عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: أنه يدخل في سبعين بابا من الفقه
والله أعلم اهـ كلام الحافظ ابن رجب ﵀ وهو كلام نفيس جدًّا والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة:
قال ابن دقيق العيد: قوله "إنما الأعمال بالنيات" لا بد فيه من حذف المضاف، واختلف الفقهاء في تقديره: فالذين اشترطوا النية قدروه: صحة الأعمال بالنيات، أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدروه كمال الأعمال بالنيات، أو ما يقاربها، وقد رُجِّحَ الأولُ بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليه أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ فكان الحمل عليه أولى، وكذلك قد يقدرونه إنما اعتبار الأعمال بالنيات، وقد قرب ذلك بعضهم
بنظائر من المثل، كقولهم: إنما المُلْكُ بالرجال، أي: قوامه ووجوده، وإنما الرجال بالمال، وإنما المال بالرعية، وإنما الرعية بالعدل، كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور اهـ إحكام الأحكام.
وكتب العلامة الصنعاني ﵀ عند قوله: لا بد من حذف مضاف، ما نصه: أقول: لما أنه معلوم وجود صورة العمل من دون نية فلابد من التقدير لتوقف الصدق على المقدَّر، ولذا قيل: إنه من المجمل لتردده بين المحتملات، والجمهور على خلافه لسبق المقصود إلى اللهم عرفا، فتقدر الصحة: أي لا صحة للأعمال إلا بالنيات، ورجح بأنه الأقرب إلى نفي الذات عن الأعمال لأن ما لا يصح كالعدم.
قلت: إنما لاحظوا الأقرب إلى نفي الذات لأن الكلام ظاهر في نفيها والحَرْف موضوع لذلك، إذ قولك لا رجل في الدار يراد به نفي الذات، أي نفي صفة استقرار الذات في الدار، وكأنهم يتسامحون في العبارة،
стр. 912
قال الحلبي: ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات ثبت أن دلالته على نفي الصفات مستمرة، فحيث ولابد من مقدر يتوجه النفي إليه فما هو في حكم العدم، والشارح (يعني ابن دقيق العيد) ذكر مرجحا آخر وهو أن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، يريد أن الأفعال الصحيحة أكثر وجودا من الأفعال الكاملة فيتوجه النفي إلى ملازم الحقيقة، فكان نفي الملازَم -بالفتح- وهو ملاق للأول، إذ نفي الملازَم كنفي الملازِم.
وقوله: لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال، وهو مُلَاقٍ لقول أهل الأصول لسبق المقصود إلى الفهم.
قلت: وهنا مرجح أوضح وهو أن خطابات الشارع محمولة على تعريفه وتعليمه للمكلفين التكاليف الصحيحة إذ هي المطلوبة منهم، ولذا حملت الخطابات المطلقة في مثل ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: آية ٢٣٠]، على النكاح الصحيح لأنه مطلوب الشارع، لا الفساد فلا يكون محللا، فكذلك يكون مطلوب الشارع تعريف العباد صحيح التكاليف التي يسقط الطلب بها وتستحق به الإثابة، وأما الكمال فهو مطلوب ندبا لا وجوبا وإلا لزم أن لا يجزئ إلا الكامل من الأفعال لا الصحيح، على أني أقول: ها هنا مانع من تقدير الكمال وهو أنه سيق الحديث لبيان الأعمال التي يثاب عليها العباد، فلو قدر الكمال لزم أن لا يثاب العباد، فلو قدر (١) الكمال على الأفعال الصحيحة حتى تتصف بالكمال وهو باطل، ثم الكمال يتفاوت بتفاوت رتب العاملين، فصلاة نبينا ﷺ أكمل الصلوات، ثم تختلف رتبته على اختلاف طبقات الأتقياء،
стр. 913
فأيُّ كمال المقدرُ، فالقول بتقديره كالأحالة على مجهول، مع أن الكمال ليس بملازم لجميع الأفعال، والحديث عام لجميعها بخلاف الصحة، فهي شيء واحد ملازم لكل ما يُسقط التكليف، وهي ترتب الآثار، فعرفت أن تقدير الكمال غير صحيح هنا ولا مُلجئ إليه إلا الدليل الناهض كما نهض على تقديره في حديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" إن ثبت، وذلك أنه ثبت "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة" الحديث عند أحمد، والشيخين من حديث أبي هريرة.
وقول الشارح المحقق (يعني ابن دقيق العيد) إن من لم يشترط النية يُقَدِّر الكمال، فيه بحث؛ لأنا لا نعلم قائلا يقول: إنها لا تشترط النية في شيء من الأعمال حتى يقدر في جميعها الكمال، إنما وقع الخلاف في مسائل، وفروع من العبادات، وإلا فالكل يتفقون على شرطيتها في مواضع من المسائل مع أن من لم يشترطها في بعض المواضع لا يقدر الكمال فيها، وحينئذ لا يتم له تقدير الكمال هنا؛ لأن هذا الحديث عام لكل عمل كما عرفت، ومن الأعمال ما هي شرط في صحته عنده فلا يتم هذا الإطلاق إلا أن يثبت أن قائلا يقول: لا تشترط النية في عمل من الأعمال، ولا أظنه يوجد من يقول هذا، إلا أن يكون مراده أن من لازم كل عمل النية وأن شرطيتها لغو لأنها أمر لابد منه، كما قال بعض المتأخرين: إنه لو كلف بعمل بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، على أن هذا لا يتم به حمل الحديث على الكمال، بل يقول: الحديث أتى لطلب أن يكون باعث النية ابتغاء رضي الله تعالى، ولا تقدر صحة، ولا كمال، فالكلام صادق عنده؛ لأنه لا يوجد عمل إلا بنية. اهـ كلام الصنعاني في العدة جـ ١/ ص ٧٢ - ٧٤.
المسألة الثالثة عشرة:
قال الحافظ ﵀: الأعمال تقتضي عاملين، والتقدير الأعمال
стр. 914
الصادرة من المكلفين، وعلى هذا هل تخرج أعمال الكفار؟ الظاهر لإخراج لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبا معاقبا على تركها، ولا يرد العتق والصدقة لأنهما بدليل آخر اهـ فتح جـ ١/ ص ١٩.
