والثناء على الله تعالى.
ومنها: بيان فضل هذا الدعاء، وأن فيه اسم الله الأعظم الذي يستجيب به دعاء الداعي، فينبغي تقديمه قبل طلب الحاجة حتى يستجاب الدعاء.
ومنها: أن بعض أسماء الله تعالى فيه من السر ما ليس في غيره، وإن كانت أسماؤه كلها عظيمة مقدسة، إلا أن لبعضها تأثيراً في قضاء الحاجة، واستجابة الدعوة أكثر وأعظم، وهذا لا يُعلم إلا عن طريق الوحي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ أَبُو بُرَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، إِذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ، وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ غُفِرَ لَهُ" ثَلَاثًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن يزيد أبو بُريد (١) البصري) الْجَرْمي، صدوق [١١] من أفراد المصنف، تقدم ١٠٠/ ١٣٠.
٢ - (عبد الصمد بن عبد الوارث) التَّنُّوري البصري، صدوق ثبت في شُعبة [٩] تقدم ١٢٢/ ١٧٤.
٣ - (أبوه) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبَري مولاهم أبو عُبيدة التّنّوري البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] تقدم ٦/ ٦.
٤ - (حُسين المعلم) هو ابن ذكوان العَوْذيّ البصري، ثقة ربّما وهم [٦] تقدم ١٢٢/ ١٧٤.
٥ - (ابن بُريدة) هو عبد الله بن بُريدة بن الحُصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة [٣] تقدم ٢٥/ ٣٩٣.
٦ - (حنظلة بن عليّ) بن الأسقع الأسلميّ، ويقال: السلميّ المدني، ثقة [٣].
روى عن حمزة بن عمرو، وخُفَاف بن إيماء، ورافع بن خَديج، وربيعة بن كعب، ومِحْجَن بن الأدرع، وأبي هريرة. وعنه عبد الله بن بُريدة، وعبد الرحمن بن حرملة،
стр. 9067
والزهري، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذي، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (٢٣٠٠) وأعاده برقم (٢٣٠١).
٧ - (مِحْجَن بن الأدرع) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- الأسلميّ. روى عن النبي ﷺ . وعنه حنظلة بن عليّ الأسلميّ، ورجاء بن أبي رجاء الباهليّ، وعبد الله بن شقيق، سكن البصرة، وهو الذي اختطّ مسجدها، وكان قديم الإسلام، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "وأنا مع ابن الأدرع".
فقد ذكر ابن إسحاق في "المغازي" عن سفيان بن فَرْوة الأسلمي، عن أشياخ من قومه من الصحابة، قالوا: مرّ رسول الله ﷺ ، ونحن نتناضل، فبينا محجن بن الأدرع يُناضل رجلاً منّا من أسلم، قال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً, ارموا، وأنا مع ابن الأدرع"، فألقى نَضْلَة قَوْسَهُ من يده، وقال: والله لا أرمي معه، وأنت معه، فإنه لا يُغلب من كنت معه، فقال: "ارموا، وأنا معكم كُلِّكم". قال أبو عمر: يقال: إنه مات في أواخر خلافة معاوية ﵄. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وليس له عندهما غير حديث الباب، كما قال الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى حسين المعلم، وابن بريدة مروزي، والباقيان مدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن حَنظلة بن علي الأسلميّ رحمه الله تعالى (أن محجن بن الأدرع) رضي الله تعالى عنه (حدّثه) أي حنظلةَ بن علي (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، إذا رجل) وفي رواية أحمد جـ ٤ ص ٣٣٨ - "فإذا هو برجل"، ومثله في "المعجم الكبير" للطبراني جـ ٢٠/ ٢٩٦ - (قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال) ولأحمد: "وهو يقول" (اللَّهم إني أسالك يا الله) "اللَّهم أصله "يا الله"، وإنما كرره لإظهار الذلّة والافتقار (بأنك الواحد الأحد) ولأبي داود: "يا الله الأحد". و"الأحد" بمعنى الواحد، كما ذكره ابن عبّاس، وأبو
стр. 9068
عبيدة، ويؤيّده قراءة الأعمش: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وهو تعالى واحد في ذاته، وصفاته، وأفعاله. وقد يفرّق بين "الواحد" و"الأحد" بأن الأحد في النفي نصّ في العموم، بخلاف الواحد، فإنه محتمل للعموم وغيره.
(الصمد) قال ابن الأنباريّ: لا خلاف بين أهل اللغة أنه السيّد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. وقال قتادة: هو الذي يحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه (١). وقيل: تفسيره ما بعده، وهو قوله (الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) وفيه التوسل بأسماء الله تعالى الحسنى، وصفاته العليا (أن تغفر لى ذنوبي) في تأويل المصدر مفعول "أسأل" (إنك أنت الغفور الرحيم) تعليل للمسألة، أي إنما سألتك مغفرة ذنوبي لكونك متصفاً بالمغفرة والرحمة (فقال رسول الله ﷺ ) وفي النسخة "الهنديّة" "النبي"، ولأحمد: "قال: فقال نبي الله ﷺ " (قد غفر له ثلاثاً) أي قالها ثلاث مرّات.
