← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

البخيل، وأنشدت [من الرجز]. يَكَادُ مِنْ نَحْنَحَةٍ وَأَحِّ … يَحْكِي سُعَالَ الشَّرِقِ الْأَبَحِّ ذكره في "اللسان". والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ، إِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ فَارِغًا أَذِنَ لِي). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمَّد بن قُدَامة المصِّيصي) ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الكوفي نزيل الرَّيِّ، ثقة صحيح الكتاب [٨] تقدم ٢/ ٢. ٣ - (المغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، مدلس [٦] تقدم ١٨٨/ ٣٠١. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ "عن مغيرة" بحذف "ال"، وهي للمح الأصل، فيجوز إثباتها وحذفها، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيهِ دَخَلَا … للَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقلَا كَالفَضْلِ وَالحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذكْرُ ذَا وَحَذفُهُ سِيَّانِ ٤ - (الحارث) بن يزيد التيمي العُكْلي الكوفي، ثقة فقيه [٦] إلا أنه قديم الموت. روى عن أبي زرعة بن عمرو، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وعنه عمارة ابن القعقاع من أقرانه، وابن عجلان، ومغيرة بن مقسم، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كان فقيها من أصحاب إبراهيم، من عُلِّيَّتهم، وكان ثقة في الحديث قديم الموت، لم يرو عنه إلا الشيوخ. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة ثقة، لا يسئل عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الحاكم: قلت للدارقطني: فالحارث بن يزيد العكلي؟ قال: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم ١٢١٢. ٥ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: غيره، ثقة [٣] تقدم ٤٣/ ٥٠.

стр. 8682

٦ - (عبد الله بنُ نُجَيّ) -بنون وجيم مصغرا- ابن سلمة بن حشْم -بكسر الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة- ابن أسد بن خُلَيبة -بَضم الخاء المعجمة- الحضرمي، أبو لقمان الكوفي، صدوق [٣] تقدم في ١٦٨/ ٢٦١. ٧ - (علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن المدني، رابع الخلفاء الراشدين ﵁ تقدم ٧٤/ ٩١ والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن علي) - رَضِيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: كان لي من رسول الله ﷺ ساعة) وفي الرواية التالية من طريق أبي بكر بن عياش، عن المغيرة: "كان من رسول الله ﷺ مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي". وفي الرواية التي بعدها من رواية عبد الله بن نجي، عن أبيه: "قالا: قال لي علي كانت لي منزلة من رسول الله ﷺ ، لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كلَّ سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه". (آتيه فيها) بالجر صفة لـ"ساعة" (فإذا أتيته استأذنت) فيه مشروعية الإستئذان لمن كان بينه وبين صاحب البيت وقت معين، أذن له بالدخول عليه فيه، لاحتمال أن ينسى ذلك، ويغفل عنه، فيدخل عليه، وهو في حالة لا يرضي أن يراه فيها أحد. (إن وجدته يصلي) جملة "يصلي" حال من المفعول، أي إن صادفته مصليًا (فتنحنح) تقدم في أول الباب معنى التنحنح، ولفظ "الكبرى": "فسبح" (دخلت) جواب "إن"، ومُتَعَلَّقهُ محذوف، أي عليه، وهذا صريح في أن تنحنحه ﷺ علامة إذنه، ولكن الرواية الآتية "فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي" صريحة في العكس، فبينهما تخالف، على أنه يمكن أن يجمع بينهما بأن يكون له في التنحنح حالتان: إحداهما علامة للإذن، والأخرى علامة لعدمه، وكان علي ﵁ يميز بينهما بالقرينة، لكن الحديث ضعيف -كما يأتي بيانه- فلا حاجة إلى التكلف في الجمع بينهما؛ لأن الجمع فرع الصحة. والله -تَعَالَى- أعلم. (وإن وجدته فارغا) أي خاليا من الصلاة (أذن لي) بالبناء للفاعل، وهو من باب عَلِمَ: أي أذن لي النبي ﷺ ﷺ بصريح قوله. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 8683

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا ضعيف، للانقطاع بينه وبين عبد الله بن نُجيّ، على ما قال ابن معين وغيره، كما تقدم، وللاضطراب في سنده ومتنه. قال البيهقي ﵀ -كما في "التلخيص الحبير"-: هذا مختلف في إسناده ومتنه، قيل: "سبح"، وقيل: "تنحنح"، قال: ومداره على عبد الله بن نُجَيّ. انتهى. وقال الحافظ ﵀ -تَعَالَى-: قلت: واختلف عليه فيه، فقيل: عنه، عن علي، وقيل: عنه، عن أبيه، عن علي. وقال يحيى بن معين: لم يسمعه عبد الله من علي، بينه وبين علي أبوه. انتهى (١). وقال ابن خزيمة ﵀ -تَعَالَى-: في "صحيحه" ج ٢ ص ٥٤. "باب الرخصة في التنحنح في الصلاة عند الاستئذان على المصلي، إن صحت هذه اللفظة، فقد اختلفوا فيها". ثم أخرجه من طريق شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نُجي، عن أبيه، عن علي. . . وهو الحديث الآتي بعد حديث عند المصنف. ثم قال: قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذا الخبر، عن عبد الله بن نُجي، فلست أحفظ أحدا قال: "عن أبيه" غير شرحبيل بن مدرك هذا. ورواه عمارة بن القعقاع، ومغيرة بن مقسم جميعًا عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن بني، عن علي. وقال جرير، عن المغيرة، عن الحارث، وعمارة عن الحارث: "يسبح". وقال أبو بكر بن عياش، عن المغيرة: "يتنحنح". انتهى. والحاصل أن هذا الحديث مضطرب سندا ومتنا، فلا يصح، وإن نقل تصحيحه في "التلخيص الحبير" عن ابن السكن. والله -تَعَالَى- أعلم. [تنبيه]: أخرج أحمد في "مسنده" ١/ ٩٨ و ٧٩ و ١١٢ بسنده عن أبي أمامة، عن علي ﵁، قال: "كنت إذا استأذنت على رسول الله ﷺ ، إن كان في صلاة سبح، وإن كان في غير ذلك أذن". انتهى. وهذا أيضًا لا يصحّ لأن في سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له:

стр. 8684

أخرجه هنا -١٧/ ١٢١١ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ١٢٣٤ - عن محمَّد بن قدامة، عن جرير، عن مغيرة، عن الحارث العُكْلي، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن نُجَيّ، عنه. وفي ١٢١٢ - و"الكبرى" ١١٣٦ - عن محمَّد بن عبيد المحاربي، عن أبي بكر بن عياش، عن مغيرة، عن الحارث العكلي، عن عبد الله بن نجي، ليس فيه ذكر "عن أبي زرعة". وفي ١٢١٣ - و"الكبرى" ١١٣٧ - عن القاسم بن زكريا، عن أبي أسامة، عن شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي ﵁. زاد "عن أبيه". والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ق) ٣٧٠٨ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عياش به. وأخرجه (أحمد) ١/ ٧٧ و ٨٠ و ١٠٧ و ٨٥ (والدارمي) رقم ٢٦٦٦. (وابن خزيمة) ٩٠٢ و ٩٠٤. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: دلّ الحديث على أن التنحنح في الصلاة غير مفسد، قال الشوكاني ﵀ -تَعَالَى-: وقد ذهب إلى ذلك الإمام يحيى، والشافعي، وأبو يوسف، كما في البحر، وروي عن الناصر، وقال المنصور بالله: إذا كان لإصلاح الصلاة لم يفسد به. وذهب أبو حنيفة، ومحمد، والهادوية إلى أن التنحنح مفسد؛ لأن الكلام لغة ما تركب من حرفين، وإن لم يكن مفيدا. وردّ بأن الحرف ما اعتمد على مخرجه المعين، وليس في التنحنح اعتماد. وقد أجاب المهدي عن الحديث بقوله: ولعله قبل نسخ الكلام، ثم دليل التحريم أرجح للحظر. قال الشوكاني ﵀ -تَعَالَى-: وقد عرفناك أن تحريم الكلام كان بمكة، والاتكال على مثل هذه العبارة التي ليس فيها إلا مجرد الترجي من دون علم ولا ظن، لو جاز التعويل على مثلها لردَّ من شاء ما شاء من الشريعة المطهرة، وهو باطل بالإجماع. وأما ترجيح دليل تحريم الكلام، فمع كونه من ترجيح العام على الخاص قد عرفت أن العام غير صادق على محل النزاع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم فساد الصلاة بالتنحنح هو الراجح عندي، لا لصحة حديث الباب، بل لأن التنحنح ليس كلاما يشمله دليل تحريم الكلام، كما بينه

стр. 8685

العلامة الشوكاني ﵀ آنفًا. والحاصل أن التنحنح لا يبطل الصلاة، لعدم وجود دليل على إبطاله، والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢١٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ، مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ، وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَنَحْنَحَ لِي). رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا، إلا: ١ - (محمَّد بن عبيد) المحاربي الكوفي، صدوق [١٠] تقدم ١٤٤/ ٢٢٦. ٢ - (ابن عياش) أبو بكر الأسدي الكوفى المقرئ، اختلف في اسمه على عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] تقدم ٩٨/ ١٢٧. والحديت ضعيف، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، وبالله -تَعَالَى- التوفيق. قوله: "مدخلان" -بفتح الميم، والخاء المعجمة-: ظرف زمان، من الدخول ثلاثيا، ويحتمل أن يكون بضم الميم، وفتح الخاء ظرف زمان أيضًا من الإدخال رباعيًا، والمعنى كان رسول الله ﷺ وَقَّتَ لي وقتين للدخول عليه، وقت بالليل، ووقت بالنهار. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢١٣ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ -يَعْنِي ابْنَ مُدْرِكٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: "كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ، فَكُنْتُ آتِيهِ كُلَّ سَحَرٍ (١)، فَأَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ تَنَحْنَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي، وَإِلاَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (القاسم بن زكريا بن دينار) القرشي أبو محمَّد الكوفي الطحان، وربما نسب إلى جده، ثقة [١١] تقدم ٨/ ٤١٠. ٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس [٩] تقدم ٤٤/ ٥٢. ٣ - (شُرَحْبيل بن مدرك) الجعفي الكوفى ثقة [٥].

