وأما كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناس، فلا تبطل الصلاة بقليله، لحديث معاوية بن الحكم ﵁ هذا الذي نحن فيه، لأن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة، لكن علّمه تحريم الكلام فيما يستقبل.
قال الجامع عفا الله تعَالَى عنه: سيأتي البحث عن حكم الكلام في الصلاة مستوفى في المسألة الخامسة، إن شاء الله -تَعَالَى-.
قال: وأما قوله ﷺ : "إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"، فمعناه هذا ونحوُهُ، فإن التشهد، والدعاء، والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح، وما في معناه من الذكر، والدعاء، وأشباههما، مما ورد به الشرع. انتهى "شرح مسلم" ببعض تصرف ج-٥ ص ٢١.
وقال الشوكاني ﵀: قوله: "إنما هو التسبيح الخ" هذا الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة.
وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، من الحنفية والهادوية.
ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية وأذكار مخصوصة في الصلاة مُخَصِّصَةٌ لعموم هذا المفهوم، وبناءُ العامّ على الخاصّ متعين، لا سيما بعد ما تقرّر أن تحريم الكلام كان بمكة (١)، كما قدّمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خَصَّصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره، وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العامّ في مقابلتها، وجعلوه معارضا لها، وردّوها به، وغفلوا عن بطلان معارضة العامّ بالخاصّ، وعن رُجْحان المنطوق على المفهوم، إن سُلِّمَ التعارُضُ. انتهى كلام الشوكاني ﵀ -تَعَالَى (٢) -، وهو كلام حسن جدًا.
وقال النووي ﵀: وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم، فسبح، أو كبر، أو قرأ القرآن لا يحنث، وهذا هو الصحيح في مذهبنا.
قال: وفيه دلالة لِمَذْهَبِ الشافعي ﵀ -تَعَالَى- والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة، وجزء منها.
стр. 8717
وقال أبو حنيفة ﵀: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها، مُتَقَدِّم عليها. انتهى "شرح مسلم" ج-٥ ص ٢١.
(قال) معاوية بن الحكم ﵁ (ثم اطلعت) -بتشديد الطاء- يقال: طَلَع فلان علينا، كمنع، ونصر: أتانا، كاطَّلَع، قاله في "ق". أي أتيت (إلى غُنَيمةٍ لي) تصغير غَنَم. قال الفيّومي ﵀: و"الغَنَمُ": اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد تُجمَع على أغنام، على معنى قُطْعَانَات من الغَنَم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباري.
وقال الأزهري أيضا الغَنَم: الشاءُ، الواحدة شاة، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمَانِ، أي قَطِيعان من الغنم، كلّ قَطيع منفرد بمرعًى وراع. وقال الجوريَ. الغنم اسم مؤنث موضوع لجنس الشاء، يقع علي الذكور والإناث، وعليهما، ويُصغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنَيمة، لأن أسماء الجُمُوع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرَت، فالتأنيث لازم لها. انتهى.
(ترعاها جارية لي) أي تحفظ تلك الغُنَيمَة أمة لي، وسميت الأمةُ جاريةً تشبيها لها بالسفينة الجارية في البحر، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشَّابَّةُ لخفتها، ثم توسعوا حتى سمَّوْا كُلَّ أمة جاريهً، وإن كانت عجوزًا، لا تقدر على السعي، تسمية بما كانت عليه، وجمعها جَوَارِي. أفاده في "المصباح".
(في قِبَلِ أُحُدٍ) -بكسر القاف، وفتح الموحدة- أي في جهة أُحُد، وهو -بضمتين- جبل بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الشام، وكان به الوَقْعَة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيمنع، وليس بالقويّ. أفاده الفيومي.
(والجَوّانيّة) -بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدودة- قال النووي ﵀: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكري، والمحققون، وحكى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء والمختار التشديد.
و"الجَوّانيّة": موضع بقرب أُحُد في شمالي المدينة. وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَل الفُرْع، فليس بمقبول، لأن الفُرْع -بضم، فسكون-: بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُدٌ في شام المدينة (١)، وقد قال في الحديث: "في قبل أحد والجَوَّانية"، فكيف يكون عند الفُرْع.
قال: وفيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرَّعْي، وإن كانت تنفرد في
стр. 8718
المَرْعَى، وإنما حرّم الشرع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها، وانقطاع ناصرها، والذّابّ عنها، وبُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها، أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تمكن الحرّة ولا الأمة من الرعي حينئذ، لأنه يصير في معنى السفر الذي حرّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم، أو نحوه ممن تأمن معه على نفسها، فلا يمنع، كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى "شرح مسلم" ج-٥/ ٢٣ - ٣٤.
(وإني اطّلعت) -بشديد الطاء- من الاطلاع، يقال: اطّلعت على الشيء، إذا أشرفت عليه، وعلمته. أي أشرفت على تلك الغُنَيمة (فوجدت الذئب) -بكسر، فسكون-: كلب البرّ والجمع أذْؤُب في القليل، وذِئَابٌ وذُؤْبَان، والأنثى ذئبة بالكسر، يْهُمَز، ولا يهمز، وأصله الهمز. أفاده في "اللسان". وفي "المصباح": "الذئب": يهُمز، ولا يهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبة، وجمع القليل أذؤب، مثل أفْلُس، وجمع الكثير ذئاب، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذياب بالياء لوجود الكسرة. انتهى.
(قد ذهب منها بشاة) وفي رواية مسلم: "فاطّلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها" (وأنا رجل من بني آدم آسف) بمدّ الهمزة، وفتح السين، أي أغضب، يقال: أسِفَ آسفًا، من باب تعب: حَزِنَ وتَلَهّف، فهو أسف، مثل تعب، وأسفَ مثل غضب وزنا ومعنى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته. قاله في "المصباح".
(كما يأسفون) أي كما يغضب بنو آدم إذا أصيب ما لهم (فصككتها صكّة) أي لطمتها لطمةً. يقال: صَكّة صكًا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة.
(ثم انصرفت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته) أي ما فعله بالجارية (فعظّم) من التعظيم (ذلك عليّ) أي جعل ما فعلته بها فعلا عظيمًا منكرًا (فقلت: يا رسول الله أفلا أُعْتقها؟) بهمزة الاستفهام، وهذا العتق لأجل كفارة عليه، من نذر ونحوه، كما بينه مالك في "الموطإ"، ولفظه: "وعليّ رقبة أَفَأُعْتِقُهَا".
ويحتمل أن يكون كفارة عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لمّا عظّم رسول الله ﷺ ذلك عليه أراد أن يكفره بِعِتْقِ رقبة، فسأل، هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟.
(قال) ﷺ (ادعها) وفي رواية مسلم: "قال: ائتني بها، فأتيته بها". وإنما أمره ﷺ بالإتيان بها، ليتبين كونَها مؤمنةً يُعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه.
(فقال رسول الله ﷺ ) عطف على مقدر، كما بينته رواية مسلم المذكورة، أي دعوتها له ﷺ ، فأتت، فقال لها (أين الله ؟، قالت: في السماء) قال النووي
стр. 8719
رحمه الله: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان:
أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه (١)، مع اعتقاد أن الله -تَعَالَى- ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات.
والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كأن المراد امتحانها، هل هي موحّدة، تُقرّ بأن الخالق المدبر الفعّال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين (٢) أم هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: "في السماء" علم أنها موحدّة، وليست عابدة للأوثان (٣).
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: ما أبعد هذا التأويل عن معنى هذا النص، وما أسمجه، وأسخفه!! فهل من عاقل يفهم لغة العرب إذا سمع قول النبي ﷺ : "أين الله؟ "، وجواب الأمة بقولها: "في السماء" يفهم هذا التأويل منه، إن هذا لهو العجب العُجاب.
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا … شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
وبالجملة فهذا تأويل ما أنزل الله به من سلطان، ولا ذهب إليه أولوا الهداية والعرفان، فالصواب الذي عليه المُعوّل هو المذهب الأوّل، وهو الذي كان عليه سلف الأمة، الذين كان الأسوةُ بهم عينَ الرحمة، ومخالفتهم سبب الضلال والنقمة،- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أجمعين، وسلك بنا مسلكهم الأمين. آمين آمين آمين.
وقال القاضي عياض ﵀: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم، ومحدثهم، ومتكلميهم، ونظارهم، ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله -تَعَالَى- في السماء، كقوله -تَعَالَى-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوقُ من غير تحديد، ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول "في السماء" أي على السماء، ومن قال من دُهَماء النظار والمتكلمين، وأصحاب التنزيه بنفي الحدّ، واستحالة الجهة في حقه
стр. 8720
تأولها تأويلات بحسب مقتضاها، وذكر نحو ما تقدم عن النووي.
