← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

إليه رسول الله ﷺ أن يثبت على كونه إماما، فأقره ﷺ على ما فعل، فدل على أن هذه الأشياء مما لا يبطل الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ، وَيَؤُمَّهُمْ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، وَصَفَّحَ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ، لِيُؤْذِنُوهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَابَهُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِمْ، فَالْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ كَمَا أَنْتَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: مَا بَالُكُمْ صَفَّحْتُمْ؟، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَسَبِّحُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن عبد الله بن بَزِيعٍ) -بفتح الموحدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة- البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٣/ ٥٨٨. ٢ - (عبد الأعلي بن عبد الأعلى) السامي، أبو محمَّد البصري، ثقة [٨] تقدم ٢٠/ ٣٨٦. ٣ - (عُبَيد الله بن عمر) العمري المدني، تقدم في الباب الماضي. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة "عبد الله" مكبرا، وهو خطأ، والصواب "عبيد الله" مصغرا، كما في الهندية. فتبصر. ٤ - (أبو حازم) سلمة بن دينار التمار الأعرج الزاهد المدني، ثقة عابد [٥] تقدم ٤٠/ ٤٤. ٥ - (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبو العباس، الصحابي ابن الصحابي ﵄ تقدم. ٤٠/ ٧٣٤. والله تعالى أعلم. وقوله: "بني عمرو بن عوف" هم بطن كثير من الأوس، فيه عدة أحياء، وكانت منازلهم بقباء. وقوله: "فحضرت الصلاة": هي العصر، كما مرّ بيانه في ٧/ ٧٨٤. وقوله: "فجاء المؤذن": هو بلال ﵁. وقوله: "فصَفَّحَ الناسُ" من التصفيح بالحاء المهملة: وهو ضرب الكف على صفحة الكف الأخرى. وتقدم بالرقم المذكور "فأخذ الناس في التصفيق" -بالقاف-

стр. 8612

والتصفيق، والتصفيح بمعنى واحد. وقوله: "ليؤذنوه برسول الله ﷺ " من الإيذان، وهو الإعلام، أي ليُعْلِموه بحضوره ﷺ في الصف. وقوله: "فإذا هو الخ" "إذا" هذه تسمَّى الفجائية، لدلالتها على مفاجأة ما بعدها لما قبلها. وقوله: "فأومأ إليه الخ" معطوف على مقدر، أي فأخذ أبو بكر في التأخر، ليتقدم رسول الله ﷺ ، فأومأ إليه، أي أشار ﷺ إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وقوله: "أي كما أنت" الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لـ"كان" المحذوفة مع اسمها، أي كن كما أنت، والكاف بمعنى "على"، أي على الحال التي أنت عليها من كونك إماما، فـ"أي" تفسيرية لمعنى "أومأ". هذا هو الذي في نسخ النسائي "المجتبى" و"الكبرى" التي بين يديّ بـ"أي" التفسيرية، وفي "شرح السندي": "أن كما أنت"، وقال: فـ"أن" تفسيرية لما في الإيماء من معنى القول. انتهى. ولعله وجد نسخة أخرى، والله تعالى أعلم. وقوله: "فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله، وأثنى عليه" هذا موضع استدلال المصنف ﵀ على الترجمة، ووجهه أن أبا بكر ﵁ رفع يديه، وحمد الله، وأثنى عليه، فقرره النبي ﷺ على ذلك، فدلّ على جوازه. واستدل به على جواز رفع اليدين للدعاء في الصلاة. والله تعالى أعلم وقوله: "لقول رسول الله ﷺ " تنازعاه الأفعال الثلاثة قبله، فهو تعليل لرفع يديه، وحمده، وثنائه على الله تعالى. وقوله: "لابن أبي قحافة الخ" "أبو قحافة" هو والد أبي بكر الصديق ﵄، واسمه عثمان بن عامر، أسلم عام الفتح، ومات سنة (١٤ هـ). وإنما قال أبو بكر ﵁: "لابن أبي قحافة"، ولم يقل: لأبي بكر، تواضعا بين يدي رسول الله ﷺ . وقوله: "ما بالكم": أي ما شأنكم، وقوله: "إذا نابكم": أي أصابكم. والله تعالي أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم للمصنف -٧/ ٧٨٤ - أورده هناك مستدلًا على حكم ما إذا تقدم أحد الرعية، ثم حضر الوالي، هل يتأخر. وتقدم شرحه مستوفى هناك، وكذا بيان المسائل المتعلقة به، فمن أراد الاستفادة فليرجع إلى الرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8613

٥ - (بَابُ السَّلَامِ بِالأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على النهي عن الإشاره بالسلام في الصلاة. ١١٨٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ رَافِعُو أَيْدِينَا فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مَا بَالُهُمْ رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (عَبْثَر) بن القاسم الزُّبَيدي الكوفي، ثقة [٨] تقدم ١٩٠/ ١١٦٤. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الإمام الحجة الثبت [٥] تقدم ١٧/ ١٨. ٤ - (المسيَّب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، ثقة [٤] تقدم ٨١٦/ ٢٨. [فائدة]: "المُسَيَّبُ" بفتح الياء المشددة بصيغة اسم المفعول، قال الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح": كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى … أَبِي سَعِيدِ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى ٥ - (تميم بن طَرَفَةَ) المُسْلِيُّ، ثقة [٣] تقدم ٢٨/ ٨١٦. [تنبيه]: قوله: "المسلي" بضم الميم، وسكون المهملة: نسبة إلى مُسْلِيةَ قبيلة من مَذْحِج، ومحلة لهم بالكوفة. قاله في "لب اللباب" ج ٢ ص ٢٥٦. ٦ - (جابر بن سمرة) بن جُنَادة السُّوَائِي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، تقدم ٢٨/ ٨١٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبغلاني، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم.

стр. 8614

شرح الحديث (عن جابر بن سمرة) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن رافعوا أيدينا) جملة اسمية في محل نصب على الحال من الضمير المجرور، والرابط الواو والضمير، كما قال في "الخلاصة" بعد ذكر الجملة التي تربط بالواو: وَجملَةُ الْحَالِ سوَى مَا قُدِّمَا … بواو اوْ بمُضْمَرٍ أَوْ بِهمَا و"رافعوا" جمع مذكر مرفوع بالواو، ومضاف إلى "أيدينا"، ولذا سقطت نونه للإضافة، كما قال في "الخلاصة" أيضًا: نُونًا تَلِى الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِف كَطُورِ سِينَا (في الصلاة) متعلق بـ"رافعوا"، والمراد السلام في الصلاة، كما تبينه الرواية التالية "فنسلم بأيدينا"، ولذا عقّبه المصنف رحمه الله تعالى بها، فلا يكون دليلا للحنفية في دعواهم عدم مشروعية الرفع فيما عدا الإحرام. (فقال) ﷺ (ما بالهم) "ما" استفهامية، والاستفهام هنا إنكاري، و"البال": الحال، أي ما حالهم، وما شأنهم (رافعين) منصوب على الحال من الضمير المجرور (أيديهم) بالنصب مفعول "رافعين" (في الصلاة) متعلق بـ"رافعين" وفي الرواية التالية: "كنا نصلي خلف النبي ﷺ ، فنسلم بأيدينا، فقال: ما بال هؤلاء؟ يسلمون بأيديهم، كأنها أذناب خيل شُمْس، أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه، ثم يقول: السلام عليكم، السلام عليكم". (كأنها أذناب الخيل الشُّمْس) "الأذناب" جمع "ذَنَب". قال في "المصباح": وذنب الفرس، والطائر، وغيره جمعه أذناب، مثل سَبَب وأسباب، والذُّنَابى وزان الخُزَامَى لغة في الذنَب، ويقال: هو في الطائر أفصح من الذَّنَبِ. انتهى. و"الخيل" -بفتح، فسكون- جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائل، لأنه يختال، جمعه أَخْيَال، وخُيُول -بالضم، ويكسر. أفاده في "ق". و"الشُّمْس" -بضم، فسكون، أو بضمتين- جمع شَمُوس: وهي النَّفُور من الدواب، الذي لا يستقرّ لشَغَبِه، وحِدَّته، وأذنابها كثيرة الاضطراب. وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: والشّمِسُ -أي بكسر الميم- والشَّمُوسُ من الدوابّ الذي إذا نُخِسَ لم يستقرّ، وشَمَسَت الدّابة والفرس تَشْمُسُ شِمَاسًا -أي بالكسر-

стр. 8615

وشُمُوسًا -أي بضمتين- وهي شَمُوس: شَرَدَت، وجَمَحَت، ومَنَعَت ظهرها. انتهى (١). وقال النووي رحمه الله تعالى: "شُمس" هو بإسكان الميم وضمها، وهي التي لا تستقرّ، بل تضطرب، وتتحرك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهي عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صرح به في الرواية الثانية. انتهى (٢). (اسكنوا في الصلاة) فيه الأمر بالسكون في الصلاة، فيلزم منه النهي عن الحركة فيها، وهو محمول على الحركات الكثيرة، كما يدل عليه تشبيهه ﷺ باضطراب أذناب الخيل الشمس. ولا دليل فيه للحنفية القائلين بعدم مشروعية رفع اليدين في غير الإحرام، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درحته: حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٥/ ١١٨٤ - وفي "الكبرى" ٤١/ ١١٠٧ - عن قتيبة، عن عبثر، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عنه. وفي ١١٨٥ - و"الكبرى" -١١٠٨ - عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن مسعر، عن عُبَيد الله بن القبطية، عنه. وفي ٦٩/ ١٣٨١ - و"الكبرى" ١٠٣/ ١٢٤١ - عن عمرو بن علي (٣)، عن أبي نعيم، عن مسعر به. وفي ٧٢/ ١٣٢٦ - وفي "الكبرى" -١٠٦/ ١٢٤٩ - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن فُرَات القَزَّاز، عن عبيد الله بن القبطية به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٢/ ٢٩ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية-