стр. 8686

روى عن أبيه، وابن عباس: وعبد الله بن نجيّ. وعنه أبو أسامة، ومحمد بن عُبيد الطنافسي. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في الطبقة الثالثة، وقال: يروي عن أبيه، عن ابن عباس. انفرد به المصنف ﵀ -تَعَالَى- بهذا الحديث فقط، قال الحافظ ﵀ -تَعَالَى-: وزعم الصريفيني أن أبا داود روى له. والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث ضعيف كما سبق بيانه قريبًا. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (بَابُ الْبُكَاءِ فِي الصَّلاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز البكاء في الصلاة. ١٢١٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "أَتَيْتُ النّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ- يَعْنِي يَبْكِي"). رجال ذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك الإمام المشهور، تقدم ٣٢/ ٣٦. ٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨] تقدم ١٨١/ ٢٨٨. [تنبيه]: يوجد في النسخ المطبوعة زيادة "عن سلمة" بعد "عن حماد بن سلمة"، وهو غلط. فتنبه. والله -تَعَالَى- الهادي إلى سواء السبيل. ٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمَّد البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٤٥/ ٥٣. ٥ - (مطرِّف) بن عبد الله بن الشخير العامري الحرشي، أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل [٢] تقدم ٥٣/ ٦٧. ٦ - (أبوه) عبد الله بن الشخير -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- ابن عوف ابن كعب بن وقدان بن الحَريش، وهو معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة

стр. 8687

الحَرَشي العَامري صحابي من مسلمة الفتح، تقدم في ٣٤/ ٧٢٧. لطائف هذا الإسناد: منها: من سداسيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وإلا الصحابي، فما أخرج له البخاري، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، وابن المبارك فمروزيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وراوية تابعي، عن تابعي والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن الشّخّير) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: أتيت النبي ﷺ ) ولفظ أبي داود من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة: "رأيت رسول الله ﷺ .. (وهو يصلي) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أي والحال أنه ﷺ يصلي (ولجوفه أزيز) جملة من مبتدإ وخبر، في محل نصب على الحال أيضًا، من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة. و"الأزيز" بزابين وزان كريم: الخنين من الخوف -بالخاء فيهما-، وهو صوت البكاء، وَقِيل: أن يَجيش جوفُه، ويَغلَى بالبكاء. قاله في "النهاية" (١). وفي "اللسان". أزَّت القدرُ تَؤُزّ، وتئزُّ أزا، وأزيزًا، وأزَازا، وائْتَزَّت ائتزازا. إذا اشتدّ غَلَيانها، وقيل: هو غليان ليس بالشديد. انتهى. وقال أبو عبيد ﵀: الأزيز: غليان جوفه بالبكاء، وأصل الأزيز: الالتهاب والحركة، وكأن قوله -تَعَالَى-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم، آية: ٨٣] من هذا، أي تدفعهم وتسوقهم، وهو من التحرك. نقله ابن المنذر في "الأوسط" ج ٣ ص ٢٥٥. (كأزيز المرجل) بكسر الميم: الإناء الذي يُغَلَى فيه الماء، سواء كان من حديد، أو صفر، أو حجارة، أو خزف، والميم زائدة، قيل: لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أرْجُل. قاله في "النهاية" (٢). (يعني يبكي) العناية من بعض الرواة، ولم يتبين، لي مَن هو؟ أي يقصد بقوله: "ولجوفه أزيز كأزيز المرجل" أنه يبكي في صلاته بحيث يسمع له صوت كصوت القدر إذا غَلَى. ولفظ أبي داود: "وفي صدره أزيز كأزيز الرَّحَى من البكاء"، أي لصدره

стр. 8688

صَوْتٌ كصوت الطاحون من أجل بكائه. والحديث دليل على جواز رفع الصوت بالبكاء في الصلاة, وأنه لا يبطلها، وفيه خلاف بين أهل العلم. فعن الشعبي والثوري أن البكاء والأنين يفسد الصلاة. وعن المالكية والحنفية إن كان لذكر النار والخوف لم يفسد. وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه: أصحها إن ظهر منه حرفان أفسد، وإلا فلا. ثانيها: -وحكي عن نصه في "الإملاء"-: أنه لا يفسد مطلقًا، لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق، فأشبه الصوت الغُفْل. ثالثها: عن القفال إن كان فمه مطبقًا لم يُفسد، وإلا أفسد، إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المتولي. قال الحافظ ﵀: والوجه الثاني أقوى دليلًا. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي بسط المسألة وتحقيق الأقوال فيها في المسألة الخامسة إن شاء الله -تَعَالَى- والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن الشِّخِّير - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٨/ ١٢١٤ - وفي "الكبرى" -٥٣/ ١١٣٥ و ١٠٢/ ٥٤٤ - عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه. وفي "الكبرى" -١٠٢/ ٥٤٥ - عن عيسى بن يونس، عن ضمرة، عن السريّ بن يحيى، عن عبد الكريم بن راشد، عن ابن الشّخّير، عن أبيه، ولفظه: "قال: كان يسمع للنبي ﷺ أزيز بالدعاء، وهو ساجد، كأزيز المرجل". والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ٩٠٤ - عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة به. (الترمذي في الشمائل) ٣٢٢ - عن سويد بن نصر به.

стр. 8689

وأخرجه (أحمد) ٤/ ٢٥ و ٤/ ٢٦ (وعبد بن حميد) رقم-٥١٤ (وابن خزيمة) ٩٠٠. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف، وهو جواز البكاء في الصلاة. وأنه لا يبطلها. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من شدة الخوف والبكاء مع أن الله -تَعَالَى- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومنها: أنه ينبغي للمسلم أن يكون دائم الخوف من الله -تَعَالَى- حتى في الصلاة التي هي من أعظم القربات، فإنها إنما تنفع إذا كانت بالخشوع والخوف من الله سبحانه، قال الله -تَعَالَى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: الآيتان:١, ٢]. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم البكاء في الصلاة: ذهبت الحنفية إلى أن البكاء غير مبطل للصلاة إذا كان من خشية الله -تَعَالَى-، أو لذكر الجنة والنار، قالوا: لأنه يدل على زيادة الخشوع، وهو المقصود في الصلاة، فكان بمنزلة التسبيح والدعاء، واستدلوا بحديث الباب، فإن كان البكاء لغير ذلك، كأن كان لِوَجَعٍ، أو مصيبة بطلت الصلاة، لأن فيه إظهار الأسف والجزع، فكأنه قال: أعينوني، فإني متوجع، والأنين والتأوه كالبكاء عندهم. وعن أبي يوسف أن هذا التفصيل إذا كان البكاء على أكثر من حرفين، أو حرفين أصليين، أما إذا كان على حرفين من حروف الزيادة، أو أحدهما من حروف الزيادة والآخر أصلي، فلا تفسد. وذهبت المالكية إلى أن البكاء لخوف الله والدار الآخرة غير مبطل للصلاة، ولو بصوت وإن كان لغير ذلك، فإن كان بلا صوت فيغتفر، وإن كان بصوت فكالكلام، فإن كان عمدا أبطل قليله وكثيره، وإن كان سهوا أبطل كثيره دون يسيره. وذهبت الشافعية إلى أنه إن ظهر من البكاء حرفان فمبطل مطلقًا، سواء كان لخشية الله -تَعَالَى- أم لا. وذهبت الحنابلة إلى أنه إن كان لخشية الله -تَعَالَى- فغير مبطل، ظهر منه حرفان أم لا، وإن كان لغيره، فإن ظهر منه حرفان أبطل ما لم يكن غلبة، وإلا فلا (١). قال أبو بكر ابن المنذر ﵀: البكاء في الصلاة مباح يدلّ على إباحته غير خبر عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك حديث علي ﵁، المذكور في الباب, وحديثه: "ما

стр. 8690

كان فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا، وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي، ويبكي حتى أصبح". راه أحمد وابن خزيمة في "صحيحه". وحديث عائشة في قصة أبي بكر بمكة قبل الهجرة، قالت: "وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن". وهو في "صحيح البخاري". وعن عبد الله بن شداد، قال: سمعت نشيج عمر، وأنا في آخر الصفوف في الصلاة، وهو يقول: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: آية: ٨٦] علقه البخاري في "الصحيح"، ووصله سعيد بن منصور في "سننه". والنشيج: صوت معه ترجيع كما يرد الصبي بكاءه في صدره، وقيل، هو أشد البكاء. وعن عبيد بن عمير، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة الصبح، فافتتح سورة يوسف، فقرأها حتى بلغ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الآية [يوسف: ٨٤] بكى حتى انقطع، فركع. انتهى كلام ابن المنذر بتصرف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر ﵀ -تعَالَى- من كون البكاء في الصلاة مباحًا هو الراجح عندي. وحاصله أن البكاء في الصلاة لا يبطلها، قليلًا كان أو كثيرًا، ظهر منه حرفان، أم لا؛ للأحاديث المذكورة، ولحديث عائشة ﵂ في قصة إمامة أبي بكر ﵁: "إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء". . . الحديث. ولأن الله -تَعَالَى- مدح البكائين في كتابه، فقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: الآيات: ١٠٧ - ١٠٩] الآية. وقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: الآية: ٥٨] وأفضل أركان الصلاة تلاوة القرآن، ولذلك قال النبي ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت". أي القيام. فالبكاء في تلاوة القرآن مطلوب في الصلاة وخارجها، فلو كان مبطلا لها لبينه النبي ﷺ ، بل ثبت عنه ما يقرره، فكان يبكي في صلاته، كما بينته أحاديث الباب. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8691

