← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

(فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ، فأخذني ما قَرُبَ، وما بعدَ) -بضم عين الفعل فيهما- أي تفكرت فيما يصلح للمنع من الوجوه القريبة، أو البعيدة أَيُّها كان سببًا لترك ردّ السلام. وفي رواية أبي داود من طريق أبان العَطّار، عن عاصم: "فأخذني ما قَدُم وما حَدُث" -بضم الدال فيهما، مراده غلب علي التفكر في أحوالي السابقة واللاحقة، أيها كان سببا لتركه ﷺ ردّ السلام عليّ. ويحتمل أن يكون المراد أخذني ما تقدم من التكلم في الصلاة, وما حدث فيها من عدم التكلم. قاله في "المنهل" (١). (فجلست، حتى إذا قضى الصلاةَ قال) أي النبي ﷺ (إن الله يحدث) -بضم الياء- من الإحداث، أي يُظهر ويُجَدِّد (من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يُتَكَلَّمَ في الصلاة) ببناء الفعل للمفعول، وهو في تأويل المصدر مفعول "أحدث". يعني أن لله تجديدَ الأحكام بحسب ما اقتضته حكمته، وإن مما أحدثه من الأحكام عدم جواز الكلام في الصلاة. وفي رواية الشيخين: "إن في الصلاة شُغلا". قال في "الفتح": والتنكير في "شغلا" للتنويع، أي بقراءة القرآن والذكر والدعاء، أو للتعظيم، أي شغلًا، وأيَّ شغل، لأنها مناجاة مع الله، تستدعي الاستغراق بخدمته، فلا يصلح فيها الاشتغال بغيره. وقال النووي: معناه أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبر ما يقوله، فلا ينبغي أن يعرّج على غيرها، من ردّ السلام ونحوه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٠/ ١٢٢١ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ١١٤٤ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.

стр. 8752

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) -٩٢٤ - عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار، عن عاصم به. وأخرجه الشيخان من رواية علقمة عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: كنا نسلم على النبي ﷺ ، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يردّ علينا، وقال: "إن في الصلاة شُغْلًا". وأخرجه (الحميدي) ٩٤ - (وأحمد) -١/ ٣٧٧ - و ١/ ٤٣٥ و ١/ ٤٦٣. والله تعالى أعلم. وبقية المسائل تقدمت في الكلام على حديث معاوية بن الحكم السَّلَميّ رضي الله تعالى عنه، فلترَاجَعْ هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ نَاسِيًا، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على الفعل الذي يفعله الشخص الذي نسي التشهد الأول، فقال إلى أداء الركعة الثالثة. فقوله: "من اثنتين" على حذف مضاف، أي من ثانية اثنتين، يعنى الركعة الثانية. والله أعلم بالصواب. ١٢٢٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَنَظَرْنَا (٣) تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ).

стр. 8753

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة المشهور، أبو عبد الله المدني [٧] تقدم ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت، أبو بكر المدني [٤] تقدم ١/ ١. ٤ - (عبد الرحمن الأعرج) هو ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧. ٥ - (عبد الله ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القشب الأزدي الصحابي ﵁، و"بُحَينة" أمه، تقدم ١٤١/ ١١٠٦. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به برقم ١٩٦/ ١١٧٧ - حيث رواه المصنف ﵀ هناك عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عنه. ومعنى قوله: "ونظرنا"، أي انتظرنا. وموضع الترجمة قوله: "كبر، فسجد الخ"، ففيه بيان ما يفعله من قام من الركعة الثانية إلى الثالثة تاركا للتشهد نسيانا، وهو أن يكبر في آخر صلاته قبل أن يسلم، فيسجد سجدتي السهو، وهو جالس، ثم يسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [مسألة]: في مذاهب العلماء فيمن نسي التشهد الأول: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه "الأوسط": الذي عليه أكثر أهل العلم اتباع ظاهر خبر ابن بُحَينة، يقولون: إذا قام المصلي من الركعتين الأوليين، فإن ذكر بعد أن يستوى قائمًا لم يرجع إلى الجلوس، ومضى في صلاته، وسجد سجدتي السهو. وممن روينا عنه أنه فعل ذلك عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، والضحّاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وابن مسعود ﵃. وقد اختلف أهل العلم فيمن فعل ذلك: فقالت طائفة: إذا ذكر، ولم يستتمّ قائمًا جلس، هذا قول علقمة، والضحّاك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وروي ذلك عن مكحول، وعمر بن عبد العزيز، غير أن الشافعي يرى إذا رجع إلى الجلوس أن يسجد سجدتي السهو، وفي قول علقمة،

стр. 8754

والأوزاعي لا يسجد. وقالت طائفة: إن ذكر ساعةً يقوم جلس، كذلك قال حمّاد بن أبي سليمان، وقال النخعي: يقعد ما لم يستفتح بالقراءة. وقالت طائفة: إن المصلي إذا فارقت أَلْيَتُهُ الأرضَ، ونأ للقيام مضى كما هو، ولا يرجع حتى يجلس في الرابع، ثمّ يسجد سجدتي السهو قبل السلام، كذلك قال مالك ابن أنس، وقال حسّان بن عطيّة: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى. وقالت طائفة: يقعد، وإن قرأ ما لم يركع، قال الحسن البصري: يقعد، وإن قرأ ثمانين آية، ما لم يركع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي هو ما عليه الجمهور، وهو أن من قام من الركعتين الأوليين، وعليه جلوس لا يرجع إلى الجلوس، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام، ثم يسلم، لصحة حديث عبد الله ابن بحينة ﵁ المذكور في الباب في ذلك. والله تعالى أعلم. قال ابن المنذر ﵀: وقد اختُلف فيمن ذَكَرَ، وقد نهض للقيام قبل أن يستوي قائمًا، فجلس: فرأت طائفة أن، يسجد سجود السهو، رُوي ذلك عن النعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وبه قال الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وأسقطت طائفة عنه سجود السهو، كان علقمة، والنخعي، والأوزاعي لا يرون عليه سجود السهو. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح المذهب الأول، وهو أنه يسجد للسهو، لحديث معاوية ﵁ مرفوعًا: "من نسي من صلاته شيئًا، فليسجد مثل هاتين السجدتين" رواه أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ١٠٠ بإسناد حسن. فقوله: "شيئًا" نكرة في سياق الشرط، فيعمّ قليل السهو وكثيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ).

стр. 8755

رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في السند السابق، إلا: ١ - (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٢ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٢/ ٢٣. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكعَتَيْنِ نَاسِيًّا، وَتَكَلَّمَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سقط من بعض النسخ لفظ "ما يفعل". أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الفعل الذي يفعله الشخص الذي سلم على رأس الركعتين من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، وتكلم، ناسيًا. فـ"ما" موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، أي أي شيء يفعل من سلم من ركعتين، وتكلم ناسيًا؟. و"ناسيًا" حال من فاعل سلّم، وحذف نظيره من "تكلم". والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنِّي نَسِيتُ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، قَالَ: كَانَ يُسَمَّى ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ، أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟، قَالَ: "لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرِ الصَّلَاةُ"، قَالَ: وَقَالَ: "أَكَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَ، فَصَلَّى الَّذِي كَانَ تَرَكَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ

стр. 8756

أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيد بن مَسْعَدَة) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زُرَيع) أبو مُعاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥. ٣ - (ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان، أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣. ٤ - (محمد بن سيرين) أبو بكر بن أبي عَمْرة الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، غير شيخه، فصدوق. ومنها: أنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابي، فمدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (صلى بنا النبي ﷺ ) وفي نسخة "صلى بنا رسول الله ﷺ ". قال في "الفتح": ظاهر في أن أبا هريرة ﵁ حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استُشْهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القضة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين (١) لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبد البرّ وغيره- على أن الزهري وَهمَ في ذلك، وسببه أنه جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه عُمَير بن عبد عمرو بن نَضْلَة، وأما ذو اليدين،