стр. 8616

وإسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- كلاهما عن الأعمش به. و ٢/ ٢٩ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة- كلاهما عن مسعر به. وفي ٢/ ٣٠ عن القاسم بن زكريا، عن عبيد الله بن موسى به. (د) ٩١٢ - عن مسدد، عن أبي معاوية- وعثمان بن أبي شيبة، عن جرير- وفي ١٠٠٠ عن عبد الله بن محمَّد النُّفَيلي، عن زهير- ثلاثتهم عن الأعمش به. وفي ٩٩٨ - عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، ووكيع - وفي ٩٩٩ - عن محمَّد بن سليمان الأنباري، عن أبي نعيم- كلاهما عن مسعر به. وأخرجه (الحميدي) رقم ٨٩٦. و (أحمد) ٥/ ٩٣ و ١٠١ و ١٠٧ و ٨٦ و ٨٨ و ١٠٢ والبخاري في (جزء رفع اليدين) رقم٣٦. و (ابن خزيمة) رقم ٧٣٣ و ١٧٠٨. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو حكم الإشارة بالأيدي عند التسليم من الصلاة، وهو المنع. ومنها: الأمر بالسكون في الصلاة. ومنها: الإنكار على من أحدث في الصلاة شيئا لم يُشرع. ومنها: أن المشروع في جلوس التشهد وضع اليد على الفخذ إلى أن ينتهي من السلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: استدل الحنفية بهذا الحديث على عدم مشروعية رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام. ورُدَّ عليهم بأنه لا دليل لهم فيه، لأنه مختصر من الحديث التالي، ولفظ مسلم "كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لنا النبي ﷺ على م تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس؟، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه مَنْ عن يمينه، ومَن عن شماله". وفي رواية "إذا سلم أحدكم فليتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيديه". وقال ابن حبان: "ذكرُ الخبر المتقصي للقصة المتقدمة بأن القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت عند الركوع" ثم رواه كنحو رواية مسلم. قال الإمام البخاري ﵀: من احتج بحديثا جابر بن سمرة على منع الرفع عند

стр. 8617

الركوع، فليس له حظ من العلم، هذا مشهور لا خلاف فيه أنه إنما كان في حال التشهد. كذا في "التلخيص الحبير". وقال الزيلعي في "نصب الراية" بعد ذكر حديث جابر بن سمره المختصر المذكور: ما ملخصه: واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في "رفع اليدين"، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، فذكر حديثه المختصر، وقال: وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام، ففسره رواية عبيد الله بن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، وذكر حديثه الطويل المذكور، ثم قال البخاري، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضا منهيا عنه؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع، بل أطلق. انتهى. قال الزيلعي: ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر، كما في لفظ الحديث الأول: "اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر كما شاهده، وليس في ذلك بُعد انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله الزيلعي نظر، وعلى تقدير تسليمه نقول: إن النهي لا يتناول الرفع المشروع عند الركوع ونحوه، وإنما هو في الرفع الذي ليس مشروعا، بدليل أن الحنفية أنفسهم يستثنون من هذا النهي الرفع في تكبيرات العيدين بدعوى أنها ثبتت بالنص، فما أجابوا به هناك فهو جوابنا هنا من غير فرق. والحاصل أن الرفع عند الركوع وعند الرفع منه ونحو ذلك ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها، فيقدم خصوصها على عموم حديث جابر بن سمرة ﵄. ولذا قال السندي ﵀ عند قوله: "فنسلم بأيدينا الخ": ما نصه: وبهذه الرواية تبين أن الحديث مسوق للنهي عن رفع الأيدي عند السلام إشارةً إلى الجانبين، ولا دلالة فيه على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، ولذلك قال النووي: الاستدلال به على النهي عن الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه جهل قبيح. وقد يقال: العبرة بعموم اللفظ، ولفظ "ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة" إلى قوله: "اسكنوا في الصلاة" تمام، فصح بناء الاستدلال عليه، وخصوص المورد لا عبرة به، إلا أن يقال: ذلك إذا لم يعارضه عن العموم عارض، وإلا يحمل على خصوص المورد، وها هنا قد صح وثبت الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه ثبوتا لا مردّ له، فيجب حمل هذا اللفظ على

стр. 8618

خصوص المورد، توفيقا، ودفعا للتعارض. انتهى المقصود من كلام السندي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرره السندي رحمه الله تعالى أخيرا تقرير حسن جدًّا، وهو من إنصافه ﵀ للحق، وعدم تعصبه لمذهبه الحنفي كما تعصب، وتفلسف في هذا الموضع من أعماه التقليد عن اتباع الحق (٢) .. ومن العجب الغريب أنه إذا أورد عليهم تناقضهم في المسألة، وقيل لهم: إنكم تقولون: إن الرفع في تكبيرات العيدين مشروعة بالنص، فلا يتناولها هذا النهي، فهلا قلتم مثله في الرفع عند الركوع ونحوه: إنه ثابت بالنص، فلا يتناوله هذا النهي، فما الفرق بينهما؟ على أن أدلتهم في ثبوت الرفع في العيدين لا تصح عند أهل الحديث (٣)، وأدلة الرفع عند الركوع ونحوه صحيحة ثابتة بلا خلاف بين أهل الحديث، سكتوا، وانقطعوا عن الجواب، إن هذا لهو العجب العجاب!. اللَّهم أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، إنك تهدي من تشاء إلى سواء السبيل، وأنت حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٨٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنُسَلِّمُ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ يُسَلِّمُونَ بِأَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، أَمَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. ٣ - (مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ٨/ ٨. ٤ - (عبيد الله بن القبطية) الكوفي، ثقة [٤].

стр. 8619

روى عن جابر بن سمرة، وأم سلمة، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وغيرهم. وعنه مسعر، وفرات القزاز، وبحر بن كنيز السقّاء، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وحكى الدارقطني في "العلل" أنه كان يلقب المهاجر. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، له عندهم حديثان فقط، أحدهما في الزجر عن الإشارة بالسلام في الصلاة، وهو حديث الباب، والآخر عند مسلم وأبي داود في الخمس. ٥ - (جابر بن سَمُرة) رضي الله تعالى عنهما. المتقدم في السند الماضي. والله تعالى أعلم. وقوله: "فنسلم بأيدينا" أي نشير بأيدينا عند السلام. وقوله: "أحدهم" بالنصب مفعول "يكفي". وفاعله قوله: "أن يضع يده" في تأويل المصدر، أي وضعُ يده على فخذه. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦ - (بَابُ رَدِّ السَّلَامِ بِالإِشَارَةِ فِي الصَّلاةِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواز رد السلام بالإشارة باليد في حال الصلاة. ١١٨٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَابِلٍ صَاحِبِ الْعَبَاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ صُهَيْبٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ إِشَارَةً، وَلَا أَعْلَمُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: بِإِصْبَعِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري الإمام الفقيه الحافظ الحجة [٧]

стр. 8620

تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (بكير) بن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر، ثقة [٥] تقدم ١٣٥/ ٢١١. ٤ - (نابل صاحب العباء) والأكسية، والشِّمَال -بكسر المعجمة- الحجازي، صدوق (١) [٣]. روى عن أبي هريرة، وابن عمر. وعنه بكير بن الأشج، وصالح بن عبيد. قال النسائي: ليس بالمشهور، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال البرقاني: قلت للدارقطني: نابل صاحب العباء ثقة؟ فأشار بيده أن لا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وقال الذهبي: ثقة (٢) .. أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (ابن عمر) عبد الله ﵄ تقدم ١٢/ ١٢. ٦ - (صهيب) بن سنان، أبو يحيى، وقيل: أبو غَسّان النَّمَريّ المعروف بالرومي، أصله من النمر بن قاسط، سَبَتْه الرومُ، من نينوى، وزعم عمارة بن وثيمة أن اسمه عبد الملك. وقال ابن سعد: كان أبوه، أو عمه عاملا لكسرى على الأَيْلَة، فسبت الروم صهيبا، وهو غلام، فنشأ بينهم، فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التميمي منهم، فأعتقه، ويقال: بل هرب من الروم إلى مكة، فحالف عبد الله بن جدعان، وأسلم قديما، وهاجر، فأدرك النبي ﷺ بقباء، وشهد بدرا، والمشاهد بعدها. روى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعلي. وعنه بنوه: حبيب، وضمرة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد، وابن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم. قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة (٣٨) وقيل: بلغ (٧٣) سنة. وقال يعقوب بن سفيان: وهو ابن (٨٤) سنة، وصلى عليه سعد ابن أبي وقاص. وقال أبو زكرياء الموصلي: كان من المستضعفين بمكة، والمعذبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلا. وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. ولما مات عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأن يصلي بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على إمام. رواه البخاري في "تاريخه". أخرج له الجماعة،