المسألة الرابعة عشرة:
قال الحافظ أيضا: الظاهر أن الألف واللام في النيات معاقبَة للضمير، والتقدير الأعمال بنياتها، وعلى هذا فيدل على اعتبار نية العمل من كونه مثلا صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضا أو نفلا ظهرا مثلا أو عصرا مقصورة أو غير مقصورة، وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين لأن ذلك هو مقتضى القصر، والله أعلم. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٠.
المسألة الخامسة عشرة:
قال العراقي: وذكر بعض المتأخرين من الحنفية وهو قاضي القضاة شمس الدين السروجي أن التقدير (يعني تقدير إنما الأعمال بالنيات) ثوابها لا صحتها لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعا بدونها ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقل إضمارا فهو أولى، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنع، ولأن العامل في قوله "بالنية" مقدر بإجماع النحاة ولا يجوز أن يتعلق بالأعمال لأنها رفع بالابتداء، فيبقى بلا خبر فلا يجوز، فالمقدر إما مجزئة أو صحيحة، أو مثيبة، فمثيبة أولى بالتقدير لوجهين:
стр. 915
أحدهما: أن عدم النية لا يبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل، فلا يبطل بالشك.
الثاني: أن قوله "لكل امرئ ما نوى" يدل على الثواب والأجر؛ لأن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. انتهى.
قال العراقي: وفيه نظر من وجوه:
أحدها: أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة، أو الكمال، أو الثواب، إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد حقيقة العمل الشرعي فلا يحتاج حينئذ إلى إضمار، وأيضا فلابد من إضمار شيء يتعلق به الجار والمجرور فلا حاجة لإضمار مضاف لأن تقليل الإضمار أولى فيكون التقدير إنما الأعمال، وجودها بالنية ويكون المراد الأعمال الشرعية.
والثاني: أن قوله: إن تقدير الثواب أقل إضمارا لكونه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فلا نسلم أن فيه تقليل الأضمار لأن المحذوف واحد، ولا يلزم من تقدير الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب ووجوب الإعادة، وغير ذلك فلا نحتاج إلى أن نقدر إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء مثلا بالنية، بل المقدر واحد وإن ترتب على ذلك الواحد شيء آخر فلا يلزم تقديره.
والثالث: أن قوله: إن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد فإنه أراد به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكون النية لم تذكر في الكتاب فهذا ليس بنسخ، وأيضا فالثواب مذكور في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: آية ٥]، فهذا هو القصد، والنية ولو سلم أن فيه نسخ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول.
стр. 916
والرابع: أن قوله ان تقدير الصحة يبطل العمل،، ولا يبطل بالشك، ليس بجيد، بل إذا تيقنا شغل الذمة بوجوب العمل لم نسقطه بالشك ولا تبرأ الذمة إلا بيقين فحمله على الصحة أولى لتيقن البراءة به.
والخامس: أن قوله: إن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه، والأحسن في التقدير أن لا يقدر حذف مضاف فإنه لا حاجة إليه، ولكن يقدر شيء يتعلق به الجار والمجرور، فإنه لابد من تقديره كما تقدم، إنما الأعمال وجودها بالنية، ونفي الحقيقة أولى، والمراد نفي العمل الشرير وإن وجد صورة الفعل في الظاهر فليس بشرعي عند عدم النية. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٨.
المسألة السادسة عشرة:
قال العراقي ﵀: يحتمل أن يكون معنى "إنما الأعمال بالنيات" من لم ينو الشيء لم يحصل له، ويحتمل أن يكون المراد من نوى شيئا لم يحصل له غيره.
قال ابن دقيق العيد: وبينهما فرق وإلى هذا يشير قوله "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" انتهى.
وهذا يؤدي إلى أن التشريك في النية مفسد لها، وقد ورد لكل من الاحتمالين ما يؤكده، فمما يؤكد هذا الاحتمال ما رواه النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء له" الحديث، وفيه "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه".
ويدل للاحتمال الأول ما رواه النسائي أيضا من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا
стр. 917
عقالا فله ما نوى" فإتيانه بصيغة الحصر يقتضي أنه إذا نوى مع العقال شيئا آخر كان له ما نواه والله أعلم اهـ.
المسألة السابعة عشرة:
قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" قال العلامة الصنعاني ﵀: اختلف الناظرون هل هذه الجملة مؤكدة لما قبلها أم لا؟ والذي يظهر أنها مستأنفة لأنه بَيَّنَ في الأولى أن صحة الأعمال بالنيات، وهو حكم للأعمال صريح ثم بَيَّنَ في هذه الجملة ما يخص العاملين، وقول الشارح (يعني ابن دقيق العيد) يقتضي أن من نوى شيئا حَصَل له أي سواء عمله أو منعه عنه مانع يعذر شرعا معه بعدم عمله، وهذا صحيح موافق للأحاديث الكثيرة الواردة بثبوت الأجر لمن نوى خيرا ولم يعمله، كحديث "رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله، وينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل العمل الذي يعمل، فهما في الأجر سواء" إلا أنه قد خرج بدليل آخر من هذه القاعدة عدة مسائل: فمنها ذكر الله كالتسبيح، فإنه لا يحتاج إلى نية لأنه يتميز بنفسه وإنما يحتاج إلى القيد، ومنها الألفاظ الصريحة من المعاملات في الطلاق والنكاح ونحوها، ومنها إذا وقع في الماء الكثير ثوب متنجس فإنه يطهر، ومنها من حج أو اعتمر عن غيره ولم يكن قد أدى ذلك عن نفسه فإنه ينقلب له مع أنه نواه عن غيره، ومنها إذا أحرم بالحج في غير أشهره فإنه ينقلب عمرة وغير ذلك مما يعرفه من تتبع فروع الكليات. اهـ العدة جـ ١/ ص ٧٦.
وقال الحافظ في الفتح: قال القرطبي فيه (أي في قوله: إنما لكل امرئ الخ): تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال، فجنح إلى أنها مؤكدة، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى
стр. 918
نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.
وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أن مَنْ نوى شيئا يحصل له (يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما يعذر به شرعا بعدم عمله) وكل ما لم ينوه لم يحصل له.