١٩ - (بَابُ لَعْنِ إِبْليسَ، وَالتَّعَوُّذِ بِاللهِ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز لعن إبليس، وجواز التعوذ منه في الصلاة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "اللعن": مصدر لَعَنَه. يقال: لعنه لعنًا من باب نَفَعَ: طرده، وأبعده، أو سَبَّه، فهو لعين، وملعون. قاله في "المصباح". وإضافة "لعن" إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى مفعوله. و"إبليس" -بكسر الهمزة- اسم أعجمي، ولهذا لم ينصرف، للعجمية والعلمية، وقيل: عربي مشتق من الإبلاس، وهو اليأس، ورُدَّ بأنه لو كان عربيًا لانصرف، كما ينصرف نظائره، نحو إجفيل، وإخريط. قاله في "المصباح" أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ"، ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا بِهَا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، تقدم قبل بابين: ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري تقدم قبل بابين أيضًا. ٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، صدوق له أوهام [٧] تقدم ٥٠/ ٦٢. ٤ - (ربيعة بن يزيد) الدمشقي، أبو شعيب الإيادي القصير، ثقة عابد [٤] تقدم ١٠٩/ ١٤٨. ٥ - (أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع

стр. 8692

من كبار الصحابة، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء، ومات سنة (٨٠) [٢] تقدم ٧٢/ ٨٨. ٦ - (أبو الدرداء) عُوَيمر بن زيد بن قيس، وقيل: غيره الصحابي الشهير ﵁، تقدم ٤٨/ ٨٤٨ والله -تَعَالَى- أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀ -تَعَالَى-. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، والترمذي، وإلا معاوية بن صالح، فما أخرج له البخاري. ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، إلا شيخه، وابن وهب، فمصريان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن أبي الدرداء) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أنه (قال: قام رسول الله ﷺ يصلي) أي حال كونه مصليًا (فسمعناه) وفي نسخة "سمعناه" (يقول: أعوذ بالله منك) أي أعتصم، وأتحصن من شرك بالله الذي بيده ناصية كل شيء (ثم قال: ألعنك بلعنة الله) أي أدعو عليك بأن يطردك الله من رحمته، ويبعدك من خيراته (ثلاثًا) أي قال ذلك ثلاث مرات (وبسط يده) أي مدّ ﷺ يده الشريفة (كأنه يتناول شيئًا) أي كأنه يتعاطى شيئًا أمامه (فلما فرغ من الصلاة) أي انتهى من صلاته، وسلم منها (قلنا) أي قال الصحابة الحاضرون تلك الصلاة، والسامعون ما قاله النبي ﷺ ، والمشاهدون ما فعله من الأمر الغريب (يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا) من القول الغريب الذي (لم نسمعك تقوله قبل ذلك) الوقت (ورأيناك بسطت يدك) الجملة في محل نصب على الحال من المفعول، لأن "رأى" هنا بصرية لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، أي أبصرناك حال كونك باسطا يدك كأنك تتناول شيئًا (قال) ﷺ (إن عدو الله إبليس) بالنصب بدل من "عدو الله"، وتقدم في أول الباب هل هو عجمي، أو عربي (جاء بشهاب) بكسر الشين المعجمة: شُعْلَةُ نار ساطعة، والجمع شُهُبٌ وأَشهَبُ -بفتح الهمزة والهاء-، قال ابن منظور: وأظنه -أي الأخير- اسمًا لِلْجَمْعِ، قال: [من الطويل]: تُرِكْنَا وَخَلَّى ذُو الْهَوَادَةِ بَيْنَنَاَ … بِأشْهَبِ نَارِينَا لَدَى الْقَوْمِ نَرْتَمِي وفي التنزيل العزيز: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل، الآية: ٧]. قال الفرّاء: نَوّن عاصم والأعمش فيها، قال: وأضافه أهل المدينة ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، قال: وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه، كما قالوا: حبَّةُ الخضراء، ومسجد الجامع، يضاف الشيء إلى نفسه،

стр. 8693

ويضاف أوائلها إلى ثوانيها، وهي هي في المعنى، ومنه قوله -تَعَالَى-: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: الآية ٩٥]. وروى الأزهري عن ابن السكِّيت، قال: الشهاب: العُودُ الذي فيه نار، قال: وقال أبو الهيثم: الشهاب أصل خشبة، أو عود فيها نار ساطعة. قاله في "لسان العرب". (من نار) جار ومجرور متعلق بصفة لـ"شهاب"، أي كائن من نار. وهو من الصفة الكاشفة، لأن الشهاب هي شُعْلَة نار، كما تقدم آنفًا في عبارة "اللسان". (ليجعله في وجهي) أي ليجعل ذلك الشهاب في وجهه ﷺ حتى يحرقه به (فقلت: أعوذ باللَّه منك ثلاثًا) أي قلت: هذا الدعاء ثلاث مرات تحصنا بالله -تَعَالَى- الذي قال له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: آية: ٦٥] (ثم قلت: ألعنك بلعنة الله) ولفظ مسلم: "بلعنة الله التامّة". قال القاضي عياض ﵀: يحتمل تسميتها تامّة، أي لا نقص فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه، أو الموجبة عليه العذاب سرمدا. قال: وقوله ﷺ : "أَلْعَنُكَ بلعنة الله"، و"أعوذ باللَّه منك" دليل جواز الدعاء لغيره، وعلى غيره بصيغة المخاطبة في الصلاة، خلافًا لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله. إن الصلاة تبطل بذلك. قال النووي ﵀ -تَعَالَى-: وكذا قال أصحابنا: تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة المخاطبة، كقوله للعاطس "رحمك اللَّه" أو "يرحمك الله"، ولمن يسلم عليه "وعليك السلام"، وأشباهه، والأحاديث السابقة في السلام على المصلي تؤيد ما قاله أصحابنا، فيتأول هذا الحديث، أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو غير ذلك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الدعاء على إبليس بالخطاب خاص، فيقتصر عليه، فيكون مخصوصًا من عموم النهي عن الدعاء بالخطاب كالسلام، وتشميت العاطس، وأما حمله على أنه كان قبل تحريم الكلام فغير صحيح؛ لعدم العلم بالتاريخ، واللَّه -تَعَالَى- أعلم بالصواب. (فلم يستأخر) وفي نسخة "فلم يتأخر". أي لم يتأخر عن ما أراده، بل تمادى عليه (ثلاث مرات) الظاهر أنه ظرف لقوله: "قلت: ألعنك بلعنة الله"، أي قلت. هذا الدعاء ثلاث مرّات (ثم أردت أن آخذه) يعني أنه لما تمادى على غيّه، ولم يتراجع أراد ﷺ أن

стр. 8694

يمكسه، ويعاقبه. وفيه أن الله -تَعَالَى- أقدره على ذلك، وأمكنه منه، ويؤيد ذلك ما حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين وغيرهما: قال رسول الله ﷺ : "إن عفريتا من الجنّ جعل يَفْتكُ عليّ البارحةَ ليقطع عليّ الصلاةَ، وإن الله أمكنني منه، فَذَعَتُّهُ، فَلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون -أو كلكم- ثم ذكرت أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: آية ٣٥] فرده الله خاسئًا". لفظ مسلم. وقوله: "فذعته" بالذال المعجمة: أي خنقته. وفي رواية "فدعته" بالدال المهملة: أي دفعته دفعًا شديدًا. وكتب السندي على قوله: "ثم أردت أن آخذه": ما نصه: لا يلزم منه أنّ أخذه وربطه غير مفسد، لجواز أن يكون مفسدًا، ويحمل له ذلك لضرورة، أو بلا ضرورة، نعم يلزم أن تكون إرادته غير مفسدة، فليفهم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول السندي هذا نظر لا يخفى، فمن أين له أن أخذه، وربطه يفسد الصلاة؟، والنص الذي معنا يدلّ على عدم الفساد، وهل يريد ﷺ أن يفعل في الصلاة ما يفسدها، ثم لا يبينه للناس؟ بل يعلل تركه لأخذه وربطه بما ذكره من قصة سليمان ﵇، إن هذا فهم بعيد عن الصواب، فتأمله بإنصاف، ولا تتحير باعتساف، والله -تَعَالَى- الهادي إلى سواء السبيل. (والله) فيه جواز الحلف من غير استحلاف, لتفخيم ما يخبر به الإنسان، وتعظيمه, والمبالغة في صحته وصدقه، وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا. قاله النووي ﵀ -تَعَالَى- (١). (لولا دعوة أخينا سليمان) ﵊ بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ الآية [ص: ٣٥]. قال القاضي عياض ﵀: معناه أنه مختص بهذا، فامتنع نبينا ﷺ من ربطه، إما لأنه لم يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لمّا تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر عليه، أو تواضعًا وتأدبًا انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تركه تواضعًا وتأدبًا هو الظاهر. والله -تَعَالَى- أعلم.