стр. 8621

وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن صُهَيب صاحب رسول الله ﷺ ) بجرّ "صاحب" صفةً لـ"صهيب"، أنه (قال: مررت على رسول الله ﷺ ) أي اجْتَزْتُ عليهْ يقال: مررت بزيد، وعليه، مرًّا ومُرُورًا: اجتَزْتُ. قاله الفيومي (وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من "رسول الله"، والرابط الواو والضمير، أي حال كونه مصليا (فسلمت عليه) فيه جواز السلام على من يصلي (فرد عليّ إشارةً) بالنصب على أنه مفعول مطلق لـ"ردّ" على حذف مضاف، أي رد إشارة، ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال، لأن المصدر المنكر سمع حالا بكثرة، كما قال في "الخلاصة": وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حَالًا يَقَعْ … بِكَثرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ أي رد عليّ حال كونه مشيرا. وفيه أن رد السلام من المصلي يكون بالإشارة، لا بالكلام، فلو تكلم بطلت صلاته (ولا أعلمه) لم يتبين لي قائل "ولا أعلمه"، وصرح في "تحفة الأحوذي" بأنه نابل، وذكر صاحب "المنهل" أنه قتيبة، ولم يذكر كل منهما حجة لما قاله، فالله تعالى أعلم. (إلا أنه قال: بإصبعه) ولفظ أبي داود، والترمذي "إشارة بإصبعه". أي قال: فرد علي إشارة بإصبعه، يعني أنه ردّ السلام عليه بإصبعه، لا بالكلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث صهيب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٦/ ١١٨٦ - وفي "الكبرى" -٤٢/ ١١٠٩ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ٩٢٥ - عن يزيد بن خالد بن موهب، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن الليث

стр. 8622

ابن سعد به. (ت) ٣٦٧ - بسند المصنف. وأخرجه (أحمد) ٤/ ٣٣٢ (والدارمي) ١٣٦٨. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الإشارة برد السلام في الصلاة، وهو مذهب الجمهور، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز السلام على من يصلي. ومنها: أن المصلي لا يرد السلام بالقول، فلو رد عمدا بطلت صلاته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في حكم السلام على المصلي، وحكم رده السلام على من سلم عليه: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في السلام على المصلي: فكرهت طائفة ذلك، وممن كره ذلك عطاء بن أبي رباح، وأبو مِجْلَز، وعامر الشعبي، وإسحاق بن راهويه، وقال جابر بن عبد الله ﵄ لو دخلتُ على قوم، وهم يصلون ما سلمتُ عليهم. ورخصت طائفة في السلام على المصلي، وممن ثبت عنه أنه سلم على المصلي ابنُ عمر، وقال ابن القاسم: لم يكن مالك يكره السلام على المصلي، وحَكَى عنه ابنُ وهب أنه لم يكن يعجبه أن يسلم الرجل على المصلي، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به بأسا، وقال الأثرم: رأيت أبا عبد الله دخل مسجده، وليس فيه إلا مصل، فسلم. واختلف أهل العلم في رد المصلي السلام إذا سُلِّم عليه، فرخصت طائفة في ذلك، وممن كان لا يرى به بأسا سعيدُ بنُ المسيّب، والحسن البصري، وقتادة، وقال إسحاق: إن ردّ السلام متأوِّلا يرى أن ذلك جائز، فصلاته مجزية، وروينا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إذا سُلِّمَ عليك، وأنت في الصلاة فردّ. وعن جابر ﵁ قال: لو سلم عليّ، وأنا أصلي لرددت. وكرهت طائفة رَدَّ المصلي السلامَ، وممن كان لا يرى ذلك ابنُ عمر، وابنُ عباس، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق. وفيه قول ثالث: وهو أن يرده عليه إذا فرغ من صلاته، روي هذا القول عن أبي ذرّ، وعطاء، والنخعي، وقال النخعي، وسفيان الثوري: إذا انصرفت، فإن كان قريبا، فاردد عليه، وإلا فأتبعه السلام، وكره الأوزاعي المصافحة في الصلاة.

стр. 8623

وقد روينا عن النخعي قولا رابعا: وهو أن يردّ في نفسه، وقال النعمان: لا يردّ السلام، ولا أحب أن يشير. فاستحب خلافَ ما سنه رسول الله ﷺ لأمته؛ لأنه ﷺ سَنَّ للمصلي أن يرد السلام بإشارة، وقد سن النبي ﷺ الإشارة في الصلاة في غير موضع، من ذلك إشارته إلى الذين صلوا خلفه قياما أن اجلسوا، وأومأ إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف أن امضهْ. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث المذكورة تدل على أنه لا بأس أن يسلم غير المصلي على المصلي لتقريره ﷺ مَن سلم عليه على ذلك، وجواز تكليم المصلي بالغرض الذي يعرض لذلك، وجواز الردّ بالإشارة. وقد استدل القائلون بالاستحباب بالأحاديث المذكورة في هذا الباب، واستدل المانعون بحديث ابن مسعود ﵁: "كنا نسلم على النبي ﷺ ، وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: "إن في الصلاة لشغلا"، متفق عليه. ولكنه ينبغي أن يحمل الردّ المنفي ها هنا على الردّ بالكلام، لا الرد بالإشارة؛ لأن ابن مسعود نفسه قد رَوَى عن رسول الله ﷺ أنه ردّ عليه بالإشارة، ولو لم تَرِدْ عنه هذه الرواية لكان الواجب هو ذلك، جمعا بين الأحاديث. واستدلوا أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا غِرَار في صلاةٍ، ولا تسليمٍ". والغرار -بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الراء-: هو في الأصل النقص. قال أحمد بن حنبل ﵀: يعني -فيما أُرَى- أن لا تسلم، ولا يسلم عليك، ويُغَرِّرُ الرجلُ بصلاته، فينصرف، وهو فيها شاكّ. واستدلوا أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تُفْهَم عنه، فليُعدْ لها". يعني الصلاة. ورواه البزار، والدارقطني. ويجاب عن الحديث الأول بأنه لا يدل على المطلوب من عدم جواز ردّ السلام بالإشارة؛ لأنه ظاهر في التسليم على المصلي، لا في الردّ منه، ولو سلم شموله للإشارة لكان غايته المنع من التسليم على المصلي باللفظ والإشارة، وليس فيه تعرّض للرّدّ، ولو سلم شموله للردّ لكان الواجب حمل ذلك على الردّ باللفظ، جمعا بين الأحاديث.

стр. 8624

وأما الحديث الثاني، فقال أبو داود: إنه وَهَم اهـ. وفي إسناده أبو غطفان، قال ابن أبي داود: هو رجل مجهول، قال: وآخر الحديث زيادة، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يشير في الصلاة. قال العراقي: قلت: وليس بمجهول، فقد روى عنه جماعة، ووثقه النسائي، وابن حبّان، وهو أبو غطفان المرّي، قيل: اسمه سعيد. انتهى. وفيه محمَّد بن إسحاق، فقد عنعنه، وهو مدلس، فالحديث ضعيف. وعلى فرض صحته ينبغي أن تحمل الإشارة المذكورة في الحديث على الإشارة لغير ردّ السلام والحاجة، جمعًا بين الأدلة. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما تقدم أن المذهب الراجح هو القول بجواز السلام على المصلي، وجواز رده السلام بالإشارة، لا بالكلام، فلو رد بالكلام بطلت صلاته، وبهذا تجمع الأدله من دون تعارض. وأما الذين قالوا بجواز الرد باللفظ في الصلاة فيعتذر عنهم بأنهم لم يبلغهم نسخ جواز الكلام في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَسْجِدَ قُبَاءَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالٌ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ صُهَيْبًا، وَكَانَ مَعَهُ، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ، إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ، قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ (٢)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمَّد بن منصور المكي) الجَوَّاز، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني ثقة عالم [٣] تقدم ٦٤/ ٨٠. ٤ - (ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٧٥) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم

стр. 8625

ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وأن شيخه، وسفيان مكيان، والباقيان مدنيان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن زيد بن أسلم) أنه (قال: قال ابن عمر) ﵄ (دخل النبي ﷺ مسجد قباء) بالمد، والقصر، وبالتنوين، وعدمه، أربع لغات (ليصلي فيه، فدخل عليه رجال، يسلمون عليه) جملة في محل جرّ صفة لـ"رجال". وفي رواية ابن ماجه: "فجاءت رجال من الأنصار يسلمون عليه". قال ابن عمر ﵄ (فسألت صهيبا) ﵁ (وكان معه) جملة معترضة بين العامل ومعموله، أتى به تعليلا لسؤاله إياه، فكأنه قال: إنما سألته لكونه كان معه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قلت: يعارض هذا ما وقع في رواية أبي داود من أن الذي سأله ابن عمر هو بلال، ولفظه من طريق جعفر بن عون، عن هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم. . .". قلت: لا تنافي بين الروايتين، لاحتمال أن يكون ابن عمر سأل كلّا من صُهيب، وبلال ﵄ للتأكد. ولذا قال الترمذي ﵀ في "جامعه" بعد أن أخرج حديث صهيب: ما نصّه: وحديث صهيب حسن، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن بُكير، وقد روي عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: قلت لبلال: "كيف كان النبي ﷺ يرد عليهم حيث كانوا يسلمون عليه في مسجد بني عمرو بن عوف؟ قال: كان يرد عليهم إشارة". وكلا الحديثين عندي صحيح، لأن قصة حديث صهيب غير قصة حديث بلال، وإن كان ابن عمر روى عنهما، فاحتمل أن يكون سمع منهما جميعا. انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (١) .. (كيف كان النبي ﷺ يصنع) "كيف" استفهامية مفعول مطلق لـ"يصنع"، أي أَيَّ صنع يصنع، والجملة مفعول "سأل" مُعَلَّق عنها العامل. وفي رواية ابن ماجه: "كيف كان رسول الله ﷺ يرد عليهم؟ " (إذا سُلم عليه) ببناء الفعل للمفعول، والظرف متعلق بـ"يصنع" (قال) أي صُهَيب (كان) ﷺ (يشير بيده) وأشار في "الهندية" إلى أنه وقع في بعض النسخ "بيديه" بالتثنية، والظاهر أن هذه النسخة غير صحيحة؛ لأن الثابت أنه ﷺ كان يشير بيد واحدة، لا باليدين، كما يدل عليه أحاديث الباب وغيرها. والله تعالى أعلم.