ومراده بقوله: لم ينوه أي لا خصوصا ولا عموما، أما إذا لم ينو شيئا مخصوصا لكانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يُحصى، وقد يحصل غير المنوي لمدرَك آخر، كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها؛ لأن القصد بالتحية شَغْل البُقْعة، وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة علي الراجح؛ لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلابد فيه من القصد إليه بخلاف تحية المسجد، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه:
إنه لا يظهر لي فرق بين هاتين المسألتين: تحية المسجد، وغسل الجمعة، حيث جعلوا الأولى مما لا ينظر فيه جهة التعبد، والثانية جعلوها مما ينظر فيه جهة التعبد، وقد قال ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" كما قال "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" وما ثَمَّ نص يُفَرِّق بينهما، فالظاهر أنهما عبادتان يحتاج فيهما إلى النية فلا يحصل كل منهما إلا إذا نواه، والله أعلم.
قال الحافظ: وقال النووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها
стр. 919
ظهرا مثلا، أو عصرا، ولا يخفى أن محله إذا لم تنحصر الفائتة.
وقال ابن السمعاني في أماليه: أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة. وقال غيره: أفادت أن النيابة لا تدخل في النية، فإن ذلك هو الأصل فلا يرد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره، فإنها على خلاف الأصل.
وقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها، وأفاد أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار، والأدعية، والتلاوة؛ لأنها لا تُرَدَّدُ بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يُحَصِّل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت مطلقا، أي المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لي وقفة هنا أيضا: وذلك أن ما ذَكَرَه، من الأذكار ونحوه داخل في عموم الأعمال، فبأي دليل خرج عنها؟ حتى نقول إنه لا يحتاج إلى النية، بل الظاهر أنه لابد فيه من النية ليثاب عليه، وأما قول الغزالي حركة اللسان الخ، فالظاهر أن المراد به الذكر مع عدم حضور القلب لا مع عدم النية، فلا يلزم من عدم حضور القلب عدم النية فتأمل.
قال الحافظ: ويؤيده (أي قول الغزالي) قوله ﷺ : "في بضع أحدكم
стр. 920
صدقة" ثم قال في الجواب عن قولهم " أياتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ أرأيت لو وضعها في الحرام"؟.
وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده.
وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه، كتحية المسجد كما تقدم.
قال الجامع: قد علمت ما فيه فيما تقدم.
قال: وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضي؛ لأن المقصود حصول براءة الرحم، وقد وجد، ومن ثمَّ لم يحتج المتروك إلى نية.
ونازع الكرماني في إطلاق الشيخ محيي الدين كون المتروك، لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل، وهو كف النفس، وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلابد فيها من قصد الترك، وتعقب بأن قوله: الترك فعل مختلف فيه، ومن حقّ المستدلّ على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه، وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المَوْرد؛ لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها؟ والذي أورده هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر، والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى، فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه، لا الترك المجرد، والله أعلم.
стр. 921
تنبيه:
قال الكرماني: إذا قلنا: إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر، ففي قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" نوعان من الحصر قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٠ - ٢١.
المسألة الثامنة عشرة:
في مذاهب العلماء في اشتراط النية في العبادة:
دل هذا الحديث على اشتراط النية لصحة العبادة وقد اتفق العلماء على ذلك في العبادة المقصودة لعينها التي ليست وسيلة إلى غيرها، وحكى أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن رُشْد المالكي في كتابه بداية المجتهد اتفاق العلماء على اشتراط النية في العبادات، وحكى الاختلاف في الوضوء لاختلافهم في أنه وسيلة، أو مقصود، وحَكَى ابن التين السفاقسي أنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية.
وذكر النووي في شرح مسلم: أن الأعمال ضربان ضرب تشترط النية لصحته، وحصول الثواب فيه، كالأركان الأربعة، وغير ذلك مما أجمع العلماء أنه لا يصح إلا بنية، وكالوضوء، والغسل، والتيمم، وطواف الحج والعمرة، والوقوف، مما اشترطَ النيةَ فيه بعضُ العلماء.
وضرب لا تشترط النية لصحته، لكن تشترط لحصول الثواب كستر العورة، والأذان، والإقامة، وابتداء السلام، ورده، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإماطة الأذى، وبناء المدارس، والرُّبُط والأوقاف، والهبات، والوصايا، والصدقات، ورد الأمانات، ونحوها. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١١.
стр. 922
المسألة التاسعة عشرة:
في اختلاف العلماء في اشتراط النية في الوضوء:
احتج بالحديث من أوجب النية في الوضوء والغسل، وهو قول الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأبي ثور، وأبي عبيد، وبه يقول الزهري، وربيعة الرأي شيخ مالك، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويُروى عن علي بن أبي طالب ﵁.
وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، وزفر.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي ورواية شاذة عن مالك.
واحتج هؤلاء بأن الوضوء ليس مقصودا، وأن المقصود به النظافة، فأشبه إزالة النجاسة، واعترض على الحنفية بأنهم أوجبوها في التيمم، وليس مقصودا، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فافتقر إلى النية تقوية له، وبأن الله ذكر النية في التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصدوا، وهو النية ولم يذكر ذلك في الوضوء والغسل، واحتجوا أيضا بتعليم النبي ﷺ الوضوء للأعرابي، ولم يَذْكُر له النية مع جهل الأعرابي بأحكام الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونُقضَ عليهم بتعليمه الصلاة للأعرابي المسيء صلاته ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها في الصلاة فما الفرق؟ وإنما بَيَّن النبي ﷺ لمن علمه الأفعال الظاهرة التي يقف الناظر على تركها لو تركها، فأما القصد للعبادة فكان معلوما عندهم. اهـ طرح بزيادة من المجموع.
قال الجامع عفا الله عنه: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية في الوضوء والغسل لحديث الباب، والله أعلم.
стр. 923
العشرون:
أنه احتُجَّ بهذا الحديث على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث فاغتسل أو توضأ ثم أسلم أنه لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وخالفهم الجمهور في ذلك فقالوا: تجب عليه إعادة الغسل والوضوء؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة، وبعضهم يعلله بأنه ليس من أهل النية. قاله في الطرح جـ ٢/ ص ١٢.