стр. 8757

فتأخر بعد النبي ﷺ بمدّة، لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبي ﷺ ، كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سُلَميّ، واسمه الخرْبَاق، على ما سيأتي البحث فيه. وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: "فقام رجل من بني سُلَيم"، فلما وقع عند الزهري بلفظ "فقام ذو الشمالين"، وهو يَعرف أنه قتل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصّة وقعت قبل بدر. وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصّة وقعت لكلّ من ذي الشمالين، وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل إحداهما، وهي قصّة ذي الشمالين، وشَاهَدَ الأُخرى، وهي قصّة ذي اليدين. وهذا مُحتمل من طريق الجمع. وقيل: يُحمَل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا: ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سببًا للاشتباه. ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاويّ ما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ "بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ". وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونصّ على ذلك الشافعي ﵀ في "اختلاف الحديث" (١). (إحدى صلاتي العشي) "العشي" -بفتح العين المهملة، وكسر السين، وتشديد الياء، أصله من العشاء، وهي الظلمة، واختلف في تحديد وقت العشي، فالذي اختاره الأزهري أنه من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وقال ابن الأثير: ما بعد الزوال إلى المغرب عشي، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى الصباح. واختار الحافظ العلائي هذا القول، قال: وبه يحصل الجمع بين الأقوال كلها (٢). (قال) ابن سيرين (قال أبو هريرة) ﵁ (ولكني نسيت) أي تعيين تلك الصلاة، وهذا ظاهر في أن الشكّ من أبي هريرة ﵁، لكن وقع عند البخاري بلفظ: "إحدى صلاتي العشي"، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، فهذا صريح في أن الناسي هو ابن سيرين. وفي الرواية الآتية ١٢٢٦ - من رواية أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة "صلاة العصر"، من غير شك، وفي رواية أبي سلمة -١٢٢٧ - عنه "صلاة العصر" من غير شك أيضا، وفي رواية للبخاري: "الظهر، أو العصر"

стр. 8758

بالشك، وفي رواية له قال محمد: "وأكثر ظني أنها العصر". ولمسلم "إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر". قال الحافظ رحمه الله تعالى: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعدَ من قال: يُحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل الظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصّهَ من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة فىِ حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة واحدة، فيترجح رواية مَنْ عَيّنَ العصرَ في حديث أبي هريرة ﵁. انتهى (١). (قال) أبو هريرة ﵁ (فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فانطلق) أي ذهب (إلى خشبة معروضة في المسجد) أي موضوعة بالعَرْض، وفي رواية للبخاري: "ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد"، ولمسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب "ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضبًا". قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتدّا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان ﷺ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. انتهى. (فقال بيده عليها) أي اتكأ بيده على تلك الخشبة، وفيه إطلاق القول على الفعل، لأن مادة القول تستعملها العرب لعدة معان، قال ابن الأنباري ﵀: "قال" تجيء بمعنى "تكلم"، و"ضرب"، و"غلب"، و"مات"، و"مال"، و"استراح"، و"أقبل"، ويعبّر بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال، فأكل، وقال، فضرب، وقال، فتكلم، ونحوه. ذكره المجد اللغوي ﵀ في "ق". ونظمت ذلك بقولي: تجَيءُ "قَالَ" لِمَعَانٍ تُجتَلَى … تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا … وَلِلتَّهَيُّؤ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى فَجُمْلَةُ الْمَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ … فَاحْفَظْ فَإِنَّها مَعَانٍ سَامِيَهْ (٢) (كأنه غضبان) أي كأن النبي ﷺ في تلك الحالة مشابه لحالة من غضب بسبب شىء رآه، أو سمعه.

стр. 8759

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والظاهر أن النبي ﷺ كان في حال الصلاة مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وهو الذي حمله على أن صلى ركعتين، وسلم، ولم يشعر بذلك. انتهى (١). (وخرجت السَّرَعَانُ) هم أوائل الناس خروجا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبا. وقال ابن الأثير: هم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء، ويُقبلون عليه بسرعة. وقال الحافظ ابن رجب: وسرعان الناس: هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد، فظنوا أن الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك، وهذا يدلّ على أنه لم يخف ذلك على عامّة من كان في المسجد أو كلّهم. انتهى (٢). قال القاضي عياض: رويناه بفتح السين والراء عن مُتقني شيوخنا، وهو قول الكسائي، وغيرُهُ يسكن الراء. وقال الخطابي: ويقال لهم: سرعان -بكسر السين، وسكون الراء- وهو جمع سريع، كقولهم: رَعيل ورعلان (٣). وقال عياض: ورويناه في البخاري من طريق الأصيلي بضم السين، وإسكان الراء، وكذا وجدته بخطه في أصله. ووجهه أنه جمع سريع، كقفيز وقُفْزان، وكَثيب وكُثبان. قال الحافظ العلائي: الذي قاله جمهور أهل اللغة هو القول الأول، بفتح السين والراء معًا. لكن فرق أبو العباس المبرّد، فقال: إذا كان السَّرَعان من الناس قيل: بفتح الراء وسكونها، وإن كان من غيرهم فالفتح أفصح، ويجوز الإسكان (٤). (فقالوا: أقصرت الصلاة؟) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة "قصرت الصلاة؟ " بدون الهمزة، فتكون مقدّرة. وفيه دليل على ورعهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا النبي ﷺ أن يسألوه، وإنما استفهموا، لأن الزمان زمان النسخ. و"قصرت" -بضم القاف، وكسر المهملة- على البناء للمفعول، أي إن الله قَصَرَها،

стр. 8760

و-بفتح، ثم ضم- على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة. قال النووي ﵀: هذا أكثر وأرجح. انتهى (١). وقال الحافظ العلائي: وقوله: "أقصرت الصلاة" فيه روايتان، إحداهما بضم القاف، وكسر الصاد على البناء لما لم يسم فاعله. والثانية: بفتح القاف، وضم الصاد، والفعل لازم ومتعدّ، فاللازم مضموم الصاد التي هي عين الكلمة، لأنه من الأمور الخَلْقيّة، كحَسُنَ وقَبُحَ، والمتعدي بفتح الصاد، ومنه قَصَرَ الصلاةَ وقَصَّرَها، وأقصرها على السواء. حكاه الأزهري. ولا يقال: إن "قَصَرَ" إذا كان مخففًا لا يتعدّى إلا بحرف الجرّ، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأنا نقول تعديه بنفسه ثابت ومنقول، حكاه أيضا الجوهري وغيره. وأما "من" في الآية فزائدة عند الأخفش، وصفة لمحذوف عند سيبويه، تقديره "شيئًا من الصلاة". انتهى بتصرف. (وفي القوم أبو بكر، وعمر ﵄) أي وكان مع القوم الذين صلَّوّا مع النبي ﷺ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄ (فهاباه أن يكلماه) وفي بعض النسخ "فهابا" بإسقاط الضمير المنصوب. و"الهيبة": إجلالٌ ومخافةٌ ناشئة عن إعظام. والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه، وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين، فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما هيبة أبي بكر وعمر أن يكلماه مع قربهما منه، واختصاصهما به فلشدّة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوةُ المعرفة توجب الهيبة، كما أن أشد الناس معرفة بالله أشدهم له خشيةً وهيبةً وإجلالًا، كما كان النبي ﷺ كذلك. انتهى. وقال الحافظ العلائي ﵀: معنى الحديث: أن أبا بكر وعمر ﵄ لما غَلَبَ عليهما من احترام النبي ﷺ ، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه. هذا مع ما روَى الترمذي في "جامعه" بسند جيّد عن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يخرج على أصحابه، فلا ينظر إليه أحد سوى أبي بكر وعمر ﵄، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما.

стр. 8761

ففي هذا المقام غلبت عليهما الهيبة له ﷺ مع علمهما بأنه سيتبين أمرُ مَا وقع. وأما إقدام ذي اليدين على السؤال والفحص ابتداءً، فهو لشدة حرصه على تعلم العلم، واعتنائه بأمر الصلاة. انتهى (١). وقوله: "أن يكلماه" في موضع نصب بدل من الهاء في "هاباه", بدل ظاهر من مضمر، وهو بدل اشتمال، والتقدير "فهاباه تكليمه"، والمعنى "هابا تكليمه"، لأن البدل هو المقصود بالنسبة. أفاده العلائي رحمه الله تعالى. (وفي القول رجل) مبتدأ وخبر (في يديه طول) مبتدأ وخبر أيضًا، والجملة في محلّ رفع صفة "رجل"، أو في محلّ نصب حال منه، وإن كان نكرة، لتقدم الخبر، الجارّ والمجرور عليه. والمعنى: أنه كان مع القوم رجل موصوف بطول اليدين. وهو محمول على الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل، أو بالبذل. قاله القرطبي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا. وحكي عن بعض شُرّاح "التنبيه" أنه قال: كان قصير اليدين، فكأنه ظن أنه حميد الطويل، فهو الذي فيه الخلاف. والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق -بكسر المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وآخره قاف- اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين ﵄ عند مسلم، ولفظه "فقام رجل، يقال له: الخرباق، وكان فى يده طول"، وهذا صنيع من يُوَحِّدُ حديثَ أبي هريرة بحديث عمران، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة، ومن تبعه جَنَحُوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لمّا فرغ من الصلاة. فأما الأول: فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلّم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده. ولكن طريق الجمع يُكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصّة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابةَ عن صحّة قوله. وأما الثاني: فلعلّ الراوي لمّا رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله، لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة

стр. 8762

أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه، وأبن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد في زيادات "المسند", وأبو بكر بن أبي خيثمة، وغيرهم. وقد ورد ما يدلّ على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: "نُبِّئت أن عمران بن حُصَين قال: ثم سلّم". انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ رحمه الله تعالى من دعوى الاتحاد بين حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حُصين ﵃ فيه نظر، والذي ذكره في وجه الجمع ظاهر التكلف، فالذي يظهر أن ما رجحه ابن خزيمة، ومن تبعه هو الصواب، إذ لا تكلف فيه. فتأمل. وسيأتي تمام الكلام عند ذكر كلام الحافظ العلائي رحمه الله تعالى في المسائل. إن شاء الله تعالى. (قال) أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (كان يسمّى ذا اليدين) فيه دليل على أنه يجوز دعاء الإنسان بغير اسمه، ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة، وربما كان يُدعى بذلك من باب الفكاهة والمزاح، كما قال النبي- ﷺ لرجل: "يا ذا الأذنين" قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى. (فقال: يا رسول الله أنسيت، أم قصرت الصلاة؟) استفهام عن سبب تسليمه على رأس الركعتين. (قال) ﷺ (لم أنس، ولم تقصر الصلاة) قال في "الفتح" (٢): كذا في أكثر الطرق، وهو صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان، عن أبي هريرة: "كل ذلك لم يكن"، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظة "كلّ" إذا تقدمت، وعقبها النفي كان نفيًا لكلّ فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: "قد كان بعض ذلك"، وأجابه في رواية بقوله: "بلى قد نسيتَ"، لأنه لمّا نفى الأمرين، وكان مقرّرًا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر. وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف

стр. 8763

بالأفعال، لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلًا بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنسَ، ولم تُقصَر"، ثم تبيّن أنه نسي. ومعنى قوله: لم أنس، أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر. ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين. وفائدة جواز السهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره. وأمّا من منع السهو مطلقًا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: فقيل: قوله: "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وهو مردود، ويكفي في ردّه قوله في الحديث: "بلى قد نسيتَ"، وأقرّه على ذلك. وقيل: قوله. "لم أنسَ" على ظاهره، وحقيقته، وكان يتعمّد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول، وتُعُقّب بحديث ابن مسعود ﵁ الآتي عند النسائي -٢٦/ ١٢٥٦ - ففيه: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون"، فأثبت العلة قبل الحكم، وقيد الحكم بقوله: "إنما أنا بشر"، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، فقال: "كما تنسون". وبهذا الحديث يردّ أيضًا قول من قال: معنى قوله: "لم أنسَ" إنكارٌ للّفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال: "إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى"، وإنكارٌ للّفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال: "بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا". وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث "إني لا أنسى"، لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وأما الآخر فلا يلزم من ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدّا. وقيل: إن قوله: "لم أنسَ" راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أني صليت أربعًا، وهذا جيّد، وكأن ذا اليدين فهم العموم، فقال: "بلى قد نسيت"، وكأن هذا القول أوقع شكّا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلًا، ولم يُقبَل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول، مغاير لما في اعتقاده. وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسّي بحضرة جمع، لا يَخفَى عليهم، ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حاملَ لهم على السكوت عنه، ثم لم يُكَذِّبُوه أنه لا يقطع

стр. 8764

بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارَضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به. (قال) أي أبو هريرة ﵁ (وقال) أي النبي ﷺ (أكما قال ذو اليدين) الهمزة للاستفهام، أي هل الأمر كما قال ذو اليدين من وقوع الخلل في هذه الصلاة؟. (قالوا: نعم) وفي رواية أبي داود: فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأو مأوا، أي نعم. وفي رواية لمسلم: نظر ﷺ يمينا وشمالا، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين. قيل: ولا منافاة بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بينها بأن بعض الرواة جمع بين الإشارة والكلام، وبعضهم أشار، وبعضهم تكلم. (فجاء) ﷺ من عند الخشبة المعترضة إلى مصلاه (فصلى الذي كان تركه) وفي رواية أبي داود: "فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين". (ثم سلم) قال الحافظ العلائي ﵀: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام. كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود، وهذا يهدم قاعدة المالكية، ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام. (ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. قال في "الفتح": اختلف في سجود السهو بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يُكتفَى بتكبيرة السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام، لابدّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين في هذا الحديث، قال: "فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو". قال أبو داود: لم يقل أحد: "فكبر، ثم كبر" إلا حماد ابن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة. وقال القرطبي أيضًا: قوله -يعني في رواية مالك-: "فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد" يدلّ على التكبيرة للإحرام، لأنه أتى بـ"ثمّ" التي تقتضي التراخي، فلو كان التكبير للسجود لكان معه. وتعقّب بأن ذلك من تصرّف الرواة، فقد رواه ابن عون، عن ابن سيرين بلفظ: "فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر، وسجد"، فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعية. والله أعلم. انتهى (١).

стр. 8765

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي قول الجمهور، وهو أنه لا يحتاج لتكبيرة الإحرام، بل التكبير للسجود فقط، لظاهر هذه الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم. (فسجد) أي للسهو (مثل سجوده) الذي يسجله للصلاة (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه، وكبر) أي للرفع من السجود (ثم كبر) أي للسجود الثاني (ثم سجد) ثانيًا (مثل سجوده) الأول، أو مثل سجوده للصلاة، والأول أقرب لفظا، والثاني معنى (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه) أي من السجدة الثانية (ثم كبر) "ثم" بمعنى الواو، وفي "الكبرى" "فكبر" بالفاء، وفي رواية البخاري: "وكبر" بالواو. وفي رواية الشيخين: فربما سألوه -أي ابن سيرين- "ثم سلّم"؟ قال: نُبِّئت عن عمران بن حصين أنه قال: "وسلّم". وأخرج البخاري عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. قال في "الفتح": وقد يفهم من قوله: ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن حُصين، "أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين, ثم تشهد، ثم سلم". قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وضعفه البيهقي، وابن عبد البرّ، وغيرهما، وسيأتي تمام الكلام عليه في كلام الحافظ العلائي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٢/ ١٢٢٤ - وفي "الكبرى" -١١٤٧ - عن حُمَيد بن مسعدة، عن يزيد بن زيع، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -١٢٢٥ - و"الكبرى" -١١٤٨ - عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن أيوب، عن ابن سيرين به، عنه. وفي -١٢٢٦ - "الكبرى" -١١٤٩ - عن قتيبة، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد، عنه. وفي -١٢٢٧ -

стр. 8766

و"الكبرى" -٥٦٠ و ١١٥٠ - عن سليمان بن عبيد الله، عن بهز بن أسد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عنه. زاد في "الكبرى": "قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا ذكر عن أبي سلمة في هذا. الحديث "ثم سجد سجدتين" غير سعد. وفي -١٢٢٨ - و"الكبرى" -٥٦١ و ١١٥١ - عن عيسى بن حماد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عنه. وفي -١٢٢٩ - و"الكبرى" -٥٦٤ و ١١٥٢ - عن هارون بن موسى الفَرَوي، عن أبي ضمرة أنس بن عياض، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عنه. وفي -١٢٣٠ - و"الكبرى" -٥٦٥ و ١١٥٣ - عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن سليمان، بن أبي حثمة، كلاهما عنه. وفي -١٢٣١ - و"الكبرى" -٥٦٦ و ١١٥٤ - عن أبي داود الحرّاني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، أنه بلغه، فذكره مرسلًا. وفي ٢٣/ ١٢٣٢ - و"الكبرى" -٥٦٨ و ١١٥٥ - عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن أبي حثمة، كلهم عنه. وفي -١٢٣٣ - و"الكبرى" -٥٧١ و ١١٥٦ - عن عمرو بن سَوَّاد، عن عبد الله بن وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عنه. وفي -١٢٣٤ - و"الكبرى" -٥٧٢ و ١١٥٧ - عن عمرو بن سوّاد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -١٢٣٥ - و"الكبرى" -١١٥٨ - عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن بقية بن الوليد، عن شعبة، عن ابن عون، وخالد الحذّاء، كلاهما عن ابن سيرين عنه. وفي "الكبرى" ١١٤/ ٥٦٢ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. وفي -٥٦٣ - من "الكبرى" عن أحمد بن سعيد، عن حَبَّان بن هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير به. وفي -٧٦/ ١٣٣٠ - و"الكبرى" -٥٦٩ - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عَمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ١٨٣ عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك به. و ١/ ١٢٩ - عن إسحاق، عن النضر بن شُميل، عن ابن عون به. و ٢/ ٨٦ - عن إسماعيل، عن مالك