قال: وياليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كُلَّهُمْ على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا، وسكتوا، لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف، والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم، وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته، ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح، وهل بين التكييف، وإثبات الجهة فرق؟، لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده، وأنه استوى على العرش، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله -تَعَالَى-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عصمة لمن وفقه الله -تَعَالَى-. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: كلام القاضي ﵀ -تَعَالَى- الأخير هو الذي نعوّل عليه، فنثبت لله -تَعَالَى- ما أثبته، فلا نعطل، وننفي عنه التشبيه، فلا نمثل، وأما قوله: ويا ليت شعري إلى قوله: وهل بين التكييف وإثبات الجهة فوق؟ فكلام غير صحيح، إذ الفرق بينهما واضح حيث إن التكييف غير جائز، لقوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأما إثبات الجهة بمعنى أنه -تَعَالَى- فوق العرش، وفوق مخلوقاته فوقية تليق بجلاله ، فصحيح جائز الإطلاق، لقوله -تَعَالَى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية، ولحديث الباب: "أين الله؟ قالت: في السماء". . . إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة التي تثبت الفوقية لله . والله -تَعَالَى- أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ -تَعَالَى- في "الاستذكار" ج-٢٣ ص ١٦٧ - ١٦٨ - في شرح هذا الحديث: ما نصه: وأما قوله في هذا الحديث للجارية: "أين الله؟ " فعلى ذلك جماعة أهل السنة، وهم أهل الحديث، ورواته المتفقون فيه، وسائر نقلته كلهم يقولون ما قال الله -تَعَالَى- في كتابه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأن الله في السماء، وعلمه في كل مكان، وهو ظاهر القرآن في قوله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] وبقوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
ومثل هذا كثير في القرآن. ولم يزل المسلمون إذا دَهَمَهم أمر، يُقْلقهم، فزعوا إلى
стр. 8721
ربهم، فرفعوا أيديهم، وأوجههم نحو السماء، يدعونه، ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التشبيه، والله المستعان، ومن قال بما نطق به القرآن، فلا عيب عليه عند ذوي الألباب انتهى.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: هذا الذي قاله الحافظ أبو عمر ﵀ -تَعَالَى- هو عين التحقيق، وما عداه انحراف عن الصواب سحيق، وستكون لي عودة إلى إتمام كلام الحافظ أبي عمر ﵀ -تَعَالَى- في المسألة السادسة، إن شاء الله -تَعَالى-.
(قال) ﷺ (فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله ﷺ ، قال: "إنها مؤمنة") جملة تعليلية مقدمة على معلولها، وهو قوله (فأعتقها) أي أعتقها لأنها مؤمنة، فتجزيك عن الرقبة التي عليك.
قال النووي ﵀: وفي هذا الحديث دلالة على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر، وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل، كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار، واليمين، والجماع في رمضان.
فقال الشافعي، ومالك، والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة، حملا للمطلق على المقيد في كفارة القتل.
وقال أبو حنيفة ﵀، والكوفيون: يجزئه الكافر، للإطلاق، فإنها تسمى رقبة: انتهى شرح مسلم ج-٥ ص ٢٥.
قال الجامع عفا الله تَعَالَى عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المواضع المناسبة لها، إن شاء الله -تَعَالَى-. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث معاوية بن الحكم السُّلَمي - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٠/ ١٢١٨ - وفي "الكبرى" -٥٥/ ١١٤١ - عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عنه.
وفي "السير" من "الكبرى" -٧/ ٨٥٨٩ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن
стр. 8722
حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير به، بقصة الجارية فقط. وفي "التفسير" منه -كما قال الحافظ المزيّ- عن قتيبة، عن مالك، عن هلال بن أسامة -وهو ابن أبي ميمونة- عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم به. كذا يقول مالك: عمر بن الحكم. وفي "النعوت" منه -٥٢/ ٧٧٤٦ - عن قتيبة- والحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم - كلاهما عن مالك به. بقصة الجارية. والله -تَعَالَى- أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ﵀ -تَعَالَى- في "الاستذكار" ج ٢٣ ص ١٦٦: ما حاصله: هكذا رواه جماعة رواة "الموطإ" عن مالك، كلهم قال فيه: "عن عمر بن الحكم"، وهو غلط، ووهَمٌ منه، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم السُّلَمي، وكذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال هذا، وهو هلال بن علي بن أبي ميمونة، وأبو ميمونة اسمه أسامة، فربما قال: هلال بن أسامة، وربما قال: هلال بن أبي ميمونة، ينسبونه كله (١) إلى ذلك، وربما قالوا: هلال بن علي بن أبي ميمونة، وهو مولى عامر بن لؤي.
وأما معاوية بن الحكم، فمعروف في الصحابة، والحديث له محفوظ.
وقد يمكن أن يكون الغلط في اسمه جاء من قبل هلال شيخ مالك، لا من مالك، والدليل على ذلك رواية مالك في هذا الحديث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم في غير "الموطإ"، ولم يقل: "عمر بن الحكم"، وقال فيه معاوية بن الحكم، إلا أن مالكا لم يذكر في روايته لهذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الحكم، عن النبي ﷺ ، إلا قصة إتيان الكُهّان، والطيرة، لا غير، وكذلك رواه سائر أصحاب ابن شهاب. انتهى المقصود من "الاستذكار".
وقال في "التمهيد" ج-٢٢ ص ٧٨ - بعد ذكر نحو ما تقدم: ما نصه: قال الطحاوي: سمعت، الْمُزَنِي يقول: قال الشافعي: مالك بن أنس يسمي هذا الرجل "عمر بن الحكم"، وإنما هو "معاوية بن الحكم"، قال الطحاوي: وهو كما قال الشافعي، وقال الطحاوي: وقال مالك: هلال بن أسامة، وإنما هو هلال بن علي، غير أن قائلا قال: هو هلال بن علي بن أسامة، فإن كان كذلك، فإنما نسبه مالك إلى جده. انتهى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ٧٠ و ٧١ و ٧/ ٣٥ عن أبي جعفر محمد بن الصباح، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن إسماعيل ابن علية، عن حجاج الصوّاف به. وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي به.
стр. 8723
(د) ٩٣٠ و ٣٢٨٢ و ٣٩٥٩ - عن مسدد، عن يحيى القطان به وفي ٩٣٠ - عن عثمان بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية به.
وأخرجه مالك في (الموطإ) ص ٤٨٥ (وأحمد) ٥/ ٤٤٧ و ٥/ ٤٤٨ (والدارمي) رقم ١٥١٠ و ١٥١١. والبخاري في (خلق أفعال العباد) ٢٦ وفي (جزء القراءة) ٦٩ و٧٠. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف ﵀، وهو بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو تحريم كلام الناس، وإنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، ونحوها من الأذكار والدعوات.
ومنها: تحريم التطيّر، والتشاؤم بالأشياء.
ومنها: تحريم الكهانة، وتحريم إتيان الكهان.
ومنها: تحريم الخطّ المسمّى بضرب الرمل، وبيان أنه كان نبي من الأنبياء يفعله، فهو علم خاص به، لا يجوز لأحد أن يتعاطاه، لأنه لا يعلم، هل يصيب خطه، أم لا؟
ومنها: أن تشميت العاطس من جملة كلام الناس الذي لا يجوز في الصلاة، فلو شمت عاطسًا، وهو في الصلاة بطلت صلاته، إن كان عالمًا عامدًا.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، والملاطفة في التعليم، فلا يضرب من يعلمه إذا أساء، ولا يعنّفه، ولا يسبه، ولا يعبّس وجهه في وجه عليه، بل يرشده بلطف، وحكمة، فكان المثل الأعلى في الخلق العظيم، كما قال الله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وكان لين الجانب، كما قال -تَعَالَى-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية، وكان رحمة للعالمين، كما قال -تَعَالَى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الخفيف]:
رَحْمَةٌ كلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ … وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ
فينبغي التخلق بأخلاقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه.
ومنها: جواز استخدام الجارية في رعي الأغنام، ونحوه.
ومنها: تعظيم ضرب الخادمة إذا ضاع منها شيء بغير تعديها.
ومنها: الترغيب في الرأفة والرفق بالخادم، والتنفير من إهانتهم.
ومنها: تعظيم شأن المؤمن وإكرامه والإحسان إليه.
ومنها: أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار بالله -تَعَالَى-، وبرسالة محمد ﷺ .
стр. 8724
ومنها: أن من أقرّ بالشهادتين، واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة، ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، كما قاله النووي ﵀ -تَعَالَى-. والله أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف العلماء في حكم الكلام في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ -تَعَالَى-: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة.