ولفظ أحمد: "قد غُفر له، قد غفر له، قد غفرله ثلاث مرّات". ونحوه للطبراني في "الكبير". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث محجن بن الأدرع رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٥٨/ ١٣٠١ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ١٢٢٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ٩٨٥ - (أحمد) ٤/ ٣٣٨ - (ابن خُزيمة) ٧٢٤. وفوائد الحديث تعلم مما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9069
٥٩ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ)
١٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى الله عنهم-، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) تقدم في الباب الماضي.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الحجة المصريّ [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) المصري، ثقة فقيه [٥] تقدّم ١٣٤/ ٢٠٧.
٤ - (أبو الخير) مرثد بن عبد الله اليَزَني المصري، ثقة فقيه [٣] تقدّم ٣٨/ ٥٨٢.
٥ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد ابن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الأصح، بالطائف على الراجح، ﵄، تقدم ٨٩/ ١١١.
٦ - (أبو بكر الصّدّيق) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرّة التيمي، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ ، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عتيق، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، أسلم أبواه، رَوَى عن النبي ﷺ . وعنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبد الرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن عباس، وابن الزبير وغيرهم.
قال إبراهيم النخعي: كان يُسمّى الأوّاه لمراقبته، وقال ميمون بن مهران: لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمانَ بَحِيراء الراهب، واختلف بينه وبين خديجة حتى تزوّجها، وذلك قبل أن يولد عليّ. وقال أبو أحمد العسكريّ: كانت إليه الأشناق (١) في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حمل شيئاً، فسأل فيه قُريشاً صدّقوه، وأمضوا حَمَالته (٢)، وإن احتملها غيره لم يصدّقوه، وخَذَلوه. وذكر ابن سعد عن ابن شهاب أن
стр. 9070
أبا بكر، والحارث بن كَلَدَة أكلا حَريرة أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث -وكان طبيباً-: ارفع يدك، والله إن فيها لسمّ سنة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.
ولي الخلافة بعد النبي ﷺ سنتين وشيئاً، وقيل: عشرين شهراً. توفي رضي الله تعالى عنه يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة (١٣) عن (٦٣) سنة, وصلى عليه عمر، ودُفن مع رسول الله ﷺ .
ومناقبه وفضائله كثيرة جدًا، مدوّنة في كتب العلماء، وهي في مجلّد لطيف في "تاريخ ابن عساكر". أخرج له الجماعة، له (١٤٢) اتفق الشيخان على (٦) وانفرد البخاري بـ (١١) ومسلم بحديث، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثاً. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي. ومنها أن فيه الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه، وهذا أول باب ذُكر فيه من هذا الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمرو، عن أبى بكر الصديق ﵄) هكذا النسخ بتثنية الضمير، والأولى أن يكون بلفظ "عنهم" بالجمع؛ لأن عمرو بن العاص والد عبد الله صحابي أيضاً، فليُتنبّه.
قال في "الفتح": مقتضى هذا أن الحديث من مسند الصدّيق ﵁، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي، عن الليث، فإن لفظه عن أبي بكر، قال: "قلت: يا رسول الله". أخرجه البزّار من طريقه، وخالف عمرُو بن الحارث الليثَ، فجعله من مسند عبد الله بن عمرو، ولفظه: "عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو، يقول: إن أبا بكر قال للنبي ﷺ "، هكذا رواه ابن وهب، عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث انتهى (١).
أنه (قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي) الظاهر أنه يريد عقب التشهد الأخير، والصلاةِ على النبي ﷺ ، والاستعاذةِ من الأربع، وإليه جنح البخاريّ في
стр. 9071
"صحيحه" حيث قال: "باب الدعاء قبل السلام"، ثم ذكر حديث أبي بكر هذا.
قال ابن دقيق العيد ﵀ في الكلام على هذا الحديث: يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين محلّه، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين، إما السجود، وإما بعد التشهد، لأنهما أُمِرَ فيهما بالدعاء، ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد بظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحلّ.
ونازعه الفاكهاني ﵀، فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلّين المذكورين، أي السجود والتشهد.
وقال النووي ﵀: استدلال البخاريّ صحيح، لأن قوله: "في صلاتي" يعمّ جميعها، ومن مظانّه هذا الموطن.
قال الحافظ ﵀: ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قوله: لما علّمهم التشهّد: "ثم ليتخيّر من الدعاء ما شاء"، ومن ثم أعقب المصنف -يعني البخاريّ- الترجمةَ بذلك -يعني قوله: "باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد، وليس بواجب"- انتهى.