стр. 8767

به. و ٨/ ٢٠ - عن حفص بن عمر، عن يزيد بن إبراهيم, عن ابن سيرين به. و ٢/ ٨٦ - عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. و ١/ ١٨٣ - عن أبي الوليد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، به. و ٢/ ٨٥ - عن آدم، عن شعبة به. (م) ٢/ ٨٦ - عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، جميعا عن ابن عيينة- (ح) وعن أبي الرَّبيع الزَّهْراني، عن حماد بن زيد - كلاهما عن أيوب به. و-٢/ ٨٧ - عن قتيبة، عن مالك يه. وعن حجاج بن الشاعر، عن هارون بن إسماعيل الخزّاز، عن علي بن المبارك- (ح) وعن إسحاق بن منصور، عن عُبيد الله بن موسى، عن شيبان - كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. (د) رقم ١٠٠٨ - عن محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد -١٠٠٩ - عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك - كلاهما عن أيوب به. و ١٠١٠ - عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن سلمة بن علقمة به. و-١٠١١ - عن علي بن نصر، عن سليمان بن حرب، عن حماد ابن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، كلهم عن ابن سيرين به. و-١٠١٢ - عن محمد بن يحيى بن فارس، عن محمد ابن كثير، عن الأوزاعي, عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عنه. و-١٠١٣ - عن حجاج بن أبي يعقوب، عن يعقوب بن إبراهيم به. و-١٠١٤ - عن ابن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. و-١٠١٥ - عن إسماعيل بن أسد، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به. و-١٠١٦ - عن هارون بن عبد الله، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمة بن عمّار به. (ت) رقم -٣٩٩ - عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك به. (ق) رقم -١٢١٤ - عن علي بن محمد، عن أبي أسامة، عن ابن عون به. وأخرجه مالك في "الموطإ" ص ٧٩ و٨٠ (والحميدي) رقم ٩٨٣ و ٩٨٤ (وأحمد) ٢/ ٢٤٧ و ٢/ ٢٨٤ و ٢/ ٢٣٤ و ٢/ ٤٤٧ و ٢/ ٤٥٩ و ٢/ ٥٣٢ و ٢/ ٣٨٦ و ٢/ ٤٢٣ و ٢/ ٢٧١ و ٢/ ٤٦٨ و ٢/ ٤٢٣ (والدارمي) رقم ١٥٠٤ و ١٥٠٥ (وابن خزيمة) رقم ٨٦٠ و ١٠٣٥ و ١٠٣٦ و ١٠٣٨ و ١٠٤٢ و ١٠٤٣ و ١٠٥١ و ١٠٤٦ و ١٠٤٠ و ١٠٤٤ و ١٠٤٥ و ١٠٤٧ و ١٠٤٨ و ١٠٤٩ و ١٠٤١. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في ذكر فوائد الحديث، وإن كان تقدم ذكر بعضها، إلا أن ذكرها مجموعة في موضع واحد أنفع:

стр. 8768

منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الفعل الذي يفعله من سلّم من الركعتين، وتكلم ناسيًا، وذلك أن يكمل ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين لسهوه. ومنها: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس متحدًا، ومنعت العادة غفلتهم عن ذلك أن لا يقبل خبره، لأن النبي ﷺ لم يقبل خبر ذي اليدين، بل سأل الصحابة، "أصدق ذو اليدين؟ "، فلما وافقوه رجع إلى قولهم. ومنها: العمل بالاستصحاب، لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام، فسأل، مع كون أفعال النبي ﷺ للتشريع، والأصل عدم السهو, والوقتُ قابل للنسخ, وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب، وتجويز النسخ، فسكتوا، والسرعان هم الذين بنوا على النسخ، فجزموا بأن الصلاة قصرت، فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام. ومنها: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، قال سحنون: إنما يبني من سلّمَ من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيُقتصر به على مورد النصّ، وأُلزمَ بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشيّ، فيمنعه مثلًا في الصبح. والذين قالوا: يجوز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا في قدر الطول، فحدّه الشافعي ﵀ في "الأمّ" بالعرف، وفي "البويطي" بقدر ركعة، وعن أبي هريرة ﵁ قدر الصلاة التي يقع السهو فيها. ومنها: أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام، ونيةَ الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة. ومنها: أن سجود السهو يكون بعد السلام، وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن سجود السهو سجدتان كسجدتي الصلاة، وبينهما جلسة فاصلة، وهذا أمر مجمع عليه. ومنها: أن سجود السهو لا يكون إلا في آخر الصلاة، لأنه ﷺ لم يسجد إلا في آخرها. وقد قيل: الحكمة في ذلك أنه شُرع جابرًا لما يقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة أو نقص، فاقتضت الحكمة كونَه آخرًا ليجبر جميع ما تقدمه من الخلل، إذ لو فُعل في الوسط ربما تجدد بعده سهو آخر، فيستدعي تكرار سجود السهو، ولم يُشرع إلا سجدتان، ولو تعدد السهو. والله تعالى أعلم. ومنها: مشروعية التكبير لسجود السهو في الهُويّ والرفع منه، كما في سجود الصلاة. ومنها: مشروعية الجهر بتكبير سجود السهو، ليعلم المأمومون بانتقالات الإمام،

стр. 8769

فيأتموا به. ومنها: أن الكلام سهوًا لا يبطل الصلاة، خلافًا للحنفية. قال الحافظ رحمه الله تعالى (١): وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة، فضعيف؛ لأنه اعتمد على قول الزهري: إنها كانت قبل بدر، وقد قدمنا أنه إما من وهم الزهري في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي ﷺ ، فقد ثبت شهود أبي هريرة ﵁ للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حُصين، وإسلامه متأخر أيضًا، وروى معاوية بن حُدَيج -بمهملة وجيم مصغرًا- قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام، ثم البناء، أخرجها أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين. وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم ﵁: "ونهينا عن الكلام" أي إلا إذا وقع سهوًا، أو عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين. انتهى. ومنها: أنه يستدلّ به على أن المقدّر في حديث "رُفعَ عن أمتي الخطأ والنسيان"، أي إثمهما وحكمهما، خلافا لمن قصره على الإثم. ومنها: أنه استَدَلّ به من قال: إن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وتعقب بأنه ﷺ لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له: "بلى قد نسيت"، وقول الصحابة له: "صدق ذو اليدين"، فإنهم تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنًّا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم كلموه بعد قوله ﷺ : "لم تُقصر". وأجيب بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومأوا، كما عند أبي داود في رواية، ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حملُ القول على الإشارة مجازًا سائغٌ، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه. قال الحافظ: وهو قويّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحمَلُ على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم بالإشارة، لكن يبقى قول ذي اليدين: "بلى قد نسيت"، ويجاب عنه، وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جوابًا للنبي ﷺ ، وجوابه لا يقطع الصلاة، كما تقدم في حديث أبي سعيد بن المعَلَّى ﵁ ٢٦/ ٩١٣. وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدمُ قطع الصلاة.

стр. 8770

وأجيب بأنه ثبت مخاطبته ﷺ في التشهد، وهو حيّ بقولهم: "السلام عليك أيها النبي"، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه. ويَحتَمل أن يقال: ما دام النبي ﷺ يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب، لقول ذي اليدين: "بلى قد نسيتَ"، ولم تبطل صلاته. والله تعالى أعلم. ومنها: أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، خلافًا للأوزاعي، ورَوَى ابن أبي شيبة عن النخعي أن لكلّ سهو سجدتين، وَوَرَدَ على وفقه حديثُ ثوبان ﵁ عند أحمد, وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه أن من سها بأي سهو كان شُرع له السجود، أي لا يختصّ بما سجد فيه الشارع. وروى البيهقي من حديث عائشة ﵂: "سجدتا السهو تُجزئان من كلّ زيادة ونقصان". وفيه أنه انفرد به حكيم بن نافع الرّقّي، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ليس بشيء. قال العلائي: هو شاذّ بمرة لتفرد حكيم به من بين أصحاب هشام بن عروة، ولا يُحتمل منه مثل هذا التفرّد. انتهى (١). ومنها: أنه لا فرق بين الفرض والنفل في سجود السهو، لأن الذي يحتاج إليه الفرض من الجبر يحتاج إليه النفل، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن سيرين، وقتادة إلى أن التطوع لا يُسجَد للسهو فيه. واختلف القول عن عطاء بن أبي رباح، وقد نقل هذا جماعة من الشافعية قولًا قديمًا للشافعي. ومنها: أن المأموم يلزمه السجود مع الإمام بسهو الإمام، وإن لم يسهُ هو، لأن النبي ﷺ سها وسجد، وسجد القوم معه. وهذا مذهب كافة العلماء، إلا ابن سيرين، فقد حُكي عنه أنه قال: لا يسجد معه. وقيل: المنقول عنه أنه إذا أدرك المأموم بعضَ صلاة الإمام، ثم سها الإمام، فسجد للسهو لم يلزم المأموم متابعته، لأنه ليس موضع سجود المأموم (٢). ومنها: أن اليقين لا يُترك إلا باليقين، لأن ذا اليدين كان على يقين أن فرضهم الأربع، فلما اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك، ولم ينكر عليه سؤاله. ومنها: أن الظن قد يصير يقينًا بخبر أهل الصدق، وهذا مبني على أنه ﷺ رجع لخبر الجماعة. وبه قال مالك، وأحمد، وغيرهما، ومنهم من قيده بما إذا كان الإمام مجوّزًا لوقوع

