← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

(د) ٩١٣ - عن مسدد، عن يحيى به (ق) ١٠٤٤ - عن نصر بن علي الجهضمي، عن عبد الأعلى، عن ابن أبي عروبة به .. وأخرجه (م) ج ٢/ ص ٢٨ - من حديث جابر بن سمرة، ومن حديث أبي هريرة ﵄. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١٠٩ و ١١٢ و ١١٥ و ١١٦ و ١٤٠ و ٢٥٨. (وعبد بن حميد) رقم ١١٩٦ (والدارمي) ١٣٠٧. (وابن خزيمة) ٤٧٥ و ٤٧٦. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة. ومنها: بيان الوعيد الشديد لمن رفع بصره إليها بخطف بصره. ومنها: تغليظ القول في زجر مرتكب المنكر ليرتدع عن ذلك. ومنها: عدم التصريح بذكر اسم المرتكب عند الزجر، بل يكون بالإجمال،- كما قال النبي ﷺ : "ما بال أقوام"، وذلك لئلا يكون فضيحة له، فربما حمله ذلك على عدم قبول النصح، أو ارتكاب ما هو أشدّ من ذلك، فينبغي لمن ينهى عن المنكر أن يسلك مسلك الستر ما أمكن، فإن ذلك أدعى إلى قبول قوله، والانتفاع بإرشاده، فكثير ممن يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسلكون هذا المسلك، فيفسدون أكثر مما يصلحون، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَرْفَعْ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، أَنْ يُلْتَمَعَ بَصَرُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) تقدم في الباب الماضي. ٢ - (عبد الله) بن المبارك تقدم أيضا فيه. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١ ٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٥/ ٥٦.

стр. 8647

٦ - (رجل من أصحاب النبي ﷺ ) ﵁، لم يعرف اسمه، وفي نسخة "من أصحاب رسل الله ﷺ ". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٩/ ١١٩٤ - وفي "الكبرى" -٤٥/ ١١١٧ بالإسناد المذكور. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٤٤١ و ٥/ ٢٩٥. وقوله: "أن يُلْتَمَعَ بصره" بالبناء للمفعول، أي لئلا يُختلس، ويُتخطف بسرعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠ - (بَابُ التَّشْدِيدِ فِي الالْتَفَاتِ فِي الصَّلاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على التشديد في الالتفات في الصلاة. قال في "الفتح": حديث الباب يدلس على كراهة الالتفات في الصلاة، لكن الجمهور على أنها للتنزيه، وقال المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر. والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره، أو عنقه كله. وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن. انتهى بتصرف يسير قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله المتولي، وأهل الظاهر هو الظاهر؛ لأنه ورد بصيغة النهي، والنهي للتحريم، اللَّهم إلا إذا قلنا: إن أحاديث الباب التالي صالحة لصرفه إلى التنزيه، فيتجه ما قاله الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب. ١١٩٥ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الأَحْوَصِ، يُحَدِّثُنَا فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ جَالِسٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ").

стр. 8648

رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدموا في الباب الماضي، غير أبي الأحوص، وأبي ذرّ ﵄، فتقدما قبل بابين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن الزهرى) أنه (قال: سمعته أبا الأحوص) الليثي، لا يعرف اسمه (يحدثنا) جملة في محلّ نصبْ على الحال متن المفعول (في مجلس سعيد بن المسيب) ومتعلق بـ "يحدث". في "الهندية": "في مجلس ابن المسيب" (وابن المسيب جالس) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أن سعيد بن المسيب جالس في مجلس التحديث (أنه سمع أبا ذرّ) جندب بن جُنَادة، وقيل: غيره، ﵁ (يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الله) "لا" نافية، "يزال" من الأفعال الناقصة التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقوله ساقط من بعض النسخ (مقبلا على العبد) إقبالا يليق بجلاله وعظمته، وقيل: بالرحمات والإحسان والغفران، لا يقطع عنه ذلك، والمعنى الأول هو الأولى (قائما في صلاته) "قائما" حال من "العبد"، وسقط من بعض النسخ (ما لم يلتفت) أي ما لم يتعمد الالتفات، فـ"ما" مصدرية ظرفية، أي مدة عدم التفاته، والظرف متعلق بـ"مقبلا" (فإذا صرف وجهه) أي حوّل العبس وجهه بالتفاته إلى ما لا يتعلق بالصلاة (انصرف عنه) أي انصرف الله عن ذلك العبد حيث أعرض عنه بالالتفات إلى ما لا ينبغي الالتفات إليه بلا ضرووة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: [فإن قلت]: تقدم حديث أبي ذرّ ﵁ -٧/ ١١٩١ - من رواية أبي الأحوص عنه، فحسنته، وهذا الحديث بنفس ذلك السند، فكيف تصححه؟ [قلت]: إنما صححته هنا لأن له شاهدا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، أخرجه أحمد ٤/ ١٣٠والترمذي رقم ٢٨٦٣ - بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وهو حديث طويل، وفيه "وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت". . . فتفطن. والله تعالى أعلم.

стр. 8649

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٠/ ١١٩٥ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ١١١٨ - عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي الأحوص، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ٩٠٩ - عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس به. وأخرجه (أحمد) ٥/ ١٧٢ (والدارمي) رقم ١٤٣٠ (وابن خزيمة) ٤٨١ و ٤٨٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها. ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في الالتفات في الصلاة. ومنها: فضل الصلاة حيث إنها سبب لإقبال الله تعالى على عبده، وهو الغاية القصوى. ومنها: أن الله تعالى يكرم عبده إذا أقبل عليه بالإقبال عليه، فإن الجزاء من جنس العمل. ومنها: أن الالتفات في الصلاة إعراض عن الله تعالى، يكون سببا لإعراض الله عن المصلي، وهذا فيما إذا كان لغير حاجة، فأما إذا كان لحاجة فلا بأس به، كما يأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم في حكم الالتفات في الصلاة: تقدم أن الجمهور على أن النهي عن الالتفات في الصلاة للتنزيه، وقال المتولي من الشافعية: إنه للتحريم إلا للضرورة، وهو قول هل الظاهر، وقلنا: هذا القول هو الظاهر، لظواهر النصوص. قال البدر العيني ﵀: وقال الحكم: من تأمل مَن عن يمينه أو شماله، في الصلاة حتى يعرفه، فليست له صلاة. وقال أبو ثور: إن التفت ببدنه كله أفسد صلاته، وإذا التفت عن يمينه، أو شماله مضى في صلاته. ورخص فيه طائفة، فقال ابن سيرين: رأيت أنس بن مالك يُشرف إلى الشيء في صلاته، ينظر إليه. وقال معاوية بن قُرَّة: قيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك، ولم يلتفت، قال: لكنا نتحرك، ونلتفت. وكان إبراهيم يلتفت يمينا وشمالًا. وكان ابن مغفل يفعله. قال مالك: الالتفات لا يقطع الصلاة، وهو قول الكوفيين، وقول عطاء،

стр. 8650

والأوزاعي، وقال ابن القاسم: فإن التفت بجيع بدنه لا يقطع الصلاة، ووجهُهُ أنه ﷺ لم يأمر بالإعادة حين أخبرَ أنه اختلاس من الشيطان، ولو وجبت فيه الإعادة لأمرنا بها، لأنه نصب معلما، كما أمر الأعرابي بالإعادة مرة بعد أخرى. وقال القفال في "فتاويه": وإذا التفت في صلاته التفاتا كثيرًا في حال قيامه، إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته، وإن كان في بعضه فلا، لأنه عمل يسير، قال: وكذا في الركوع والسجود لو صرف وجهه وجبهته عن القبلة لم يجز، لأنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في ركوعه وسجوده، قال: ولو حول أحد شقيه عن القبلة بطلت صلاته، لأنه عمل كثير. وممن كان لا يلتفت فيها: الصديق، والفاروق ﵄، ونهى عنه أبو الدرداء، وأبو هريرة ﵁، وقال ابن مسعود ﵁: إن الله لا يزال ملتفتًا إلى العبد ما دام في صلاته ما لم يحدث، أو يلتفت. وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير يصلي في الحجر، فجاءه حجر قدامه، فذهب بطرف ثوبه، فما التفت. وقال ابن أبي مليكة: إن ابن الزبير كان يصلي بالناس، فدخل سيل في المسجد، فما أنكر الناس من صلاته شيئًا حتى فرغ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الالتفات في الصلاة حرام، لأحاديث الباب، ولما أخرجه أحمد، في "مسنده" ج ٤ ص ٢٠٢ وصححه ابن خزيمة ج ٢ ص ٦٤ - ٦٥ من حديث الحارث الأشعري ﵁ مرفوعًا: "إن الله أمركم بالصلاة، فإذا نصبتم وجوهكم، فلا تلتفتوا. . ." الحديث قد تقدم بيانه. إلا أن يلتفت يمنة ويسرة، دون أن يلوي عنقه، لأحاديث الباب التالي. وأما من التفت عن القبلة بجميع بدنه فقد بطلت صلاته، لتركه ما وجب عليه من استقبال القبلة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الصَّلَاةِ". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري، ثقة ثبت حجة [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩. ٣ - (زائدة) بن قُدَامة الكوفي، ثقة ثبت سني [٧] تقدم ٧٤/ ٩١.