واختلفوا فيمن تكلم في صلاته عامدا يريد إصلاح صلاته، فقالت طائفة: عليه الإعادة، وممن هذا قولُهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: من تكلم في صلاته في أمر عذر، فليس عليه شيء، فلو أن رجلا قال للإمام، وقد جهر بالصلاة بالقراءة في صلاة العصر: إنها العصر، لم يكن عليه شيء، ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر، أو مكان، فصاح به، أو انصرف إليه، أو انتهره، لم يكن عليه بذلك شيء. هذا قول الأوزاعي، واحتجّ بأن ذا الشمالين قد تكلم مع النبي ﷺ ، وقد تكلم عمر بن الخطاب مع النبي- ﷺ .
وقد حُكي عن مالك أنه سئل عمن صنع في صلاته مثل ما صنع رسول الله ﷺ في يوم ذي اليدين حين كلم الناس، وكلموه؟ قال: أرى أن يصنع في ذلك كما صنع النبي ﷺ ، ولا يخالف فيمن سن فيه، فإنه قال: "أنس لأسُنَّ" (١)، فقد سنّ، فأرى أن يبني هو ومن كلمه على ما صلّوا، ولا ينبذوا صلاتهم، ولا يخالفوا ما صنع رسول ﷺ .
قال ابن المنذر ﵀: أما الإمام فإذا تكلم، وهو عند نفسه أنه خارج عن صلاته، وقد أكملها، فصلاته تامّة إذا أكملها، وأما القوم الذين خلفه، فإن كانوا قد علموا أن إمامهم لم يكمل صلاته، فكلموه، وهم يعلمون أنهم في بقية من صلاتهم، فعليهم الإعادة، لأن حالهم خلاف من كان مع رسول الله ﷺ من وجهين:
أحدهما: أن الفرائض قد كان يزاد، وينقص منها، ويُنقَلون من حال إلى حال، والنبي ﷺ بين أظهرهم، ألا ترى إلى قول ذي اليدين: "أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ " فلم يكن من كلام (٢) رسول الله ﷺ في ذلك الوقت مستيقن أنه متكلم في الصلاة،
стр. 8725
لاحتمال أن تكون قصرت، وليست الحال اليوم كذلك، لأن الفرائض قد تناهت، فلا يزاد فيها، ولا ينقص إلى يوم القيامة.
والوجه الثاني: أن القوم الذين كانوا، ورسول الله ﷺ حيّ فيهم، قد أُوجب عليهم أن يستجيوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، يدلّ على ذلك حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد بن المعَلَّى.
قال الجامع عفا الله عنه: أما حديث أبي هريرة ﵁ فسيأتي بعد باب، وأما حديث أبي سعيد بن المعلّى فقد تقدم في-٢٦/ ٩١٣.
قال ابن المنذر ﵀: وليست كذلك الأئمة بعد رسول الله ﷺ ، ليس لأحد أن يجيب إمامًا يدعوه بعد رسول الله ﷺ ، بل على من أجاب إمامه، وهو يعلم أنه في بقية من صلاته الإعادةُ.
قال: واختلف أهل العلم في المصلي يتكلم في صلاته ساهيا، أو سلم قبل أن يكمل الصلاة، وهو ساه، فقالت طائفة: يبني على صلاته، ولا إعادة عليه، وممن صلى، فسلم في ركعتين، وبنى عليها، وسجد سجدتي السهو عبد الله بن الزبير، وقال ابن عباس ﵄: أصاب ورُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وفعل ذلك عروة بن الزبير.
وبه قال عطاء، والحسن البصري، وقتادة، وسلّم أنس بن مالك في الظهر، أو العصر في ثلاث ركعات، ثم قام، فأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو.
وهذا قول عوامّ أهل الفُتْيا من علماء الأمصار، منهم سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وحكي ذلك عن أبي الزناد، وابن أبي ليلى، وقال الشعبي: إذا تكلم في صلاته بَنَى على ما مضى، ومين رأى أن يبني على صلاته إذا تكلم ساهيا أو جاهلا: يحيى الأنصاري، والأوزاعي، وبه قال أبو ثور، وحكي ذلك عن مالك والشافعي.
وقالت طائفة: إذا تكلم ساهيا يستقبل صلاته، كذلك قال النخعي، وقتادة، وحماد ابن أبي سليمان، والنعمان، وأصحابه.
قال ابن المنذر ﵀: واحتج الذين قالوا: لا إعادة على من تكلم في صلاته بحديث ذي اليدين -يعني الآتي بعد باب- وأما ما ادعاه بعضهم من نسخ الكلام، فإنما نسخ منه عمد الكلام، وكان النسخ بمكة (١)، وإسلام أبي هريرة بعد مقدم رسول الله ﷺ المدينة بسبع سنين أو نحوها، وأبو هريرة يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ ،
стр. 8726
والكلام ساهيًا في الصلاة ليس من هذا الباب بسبيل.
فلو أن إمامًا سأل الناس اليوم، وهو عند نفسه أنه قد أكمل الصلاة، ثم تبين له أنه لم يكملها بنى على صلاته، وإذا سأل أصحابه، فكانوا في السهو مثله، فسبيلهم سبيله، وإن علموا أنهم لم يكملوا صلاتهم، فأجابوا إمامهم كانوا مفسدين لصلاتهم، وعليهم الإعادة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تَعَالى ملخصًا (١). وهو بحث نفيس جدًا.
وقد حقق بحث الكلام في الصلاة الإمام النووي ﵀ -تَعَالَى- في كتابه الحافل الكافل "المجموع"، بتفصيل مستوعب مفيد، فقال: هو ثلاثة أقسام:
(أحدها): أن يتكلم عامدًا، لا لمصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره، لحديث معاوية بن الحكم ﵁ يعني حديث الباب- وحديث ابن مسعود، وحديث جابر، وحديث زيد بن أرقم ﵃ وغيرها من الأحاديث التي سنذكرها، إن شاء الله -تَعَالَى-.
(الثاني): أن يتكلم لمصلحة الصلاة بأن يقوم الإمام إلى خامسة، فيقول: قد صلّيت أربعًا، أو نحو ذلك، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه تبطل الصلاة به، وقال الأوزاعي: لا تبطل، وهي رواية مالك، وأحمد، لحديث ذي اليدين.
ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولقوله ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال، وليصفق النساء"، ولو كان الكلام مباحًا لمصلحتها لكان أسهل وأبين، وحديث ذي اليدين جوابه ما سنذكره، إن شاء الله -تَعَالَى-.
(الثالث): أن يتكلم ناسيًا، ولا يطول كلامه، فمذهبنا أنه لا تبطل صلاته، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، والشعبي، وقتادة، وجميع المحدثين، ومالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم، ﵃.
وقال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية: تبطل، ووافقنا أبو حنيفة أن سلام الناسي لا يبطلها.
واحتُجَّ لمن قال تبطل بحديث ابن مسعود ﵁، قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ ، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه, فلم يردّ علي، فقلت: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: "إن في الصلاة شغلًا". رواه الشيخان. وفي رواية أبي داود وغيره زيادة: "وإن الله يحدث من
стр. 8727
أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" (١).
وعن جابر ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فانطلقت، ثم رجعت، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، ثم سلمت، فلم يردّ علي، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فقال: "إنما منعني أن أردّ عليك أني كنت أصلي"، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة. رواه الشيخان.
وعن زيد بن أرقم ﵁، قال: "إن كنّا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام". رواه الشيخان (٢). وليس في رواية البخاري "ونهينا عن الكلام"، وفي رواية الترمذي: "كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ ".
وبحديث معاوية بن الحكم ﵁، "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". رواه مسلم. -يعني الحديث المذكور في هذا الباب- وبحديث جابر ﵁ مرفوعًا "الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء". وهو حديث ضعيف. وبحديث "من قاء في الصلاة، أو قَلَسَ فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم". وهو ضعيف أيضًا.
واحتَجَّ أصحابنا بحديث أبي هريرة ﵁، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، أو العصر، فسلم، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : "أحقّ ما يقول؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين". رواه الشيخان من طرق كثيرة جدًا، وهكذا هو في مسلم، وفي مواضع من البخاري "صلى بنا رسول الله ﷺ ". وفي رواية لمسلم "صلى لنا" (٣).
وعن عمران بن حصين ﵄ "أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله"، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرّ رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم". رواه مسلم (٤).
قال أصحابنا: ومن الدليل لنا أيضا حديث معاوية بن الحكم، فإنه تكلم جاهلا
стр. 8728
بالحكم، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، قالوا: وقياسًا على السلام سهوا، وعمدة المذهب حديث ذي اليدين.
واعترض القائلون بالبطلان عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن مسعود، وزيد ابن أرقم ﵄، قالوا: لأن ذا اليدين قتل يوم بدر، ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر, ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه، وهو متأخر الإسلام عن بدر، لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبي ﷺ ، أو صحابي.
وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبة صحيحة حسنة مشهورة، أحسنها، وأتقنها ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في "التمهيد"، قال: أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود، فغلط، لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث أبن مسعود ﵁ كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة (١)، وأن حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف.
وأما حديث زيد بن أرقم ﵁، فليس فيه أنه قبل حديث أبي هريرة، أو بعده، والنظر يشهد أنه قبله.
قال: وأما قولهم: إن أبا هريرة لم يشهد ذلك، فغلط، بل شهوده له محفوظ من روايات الثقات الحفاظ، ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ "، وفي رواية "صلى بنا"، وفي رواية صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة، قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر سلم رسول الله ﷺ بين الركعتين، فقال رجل من بني سليم. . ."، وذكر الحديث.
قال ابن عبد البرّ ﵀: وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابنُ عمر، وعمرانُ بن الحُصَين، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء المهملة- وابن مسعدة، رجل من الصحابة، وكلهم لم يحفظ عن النبي ﷺ ، ولا صَحبَه إلا بالمدينة متأخرا، ثم ذكر أحاديثهم بطرقها، قال: وابن مسعدة هذا يقال له صاحب الجيوش، اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، له رواية.
قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قتل يوم بدر، فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو
стр. 8729
الشمالين، ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، لأن ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر.
قال ابن إسحاق: ذو الشمالين. عمير بن عمرو بن غبشان، من خزاعة.
فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر، لأن ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمرو، ذكره مسلم في رواية، وهو من بني سُلَيم، كما ذكره مسلم في "صحيحه".
وقال غير ابن عبد البرّ: وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبي ﷺ زمانا.
قال ابن عبد البرّ: فذو اليدين المذكور في حديث السهو غير المقتول ببدر، هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه.
قال: وأما قول الزهري: إن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين، فلم يتابع عليه، قال: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة.
ثم ذكر طرقه، وبيّن اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر عن مسلم بن الحجاج تغليطه الزهري في هذا الحديث.
قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه لاضطرابه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا النبي ﷺ ، فقول الزهري: إنه قتل يوم بدر متروك، لتحقق غلطه فيه.
قال النووي ﵀: هذا مختصر قول ابن عبد البرّ، وقد بسط ﵀ شرح هذا الحديث بسطا لم يبسطه غيره مشتملًا على التحقيق والإتقان والفوائد الجمّة ﵀، ورضي عنه.
وذكر البيهقي ﵀ بعض هذا مختصرًا، فمما قال: إنه لا يجوز أن يكون حديث أبي هريرة ﵁ منسوخًا بحديث ابن مسعود ﵁، لتقدم حديث ابن مسعود، فإنه كان حين رجع من الحبشة، ووجوعُهُ منها كان قبل هجرة النبى ﷺ إلى المدينة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، فحديثه في التسليم كان قبل الهجرة، ثم روى البيهقي ذلك بأسانيده.
ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن ابن مسعود ﵁ قدم مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وأنه شهد بدرًا بعد ذلك.
ثم روى البيهقي بإسناده عن الحميدي شيخ البخاري أنه حمل حديث ابن مسعود
стр. 8730
- ﵁ على النهي عن الكلام عامدا، قال: لأنه قدم من الحبشة قبل بدر، وإسلام أبي هريرة ﵁ سنة سبع من الهجرة، وإسلام عمران بن الحُصَين ﵄ بعد بدر، وقد حضرا قصة ذي اليدين، وحضرها معاوية بن حُدَيج، وكان إسلامه قبل وفاة النبي ﷺ بشهرين، وذكر حديث ابن عمر ﵄ أيضا، ثم قال: فعلمنا أن حديث ابن مسعود في العمد، ولو كان في السهو لكانت صلوات رسول الله ﷺ هذه ناسخة له، لأنها بعده.
ثم روى البيهقي عن الأوزاعي، قال: كان إسلام معاوية بن الحكم ﵁ في آخر الأمر، فلم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة، وقد تكلم جاهلًا.
وذكر الشافعي ﵀ في "كتاب اختلاف الأحاديث" نحو ما سبق من كلام الأئمة، قال: ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين. قال البيهقي ﵀: ذو اليدين بقي حيّا بعد وفاة النبي ﷺ .
فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين، والقوم، وهم بعدُ في الصلاة؟
فجوابه من وجهين:
(أحدهما): أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة لأنهم كانوا مجوّزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟
(والثاني): أن هذا خطاب وجواب للنبي ﷺ ، وذلك لا يبطل الصلاة، وفي رواية لأبي داود وغيره: إن القوم لم يتكلموا، وتحمل رواية "نعم" عليها. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى كلام النووي ﵀ -تَعَالَى- في "المجموع" بتغيير يسير.
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: قد تبين مما ذكر من الأدّلة أن المذهب الراجح هو ما عليه الجمهور، وهو أن من تكلم ساهيًا، أو جاهلًا، لم تبطل صلاته، وأما من تكلم عامدًا، وهو يعلم بتحريم الكلام في الصلاة فقد بطلت صلاته. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في الكلام على قول الجارية: "في السماء"، ومثله قوله -تَعَالَى-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقولُ النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: "ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا. ." الحديث.
لقد حقق الحافظ الناقد البصير أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ -تَعَالَى- هذا الموضوع في كتابه "التمهيد" أتم تحقيق، وبينه أحسن تبيين، فأطال وأعاد، وأسهب وأجاد، وأجمل وأفاد، أحببت إيراد خلاصته هنا تتميمًا للفوائد، ونشر للعوائد.
قال ﵀ -تَعَالَى- عند شرح حديث النزول، وهو حديث رواه مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر جميعًا عن
стр. 8731
أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له؟ من يسألني، فأعطيه،؟ من يستغفرني، فأغفر له؟ ".
قال أبو عمر ﵀: وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقوله تبارك اسمه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله -تَعَالَى-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال جلّ ذكره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وهذا هو العلوّ، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. والجهمي يزعم أنه أسفل. وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:٢ - ٣]، والعروج هو الصعود.
وأما قوله -تَعَالَى-: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾، فمعناه من على السماء، يعني على العرش, وقد يكون "في" بمعنى "على"، ألا ترى إلى قوله تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، أي على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وهذا كله يعضده قوله -تَعَالى-: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب.
قال: وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاء المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل "استوى" استولى، فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه، ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ
стр. 8732
لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مبتدع ما ثبت شيء من العبارات، وجَلَّ الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه الرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة، ومفهوم، وهو العُلُوُّ والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عُبيدة في قوله -تَعَالَى-: ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابّة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه، واستقرّ، فلم يكن في شبابه مزيد.
قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العُلُوِّ، وبهذا خاطبنا الله ، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال الشاعر: [من الطويل]:
فَأوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ (١) … وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى
وهذا لا يجوز أن يَتَأوّل فيه أحدٌ استولى، لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل، وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة، قال: حدثني الخليل، وحسبك بالخليل، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فردّ علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال، قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه يأمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هَجير، وماء نَمير (٢) فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سالمكم متاركةً، لا خير فيها، ولا شرّ، قال الخليل: هو من قول الله : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن واقد الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ في قوله -تَعَالَى-: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان، فالجواب عن هذا أن هذا حديث منكر عن ابن عباس، ونَقَلَتُهُ مجهولون ضعفاء، فأما عبد الله بن داود
стр. 8733
الواسطي، وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول، لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث؟، لو عقلوا، أو أنصفوا، أمَا سمعوا الله حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا. [من الطويل]:
فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ … وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الّعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ الْسَّمَاءِ مُهَيْمِنُ … لِعِزتَّه تَعْنُو الْوُهُ وَتَسْجُدُ
وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول في وصف الملائكة:
فَمنْ حَاملٍ إحْدَى قوَائم عَرْشِهِ … وَلَوْلَا إِلَهُ الْخَلقِ كَلُّوا وَأَبْلَدُوا
قيَامٌ عَلَى الأقْدَام عَانُونَ تحَتَهُ … فَرَائصُهُمْ مِنْ شَدَّة الْخَوْف تَرْعَدُ
قال أبو عمر: فإن احتجّوا بقول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وزعموا أن الله ﵎ في كلّ مكان بنفسه وذاته ﵎، قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير.
فظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر.
وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾، فالإجماع والاتفاق قد بين المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا، فإنه قاطع إن شاء الله.
ومن الحجة أيضا في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كَرَبهُم أمر، أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر، وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكاية، لأنه اضطرار لم يؤنّبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقد قال ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول الله ﷺ -
стр. 8734
بأن قال لها: "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة"، فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه.