وقال العيني ﵀: ظاهر الحديث عموم جميع الصلاة، ولكن المراد بعد التشهد الأخير قبل السلام، لأن لكلّ مقام من الصلاة ذكرًا مخصوصاً، فتعيّن أن يكون مقامه بعد الفراغ من الكلِّ، وهو آخر الصلاة، وبيانه أن للصلاة قياماً، وركوعاً، وسجوداً، وقُعُوداً، فالقيام محلّ قراءة القرآن، والركوع والسجود لهما دعاءان مخصوصان، والقعود محلّ التشهد، فلم يبق للدعاء محل إلا بعد التشهد قبل السلام انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد هذا ما تقدم من قوله ﷺ : "ثم ليتخيّر من الدعاء ما شاء"، لكن الأولى ما تقدم عن الفاكهاني، فينبغي الدعاء به في السجود أيضاً، لأنه محل الدعاء أيضاً، لأنه ﷺ أمر بالاجتهاد في الدعاء فيه. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: المواضع التي صح عن النبي ﷺ أنه كان يدعو فيها في الصلاة سبعة كما قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد"، ونظمها الصنعاني ﵀ بقوله [من الطويل]:
مَوَاضِعُ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ لِأَحْمَدِ … إِذَا مَا دَعَا قَدْ خصَّصُوهَا بِسَبْعَةِ
عَقِيبَ افْتِتَاحٍ ثمَّ بَعْدَ قِرَاءَة … وَحَالَ رُكُوعٍ وَاعْتِدَالٍ وَسَجْدَةِ
وَبَيْنَهُمَا بَعْدَ التّشَهُّدِ هذِهِ … مَوَاضِعُ تُرْوَى عَنْ ثِقَاتِ بِصِحَّةِ
انتهى "العدّة حاشية العمدة" جـ ٣ ص ٤٠. وزاد في "الفتح" ثامناً، وهو أنه كان يدعو في حال القراءة إذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ. انتهى "فتح" جـ ١٢ ص ٤١٧.
стр. 9072
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد نظمت الثامن بقولي:
وّزِدْ ثَامِناً وَهْوَ الدُّعَاءُ إِذَا تَلَا … وَمَرَّ بآيَةِ بها ذِكْرُ رَحْمَةِ
فَيَسْأَلُ رَحْمَةً وَإِنْ آيَةٌ بَها … تَعْذِيبٌ لأُمَّةٍ أنابَ بِعَوْذَةِ
(قال: قل: اللَّهم إني ظلمت نفسي) أي بملابسة ما يوجب العقوبة، أو ينقص الحظّ والأجر (ظلمًا كثيراً) يُروَى بالمثلّثة، وبالموحّدة، فيتخير الداعي بين اللفظين، ولا يجمع بينهما، لأنه لم يُروَ إلا أحدهما، والأولى أن يأتي بهذا مرّة، وبهذا مرّة، فيكون قد أتى بما نطق به النبي ﷺ بيقين، وقد تقدم البحث في هذا مستَوفًى في المسألة السادسة برقم -٥٤/ ١٢٩٤ - فراجعه تستفد.
قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد ﵀: في الحديث دليل على أن الإنسان لا يَعرَى من ذنب وتقصير، كما قال ﵊: "استقيموا، ولن تحُصوا … " وفي الحديث: "كلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوّابون"، وربما أخذوا ذلك من حيث الأمر بهذا القول مطلقاً من غير تقييد بحالة، فلو كان ثمّة حال لا يكون فيها ظلم ولا تقصير لما كان هذا الإخبار مطابقاً للواقع، فلا يؤمر به انتهى (١).
وقال الحافظ ﵀: فيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صدّيقاً.
وقال السندي ﵀ بعد نقل كلام الحافظ: بل فيه: أن الإنسان كثير التقصير، وإن كان صديقاً، لأن النعم عليه غير متناهية، وقوّته لا تطيق أداء أقلّ قليل من شكرها، بل شكره من جملة النعم أيضاً، فيحتاج إلى شكره هو أيضاً كذلك، فما بقي إلا العجز والاعتراف بالتقصير الكثير، كيف، وقد جاء في جملة أدعيته ﷺ "ظلمت نفسي" انتهى (٢).
(ولا يغفر الذنوب إلا أنت) هو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ففيه الإقرار بوحدانية الباري ، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار، كما قال تعالى: "علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به" (٣)
وقد وقع في هذا الحديث امتثال لما أثنى الله تعالى عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
стр. 9073
[آل عمران: ١٣٥]، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه بالاستغفار لوّح بالأمر به، كما قيل: إن كلّ شيء أَثنى اللهُ على فاعله، فهو آمر به، وكلّ شيء ذَمَّ فاعلَه فهو ناه عنه. قاله في "الفتح".