стр. 8651

٤ - (أشعث بن أبي الشعثاء) المحاربي الكوفي، ثقة [٦] تقدم ٩٠/ ١١٢. ٥ - (أبو الشعثاء) سُلَيم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، ثقة من كبار [٣] تقدم ٩٠/ ١١٢. [تنبيه]: قوله: "عن أبيه" تابع زائدةَ على هذا الإسناد أبو الأحوص، كما في الرواية التالية، وشيبان عند ابن خزيمة، ومسعر عند ابن حبّان، وخالفهم إسرائيل، فرواه عن أشعث، عن أبي عطية، عن مسروق، كما في الرواية الآتية -١٠/ ١١٩٨ - ووقع عند البيهقي من رواية مسعر، عن أشعث، عن أبي وائل، فهذا اختلاف على أشعث، والراجح رواية زائدة، وقد رواه المصنف -١٠/ ١١٩٩ - من طريق عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عن عائشة موقوفًا عليها، وليس بينهما مسروق. قال الحافظ ﵀ تَعَالَى-: يحتمل أن يكون للأشعث فيه شيخان، أبوه، وأبو عطية، بناء على أن يكون أبو عطية حمله عن مسروق، ثم لقي عائشة، فحمله عنها، وأما الرواية عن أبي وائل، فشاذة؛ لأنه لا يعرف من حديثه. والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ ﵀ حسن، إلا قوله: بناء على أن يكون أبو عطية حمله عن مسروق الخ، فإنه محل نظر؛ لأن رواية مسروق مرفوعة، ورواية أبي عطية موقوفة، وهي وإن كانت في حكم الرفع، إلا أن الظاهر يُبعِدُ الحملَ المذكور. فالأولى أن نقول: إن كُلا من مسروق، وأبي عطية حملاه عنها والله -تَعَالَى- أعلم. ٦ - (مسروق) بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، ثقة مخضرم فقيه عابد [٢] تقدم ٩/ ١١٢. ٧ - (عائشة ﵂) تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-. ومنها: أنه رجال كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة. ومنها: أن مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. ومنها: أن شيخه أحد التسعة الذين روى الأئمة الستة عنهم دون واسطة.

стр. 8652

ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. ومنها: أن عائشة -رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂ أنها قالت: سألت رسول الله ﷺ ) وفي نسخة "سئل رسول الله ﷺ " (عن الالتفات في الصلاة؟) أي عن حكمه (فقال: اختلاس، يختلسه الشيطان) "اختلاس" بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هو اختلاس. وجملة "يختسله الشيطان" في محل رفع صفة لـ"اختلاس". يعني أن الالتفات في الصلاة اختطاف بسرعة، يختطفه الشيطان من صلاة العبد. و"الاختلاس": افتعال من اختلسه. قال في "المصباح". خَلَستُ الشيء خَلْسَةً، من باب ضرب: اختطفتُهُ بسرعة على غفلة، واختلسته كذلك، والخلْسَة بالفتح المرة، والخُلْسَة بالضمّ ما يُخْلَس. انتهى. وفي "النيل": الاختلاس: أخذ الشيء بسرعة، يقال: اختلس الشيء: إذا استلبه، وفي الحديث: النهي عن الخَلْسَة بفتح الخاء، وهو ما يستخلص من السَّبُع، فيموت قبل أن يذكّى. وفي "النهاية": الاختلاس: افتعال من الخلسة، وهو ما يؤخذ سلبا، وقيل: المختلس الذي يخطف الشيء من غير غلبة ويهرب، ونسب إلى الشيطان لأنه سبب له لوسوسته به، وإطلاق اسم الاختلاس على الالتفات مبالغة. انتهى (١). قال في "الفتح": المختلس الذي يخطف من غير غلبة، ويهرب، ولو مع معاينة المالك له، والناهبُ يأخذ بقوة، والسارق يأخذ في خُفْية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس. وقال ابن بزيزة: أضيف إلى الشيطان لأن فيه انقطاعًا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه. وقال الطيبي: سمي اختلاسًا تصويرًا لقبح تلك الفعلة بالمختلس؛ لأن المصلي يقبل عليه الرب ، والشيطان مرتصد له، ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة، فيسلبه تلك الحالة. انتهى. (من الصلاة) متعلق بـ"يختطفه"، وفي رواية البخاري: "من صلاة العبد". قال في "الفتح": قيل: الحكمة في جعل سجود السهو جابرا للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقص الخشوع؛ لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر،

стр. 8653

دون العمد، ليتيقظ العبد له، فيجتنبه. انتهى. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان. المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضح ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٠/ ١١٩٦ - وفي "الكبرى" -٤٦/ ١١١٩ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروقا، عنها. -١١٩٧ - و"الكبرى" -١١٢٠ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن أبي الأحوص، عن أشعث به بمثله. و-١١٩٨ - و"الكبرى" -١١٢١ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن- وفي "الكبرى"-٩٠/ ٥٢٦ - عن أحمد بن بكّار الحرّاني، عن مَخْلَد بن يزيد الحرّاني- كلاهما عن إسرائيل، عن أشعث ابن أبي الشعثاء، عن أبي عطية، عن مسروق، عنها بمثله. و ١١٩٩ - و"الكبرى"-١١٢٢ - عن هلال بن العلاء، عن المعافى بن سليمان، عن القاسم بن معن، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية، عنها، موقوفا. والله -تَعَالى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه ١/ ١٩١ - عن مسدد، عن أبي الأحوص به. و ٤/ ١٥٢ - عن الحسن بن الربيع، عن أبي الحوص به. د-٩١٠ - عن مسدد به. ت-٥٩٠ - عن صالح بن عبد الله، عن أبي الأحوص به. وأخرجه (أحمد) ٦/ ١٠٦ و ٦/ ٧٠. (وابن خزيمة) رقم ٤٨٤ و ٩٣١. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو النهي عن الالتفات في الصلاة. ومنها: ذم الالتفات في الصلاة، وكراهته، إذا لم يكن لحاجة. ومنها: تسلط الشيطان على المصلي حتى يفسد صلاته، أو ينتقص شيئًا منها. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم تقدموا، إلا واحدا، وهو:

стр. 8654

١ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفي، الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث [٧] تقدم ٧٩/ ٩٦. قوله: "بمثله"، أي بمثل الحديث الماضي من رواية زائدة بن قُدَامة، ولفظه كما في "صحيح البخاري": عن عائشة، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاه؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". وقد تقدم الفرق بين قوله: "مثله"، وقوله: "نحوه"، وذلك أن قوله: "مثله" يقتضي الاتحاد في اللفظ، وقوله: "نحوه" يقتضي الاتحاد في المعنى فقط، عند بعض أهل الحديث، كما قاله أبو عبد الله الحاكم ﵀ في معرفة علوم الحديث (١). والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم، تقدموا في الماضي، إلا اثنين: ١ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة [٧] تقدم ٧٥/ ١٠٠٦. ٢ - (أبو عطية) الوادعي الهمداني، اسمه مالك بن عامر، وقيل: ابن أبي عامر، ابن عوف، أو ابن حمزة (٢)، أو ابن أبي حمزة، وقيل: اسمه عمرو بن جندب، ويقال: ابن أبي جندب، وقيل: إنهما اثنان، قال: جاءنا كتاب عمر، ثقة [٢]. روى عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعائشة، ومسروق بن الأجدع، وعنه عمارة بن عمير، ومحمد بن سيرين وأشعث بن أبي الشعثاء، وغيرهم. قال الأثرم: قلت لأحمد: الأعمش، عن أبي عطية، ما اسم أبي عطية؟ قال: مالك ابن أبي حمزة، وهو مالك بن عامر، قلت: هو الذي روى عنه ابن سيرين؟ فأنكر ذلك جدًا. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو عطية الذي روى عنه ابن سيرين مالك بن عامر، وأبو عطية الوادعي عمرو بن أبي جندب. وقال في موضع آخر: أبو عطية الوادعي: مالك بن عامر، وهو الهمداني. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي عطية؟ فقال: ثقة. وقال الواقدي: أبو عطية عمرو بن جندب، ويقال: مالك بن عامر الهمداني من أصحاب عبد الله، وشهد مشاهد علي، ومات في ولاية عبد الملك.