وأما احجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة، واحتوته مخلوق. فشيء لا يلزم، ولا معنى له، لأنه ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بالقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة، والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء، لا شريك له، وقد قال المسلمون، وكل ذي عقل: إنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول، وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ أوْ يجري بينه وبينهم تمثيل, أو تشبيه؟ -تَعَالَى- الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله ﷺ ، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية.
فإن قال قائل منهم: إنا وصفنا ربنا أنه كان لا في مكان، ثم خلق الأماكن، فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغير والانتقال، إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، وانتقل إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى مكان، وهذا لا ينفكّ منه، لأنه إن زعم أنه في الأزل في كلّ مكان كما هو الآن، فقد أوجب الأماكن والأشياء موجودة معه في أزله، وهذا فاسد.
فإن قيل: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟
قيل له: أما الانتقال، وتغيُّرُ الحال، فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نُقْلَتُهُ لا يوجب مكانًا، وليس في ذلك كالخلق، لأن كَوْن ما كوّنه يوجب مكانًا من الخلق، ونقلته توجب مكانًا، ويصير منتقلًا من مكان إلى مكان، والله ليس كذلك، لأنه في الأزل غير كائن في مكان، وكذلك نُقْلته لا توجب مكانًا، وهذا ما لا تقدر العقول على دفعه، ولكنا نقول: استوى منْ لا مكان إلى مكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدا، ألا ترى أنا نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ومعناهما واحد، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليلُ إبراهيم، ولا نقول: صَديقُ إبراهيم، وإن كان المعنى
стр. 8735
في ذلك كله واحدًا، لا نسميه، ولا نصفه، ولا نطلق عليه إلا ما سمّى به نفسه على ما تقدم ذكرنا له من وصفه لنفسه، لا شريك له، ولا ندفع ما وصف به نفسه، لأنه دَفْعٌ للقرآن، وقد قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وليس مجيئه حركة، ولا زوالا، ولا انتقالًا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما، أو جوهرًا، فلمّا ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة، ولا نقلة، ولو اعتبرت ذلك بقولهم: جاءت فلانًا قيامته، وجاءه الموت، وجاءه المرض، وشبه ذلك مما هو موجود نازل به، ولا مجيء، لبان لك. وبالله العصمة والتوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يرد نص في إطلاق الجسم، والجوهر على الله -تَعَالَى-، لا إثباتًا، ولا نفيًا، فالأولى عدم الخوض في ذلك حتى يثبت لدينا نص نعتمد عليه. والله -تَعَالَى- أعلم.
قال أبو عمر ﵀: فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالتكييف.
قيل: قد يكون الاستواء واجبًا، والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا، وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا، ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية استوائه على عرشه يوجب أن ليس على عرشه.
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال مالك ﵀: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجلَ سوءٍ.
قال: وقد روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مثل قول مالك هذا سواءً.
وأما احتجاجهم بقوله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذي حُملَ عنهم التأويلُ في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وَعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
قال: وأما قوله ﷺ : "ينزل ربنا ﵎ إلى سماء الدنيا". فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله
стр. 8736
- ﷺ ، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يُكيّفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء, والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة.
وقد قال قوم من أهل الأثر أيضا أنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، وروي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء، لأن أمره ورحمته لا يزالان أبدًا في الليل والنهار، وتعال الملك الجبّار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون في أي وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال.
وقد روى محمد بن علي الجبلي، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدثنا مطرّف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث "إن الله ينزل في الليل إلى السماء الدنيا"، فقال: مالك: يتنزل أمره.
وقد يحتمل أن يكون كما قال مالك ﵀ على معنى أنه تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره، أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت. والله أعلم.
ولذلك جاء فيه الترغيب في الدعاء، وقد روي من حديث أبي ذرّ ﵁، أنه قال: يا رسول الله أيّ الليل أسمع؟ قال: "جوف الليل الغابر". يعني الآخر، وهذ على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء، كما ندب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره أبو عمر ﵀ من تأويل "ينزل ربنا" بتنزل رحمته الخ فيه نظر، إذ يرده قوله في تمام الحديث، "مَنْ يدعوني فأستجيب له؟ الخ"، فإن الرحمة لا يمكن أن تقول: من يدعوني الخ، وكذا ما نقله عن مالك في هذا المعنى يُردُ بمثل ما رَدَّ به أبو عمر نفسهُ على مجاهد في تفسيره قولَه -تَعَالَى-: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] بقوله: إلى ثواب ربها.
فقد ردّ عليه بما حاصله: قول مجاهد هذا مردود بالسنَّة الثابتة عن النبي ﷺ ، وأقاويل الصحابة, وجمهور السلف، وهو عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ ، وليس من العلماء أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ .
ومجاهد، وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين، هما مهجوران عند العلماء، مرغوب عنهما:
أحدهما هذا، والآخر قوله في قول الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
стр. 8737
مَحْمُودًا﴾، قال: يوسع له على العرش، فيُجلسه معه، وهذا قول مخالف للجماعة من الصحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود الشفاعةُ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فنحن نقول هنا فيما نُقل عن مالك ﵀ -إن صح عنه-: إنه مردود بالسنة الصحيحة، وبما ثبت عن السلف في هذا الباب.
والحاصل أن المعنى الصحيح أن نزول الرب على ظاهره، فينزل ربنا سبحانه كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير حقيقةً، نزولًا يليق بجلاله، والله -تَعَالَى- أعلم.
قال أبو عمر ﵀: وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج عن نعيم بن حماد، قال: ينزل بذاته، وهو على كرسيه.
قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم من أهل السنة، لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها، لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانا، وقد جلّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون، فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فلا نتعدّى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقال أبو عمر ﵀ أيضًا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة.
وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مشبّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود.
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله.
روى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد الله بن وهب، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: من وصف شيئًا من ذات الله، مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فأشار إلى عينيه، أو أذنيه، أو شيئا من بدنه، قُطع ذلك منه، لأنه شبه الله بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء ﵁ حين حدّث أن النبي ﷺ قال: "لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا"، وأشار البراء بيده، كما أشار النبي ﷺ بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول الله ﷺ ، فكره البراء أن يصف رسول الله ﷺ إجلالا له، وهو مخلوق، فكيف
стр. 8738
الخالق في ليس كمثله شيء؟.
ثم أخرج عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول ﷺ : "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا خَلَق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا، فليقل: آمنت بالله". -متفق عليه-.
وفي رواية: "فإذا قالوا ذلك، فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ثم ليتفل عن يساره، ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم". -رواه أحمد، وأبو داود بسند حسن-.
قال: وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم. وقد روي ذلك مرفوعًا عن النبي ﷺ .
وقال سحنون: من العلم بالله الجهلُ بما لم يخبر به عن نفسه.
وهذا الكلام أخذه سحنون عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مطرّف بن عبد الله بن الشخير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وصف من نفسه.
ثم أخرج عن سحنون بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: "ينزل ربنا ﵎ كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا"، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويرى أهل الجنة ربهم، وبحديث "لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورته"، واشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه، وأن موسى ﵇ لطم ملك الموت صلوات الله عليه؟ قال أحمد: كل هذا صحيح. وقال إسحاق كل هذا صحيح، ولا يدَعَهُ إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي.
وقال أبو عمر أيضا: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه.
ثم أخرج عن أحمد بن نصر أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد الله: "إن الله يجعل السماء على إصبع"، وحديث "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، و"إن الله يعجب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق"، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ونحو هذه الأحاديث؟
فقال: هذه الأحاديث نرويها، ونُقرّبها كما جاءت بلا كيف.
وعن الوليد بن مسلم، قال سألت الأوزاعي، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس،
стр. 8739
والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف.
وذكر عباس الدوري، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجرّاح، فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث، يعني مثل الكرسى موضع القدمين، ونحو ذلك؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئًا.
قال عباس بن محمد الدُّوري: وسمعت أبا عبُيد القاسم بن سَلّام، وذُكر له عن رجل من أهل السنة أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تروى في الروية، والكرسيُّ موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حق، فقال: ضَعَّفْتم عندي أمره، هذه الأحاديثُ حق، لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنّا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرّها، ولم نذكر أحدًا يفسرها.
وقد كان مالك ينكر على من حدث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن القاسم، قال: سألت مالكًا عمن يحدّث الحديثَ "إن الله خلق آدم على صورته"، والحديث "إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة"، وإنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد، فأنكر إنكارًا شديدًا، ونهى أن يحدث به أحدًا.
وإنما كره ذلك مالك خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا.