(فاغفر لي مغفرة من عندك) قال الطيبي ﵀: دلّ التنكير على أن المطلوب غُفران عظيم، لا يدرك كُنْهُهُ، ووَصَفَهُ بكونه من عنده مُريداً لذلك العِظَمِ، لأن الذي يكون من عند الله لا يُحيط به وصف.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: يحتمل وجهين:
(أحدهما): الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي أنت.
(الثاني): -وهو أحسن- أنه إشارة إلى طلب مغفرة مُتفَضَّل بها، لا يقتضيها سبب من العبد، من عَمَل حَسَن، ولا غيره، فهي رحمة من عنده بهذا التفسير، ليس للعبد فيها سبب، وهذا تبرّؤٌ عن الأسباب، والإدلال بالأعمال، والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوباً عقليّاً انتهى (١).
قال في "الفتح": وبهذا الثاني جزم ابن الجوزيّ، فقال: المعنى: هَبْ لي المغفرة تفضلاً، وإن لم أكن لها أهلاً بعملي انتهى.
(وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) هما صفتان ذكرتا ختماً للكلام على جهة المقابلة لما قبله، فـ"الغفور" مقابل لقوله: "اغفر لي"، و"الرحيم" مقابل لقوله: "ارحمني"، وقد وقعت المقابلة ههنا للأول بالأول، والثاني بالثاني، وقد يقع على خلاف ذلك بأن يُراعَى القربُ، فيجعل الأول للأخير، وذلك على حسب اختلاف المقاصد، وطلب التفنن في الكلام، ومما يُحتاج إليه في علم التفسير مناسبة مقاطع الآي لما قبلها. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٩/ ١٣٠٢ - وفي "الكبرى" -٩٣/ ١٢٢٥ - بالسند المذكور.
стр. 9074
وأخرجه (خ) ١/ ٢١١، و٨/ ٨٩. و (م) ٨/ ٧٤ (ت) رقم ٣٥٣١ - (ق) ٣٨٣٥. و (أحمد) ١/ ٣، و١/ ٧. و (عبد بن حُميد) -٥ - و (ابن خُزيمة) ٨٤٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: استحباب طلب التعليم من العالم، خصوصاً في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم (١).
قال الكرماني ﵀: هذا الدعاء من الجوامع، لأن فيه الاعترافَ بغاية التقصير، وطلبَ غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب، ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب الجنة، وهذا هو الفوز العظيم.
ومنها: أن فيه ردّا على من زعم أنه لا يستحقّ اسم الإيمان إلا من لا خطيئة له، ولا ذنب، لأن الصدّيق من أكبر أهل الإيمان، وقد علّمه النبي ﷺ أن يقول: "إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت". قاله الطبريّ رحمه الله تعالى.
ومنها: أن فيه مشروعيّةَ الدعاء في الصلاة، وفضلَ هذا الدعاء على غيره، وطلبَ التعليم من الأعلى، وإن كان الطالب يعرف ذلك النوع، وخص الدعاء بالصلاة لقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد". وفيه أن المرء ينظر في عبادته إلى الأرفع، فيتسبب في تحصيله، وفي تعليم النبي ﷺ لأبي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٠ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ)
١٣٠٣ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَيْوَةَ، يُحَدِّثُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ"، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى
стр. 9075
ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن مَيْسَرة الصَّدَفي، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (حَيْوة) بن شُريح بن صفوان التُّجِيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد [٧] تقدم ١٧/ ٤٧٨.
٤ - (عُقبة بن مسلم) التُّجِيبي، أبو محمد المصري القاصّ، إمام المسجد العتيق بمصر، ثقة [٤].
روى عن ابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن عامر الجهني، وأبي عبد الرحمن الحُبُليّ، وغيرهم. وعنه حيوة بن شُريح، والوليد بن أبي الوليد، وجعفر بن ربيعة، وغيرهم.
قال العجلي: مصريّ تابعي ثقة، ووثقة يعقوب بن سفيان، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي قريباً من سنة (١٢٠).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أبو عبد الرحمن الْحُبُليّ) -بضم المهملة والموحّدة- عبد الله بن يزيد الْمَعَافري المصري، ثقة [٣].
روى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، والصُّنابحي، وعْيرهم. وعنه عقبة بن مسلم، وحُميد بن هانىء، وشُرَحبيل بن شَريك، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد، والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال ابن يونس: يقال: توفي بإفريقية سنة (١٠٠) وكان صالحاً فاضلاً. وقال ابن خلفون: يقال: إنه توفي بقُرْطُبة. وقال أبو بكر المالكي في "تاريخ القيروان": بعثه عمر ابن عبد العزيز إلى إفريقية ليفقههم، فبَثّ فيها علماً كثيرًا، ومات بها، ودفن بباب تونس. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" والباقون، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث.