стр. 8626

[تنبيه]: لم يقع في هذه الرواية كيفية الرد بالإشارة، ووقع في رواية أبي داود المذكورة، ولفظه: قال: "يقول: هكذا، وبسط كله، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق". ففيه أن الإشارة تكون بجعل ظهر الكف إلى فوقُ وبطنها إلى أسفل. وقد تقدم في حديث صُهيب ﵁ أنه أشار بإصبعه، وعند البيهقي ج ٢ ص ٢٦٠ - من حديث ابن مسعود ﵁، أنه ﷺ أومأ برأسه. ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه يحمل على أنه ﷺ فعل ذلك كله لبيان الجواز، فلا حرج على من فعل أيَّ إشارة منها (١). والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: وقع في رواية الحميدي رقم ١٤٨ - وأحمد ج ٢ ص ١٠ - من رواية سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم: ما نصه: قال سفيان: قلت لرجل: سل زيدا أسمعته من عبد الله، وهبت أن أسأله، فقال: يا أبا أسامة: سمعته من عبد الله بن عمر؟، قال: أمّا أنا فقد رأيته، فكلمته. انتهى. ولفظ الحميدى: "فقال: أما أنا، فقد كلمته، وكلمني، ولم يقل: سمعته". لكن وقع التصريح بسماعه عند ابن خزيمة جـ ٢ ص ٤٩ - من رواية عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، ولفظه: نا عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان، نا زيد بن أسلم، قال: سمعت عبد الله بن عمر (ح) وثنا علي بن خشرم، وأبو عمار، قال أبو عمار: ثنا سفيان، وقال علي: أخبرنا ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، قال: قال ابن عمر: "دخل رسول الله ﷺ مسجد قباء، ودخل عليه رجال من الأنصار، يسلمون عليه، فسألت صهيبا، كيف كان يصنع النبي ﷺ إذا كان يسلم عليه، وهو يصلي؟ قال: كان يشير بيده". قال أبو بكر: هذا حديث أبي عمار، وزاد عبد الجبار، قال سفيان، قلت لزيد: سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا تنافي بين القصتين، لإمكان الجمع بينهما يكون سفيان أوّلًا هاب أن يسأل زيدا، فأمر رجلًا أن يسأل له، فسأله؟ فأجابه بما ليس صريحا في السماع، ثم سأله ابن عيينة بنفسه ليتبين السماع، فأجابه بسماعه صريحا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 8627

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث صهيب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٦/ ١١٨٧ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ١١١٠ عن محمَّد بن منصور المكي، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر ﵁، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ق) ١٠١٧ - عن علي بن محمَّد الطنافسي، عن ابن عيينة به. وأخرجه (الحميدي) ١٤٨ - و (أحمد) ٢/ ١٠ (والدارمي) ١٣٦٩ و (ابن خزيمة) ٨٨٨، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ -يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَرَدَّ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمَّد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧. ٢ - (وهب بن جرير) بن حازم الأزدي، أبو عبد الله البصري، ثقة [٩] تقدم ١٩٦/ ١١٧٨. ٣ - (جرير بن حازم) بن زيد الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، إلا في قتادة، وله أوهام إذا حدث من حفظه [٦] تقدم ١٧٢/ ١١٤١. ٤ - (قيس بن سعد) المكي، ثقة [٦] تقدم ١١٥/ ١٠٦٦. ٥ - (عطاء) بن أبي رباح الإمام الحجة الثبت المكي [٣] تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (محمَّد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية المدني، ثقة عالم [٢] تقدم ١١٢/ ١٥٧. ٧ - (عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك العَنسي، أبو اليقظان الصحابي الشهير ﵁، تقدم ١٩٥/ ٣١٢. والله تعالى أعلم. وقوله: "وهو يصلي" جملة في محل نصب على الحال من "رسول الله". وقوله: "فرد عليه" الظاهر أنه ردّ عليه بالإشارة، وهو الذي يدل عليه صنيع المصنف ﵀، حيث أورده تحت ترجمة "باب رد السلام بالإشارة في الصلاة"، ويحتمل أن يكون ردّ عليه بالكلام، وذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة، كما يأتي في حديث ابن

стр. 8628

مسعود ﵁ ٢٠/ ١٢٢١ - قال: كنا نسلم على النبي ﷺ ، فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض الحبشة، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قرُبَ، وما بَعُدَ، فجلست حتى إذا قضى صلاته قال: "إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّم في الصلاة". والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمار رضي الله تعالى عنه هذا صحيح (١)، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٦/ ١١٨٨ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ١١١١ - بالسند المذكور، وأخرجه أحمد ٤/ ٢٦٣ قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو الزبير، عن محمَّد بن علي، به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٨٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: "إِنَّكَ سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا، وَأَنَا أُصَلِّي"،. وَإِنَّمَا هُوَ مُوَجَّهٌ يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمَشْرِقِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد تقدم أول الباب. ٢ - (الليث) بن سعد تقدم أول الباب أيضا. ٣ - (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق يدلس [٤] تقدم ٣١/ ٣٥. ٤ - (جابر) بن عبد الله بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي ﵂، تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٧٦) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وفيه جابر بن عبد الله ﵄ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة) أي لقضائها. وفي رواية لمسلم من طريق زهير، عن أبي الزبير: "قال: أرسلني

стр. 8629

رسول الله ﷺ ، وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته، وهو يصلي. . ." ولأبي داود: "أرسلني رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق. . .". وفي رواية البخاري: قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثم رجعت، وقد قضيتها، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله ﷺ وجد عليّ أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي أشدّ من المرّة الأولى، ثم سلمت عليه، فردّ علي، فقال: "إنما منعني أن أردّ عليك أني كنت أصلي". وكان على راحلته، متوجها إلى غير القبلة. (ثم أدركته، وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من المفعول. زاد في رواية مسلم، وأبي داود "على بعيره" (فسلمت عليه) فيه جواز السلام على المصلي، وقد تقدم بيان الخلاف فيه في الكلام على حديث صهيب ﵁ .. (فأشار إليّ) أي أشار برد السلام عليّ. وفي الرواية التالية "فأشار بيده إليّ. وفي رواية مسلم "فكلمته، فقال بيده هكذا، وأومأ زهير بيده، ثم كلمته، فقال لي هكذا، فأومأ زهير أيضا بيده له نحو الأرض، وأنا سمعته يقرأ، يومئ برأسه. . ." وفيه جواز رد السلام بالإشارة، وهو محل الترجمة، وقد تقدم الكلام عليه في حديث صهيب ﵁ أيضًا. (فلما فرغ) أي انتهى من صلاته، وسلم (دعاني) وفي الرواية التالية "فانصرفت، فناداني يا جابر، فناداني الناس يا جابر، فأتيته" (فقال: إنك سلمت عليّ آنفا) أي الآن. قال في "اللسان": قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ الآية [سورة محمد: ١٦] أي ما قال الساعة في أول وقت يقرُب منّا، ومعنى "آنفا" من قولك: استأنف الشيءَ: إذا ابتدأه. انتهى. (وأنا أصلي) جملة حالية من الضمير المجرور، يعني أنه إنما لم يردّ عليه سلامه لكونه مشغولا بالصلاة. وفي الرواية التالية: فقلت: يا رسول الله سلمت عليك، فلم تردّ عليّ؟ قال: "إني كنت أصلي". وفي رواية لمسلم: فلما فرغ قال: "ماذا فعلتَ في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي". ففيه أن ردّ السلام بالقول يعتبر كلاما، فلو رد عالمًا متعمدا بطلت صلاته. وفيه استحباب الاعتذار لمن سلم في الصلاة، وإن رد عليه بالإشارة، لاحتمال عدم علمه بذلك، فيتغير خاطره بعدم الردّ عليه. والله أعلم.