стр. 8655

وقال ابن سعد: أبو عطية اسمه مالك بن عامر الهمداني، ثم الوادعي، توفي في ولاية مصعب على الكوفة، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أبو عطية الوادعي؟ قال عمرو بن جندب ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وفي تفسير "سورة البقرة" من "صحيح البخاري" عن ابن سيرين: فلقيت أبا عطية مالك بن عامر، أو مالك بن عوف. انتهى. روى له الجماعة إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث. وقد تقدم الكلام على الحديث قريبًا. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١١٩٩ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ -وَهُوَ ابْنُ مَعْنٍ- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "إِنَّ الاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ اخْتِلَاسٌ، يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هلال بن العلاء بن هلال) بن عمرو بن هلال بن أبي عطية الباهلي مولاهم، أبو عمرو الرّفين صدوق [١١]. روى عن أبيه، وحجاج بن محمَّد، والمعافى بن سليمان، وغيرهم. وعنه النسائي، وإبراهيم الحربي، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، روى أحاديث منكرة، عن أبيه، فلا أدري الريب منه، أو من أبيه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بالرَّقّة في ثالث المحرم سنة (٢٨٠) وقال أبو الشيخ: مات في ذي الحجة. وقال أبو علي الرقي: سمعته يقول: ولدت في رجب سنة (١٨٤)، ومات يوم النحر، وفيه أرخه أبو عروبة، وقال غيره: مات في ربيع الأول سنة (٢٨٠). انفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٢٠) حديثًا. ٢ - (المُعافَى بن سليمان) الجزري، أبو محمَّد الرَّسْعَني -بفتح الراء، والعين، بينهما سين ساكنة مهملات، ثم نون- (٢) صدوق [١٠]. روى عن أبيه، وموسى بن أعين، والقاسم بن معن، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الكبير، وهلال بن العلاء، وعلي بن عثمان النفيلي، وغيرهم.

стр. 8656

قال أبو بكر بن المقرئ: حدثنا محمد بن محمَّد بن بدر بن النّفّاخ الباهلي بمصر، حدثنا الحسن بن سليمان قُبَّيطة، حدثنا المعافى بن سليمان الجزري ثقة، فذكر حديثا. قيل: مات سنة (٢٣٤). انفرد به المصنف، روى له في هذا الكتاب خمسة أحاديث. ٣ - (القاسم بن مَعْن) بفتح الميم، وسكون المهملة- ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، أبو عبد الله القاضي، ثقة فاضل [٧]. روى عن الأعمش، وعاصم الأحول، وعبد الملك بن عمير، وغيرهم. وعند ابن مهدي، وعلي بن نصر الجهضمي الكبير، والمعافى بن سليمان، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة، روى عنه أبن مهدي، وكان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان رجلًا صاحب شعر ونحو، وذكر خيرا. وقال الدوري، عن ابن معين: كان رجلا نبيلا. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وكان أروى الناس للحديث والشعر، وأعلمهم بالعربية، والفقه. وقال الآجري، عن أبي داود: كان ثقة، يذهب إلى شيء من الإرجاء، سمعت قتيبة يقول. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الحضرمي: مات سنة (١٧٥) وقيل ابن سعد: كان ثقة عالما بالحديث والفقه والشعر وأيام الناس، وكان يقال شعبي زمانه، وولي قضاء الكوفة، ولم يرتزق عليه شيئًا حتى مات، وكان سخيا. أخرج له أبو داود، والمصنف، وأخرج له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث. ٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة الثبت [٥] تقدم ١٧/ ١٨. ٥ - (عمارة) بن عمير التيمي الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ٤٩/ ٦٠٨. والباقيات تقدما في الماضي، وكذا الكلام على الحديث، وبالله -تَعَالى- التوفيق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية أبي عطية هذه موقوفة، والتي قبلها مرفوعة، ولا تنافي بينهما؛ لأن الموقوف في مثل هذا له حكم المرفوع، إذ لا يقال من قبل الرأي. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".

стр. 8657

١١ - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الالْتفَاتِ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وشِمَالًا) أي ذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على الرخصة في الالتفات في الصلاة إلى جهة اليمين والشمال للحاجة. ١٢٠٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ، وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكَبِّرُ، يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: "إِنْ كُنْتُمْ آنِفًا تَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ، وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَصَلُّوا قُعُودًا"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت الفقيه المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم المكي، صدوق، يدلس [٤] تقدم ٣١/ ٣٥. ٤ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهما - تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وهو (٧٧) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثا. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن جابر) بن عبد الله - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (أنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ ) أي مرض، قال في "اللسان": والشَّكْوُ، والشَّكْوَى، والشَّكاةُ، والشَّكَاءُ كله: المرض، تقول: شَكَا يَشْكُو شَكَاةً: يستعمل في الموجدَة والمرض، ويقال: هو شاك: مريض، واشتكى عضوا من أعضائه، وتشكّى بمعنى. انتهى باختصار (١). (فصلينا وراءه) عطف على مقدر، أي فصلى بنا، فصلينا وراءه. والصلاة التي صلى

стр. 8658

بهم هي الظهر، كما تقدم بيانها في حديث جابر ﵁ من طريق حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عنه، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله ﷺ كبر أبو بكر يسمعنا". (وهو قاعد) جملة اسمية في محل نصب على الحال من الفاعل (وأبو بكر يسمع الناس تكبيره) جملة حالية أيضا معطوفة على الأولى، أي والحال أن أبا بكر الصديق ﵁ يسمع تكبير النبي ﷺ للناس، لضعف صوته بسبب مرضه (إذ التفت إلينا) هذا محل الترجمة، إذ فيه جواز الالتفات في الصلاة. وإنما التفت إليهم لبيان الجواز، ولِيَطَّلِعَ على حالهم، فيرشدهم إلى الصواب، مع دوام توجه قلبه إلى الله -تَعَالَى-. قال السندي ﵀: لكن هذا يقتضي أن رؤيته من ورائه ما كانت على الدوام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر، إذ لا يستلزم ذلك، لاحتمال أن يكون ما انتبه لهم أوّلًا حتى يراهم من وراء ظهره، لاشتغاله بشأن الصلاة، فلما انتبه لحالهم رآهم. والله أعلم. (فرآنا قيامًا) أي قائمين للصلاة، فـ"قيامًا" مصدر بمعنى القائمين (فأشار إلينا) أي بالقعود (فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا) جمع قاعد، أي حال كوننا قاعدين. (فلما سلم قال: إن كنتم تفعلون) "إن" مخففة من الثقيلة، أي إنكم كنتم، رواية مسلم "إن كدتم" بالدال، وهو الذي في "الكبرى"، أي قاربتم. وحذفت اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية من خبرها في رواية المصنف، لجواز ذلك للقرينة، كما في قول الشاعر: [من الطويل]. أنا ابْنُ الضَّيمِ مِن آل مَالِكِ … وَإنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ والقرينة في الحديث كونه ﷺ ذكر الكلام إنكارا لفعلهم ذلك، وفي قول الشاعر كون الكلام سيق للمدح. وقد أشار في "الخلاصة" إلى هذه القاعدة حيث قال: وَخُفَّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبَّما اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أرَادَهُ مُعْتَمِدَا (تفعلون فعل فارس والروم) جيلان من الناس معروفان (يقومون على ملوكهم) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو الذي وقع جوابا لسؤال مقدر، فكأنهم قالوا له: ماذا يفعلون؟ فقال: "يقومون على ملوكهم" أي بين أيديهم (وهم قعود) الضمير للملوك،

стр. 8659

والجملة حالية، أي والحال أن الملوك قاعدون (فلا تفعلوا) حذف مفعوله لدلالة السياق عليه، أي لا تفعلوا فعلهم. قال السندي ﵀ -تَعَالَى-: يريد أن القيام مع قعود الإمام يشبه تعظيم الإمام فيما شرع لتعظيم الله وحده، فلا يجوز، ولا يخفى دوام هذه العلة، فينبغي أن يدوم هذا الحكم، فالقول بنسخه، كما عليه الجمهور خفيّ جدًا. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ترجيح القول بعدم النسخ، وأن القيام جائز، وإن كان الأولى القعود، للأمر به. والله -تَعَالَى- أعلم. (ائتموا بأئمتكم) أي اقتدوا بهم فيما يفعلون، ثم بين بعض ما يأتمون به، بقوله (إن صلى) أي الإمام (قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدا، فصلوا قعودا) فيه جواز الصلاة قاعدا بلا مرض، خلف من يصلي قاعدا لمرض، وقد تقدم اختلاف أهل العلم في هذه المسألة، وترجيح القول بالجواز، في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدا" -٤٠/ ٨٣٢ و ٨٣٤ - فراجعه تستفد: والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر - رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١/ ١٢٠٠ - وفي "الكبرى" -٤٧/ ١١٢٣ - عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عنه. وفي ١٧/ ٧٩٨ - وفي "الكبرى" -١٧/ ٨٧٣ - عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن يحيى بن يحيى، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير به. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ١٩/ ٢ - عن قتيبة- (ح) وعن محمَّد بن رمح- كلاهما عن الليث به. و ٢/ ١٩ - عن عبيد الله بن فضالة به. د-٦٠٦ - عن قتيبة، ويزيد بن خالد بن موهب، كلاهما عن الليث به. (ق) ١٢٤٠ - عن محمَّد بن رمح المصري، به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٣٤. والبخاري في (الأدب المفرد) رقم ٩٤٨ - (وابن خزيمة) ٤٨٦ و ٨٧٣ و ٨٨٦. والله -تَعَالَى- أعلم.