وأخرج عن ابن وضاح، أنه سأل يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقرَّ به، ولا تحدّ بقول، كلُّ من لقيت من أهل السنة يصدّق بحديث التَّنَزُّلِ، قال: وقال لي ابن معين صَدِّقْ، ولا تصفه.
وأخرج عن مهديّ بن جعفر، عن مالك بن أنس أنه سأله عن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك، ثم قال: استواءه مجهول (١)، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذه بدعة.
وأخرج عن أيوب بن صلاح المخزومي، قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقي، فقال له: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء، أخرجوه، فأخذوا بضبعيه، فأخرجوه.
стр. 8740
وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كره مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث لأنها فيها حدًّا، وصفةً، وتشبيهًا، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قاله الله ، ووصف به نفسه بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فليقل قائل بما قاله الله، ولينته إليه، ولا يعدوه، ولا يفسره، ولا يقل: كيف؟، فإن في ذلك الهلاك، لأن الله كلّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل الذي لا يعلمه غيره.
وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث: إن الله ضحك، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليست على جهة ما يكون من عباده.
قال أبو عمر: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا فى دين الله أفواجًا علم أن الله لم يعرفه أحد منهم إلا بتصديق النيين بأعلام النبوّة، ودلائل الرسالة، لا من قبيل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم، وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من علمهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، ولشهروا به، كما شهروا بالقرآن والروايات.
وقولُ رسول الله ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" عندهم مثل قول الله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلّى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟، ولا من أين ينزل؟، لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له.
وفي قول الله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل، وفي ذلك ما يفسر حديث التنزل، ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، فلينظر في تفسير بَقيّ بن مخلد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذكرا من ذلك، ففيما ذكرا منه كفاية، وبالله العصمة والتوفيق.
стр. 8741
انتهى كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البر ﵀ -تَعَالَى- بتصرف واختصار.
ولقد أجاد في هذا الموضوع، وأفاد، لمن أراد الله -تَعَالَى- له السعادة بفهم النصوص كما فهمه السلف- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، ووفقه لاتباع منهجهم.
فإن أردت زيادة الاستفادة فراجع كتاب "التمهيد" ج-٧ ص ١٢٨ - ١٥٩. وبالله -تَعَالَى- التوفيق، ومنه الهداية لأقوم الطريق.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، اللَّهُمَّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللَّهُمَّ أرنا الحق حقّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين، وأنت حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢١٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدري البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الناقد الثبت البصري [٩] تقدم ٤/ ٤.
٣ - (إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١٣/ ٤٧١.
٤ - (الحارث بن شُبيل) -بالمعجمة واللام مصغرًا- ابن عوف البجلي، أبو الطفيل، ويقال: الكوفي، ثقة [٥].
روى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد الله بن شداد، وطارق بن شهاب. وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لا يُسأل عن مثله، يعني لجلته. وقال النسائي: ثقة. وحديثه عن علي مرسل، لم يدركه.
أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قال في "ت" بعد ذكر ترجمة الحارث بن شُبَيل هذا: ما نصه. الحارث بن شبل كالأول، لكن بلا تصغير، بصري ضعيف من [٦] أخطأ الكلاباذي في خلطه بالذي قبله، وردّ ذلك الباجي، وحرّر القول فيه في "رجال البخاري". انتهى.
стр. 8742
٥ - (أبو عمرو الشيباني) سعد بن إياس الكوفي، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٥١/ ٦١٠.
٦ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله -تَعَالَى- تصديقه في "سورة المنافقين" تقدم ١٣/ ١٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، والحارث شُبيل، فما أخرج له ابن ماجه، وأن شيخه والقطان بصريان، والباقون كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن أرقم) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وفي رواية البخاري "عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم"، فصرّح بالسماع من زيد ﵁.
(قال: كان الرجل يكلم صاحبه) وفي رواية البخاري: "إن كنا لنتكلم"، قال في "الفتح" ج -٣ ص ٣٩٧؛ وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: "وأمرنا" لقوله: "على عهد رسول الله ﷺ "، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذكر نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا.
انتهى (في الصلاة بالحاجة) قال في "الفتح": والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من رد السلام ونحوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل، بل الذي يظهر أنه على عمومه، في كلّ حاجة. فتأمل. والله -تَعَالَى- أعلم.
(على عهد رسول الله ﷺ ) أي في زمانه (حتى نزلت هذه الآية) هذا ظاهر في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ كان بالمدينة، لأن الآية مدنية باتفاق، فيشكل على قول ابن مسعود ﵁: إن ذلك وقع لمّا رجعوا من عند النجاشي، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضا، فكانوا في المرّة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين.
واختلف في المراد بقوله: "فلما رجعنا"، هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟.
فجنح القاضي أبو الطيب الطبري وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام
стр. 8743
بمكة، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه.
وجنح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود ﵁ بأنه حكى لفظ النبي ﷺ ، بخلاف زيد بن أرقم ﵁، فلم يحكه.
وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قدم المدينة، والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر، وفي "مستدرك الحاكم" من طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود ﵁، قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ثمانين رجلا" .. فذكر الحديث بطوله، وفي آخره "فتعجل عبد الله بن مسعود، فشهد بدرا".
وفي السير لابن إسحاق: "إن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبي ﷺ هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشهدوا بدرًا".
فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبي ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة. وإلى هذا الجمع نحا الخطابي، ولم يقف من تعقب كلامه على مستنده.
ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم الخزاعي لحديث ابن مسعود الآتي بعد هذا، فإنها ظاهرة في أن كلا من ابن مسعود، وزيد بن أرقم حكَى أن الناسخ قوله -تَعَالَى-: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم "كنا نتكلم" أي كان قومي يتكلمون، لأن قومه كانوا يصلون قبل الهجرة مع مصعب بن عمير الذي كان يعلمهم القرآن، فلما نسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة، فتركوه، فهو متعقَّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار، وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم "كنا نتكلم خلف رسول الله ﷺ "، وكذا أخرجه الترمذي، فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة قبل هجرة النبي ﷺ إليهم.
وأجاب ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: "كنا نتكلم" مَنْ كان يصلي خلف النبي ﷺ بمكة من المسلمين.
وهو متعقب أيضا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرًا، وبما روى الطبراني من حديث أبي أمامة، قال: "كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم يصلون، سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوما، فدخل في الصلاة"، فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعا، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما
стр. 8744
أسلما بها.
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: قد تبين مما ذكر أن الراجح أن نسخ الكلام كان بالمدينة، لا بمكة. والله -تَعَالَى- أعلم.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو خبر لمحذوف، أي هي "حافظوا الخ"، أو مفعول لفعل محذوف، أي "أعني".
أمر الله عباده بالمحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها (والصلاة الوسطى) بالجرّ عطفًا على "الصلوات" من عطف الخاصّ على العامّ، تنبيها بشأنها.
و"الوُسْطى" فُعْلى مؤنثة الأوسط، وهي من الوَسَط الذي هو خيار الشيء، لا من الوَسَط بمعنى متوسط بين شيئين، لأن فُعلى هنا للتفضيل، ولا يبنى التفضيل إلا مما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار هو الذي يقبل ذلك، لا الذي بمعنى المتوسط بين شيئين. وقد تقدم تحقيق ذلك في أوائل الصلاة -١٤/ ٤٧٢ - فراجعه تستفد، وبالله -تَعَالَى- التوفيق.
(وقوموا لله قانتين) اختلف في معنى القنوت في هذه الآية على أقوال، أرجحها ما دلّ عليه حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا، وهو السكوت، وقد استوفيت الكلام على اختلاف العلماء في معنى القنوت بالرقم المذكور.
(فَأُمِرْنَا بالسكوت) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا الله -تَعَالَى- بأن نَسْكُتَ عن كلام الناس، لا عن مطلق الكلام، فإن الصلاة ليست محل سكوت، بل فيها قراءة القرآن، والتسبيح، والتكبير، والدعاء ونحو ذلك.
زاد في رواية مسلم: "ونهينا عن الكلام". قال في "الفتح" ج-٣ ص ٣٩٩: استُدلّ بهذه الزيادة على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه، إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى قوله: "ونهينا عن الكلام"، وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعله ذكر لكونه أصرح. والله -تَعَالَى- أعلم. انتهى. والله -تَعَالَى- ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن أرقم ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٢١٩ - و"الكبرى" ٥٥/ ١١٤٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن
стр. 8745
يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عنه. وفي "الكبرى" في "التفسير" رقم ١١٠٤٧ - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد به. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٧٢ - وفي "جزء القراءة" رقم ٢٤٢ - عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، وفي ٦/ ٣٨ - وفي "جزء القراءة" -٢٤١ - عن مسدد، عن يحيى القطان به.