الحادية والعشرون:
فيه حجة على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء أو كفارة أو تطوع وقع عن رمضان إذ ليس له إلا ما نواه ولم ينو صوم رمضان وتعيينه شرعا لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كلف به، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لابد من تعيين رمضان لظاهر الحديث بخلاف الحج، وذهب زفر إلى أن صيام رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم، لتعين الزمان له. انتهى طرح جـ ٢/ ص ١٦.
الثانية والعشرون:
فيه حجة على مالك في اكتفائه بنية واحدة في أول الشهر من رمضان لجميع الشهر، وهي رواية عن أحمد أيضا؛ لأن كل يوم عمل بنفسه، وعبادة مستقلة بدليل ما يتخلل بين الأيام في لياليها مما ينافي الصوم من المفطرات.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى وجوب النية لكل يوم إذ هو عمل، ولا عمل إلا بنية. اهـ طرح.
المسألة الثالثة والعشرون:
فيه حجة لمن ذهب إلى أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره أنه لا ينعقد
стр. 924
عمرة لأنه لم ينو العمرة وإنما له ما نواه، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يكره عندهم الإحرام به قبل أشهره، ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج، وإنما اختلف قوله هل يتحلل بأفعال العمرة، وهو قوله المتقدم نقله عنه، أو ينعقد إحرامه عمرة وهو نصه في المختصر، وهو الذي صححه الرافعي والنووي، فعلى الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام، وعلى الثاني تسقط عنه اهـ طرح.
المسألة الرابعة والعشرون:
أنه احتج به لأبي حنيفة والثوري ومالك أن الصرورة (١) يصح حجه عن غيره، ولا يصح عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عن نفسه، وإنما له ما نواه.
وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي إلى أنه ينعقد عن غيره ويقع ذلك عن نفسه، لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، فقال: "أحججت قط؟ " قال: لا، قال: "فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح، وفي رواية أبي داود: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولك أن تقول ليس فيه تصحيح الإحرام عن نفسه، وإنما أمره أن ينشئ الأحرام عن نفسه، وقد يجاب بأن الظاهر أن هذا كان بعد مجاوزة الميقات، فلو لم يقع الإحرام المتقدم عن فرض نفسه
لأموه بالرجوع إلى الميقات، أو بإخراج دم لمجاوزة الميقات بغير إحرام صحيح، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا كله على تقدير مجاوزته للميقات، وأما الرواية التي ذكرها الرافعي وغيرها "هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" فقد رواها البيهقي، ولكنها ضعيفة فيها الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف.
стр. 925
واستدل لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه الطبراني، ثم البيهقي من طريقه من حديث ابن عباس أيضا: سمع النبي ﷺ رجلا يلبي عن نُبَيْشَة فقال: "أيها الملبي عن نبيشة احجج عن نفسك" وهذا ضعيف فيه الحسن بن عمارة وهو متروك، قال البيهقي: يقال إن الحسن بن عمارة كان يرويه ثم رجع عنه إلى الصواب، وقد ذهب محمَّد بن جرير الطبري إلى أن الصرورة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عنه وإنما له ما نواه ويجب عليه أن ينوي ذلك عن نفسه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب عندي القول الأول لحديث الملبي عن شُبْرُمَةَ. والله أعلم.
المسألة الخامسة والعشرون:
قال العراقي: إنهم كما اشترطوا النية في العبادة اشترطوا في تعاطي ما هو مباح في نفس الأمر أن لا يكون معه نية تقتضي تحريمه، كمن جامع امرأته أو أمته ظانا أنها أجنبية، أو شرب شرابا مباحًا ظانا على أنه خمر، أو أقدم على استعمال ملكه ظانا أنه لأجنبي ونحو ذلك، فإنه يحرم عليه تعاطي ذلك اعتبارا بنيته وإن كان مباحا له في نفس الأمر، غير أن ذلك لا يوجب حدًا ولا ضمانا، لعدم التعدي في نفس الأمر، بل زاد بعضهم على هذا بأنه لو تعاطى شرب الماء وهو يعلم أنه ماء ولكن على صورة
استعمال الحرام، كشربه في آنية الخمر في صورة مجلس الشراب صار حراما لتشبهه بالشَّرَبَة، وإن كانت نيته لا يتصور وقوعها على الحرام مع العلم بحله، ونحوه، ولو جامع أهله وهو في ذهنه مجامعة مَن تحرم عليه وصوَّر في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة فإنه يحرم عليه ذلك، وكل ذلك لتشبهه بصورة الحرام. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٨.
стр. 926
المسألة السادسة والعشرون:
قال الخطابي: فيه دليل على أن المُطَلِّقَ إذا طلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عددا من أعداد الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت طالق ونوى ثلاثا، كان ما نواه من العدد واقعا واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا، وإليه ذهب الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأي: هي واحدة وهو أحق بها، وكذلك قال سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٩.
المسألة السابعة والعشرون:
فيه حجة على أهل الرأي في قولهم في الكنايات في الطلاق كقوله: أنت بائن، أنه إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة لكونها كلمة واحدة، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددا فهي واحدة بائنة أيضا، والحديث حجة عليهم.
وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى اثنتين فهو كذلك وإن لم ينو عددا فهي واحدة رجعية، قال الخطابي: وهذا أشبه بمعنى الحديث وأولى به اهـ طرح جـ ٢/ ص ١٩.
المسألة الثامنة والعشرون:
فيه رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب، وقد أورده البخاري في آخر كتاب الإيمان محتجا عليهم بذلك، وما ذهبوا إليه مردود بالنصوص القاطعة والإجماع على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٠.
المسألة التاسعة والعشرون:
في حجة على بعض المالكية من أنهم لا يُدَيِّنُون مَن سبق لسانه إلى
стр. 927
كلمة الكفر إذا ادَّعَى ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدل لذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك في قصة الرجل الذي ضلت راحلته ثم وجدها، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي ﷺ : "أخطأ من شدة الفرح" والذي جرت به عادة الحكامِ الحُذَّاق منهم اعتبار حال الواقع منه ذلك، فإن تكرر منه ذلك، وعُرفَ منه وقوعه في المخالفات، وقلة المبالات بأمر الدين لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فَلْتَةً، وعرف بالصيانة والتحفظ قبلوا قوله في ذلك، وهو توسط حسن انتهى طرح جـ ٢/ ص ٢٠.