стр. 8771

السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك، أخذًا من ترك رجوعه ﷺ لذي اليدين، ورجوعه للصحابة، ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود ﵁: "فإذا نسيت فذكّروني". وقال الشافعي ﵀: معنى قوله: "فذكروني"، أي لأتذكّر، ولا يلزم منه أن يرجع لمجرّد إخبارهم، واحتمال كونه تذكّر عند إخبارهم لا يُدفَعُ. وفرق بعض المالكية والشافعية بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم، فيقبل، ويقدم على ظن الإمام أنه قد كمّل الصلاة، بخلاف غيرهم. قال الجامع عفا الله عنه تعالى: الذي يظهر لي أن الراجح ما ذهب إليه مالك، وأحمد رحمهما الله من رجوع الإمام إلى قول المأمومين مطلقًا، ولو لم يتذكر، لظاهر حديث الباب، وعدم ورود ما يدلّ على اشتراط التذكر، وهو مذهب الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه". والله تعالى أعلم. ومنها: أنه استنبط منه بعض العلماء القائلين بالرجوع إلى قول المأمومين اشتراط العدد في مثل هذا، وألحقوه بالشهادة، وفزعوا عليه أن الحاكم إذا نسي حكمه، وشهد به شاهدان أنه يعتمد عليهما. ومنها: أنه استدلّ به الحنفية على أن الهلال لا يُقبَل بشهادة الآحاد، إذا كانت السماء مصحيةً، بل لابدّ فيه من عدد الاستفاضة. وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبي ﷺ بخلاف رؤية الهلال، فإن الأبصار ليست متساوية في رؤيته، بل متفاوتة قطعًا. ومنها: أن من سلّم معتقدًا أنه أتم، ثم طرأ عليه شكّ، هل أتمّ، أو نقص أنه يكتفي باعتقاده الأول، ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهه أن ذا اليدين لمّا أخبر أثار خبره شكًا، ومع ذلك لم يرجع النبي ﷺ حتى استثبت. ومنها: أن البخاري ﵀ استدل به على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وعلى أن الإمام يرجع لقول المأمومين إذا شك، وعلى جواز التعريف باللقب، وعلى الترجيح بكثرة الرواة. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان تقوية الأمر المسؤول عنه، لا ترجيح خبر على خبر. ومنها: قوله: "أكما يقول ذو اليدين" فيه جواز التلقيب بما لا يراد به الشين والعيب. قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه": "باب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم: الطويل والقصير، وقال النبي ﷺ : "ما

стр. 8772

يقول ذو اليدين؟ "، وما لا يُراد به شَيْنُ الرجل، ثم ساق حديث ذي اليدين بسنده، مشيرًا به إلى أن مثل هذه الألقاب والصفات التي لا يُراد بها وصف الرجل بما فيه نقص عليه، ولا يتأذّى منه يجوز، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] عامّ مخصوص بما لا يتأذّى به الملقَّبُ كما في هذا الحديث, وكقوله ﷺ لعليّ ﵁: "قم أبا تراب"، ونحو ذلك، أو هو عامّ أريد به الخصوص بدليل قوله تعالى عَقب ذلك: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. ففي الآية إشارة إلى أن المنهيّ عنه التلقيب بالفسق ونحو ذلك، وهكذا قال قتادة وعكرمة في تفسير الآية: هو الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر. وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيُقال له بعد إسلامه: يا يهوديّ، يا نصراني، فنُهُوا عن ذلك. وعن ابن عباس ﵄: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عملَ بالسيّآت، ثم تاب منها، وراجَعَ الحقَّ، فنهى الله تعالى أن يُعير بما سلف من عمله (١). وكلّ هذه التفاسير راجعة إلى ما دلّت عليه تمام الآية. وروى الإمام الترمذي ﵀ في "جامعه" عن أبي جُبَيرة بن الضحاك الأنصاري ﵁، قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيُدعا ببعضها، فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (٢). والحاصل: أن الألقاب على ثلاثة أقسام: قسم منها لا يُشعر بذمّ ولا نقص، ولا يَكره صاحبه تسميته به، فلا رَيبَ في جوازه، كما في قول النبي ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ "، فقد تقدم أن هذا الصحابي ﵁ كانت يداه طويلتين، وأنه يَحتمل أن يكون ذلك كنايةً عن طولهما بالبذل والعمل، وأيًّا ما كان، فليس ذلك مما يقتضي ذمًا ولا نقصًا. وثانيهما: يُشعر بتنقيص المسمّى به وذمّه، وليس ذلك بوصف خَلْقيّ، فلا ريب في تحريم ذلك، لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضى المُسمى به بذلك، كما لا يرتفع تحريم القذف والكذب برضى المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله. وثالثها: ما يشعر بوصف خَلْقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشلّ، والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلم له بحيث أنه يَنفكّ عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالبًا، فليس بمحرّم، ولعلّ إجماع أهل الحديث قديمًا

стр. 8773

وحديثًا على استعمال مثل ذلك، ولا يضرّ كون المقول فيه يكرهه، لأن القائل لذلك لم يقصد تنقّصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة، كما جاز جرح الرواة، وذكر مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العلميةُ والتعريفُ له، فلا يسمّى لقبًا، ولكنه إذا علم رضى المقول فيه بذلك، ولم يُقصَد تنقّصه بهذا الوصف لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين كان حرامًا والله تعالى أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في بيان ما يتعلق بذي اليدين: لقد أجاد البحثَ في هذا الموصوع الحافظُ أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي -٦٦٤ - ٧٦٣ هـ- في مؤلف لا نظير له في بابه، سماه "نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد"، فأتى فيه بالعجب العُجاب، فلذا أحببت إيراد هذا البحث مما كتبه ﵀، تتميمًا للفائدة، ونشرا للعائدة. قال رحمه الله تعالى: للناس فيه خلاف في موضعين: أحدهما: في أنه ذو الشمالين، أو غيره. والثاني: في أن ذا اليدين هل هو الخرباق المذكور في حديث عمران بن حصين، أم هما اثنان؟. أما الأول فجمهور العلماء على أن ذا اليدين المذكور في حديث السهو هذا من رواية أبي هريرة ﵁ غير ذي الشمالين، وهذا هو الصحيح الراجح إن شاء الله. والحجة لذلك: ما ثبت من طرق كثيرة أن أبا هريرة ﵁ كان حاضرًا هذه القصة يومئذ خلف رسول الله ﷺ . كذلك رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيّ. أخرجه مسلم. وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن أيوب. أخرجه ابن الجارود في "المنتقى". وكذلك رواه ابن عون عن محمد بن سيرين بهذا اللفظ. أخرجه النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه". وكذلك أيضًا رواه هشام بن حسّان، عن ابن سيرين. رواه الأثرم في "سننه" عن عبد الله بن بكر السهمي عنه. ورواه ابن خزيمة، وأبو داود أيضًا كذلك من حديث سلمة بن علقمة، عن ابن

стр. 8774

سيرين به. ورواه مالك في "الموطإ" عن داود بن الحُصَين، عن أبى سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟. . . وذكر الحديث. وأخرجه من هذا الوجه مسلم، والنسائي بهذا اللفظ. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: بينا أنا أُصلي مع رسول ﷺ صلاة الظهر سلَّم رسول الله ﷺ من الركعتين، فقام رجل من بني سُلَيم. . . واقتص الحديث. وأخرجه البخاري في "صحيحه" من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة" عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، أو العصر، فسلم، فقال ذو اليدين:. . . وذكر الحديث. وروى عكرمة بن عمّار، ويحيى بن أبي كثير، عن ضَمْضَم بن جَوْس، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: صلّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشيّ، وذكر الحديث. رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد". ثم قال: وكذا رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وابنُ أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ هذا الحديث: صلى بنا رسول ﷺ . قال الحافظ العلائي ﵀: فهذه طرق صحيحة ثابتة، يفيد مجموعها العلم النظريّ، أن أبا هريرة ﵁ كان حاضرًا القصّةَ يومئذ. ولا خلاف أن إسلامه كان سنة سبع، أيام خيبر، ثم لا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين استُشهدَ يوم بدر سنة اثنتين ﵁. كذلك قاله سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهم. قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عُمير بن عبد عمرو بن نَضْلَة بن عمرو بن غَبشان ابن سليم بن مالك بن أفصى بن خزاعة، حليف بني زُهرة. قال أبو بكر الأثرم: سمعت مسدد بن مسرهد يقول: الذي قُتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو، حليف لبني زهرة، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية، فيجيء، فيصلي مع النبي ﷺ . قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول مسدد هذا هو قول أئمة الحديث والسير، وأهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه.