(م) ٢/ ٧١ - عن يحيى بن يحيى، عن هُشَيم- (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، ووكيع- (ح) وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس- أربعتهم عن إسماعيل به.
(د) ٩٤٩ - عن محمد بن عيسى، عن هشيم به. (ت) ٤٠٥ و ٢٩٨٦ - عن أحمد بن منيع، عن هُشيم به. و ٢٩٨٦ - عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، كلهم عن إسماعيل به.
وأخرجه (أحمد) ٤/ ٣٦٨ (وعبد بن حميد) رقم ٢٦٠ (وابن خزيمة) ٨٥٦ و ٨٥٧. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو تحريم الكلام في الصلاة.
ومنها: بيان أن هذه الآية نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة بعد أن كان مباحًا.
ومنها: ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: إن هذا اللفظ أحد ما يستدلّ به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي تقدمَ أحَدِ الحكمين على الآخر، وهذا لا شك فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذكروا فيه أنه لا يكون دليلًا، لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي منه.
ومنها: أن لفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت، لما دلّ عليه لفظ "حتى" التي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها.
ومنها: أن قوله: "ونهينا عن الكلام" يقتضي أن كل ما يسمى كلامًا فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة عنه.
وقد اختلف الفقهاء في أشياء، هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة وحاجة، وكالبكاء.
قال ابن دقيق العيد ﵀: والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلامًا، فهو داخل
стр. 8746
تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، فلْيُرَاعَ شرطُهُ في مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه، واعتبر أصحاب الشافعي ظهور حرفين، وإن لم يكونا مُفهمين، فإن أقلّ الكلام حرفان.
ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلامًا، وإذا لم يكن كلامًا فالإبطال به لا يكون بالنصّ، بل بالقياس على ما ذكرنا، فليراع شرطه، اللَّهُمَّ إلا أن يريد بالكلام كل مركب، مفهمًا كان، أو غير مفهم، فحينئذ يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثًا (١).
والأقرب أن ينظر إلى مواقع الإجماع والخلاف حيث لا يسمى الملفوظ به كلامًا، فما أجمع على إلحاقه بالكلام ألحقناه به، وما لم يجمع عليه مع كونه لا يسمى كلامًا فيقوى فيه عدم الإبطال.
ومن هذا استُبْعد القولُ بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قولُ من علّل البطلان به بأنه يشبه الكلام، وهذا ركيك، مع ثبوت السنة الصحيحة أن النبي ﷺ نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله -تَعَالَى- عنه: الراجح أن المراد بالكلام هو التخاطب الذي يجري بين الناس، إذ قول الراوي: "يخاطب بعضنا بعضًا"، وكذا الحديث الآتي: "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ظاهران في كون المراد مخاطبة بعضهم لبعض، فلا يدخل فيه التنحنح، والأنين، والتأوه والنفخ، لأنها ليست من هذا الجنس. فتبصر. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ -وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- وَالْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ كُلْثُومٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَهَذَا حَدِيثُ الْقَاسِمِ، قَالَ: كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -يَعْنِي أَحْدَثَ- فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد الله بن عَمَّار) بن سوادة الأزدي الغامدي، أبو جعفر البغدادي
стр. 8747
الْمُخَرِّمي (١) نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠].
روى عن عيسى بن يونس، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غَنية، وغيرهم. وعنه النسائي، وعلي بن حرب الموصلي، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم.
قال علي بن أحمد بن النضر الأزدي: رأيت علي بن المديني يقدمه. وقال ابن عُقدة: سمعت محمد بن غالب يقول: حدثني محمد بن عبد الله بن عمّار الثقة، كان من أهل الحديث. قال ابن عقدة: وسألت عبد الله بن أحمد عنه؟، فقال: كان ثقة. وقال أبو زكرياء يزيد بن محمد بن إياس الأزدي في "تاريخ الموصل": كان ابن عمّار فهما بالحديث وعِلَلِهِ، رحّالا فيه، ثم قال: حدثني عُبيدٌ العجْلُ, قال: سمعت أبا يوسف القُلُوسي، يقول لإسماعيل القاضي: ابنُ عمار مثلُ علي بن المديني، يعني في علم الحديث، قال: ورأيت عُبيدا يعظم أمره، ويرفع قدره. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال صالح بن محمد: ثقة كيس. وقال النسائي: ثقة صاحب حديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره أبن حبان في "الثقات". وقال ابن عديّ: رأيت أبا يعلى يُسيء القول فيه، وكان يشتد عليه إذا قرئ عليه عنه بشيء، ويقول: شهد على خالي بالزور، قال ابن عديّ: وابن عَمَّار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل: مُعَافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدًا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة. وقال الخطيب: كان من أهل الفضل المتحققين بالعلْمِ، حسن الحفظ، كثير الحديث، وكان تاجرًا. وقال الدارقطني: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة صاحب حديث.
قال الحسين بن إدريس عنه: ولدت سنة (١٦٢) وقال أبو زكرياء الأزدي: توفي سنة (٢٤٢).
انفرد به النسائي روى عنه في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
٢ - (ابن أبي غنية) -بفتح المعجمة، وكسر النون، وتشديد التحتانية- هو يحيى بن عبد الملك بن حُميد بن أبي غنية الخزاعي، أبو زكرياء الكوفي، أصله من أصفهان، صدوق له أفراد، من كبار [٩].
روى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسفيان الثوري، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المديني، ومحمد بن عبد الله بن عمّار، وغيرهم.
стр. 8748
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان شيخا ثقة, له هيبة, رجلًا صالحًا. وقال عثمان الدارمي, عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة رجل صالح، حدثني أبي, قال: قيل ليحيى بن عبد الملك: دواء عينيك ترك البكاء، قال: فما خيرهما إذا؟. قال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ثقة، وأبوه ثقة. وقال ابن عديّ: بعض حديثه لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه.
قال الواقدي: مات سنة (٦) أو (١٨٧) وقال مطيّن: مات سنة (١٨٨).
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، فأخرج له في "المراسيل"، وله في هذا الكتاب حديثان هذا و ٥٦٧٠ حديث "من شرب الخمر. . .".
٣ - (القاسم بن يزيد الجَرْمي) أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد [٩] تقدم ١٠٢/ ١٣٥.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٥ - (الزبير بن عديّ) الهَمْداني اليامي، أبو عدي الكوفي، ولي قضاء الرّيّ، ثقة [٥] تقدم ١/ ٤٥١.
٦ - (كُلْثوم) بن علقمة بن ناجية بن المصطلق الخزاعي، وقد ينسب إلى جد أبيه، ويقال: هما اثنان، ثقة [٢] ويقال: له صحبة. قاله في "ت".
وفي "تهذيب الكمال": (كلثوم) بن المصطلق، وهو كلثوم بن علقمة بن ناجية بن المصطلق، ويقال: كلثوم بن الأقمر، ويقال: كلثوم بن عامر بن الحارث بن أبي ضرار ابن المصطلق الخزاعي المصطلقي الكوفي، يقال: له صحبة.
روى عن النبي ﷺ ، وعن أسامة بن زيد، وعبد الله بن مسعود، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن المصطلق، ويقال: إنها عمته، وزينب بنت جحش، وابن مسعود، وأم سلمة، أزواج النبي ﷺ .
روى عنه أبو صخرة جامع بن شدّاد، والزبير بن عديّ، وعمران بن عُمير، ومهاجر أبو الحسن. ذكره ابن حبان في التابعين من كتاب "الثقات". انتهى.
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين ثلاثة:
(كلثوم) بن المصطلق الخزاعي، وهو الراوي عن ابن مسعود، وعنه الزبير بن عدي، وعمران بن عمير.
(وكثلوم) بن عامر، وهو الراوي عن عمته جويرية بنت الحارث، وعنه مهاجر، أبو الحسن.
(وكلثوم) بن الأقمر، روى عن زرّ بن حُبَيش، وعنه الأسود بن قيس. وكذا فرق بينهم البخاري في "تاريخه"، وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم.
стр. 8749
والذي يظهر أن كلثوم بن المصطلق هو كلثوم بن عامر، وإنما نسب إلى جد أبيه.
وأما كلثوم بن الأقمر، فهو غيره قطعًا، فقد ذكره عمران بن محمد الهمداني في الطبقة الثالثة من الهمدانيين، وقال: له أحاديث صالحة.
وأما كلثوم بن علقمة بن ناجية، فذكره أبو نعيم في "الصحابة"، وقال: لا تصح له صحبة، وأحاديثه مرسلة، والصحبة لأبيه علقمة. انتهى.
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (عبد الله بن مسعود) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف، ﵀ -تَعَالَى-، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي، أو صحابي عن صحابي، إن ثبت كون كلثوم صحابيًا.