المسألة الثلاثون:
فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الحيَل، كمن مَلَّكَ ولده أو غيره مالا له قبل الحول أو باعه أو أتلفه أو بادل به، فرارا من الزكاة، أو باع بالعينة المشهورة، أو تزوج المرأة ليحلها لزوجها، وإن لم يشترط ذاك في نفس العقد، أو مَلَّك الدارَ لغير الشريك لإسقاط الشفعة، أو أوقع عقد الدار التي فيها الشفعة بثمن فيه ما تجهل قيمته كفص ونحوه أو زاد في ثمنها وعوضه عن عشرة آلاف دينار مثلا، ونحو ذلك من الحيل المسقطة للحقوق أو الموقعة في المناهي، وإنما يُخَادع بالنيات مَن لا يطلع عليها، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري من حديث أنس أن أبا بكر كَتَبَ له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" وقال في الحديث الصحيح: "يبعثون على نياتهم" والذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور أصحابه كراهة إزالة ملكه للفرار من الزكاة كراهة تنزيه، وجعل بعض أصحاب الشافعي الكرهة للتحريم كقول مالك، وعليه كلام الغزالي في قوله: أثم، وكذلك عندهم البيع بالعينة والاستحلال إذا لم يشترط في العقد، والتحيل لإسقاط الشفعة محمول على الكراهة لا
стр. 928
على التحريم، والحديث حجة لمن قال بالتحريم، والله أعلم.
قال العراقي: ورأيت في كلام بعض أصحاب الشافعي ممن صنف في الألغاز أن الحيل ليس فيها منافاة للشريعة، بل قد ورد الشرع بتعاطي الحيل كقوله تعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: آية ٤٤]، فما كان من الحيل هكذا ليس فيه إسقاط حق لمستحق له فهو حسن مشروع، وما أدى من الحيل إلى إسقاط حق الغير فهو مذموم منهي عنه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢١.
المسألة الحادية والثلاثون:
استدل به على أنه لا يجب القَوَد في شبه العمد؛ لأنه لم ينو قتله، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وأحمد، وإسحاق، إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعي ومحمد بن الحسن أثلاثا، وجعلها الباقون أرباعا، وجعلها أبو ثور أخماسا، وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه.
واستدل الشافعي والجمهور بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل" الحديث اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٢.
المسألة الثانية والثلاثون:
قوله ﷺ : "فمن كانت هجرته" الخ، الهجرة بكسر الهاء فعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية. قاله صاحب النهاية.
وقال ابن دقيق العيد: الهجرة: تقع على أمور:
стр. 929
الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة.
الثانية: من مكة إلى المدينة.
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ .
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، قال: ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب (١) يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. اهـ إحكام جـ ١/ ص ٧٨.
وقال العراقي: بقي عليه من أقسام الهجرة ثلاثة أقسام وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين كما هو معروف في السير، ولا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة فإنه عَدَّد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لتعددها، والثانية: هجرة من كان مقيما ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام، والثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها" الحديث. ورواه أحمد في مسنده، فجعله من حديث عبد الله بن عمر، قال صاحب النهاية: يريد به الشام لأن إبراهيم لما خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به، انتهى، وروى أبو داود أيضا من حديث أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة إلى جانب مدينة يقال لها
стр. 930
دمشق من خير مدائن الشام" فهذه ثمانية أقسام للهجرة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٢.
وقال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: وقوله ﷺ "فمن كان هجرته" الخ، لما ذكر النبي ﷺ أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.
وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي ﷺ ، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي، فأخبر ﷺ أن الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها.
فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا، وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه، لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية الطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب، وليس بواحد منهما مهاجر، وفي قوله "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه، وأيضا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد
стр. 931
يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحةً تارة، ومحرمةً تارة، وإفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" يعني كائنا ما كان.
وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: آية ١٠] قال: كانت المرأة إذا أتت النبي ﷺ حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في مسنده.
وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا.
وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش، عن شقيق -هو أبو وائل- قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجته فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال: فقال عبد الله: يعني ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا فهو له، وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي ﷺ ، إنما كان في عهد عبد الله بن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر وتزوجها، وكنا نسميه مهاجر أم قيس،
قال ابن مسعود: من هاجر لشيء فهو له.
وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس كانت هي سبب قول النبي ﷺ "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا يصح والله أعلم.
وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما.
стр. 932
وقد سئل النبي ﷺ على اختلاف الناس في الجهاد، وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه فمن قاتل في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وفي رواية لمسلم: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فذكر الحديث، وفي رواية له أيضا: الرجل يقاتل غضبا، ويقاتل حمية. وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه".
وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : "لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا، والنبي ﷺ يقول: لا أجر له" وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "الغزو غزوان، فأما من ابتغَى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونَبْهَه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف".
وخرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "إن قاتلت صابرا
стр. 933
محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قُتلْت بعثك الله بتلك الحال".
وخرّج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهد فأتيَ به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جَريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن فيك، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنْفَق فيه إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار" وفي الحديث أن معاوية لما بلغه الحديث بكى حتى غُشي عليه، فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: آية ١٥].
وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله، كما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني ريحها.
стр. 934
وخرَّج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر، وحذيفة، وجابر ﵃، عن النبي ﷺ ، ولفظ حديث جابر: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تَخَيَّرُوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار"
فقال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى، ويذهب ما سواه.
وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما، كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بَشِّرْ هذه الأمة بالسناء والعز والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب".
واعلم أن العمل لغير الله أقسام:
فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: آية ١٤٢] وقال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: آية ٤]، وكذلك وصف الله تعالي الكفار بالرياء المحض في قوله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: آية ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن
стр. 935
صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" وخرجه ابن ماجه ولفظه "فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" وأخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني" وخرّج الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" وخرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله والرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء" وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي ﵁: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء له، فأعاد عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ : "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له
стр. 936
خالصا، وابتغي به وجه الله" وخرج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يَرُدّ عليه رسول الله ﷺ شيئا حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: آية ١١٠].
وممن يروى عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف منهم: عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن
مخيمرة عن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من
رياء" ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين.
فإن خالط نيته الجهاد نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة؛ نقص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا تم لهم أجرهم" وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم
يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.
وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري، أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره، وقال أيضا فيمن يأخذ جُعْلا على الجهاد، إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا أخذه، وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطى درهما
стр. 937
غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك. وكذا قال الأوزاعي إذا كانت نية المغازي على الغزو، فلا أرى بأسا، وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره، وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرا ودفعه فلا يضره، بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري، وغيره، ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا" وذكر ابن جرير أن هذا
الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان ابن داود الهاشمي أنه قال: ربما أحدث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات، ولا يرد هذا على الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج.
فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب
стр. 938
المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره ذلك.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر، عن النبي ﷺ : أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" أخرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه وعنده: الرجل يعمل فيحبه الناس عليه. ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم، وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه،
فقال: "له أجران أجر السر، وأجر العلانية".
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية.
وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلتُهُ لك على نفسي ثم لم أوف به لك، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت. اهـ كلام الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم، وهو كلام نفيس جدًّا، والله أعلم ص ١١ - ١٦.
المسألة الثالثة والثلاثون:
قال الحافظ العراقي ﵀: اختلفت الأحاديث الواردة في الهجرة هل انقطعت بفتح مكة أم هي باقية؟
стр. 939
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
وروى البخاري عن ابن عمر قوله: لا هجرة بعد الفتح، وفي رواية له: لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله ﷺ ، وروى البخاري أيضا عن عبيد بن عمير سأل عائشة عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يُفتَن عليه، فأما
اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية.
وروى البخاري ومسلم أيضا عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بأبي معبد إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة قال: "مضت الهجرة لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد" وفي رواية أنه جاء بأخيه مجالد، وروى أحمد من حديث أبي سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت أيضا: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" فهذه الأحاديث دالة على انقطاع الهجرة.
وروى أبو داود والنسائي من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها".
وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعا: "لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل" ورَوَى أيضا من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعا "إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد".
وجمع الخطابي في المعالم بين هذا الاختلاف بأن الهجرة كانت في أول الإسلام فرضا، ثم صارت بعد فتح مكة مندوبا إليها غير مفروضة. قال: فالمنقطعة منها هي الفرض، والباقية منها هي الندب، قال: فهذا
стр. 940
وجه الجمع بين الحديثين على أن بين الإسنادين ما بينهما، حديث ابن عباس متصل صحيح، وحديث معاوية فيه مقال انتهى.
وقال صاحب النهاية: إن الجمع بينهما أن الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليه بالجنة كان الرجل يأتي النبي ﷺ ويدع أهله وماله، ولا يرجع في شيء منه فلما فتحت مكة انقطعت هذه الهجرة، والثانية من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة وهو المراد بقوله: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، انتهى.
وفي حديث آخر ما يدل على أن المراد بالباقية هجر السيئات كما رواه أحمد في مسنده من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: "الهجرة هجرتان: إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله، ولا تنقطع
الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكُفيَ الناسُ العملَ".
وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء رجل أعرابي جَاف جريء، فقال: يا رسول الله أين الهجرة إليك، حيث كنت، أم إلى أرض معلومة، أو لقوم خاصة أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ساعة ثم قال: أين السائل عن الهجرة؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة فأنت مهاجر، وإن مت بالحضرمة" قال: يعني أرضا باليمامة، وفي رواية له "الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة وتؤتي
الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر" اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٤.
المسألة الرابعة والثلاثون:
قال ابن دقيق العيد ﵀: المتقرر عند أهل العربية أن الشرط
стр. 941
والجزاء، والمبتدأ والخبر لابد وأن يتغايرا، وها هنا وقع الاتحاد في قوله "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" وجوابه أن التقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا، فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعا. اهـ إحكام جـ ١/ ص ٨٠.
وقال في الفتح ما نصه: فإن قيل: الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال مثلا من أطاع أطاع، وإنما يقال مثلا من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ، وهو الأكثر، وتارة بالمعنى، ويفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: آية ٧١] وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم: أنت أنت، أي الصَّديق الخالص، وقولهم: هم هم أي: الذين لا يُقَدَّرُ قَدْرُهم، وقول الشاعر:
أنَا أبُو النَّجْم وَشعْري شعْري
أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب، وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر الفرد بيانُ الشهرة وعدم التغير، فيتحد بالمبتدأ لفظًا كقول الشاعر (من الطويل):
خَليلي خَليلي دُونَ رَيْب وَرُبَّمَا … ألانَ امرُؤٌ قَوْلًا فَظُنَّ خَليلا
وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك: من قصدني فقد قصدني، أي فقد قصد مَن عُرف بإنجاح قاصده، وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء عُلم منهما المبالغة إما في التعظيم،
وإما في التحقير. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٣.
المسألة الخامسة والثلاثون:
قال العراقي: لم يقل في الجزاء فهجرته إليهما، وإن كان أخصر بل
стр. 942
أتى بالظاهر فقال: "فهجرته إلى الله ورسوله"، وذلك من آدابه ﷺ في تعظيم اسم الله أن يجمع مع ضمير غيره، كما قال للخطيب "بئس الخطيب أنت" حين قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. وبَيَّن له وجه الإنكار فقال له: "قل ومن يعص الله ورسوله" وهذا يَدْفَع قول مَن قال: إنما أنكر عليه وقوفه على قوله: ومن يعصهما، وقد جمع رسول الله ﷺ الضمير في موضع آخر، فقال فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد .. الحديث وفيه "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا" وقد ظهر بهذا أن ترك جمعهما في ضمير واحد على وجه الأدب، وأنه إنما أنكر على الخطيب ذلك تنبيها على دقائق الكلام، ولأنه قد لا يكون عنده من المعرفة بتعظيم الله تعالى، ما يعلمه ﷺ من عظمته وجلاله، والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٤.