стр. 8775

قال العلائي ﵀: وثبت أيضا عن أبي هريرة من طرق في الحديث: فقام رجل من بني سُليم، يقال له: ذو اليدين. وذو الشمالين خُزَاعيّ، كما قال ابن إسحاق. وأيضًا فقد جاء ما يدلّ على تأخر وفاة ذي اليدين، وروايته هذه القصةَ نفسها. قال أبو بكر الأثرم: وأخبرني زُهير (١)، والحسن بن عليّ بن بحر جميعًا، حدثنا علي بن بحر بن برّيّ، وهو والد الحسن، قال: حدثنا مَعْديّ بن سُليمان السَّعْديّ البصري، حدثني شُعَيث بن مُطير -ومطيرٌ حاضر يصدّقه بمقالته- قال: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خُشُب (٢) فقال: إن رسول الله ﷺ صلى بهم إحدى صلاتي العشيّ، وهي العصر، فصلى ركعتين، ثم سلّم، فقام رسول الله ﷺ ، وتبعه أبو بكر وعمر، وخرج سرعان الناس، فلحقه ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، قال: "ما قصرت الصلاة، ولا نسيتُ"، ثم أقبل رسول الله ﷺ على أبي بكر وعمر، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالا: صدق يا رسول الله، فرجع رسول الله ﷺ ، وثاب الناس، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو. تابعه محمد بن بشار بُندار، والعباس بن يزيد البصري، عن معدي بن سليمان. ومعدي هذا هو صاحب الطعام، بصري، يكنى أبا سليمان، روى عنه أيضا نصر بن علي الجهضمي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وقال فيه سليمان الشاذكوني: كان من أفضل الناس، وكان يُعدّ من الأبدال. وقد ضعفه أبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيّان، وأبو حاتم ابن حبّان. ومُطير بن سُلَيم من أهل وادي القرى، قال ابن عبد البرّ: روى عن ذي اليدين، وذي الزوائد، وأبي الشموس البلوي، وغيرهم، وروى عنه ابناه: شُعيث، وسُليم، وهو معروف عند أهل العلم، لم يذكره أحد بجرحة. قال العلائي: وذكره ابن حبّان في كتاب "الثقات". فهذا السند حسن لا بأس به، وهو يقتضي تأخر ذي اليدين صاحب القصّة، وأنه ليس ذا الشمالين المقتول يوم بدر وفي كلام البيهقي ما يقتضي أن الحاكم أبا عبد الله الحافظ صحح هذا الحديث من رواية ذي اليدين، واحتج به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تحسين هذا الإسناد، أو تصحيح هذا الحديث نظر لا يخفى، فإن مُطيرا هذا قال عنه في "ت": مجهول الحال، وقال الذهبي ﵀ في "الكاشف" جـ ٣ ص ١٥١: لم يصح حديثه. وقال ابن التركماني ﵀: وشعيث لم

стр. 8776

أقف على حاله. انتهى. والله تعالى أعلم. قال العلائي: وقد قال الترمذي في "جامعه" بعد سياقه حديث أبي هريرة المتقدّم: وفي الباب عن ابن عمر، ومعاوية بن حُديج, وذي اليدين. قال ابن عبد البرّ ﵀: وقد قيل: إن ذا اليدين عمّر إلى خلافة معاوية، وأنه توفي بذي خُشب. والله أعلم. فأما رواية الزهري الحديث، وتسميته فيه ذا الشمالين بن عبد عمرو، فللعلماء في ذلك طريقان: أحدهما: تغليط الزهري في ذلك، لأنه اضطرب في هذا الحديث كثيرًا، فقال معمر عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر، أو العصر، فسها في ركعتين، وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو، وكان حليفا لبني زهرة: أخُفّفَت الصلاة، أم نسيت؟، فقال رسول الله ﷺ : "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا نبي الله، فأتمّ بهم الركعتين اللتين نقص. قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور. رواه عبد الرزاق في "جامعه" عن معمر. وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الرزاق دون قول الزهري الذي في آخره. وروى الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁، قال: سلم رسول الله ﷺ من ركعتين، فقال له ذو الشمالين من خُزاعة، حليف لبني زُهْرة: أقصرت الصلاةُ. . .؟ فذكره بنحوه. وفي آخره: ولم يسجد سجدتي السهو حين يَقَّنَه الناس. أخرجه ابن خزيمة هكذا من حديث محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بالقصة مرسلة، وليس في آخرها نفي سجود السهو. وكذلك رواه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي أيضًا مرسلًا. ذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد". ورواه مالك في "الموطإ" عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار، الظهر، أو العصر، فسلّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين رجل من بني زُهرة بن كلاب: أقصرت

стр. 8777

الصلاة؟. . . فذكر الحديث. ثم رواه مالك أيضا عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، مثل ذلك مرسلًا. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث شُعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ مرسلًا كرواية مالك. وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث صالح بن كيسان، وزادا في آخره: قال ابن شهاب. أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله لم يزيدا على ذلك، فكأنه مرسل. قال أبو داود: ورواه الزُّبَيديّ، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ . قال العلائي: ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعُبيد الله بن عبد الله، أن أبا هريرة ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ . . . فذكره، وفيه: فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نَضْلَة الخُزَاعي، حليف بني زهرة: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ ". . . الحديث. وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله ﷺ سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يَقَّنُوا رسول الله ﷺ حتى استيقن. رواه ابن خزيمة أيضا. ورواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: كلٌّ حدثني بذلك، قالوا: صلى رسول الله ﷺ . . . فذكر الحديث نحو رواية يونس بما في آخره. ذكره ابن عبد البرّ. وفي "جامع عبد الرزاق" عن ابن جريج: حدثني ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عمن يَقْتَنعان بحديثه: أن النبي ﷺ . . . فذكره. فهذه الروايات كلها تدلّ على اضطراب عظيم من الزهري في هذا الحديث، وعلى أنه لم يتقن حفظه. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقم إسنادا

стр. 8778

ولا متنا، والغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكلّ أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا قول النبي صلى الله عليه، فليس قول ابن شهاب أنه المقتول يوم بدر بحجة، لأنه قد تبين غلطه في ذلك. قال العلائي: وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا أبو سعيد الجُعْفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: صلى بنا رسول الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فذكر الحديث. وكذلك رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله، عن الحسن بن سفيان، عن حرملة، عن ابن وهب. فكيف يمكن الجمع بين قول الزهري: إن هذه القصة كانت قبل بدر، وإن ذا الشمالين الذي أذكر النبي ﷺ بالسهو قُتل يوم بدر، وبين حضور أبي هريرة ﵁ لها، كما ذكره هو في هذه الرواية، وإنما كان إسلام أبي هريرة بعد بدر بخمس سنين، أو نحوها؟!!. فإن قيل: لم ينفرد الزهري بتسميته ذا الشمالين، بل قد رواه غيره. أخرج عبد الرزاق في "جامعه" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف، وخرج سرعان الناس، فقالوا: خُففت الصلاة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله أخففت الصلاة، أم نسيت؟ وذكر بقيته. ورواه أحمد بن حنبل في "المسند" عن عبد الرزاق هكذا. وأخرج النسائي في "سننه" من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى يومًا، فسلم في ركعتين، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة، أم نسيت؟. . . الحديث (١). قلت (٢): هذه الروايات وَهَم -والله أعلم- لكثرة الرواة الحفاظ الذين رووا هذا الحديث من طرق متعددة، وكلهم يقول فيه: ذو اليدين، وكأن معمرًا اشتبه عليه رواية أيوب برواية الزهري، لأنه روى الحديث عنهما جميعًا، وفي حديث الزهري: ذو الشمالين كما تقدم، فحمل معمر عليها رواية أيوب، وخصوصًا رواية سفيان بن