ومنها: أنه يُقَدَّر قبل قوله: "عن سفيان" لفظ "كلاهما"، أي أن كلا من ابن أبي غَنيّة، والقاسم بن يزيد يرويان عن سفيان الثوري. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه (وهذا حديث القاسم) جملة معترضة بيّن بها أن اللفظ الآتي للقاسم بن يزيد، وأما ابن أبي غنية فرواه بالمعنى (قال) أي عبد الله بن مسعود (كنت آتي النبي ﷺ ، وهو يصلي) جملة حالية من المفعول، أي حال كونه مصليًا (فأُسَلِّم عليه، فيردّ علي) أي بالقول، وهذا قبل هجرته إلى الحبشة، حين كان الكلام مباحًا كما ترشد إليه الرواية التالية (فأتيته، فسلّمت عليه، وهو يصلي، فلم يردّ علي) أي لكون الكلام ممنوعًا إذ ذاك (فلما سلّم أشار إلى القوم) أي الحاضرين لديه بالإصغاء إلى ما يُبَيِّن لهم من حكم الكلام في الصلاة (فقال: إن الله -يعني أحدث في الصلاة-) هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبين لي من هو؟ (أن لا تكلموا) في تأويل المصدر مفعول "أحدث"، يعني أنه أحدث عدم الكلام في الصلاة و"تكلموا" بفتح التاء، مضارع "تكلم" بحذف إحدى التاءين، ويَحتمل أن يكون بضم التاء مضارع "كلّمَ"، ومفعوله محذوف، أي: أحدا (إلا بذكر الله) من التكبير، والتسبيح، والتحميد، وقراءة القرآن (وما ينبغي لكم) من عطف العام على الخاص، أي وإلا بما ينبغي لكم أن تتكلموا به في الصلاة، كالدعاء (وأن تقوموا لله) عطف على "أن لا تكلموا"، أي وأحدث أن تقوموا في صلاتكم لله (قانتين) أي ساكتين عما لا ينبغي لكم من الكلام، وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقد قدمنا أن أصح الأقوال في معنى القنوت هو السكوت لحديث زيد بن أرقم ﵁ المتقدم، ولهذا الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 8750
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٠/ ١٢٢٠ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ١١٤٣ - بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، حَتَّى قَدِمْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ، وَمَا بَعُدَ، فَجَلَسْتُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الحسين بن حُرَيث) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٤/ ٥٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (عاصم) بن أبي النَّجُود الأَسَدي مولاهم، وهو ابن بَهْدَلة الكوفي، أبو بكر المقرىء، صدوق له أوهام، [٦] تقدم ٩٨/ ١٢٦.
٤ - (أبو وائل) شقيق بن سَلَمَة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٢/ ٢.
٥ - (ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(ومنها): أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنهم كوفيون، غير شيخه، فمروزي، وسفيان، فمكي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كنا نسلم على النبي ﷺ ، فيردّ علينا السلامَ حتى قدمنا) بكسر الدال المهملة، يقال: قدم الرجلُ البلدَة يقدَمها، من باب تعب قُدُومًا، ومَقْدَمًا -بفتح الميم والدال-: إذا دخلها (من أرض الحبشة) من إضافة العام إلى الخاص، كشجر أرَاك، إن كان المراد بـ"الحبشة" البلدَ، أو بمعنى اللام، إن كان المراد الجيلَ.
قال الفيومي ﵀: الحبشُ -أي بالتحريك- جيل من السُّودان، وهو اسم جنس، ولهذا صغّر على حُبَيش، والحبشة لغة فاشية، الواحد حبشي. انتهى بتصرف.
стр. 8751
(فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قَرُبَ، وما بعدَ) -بضم عين الفعل فيهما- أي تفكرت فيما يصلح للمنع من الوجوه القريبة، أو البعيدة أَيُّها كان سببًا لترك ردّ السلام.
وفي رواية أبي داود من طريق أبان العَطّار، عن عاصم: "فأخذني ما قَدُم وما حَدُث" -بضم الدال فيهما، مراده غلب علي التفكر في أحوالي السابقة واللاحقة، أيها كان سببا لتركه ﷺ ردّ السلام عليّ.
ويحتمل أن يكون المراد أخذني ما تقدم من التكلم في الصلاة, وما حدث فيها من عدم التكلم. قاله في "المنهل" (١).
(فجلست، حتى إذا قضى الصلاةَ قال) أي النبي ﷺ (إن الله يحدث) -بضم الياء- من الإحداث، أي يُظهر ويُجَدِّد (من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّمَ في الصلاة) ببناء الفعل للمفعول، وهو في تأويل المصدر مفعول "أحدث".
يعني أن لله تجديدَ الأحكام بحسب ما اقتضته حكمته، وإن مما أحدثه من الأحكام عدم جواز الكلام في الصلاة.
وفي رواية الشيخين: "إن في الصلاة شُغلا".
قال في "الفتح": والتنكير في "شغلا" للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو للتعظيم، أي شغلًا، وأيَّ شغل، لأنها مناجاة مع الله، تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره.
وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرّج على غيرها، من ردّ السلام ونحوه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٠/ ١٢٢١ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ١١٤٤ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
стр. 8752
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) -٩٢٤ - عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار، عن عاصم به.
وأخرجه الشيخان من رواية علقمة عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: كنا نسلم على النبي ﷺ ، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يردّ علينا، وقال: "إن في الصلاة شُغْلًا".
وأخرجه (الحميدي) ٩٤ - (وأحمد) -١/ ٣٧٧ - و ١/ ٤٣٥ و ١/ ٤٦٣. والله تعالى أعلم.
وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث معاوية بن الحكم السَّلَميّ رضي الله تعالى عنه، فلترَاجَعْ هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ نَاسِيًا، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الفعل الذي يفعله الشخص الذي نسي التشهد الأول، فقال إلى أداء الركعة الثالثة.
فقوله: "من اثنتين" على حذف مضاف، أي من ثانية اثنتين، يعنى الركعة الثانية. والله أعلم بالصواب.
١٢٢٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا (٣) تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
стр. 8753
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة المشهور، أبو عبد الله المدني [٧] تقدم ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت، أبو بكر المدني [٤] تقدم ١/ ١.
٤ - (عبد الرحمن الأعرج) هو ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٥ - (عبد الله ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القشب الأزدي الصحابي ﵁، و"بُحَينة" أمه، تقدم ١٤١/ ١١٠٦. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به برقم ١٩٦/ ١١٧٧ - حيث رواه المصنف ﵀ هناك عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عنه.
ومعنى قوله: "ونظرنا"، أي انتظرنا.
وموضع الترجمة قوله: "كبر، فسجد الخ"، ففيه بيان ما يفعله من قام من الركعة الثانية إلى الثالثة تاركا للتشهد نسيانا، وهو أن يكبر في آخر صلاته قبل أن يسلم، فيسجد سجدتي السهو، وهو جالس، ثم يسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[مسألة]: في مذاهب العلماء فيمن نسي التشهد الأول:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه "الأوسط":
الذي عليه أكثر أهل العلم اتباع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوى قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو.
وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود ﵃.
وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك:
فقالت طائفة: إذا ذكر، ولم يستتمّ قائمًا جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وروي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعي يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة،
стр. 8754
والأوزاعي لا يسجد.
وقالت طائفة: إن ذكر ساعةً يقوم جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة.
وقالت طائفة: إن المصلي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، ونأ للقيام مضى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك ابن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى.
وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانين آية، ما لم يركع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي هو ما عليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم، لصحة حديث عبد الله ابن بحينة ﵁ المذكور في الباب في ذلك. والله تعالى أعلم.
قال ابن المنذر ﵀: وقد اختُلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائمًا، فجلس:
فرأت طائفة أن، يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية ﵁ مرفوعًا: "من نسي من صلاته شيئًا، فليسجد مثل هاتين السجدتين" رواه أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ١٠٠ بإسناد حسن.
فقوله: "شيئًا" نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ).
стр. 8755
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في السند السابق، إلا:
١ - (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٢ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٢/ ٢٣.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكعَتَيْنِ نَاسِيًّا، وَتَكَلَّمَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سقط من بعض النسخ لفظ "ما يفعل".
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الفعل الذي يفعله الشخص الذي سلم على رأس الركعتين من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، وتكلم، ناسيًا.
فـ"ما" موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، أي أي شيء يفعل من سلم من ركعتين، وتكلم ناسيًا؟.
و"ناسيًا" حال من فاعل سلّم، وحذف نظيره من "تكلم". والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنِّي نَسِيتُ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، قَالَ: كَانَ يُسَمَّى ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ، أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟، قَالَ: "لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرِ الصَّلَاةُ"، قَالَ: وَقَالَ: "أَكَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَ، فَصَلَّى الَّذِي كَانَ تَرَكَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