٦ - (الصُّنَابحيّ) عبد الرحمن بن عُسَيلة -بمهملتين مصغرًا- ابن عِسْل بن عسال المراديّ، أبو عبد الله الصُّنَابحي، ثقة، من كبار التابعين [٢].
стр. 9076
رحل إلى النبي ﷺ ، فوجده قد مات قبله بخمس ليال، أو ستّ، ثمّ نزل الشام.
رَوَى عن النبى ﷺ مرسلاً، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وبلال، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. وعنه أسلم مولى عمر، وأبو الخير مَرْثَد بن عبد الله اليزني، وأبو عبد الرحمن الحُبُليّ، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصُّنَابحيون الذين يُروَى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط، الصّنَابحيْ الأحمسي، وهو الصُّنَابح الأحمسي، هذان واحد، من قال فيه: الصنابحي، فقد أخطأ، وهو الذي يَروى عنه الكوفيّون, والثاني: عبد الرحمن بن عُسَيلة، كنيته أبو عبد الله, لم يدرك النبي ﷺ ، بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر، وغيره، فمن قال: عن عبد الرحمن الصُّنَابحيّ فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحيّ، فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرحمن، فقد أخطأ، قلب اسمه، فجعله كنيته، ومن قال: عن عبد الله الصنابحيّ، فقد أخطأ، قلب كنيته، فجعلها اسمه، هذا قول علي ابن المدينيّ، ومن تابعه، وهو الصواب عندي.
وذكر ابن حبّان في "الثقات" عبدَ الرحمن بنَ عُسيلة نحو ما ذكره ابن سعد، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر. وقال ابن معين: تأخر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك يجلسه معه على السرير. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة.
وكان كثير المناقب، فمن أجلها ما أخرجه الطبراني في مسند عبادة من طريق ابن مُحَيريز، قال: عُدْنا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحي، فقال عبادة: من سرّه أن ينظر إلى رجل عُرج به إلى السماء، فنظر إلى أهل الجنّة، وأهل النار، فرجع، وهو يعمل على ما رأى، فلينظر إلى هذا.
وذكره البخاريّ في "التاريخ الأوسط" في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، الصحابي الشهير ﵁، تقدم ٤٢/ ٥٨٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، وعقبة بن مسلم، فانفرد بهما هو، وأبو داود، وابن ماجه، وعقبة أيضاً أخرج له البخاري في "الأدب المفرد".
стр. 9077
ومنها: أنه مسلسل بالمصريين إلى الصّنابحي, فإنه ومعاذاً شاميان.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، عقبة، والحبلي، والصّنابحي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن معاذ بن جبل) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: أخذ بيدى رسول الله ﷺ ) فيه إشارة إلى تمام المحبّة بينهما، وفي رواية "عمل اليوم والليلة" رقم -١٠٩ - : "أن رسول الله ﷺ أخذ بيده يوماً … "، ونحوه لأحمد، وفي رواية له: "قال: لقيني رسول الله ﷺ ، فقال: يامعاذ … " (فقال: إني لأحبك يا معاذ) وفي "عمل اليوم والليلة": "يا معاذ والله إني لأحبك".
وفيه مزيد تشريف منه ﷺ لمعاذ رضي الله تعالى عنه، وترغيب له فيما يريد أن يلقيه عليه من الذكر (فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله) وفي رواية لأحمد: "فقلت: يا رسول الله وأنا والله أحبّك"، وفي رواية له، وهي رواية "عمل اليوم والليلة": " فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك" (فقال رسول الله ﷺ : فلا تَدَعْ) أي فلا تترك، وهو مما هُجر ماضيه في الأكثر، استغناءً عنه بـ"تَرَكَ"، وقد ورد قليلاً، وقُرىء ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾.
أي إذا كنت تحبني، أو إذا أردت ثبات هذه المحبّة، حتى تؤتي ثمرتها، وهي كون المحب مع محبوبه في الجنة، فلا تترك أن تقول الخ.
وفي رواية لأحمد: "فإني أوصيك بكلمات تقولهنّ في كلّ صلاة … "، وفي "عمل اليوم والليلة": "أوصيك يا معاذ، لا تدعنّ في دبر كلّ صلاة أن تقول … " (أن تقول) في تأويل المصدر مفعول "تدع" (في كلّ صلاة) أي في آخرها قبل الخروج منها، وهذا هو الظاهر من هذه الرواية، وهو الذي مال إليه المصنف حيث أورده في جملة الدعوات التي يُدعَى بها في الصلاة قبل التحلل منها.
وقيل: يدعو بها بعد الخروج من الصلاة، لما تقدّم في رواية "عمل اليوم والليلة"، بلفظ: "في دبر كلّ صلاة"، وهي عند أحمد، وأبي داود أيضاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا تخالف بين الروايتين، إذ الدبر يطلق على المتصل بالشيء، كدبر الحيوان، فيكون المعنى في آخر الصلاة قبل الخروج منها، أو يحمل على الحالتين، فيدعو بها في الصلاة، قبل السلام، وبعده، لكن المعنى الأول هو الأشبه بظاهر الحديث. والله تعالى أعلم ..