стр. 8630

(وهو موجه يومئذ إلى المشرق) بصيغة اسم الفاعل، أي متو جه إلى جهة طلوع الشمس، يقال: وَجَّهتُ إليه توجيها: بمعنى توجهت. أفاده في "القاموس". ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول، بمعنى أن الله تعالى وجهه، أي أمره بأن يصلي إلى تلك الجهة. وإنما توجه نحو المشرق لكون بني المصطلق الذين يريد غزوهم كانوا جهة الشرق لأهل المدينة. والمقصود منه أنه ﷺ لم يكن في صلاته تلك متوجها إلى الكعبة، وذلك لأن تلك الصلاة نافلة، ففي حديث جابر ﵁ عند البخاري: فكان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل، فاستقبل القبلة". وفيه جواز النافلة على الدابة إلى أيّ جهة توجهت به دابته، وهو مجمع عليه. كما قاله النووي ﵀ (١). وأما الفريضة فلا تصح إلا على الأرض متوجها إلى القبلة، وقد تقدم بيان ذلك في "كتاب القبلة" مستوفًى بحمد الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٦/ ١١٨٩ - وفي "الكبرى"-٤٢/ ١١١٢ - عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه. وفي ١١٩٠ - و"الكبرى"-١١١٣ - عن محمَّد بن هاشم البَعْلَبَكيّ، عن محمَّد بن شعيب بن شابور، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير به. زاد في "الكبرى": "قال أبو عبد الرحمن: زعموا أنه ليس هذا الحديث بمصر من حديث عمرو بن الحارث." انتهى. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٨٣ - عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن كَثِير بن شِنْظِير، عن عطاء ابن أبي رباح، عنه. (م) ٢/ ٧١ عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير به. و ٢/ ٧١ عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث به. و ٢/ ٧٢ عن أبي كامل الجحدري، عن حماد بن زيد- وعن محمَّد بن حاتم، عن معلي بن منصور، عن عبد

стр. 8631

الوارث بن سعيد- كلاهما عن كثير بن شِنظِير به. (د) ٩٢٦ - عن عبد الله بن محمَّد النفيلي، عن زهير به. و ١٢٢٧ - عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير به. (ت) ٣٥١ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، ويحيى بن آدم، كلاهما عن الثوري به. (ق) ١٠١٨ - عن محمَّد بن رُمْح المصري، عن الليث به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٢٩٦ و ٣٨٠ و ٣١٢ و ٢٣٨ و ٣٣٢ و ٣٧٩ و ٣٨٨ و ٣٣٤ و ٣٥١ و ٣٦٣ و ٣٥٠ و ٣٨٨. (وعبد بن حميد) رقم ١٠٠٧ (وابن خزيمة) ١٢٧٠ و ٨٨٩. والله تعالى أعلم. وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث صهيب رضي الله تعالى عنه في أول الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَعْلَبَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ يَسِيرُ مُشَرِّقًا، أَوْ مُغَرِّبًا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَانْصَرَفْتُ، فَنَادَانِي يَا جَابِرُ، فَنَادَانِي النَّاسُ يَا جَابِرُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَيْكَ، فَلَمْ تَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمَّد بن هاشم) بن سعيد القرشي البعلبكي، صدوق، من صغار [١٠] من أفراد المصنف تقدم ٣/ ٤٥٤. ٢ - (محمَّد بن شعيب بن شابور) -بالمعجمة، والموحدة- الأموي مولاهم، أبو عبد الله الدمشقي نزيل بيروت، أحد الكبار، صدوق صحيح الكتاب، من كبار [٩]. روى عن الأوزاعي، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، والوليد بن مسلم، ومحمد بن هاشم البعلبكي، وغيرهم قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسا، وما علمت إلا خيرا. وقال عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: نحوه، وزاد: كان رجلا عاقلا. وقال هشام بن مرثد: سمعت ابن معين يقول: كان مرجئا، وليس به في الحديث بأس. وقال إسحاق بن راهويه: روى

стр. 8632

ابن المبارك، عن محمَّد بن شعيب بن شابور، فقال: أنا الثقة من أهل العلم محمَّد بن شعيب، وكان يسكن بيروت. وقال ابن عمار، ودُحَيم: ثقة، زاد دحيم: والوليد كان أحفظ منه، وكان محمَّد إذا حدّث بالشيء من كتبه كان حديثًا صحيحًا. وقال أبو حاتم: هو أثبت من محمَّد بن حرب، ومحمد بن حمير، وبقيّةَ. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: محمَّد بن شعيب في الأوزاعيّ ثبت. وقال ابن عديّ: "الثقات من أهل الشام"، فعدّه فيهم. وقال العجليّ: شاميّ ثقة. وقال الذهبي في "الميزان": ما علمت به بأسًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ولد سنة (١١٦) ومات سنة (٢٠٠)، وكذا قال ابن أبي عاصم، عن دحيم في سنة وفاته. وقال الحسن بن محمَّد بن بكّار: مات سنة (٦) أو (٩٧) وقال هشام بن عمار: مات سنة (٩٨) وقال محمَّد بن مصفّى: مات سنة (١٩٩). أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث. ٣ - (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩. والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي. وبالله تعالى التوفيق. قوله: "مشرّقا" اسم فاعل من التشريق، أي متوجها إلى جهة الشرق، وقوله: "أو مغرّبا". و"أو" للشك من بعض الرواة. والروايات الصحيحة على معنى التشريق، كما تقدم بيانها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧ - (النَّهْيُ عَنْ مَسْحِ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن مسح المصلي الحصى، وهو في الصلاة. ١١٩١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ").

стр. 8633

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة بن سعيد) تقدم قريبا. ٢ - (الحسين بن حُرَيث) الخُزَاعي مولاهم، أبو عمّار المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/ ٥٢. ٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الثبت تقدم ١/ ١. ٥ - (أبو الأحوص) مولى بني ليث، أو غفار، إمام مسجد بني ليث، مقبول [٣] لم يرو عنه غير الزهري. روى عن أبي ذرّ، وأبي هريرة، وأبي أيوب. وعنه الزهري وحده. قال النسائي: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ابن شهاب. وقال الدُّوري، عن ابن معين: ليس بشيء. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عيينة: لما روى الزهري هذا الحديث -يعني حديث مسح الحصى- قال له سعد بن إبراهيم: مَنْ أبو الأحوص؟ كالْمُغضَب حين حدث عن رجل مجهول، فقال له الزهري: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي والذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه. وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري: سمعت أبا الأحوص مولى لبني ليث في مجلس ابن المسيب. قال ابن عبد البرّ: قد تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أُكَيمة؟ وقيل له: إنه لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني ابن أُكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص. وأخرج حديثه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما". وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. أخرج له الأربعة، ليس له عندهم إلا حديثان، حديث الباب، وحديث أبي ذرّ ﵁ الآتي في -١٠/ ١١٩٥ - "لا يزال الله مقبلا على العبد. . .". وأخرجه أبو داود رقم ٩٠٩. والله تعالى أعلم. ٦ - (أبو ذرّ) جندب بن جُنَادة الغفاري الصحابي ﵁، تقدم ٢٠٣/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير أبي الأحوص فقد تقدم الكلام عليه. (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له". يعني أن لفظ الحديث الآتي للحسين بن

стр. 8634

حُرَيث، وأما قتيبة، فرواه بالمعنى، وتقدم بيان هذا غير مرة. ومنها: أنه يقدر قبل قوله: "عن سفيان" لفظ "كلاهما"، أي أن كلا من قتيبة، والحسين روياه عن سفيان بن عيينة، كما تقدم بيانه غير مرة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي ذر) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم في الصلاة) أي إذا دخل فيها، فلا يمنع مسح الحصى قبل الدخول فيها، ويحتمل أن المراد قبل الدخول حتى لا يشتغل عند إرادة الصلاة إلا بالدخول فيها، قال العراقي ﵀: والأول أظهر، ويرجحه حديث معيقيب ﵁، فإنه سأل عن مسح الحصى في الصلاة دون مسحه عند القيام، كما في رواية الترمذي. قاله الشوكاني رحمه الله تعالى (١). (فلا يمسح الحصى) "لا" ناهية، ولذا جزم الفعل بعدها، ولكنه يكسر في مثل هذا لالتقاء الساكنين. و"الحصى" مقصورا: في الحجارة الصغار، والتقييد بالحصى خرج مخرج الغالب، لكونه كان الغالب على فُرُش مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين التراب والرمل على قول الجمهور. ويدل على ذلك قوله في حديث مُعَيقيب ﵁ عند البخاري وغيره في الرجل يسوّي التراب وقال في "الفتح": التقييد بالحصى، وبالتراب خرج للغالب، لكونه كان الموجودَ في فُرُش المساجد إذ ذاك، فلا يدلّ تعليق الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلَّى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك. انتهى (٢). وقال الخطابي ﵀ في "المعالم": يريد بمسح الحصى تسويته ليسجد عليه، وكان كثير من العلماء يكرهون ذلك، وكان مالك بن أنس لا يرى به بأسا، ويسوى في صلاته غير مرّة. انتهى. (فإن الرحمة تواجهه) أي تنزل عليه، وتقبل إليه. وهذا التعليل يدلّ على أن الحكمة في النهي عن المسح أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه منها. وقد رُوي أن حكمة ذلك أن لا يغطي شيئا من الحصى بمسحه، فيفوته السجود

стр. 8635

عليه. رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" عن أبي صالح، قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن يسجد عليها (١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا حسن. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قيل: كيف يحسن حديثه، وفيه أبو الأحوص، وهو متكلم فيه؟. قلت: نعم هو متكلم فيه، لكن القلب يميل إلى توثيقه، فقد قال الذهبي في "الميزان" جـ ٤ ص ٤٨٧: وثقه بعض الكبار. وقال أيضا: قيل: وثقه الزهري. انتهى. وذكره الذهبي أيضا في "جزء من تكلم فيه، وهو موثق". وذكره ابن حبان في "الثقات". ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم ٩/ ٣٣٥ جرحا ولا تعديلا. وقد تقدم قول ابن شهاب لما أنكر عليه سعد بن إبراهيم روايته عنه: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار المدني، كان يصلي في الروضة الذي، والذي، يصفه له. فمن عرفه ابن شهاب هذه المعرفة، ورد على إنكار سعد بن إبراهيم روايته عنه بمثل هذا الردّ لا يكون مجهول، ولذا لما ضعفه ابن معين، اعترضه ابن عبد البرّ، فقال: "تناقض ابن معين في هذا، فإنه سئل عن ابن أكيمة؟ وقيل له: لم يرو عنه غير ابن شهاب، فقال: يكفيه قوله ابن شهاب: حدثني ابن أكيمة، فيلزمه مثل هذا في أبي الأحوص. انتهى. وحسن حديثه هذا الترمذيُّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وهو ظاهر صنيع المصنف حيث قال في الترجمة التالية "باب الرخصة فيه مرة"، فإنه يقتضي أن حديث الباب الأول يصلح للاحتجاج به على النهي عن مسح الحصى. والحاصل أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٧/ ١١٩١ - وفي "الكبرى" -٤٣/ ١١١٤ - عن قتيبة، والحسين بن حريث، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عنه. والله تعالى أعلم.