стр. 8779

حسين، فإنه كثير الغلط والوهم، لا يعتدّ بخلافه. ومما يدلّ على ذلك أن في كل واحدة من هاتين الروايتين أعني حديث معمر عن أيوب، وحديث عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: فقال النبي ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ "، فعاد إلى الصواب في تسميته في الحديث نفسه. والله أعلم. الطريق الثاني: الجمع بين هذه الروايات كلها بجعلها واقعتين: إحداهما: قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة ﵁، بل أرسل روايتها. والثانية: كان حاضرًا فيها، والمتكلم يومئذ ذو اليدين، وهذه الطريق حكاها القاضي عياض ﵀ في "الإكمال"، واختارها لما فيها من الجمع بين الروايات كلها، ونفي الغلط والوهم عن مثل الزهري، وفيهما نظر من جهة ما تقدم في رواية يونس عن ابن شهاب: صلى بنا رسول الله ﷺ ، وقال فيها: فقال ذو الشمالين، فإنه لا يمكن الجمع بين هاتين اللفظتين، كما تقدم من قتل ذي الشمالين ببدر، وإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين كثيرة، اللَّهم إلا أن يكون الوهم في هذه الرواية جاء في قوله: صلى بنا من بعض الرواة. وعلى كلّ تقدير فذو اليدين الذي كان حاضرًا مع أبي هريرة قصة السهو غير ذي الشمالين هذا بلا ريب فيه، بقي النظر في أنه هل هو الخرباق المتكلم في حديث عمران ابن حُصين أو غيره؟. الذي اختاره القاضي عياض، وابن الأثير في "شرح مسند الشافعي"، والشيخ محيي الدين في غير ما موضع أنهما واحد. وأما أبو حاتم ابن حبان، فإنه جعلهما اثنين، فقال في "معجم الصحابة" من كتابه "الثقات": الخرباق صلى مع النبي ﷺ حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال بعد ذلك: ذو اليدين صلى مع النبي ﷺ حيث سها، لم يزد. وأما ابن عبد البرّ، فقال في كتابيه: يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، ويحتمل أن يكون غيره، فيكونان اثنين. وكذلك قال أبو العباس القرطبي وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في بيان طرق هذا الحديث، وما اشتمل عليه من الألفاظ، وبيان من تابع أبا هريرة، وعمران بن حصين ﵄ على هذه القصة، وبيان تعددها، وأنها ليست واقعة واحدة

стр. 8780

على الراجح. لقد أجاد البحث في هذا الحافظ العلائي المذكور رحمه الله تعالى في مؤلفه المذكور، فقال: حديث ذي اليدين مشهور جدًّا، وخصوصا رواية أبي هريرة ﵁. قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: ليس في أخبار الآحاد أكثر طرقًا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلًا (١). وهو كما قال. ثم ذكر طرقه ملخصة، فقال: رواه مالك في "الموطإ" عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه من جهته البخاري، وأبو داود, والترمذي، والنسائي. ورواه عن أيوب السختياني أيضا سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد. أخرجه مسلم من طريقهما. ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن زيد, وهو في "جامع عبد الرزاق" عن معمر، عن أيوب. ورواه البزار دي "مسنده" من حديث عبد الوهّاب الثقفي، عن أيوب، ومن حديث حماد بن سلمة، عنه أيضًا. كما سيأتي. وتابع أيوب على روايته عن ابن سيرين جماعة كثيرة، منهم يزيد بن إبراهيم التستري. أخرجه البخاري من جهته. وابن عون، وهشام بن حسّان، ويحيى بن عتيق. رواه أبو داود من حديث حماد بن زيد عنهم. وأخرجه البخاري من حديث النضر بن شُمَيل، وابن ماجه من حديث أبي أسامة، كلاهما عن ابن عون. ثم ذكر أبو داود أن هشام بن حسان زاد فيه: أن النبي ﷺ كبّر، ثم كبّر، وسجد -يعني للسهو-، ثم قال أبو داود: "وروى هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سيرين حبيب ابن الشهيد، وحُميد -يعني الطويل- ويونس -يعني ابن عُبيد- وعاصم الأحول، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر حمّاد بن زيد، عن هشام: أنه كبر، ثم كبر". قال: وروى حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش هذا الحديث، عن هشام -يعني ابن حسان- لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر، ثم كبر". قال العلائي: ورواه أيضا عن ابن سيرين سلمة بن علقمة، وقتادة بن دعامة، أخرجه من جهتهما ابن خزيمة في "صحيحه". ورواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن يونس، وهشام، وأيوب، ومن حديث عاصم الأحول، عن ابن سيرين بنحوه.

стр. 8781

فهؤلاء عشرة من الحفْاظ الأثبات تابعوا أيوب السختياني على روايته عن ابن سيرين. ورواه البزار أيضا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين به، ومن حديث سفيان بن حسين، عن ابن سيرين أيضا، ومن حديث أشعث بن سَوّار، وقرّة بن خالد، عن ابن سيرين أيضًا. وتابع محمد بن سيرين على روايته عن أبي هريرة جماعة آخرون، منهم: أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد. رواه مالك في "الموطإ" عن داود بن الحُصين، عنه. ورواه من طريق مالك مسلم، وأبو داود، والنسائي. وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طرق عنه. وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، من رواية الزهري عنهم. وسعيد المقبري، وضمضم بن جَوْس، رواه أبو داود من طريقهما. وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الْحُرَقَة. ذكره ابن عبد البرّ. فهؤلاء عشرة آخرون من الكبار الثقات، رووه عن أبي هريرة ﵁ غير محمد بن سيرين، على ما بينهم من الاختلاف في ألفاظه. أما طرق الزهري فقد خالف فيها سائر الرواة في موضعين: أحدهما: في تسميته ذا الشمالين. والثاني: في أن النبي ﷺ لم يسجد يومئذ سجدتي السهو، وقد غلّطه الأئمة كلهم في ذلك أيضًا، وسيأتي ما يتعلق بهذا الشأن، إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عند مالك، ومسلم: صلى لنا رسول الله ﷺ ، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : "كلّ ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتمّ رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم. هذا لفظ مسلم. وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عند مسلم: أن رسول ﷺ صلّى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلّم، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتص الحديث. كذلك رواه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.

стр. 8782

وأخرجه البخاري من حديث سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاةُ يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبي ﷺ لأصحابه: "أحقّ ما يقول؟ " قالوا: نعم، فصلى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين. وعند مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب: فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، فنظر النبي ﷺ يمينًا وشمالًا، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق، لم تُصلّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين، وذكر بقيته. وعند أبي داود في حديث حماد بن زيد، عن أيوب: فقام رجلٌ كان رسول الله ﷺ يُسمّيه "ذا اليدين"، فقال: يا رسول الله! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة"، قال: بلى قد نسيت يا رسول الله! فأقبل رسول الله ﷺ على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فأومؤوا، أي نعم، فرجع رسول الله ﷺ إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلّم، وذكر سجدتي السهو. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، لكن لم يذكر سياقه، بل أحال على حديث سفيان بن عيينة، وقال: "بمعناه". وقال أبو داود: لم يذكر فيه "فأومؤوا" ألا حماد بن زيد. وفي حديث ضَمْضَم بن جَوْس، عن أبي هريرة: فلمّا قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلم. كذلك أخرجه البزّار من حديث عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عنه، ثم استغربه. وفي حديث حماد بن سلمة عنده، قال: "لم تقصر، ولم أنس"، قال: إنك سلّمت في الركعتين. وهكذا هو عنده أيضا من روايته عن حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وهشام، وأيوب، كلهم عن ابن سيرين. وكذا هو عند ابن ماجه من حديث أبي أُسامة، عن ابن عون، عن ابن سيرين. والله أعلم. وقد تابع أبا هريرة ﵁ على هذه القصّة عمران بن حُصَين، وعبد الله بن عمر، ومعاوية بن حُدَيج، وابن مسعدة صاحب الجيوش، وأبو العريان، قيل: إنه أبو هريرة، وذو اليدين، وابن عباس ﵃. أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه مسلم، وأحمد في "مسنده"، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كلهم من طريق أبي قلابة الجرمي، عن عمه أبي المهلب (١)، عن عمران ﵁. وجاء في بعض طرقه في "السنن" زيادة التشهّد بعد سجدتي السهو.