(ربّ أعنّي) وفي "عمل اليوم والليلة": "اللَّهم أعني"، وهي التي في رواية أحمد،
стр. 9078
وأبي داود (على ذكرك) أي على إكثار ذكرك، والمداومة عليه.
قال الطيبي ﵀: هو قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ يعني الذي تقدّم في "باب فضل السجود" -١٦٩/ ١١٣٨ - حين سأله مرافقته ﷺ في الجنّة، فقال: "أعنّي على نفسك بكثرة السجود" حيث علّق المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود.
والمراد من الإعانة على ذكره شرحُ الصدر، وتيسيرُ الأمر، وإطلاقُ اللسان، وإليه يلمح قول الكليم ﵊: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ إلى قوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٢٥ - ٣٤].
(وشكرك) أي وأعني على إدامة شكرك.
والمراد به توالي النعم الْمُستَجلِبة لتوالي الشكر، وإنما طلب الإعانة عليه لأنه عَسِرٌ جدا إلا لمن وفقه الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] (وحسن عبادتك) أي وأعني على أن أُحْسِنَ عبادتك التي أمرتني بها.
والمراد التجردُ عما يَشْغَلُهُ عن الله تعالى، ويُلهيه عن ذكره، وعن عبادته، ليتفرّغ لمناجاته ، كما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: "وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة" (١)، وأخبر عن هذا المقام حينما فَسّر الإحسان بقوله: "أنا تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" (٢).
زاد في "عمل اليوم والليلة": "وأَوصَى بذلك معاذ الصّنَابحيَّ، وأوصى به الصّنابحي أبا عبد الرحمن، وأوصى به أبو عبد الرحمن عُقْبة بن مسلم". وهو عند أحمد، وأبي داود أيضاً. وسيأتي الكلام عليه.
ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات الثلاث كونها مشتملة على جميع خيرات الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 9079
أخرجه هنا -٦٠/ ١٣٠٣ - وفي "الكبرى" -٩٤/ ١٢٢٦ - عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن حَيْوَة بن شُريح، عن عُقبة بن مسلم، عن أبى عبد الرحمن الحُبُلي, عن الصنابحي، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" -١٠٩ - عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن حيوة به.
وأخرجه (د) -١٥٢٢ - (أحمد) ٥/ ٢٤٤، و٥/ ٢٤٧ (ابن خزيمة) ٧٥١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة:
قد تقدّم في رواية "عمل اليوم والليلة" من طريق عبد الله بن يزيد المقرىء زيادة "وأوصى بذلك معاذ الصُّنَابحيَّ … " الحديث.
وهذا هو النوع المسمى في فنّ "المصطلح" بـ"المُسَلْسَل"، وهو: ما تتابع رجال إسناده على صفة، أو حالة للرّواة تارةً، وللرواية تارةً أخرى.
وصفات الرجال إما أقوال، أو أفعال.
فالمسلسل بأحوال الرواة القولية، كحديث معاذ رضي الله تعالى عنه هذا، حيث تتابع الرواة بقولهم: "وأنا أحبك، فقل … "، فقد تسلسل ذلك حتى وصل إلينا من طريق بعض شيوخنا.
والمسلسل بأحوال الرواة الفعلية كمسلسل التشبيك باليد، وهو حديث أبي هريرة ﵁ "شبّك بيدي أبو القاسم ﷺ ، وقال: خلق الله الأرض يوم السبت … " الحديث، فقد تسلسل تشيبك كلّ واحد من رواته بيد من رواه عنه حتى وصل إلينا عن طريق بعض شيوخنا أيضاً.
وله أنواع كثيرة، وأفضله ما دلّ على الاتصال، ومن فوائده زيادة الضبط.
وتفاصيله مذكورة في "التدريب" وغيره من كتب المصطلح.
وقد أشار إليه الحافظ العراقي ﵀ في "ألفية المصطلح":
مُسَلْسَل الْحَدِيثِ مَا تَوَارَدَا … فِيهِ الرُّوَاة وَاحِداً فَوَاحِدَا
حَالاً لَهُمْ أَوْ وَصْفاً أَوْ وَصْفَ سَنَدْ … كَقَوْلِ كلِّهِمْ سَمِعْتُ فَاتَّحدْ
وَقَسْمَهُ إِلَى ثَمَانِ مُثلِ … وَقَلَّمَا يَسْلَمُ ضُعْفاً يَحْصُلِ
وَمِنْهُ ذُو نَقْصٍ بِقَطْعِ السلْسَلَهْ … كَأوَّلِيَّةٍ وَبَعْضٌ وَصَلَه
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في فوائده:
стр. 9080
منها: مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة.