стр. 8660

وفوائد الحديث، واختلاف العلماء فيه تقدم الكلام فيها مستوفى في ٤٠/ ٨٣٢ و ٨٣٤. فَلْتُرَاجَعْ هناك، وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٢٠١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو عَمّار الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّنَاني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، من كبار [٩] تقدم ٨٣/ ١٠٠. ٢ - (عبد الله بن سعيد بن أبي هند) الفزارى مولاهم، أبو بكر المدني، صدوق ربما وهم [٦] تقدم ٢٨/ ٥٥٠. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند"، وهو الصواب، وأما ما وقع في كثير من النسخ "عن عبد الله بن سعيد، عن أبي هند"، فخطأ، ووقع في "الكبرى" عن عبد الله بن سعيد"، مختصرًا، وهو أيضًا صحيح. فتنبه. وبالله -تَعَالَى- التوفيق. ٤ - (ثور بن زيد) الدِّيلي -بالكسر- مولاهم، المدني، ثقة [٦]. روى عن سالم بن أبي الغيث، وعكرمة، وأبي الزناد، وغيرهم. وعنه مالك، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وسليمان بن بلال، وغيرهم. قال أحمد، وأبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن عبد البرّ: مات سنة (١٣٥) لا يختلفون في ذلك، قال: وهو صدوق، ولم يتهمه أحد بكذب، وكان ينسب إلى رأي الخوارج، والقول بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الآجري: سئل أبو داود عنه؟ فقال: هو نحو شريك، يعني ابن أبي نمر. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": اتهمه ابن البَرْقي بالقدر، ولعله شُبِّهَ عليه بثور بن يزيد: انتهى. والبرقي لم يتهمه، بل حكى في "الطبقات" أن مالكا سئل كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وذكر غيرهما، وكانوا يُرمون بالقدر؟ فقال: كانوا لأن يخرُّوا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كذبة. وقد

стр. 8661

ذكر المزي أن مالكا روى أيضًا عن ثور بن يزيد الشامي، فلعله الذي سئل عنه. وذكره ابن المديني في الطبقة التاسعة من الرواة عن نافع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث. ٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، بربري الأصل، ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة [٣] تقدم ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵄، تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، وشتى شيخه، فمروزيان، وفيه ابن عباس ﵄ أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أنه قال: كان رسول الله ﷺ يلتفت في صلاته) ولفظ "الكبرى" من رواية إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى: "كان رسول الله ﷺ يلحظ في صلاته يمينًا شمالًا". و"يلحظ" بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة: أي ينظر بِمُؤْخِرِ عينه عن يمينه ويساره، وهو أشد التفاتًا من الشَّزْر. واللحاظُ -بالكسر-: هو مُؤْخِرُ العين مما يلي الصدغ. وقال الجوهري: بالفتح. قاله في "المصباح". فتبين بهذه الرواية أن المراد بالالتفات هو النظر بمُؤْخِرِ العين يمينًا وشمالًا، لا الالتفات بتحويل الوجه عن القبلة، ويؤيد هذا قوله: "ولا يلوي عنقه". (يمينًا وشمالًا) أي تارة إلى جهة اليمين، وتارة إلى جهة الشمال. (ولا يلوي) من باب رمى: أي لا يُميل، يقال: لوى رأسه، وبرأسه: أماله (عنقه) بالنصب مفعول "يلوي". قال الفيومي ﵀: "العنق": الرَّقَبَة، وهو مذكر، وفي الحجازِ يُؤَنَّث، فيقال: هي العنق، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق. انتهى. (خلف ظهره) ظرف متعلق بـ"يلوي"، أي إلى جهة ظهره.

стр. 8662

والمعنى أنه ﷺ كان يلحظ في صلاته يمينًا وشمالًا، ولكن لا يحوّل عنقه عن القبلة بحيث يستدبرها. قيل: لعل هذا الالتفات كان منه في التطوع، فإنه أسهل. وقيل: التفاته مرة، أو مرارا قليلة لبيان أنه غير مبطل، أو كان لشيء ضروري (١). والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح. [فإن قيل]: قد خالف وكيعٌ الفضلَ بنَ موسى، فأرسله كما يأتي في رواية أبي داود، والترمذي، وقال أبو داود: هذا أصح، فكيف يصحّ؟ قلت: الفضل بن موسى ثقة حافظ، فلا يضرّه مخالفة وكيع له بالإرسال، فتقدم روايته لأنها من ثقة حافظ. فتبصر. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١/ ١٢٠١ - وفي "الكبرى" -٤٧/ ١١٢٤ - عن الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عنه وفي "الكبرى"-٩٢/ ٥٢٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى به. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) عن أحمد بن محمَّد بن ثابت المروزي، عن الفضل بن موسى به. وعن هناد، عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل، عن عكرمة، عن النبي ﷺ . قال أبو داود: وهذا أصح. قال الحافظ المزي ﵀ -تَعَالَى-: وحديث أبي داود في رواية أبى الطيب بن الأشناني. انتهى. (ت) - ٥٨٧ عن محمود بن غيلان، وغير واحد، عن الفضل به. و ٥٨٨ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن عبد الله بن سعيد، عن رجل من أصحاب عكرمة: "كان رسول الله ﷺ يلحظ في صلاته من غير أن يلوي عنقه". وأخرجه (أحمد) ١/ ٢٧٥. (وابن خزيمة) ٤٨٥ و ٨٧١. والله -تَعَالَى- أعلم

стр. 8663

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (بَابُ (١) قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحية": الأفعى، تذكّر وتؤنث، فيقال: هو الحية، وهي الحية. و"العقرب": بفتح، فسكون، ففتح: تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد التذكير قيل: عُقْرُبان -بضم العين والراء- وقيل: يقال: إلا عقرب للذكر والأنثى، والغالب عليها التأنيث، ويقال للذكر: عقربان، وربما قيل: عَقْرَبة بالهاء، قال الشاعر: كَأنَّ مَرْعَى أمِّكُمْ إِذْ غَدَتْ … عَقْرَبَةٌ يَكُومُها عُقْرُبَانُ فجمع بين اسم الذكر الخاص، وأنث المؤنثة بالهاء. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَيَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥. ٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ١٠/ ١٠. ٥ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي، ثقة يدلس ويرسل [٥] تقدم ٢٣/ ٢٤.

стр. 8664

٦ - (ضمضم بن جَوْس) -بفتح الجيم، وسكون الواو، ثم مهملة- ويقال: ابن الحارث بن جوس الهفَّاني اليمامي، ثقة [٣]. روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن حنظلة، الأنصارى. وعنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ومن قال: ضمضم بن جوس، فقد نسبه إلى جده، وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن القواريري: جوس جده، واسم أبيه الحارث. وذكره ابن سعد في فقهاء أهل اليمامة. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث. ٧ - (أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم ١/ ١. والله -تَعَالَى- أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا ضمضما، فمن رجال الأربعة، وفيه ضمضم من المقلين روى له أبو داود- رقم ٩٢١ - ، والترمذي-٣٩٠ ت والمصنف-١٢/ ١٢٠٢ - ، وابن ماجه- رقم ١٢٤٥ - حديث الباب، وله عند أبي داود،- رقم ١٠١٦ - والمصنف ٧٦/ ١٣٣٠ - حديث في سجود السهو. وله حديث آخر عند أبي داود رقم ٤٩٠١ - حديث طويل "كان رجلان من بني إسرائيل متآخيين، كان أحدهما مجتهدا، والآخر مذنبًا. . ." الحديث، هذا جميع ما له عندهم. وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثا. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الأسودين) ولفظ أبي داود: "اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب". وقوله: "الحية والعقرب" بيان للأسودين. وتسميتهما بالأسودين من باب التغليب؛ لأن المسمى بالأسود في الأصل هي الحية. وقال السندي ﵀: وإطلاق الأسودين إما لتغليب الحية على العقرب، أو لأن عقرب المدينة يميل إلى السواد. انتهى. (في الصلاة) متعلق بـ"قتل". وفيه جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة، وإن أدى إلى عمل كثير.

стр. 8665

وقال السندي ﵀: وأخذ كثير من الرخصة في القتل أن القتل لا يفسد الصلاة، لكن قد يقال: يكفي في الرخصة انتفاء الإثم في إفساد الصلاة، وأما بقاء الصلاة بعد هذا الفعل، فلا يدل عليه الرخصة، فتأمل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام السندي هذا نظر لا يخفى، فما قاله الكثير من أن الصلاة لا تفسد هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء الله -تَعَالَى-. (ثم اعلم): أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة، أو ضربتين، وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفاك الحيةَ ضربةٌ بالسوط، أصابتها، أم أخطأتها". وهذا يوهم التقييد بالضربة. قال البيهقي: وهذا، وإن صح، فإنما أراد -والله أعلم- وقوع الكفاية بها في الإتيان بالمأمور، فقد أمر النبي ﷺ بقتلها، وأراد -والله أعلم- إذا امتنعت بنفسها عند الخطإ، ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة. ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية". انتهى (١). وقال في "شرح السنة": وفي معنى الحية والعقرب كل ضرّار مباح القتل، كالزنابير ونحوه. انتهى (٢) والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٢/ ١٢٥٢ - وفي "الكبرى" -٤٨/ ١١٢٥ عن قتيبة بن سعيد، عن ابن عيينة، ويزيد بن زريع، كلاهما عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جَوْس، عنه. وفي -١٢٠٣ - و"الكبرى" -١١٢٦ - عن محمَّد بن رافع، عن سليمان ابن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن معمر به. والله -تَعَالَى- أعلم.