стр. 8636

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ٩٤٥ عن مسدد، عن ابن عيينة به. (ت) ٣٧٩ - عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن ابن عيينة به. (ق) ١٠٢٧ - عن هشام بن عمار، ومحمد ابن الصباح، كلاهما عن ابن عيينة به. وأخرجه (الحميدي) رقم ١٢٨ (وأحمد) ٥/ ١٤٩ و ١٥٠ و ١٦٣ و ١٧٩ (والدارمي) رقم ١٣٩٥ (وابن خزيمة) ٩١٣ و ٩١٤. (وابن أبي شيبة) ٢/ ٤١٠ - ٤١١ (والبغوي) ٦٦٢ (والبيهقي) ٢/ ٢٨٤. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو النهي عن مسح الحصى في الصلاة، فلا ينبغي مسح الحصى في الصلاة، إلا مرة واحدة، كما يدل عليه حديث الباب الآتي. ومنها: أن المصلي إذا دخل في الصلاة واجهته الرحمة، فلا ينبغي أن يتشاغل عن صلاته بما يلهيه، كمسح الحصى ونحوه، لئلا تنقطع الرحمة المواجهة له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم مسح الحصى ونحوه في الصلاة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في مس الحصى في الصلاة، فرخصت فيه طائفة، كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يصلي، فيمسح الحصى برجله، وروي عن ابن مسعود أنه كان يسوّي الحصى بيده مرّة واحدة إذا أراد أن يسجد. وكان مالك يفعل ذلك أكثر من مرّة واحدة في صلاة واحدة، قال: وكان لا يرى بالشيء الخفيف منه بأسا عند العذر، وممن كان لا يرى بمسه بأسا مرة واحدة أبو هريرة، وأبو ذرّ. وكرهت طائفة مسح الحصى في الصلاة، روي عن ابن عمر، وعلي، وابن عباس ﵃. وكره ذلك الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: فإن كان الحصى لا يمكنه من السجود، فإن سوّاه مرّة واحدة، فلا بأس بذلك، وتركه أحب إلينا. قال ابن المنذر ﵀: ما أحب مسح الحصى في الصلاة لحديث أبي ذرّ ﵁، ولا يخرج عندي إن مسح الحصى مرة، لحديث معيقيب ﵁. وأحب أن يمسح الحصى لموضع سجوده قبل أن يدخل في الصلاة، كان عثمان بن

стр. 8637

عفان، وابن عمر ﵃ يفعلان ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى ملخصا (١). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والأحاديث المذكورة في الباب تدلّ على كراهة المسح على الحصى، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة عمر بن الخطّاب، وجابر، ومن التابعين مسروق، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وجمهور العلماء بعدهم. وحكى النووي في "شرح مسلم" اتفاق العلماء على كراهته، وفي حكايته الاتفاق نظر، فإن مالكا لم ير به بأسا، وكان يفعله في الصلاة، كما حكاه الخطابي في "المعالم"، وابن العربي. وقال العراقي في شرح الترمذي: وكان ابن مسعود، وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وعن ابن مسعود أيضا أنه كان يفعله في الصلاة مرة واحدة. قال: وممن رخص فيه في الصلاة مرة واحدة أبو ذر، وأبو هريرة، وحذيفة، ومن التابعين إبراهيم النخعي، وأبو صالح. وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرّة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن مسح الحصى ونحوه في الصلاة لا يجوز، لحديث الباب، لأن النهي للتحريم، إلامرّة واحدة، لحديث مُعيقيب الآتي في الباب التالي. لكن إن تضرر به يجوز له أن يمسح، ولو أكثر من مرة، لقول الله جلّ ذكره: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِيهِ مَرَّةً) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الرخصة في جواز مسح الحصى في الصلاة مرّة واحدة.

стр. 8638

١١٩٢ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ (١)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً، فَمَرَّةً"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦. ٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي ثقة ثبت يدلس [٥] تقدم ٢٣/ ٢٤. ٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٦ - (مُعَيقيب) بن أبي فاطمة الدَّوْسي، حليف بني عبد شمس، أسلم قديما بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وكان على خاتم النبي ﷺ ، واستعمله أبو بكر، وعمر على بيت المال. روى عن النبي ﷺ . وعنه ابنه محمَّد، وابن ابنه إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام، فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل، فتوقف، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة علي سنة (٤٠) ف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا (١١٩٢) وحديث (٥٢٠٧). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، والترمذي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. (ومنها): أن صحابيه ليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب، وآخر عند المصنف ج ٨/ ص، ١٧٥ وأبي داود رقم ٤٢٢٤ - من رواية إياس ابن الحارث بن المعيقيب، عن

стр. 8639

جده معيقيب، "أنه قال: كان خاتم النبي ﷺ حديدا مَلْويّا عليه فضة، قال: وربما كان في يدي، فكان معيقيب على خاتم رسول الله ﷺ ". والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه (قال: حدثني مُعيقيب) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إن كنت لا بُدَّ فاعلا، فمرةً). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث مختصر من أوله، ولفظه عند الشيخين: أن النبي ﷺ قال في الرجل يُسوّي التراب حيث يسجد، قال: "إن كنت فاعلا فواحدة". وفي رواية لمسلم: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد -يعني الحصى- قال: "إن كنت لابدّ فاعلا، فواحدة". وفي لفظ: أنهم سألوا النبي ﷺ عن المسح في الصلاة، فقال: "واحدة". فقوله: "لابد" "لا" هي النافية للجنس، و"بُدّ" -بضم الموحدة، وتشديد الدال المهملة- اسمها في محل تصب مبني على الفتح، لتركبه معها تركيبَ خمسة عشر. قال في "اللسان": "ولابُدّ منه": أي لا مَحَالَة، وليس لهذا الأمر بُدّ: أي لا مَحَالَة، و"البُدّ": الفراق، تقول: لا بُدّ اليومَ من قضاء حاجتي، أي لا فراق منه. انتهى (١). والجملة معترضة بين "كان" وخبرها. وقوله: "فمرة" الفاء رابطة لجواب الشرط، و"مرة" بالنصب، أي فافعل مرّة، ولا تزد عليها لإصلاح محل السجود. ولفظ البخاري "فواحدة" بالنصب على إضمار فعل، أي فامسح واحدة، أو على النعت لمصدر محذوف، ويجوز الرفع على إضمار الخبر، أي فواحدةٌ تكفي، أو إضمار المبتدإ، أي فالمشروع واحدةٌ. قاله في "الفتح". وقال النووي ﵀: معناه: لا تفعل، وإن فعلت فافعل واحدة لا تزد. انتهى (٢) .. وقوله: "في الرجل" أي حكم الرجل، وذُكر للغالب، وإلا فالحكم جار في جميع المكلفين. وحكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة، قال الحافظ: وفيه نظر، فقد حكى الخطابي في "المعالم" عن مالك أنه لم ير به بأسا، وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر.

стр. 8640

وأفرط بعض أهل الظاهر، فقال: إنه حرام إذا زاد على واحدة، لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى، أو لا، مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع. والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة، لكن حديث أبي ذرّ ﵁ المتقدم يدلّ على أن العلة فيه أن يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلا. وروى ابن أبي شيبة عن أبي صالح السمان، قال: "إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن كل حصاة تحب أن تسجد عليها"، فهذا تعليل آخر. والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في دعواه الإفراط فيما قاله بعض أهل الظاهر إفراط لا يخفى، فإن من كان معه ظاهر النص كيف يوسم بالإفراط، دون بينة وأضحة؟، ومن الواضح أنه ليس هناك صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه، وأنه لم يفرق بين المتوالي وغيره، فما هي الحجة الملزمة لذلك؟ والحاصل أن ما قاله هو الظاهر فلا ينبغي العدول عنه دون دليل صارف، فتبصر، ولا تتحير، والله تعالى يتولى هداك. وقوله: "حيث يسجد" أي مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟ لا يبعد ذلك. وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال: "ما أحب أن لي حُمْر النَّعَم، وأني مسحت مكان جبيني من الحصى". وقال القاضي عياض: كره السلف مسح الجبهة في الصلاة قبل الانصراف. قاله في "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث معيقيب رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨/ ١١٩٢ - وفي "الكبرى" -٤٤/ ١١٥ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٨٠ عن أبي نعيم، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير به.