ومنها: بيان فضل معاذ رضي الله تعالى عنه، حيث كان يحبه رسول الله ﷺ .
ومنها: أنه ينبغي لمن قيل له: أُحبّك أن يقول للقائل: وأنا أحبك، إذ بذلك تتقوّى المحبّة وتدوم.
ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يطلب من ربه العون على طاعته، فإنه لا حول، ولا قوّة له إلا به ، فالموفق من وفقه الله تعالى لطاعته، واستعمله في مرضاته. وفقنا الله تعالى لما يحبه، ويرضاه.
"ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً، إنك أنت الوهّاب"، "ربنا أتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦١ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ)
١٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةِ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو داود) سليمان بن مَعْبد بن كوسجان (١) المروزي السِّنْجِيّ (٢) النحوي، مولى إسحاق القراب، ثقة صاحب حديث رَحّال أديب [١١].
رَوَى عن عبد الرزاق، والنضر بن شُميل، وسليمان بن حرب، وغيرهم. وعنه
стр. 9081
مسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، وقال الخطيب: رحل في طلب العلم إلى العراق، والحجاز، واليمن، ومصر، وقدم بغداد، وذاكر الحُفّاظ بها. وقال الحازمي: كان أديباً شاعراً، وله تاريخ. وقال مسلمة: مروزي ثقة، ونقل الصريفيني عن ابن خراش توثيقه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٥٩) زاد غيره "في ذي الحجة".
انفرد به مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال صاحب "الزهرة": روى عنه مسلم تسعة أحاديث (١).
٢ - (سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي، أبو أيوب البصري، نزيل مكة وقاضيها، ثقة إمام حافظ [٩] تقدّم ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن سلمة) أبو سلمة البصري، ثقة عابد، تغير حفظه بآخره، من كبار [٨] تقدم ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (سعيد الْجُرَيري) هو ابن إياس، أبو مسعود البصري، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين (٢) [٥] تقدّم ٣٢/ ٦٧٢.
٥ - (أبو العلاء) بن الشِّخِّير هو: يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامري البصري، ثقة [٢] تقدّم ٣٢/ ٦٧٢.
٦ - (شدّاد بن أوس) بن ثابت الأنصاريّ، أبو يعلى الصحابي، ابن أخي حسّان بن ثابت ﵄، تقدّم ١٧٢/ ١١٤١. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن شدّاد بن أوس) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته) أي بعد التشهد. قاله القاري. وقال ابن حجر الهَيتمي: أي في آخرها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حجر والقاري رحمهما الله هو الذي يقتضيه صنيع المصنف ﵀ حيث أورده في جملة الدعوات التي يُدعى بها بعد التشهد، والصلاة على النبي ﷺ .
لكن لا يقتضيه لفظ الحديث، فإنه مطلق، ولذا قال الشوكاني ﵀: هذا الدعاء ورد مطلقاً في الصلاة، غير مقيد بمكان مخصوص انتهى.
стр. 9082
اللَّهم إلا أن يقال: إن أمر النبي ﷺ بالدعاء بعد التشهد يؤيد كونه فيه، وأن كان لا يستلزمه.
والحاصل أن محله لا يخلو أن يكون إما في حال السجود، وإما بعد التشهد، وإما فيهما، فحصلت المناسبة لذكره في هذا الموضع. والله تعالى أعلم.
وعند أحمد في رواية: "كان رسول الله ﷺ يعلّمنا كلمات ندعو بهنّ في صلاتنا، أو قال: في دبر صلاتنا".
(اللَّهمّ إني أسألك الثبات) وفي "الهنديّة" "الثبوت" (في الأمر) أي الدوام على جميع أمور الدين، ولزوم الاستقامة عليها.
وسؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية، لأن من ثبّته الله في أموره عُصم عن الوقوع في الموبقات، ولم يصدر منه أمر خلاف ما يرضاه الله تعالى. قاله في "النيل".
(والعزيمة على الرشد) "العزيمة": تكون بمعنى إرادة الفعل، وبمعنى الجدّ في طلبه، والمناسب هنا هو الثاني. قاله في "النيل" أيضاً.
وفي "المرعاة": "العزيمة": عَقدُ القلب على إمضاء الأمر، يقال: عَزَمَ الأمرَ، وعليه: عقد ضميره على فعله، وعزم الرجلُ: جدّ في الأمر.
و"الرشد" -بفتحتين، أو بضم، فسكون-: بمعنى الصلاح، والفلاح، والصواب، والاستقامة على طريق الحقّ. قيل: المراد لزوم الرشد ودوامه، وفي رواية الترمذي: "أسألك عزيمة الرشد" يعني الجدّ في أمر الرشد بحيث يُنجز كلّ ما هو رشد من أموره.