стр. 8666

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) رقم ٩٢١ - عن مسلم بن إبراهيم، عن علي بن المبارك، عن يحيى ابن أبي كثير به. (ت) -٣٨٨ - عن علي بن حجر، عن إسماعيل ابن علية، عن علي ابن المبارك به. وقال: حسن صحيح. (ق) -١٢٤٥ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان به. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائدة: منها: ما بوب له المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وهو جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهة، ولو كان بضربات، ويجوز في غيرها بالطريق الأولى. ومنها: جواز العمل في الصلاة إذا دعت الضرورة إليه. ومنها: مشروعية دفع الضرر عن النفس، ولو في حال الصلاة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في قتل الحية والعقوب في الصلاة: قال الإمام الترمذي ﵀ -تَعَالَى-: بعد أن أخرج حديث الباب: ما نصه: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وبه يقول أحمد، وإسحاق. وكره بعض أهل العلم قتل الحية والعقرب في الصلاة، قال إبراهيم: إن في الصلاة لشغلا، والقول الأول أصح. انتهى (١). وقال أبو بكر ابن المنذر ﵀: قتل الحية والعقرب في الصلاة مباح، وبه يقول عوام أهل العلم، رأى ابن عمر ﵄ ريشة، وهو يصلي، فحسب أنها عقرب، فضربها بنعله. وممن رخص في قتل الحقرب في الصلاة: الحسن البصري، ورخص في قتل الحية والعقرب في الصلاة: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، وأصحابه. وكره قتل العقرب في الصلاة النخعي، ولا معنى لقوله، مع أمر رسول الله ﷺ بقتله، ثم هو بنفسه قول شاذ لا نعلم أحدا قال به. انتهى (٢). وقال العلامة الشوكاني ﵀ في شرح حديث الباب: ما نصه: والحديث يدلّ على قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهية. وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك، ومنهم إبراهيم النخعي، وكذا رَوَى ذلك عن إبراهيم بن أبي شيبة في

стр. 8667

"المصنف"، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن قتادة أنه قال: إذا لم تتعرض لك فلا تقتلها. قال العراقي: وأما من قتلها في الصلاة، أو هَمَّ بقتلها، فعليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وروى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه رأى ريشة، وهو يصلي، فحسب أنها عقرب، فضربها بنعله. ورواه البيهقي أيضًا، وقال: فضربها برجله، وقال: حسبت أنها عقرب. ومن التابعين الحسن البصري: وأبو العالية، وعطاء، ومورّق العجلي، وغيرهم انتهى. واستدلّ المانعون من ذلك إذا بلغ إلى حد الفعل الكثير، كالهادوية، والكارهون له، كالنخعي، بحديث "إن في الصلاة لشغلا"، وبحديث "اسكنوا في الصلاة". ويجاب عن ذلك بأن حديث الباب خاص، فلا يعارض ما ذكروه، وهكذا يقال في كل فعل كثير ورد الإذن به، كحديث حمله ﷺ لأمامة، وحديث خلعه للنعل، وحديث صلاته ﷺ على المنبر، ونزوله للسجود، ورجوعه بعد ذلك، وحديث أمره ﷺ بدرء المارّ، وإن أفضى إلى المقاتلة، وحديث مشيه لفتح الباب الآتي بعد باب، وكل ما كان كذلك ينبغي أن يكون مخصصًا لعموم أدلة المنع. انتهى كلام الشوكاني ﵀ -تَعَالَى- (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ -تَعَالَى- حسن جدا. والحاصل أن القول بجواز قتل الحية والعقرب في الصلاة هو الحق؛ لوضوح دليله. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ ضَمْضَمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمَّد بن رافع) النيسابوري، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢/ ١١٤. ٢ - (سليمان بن داود) أبو داود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث [٩] تقدم ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت من كبار [٧] تقدم ٣٠/ ٣٤. والباقون تقدموا في السند الماضي، والحديث صحيح كما سبق بيانه. والله -تَعَالَى-

стр. 8668

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣ - (حَمْلُ الصّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ، وَوَضْعُهُنَّ فِي الصَّلَاةِ) وفي بعض النسخ "حملُ الصَّبَايَا في الصلاة الخ". أي هذل باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز حمل المصلي الصبيانَ في حال الصلاة، ووضعهن على الأرض فيها. وكان الأولى للمصنف أن يقول: "ووضعهن فيها" بالضمير. و"الصبيان" بكسر الصاد، وضمها: جمع صَبيّ، وهو من لم يفطم بعدُ، ويجمع على أصْبية، وأصْبٍ، وصبوة بالكسر، وصبية بالفتح، وصبية بالكسر، وصبوان بالكسر أيضًا، ويضم الأخيران. أفاده في "ق". وأما "الصبايا" بفتح الصاد، كما في النسخة الأخرى، فجمع صبية، كمَطيَّة ومطايا. أفاده في "اللسان" ج ٤ ص ٢٣٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢٠٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه الحجة الثبت المدن [٧] تقدم ٧/ ٧. ٣ - (عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوّام الأسدي، أبو الحارث المدني، وأمه حنتمة بنت عبد الرحمن بن هشام، ثقة عابد [٤] تقدم في ٣٧/ ٧٣٠. ٤ - (عمرو بن سُلَيم) الأنصاري الزُّرَقيّ المدني، ثقة من كبار التابعين، تقدم ٣٧/ ٧٣٠. ٥ - (أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن ربعي، وقيل: غيره الصحابي الشهير - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم ٢٣/ ٢٤ والله -تَعَالَى- أعلم.

стр. 8669

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي قتادة ﵁ هذا متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في -١٩/ ٧١١ - حيث أورده المصنف هناك مستدلّا به على جواز إدخال الصبيان المساجد، ورواه عن قتيبة عن الليث، عن سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم به. وقد بقي الكلام على ما بوّب له المصنف ﵀ -تَعَالَى- هنا، وهو جواز حمل الصبيان في الصلاة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀ -تَعَالَى-: وللمرء أن يحمل الصبي في الصلاة المكتوبة والتطوع، ثبت أن نبي الله ﷺ حمل أمامة ابنة أبي العاص في الصلاة. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وحكى أبو ثور عن الكوفي أنه قال المصلي يحمل في الصلاة، أو يفتح بابا، أو مضى خلف دابة، قال: صلاته فاسدة. قال ابن المنذر ﵀: والسنة مستغنى بها. انتهى (١). وقال في "الفتح" عند شرح قوله "فإذا سجد وضعها": ما حاصله- كذا لمالك أيضًا، ورواه مسلم أيضًا من طريق عثمان بن أبي سليمان، ومحمد بن عجلان، والنسائي من طريق الزبيدي، وأحمد من طريق ابن جريج، وابن حبان من طريق أبي العميس، كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك، فقالوا: "إذا ركع وضعها"، ولأبي داود من طريق المقبري، عن عمرو بن سليم "حتى إذا أراد أن يركع أخذها، فوضعها، ثم ركع، وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها". وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه، لا منها. وهو يردّ تأويل الخطابي، حيث قال: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه، والتزمته، فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع، فيرسلها، قال: هذا وجه عندي. ويردّ أيضًا قول ابن دقيق العيد: إن لفظ "حمل" لا يساوي لفظ "وضع" في اقتضاء فعل الفاعل، لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمّله، بخلاف وضع، فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع، لا الرفع، فيقل العمل. انتهى. لأن قوله: "حتى إذا فرغ من سجوده قام، وأخذها، فردها في مكانها" صريح في أن الرفع صادر منه ﷺ ، وقد رجع ابن دقيق العيد إلى هذا، فقال: وقد كُنْتُ أحسب هذا -يعني الفرق بين "حمل" و"وضع"- وأن الصادر منه الوضع، لا الرفع حسنًا إلى أن

стр. 8670

رأيت في بعض طرقه الصحيحة "فإذا قام أعادها" انتهى. وهذه الرواية في "صحيح مسلم"، ولأحمد "فإذا قال حملها، فوضعها على رقبته". والحديث يدلّ على أن مثل هذا الفعل معفوّ عنه من غير فرق بين الفريضة والنافلة، والمنفرد والمؤتم والإمام، لما في "صحيح مسلم" من زيادة "وهو يؤم الناس في المسجد"، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة جاز في غيرها بالأولى. قال القرطبي: وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده المازري، وعياض، وابن القاسم، لما ثبت في مسلم: "رأيت النبي ﷺ يؤم الناس، وأمامة على عاتقه". قال المازري: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة، وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود بلفظ "بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر، أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقة، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر، فكبرنا، وهي في مكانها". وعند الزبير بن بكار. وتبعه السهيلي "الصبح". ووهم من عزاه إلى "الصحيحين". قال القرطبي: وروى أشهب، وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك للضرووة، حيث لم يجد من يكفيه أمرها. وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سرّه في صلاته أكثر من شغله بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. قال القرطبي: وروَى عبدُ الله بن يوسف التنيسي، عن مالك أن الحديث منسوخ. روى ذلك الإسماعيلي، عقب روايته للحديث من طريقه، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسي: قال مالك: من حديث النبي ﷺ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا. وقال ابن عبد البرّ: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله ﷺ : "إن في الصلاة لشغلا"؛ لأن ذلك كان قبل الهجرة (١)، وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة. قاله الحافظ ﵀ -تَعَالَى-. وذكر عياض عن بعضهم: أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، لكونه معصومًا من أن تبول، وهو حاملها. وردّ بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك.