стр. 8695

وقال السندي ﵀ -تَعَالَى-: والمراد لولا توهم عدم استجابة هذه الدعوة لأخذته، لا أنه بالأخذ يلزم عدم إستجابتها، إذ لا يبطل اختصاص تمام الملك لسليمان بهذا القدر. فليتأمل. والله -تَعَالَى-. انتهى (١). (لأصبح موثقًا) أي مربوطًا. والظاهر أن هذه الواقعة كانت بالليل، فلذلك قال: "لأصبح"، ويحتمل أن تكون "أصبح" بمعنى "صار"، أي لصار "موثقًا". (بها) هكذا وقع زيادة لفظة "بها" في رواية المصنف في "المجتبى"، وليست في "الكبرى"، ولا في "صحيح مسلم "، والذي يظهر أن الضمير للمدينة بدلالة ما بعده، أي لأصبح مربوطا بالمدينة. (يلعب به ولدان أهل المدينة) "الولدان" بكسر فسكون جمع ولد: الصبيان، والجملة حال من ضمير "أصبح". والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي الدرداء - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٩/ ١٢١٥ - وفي "الكبرى" -٥٤/ ١١٣٨ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عنه. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٢/ ٧٢ - عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب به. وأخرجه (ابن خزيمة) رقم ٨٩١. والله -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀ -تَعَالَى-، وهو جواز لعن إبليس، والتعوذ منه في الصلاة. ومنها: ما قاله الخطابي ﵀ -تَعَالَى-: فيه دليل على أن رؤية الجن غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم، وإن لطف، فَدَرْكه غير ممتنع أصلًا، وأما

стр. 8696

قوله -تَعَالَى-: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: آية: ٢٧]، فإن ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك، وابتلاهم، ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبون الأمان من غائلتهم، ولا يُنكَر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفَين من عباده بخلاف ذلك. وقال الكرماني ﵀ -تعَالَى-: لا حاجة إلى هذا التأويل، إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المستفاد منها أن رؤيته إيانا مقيدة من هذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا قط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت. ومنها: أنه يدل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم الناري، لأنه ﷺ قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعهله في وجهي". ولو كانوا باقين على عنصرهم الناري، وأنهم نار محرقة لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان بشعلة من نار، ولكانت يده، أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما تحرق النار الحقيقية الآدمي بمجرد اللمس، فدلّ على أن تلك النارية انغمرت في سائر العناصر حتى صار إلى البرد، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "حتى وجدت برد لسانه على يدي"، وفي رواية "برد لعابه". ومنها: ما قيل: إن أصحاب سليمان ﵊ كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم لم تكن تقوم الحجة له لمكانته عليهم. ومنها: ما قاله ابن بطال ﵀ في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم: إن رؤيته ﷺ للعفريت هو مما خص به، كما خص برؤية الملائكة، وقد أخبر أن جبريل ﵇ له ستمائة جناح، ورأى النبي ﷺ الشيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه، لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنه ألقي في رُوعه ما وُهب سليمانُ ﵇، فلم ينفذ ما قوي عليه من حبسه، رغبةً عما أراد سليمانُ الانفراد به، وحرصا على إجابة الله -تَعَالَى- دعوته، وأما غير النبي ﷺ من الناس فلا يُمَكَّنُ منه، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره ﷺ ، لقوله -تَعَالَى-: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ الآية. لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته على صورة حية، فقتله، فمات الرجل به، فبين النبي ﷺ ذلك بقوله: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوامّ شيئًا، فآذنوه ثلاثا، فإن بدا لكم فاقتلوه". رواه الترمذي، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" من حديث أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-. ومنها: مشروعية ربط من يُخشى هروبه بحق، أو دين، والتوثيق منه، لئلا يضيّع حقوق المسلمين.

стр. 8697

ومنها: إباحة ربط الأسير في المسجد، لأن إرادته ﷺ ربطه يشمل المسجد وغيره، بل جاء التصريح في حديث أبي هريرة ﵁ عن الشيخين، ولفظه: "فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد". . . ولهذا بوّب البخاري بقوله: "باب الأسير والغريم يُربَط في المسجد". والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [خاتمة]: أسأل الله -تَعَالَى- حسنها- في بحث نفيس يتعلق بالجن أختم بها هذا الباب. كتب الحافظ ﵀ -تَعَالَى- في شرحه الحافل الكافل "فتح الباري" عند قول الإمام البخاري ﵀ -تَعَالَى-[باب ذكر الجن، وثوابهم وعقابهم]: ما نصه: أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن، وإلى كونهم مكلفين. فأما إثبات وجودهم، فقد نقل إمام الحرمين في "الشامل" عن كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المتشرعين، إنما العجب من المتشرعين، مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال: وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الإنس بحيث لا يرونهم، ولو شاءوا لأبدوا أنفسهم، قال: وإنما يستبعد ذلك من لم يُحط علما بعجائب المقدورات. وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم، وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة، لأن الشيء لا يدلّ على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق، ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي ﷺ كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده. واختلف في صفتهم، فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: قال بعض المعتزلة: الجن أجسام رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلى بن الفرّاء: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافًا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود، فإن الرقة ليست بمانعة عن الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكا. وروى البيهقي في "مناقب الشافعي" بإسناد صحيح عن الربيع، سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيا. انتهى.

стр. 8698

وهذا محمول على من يَدَّعي رؤيتهم على صورتهم التي خلقوا عليها، وأما من ادّعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان، فلا يقدح فيه. وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور. واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل: هو تخييل، فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية. وقيل: بل ينتقلون، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأَوَّلِ، وفيه أثر عن عمر ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. "إن الغيلان ذُكرُوا عند عمر، فقال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذّنوا". وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرًا سمي شيطانًا، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس (١) يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه، فمن كان كافرًا سمي شيطانًا، وإلا قيل له جنيّ. وأما كونهم مكلفين، فقال ابن عبد البرّ: الجن عند الجماعة مكلفون. وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكَى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين، والتحذير من شرهم، وما أعدّ لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر، وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدّالّة على ذلك كثيرة جدا. وإذا تقرر كونهم مكلفين، فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم، أم لا؟ فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول الضحّاك احتج بأن الله -تَعَالَى- أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه، وهو فاسد. انتهى. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل الجن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية [الأحقاف: آية:٣٠]. واحتج ابن حزم بأنه ﷺ قال: "وكان النبي يبعث إلى قومه"، قال: وليس الجن من

стр. 8699

قوم الإنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، قال: ولم يُبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا ﷺ ، لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق. انتهى. وقال ابن عبد البرّ: لا يختلفون أنه ﷺ بعث إلى الإنس والجن، وهذا مما فُضِّل به على الأنبياء، ونقل عن ابن عباس ﵄ في قوله -تَعَالى-: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: الآية: ٣٤] الآية. قال: هو رسول الجنّ. وقال إمام الحرمين في "الإرشاد" في أثناء الكلام مع العيسوية: وقد علمنا ضرورة أنه ﷺ ادعى كونه مبعوثًا إلى الثقلين. وقال ابن تيمية: اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. قال الحافظ: وثبت التصريح بذلك في حديث "وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الإنس والجن". فيما أخرجه البزار بلفظ: وعن ابن الكلبي "كان النبي يبعث إلى الإنس فقط، وبعث محمد إلى الإنس والجن". وإذا تقرر كونهم مكلفين، فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من الفروع، فاختلف فيه، لما ثبت من النهي عن الروث والعظم، وأنهما زاد الجن" وفي حديث أبي هريرة ﵁: فقلت: ما بال الروث والعظم؟ "هما طعام الجن". . . الحديث. فدل على جواز تناولهم للروث، وذلك حرام على الإنس، وكذلك روى أحمد والحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: "خرج رجل من خيبر, فتبعه رجلان، وآخر يتلوهما، يقول: ارجعا حتى ردهما، ثم لحقه، فقال له: إن هذين شيطانان، فإذا أتيت رسول الله ﷺ ، فاقرأ ﵇، وأخبره أنا في جمع صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه، فلما قدم الرجل المدين أخبر النبي ﷺ بذلك، فنهى عن الخلوة -أي السفر- منفردًا". واختلف أيضا، هل يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، أم لا؟ فقيل: بالنفي، وقيل: بمقابله، ثم اختلفوا، فقيل: أكلهم وشربهم تشمم، واسترواح، لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشيّ، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا، ورجل يأكل، ولم يسمّ، ثم سمى في آخره، فقال النبي ﷺ : "ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سَمَّى استقاء ما في بطنه". وروى مسلم من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأكلنّ أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله". وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: أن الجن أصناف، فخالصهم ريح، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السعالى

стр. 8700

والغول والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبان والحاكم من حديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "الجن ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون، ويظعنون". وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب". وروى ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر أحد ثقات الشاميين من صغار التابعين، قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم، والعَشَاء كذلك. واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله -تَعَالَى-: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن، الآية: ٥٦] وبقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف، الآية ٥٠] والدلالة من ذلك ظاهرة. واعتلّ من أنكر ذلك بأن الله -تَعَالَى- أخبر أن الجانّ خلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع التوالد. والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طينًا حقيقة كذلك الجني ليس نارا حقيقة. وقد وقع في "الصحيح" في قصة تعرض الشيطان للنبي ﷺ أنه قال: "فأخذته، فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي". وبهذه يندفع إيراد من استشكل قوله -تَعَالَى-: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات، الآية: ١٠]، فقال: كيف تحرق النار النار؟. وأما قول البخاري: "وثوابهم وعقابهم". فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري، وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال الله لمؤمن الجن، وسائر الأمم -أي من غير الإنس-: كونوا ترابا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. ورُوي عن أبي حنيفة نحو هذا القول. وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة، والأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم.