стр. 8641

(م) ٢/ ٧٥ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى، عن شيبان به. و ٢/ ٧٤ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- و ٢/ ٧٥ - عن محمَّد بن المثنى، عن يحيى ابن سعيد،- ح وعن عبيد الله بن عمر القواريري، عن خالد بن الحارث- ثلاثتهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به. (د) ٩٤٦ - عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام به. (ت) ٣٨٠ - عن الحُسين بن الحُرَيث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به. (ق) ١٠٢٦ - عن محمَّد بن الصباح، وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٢٦ و ٥/ ٤٢٥. (والدارمي) رقم ١٣٩٤ (وابن خزيمة) ٨٩٥ و ٨٩٦. والله تعالى أعلم. والأحكام المتعلقة به قد تقدم الكلام عليها في الباب السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩ - (النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الَسَّماَءِ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على النهي عن رفع المصلي بصره إلى السماء، وهو في الصلاة. ١١٩٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ، يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ ". فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: "لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قدامة السرخسي نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [١٠] تقدم ١٥/ ١٥. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة "عبد الله بن سعيد" مكبرا، وهو تصحيف،

стр. 8642

والصواب "عبيد الله" مصغرا، كما في "الهندية". فتنبه. ٢ - (شعيب بن يوسف) النسائي، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٩. ٣ - (يحيى بن سعيد القطان) البصري الإمام الحافظ الحجة الثبت [٩] تقدم ٤/ ٤. [تنبيه]: هكذا في "النسخة الهندية"، والذي في المطبوعة "يحيى -وهو ابن سعيد القطان-"، وأشار في "الهندية "إلى أن لفظ "القطان" ساقط من بعض النسخ. والله تعالى أعلم. ٤ - (ابن أبي عروبة) هو سعيد، أبو النضر البصري، ثقة حافظ كثير التدليس، واختلط، من أثبت الناس في قتادة [٦] تقدم ٣٤/ ٣٨. ٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت يدلس، رأس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٦ - (أنس بن مالك) الصحابي الشهير ﵁ تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه عبيد الله، فانفرد به الشيخان والمصنف، وشيخه شعيب، فانفرد به هو. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا عبيد الله، فسرخسي، ثم نيسابوري، وشعيبا، فنسائي. ومنها: أن أنسا أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن قتادة) وفي رواية البخاري: "حدثنا قتادة". قال في "الفتح": فيه دفع ما أخرجه ابن عدي في "الكامل"، فأدخل بين سعيد بن أبي عروبة، وقتادة رجلا. وقد أخرجه ابن ماجة من رواية عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن سعيد، وهو من أثبت أصحابه، وزاد في أوله بيان سبب هذا الحديث، ولفظه "صلَّى رسول الله ﷺ يوما بأصحابه، فلما قضى الصلاة أقبل عليهم بوجهه"، فذكره. وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مرسلًا، لم يذكر أنسا، وهي علة غير قادحة؛ لأن سعيدا أعلم بحديث قتادة من معمر، وقد تابعه همَّام على وصله عن قتادة. أخرجه السّرّاج. انتهى (١).

стр. 8643

(عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم) أي ما حالهم وشأنهم. فـ"ما" استفهامية مبتدأ، و"بال أقوام" مضاف ومضاف إليه خبره، أو بالعكس، والاستفهام إنكاري، وجملة "يرفعون" في حل جرّ صفة لـ"أقوام"، أو حال منه، وإن كان، نكرة؛ لوقوعه بعد استفهام إنكاريّ، كما قال في "الخلاصة": وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُ الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَرْ أَوْ يُخصَّصْ أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا … يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءِ مُسْتَسْهِلَا وإنما جاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لكون المضاف كالجزء له، قال في "الخلاصة": وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَه … إِلَّا إِذًا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا … أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحَيفَا. وإنما لم يُعَيِّن الشخص الذي وقع منه الرفع؛ لئلا ينكسر خاطره، إذ النصحية على رؤوس الأشهاد فضيحة. (إلى السماء) متعلق بـ"يرفعون" (في صلاتهم) متعلق به أيضًا، أو بحال مقدر: أي حال كنهم كائنين في صلاتهم. وفي نسخة: "في الصلاة". وسيأتي للمصنف من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بزيادة "عند الدعاء"، فإن حُمِلَ المطلقُ على المقيد اقتضى اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في الصلاة. وقد أخرجه ابن ماجه، وابن حبان من حديث ابن عمر ﵄ بغير تقييد، ولفظه: "لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء" يعني في الصلاة. وأخرجه بغير تقييد أيضًا مسلم من حديث جابر ابن سمرة، والطبراني من حديث أبي سعيد الخدري، وكعب بن مالك. وأخرج ابن أبي شيبة من رواية هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين: "كانوا يلتفتون في صلاتهم حتى نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، فأقبلوا على صلاتهم، ونظروا أمامهم، وكانوا يستحبون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده". ووصله الحاكم في "المستدرك " بذكر أبي هريرة، ولفظه: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، فطأطأ رأسه". قال: إنه على شرط الشيخين (١). (فاشتد قوله في ذلك) أي زاد شدة قول النبي ﷺ في شأن رفع البصر إلى السماء، إما بتكرير هذا القول، أو غيره مما يفيد الزجر (وقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك) اللام هي الموطئة

стр. 8644

للقسم المقدر، أي: والله لَينْتَهُنَّ، وهو بفتح الياء، وضم الهاء مبنيّا للفاعل، والفاعلُ واو الجماعة المحذوفةُ للالتقاء الساكنين إذ أصله لَيَنْتَهُونَنَّ، ثم ذف نون الرفع؛ لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين. وفي رواية أبي داود "لَيُنْتَهَيَنَّ" وفيه روايتان للبخاري، والأكثرون بفتح أوله، وضم الهاء، وحذف الياء المثناة، وتشديد النون على البناء للفاعل، والثانية بضم الياء، وسكون النون، وفتح الفوقية والهاء والتحتانية، وتشديد النون للتأكيد على البناء للمفعول (عن ذلك) متعلق بما قبله، أي عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة (أو لَتُخْطَفَنّ أبصارهم) بضم حرف المضارعة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة والفاء والنون المشددة، مبنيًا للمفعول، و"أبصارُهم" نائب فاعله. والمعنى: لَتُسْلَبَنَّ أبصارهم بسرعة، أي: إن أحد الأمرين واقع لا مَحَالَةَ، إما الانتهاء منهم، أو خَطْفُ أبصارهم من الله عقوبةً على فعلهم. وفي رواية لمسلم من حديث جابر بن سَمُرة ﵄: "لَيَنْتَهِيَنَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم". قال النووي ﵀: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نُقِلَ الإجماعُ في النهي عن ذلك، قال القاضي عياض ﵀: واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى السماء في الدعاء في غير الصلاه، فكرهه شُرَيح وآخرون، وجوزه الأكثرون، وقالوا: لأن السماء قبله الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ولا ينكر رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد، قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قولهم: "لأن السماء قبلة الدعاء" نظر لا يخفى؛ فإن الثابت عن رسول الله ﷺ أن الكعبة هي قبلة الصلاة والدعاء، فقد ثبت عنه في كثير من المواطن أنه كان يتوجّه إلى القبلة في الدعاء، وتشبيهُهُ برفع اليد غير صحيح، فإن رفع اليد في الدعاء ثبت بالنصوص الصحيحة الصريحة، وأما رفع البصر إلى السماء في الدعاء فلم يرد، وأما الآية فليس فيها بيان كون السماء قبلة للدعاء، كما لا يخفى على من تأمل. والحاصل أن السنة في الدعاء هو التوجه إلى القبلة، لا إلى السماء. والله تعالى أعلم. وقال في "الفتح": واختلف في المراد بذلك، فقيل: هو وعيد، وعلى هذا، فالفعل المذكور حرام، وأفرط ابن حزم، فقال: يبطل الصلاة، وقيل: المعنى أنه يُخشى على

стр. 8645

الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلين، كما في قصة أُسَيد بن حُضَير ﵁ في نزول السكينة حين قرأ القرآن في صلاة، وهي في "الصحيحين" وغيرهما، أشار إلى ذلك الداودي، ونحوه في "جامع حماد بن سلمة"، عن أبي مجلز أحد التابعين. و"أو" في قوله: "أو لتُخْطَفَنَّ" للتخيير، نظير قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، وإما الإسلام، وهو خبر في معنى الأمر. انتهى ما في "الفتح" بتصرف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة حرام لهذا الوعيد الشديد، فإنه لا يكون إلا على فعل محرم، وسواء كان الرفع في حالة الدعاء، أم في غيره. وأما الرفع في الدعاء خارج الصلاة فمكروه، لمخالفته هدي النبي ﷺ ، فقد ثبت في غير حديث أنه كان يستقبل القبلة في الدعاء، فلا ينبغي مخالفة هديه. وأما رفع البصر في غير الدعاء فجائز؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع بصره إلى السماء، كما في حديث ابن عباس ﵄، حين بات عند خالته ميمونة ﵂، أنه ﷺ قام من آخر الليل، فخرج، فنظر في السماء، ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات [آل عمران: ١٩٠]، متفق عليه، وغير ذلك من الأحاديث التي تدلّ على أنه ﷺ كان يرفع بصره إلى السماء، وإن كان أكثر نظره إلى الأرض كما ذكر ذلك الحافظ العراقي ﵀ في "ألفية السيرة" حيث قال: نَظَرُهُ لِلْأَرْضِ منه أَكْثَرُ … إِلَى السَّمَاءِ خَافِضٌ اِذْ يَنْظُرُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٩/ ١١٩٣ - وفي "الكبرى" -٤٥/ ١١١٦ - عن عبيد الله بن سعيد، وشعيب بن يوسف، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: (خ) ١/ ١٩١ - عن علي بن عبد الله، عن يحيى القطان به.