стр. 8671

وحَمَلَ أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في أركان صلاته. انتهى. وقال النووي ﵀ -تَعَالَى-: ادعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه للضرورة، وكل ذلك دعاوي باطلة مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، والأعم الذي الصلاة لا تبطلها إذا قلت، أو تفرقت، ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي ﵀ -تَعَالَى- حسن جدًا. وحاصله: جواز حمل الصبيان في الصلاة مطلقا، وأن ذلك ليس بعمل كثير يبطل الصلاة، لعدم تواليه، وإنما يبطل العمل الكثير إذا توالى. فكل عمل غير متوال لا يبطل الصلاة. وبهذا يحصل الجمع بين حديث الباب، وحديث "إن في الصلاة لشغلا". والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢٠٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ أَعَادَهَا). رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا إلا: ١ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة [٨] تقدم في ١/ ١. ٢ - (عثمان بن أبي سليمان) بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المكي قاضيها ثقة [٦] تقدم في ٣٧/ ٨٢٧. والحديث متفق عليه، وتمام البحث فيه قد تقدم في الذي قبله. وبالله تَعَالَى التوفيق. قوله: "أمامة" بضم الهمزة، بضم الهمزة، وتخفيف الميمين، هي بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، كانت صغيرة على عهده ﷺ ، وتزوجها علي ﵁ بعد موت فاطمة ﵂ بوصية منها، ولم تعقب. وقوله: "بنت أبي العاص" هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، واختلف في اسمه، فقيل: لقيط، وقيل: مقسم، وقيل: القاسم، وقيل: مِهْشَم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، وهو مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وهاجر، ورد عليه النبي ﷺ ابنته زينب، وماتت معه، وأثنى عليه في مصاهرته، وكانت وفاته في خلافة

стр. 8672

أبي بكر الصديق ﵄ قاله في "الفتح" (١). وقوله: "فإذا ركع وضعها" لا تنافي بينه وبين قوله في الرواية السابقة: "فإذا سجد وضعها"؛ لأن هذه الرواية موضحة لتلك، ومعنى ذلك أنه يضعها عند الركوع، ثم يستمرّ على ذلك حتى نهاية سجوده، فإذا فرغ منه رفعها، كما بينه قوله: "فإذا فرغ من سجوده أعادها". والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (بَابُ الْمَشْي أَمَامَ الْقِبْلَةِ خُطًى يَسِيرَةً) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز المشي في الصلاة إلى جهة القبلة خطوات يسيرة. و"الخُطَى" بالضم والقصر: جمع خُطْوة بضم، فسكون، وهو: ما بين الرجلين: يقال: خَطَوت أخْطُو خَطْوًا، مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضرْب وضربة، والخُطْوَة، بضم، فسكون: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات، على لفظه، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثل غُرَف وغُرُفات، ويجوز في طاء الجمع الضم، والفتح، والتسكين، أفاده في "المصباح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرْدُ بْنُ سِنَانَ -أَبُو الْعَلَاءِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَفْتَحْتُ الْبَابَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَطَوُّعًا، وَالْبَابُ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَمَشَى عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلاَّهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظي المروزي نزيل نيسابور، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (حاتم بن وردان) بن مروان (٣) السعدي، أبو صالح البصري، إمام مسجد أيوب

стр. 8673

السختياني، ثقة [٨]. روى عن أيوب، وابن عون، وبُرْد بن سنان، وغيرهم. وعنه عفان، وإسحاق بن راهويه، وابن المديني، وغيرهم. قال ابن خيثمة، عن ابن معين. ثقة. وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري عن عمرو بن محمد: مات سنة (١٤٨). أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. ٣ - (بُرْد بن سنان أبو العلاء) الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق رمي بالقدر [٥] تقدم ١٤١/ ٢٢٢. ٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) - رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - تقدمت ٥/ ٥ والله -تَعَالَى- أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وأن رواته كلهم ثقات، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: استفتحت الباب) أي طلبت فتحه، فالسين والتاء للطلب. قال في "المنهل": والظاهر أنها ظنت أنه ليس في صلاة، وإلا لم تطلب منه الفتح، كما هو اللائق بأدبها وعلمها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره صاحب "المنهل" ليس لازمًا، إِذْ يحتمل أنه ﷺ أعلمها قبل ذلك جواز فتح الباب في الصلاة. والله -تَعَالَى- أعلم. (ورسوله ﷺ يصلي) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أنه ﷺ يصلي في داخل البيت. ولفظ أبي داود من طريق بشر بن المفضل، عن برد بن سنان: "كان رسول الله ﷺ يصلي، والباب عليه مغلق، فجئت، فاستفتحت. . ." ولفظ الترمذي من طريق بشر بن المفضل، عن برد أيضًا: "جئتُ، ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق. . .".

стр. 8674

(تطوعا) مفعول "يصلي"، أي كان يصلي صلاة تطوع. (والباب على القبلة) مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل "يصلي"، أي والحال أن الباب في جهة القبلة. وأرادت عائشة ﵂ بذلك قطع توهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة، فذكرت أن الباب كان في جهة القبلة، وأنه ﷺ لم يستدبر القبلة في حال مجيئه، إليها، وفتحه الباب لها، ثم رجوعه إلى مكان صلاته (فمشى عن يمينه، أو عن يساره) الظاهر أن "أو" للشك من بعض الرواة، ولا ينافي هذا قولَهَا: "والباب على القبلة"، لأن المراد به أن الباب ليس في دبر القبلة بحيث يؤدي فتحه إلى استدبارها، بل هو في جهتها، إلا أنه يميل إلى اليمين أو اليسار، بحيث لا يستلزم فتحه استدبارَها، بل يميل قليلًا، وهذا لا ينافي الصلاة. ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني في "سننه" ج ٢ ص ٨٠ بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب فتح له ما كان في قبلته، أو عن يمينه، أو عن يساره، ولا يستدبر القبلة". وفي سنده محمَّد بن حميد الرازي متكلم فيه، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. والله -تَعَالَى- أعلم. (ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه) أي رجع وراءه على عقبيه إلى مكان صلاته. فيه دليل على إباحة المشي في صلاة التطوع لحاجة قلّ أو أكثر. قال ابن الملك: مشيه ﷺ ، وفتحه الباب، ثم رجوعه إلى الصلاة يدلّ على أن الأفعال الكثيرة إذا توالت لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم. انتهى. وقال ابن رسلان: هذا المشي محمول على أنه مشي خطوة، أو خطوتين، أو مشي أكثر من ذلك متفرّقًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن رسلان تقيد للحديث بالمذهب، ولا يخفى فساده، كما قال الشوكاني ﵀، فإن الحديث يدلّ على إباحة المشي في صلاة التطوع للحاجة، إذا كان في جهة القبلة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رَضيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهَا - هذا حسن من أجل الكلام في برد بن سنان. والله -تَعَالَى- أعلم.