المسألة السادسة والثلاثون:
قال الحافظ العراقي: الدنيا فُعْلى من الدنو وهو القرب، سميت بذلك لسبقها للآخرة، وفي الدال لغتان الضم وهو الأشهر، والكسر حكاه ابن قتيبة وغيره، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه بين أهل اللغة والعربية، وحَكَى بعضُ المتأخرين من شراح البخاري أن فيها لغة عربية بالتنوين، وليس بجيد، فإنه لا يعرف في اللغة، وسبب الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين وهو أبو الهيثم الكشميهني، وأنكر ذلك عليه، ولم يكن ممن يُرجع إليه في ذلك، فأخذ بعضهم يَحكي ذلك لغة كما وقع لهم نحو ذلك في "خُلوف فم الصائم" فحكوا فيه لغتين، وإنما يعرف أهل اللغة الضم، وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٥.
стр. 943
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي ادعى فيه الغلط من تنوين دنيا ثابت لغة، فقد أثبته في اللسان، و"ق"، وعبارة اللسان: والدنيا: نقيض الآخرة انقلبت الواو فيها ياء، لأن فُعْلى إذا كانت اسما من ذوات الواو أبدلت واوها ياء، كما أبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى يعني بالفتح، فأدخلوها عليها في فُعْلى -يعني بالضم- ليتكافأ في التغيير، قال: وحكى ابن الأعرابي: ماله دنيًا ولا آخرة، فنون دنيا تشبيها لها بفُعْلَل قال: والأصل أن لا تصرف لأنها فُعْلى، والجمع دُنَا مثل الكُبرى والكبر، والصغرى والصُّغَر. اهـ لسان باختصار.
وعبارة "ق" والدنيا نقيض الآخرة: وقد تُنَوَّن. اهـ.
وقال البدر العيني في شرح البخاري بعد ما نقل مثل ما تقدم عن العراقي: ما نصه: جاء التنوين في دنيا في اللغة، قال العجاج (من الرجز):
في جَمْع دُنْيًا طَالَ مَا قد عَنَّتِ
وقال المثلم بن رباح بن ظالم المري: (من الكامل):
إنِّي مُقَسِّمٌ مَا ملكتُ فَجَاعلٌ … أجرًا لآخرَةٍ ودُنْيَا تَنْفَعُ
فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دُنْيًا، وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى. اهـ جـ ١/ ص ٢٦.
والحاصل أن التنوين ثابت عند أهل اللغة إلا أنه قليل، فلا ينبغي أن يعد غلطا فتبصر، وقال ابن مالك: استعمال دنيا منكرا فيه إشكال، لأنها أفعل تفضيل، فكان حقها أن تستعمل باللام نحو الكبرى
والحسنى، إلا أنها خُلعت عنها الوصفية رأسًا وأجري مُجرى ما لم يك
стр. 944
وصفا، ونحوه قول الشاعر: (بسيط)
وإنْ دَعَوْتَ إلى جُلَّى ومَكْرُمَة … يَوْمًا سَرَاةَ كرَام النَّاس فادعينا
فإن الجُلَّى مونث الأجل، فخلعت عنها الوصفية، وجعلت اسما للحادثة العظيمة.
قال البدر العيني: قلت: من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم الموضوع قلب الواو ياء لأنه لا يجوز ذلك إلا في الفُعْلَى الاسم، وقال التميمي: الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيهما
أحدهما الوصفية، والثاني لزوم حرف التأنيث.
وقال الكرماني: ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها إذ لا وصفية (١) هنا بل امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائم مقام العلتين فهو سهو منه.
وتعقبه العيني قائلا: ليس بسهو منه لأن الدنيا في الأصل صفة لأن التقدير الحياة الدنيا كما في قوله تعالى ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: آية ١٨٥] وتركهم موصوفها واستعمالهم إياها نحو الاسم الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية اهـ عمدة جـ ١/ ص ٢٧.
قال الجامع:
في تعقب العيني هذا نظر، بل الصواب ما قاله الكرماني. والله أعلم.
المسألة السابعة والثلاثون:
الجار والمجرور في قوله "إلى الله ورسوله" وفي قوله "إلى دنيا" يتعلق بالهجرة إن كانت كان تامة، أو خبر لكان إن كانت ناقصة، قال
стр. 945
الكرماني: فإن قلت لفظ كانت إن كان باقيا في المضي فلا يعلم أن الحكم بعد صدور هذا الكلام من الرسول ﷺ أيضا كذلك أم لا؟ وإن نقل بسبب تضمين "مَنْ" لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال فبالعكس ففي الجملة الحكم إما للماضي أو للمستقبل، قلت: جاز أن يراد به أصل الكون: أي الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة، أو يقاس أحد الزمانين على الآخر، أو يعلم من الإجماع على أن حكم المكلفين على السواء أنه لا تعارض اهـ قال العيني: في الجواب الأول نظر لا يخفى، لأن الوجود من حيث هو لا يخلو عن زمن من الأزمنة الثلاثة. اهـ
جـ ١/ ص ٢٧.
المسألة الثامنة والثلاثون:
إن قيل: ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى الدنيا؟ أجيب من وجوه:
الأول: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة لأن لفظة دنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات، فلا تقتضي دخول المرأة فيها، وتعقب بأنها في سياق الشرط فتعم، قاله في الفتح.
الثاني: أنه للتنبيه على زيادة التحذير فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام كما في قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
الثالث: أنه إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر الأشياء في هذا الحديث لأن العرب كانت في الجاهلية لا تزوج المولى العربية، ولا يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء في النسب، فلما جاء الإسلام سَوَّى بين المسلمين في مناكحهم، وصار كل واحد من المسلمين كفؤا لصاحبه، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها حتى سمي بعضهم مهاجر أم
стр. 946
قيس، وتعقبه في الفتح بأنه يحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان من الموالي، وأن المرأة كانت عربية، وبأنه ليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٤.
الرابع: أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨]، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ الآية، وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع من كتابه، وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين: منهم من كانت نيته تزوج امرأة بالمدينة من المهاجرات يقال لها: أم قيس، وادعى ابن دحية أن اسمها قيلة، فسمي مهاجر أم قيس ولا يعرف اسمه، فكان قصده بالهجرة نية التزوج لها، لا لفضيلة الهجرة، فقال النبي ﷺ ذلك، وبين مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبيين السبب لأنها كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا كما قال ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر زاد حل ميتته، ويحتمل أن يكون هاجر لما لها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها، وغيرُه لتحصيل دنيا من جهة ما
فعرض بها. أفاده العيني. جـ ١/ ص ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه:
يأتي الرد عليه في دعواه كون مهاجر أم قيس سببا لحديث النية في المسألة التالية. إن شاء الله تعالى.