стр. 8783

وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء الله تعالى. وأما حديث ابن عمر ﵄، فرواه الإمام الشافعي في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قالا: حدثنا أبو أسامة. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": حدثنا أبو كريب الهمداني، وبشر بن خالد العسكري -وهذا حديث أبي كريب- قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ صلّى، فسها، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " فقام، فصلى، ثم سجد سجدتين. وهذا لفظ ابن خزيمة. ورواه أبو داود في "سننه" عن أحمد بن محمد بن ثابت، وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي كريب، وأحمد بن سنان، كلهم عن أبي أسامة به. ولفظ ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ سها، فسلّم في الركعتين، فقال له رجل، يقال له: ذو اليدين: يا رسول الله! قصرت الصلاة، أم نسيت؟! قال: "ما قصرت، وما نسيت"، قال: إنك صليت ركعتين، قال: "أكما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فتقدم، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرّد به أبو أسامة حماد بن أسامة. قال العلائي: قلت: وهو من رجال "الصحيحين"، ومن الحفاظ الذين يُحتجّ بما انفردوا به، ويُصحح، وبقية إسناده على شرط "الصحيحين" أيضا. وأما حديث معاوية بن حُديج (١)، فرواه أبو داود، والبيهقي في "سننهما"، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وغيرهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس، أخبره عن معاوية بن حُديج ﵁، أن رسول الله ﷺ صلى يومًا، فانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةً، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعةٌ، فرجع، فدخل المسجد، فأَمَرَ بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بالناس ركعة، فأخبرت

стр. 8784

بذلك الناس، فقالوا: وتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله ﵁. ورواه الشافعي فى كتابه القديم عن بعض أصحابه, عن الليث بن سعد. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من هذا الوجه. ثم رواه من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن أبي حبيب به، ولفظه: صليت مع رسول الله ﷺ المغرب، فسها، فسلم في ركعتين، ثم انصرف. . .فذكره، وقال فيه: وسألت الناس عن الرجل الذي قال: يا رسول الله! إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هو هذا، قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. ورواه الحاكم في "المستدرك" مصححًا له أيضا من هذا الوجه. وأما حديث ابن مسعدة، فذكره ابن عبد البرّ في "التمهيد"، قال: رواه عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة -صاحب الجيوش- أن النبي ﷺ صلى الظهر، أو العصر، فسلم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أخُفّفت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟، فقال النبي ﷺ : "ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمّ لهم الركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس بعد ما سلّم (١). ثم قال ابن عبد البرّ: وابن مسعدة هذا اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، قد روى عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: "قد بدّنتُ، فمن فاته ركوعي أدركه في بطء قيامي". وروى حديث ذي اليدين، وهو معدود في المكيين. قال العلائي: نسبه ابن حبان، فقال في "معجم الصحابة": عبد الله بن مسعدة بن مسعود بن قيس الفزاري صاحب الجيوش. وعثمان بن أبي سليمان الراوي عنه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضا الأوزاعي، وعبد الملك بن عمير. وأما حديث أبي العُرْيَان، فقال ابن عبد البرّ: ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن أسباط، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو خَلْدَة، قال: سألت محمد بن سيرين، فقلت: أصلي، وما أدري أركعتين صليت، أم أربعًا؟ فقال: حدثني أبو العريان أن رسول الله ﷺ صلى يومًا، ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول الله ﷺ يسميه ذو اليدين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول

стр. 8785

الله؟ وذكر الحديث. ثم قال ابن عبد البرّ: وقد قيل: إن أبا العريان المذكور في هذا الحديث هو أبو هريرة. قال العلائي: أبو خلدة هذا اسمه خالد بن دينار، احتج به البخاري في "الصحيح"، وأبو نعيم هو الحافظ المشهور شيخ البخاري، وأحمد، والجماعة. وأما حديث ذي اليدين فسيأتي سياقه، والكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. وأما حديث أبن عباس، فرواه الأثرم في "سننه": حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن عسل، عن عطاء، قال: صلى بنا ابن الزبير صلاة المغرب، فسلم من ركعتين، ثم قام إلى الحَجَر ليستلمه، فسبحنا به، فالتفت إلينا، فقال: ما أتممتم الصلاة؟، فقلنا برؤوسنا: سبحان الله، أي لا، فرجع، فصلى الركعة الباقية، ثمّ سلم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. قال عطاء: فلم أدر ما ذاك، فخرجت من فَوْري حتى دخلت على ابن عباس، فأخبرته بصنيعه، فقال: ما أماط عن سنة نبيه ﷺ . ورواه البيهقي في "سننه" من حديث أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عسل بن سفيان، عن عطاء به. وعسل بن سفيان هذا متكلم فيه، ضعفه النسائي وغيره، وقال البخاري: عنده مناكير. ورواه البيهقي أيضا من حديث مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإياديّ، حدَّثَنا عامر، عن عطاء، قال: صلى ابن الزبير، فذكره بمثله سواءً، وقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه ﷺ . وعامر هذا إن كان الشعبي فالحديث صحيح (١)، وإن كان غيره فلا أعرفه. وذكره عبد الرزاق في "مصنفه"، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء: صلى ابن الزبير ذات ليلة المغرب، قلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلّم في ركعتين، فقال الناس: سبحان الله، فقام فصلى الثالثة، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه، قال: فدخل أصحاب لنا على ابن عباس، فذكر ذلك له بعضهم، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أصاب، وأصابوا.

стр. 8786

وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبي ﷺ . [تَتمَّةٌ]: قال الإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀ في "صحيحه" بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم: هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ﷺ أنه سها في هذه القصة طلحة ابن عبيد الله، ومُخبر النبي ﷺ في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبي ﷺ في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر. وقصة عمران بن حصين قصة، والخرباق قصة ثالثة، لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبي صلى الله وسلم حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبي ﷺ إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبي ﷺ مرّة، فسلم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتهى كلامه. وكذلك قال الشيخ محيي الدين -يعني النووي-﵀ في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين. قال العلائي: وفي ذلك نظر، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضية واحدة، ولكن اختلف رواتها، فمنهم من تردد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر، ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم عند الله . ورأيت فيما علقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران: "سلّم في ثلاث" أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله: "فقضى تلك الركعة" على أنه أراد أكثر منها، كما يقال: "كلمة" للخطبة، والقصيدة. وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائي ﵀، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 8787

المسألة السابعة: تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة ﵁ تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء. ففي بعض الطرق أن النبي ﷺ قال لذي اليدين: "لم أَنْسَ، ولم تُقصَر"، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكَر هذه الزيادة في كثير من الروايات. وفي رواية أخرى، فقال النبي ﷺ : "كل ذلك لم يكن", فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية: أن النبي ﷺ قال للناس: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق يا رسول الله، لم تُصلِّ إلا ركعتين. وفي رواية أخرى: فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم. وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبي ﷺ بقول "نعم" باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء. وهذا الجمع إنما يقوى إذا كان الاختلاف واقعًا من رواية صحابيين،، فنقول سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة ﵁. والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات. فيتعين حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَدْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة. قال العلائي رحمه الله تعالى: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل. فنقول -وبالله التوفيق-: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه. وأما إذا اتحد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث

стр. 8788

واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو. فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين ﵀ في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي ﷺ ، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر ﵁ كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي ﷺ عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح. فقال الشيخ محيي الدين ﵀: هما واقعتان، وكان على عمر ﵁ نذران، فسأل النبي ﷺ عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستدلّ بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم، لأن عمر ﵁ اعتكف ليلة وحدها. قال العلائي: وفي هذا القول نظر لا يخفى، لأنه من البعيد جدًا أن يستفتي عمر ﵁ النبي ﷺ في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها، لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم. وإلحاق اليوم بالليلة فى حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر ﵁ أنه يخفى عليه ذلك. والذي يقتضيه التحقيق ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظًا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بلليلته، وبالعكس. فكان على عمر ﵁ اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي ﷺ عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها. وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين ﵀ أيضا في حديث: "بني الإسلام على خمس"، لأنه جاء في "الصحيح" أنه سمع النبي ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، فقال رجل: "وحج البيت، وصوم رمضان"؟، فقال ابن عمر ﵄: لا، "وصوم رمضان، وحج البيت"، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ . ثم جاء الحديث في "الصحيح" أيضا من رواية ابن عمر، ولفظه: "وحج البيت، وصوم رمضان". فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر ﵄ سمع الحديث من

стр. 8789

النبي ﷺ على الوجهين. وهذا بعيد جدًّا، لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبي ﷺ قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر، ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر ﵄، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبي ﷺ . وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول: إذا اتحد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يتعذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه. ولهذا القسم أمثلة: أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر ﵁، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب. الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه. فقال فيه بعضهم: "ولا يمسنّ ذكره بيمينه" مطلقًا، وغيره قيد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظًا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلًا على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه. ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول، لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات. اللَّهمّ إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةَ المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيَّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك. الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث: "صدقةُ الفطر على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين"، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر

стр. 8790

بكونه عن كلّ مسلم، عملًا بهذه القاعدة. وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته. فأما إذا كان سيء الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم. المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، واختلفوا على الزهري فيه: فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد. . .وذكروا الحديث. وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، معمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبي ﷺ : "تجد ما تُعتقُ رقبةً؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " قال: لا. . . الحديث. فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبهُمَ في رواية أولئك من جهة المفطِّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير, كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية، لأن الحديث واحد، اتحد مخرجه. وأما إذا لم يتَأَتَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح. ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، واختلف الرواة فيه على أبي حازم: فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراورْديّ، وزائدة: "فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن". وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: "فقد أنكحتكها". وقال فيه يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "فقد ملكتكها".
следующие страницы →