стр. 8675

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤/ ١٢٠٦ - وفي "الكبرى" -٤٩/ ١١٢٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن حاتم بن وردان، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عنها والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ٩٢٢ عن أحمد بن حنبل: ومسدد، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن برد به. (ت) ٦٠١ - عن يحيى بن خلف، عن بشر به. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو جواز المشى أمام القبلة خُطى يسيرة. ومنها: جواز افتتاح المصلي الباب، وهو في الصلاة. ومنها: أنه يستحب لمن صَلَّى في البيت أن يغلق عليه الباب، لقوله في رواية الترمذي: "والباب مغلق عليه"، وذلك ليكون سترة له عن المارة بين يديه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (بَابُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التصفيق في الصلاة لمن نابه شيء فيها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التصفيق" -بالقاف-: مصدر صَفَّقَ يُصَفّق: وهو التصويت، ويقال فيه: "التصفيح" بالحاء المهملة. قال الحافظ العراقى ﵀ -تَعَالَى-: والمشهور أن معناهما واحد، قال عقبة: والتصفيح: التصفيق، وكذا قال أبو علي البغدادي، والخطابي، والجوهري، وقال ابن حزم: لا خلاف في أن التصفيح والتصفيق بمعنى واحد، وهو الضرب بإحدى صفحتي الكف على الأخرى. قال العراقي: وما ادعاه من نفي الخلاف ليس بجيد، بل فيه قولان آخران أنهما مختلفًا المعنى: أحدهما: أن التصفيح: الضرب بظهر إحداهما على الأخرى، والتصفيق: الضرب

стр. 8676

بباطن إحداهما على باطن الأخرى. حكاه صاحب "الإكمال"، وصاحب "المفهم". والقول الثاني: أن التصفيح: الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بالجميع للَّهو واللعب. وروى أبو داود في "سننه" عن عيسى بن أيوب أن التصفيح: الضرب بإصبعين من اليمين على باطن الكف اليسرى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". -زَادَ ابْنُ الْمُثَنَّى-: "فِي الصَّلَاةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب. ٢ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠. ٣ - (سفيان بن عيينة) تقدم قبل باب. ٤ - (الزهري) محمَّد إن مسلم تقدم قريبًا. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) - رَضِيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم ١/ ١. والله -تَعَالَى- أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأن شيخه ابن المثنى أحد مشايخ الأئمة الستة بدون وسطة، وفيه قوله: "واللفظ له": يعني أن لفظ الحديث لمحمد بن المثنى، وأما قتيبة فرواه بالمعنى، وقد تقدم بيانه غير مرة، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه أبا هريرة أكثر الصحابة رواية. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عن النب ﷺ ) أنه قال (قال: التسبيح للرجال) مبتدأ وخبر. يعني أنه إذا نابهم وهم في الصلاة شيء كالإذن للداخل، وإنذار الأعمى، وتنبيه الساهي، فالمشروع لهم أن يقولوا: سبحان الله (والتصفيق للنساء) يعني أنه إذا نابهن شيء في الصلاة فالمشروع لهن أن يصفق، وإنما النساء بالتصفيق، لأنهن مأمورات بخفض أصواتهن، لما يخشى من الافتتان بهن، ولم يجعل التصفيق

стр. 8677

للرجال؛ لأنه من شأن النساء. والحديث يَرُدُّ على ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه أن المشروع في حق الجميع التسبيح دون التصفيق، وعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من فساد صلاة المرأة إذا صفقت في صلاتها. قاله الشوكاني ﵀ -تَعَالَى- (١). وقال في "المنهل": وبظاهر هذا الحديث أخذت الشافعية والحنابلة، وقالوا: لا يضرّ التسبيح ولو كثر، لأنه قول من جنس الصلاة، وإن أكثر التصفيق أبطلها، لأنه عمل من غير جنس الصلاة. وقالت المالكية والحنفية: التسبيح للرجال والنساء، لعموم قوله ﷺ : "من نابه شيء في صلاته، فليسبح"، ولم يخص رجالا من نساء. قال الزرقاني: هكذا تأوله مالك وأصحابه، ومن وافقهم على كراهة التصفيق للنساء. وتعقبه ابن عبد البر بزيادة أبي داود وغيره عن حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل في آخر الحديث: "إذا نابكم شيء في الصلاة، فليسبح الرجال، وليصفح النساء". قال: فهذا قاطع في موضع الخلاف، يرفع الإشكال؛ لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء. وقال القرطبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصححيح خبرا ونظرا؛ لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا، لما يخشى من الافتتان، ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء. انتهى. وزادت الحنفية: إن صفقت المرأة بطلت صلاتها. لكن يردّ ما ذكر أحاديثُ الباب. فالراجح ما ذهبت إليه الشافعية والحنابلة. لأحاديث الباب، ولما ذكره ابن عبد البرّ والقرطبي. انتهى ما قاله في "المنهل" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه في "المنهل" هو الصواب. وقد استوفيت البحث فيما يتعلق بالتسبيح والتصفيق في -٧/ ٧٨٤ - بما فيه الكفاية، فمن أراد الاستفادة فليرجع إليه. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٥/ ١٢٠٧ - وفي "الكبرى" -٥٠/ ١١٣٠ - عن قتيبة، ومحمد بن

стр. 8678

المثنى، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي -١٢٠٨ - و"الكبرى" -١١٣١ - عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما عنه. و-١٦/ ١٢٠٩ - و"الكبرى" -٥١/ ١١٣٢ - عن قتيبة، عن الفضيل بن عياض- وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك - كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه. و-١٢١٠ - و"الكبرى" -١١٣٣ - عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن عوف الأعرابي، عن محمَّد بن سيرين، عنه. والله -تَعَالَى- أعلم. أخرجه (خ) ٢/ ٧٩ - عن علي بن عبد الله، عن ابن عيينة به. (م) ٢/ ٢٧ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلهم عن ابن عيينة به، و ٢/ ٢٧ عن هارون بن معروف، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به. و ٢/ ٢٧ عن قتيبة بن سعيدن عن الفضيل بن عياض- (ح) وعن أبي كريب، عن أبي معاوية- (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- كلهم عن الأعمش به. و ٢/ ٢٧ - عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه عنه. (د) ٩٣٩ - عن قتيبة، عن ابن عيينة به. و ٩٤٤ - عن عبد الله بن سعيد، عن يونس بن بكير، عن محمَّد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن أبي غطفان، عنه. ثم قال أبو داود: هذا الحديث وهم. (ت) ٣٦٩ - عن هناد بن السري، عن أبي معاوية به. (ق) ١٠٣٤ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن ابن عيينة به. وأخرجه (الحميدي) رقم ٩٤٨ - (وأحمد) ٢/ ٢٤١ و ٢٦١ و ٤٤٠ و ٤٧٩ و ٢٩٠ و ٤٣٢ و ٤٧٣ و ٥٠٧ و ٣١٧ و ٣٧٦ و ٤٩٢. (والدارمي) رقم ١٣٧٠ (وابن خزيمة) ٨٩٤. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وهو مشروعية التصفيق للنساء إذا نابهن شيء في الصلاة. ومنها: مشروعية التسبيح للرجال إذا نابهم شيء في الصلاة. ومنها: بيان الفرق بين الرجال والنساء في هذه المسألة، فلا يجوز للرجال أن يصفقوا، ولا للنساء أن يسبحن. وقد تقدم بيان اختلاف أهل العلم فيما إذا خالف كل منهما ما أمر به في ٧/ ٧٨٤ - مفصلًا محققًا، فمن أراد ذلك، فليرجع إليه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 8679

١٢٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا (١) سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمَّد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (سعيد بن المسيب) الإمام الحجة الثبت الفقيه من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩. والباقون تقدموا في الذي قبله، والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وماِه توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب". … ١٦ - (بَابُ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز تسبيح الرجال في الصلاة إذا نابهم فيها شيء. ١٢٠٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ ح وَأَنْبَأَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب السابق. ٢ - (الفضيل بن عياض) بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، خراساني الأصل نزيل مكة، ثقة عابد إمام [٨] تقدم ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (سُوَيد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥. ٤ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦.

стр. 8680

٥ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحافظ الحجة [٥] تقدم ١٧/ ١٨. ٦ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٣٦/ ٤٠. ٧ - (أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم ١/ ١. والحديث متفق عليه كما سبق في الباب الماضي والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢١٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسى نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] تقدم ٤/ ٤. ٣ - (عوف) بن أبي جميلة بَندَويه الأعرابي البصري، ثقة رمي بالقدر والشيع [٦] تقدم ٤٦/ ٥٧. ٤ - (محمَّد) بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧. ٥ - (أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - ١/ ١. قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀ -تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وقد أخرجه أحمد، كما تقدم الكلام عليه في الباب الماضي. والله -تَعَالَى- أعان بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب". … ١٧ - (التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التنحنح في الصلاة للحاجة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التنحنُحُ": مصدر تَنحْنَح، قال المجد اللغوي: نَحَّ يَنِحُّ نَحِيحًا: تردّد صوتُهُ في جوفه، كنَحْنَحَ، وتنحنح. انتهى. وقال الأزهري عن الليث: النَّحْنَحَة: التنحنحُ، وهو أسهل من السعال، وهي علة

стр. 8681

البخيل، وأنشدت [من الرجز]. يَكَادُ مِنْ نَحْنَحَةٍ وَأَحِّ … يَحْكِي سُعَالَ الشَّرِقِ الْأَبَحِّ ذكره في "اللسان". والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ، إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغًا أَذِنَ لِي). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمَّد بن قُدَامة المصِّيصي) ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الكوفي نزيل الرَّيِّ، ثقة صحيح الكتاب [٨] تقدم ٢/ ٢. ٣ - (المغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، مدلس [٦] تقدم ١٨٨/ ٣٠١. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ "عن مغيرة" بحذف "ال"، وهي للمح الأصل، فيجوز إثباتها وحذفها، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيهِ دَخَلَا … للَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقلَا كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذكْرُ ذَا وَحَذفُهُ سِيَّانِ ٤ - (الحارث) بن يزيد التيمي العُكْلي الكوفي، ثقة فقيه [٦] إلا أنه قديم الموت. روى عن أبي زرعة بن عمرو، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وعنه عمارة ابن القعقاع من أقرانه، وابن عجلان، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كان فقيها من أصحاب إبراهيم، من عُلِّيَّتهم، وكان ثقة في الحديث قديم الموت، لم يرو عنه إلا الشيوخ. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة ثقة، لا يسئل عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فالحارث بن يزيد العكلي؟ قال: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم ١٢١٢. ٥ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: غيره، ثقة [٣] تقدم ٤٣/ ٥٠.