стр. 8646

(د) ٩١٣ - عن مسدد، عن يحيى به (ق) ١٠٤٤ - عن نصر بن علي الجهضمي، عن عبد الأعلى، عن ابن أبي عروبة به .. وأخرجه (م) ج ٢/ ص ٢٨ - من حديث جابر بن سمرة، ومن حديث أبي هريرة ﵄. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١٠٩ و ١١٢ و ١١٥ و ١١٦ و ١٤٠ و ٢٥٨. (وعبد بن حميد) رقم ١١٩٦ (والدارمي) ١٣٠٧. (وابن خزيمة) ٤٧٥ و ٤٧٦. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة. ومنها: بيان الوعيد الشديد لمن رفع بصره إليها بخطف بصره. ومنها: تغليظ القول في زجر مرتكب المنكر ليرتدع عن ذلك. ومنها: عدم التصريح بذكر اسم المرتكب عند الزجر، بل يكون بالإجمال،- كما قال النبي ﷺ : "ما بال أقوام"، وذلك لئلا يكون فضيحة له، فربما حمله ذلك على عدم قبول النصح، أو ارتكاب ما هو أشدّ من ذلك، فينبغي لمن ينهى عن المنكر أن يسلك مسلك الستر ما أمكن، فإن ذلك أدعى إلى قبول قوله، والانتفاع بإرشاده، فكثير ممن يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسلكون هذا المسلك، فيفسدون أكثر مما يصلحون، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَرْفَعْ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، أَنْ يُلْتَمَعَ بَصَرُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) تقدم في الباب الماضي. ٢ - (عبد الله) بن المبارك تقدم أيضا فيه. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١ ٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٥/ ٥٦.

стр. 8647

٦ - (رجل من أصحاب النبي ﷺ ) ﵁، لم يعرف اسمه، وفي نسخة "من أصحاب رسل الله ﷺ ". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٩/ ١١٩٤ - وفي "الكبرى" -٤٥/ ١١١٧ بالإسناد المذكور. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٤١ و ٥/ ٢٩٥. وقوله: "أن يُلْتَمَعَ بصره" بالبناء للمفعول، أي لئلا يُختلس، ويُتخطف بسرعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠ - (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي الالْتَفَاتِ فِي الصَّلاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التشديد في الالتفات في الصلاة. قال في "الفتح": حديث الباب يدلس على كراهة الالتفات في الصلاة، لكن الجمهور على أنها للتنزيه، وقال المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر. والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره، أو عنقه كله. وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن. انتهى بتصرف يسير قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله المتولي، وأهل الظاهر هو الظاهر؛ لأنه ورد بصيغة النهي، والنهي للتحريم، اللَّهم إلا إذا قلنا: إن أحاديث الباب التالي صالحة لصرفه إلى التنزيه، فيتجه ما قاله الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٩٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ، يُحَدِّثُنَا فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ جَالِسٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ").

стр. 8648

رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدموا في الباب الماضي، غير أبي الأحوص، وأبي ذرّ ﵄، فتقدما قبل بابين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن الزهرى) أنه (قال: سمعته أبا الأحوص) الليثي، لا يعرف اسمه (يحدثنا) جملة في محلّ نصبْ على الحال متن المفعول (في مجلس سعيد بن المسيب) ومتعلق بـ "يحدث". في "الهندية": "في مجلس ابن المسيب" (وابن المسيب جالس) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أن سعيد بن المسيب جالس في مجلس التحديث (أنه سمع أبا ذرّ) جندب بن جُنَادة، وقيل: غيره، ﵁ (يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الله) "لا" نافية، "يزال" من الأفعال الناقصة التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقوله ساقط من بعض النسخ (مقبلا على العبد) إقبالا يليق بجلاله وعظمته، وقيل: بالرحمات والإحسان والغفران، لا يقطع عنه ذلك، والمعنى الأول هو الأولى (قائما في صلاته) "قائما" حال من "العبد"، وسقط من بعض النسخ (ما لم يلتفت) أي ما لم يتعمد الالتفات، فـ"ما" مصدرية ظرفية، أي مدة عدم التفاته، والظرف متعلق بـ"مقبلا" (فإذا صرف وجهه) أي حوّل العبس وجهه بالتفاته إلى ما لا يتعلق بالصلاة (انصرف عنه) أي انصرف الله عن ذلك العبد حيث أعرض عنه بالالتفات إلى ما لا ينبغي الالتفات إليه بلا ضرووة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: [فإن قلت]: تقدم حديث أبي ذرّ ﵁ -٧/ ١١٩١ - من رواية أبي الأحوص عنه، فحسنته، وهذا الحديث بنفس ذلك السند، فكيف تصححه؟ [قلت]: إنما صححته هنا لأن له شاهدا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، أخرجه أحمد ٤/ ١٣٠والترمذي رقم ٢٨٦٣ - بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وهو حديث طويل، وفيه "وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت". . . فتفطن. والله تعالى أعلم.

стр. 8649

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٠/ ١١٩٥ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ١١١٨ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي الأحوص، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ٩٠٩ - عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس به. وأخرجه (أحمد) ٥/ ١٧٢ (والدارمي) رقم ١٤٣٠ (وابن خزيمة) ٤٨١ و ٤٨٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها. ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في الالتفات في الصلاة. ومنها: فضل الصلاة حيث إنها سبب لإقبال الله تعالى على عبده، وهو الغاية القصوى. ومنها: أن الله تعالى يكرم عبده إذا أقبل عليه بالإقبال عليه، فإن الجزاء من جنس العمل. ومنها: أن الالتفات في الصلاة إعراض عن الله تعالى، يكون سببا لإعراض الله عن المصلي، وهذا فيما إذا كان لغير حاجة، فأما إذا كان لحاجة فلا بأس به، كما يأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم في حكم الالتفات في الصلاة: تقدم أن الجمهور على أن النهي عن الالتفات في الصلاة للتنزيه، وقال المتولي من الشافعية: إنه للتحريم إلا للضرورة، وهو قول هل الظاهر، وقلنا: هذا القول هو الظاهر، لظواهر النصوص. قال البدر العيني ﵀: وقال الحكم: من تأمل مَن عن يمينه أو شماله، في الصلاة حتى يعرفه، فليست له صلاة. وقال أبو ثور: إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته، وإذا التفت عن يمينه، أو شماله مضى في صلاته. ورخص فيه طائفة، فقال ابن سيرين: رأيت أنس بن مالك يُشرف إلى الشيء في صلاته، ينظر إليه. وقال معاوية بن قُرَّة: قيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك، ولم يلتفت، قال: لكنا نتحرك، ونلتفت. وكان إبراهيم يلتفت يمينا وشمالًا. وكان ابن مغفل يفعله. قال مالك: الالتفات لا يقطع الصلاة، وهو قول الكوفيين، وقول عطاء،

стр. 8650

والأوزاعي، وقال ابن القاسم: فإن التفت بجيع بدنه لا يقطع الصلاة، ووجهُهُ أنه ﷺ لم يأمر بالإعادة حين أخبرَ أنه اختلاس من الشيطان، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها، لأنه نصب معلما، كما أمر الأعرابي بالإعادة مرة بعد أخرى. وقال القفال في "فتاويه": وإذا التفت في صلاته التفاتا كثيرًا في حال قيامه، إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته، وإن كان في بعضه فلا، لأنه عمل يسير، قال: وكذا في الركوع والسجود لو صرف وجهه وجبهته عن القبلة لم يجز، لأنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في ركوعه وسجوده، قال: ولو حول أحد شقيه عن القبلة بطلت صلاته، لأنه عمل كثير. وممن كان لا يلتفت فيها: الصديق، والفاروق ﵄، ونهى عنه أبو الدرداء، وأبو هريرة ﵁، وقال ابن مسعود ﵁: إن الله لا يزال ملتفتًا إلى العبد ما دام في صلاته ما لم يحدث، أو يلتفت. وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير يصلي في الحجر، فجاءه حجر قدامه، فذهب بطرف ثوبه، فما التفت. وقال ابن أبي مليكة: إن ابن الزبير كان يصلي بالناس، فدخل سيل في المسجد، فما أنكر الناس من صلاته شيئًا حتى فرغ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الالتفات في الصلاة حرام، لأحاديث الباب، ولما أخرجه أحمد، في "مسنده" ج ٤ ص ٢٠٢ وصححه ابن خزيمة ج ٢ ص ٦٤ - ٦٥ من حديث الحارث الأشعري ﵁ مرفوعًا: "إن الله أمركم بالصلاة، فإذا نصبتم وجوهكم، فلا تلتفتوا. . ." الحديث قد تقدم بيانه. إلا أن يلتفت يمنة ويسرة، دون أن يلوي عنقه، لأحاديث الباب التالي. وأما من التفت عن القبلة بجميع بدنه فقد بطلت صلاته، لتركه ما وجب عليه من استقبال القبلة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الصَّلَاةِ". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري، ثقة ثبت حجة [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩. ٣ - (زائدة) بن قُدَامة الكوفي، ثقة ثبت سني [٧] تقدم ٧٤/ ٩١.
следующие страницы →