، وهو المدعوّ على الحالات. وقال الخطابي ﵀: المراد أن الله هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام على الله، فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو السلام من كل آفة وعيب. ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة من الآفات والمهالك. وقال النووي ﵀: معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني أنه السالم من النقائص، ويقال: المُسلِّمُ أولياءه، وقيل: المسلم عليهم. قال ابن الأنباري ﵀: أَمَرَهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة، وغناه عنها. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة "وحده لا شريك له" في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، زيادة شاذة مردودة، لاتفاق جميع الحفاظ على عدم الزيادة، وإنما هي في هذا الطريق، من رواية حارث بن عطية، وهو كما تقدم صدوق يهم، فتكون هذه الزيادة من أوهامه. وإنما تصح هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، كما سيأتي -١٩٢/ ١١٧٣ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٦٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ- (٣) عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ
следующие страницы →