стр. 8701

ثم اختلفوا، هل يدخلون مدخل الإنس؟ على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثرين. وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك، وطائفة. وثالثها: إنهم أصحاب الأعراف. ورابعها: التوقف عن الجواب في هذا. وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف، قال: قال ابن أبي ليلى في هذا: لهم ثواب قال: فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله -تَعَالَى- ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام، الآية: ١٣٢]. قال الحافظ: وإلى هذا أشار البخاري بقوله قبلها. ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام، الآية: ١٣٠]، فإن قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ يلي الآية التي بعد هذه الآية. واستدلّ بهذه الآية أيضًا ابن عبد الحكم. واستدل ابن وهب بمثل ذلك بقوله -تَعَالَى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأحقاف، الآية: ١٨] الآية. فإن الآية بعدها أيضًا: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مغيث بن سُميّ أحد التابعين، قال: ما من شيء إلا وهو بسمع زفير جهنم، إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب. ونقل عن مالك أنه استدلّ على أن عليهم العقاب، ولهم الثواب بقوله -تَعالَى-: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن، الآيتان ٤٦, ٤٧]، ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، والخطاب للإنس والجن. فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب. واللَّه -تَعَالَى- أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ ﵀ -تَعَالَى- بتصرف يسير وهو بحث نفيس جدّا (١). والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 8702

٢٠ - (الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الكلام في حال الصلاة. ١٢١٦ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا"، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ ). رجال هذا الإسناد ستة: ١ - (كثير بن عُبَيد) بن نُمَير المَذْحجي، أبو الحسن الحمصي الحذَّاء المقرئ, ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٤٨٦. ٢ - (محمد بن حَرْب) الخَوْلاني الحمصي الأبْرَش، ثقة (٩) تقدم ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزُّبَيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري (٧) تقدم ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الشهير [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وأحد المكثرين السبعة. والله -تَعَالَى- أعلم. شرح الحديث (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (أن أبا هريرة) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قال: قام رسول اللَه ﷺ إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي) -بفتح الهمزة-: واحدُ أعراب -بالفتح أيضا- وهم أهل البدو من العرب، وهم أصحاب ارتياد الكلإ، سواء كانوا من العرب، أو من مواليهم، فَمَنُ نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بظَعْنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن الْمُدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عَرَب، وإن لم يكونوا فُصَحاء. أفاده في "المصباح".

стр. 8703

واسم الأعرابي المذكور قيل: ذو الخويصرة، وقيل الأقرع بن حابس، وقيل: عيينة ابن حصن. (وهو في الصلاة) جملة حالية من "أعرابي" (اللَّهم ارحمني) في محل نصب مقول القول. قال السندي: ليس هذا من كلام الناس، نعم هو دعاء بما لا يليق، فكأنه لهذا ذكره ههنا. انتهى (ومحمدا) عطف على الضمير المنصوب، أي وارحم محمدا (ولا ترحم معنا أحدا) أي لا تشرك في رحمتك لي وله أحدا غيرنا. وفي رواية لأحمد- ج-٢ ص ٥٠٣ - بإسناد صحيح عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: دخل الأعرابي المسجد، فقال: اللَّهُمَّ اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: "لقد احتظرتَ واسعا"، ثم وَلَّى حتى إذا كان في ناحية المسجد، فَشَجَ يبول، فقام إليه رسول الله ﷺ ، فقال: "إنما بُني هذا البيتُ لذكر الله، والصلاة، وإنه لا يُبَالُ فيه"، ثم دعا بسَجْل من ماء، فأفرغه عليه، قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: فقام النبي ﷺ إليّ، بأبي هو وأمي، فلم يسُبَّ، ولم يُؤنّب، ولم يضرب. وفي رواية لابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع قال: اللَّهُمَّ ارحمني ومحمدا، ولا تشرك في رحمتك معنا أحدا. وقوله: "فشَجَ"، يقال: فَشَجَ يفشج من باب ضرب: إذا فرّج بين رجليه ليبول. وقوله: "احتظرتَ": -بحاء مهملة وظاء معجمة-: أي اتخذت حَظيرة لرحمة الله الواسعة, والحَظيرة اسم لما يُحْظَر به على الغنم وغيرها من الشجر, ليمنعها، ويحفظها. والمراد أنه جعل الرحمة الواسعة محجوزة فيه وفي محمد ﷺ ، مع أنها وسعت كل شيء. (فلما سلم رسول الله ﷺ قال للأعرابي) رواية المصنف هذه كرواية البخاري تقتضي أن النبي ﷺ صلى بالناس، وقال ذلك الأعرابي ما قاله، وهو يصلي معه. ولكن يخالف هذا ما يأتي للمصنف في الرواية التالية، وكذا ما في رواية أبي داود، ولفظه: أن أعرابيا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللَّهُمَّ ارحمني ومحمدا .. الحديث. فإنه ظاهر في كون الأعرابي صلى لنفسه، ودعاء، والنبي ﷺ جالس. ويمكن أن يجمع بينهما بحمل الواقعة على التعدد، والله -تَعَالَى- أعلم. (لقد تحجرت واسعا) أي ضيّقت شيئا واسعا، وقال السندي: أي قصدت أن تضيق ما

стр. 8704

وسعه الله رحمته، أو اعتقدته ضيقا، لأن هذا الكلام نشأ من ذلك الاعتقاد. انتهى. وأصل الحَجْر: المنع، ومنه الحَجْر على السفيه، وهو منعه من التصرف في ماله، وقبضُ يديه عنه. وذكره بصيغة التفَعُّل إشارة إلى أنه قد تكلف في تضييق ما وسعه الله -تَعَالى-، وعَمَّ كلَّ شيء، فقال -تَعَالى-: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فقصره عليه وعلى محمد ﷺ . وفي رواية البخاري: "لقد حجّرت واسعا". قال في "الفتح": "حجّرت" -بمهملة، ثم جيم ثقيلة، ثم راء-: أي ضيقت وزنا ومعنى، ورحمة الله واسعة، كما قال -تَعَالَى-. واتفقت الروايات على أن "حجّرت" بالراء، لكن نقل ابن التين أنها في رواية أبي ذرّ بالزاي, قال: وهما بمعنى. قال ابن بطال: أنكر ﷺ على الأعرابي لكونه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى الله -تَعَالَى- على من فعل خلاف ذلك، حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. انتهى (١). وزاد في رواية أبي داود من طريق ابن عيينة عن الزهري بعد قوله: "لقد تحجّرت واسعًا": ما لفظه: ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي ﷺ ، وقال: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، صُبُّوا عليه سَجْلًا من ماء"، أو قال: "ذَنُوبا من ماء". وتقدم للمصنف ٤٥/ ٥٦ - من طريق الأوزاعي، عن محمد بن الوليد بقصة البول فقط. وتقدم له من حديث أنس ﵁ ٤٥/ ٥٣ و ٤٥/ ٥٤ و ٤٥/ ٥٥ بقصة البول أيضا. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عنه هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٠/ ١٢١٦ - وفي "الكبرى" -٥٥/ ١١٣٩ - عن كثير بن عُبَيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. وفي ٢٠/ ١٢١٧ - و"الكبرى" -٥٥/ ١١٤٠ - عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن ابن

стр. 8705

عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. وفي -٤٥/ ٥٦ - و-٢/ ٣٣٠ - و"الكبرى" -٣٨/ ٥٤ - عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد اللَّه بن عتبة، عنه. واللَّه -تَعَالَى- أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ٦٥ و ٨/ ١١ عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة به. و ٨/ ٣٧ عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله به. (د) ٣٨٠ - عن أحمد بن عمرو بن السرح، وابن عبدة في آخرين، كلهم عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب به. و ٨٨٢ عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة به. (ت) ١٤٧ - عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كلاهما عن ابن عيينة به. وأخرجه (الحميدي) ٩٣٨ - (وأحمد) ٢/ ٢٨٢ و ٢٨٣ و ٢/ ٢٣٩ و ٢/ ٥٠٣ (وابن خزيمة) رقم ٢٩٧ و ٢٩٨ و ٨٦٤. واللَّه -تَعَالَى- أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف، وهو بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو عدم بطلانها، إذا كان جهلا. فإن قلت: ما وجه الدلالة على الحكم المذكور من هذا الحديث؟. قلت: وجهه أنه ﷺ أنكر على الأعرابي دعاءه المذكور، وهو، وإن كان دعاء، إلا أنه لا يليق بالصلاة، حيث إنه دعاء غير مشروع، فأشبه كلام الناس الذي قال فيه النبي ﷺ : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. ."، كما سيأتي في الحديث الثالث. ثم إنه ﷺ لم يأمره بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته بالإعادة، حيث قال له: "صل, فإنك لم تصل"، فدلّ على أن الكلام لا يبطل الصلاة إذا كان عن جهل، أو نسيان. والله -تَعَالَى- أعلم. ومنها: ما كان عليه الأعراب من الْجَفَاء عن معرفة أحكام الشرع، كما أخبر الله -تَعَالَى- عنهم بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧]. ومنها: أن مثل هذا الدعاء غير مشروع، فلا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهُمَّ ارحمني، ولا

стр. 8706

ترحم معي أحدا، فإنه تضييق لرحمة الله الواسعة التي قال الله -تَعَالَى- فيها: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. بل يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. واللَّه ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢١٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَحْفَظُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري) البصري، صدوق، من صغار [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المشهور [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة الثبت من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩. والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث صحيح وقد سبق في الحديث الماضي شرحه، وبيان متعلقاته من المسائل. وقوله: "قال: أحفظه من الزهري"، أي قال ابن عيينة: أحفظ هذا الحديث من الزهري، عن سعيد بن المسيب، وقد تابعه فيه سفيان بن حسين، إلا أنه ضعيف في الزهري. وإنما قال سفيان ذلك لأن غيره من أصحاب الزهري، يخالفونه فيه فقدرووه عن الزهري عن غير سعيد. فقد رواه معمر، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد، أربعتهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود- وعن الزهري، عن أبي سلمة- كلاهما عن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وقد تقدم تفاصيل ذلك في المسألة الثانية، والثالثة من الحديث الذي قبل هذا. ولكن المخالفة في مثل هذا لا تضرّ، لأن سفيان حافظ ثبت، فيحمل على أن الزهري رواه عن سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 8707