стр. 947
المسألة التاسعة والثلاثون:
قد اشتهر بين الشراح أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات، من رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قاله العراقي.
قال الجامع عفا الله عنه:
قد تقدم عن الحافظ ابن رجب أن كونه سببا لهذا الحديث لا يصح.
والحاصل أن قصة مهاجر أم قيس روي بإسناد رجاله ثقات، ولكن كونه سببا لحديث إنما الأعمال الخ، لا يثبت فتبصر.
ثم اعلم أنه لم يسم أحد ممن صنف في الصحابة هذا الرجل الذي يقال له مهاجر أم قيس، وأما أم قيس، فقد ذكر أبو الخطاب ابن دحية أن اسمها قيلة، قاله العراقي.
المسألة الأربعون:
قال الحافظ العراقي: فإن قيل: ما وجه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أم سليم أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركا، فلما علم أنه لا سبيل له إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه، وهكذا روى النسائي من حديث أنس قال: تزوج أبو طلحة أمَّ سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إنى قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم فكان صداق ما بينهما، بوَّب عليه النسائي "التزوج على الإسلام"، وروى النسائي أيضا من حديثه قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما
стр. 948
مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن أسلمت فذاك مهري، فلا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم، الإسلام" الحديث.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من هذا الوجه فظاهر هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكورة مع كون الإسلام أشرف الأعمال؟
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في الحديث أنه أسلم ليتزوجها حتى يكون معارضا لحديث الهجرة وإنما امتنعت من تزوجه حتى هداه الله للإسلام رغبة في الإسلام لا ليتزوجها، ولا يظن ذلك بأبي طلحة أنه أسلم ليتزوج أم سليم، فقد كان من أجل الصحابة ﵃.
قال الجامع عفا الله عنه:
وهذا الجواب من أبعد الأجوبة، فإنه ينافيه سياق الحديث فتبصر.
والوجه الثاني: أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه الإسلام رغبة فيه، فمتى كان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدين لم يضر معه كونه يعلم أنه يحل له بذلك نكاح المسلمات، ولا ميراث مورثه المسلم ولا استحقاق الغنيمة ونحو ذلك إذا كان الباعث على الإسلام الرغبة في الدين. وذكر ابن بطال عند حديث "الرجل يقاتل للمغنم" من كان ابتداؤه نية الأعمال لله تعالى لم يضره بعد ذلك ما عرض في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب اطلاع العباد عليه بعد مضيه إلى ما ندبه الله إليه، ولا سروره بذلك، وإنما المكروه، أن يبدأ بنية غير مخلصة، وحكاه أيضا في موضع
стр. 949
آخر عن الطبري، وأنه حكاه عن قول عامة السلف ﵃.
والحق في اجتماع الباعثين أو البواعث على الفعل الواحد أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما أو منها لو انفرد لكان كافيا في الإتيان بالفعل أو يكون الكافي لذلك أحدهما أو لعلة أحدهما فإن كان كل واحد كافيا بالإتيان به فهذا يضر فيه التشريك لقوة الداعي، وإن غلب أحدهما بأن يكون حصوله أسرع إلى وقوع المنوي، وإن كان الباعث على الفعل أحدهما بحيث لو عدم الآخر لم يتخلف عن المنوي فالحكم للقوي، كمن يقوم للعبادة وهو يستحسن اطلاع الناس عليه مع أنه لو علم أنه لو لم يطلع عليه أحد لما صرفه ذلك عنها ولا عن الرغبة فيها فهذا لا يؤثر في صحة عبادته، وإن كان الأكمل في حقه التسوية بين اطلاع الناس وعدم اطلاعهم والأسلم له عدم محبة اطلاعهم.
والوجه الثالث: أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة، والحديث وإن كان صحيح الإسناد فإنه معلل يكون المعروف أنه لم يكن حينئذ نزل تحريم المسلمات على الكفار إنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: آية ١٠] كما ثبت في صحيح البخاري، فقول أم سليم في هذا الحديث: ولايحل لي أن أتزوجك، شاذ مخالف للحديث الصحيح، وما اجتمع عليه أهل السنن والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٧.
المسألة الحادية والأربعون:
في قول علقمة: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول، ردّ على من يقول إن الواحد إذا ادعى شيئا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقبل حتى يتابعه غيره عليه كما قاله
بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين، وذلك لأنه لا يصح من رواية
стр. 950
أحد عن عمر إلا علقمة، مع كونه حدث به على المنبر كما ثبت في الصحيح بمحضر من الناس، وانفرد علقمة بنقله مع كونه من قواعد الدين بل ذكر ابن بطال أن النبي ﷺ خطب به حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام، فإن ثبت ذلك فقد سمعه جمع من الصحابة ولم يروه عنه غير عمر من وجه يصح كما تقدم، وقد أجمع المسلمون على صحته، فلو اشترط شرط متابعة الراوي لما حضره غيره ولم يقبل انفراده به لما قبلوه والله أعلم.
وإنما استفهم النبي ﷺ في قصة ذي اليدين لأنه أخبره بخلاف ما كان في ظنه فاحتاج إلى أن يسأل عنه وليس في حديث عمر هذا مخالفة لما رواه غيره من الصحابة فوجب المصير إليه اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٧ - ٢٨.
المسألة الثانية والأربعون:
قال ابن بطال (١): ومما يجري بغير النية ما قاله مالك: إن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه، ومنها أن أبا بكر الصديق وجماعة من الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الردة بالقهر والغلبة ولو لم يجزئ عنهم ما أخذت منهم، قال ابن بطال: واحتج من خالفهم وجعل حديث النية على العموم أن أخذ الخوارج للزكاة غلبة لا ينفك المأخوذ منه من النية لأن معنى النية ذكرها وقت أخذها منه أنه عن الزكاة أخذها المتغلب عليه، وقد أجمع العلماء أن أخذ الإمام الظالم لها يجزئه، فالخارجي في معنى الظالم لأنهم من أهل القبلة وشاهدة التوحيد.
وأما أبو بكر فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة بل قصد حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم، ولو قصد أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل منها من أموالهم إلى آخر كلامه. اهـ. طرح.