стр. 8682

٦ - (عبد الله بنُ نُجَيّ) -بنون وجيم مصغرا- ابن سلمة بن حشْم -بكسر الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة- ابن أسد بن خُلَيبة -بَضم الخاء المعجمة- الحضرمي، أبو لقمان الكوفي، صدوق [٣] تقدم في ١٦٨/ ٢٦١. ٧ - (علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن المدني، رابع الخلفاء الراشدين ﵁ تقدم ٧٤/ ٩١ والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن علي) - رَضِيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة) وفي الرواية التالية من طريق أبي بكر بن عياش، عن المغيرة: "كان من رسول الله ﷺ مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي". وفي الرواية التي بعدها من رواية عبد الله بن نجي، عن أبيه: "قالا: قال لي علي كانت لي منزلة من رسول الله ﷺ ، لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كلَّ سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه". (آتيه فيها) بالجر صفة لـ"ساعة" (فإذا أتيته استأذنت) فيه مشروعية الإستئذان لمن كان بينه وبين صاحب البيت وقت معين، أذن له بالدخول عليه فيه، لاحتمال أن ينسى ذلك، ويغفل عنه، فيدخل عليه، وهو في حالة لا يرضي أن يراه فيها أحد. (إن وجدته يصلي) جملة "يصلي" حال من المفعول، أي إن صادفته مصليًا (فتنحنح) تقدم في أول الباب معنى التنحنح، ولفظ "الكبرى": "فسبح" (دخلت) جواب "إن"، ومُتَعَلَّقهُ محذوف، أي عليه، وهذا صريح في أن تنحنحه ﷺ علامة إذنه، ولكن الرواية الآتية "فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي" صريحة في العكس، فبينهما تخالف، على أنه يمكن أن يجمع بينهما بأن يكون له في التنحنح حالتان: إحداهما علامة للإذن، والأخرى علامة لعدمه، وكان علي ﵁ يميز بينهما بالقرينة، لكن الحديث ضعيف -كما يأتي بيانه- فلا حاجة إلى التكلف في الجمع بينهما؛ لأن الجمع فرع الصحة. والله -تَعَالَى- أعلم. (وإن وجدته فارغا) أي خاليا من الصلاة (أذن لي) بالبناء للفاعل، وهو من باب عَلِمَ: أي أذن لي النبي ﷺ ﷺ بصريح قوله. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 8683

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا ضعيف، للانقطاع بينه وبين عبد الله بن نُجيّ، على ما قال ابن معين وغيره، كما تقدم، وللاضطراب في سنده ومتنه. قال البيهقي ﵀ -كما في "التلخيص الحبير"-: هذا مختلف في إسناده ومتنه، قيل: "سبح"، وقيل: "تنحنح"، قال: ومداره على عبد الله بن نُجَيّ. انتهى. وقال الحافظ ﵀ -تَعَالَى-: قلت: واختلف عليه فيه، فقيل: عنه، عن علي، وقيل: عنه، عن أبيه، عن علي. وقال يحيى بن معين: لم يسمعه عبد الله من علي، بينه وبين علي أبوه. انتهى (١). وقال ابن خزيمة ﵀ -تَعَالَى-: في "صحيحه" ج ٢ ص ٥٤. "باب الرخصة في التنحنح في الصلاة عند الاستئذان على المصلي، إن صحت هذه اللفظة، فقد اختلفوا فيها". ثم أخرجه من طريق شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، عن علي. . . وهو الحديث الآتي بعد حديث عند المصنف. ثم قال: قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذا الخبر، عن عبد الله بن نُجي، فلست أحفظ أحدا قال: "عن أبيه" غير شرحبيل بن مدرك هذا. ورواه عمارة بن القعقاع، ومغيرة بن مقسم جميعًا عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن بني، عن علي. وقال جرير، عن المغيرة، عن الحارث، وعمارة عن الحارث: "يسبح". وقال أبو بكر بن عياش، عن المغيرة: "يتنحنح". انتهى. والحاصل أن هذا الحديث مضطرب سندا ومتنا، فلا يصح، وإن نقل تصحيحه في "التلخيص الحبير" عن ابن السكن. والله -تَعَالَى- أعلم. [تنبيه]: أخرج أحمد في "مسنده" ١/ ٩٨ و ٧٩ و ١١٢ بسنده عن أبي أمامة، عن علي ﵁، قال: "كنت إذا استأذنت على رسول الله ﷺ ، إن كان في صلاة سبح، وإن كان في غير ذلك أذن". انتهى. وهذا أيضًا لا يصحّ لأن في سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له:

стр. 8684

أخرجه هنا -١٧/ ١٢١١ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ١٢٣٤ - عن محمَّد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة، عن الحارث العُكْلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نُجَيّ، عنه. وفي ١٢١٢ - و"الكبرى" ١١٣٦ - عن محمَّد بن عبيد المحاربي، عن أبي بكر بن عياش، عن مغيرة، عن الحارث العكلي، عن عبد الله بن نجي، ليس فيه ذكر "عن أبي زرعة". وفي ١٢١٣ - و"الكبرى" ١١٣٧ - عن القاسم بن زكريا، عن أبي أسامة، عن شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي ﵁. زاد "عن أبيه". والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ق) ٣٧٠٨ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش به. وأخرجه (أحمد) ١/ ٧٧ و ٨٠ و ١٠٧ و ٨٥ (والدارمي) رقم ٢٦٦٦. (وابن خزيمة) ٩٠٢ و ٩٠٤. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: دلّ الحديث على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد، قال الشوكاني ﵀ -تَعَالَى-: وقد ذهب إلى ذلك الإمام يحيى، والشافعي، وأبو يوسف، كما في البحر، وروي عن الناصر، وقال المنصور بالله: إذا كان لإصلاح الصلاة لم يفسد به. وذهب أبو حنيفة، ومحمد، والهادوية إلى أن التنحنح مفسد؛ لأن الكلام لغة ما تركب من حرفين، وإن لم يكن مفيدا. وردّ بأن الحرف ما اعتمد على مخرجه المعين، وليس في التنحنح اعتماد. وقد أجاب المهدي عن الحديث بقوله: ولعله قبل نسخ الكلام، ثم دليل التحريم أرجح للحظر. قال الشوكاني ﵀ -تَعَالَى-: وقد عرفناك أن تحريم الكلام كان بمكة، والاتكال على مثل هذه العبارة التي ليس فيها إلا مجرد الترجي من دون علم ولا ظن، لو جاز التعويل على مثلها لردَّ من شاء ما شاء من الشريعة المطهرة، وهو باطل بالإجماع. وأما ترجيح دليل تحريم الكلام، فمع كونه من ترجيح العام على الخاص قد عرفت أن العام غير صادق على محل النزاع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم فساد الصلاة بالتنحنح هو الراجح عندي، لا لصحة حديث الباب، بل لأن التنحنح ليس كلاما يشمله دليل تحريم الكلام، كما بينه

стр. 8685

العلامة الشوكاني ﵀ آنفًا. والحاصل أن التنحنح لا يبطل الصلاة، لعدم وجود دليل على إبطاله، والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢١٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَنَحْنَحَ لِي). رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا، إلا: ١ - (محمَّد بن عبيد) المحاربي الكوفي، صدوق [١٠] تقدم ١٤٤/ ٢٢٦. ٢ - (ابن عياش) أبو بكر الأسدي الكوفى المقرئ، اختلف في اسمه على عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] تقدم ٩٨/ ١٢٧. والحديت ضعيف، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، وبالله -تَعَالَى- التوفيق. قوله: "مدخلان" -بفتح الميم، والخاء المعجمة-: ظرف زمان، من الدخول ثلاثيا، ويحتمل أن يكون بضم الميم، وفتح الخاء ظرف زمان أيضًا من الإدخال رباعيًا، والمعنى كان رسول الله ﷺ وَقَّتَ لي وقتين للدخول عليه، وقت بالليل، ووقت بالنهار. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢١٣ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ -يَعْنِي ابْنَ مُدْرِكٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: "كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ، فَكُنْتُ آتِيهِ كُلَّ سَحَرٍ (١)، فَأَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ تَنَحْنَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي، وَإِلاَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (القاسم بن زكريا بن دينار) القرشي أبو محمَّد الكوفي الطحان، وربما نسب إلى جده، ثقة [١١] تقدم ٨/ ٤١٠. ٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس [٩] تقدم ٤٤/ ٥٢. ٣ - (شُرَحْبيل بن مدرك) الجعفي الكوفى ثقة [٥].
следующие страницы →