١٢١٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَجَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ رِجَالاً مِنَّا يَتَطَيَّرُونَ؟، قَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ"، وَرِجَالٌ مِنَّا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ؟، قَالَ: "فَلَا تَأْتُوهُمْ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرِجَالٌ مِنَّا يَخُطُّونَ؟، قَالَ: "كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ". قَالَ: وَبَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ، مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، قَالَ: فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُسَكِّتُونِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَانِي، بِأَبِي وَأُمِّي هُوَ مَا ضَرَبَنِي، وَلَا كَهَرَنِي، وَلَا سَبَّنِي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، قَالَ: "إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ". قَالَ: ثُمَّ اطَّلَعْتُ إِلَى غُنَيْمَةٍ لِي، تَرْعَاهَا جَارِيَةٌ لِي فِي قِبَلِ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، وَإِنِّي اطَّلَعْتُ فَوَجَدْتُ الذِّئْبَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ادْعُهَا"، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيْنَ اللَّهُ ؟، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: "فَمَنْ أَنَا"، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، فَأعْتِقْهَا". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكَوْسَج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨. ٢ - (محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضَّبّيّ مولاهم الفرياني، نزيل قَيْسَارية من الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في حديث سفيان، وهو مقدم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [٩] ت (٢١٢) تقدم ١٤/ ٤١٨. ٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة نبيل فقيه [٧] ت (١٥٧) تقدم ٤٥/ ٥٦. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلّس ويرسل [٥] ت (١٣٢) تقدم ٢٣/ ٢٤. ٥ - (هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة، ويقال: هلال بن أبي هلال، العامري المدني، وينسب إلى جدّه، فيقال: هلال ابن أسامة، ثقة [٥] تقدم ٥١/ ٦٥.

стр. 8708

٦ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ت (٩٤) وقيل: بعد ذلك، تقدم ٦٤/ ٨٠. ٧ - (معاوية بن الحَكَم السُّلَمي) الصحابي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -. روي عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال أبو عمر بن عبد البرّ: كان ينزل المدينة، ويسكن في بنى سُلَيم، له عن النبي ﷺ حديث في الكهانة، والطيرة، والخط، وتشميت العاطس، وعتق الجارية، أحسنُ الناس له سياقةً يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار عنه، ومنهم من يقطّعه، فيجعله أحاديث. قال الحافظ ﵀: وله حديث آخر من طريق ابنه كثير بن معاوية عنه. انتهى. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه فما أخرج له أبو داود، وإلا الصحابي، فما أخرج له الترمذي، وابن ماجه، وأخرج له البخاري في "جزء القراءة"، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، يحيى، وهلال، وعطاء، وفيه أن صحابيه ﵁ من المقلين ليس له إلا حديث الباب، وحديث آخر على ما تقدم عن الحافظ ﵀ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن معاوية بن الحكم السُّلَمي) بضم السين، وفتح اللام: نسبة إلى بني سُلَيم (قال: قلت: يا رسول الله أنا) وقع في النسخ المخطوطة "إنّا" بكسر همزة "إنّ" وإدغام نونها في نون "نا" ضمير جماعة المتكلم, وهو خطأ؛ لأنه لا يطابق الخبر, وهو قوله: "حديث عهد" بالإفراد، فالصواب كونه بصيغة "أنا" بفتح الهمزة ضميرا للمتكلم المفرد. ولفظ مسلم "إني حديث عهد"، ولفظ أبي داود: "إنا قوم حديثو عهد بجاهلية" وكلاهما واضحان. فقوله: "أنا" مبتدأ، خبره قوله (حديثُ عهد بجاهلية) ذكر المجد في "ق" من معاني "العهد": المعرفة، والزمان. فالمعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهلية، أو قريب المعرفة بها. وقال الفيومي: هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال: انتهى. و"الجاهلية": قال النووي ﵀: قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفُحْشهم. انتهى (١). والمراد أنه أسلم قريبا، ولم يعرف أحكام الدين.

стр. 8709

(فجاء الله بالإسلام) قال السندي ﵀: عطف على مقدر، أي كنا فيها، فجاء الله، انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم، لا يحتاج إلى تقدير شيء. والله -تَعَالى- أعلم. وإنما ذكر معاوية بن الحكم ﵁ هذا تمهيدا لأسئلته التالية (وإن رجالا منا يتطيّرون) أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من الشيء، واطّيّر منه، والاسم الطِّيَرَة، وزان عنبة، وهي التشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضي لمهمّ مرّت بمَجَاثم الطير، وأثارتها، لتستفيد هل تمضي، أو ترجع، فنهى الشرع عن ذلك. قاله في "المصباح". وقال في "النهاية": "الطِّيَرَة" -بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن-: التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير، يقال: تَطَيَّرَ طِيَرَةً، وتخيّر خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما. وأصل التطيّر: التفاؤل بالطير، واستعمل لكلّ ما يُتَفاءل به، ويُتَشاءم، وكانت العرب تتطير بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين، ويتشاءمون بالبَوَارح، وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار، وكانت ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، ويمنعهم من السير إلى مطالبهم، فنفاه الشرع, وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضرر. انتهى بتصرف (١). (قال) النبي ﷺ جوابًا على سؤاله هذا (ذاك) إشارة إلى التَّطَيُّر المفهوم من "يتطير" (شيء يجدونه في صدورهم) أي ليس له أصل يُسْتَنَدُ إليه، ولا له برهان يُعْتَمَدُ عليه، ولا هو في كتاب نازل من عند الله -تَعَالَى-. وقيل: معناه أنه معفوّ، لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نعم المشي على وفقه منهي عنه، فلذا قال (فلا يصدّنّهم) أي لا يمنعنّهم عما هم فيه. قال السندي ﵀: ولا يخفى أن التفريع على هذا المعنى يكون بعيدا. انتهى. وقال النووي ﵀: قال العلماء: معناه أن التطير شيء تجدونه في نفوسكم، ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مكتسب لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم ﷺ عن العمل بالطِّيَرَة، والامتناع عن تصرفاتهم بسببها. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، وهو محمول على العمل بها،

стр. 8710

لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. انتهى (١). (ورجال منا) مبتدأ سوغه التفصيل، أو الوصف بالجار والمجرور، وخبره جملة قوله (يأتون الكهان) -بضم الكاف، وتشديد الهاء- جمع كاهن. يقال: كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ، وكَرُمَ، كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّنًا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، جمعه كَهَنَة، وكُهّان، ككافر وكَفَرَة، وكُفَّار، وحرفته: الكهانة بالكسر. أفاده في "ق". قال الخطابي ﵀: كان في العرب كَهَنَة يدّعون كثيرا من الأمور، فمنهم من يزعم أن له رَئيًا من الجن، يُلقي إليه الإخبار. ومنهم من يدّعي استدراك ذلك بفهم أعطيه. ومنهم من يُسَمَّى عرّافا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب، يستدلّ بها لِمَعْرِفَةِ من سرق الشيء الفلانيّ، ومعرفة من يتهم بالمرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يُسَمِّي المنجم كاهنا. قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدّعونه. انتهى. (قال) ﷺ (فلا تأتوهم) فيه النهي عن إتيان الكهان، والنهي فيه للتحريم. قال النووي ﵀: قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مغيبات، قد يُصادف بعضُها الإصابةَ، فَيُخاف الفتنةُ على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهَّانِ، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الحُلْوَان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغوي ﵏ -تَعَالَى-: قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهن على كهانته، لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه. وقال الماوردي ﵀ -تَعَالَى- في "الأحكام السلطانية": ويَمْنَعُ المحتسبُ الناسَ من التكسب بالكهانة واللَّهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي. وقال الخطابي ﵀ -تَعَالَى-: حُلْوَان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته، وهو محرم، وفعله باطل، قال: وحُلْوَان العَرَّاف حرام أيضا. قال: والفرق بين العرّاف والكاهن أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدّعى الأسرار، والعَرّاف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالّة، ونحوهما. انتهى (٢). (قال) معاوية بن الحكم ﵁ (يا رسول الله ورجال منّا يخُطُّون) أي يستعملون خطّا

стр. 8711

معروفا عندهم يدّعون به التوصل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة. قال ابن منظور ﵀: والخط الكتابة ونحوُها مما يُخَطّ، وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه قال في الطَّرْق: قال ابن عباس ﵄: هو الخطّ الذي يخطُّه الحازي -يعني الكاهن- وهو علم قديم تركه الناس، قال. يأتي صاحبُ الحاجة إلى الحازي، فيعطيه حُلْوَانا، فيقول له: اقعُد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة، فيخط الأستاذ خطوطّا كثيرة بالعَجَلة؛ لئلا يَلْحَقها العَدَدُ، ثم يرجع، فيمحو منها على مَهَل خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابنَيْ عيان، أسْرعا البيان، قال ابن عباس ﵄: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة. قال: وكانت العرب تسمي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي الأسْحَمَ، وكان هذا الْخَطُّ عندهم مشؤومًا. وقال الحربي: الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ بشَعير، أو نَوّى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة. وقال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاح، وأسَام، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرا ما يصيبون. انتهى كلام ابن منظور (١). (قال) ﷺ (كان نبي من الأنبياء) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال (يخط) أي يستعمل الخط معجزةً له (فمن وافق خطه) يحتمل الرفع، والمفعول محذوف، والنصبّ والفاعل الضمير المستتر في "وافق" على حذف مضاف، أي من وافق من الناس خطُّه خط ذلك النبي (فذاك) مبتدأ حذف خبره، واختلف في تقديره، فقيل: فذاك مباح، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول: والجملة جواب الشرط. وقال في "المنهل". قوله: "فذاك"، أي فهو مصيب وعالم بمثل ذلك النبي، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، وامتنعت الموافقة لأن خطه كان معجزةً، ولأنه كان يعرف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَقُ به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخط لقوة فراسته، وكما علمه وورعه. وقال النووي ﵀: اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطَّه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود

стр. 8712

أنه حرام, لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها. وإنما قال النبي ﷺ : "فمن وافق خطه فذاك"، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخطّ، فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال القاضي عياض ﵀: المختار أن معناه أن من وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول, لا أنه أباح ذلك لفاعله, قال: ويحتمل أن هذا منسوخ في شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن (١). وقال الخطابي ﵀ في "المعالم" ج-٢ ص ٤٣٧: وقوله: "فمن وافق خطه فذاك" يشبه أن يكون أراد به الزجر عنه، وترك التعاطي له، إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي، لأن خطه كان علمًا لنبوته، وقد انقطعت نبوته، فذهبت معالمها. انتهى. وقال في "المنهل" بعد نقل كلام الخطابي المذكور: ما نصه: ولذا قال المحرّمون لعلم الرمل، وهم أكثر العلماء: لا يُستَدَلُّ بهذا الحديث على إباحته، لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تُعْلَمُ إلا من تواتر، أو نص منه ﷺ ، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد ذلك، فاتضح تحريمه. انتهى (٢). (قال) معاوية ﵁ (وبينا أنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس) من بابي ضرب، ونصر (رجل من القوم) بالرفع على الفاعلية (فقلت: يرحمك الله) إنما قال له ذلك لأنه ﷺ أمره به، ففي رواية أبي داود: قال: "لما قدمت على رسول الله ﷺ عُلِّمت أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمت أن قيل لي: إذا عطس العاطس، فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله ﷺ في الصلاة، إذ عَطَسَ رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك الله، رافعًا بها صوتي .. " الحديث. (فحدّقني القوم بأبصارهم) من التحديق، وهو شدة النظر، يقال: حدّق إليه بالنظر تحديقًا: شدد النظر إليه.

стр. 8713

والمعنى أنهم نظروا إليه نظرة منكرة حيث شَمَّتَ العاطسَ في الصلاة، وهو لا يجوز. (فقلت: واثكل أمياه) "وا" نُدْبة ونداء، والنُّدْبَةُ: نداء المتفَجَّع عليه، نحو وازيداهْ، أو المتوجع منه، نحو وا ظهراهْ. و"الثكل" بضم المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما، لغتان، كالبُخْل، والبَخَل، حكاهما الجوهري، وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثكلته أمه -بكسر الكاف- من باب تعب: فقدته، وأثكله الله -تَعَالَى- أمَّهُ، وامرأة ثَكْلَى، وثاكل. و"ثكل" مناد مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة. و"أمياه" -بضم الهمزة، وتشديد الميم- أصله أُمِّي، وهو مضاف إليه "ثُكْل"، ومضاف إلى ياء المتكلم المفتوحة، وزيدت الألف لمد الصوت، وأُردفَ بهاء السكت الساكنة، الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل. فكأنه قال: وافُقْدان أمي وَلَدَهَا -يعني نفسه-، وذلك لعلمه أنه فعل في الصلاة فعلا منافيًا لها. (ما لكم تنظرون إليّ) "ما" استفهامية، أي أيُّ شيء ثبت لكم في نظركم إلي. وفي رواية مسلم، وأبي داود "ما شأنكم تنظورن إلي؟ ". (قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم) وفي رواية مسلم، وأبي داود: "فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم". وإنما فعلوا ذلك زيادة في الإنكار حتى يسكتَ. قال القرطبي ﵀: يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي ﷺ عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهيّ عنه إنما هو ضرب الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعد أن يسمى مَنْ ضَرَب على فخذه، وعليها ثوبه مصفِّقًا، ولهذا قال: "فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم"، ولو كان يسمَّى تصفيقًا لكان الأقرب في اللفظ أن يقول. يصفقون، لا غير. انتهى (١). وقال النووي ﵀ -تَعَالَى-. وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا يبطل الصلاةَ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. (فلمّا رأيتهم يسكّتوني) من التسكيت، أو الإسكات. وفي رواية مسلم: "فلمّا رأيتهم يُصمّتونني" (لكني سكت) استدراك على محذوف جواب "لمّا" أي لمّا رأيتهم يسكتوني أردت أن أخاصمهم، لكني سكت عن ذلك. وقال الشوكاني ﵀ في "النيل" ج-٢ ص ٣٧١ - : قال المنذري ﵀:

стр. 8714

يريد لم أتكلم، لكني سكت، وورود "لكن" هنا مشكل، لأنه لابدّ أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها، نحو ما هذا ساكنًا، لكنه متحرك، أو ضد له، نحو ما هو أبيض، لكنه أسود. ويحتمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يسكتوني لم أكلمهم، لكني سكت، فيكون الاستدراك لرفع ما توهم ثبوته، مثل ما زيد شجاعًا، لكنه كريم، لأن الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهم نفي كرمه. ويحتمل أن تكون "لكن" هنا للتوكيد، نحو: لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ, فأكدت "لكن" ما أفادته "لو" من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت "لكن" ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. انتهى. (فلما انصرف رسول الله ﷺ ) أي سَلَّمَ من صلاته (دعاني، بأبي وأمي هو) الجارّ والمجرور متعلق بمحذوف خبر لـ"هو" مقامًا عليه، أي هو: مَفْديٌّ بأبي وأمي. (ما ضربني) تأديبا على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك الله (ولا كهرني) من باب منع، قال أبو عبيد: الكَهْر: الانتهار، وقيل: العُبُوس في وجه من يلقاه. انتهى. وقرأ ابن مسعود ﵁ ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]. والمعنى أنه أي لم ينتهوني، ولا أغلظ لي في القول، ولا استقبلني بوجه عَبُوس على ما فعلت من المخالفة في الصلاة. (ولا سبني) أي لم يُعَيّرني على ما جنيت (ما رأيت معلّما قيله، ولا بعده أحسن) بالنصب مفعول ثان لـ"رأيت"، إن كانت علمية، أو منصوب على الحال، إن كانت بصرية، أي ما علمت، أو ما أبصرت قلبه ﷺ ، ولا بعده مُعَلِّمًا أحسن (تعليما) منصوب على التمييز، أي من حيث التعليم (منه) أي من النبي ﷺ . (قال) ﷺ : (إن صلاتنا هذه) يعني مطلقَ الصلاة، فيشمل الفرائض والنوافل (لا يصلح فيها شيء) وفي رواية "لا يحلّ". و"يصلح" -بضم اللام، وفتحها-، يقال: صلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب قَعَدَ، وصَلَاحًا أيضا، وصَلُحَ يصلحُ -بضم اللام فيهما- لغةٌ، وهو خلاف فسد، وصلَحَ يصلَح -بفتحتين- لغةٌ ثالثة. أفاده في "المصباح". (من كلام الناس) بيان لـ"شيء"، أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكاني ﵀: و"كلام الناس" اسم مصدر يراد به تارةً ما يُتكلّم به، على أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب للناس، والظاهر أن المراد به ها هنا الثاني بشهادة السبب. انتهى (١).

стр. 8715

وقال السيوطي ﵀ في "شرحه" ج-٣ ص ١٧ - : هذا من خصائص هذه الشريعة. ذكر القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام في الصلاة، دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك. وقال ابن بطال ﵀: إنما عيب على جُرَيج عدم إجابته لأمه، وهو في الصلاة، لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز قطع الصلاة لإجابة الأم، إذ لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. انتهى. وقال النووي ﵀: وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة، وتفسد به، إذا أتى به عالما عامدا. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: إن قال: يرحمه الله، أو اللَّهُمَّ ارحمه، أو رحم الله فلانا لم تبطل صلاته، لأنه ليس بخطاب. وأما العاطس فيستحب له أن يحمد الله -تَعَالَى- سرّا. هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وغيره، وعن ابن عمر، والنخعي ﵃ أنه يجهر به، والأول أظهر، لأنه ذكر، والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار، إلا ما استثني، من القراءة في بعضها، ونحوها. انتهى "شرح مسلم"ج -٥ ص ٢١. (إنما هو التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن) "هو" ضمير يعود إلى الشيء الذي يصلح في الصلاة، وهو مبتدأ خبره "التسبيح" الخ. زاد في رواية مسلم، وأبي داود: "أو كما قال رسول الله ﷺ ". وهو شك من معاوية ابن الحكم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أو من أحد الرواة، أتى بها تحريا، واحتياطا في الألفاظ النبوية. والله -تَعَالَى- أعلم. قال النووي ﵀ -تَعَالَى-: في هذا الحديث تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة، أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة، أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه، أو إذن لداخل، ونحوه سبّح، إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت أمرأة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة ﵏، والجمهور من السلف والخلف. وقالت طائفة، منهم الأوزاعي: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة، لحديث ذي اليدين، وسنوضحه في موضعه، إن شاء الله -تَعَالَى-. وهذا في كلام العامد العالم، أما الناسي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجمهور. وقال أبو حنيفة ﵀، والكوفيون: تبطل. دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر كلام الناسي، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا، أصحهما تبطل صلاته، لأنه نادر.

стр. 8716

وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناس، فلا تبطل الصلاة بقليله، لحديث معاوية بن الحكم ﵁ هذا الذي نحن فيه، لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة، لكن علّمه تحريم الكلام فيما يستقبل. قال الجامع عفا الله تعَالَى عنه: سيأتي البحث عن حكم الكلام في الصلاة مستوفى في المسألة الخامسة، إن شاء الله -تَعَالَى-. قال: وأما قوله ﷺ : "إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، فمعناه هذا ونحوُهُ، فإن التشهد، والدعاء، والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح، وما في معناه من الذكر، والدعاء، وأشباههما، مما ورد به الشرع. انتهى "شرح مسلم" ببعض تصرف ج-٥ ص ٢١. وقال الشوكاني ﵀: قوله: "إنما هو التسبيح الخ" هذا الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة. وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، من الحنفية والهادوية. ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية وأذكار مخصوصة في الصلاة مُخَصِّصَةٌ لعموم هذا المفهوم، وبناءُ العامّ على الخاصّ متعين، لا سيما بعد ما تقرّر أن تحريم الكلام كان بمكة (١)، كما قدّمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خَصَّصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره، وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العامّ في مقابلتها، وجعلوه معارضا لها، وردّوها به، وغفلوا عن بطلان معارضة العامّ بالخاصّ، وعن رُجْحان المنطوق على المفهوم، إن سُلِّمَ التعارُضُ. انتهى كلام الشوكاني ﵀ -تَعَالَى (٢) -، وهو كلام حسن جدًا. وقال النووي ﵀: وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم، فسبح، أو كبر، أو قرأ القرآن لا يحنث، وهذا هو الصحيح في مذهبنا. قال: وفيه دلالة لِمَذْهَبِ الشافعي ﵀ -تَعَالَى- والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة، وجزء منها.

стр. 8717

وقال أبو حنيفة ﵀: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها، مُتَقَدِّم عليها. انتهى "شرح مسلم" ج-٥ ص ٢١. (قال) معاوية بن الحكم ﵁ (ثم اطلعت) -بتشديد الطاء- يقال: طَلَع فلان علينا، كمنع، ونصر: أتانا، كاطَّلَع، قاله في "ق". أي أتيت (إلى غُنَيمةٍ لي) تصغير غَنَم. قال الفيّومي ﵀: و"الغَنَمُ": اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد تُجمَع على أغنام، على معنى قُطْعَانَات من الغَنَم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباري. وقال الأزهري أيضا الغَنَم: الشاءُ، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمَانِ، أي قَطِيعان من الغنم، كلّ قَطيع منفرد بمرعًى وراع. وقال الجوريَ. الغنم اسم مؤنث موضوع لجنس الشاء، يقع علي الذكور والإناث، وعليهما، ويُصغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنَيمة، لأن أسماء الجُمُوع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرَت، فالتأنيث لازم لها. انتهى. (ترعاها جارية لي) أي تحفظ تلك الغُنَيمَة أمة لي، وسميت الأمةُ جاريةً تشبيها لها بالسفينة الجارية في البحر، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشَّابَّةُ لخفتها، ثم توسعوا حتى سمَّوْا كُلَّ أمة جاريهً، وإن كانت عجوزًا، لا تقدر على السعي، تسمية بما كانت عليه، وجمعها جَوَارِي. أفاده في "المصباح". (في قِبَلِ أُحُدٍ) -بكسر القاف، وفتح الموحدة- أي في جهة أُحُد، وهو -بضمتين- جبل بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الشام، وكان به الوَقْعَة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيمنع، وليس بالقويّ. أفاده الفيومي. (والجَوّانيّة) -بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدودة- قال النووي ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكري، والمحققون، وحكى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء والمختار التشديد. و"الجَوّانيّة": موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَل الفُرْع، فليس بمقبول، لأن الفُرْع -بضم، فسكون-: بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُدٌ في شام المدينة (١)، وقد قال في الحديث: "في قبل أحد والجَوَّانية"، فكيف يكون عند الفُرْع. قال: وفيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرَّعْي، وإن كانت تنفرد في

стр. 8718

المَرْعَى، وإنما حرّم الشرع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها، وانقطاع ناصرها، والذّابّ عنها، وبُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها، أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تمكن الحرّة ولا الأمة من الرعي حينئذ، لأنه يصير في معنى السفر الذي حرّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم، أو نحوه ممن تأمن معه على نفسها، فلا يمنع، كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى "شرح مسلم" ج-٥/ ٢٣ - ٣٤. (وإني اطّلعت) -بشديد الطاء- من الاطلاع، يقال: اطّلعت على الشيء، إذا أشرفت عليه، وعلمته. أي أشرفت على تلك الغُنَيمة (فوجدت الذئب) -بكسر، فسكون-: كلب البرّ والجمع أذْؤُب في القليل، وذِئَابٌ وذُؤْبَان، والأنثى ذئبة بالكسر، يْهُمَز، ولا يهمز، وأصله الهمز. أفاده في "اللسان". وفي "المصباح": "الذئب": يهُمز، ولا يهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القليل أذؤب، مثل أفْلُس، وجمع الكثير ذئاب، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب بالياء لوجود الكسرة. انتهى. (قد ذهب منها بشاة) وفي رواية مسلم: "فاطّلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها" (وأنا رجل من بني آدم آسف) بمدّ الهمزة، وفتح السين، أي أغضب، يقال: أسِفَ آسفًا، من باب تعب: حَزِنَ وتَلَهّف، فهو أسف، مثل تعب، وأسفَ مثل غضب وزنا ومعنى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته. قاله في "المصباح". (كما يأسفون) أي كما يغضب بنو آدم إذا أصيب ما لهم (فصككتها صكّة) أي لطمتها لطمةً. يقال: صَكّة صكًا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة. (ثم انصرفت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته) أي ما فعله بالجارية (فعظّم) من التعظيم (ذلك عليّ) أي جعل ما فعلته بها فعلا عظيمًا منكرًا (فقلت: يا رسول الله أفلا أُعْتقها؟) بهمزة الاستفهام، وهذا العتق لأجل كفارة عليه، من نذر ونحوه، كما بينه مالك في "الموطإ"، ولفظه: "وعليّ رقبة أَفَأُعْتِقُهَا". ويحتمل أن يكون كفارة عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لمّا عظّم رسول الله ﷺ ذلك عليه أراد أن يكفره بِعِتْقِ رقبة، فسأل، هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟. (قال) ﷺ (ادعها) وفي رواية مسلم: "قال: ائتني بها، فأتيته بها". وإنما أمره ﷺ بالإتيان بها، ليتبين كونَها مؤمنةً يُعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه. (فقال رسول الله ﷺ ) عطف على مقدر، كما بينته رواية مسلم المذكورة، أي دعوتها له ﷺ ، فأتت، فقال لها (أين الله ؟، قالت: في السماء) قال النووي

стр. 8719

رحمه الله: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه (١)، مع اعتقاد أن الله -تَعَالَى- ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كأن المراد امتحانها، هل هي موحّدة، تُقرّ بأن الخالق المدبر الفعّال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين (٢) أم هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: "في السماء" علم أنها موحدّة، وليست عابدة للأوثان (٣). قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: ما أبعد هذا التأويل عن معنى هذا النص، وما أسمجه، وأسخفه!! فهل من عاقل يفهم لغة العرب إذا سمع قول النبي ﷺ : "أين الله؟ "، وجواب الأمة بقولها: "في السماء" يفهم هذا التأويل منه، إن هذا لهو العجب العُجاب. سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا … شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ وبالجملة فهذا تأويل ما أنزل الله به من سلطان، ولا ذهب إليه أولوا الهداية والعرفان، فالصواب الذي عليه المُعوّل هو المذهب الأوّل، وهو الذي كان عليه سلف الأمة، الذين كان الأسوةُ بهم عينَ الرحمة، ومخالفتهم سبب الضلال والنقمة،- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين، وسلك بنا مسلكهم الأمين. آمين آمين آمين. وقال القاضي عياض ﵀: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم، ومحدثهم، ومتكلميهم، ونظارهم، ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله -تَعَالَى- في السماء، كقوله -تَعَالَى-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوقُ من غير تحديد، ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول "في السماء" أي على السماء، ومن قال من دُهَماء النظار والمتكلمين، وأصحاب التنزيه بنفي الحدّ، واستحالة الجهة في حقه

стр. 8720

تأولها تأويلات بحسب مقتضاها، وذكر نحو ما تقدم عن النووي. قال: وياليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كُلَّهُمْ على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا، وسكتوا، لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف، والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم، وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته، ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح، وهل بين التكييف، وإثبات الجهة فرق؟، لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده، وأنه استوى على العرش، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله -تَعَالَى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عصمة لمن وفقه الله -تَعَالَى-. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: كلام القاضي ﵀ -تَعَالَى- الأخير هو الذي نعوّل عليه، فنثبت لله -تَعَالَى- ما أثبته، فلا نعطل، وننفي عنه التشبيه، فلا نمثل، وأما قوله: ويا ليت شعري إلى قوله: وهل بين التكييف وإثبات الجهة فوق؟ فكلام غير صحيح، إذ الفرق بينهما واضح حيث إن التكييف غير جائز، لقوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأما إثبات الجهة بمعنى أنه -تَعَالَى- فوق العرش، وفوق مخلوقاته فوقية تليق بجلاله ، فصحيح جائز الإطلاق، لقوله -تَعَالَى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية، ولحديث الباب: "أين الله؟ قالت: في السماء". . . إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة التي تثبت الفوقية لله . والله -تَعَالَى- أعلم. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ -تَعَالَى- في "الاستذكار" ج-٢٣ ص ١٦٧ - ١٦٨ - في شرح هذا الحديث: ما نصه: وأما قوله في هذا الحديث للجارية: "أين الله؟ " فعلى ذلك جماعة أهل السنة، وهم أهل الحديث، ورواته المتفقون فيه، وسائر نقلته كلهم يقولون ما قال الله -تَعَالَى- في كتابه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأن الله في السماء، وعلمه في كل مكان، وهو ظاهر القرآن في قوله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] وبقوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. ومثل هذا كثير في القرآن. ولم يزل المسلمون إذا دَهَمَهم أمر، يُقْلقهم، فزعوا إلى
следующие страницы →