(وأسالك شكر نعمتك) أي التوفيق لشكر نعمتك (وحسن عبادتك) أي إيقاعها على الوجه الحسن المرضيّ عندك (وأسالك قلباً سليماً) أي من العقائد الفاسدة، والميل إلى الشهوات العاجلة ولذّاتها، وتتبع ذلك الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلى الجوارح، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب، والاتصال، ومرضه عبارة عن زوال أحدها.
وقيل: المراد سليماً من الغلّ والغش، والحقد، والإحن، وسائر الصفات الرديّه، والأحوال الدنيّة.
(ولساناً صادقاً) أي محفوظاً من الكذب، لا يبرز منه إلّا الحقّ المطابق للواقع (وأسألك من خير ما تعلم) قال الطيبي ﵀: "ما" موصولة، أو موصوفة، والعائد محذوف، و"من" يجوز أن تكون زائدة على مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيانية، والمُبَيَّن محذوف، أي أسألك شيئاً هو خير ما تعلم، أو تبعيضية، سأله إظهاراً لهضم
стр. 9083
النفس, وأنه لا يستحقّ إلا يسيراً من الخير انتهى (وأعوذ بك من شرّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم) أي لأجل ما تعلمه مني من الذنوب والتقصير في طاعتك. وفي رواية الترمذي "مما تعلم" أي من الذي تعلمه. وزاد الترمذي: "إنك أنت علام الغيوب".
وقالى العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في "تحفة الذاكرين" في شرح هذا الحديث: ما نصّه:
سأل النبيُّ ﷺ ربّه الثبات في الأمر، وهي صيغة عامّة، يندرج تحتها كلّ أمر من الأمور، وإذا وقع الثبات للإنسان في كلّ أموره أجراها على السداد والصواب، فلا يَخشى من عاقبتها، ولا تعود عليه بضرر.
وسأله عزيمة الرشد، وهي الجدّ في الأمر بحيث يُنجز كلّ ما هو رشد من أموره. و"الرشد": هو الصلاح، والفلاح، والصواب.
ثم سأله شكر نعمته، وحسن عبادته، لأن شكر النعمة يوجب مزيدها، واستمرارها على العبد، فلا تنزع منه، وحسن العبادة يوجب الفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
وسأله اللسان الصادق، لأن الصدق هو ملاك الخير كله.
وسأله سلامة القلب، لأن من كان كذلك يَسلَم عن الحقد، والغلّ، والخيانة، ونحو ذلك.
وسأله أن يُعيذه من شرّ ما يعلم سبحانه. وسأله من خير ما يعلم، لإحاطة علمه سبحانه بكلّ دقيقة وجليلة بما يعلمه البشر، وبما لا يعلمونه، فلا يبقى خير ولا شرّ إلا وهو داخل في ذلك.
واستغفره مما يعلمه سبحانه، لأنه يعلم بكلّ ذنب، مما يعلمه العبد، ومما لا يعلمه، وما أوقع تتميم هذا الدعاء بهذه الجملة الواقعة موقع التأكيد لما قبلها، وهي قوله: "إنك أنت علّام الغيوب" انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه حسن.
(اعلم): أن هذا الحديث، وإن كان رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، سقط من إسناده رجل من بني حنظلة بين العلاء وبين شداد بن أوس، فقد أخرجه أحمد ٤/ ٥٤
و
стр. 9084
الترمذيّ -٣٤٠٧ - في الدعوات، والطبراني -٧١٧٥، و٧١٧٦، و٧١٧٧ - من طرق عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن الحنظلي، أو عن رجل من بني حنظلة، عن شدّاد بن أوس، وأخرجه الطبراني -٧١٧٨ - وقال: عن رجل من بني مجاشع.
والحنظلي لا يعرف.
وأخرجه ابن حبّان برقم -٩٣٥، والطبراني -٧١٥٧ - من طريق هشام بن عمّار، عن سُويد بن عبد العزيز، عن الأوزاعيّ، عن حسّان بن عطية، عن مسلم بن مشكم، عن شدّاد.
وسويد بن عبد العزيز ضعيف، وباقي رجاله ثقات.
وأخرجه أحمد ٤/ ١٢٣ - من طريق روح، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٧١، والخرائطي في "فضيلة الشكر" ص ٣٤ من طريق عيسى بن يونس، كلاهما عن الأوزاعيّ، عن حسّان ابن عطيّة، قال: كان شدّاد بن أوس … ورجاله ثقات، إلا أن حسّان بن عطيّة لم يُدرك شدّاداً.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٠٨ - من طريق عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، عن عكرمة بن عمّار، سمعت شدّاداً أبا عمّار يحدّث عن شدّاد بن أوس. وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وفي عكرمة بن عمّار كلام يحطّه عن رتبة الصحيح إلى الحسن.
وأخرجه الطبراني -٧١٣٥ - من طريق جعفر بن محمد الفريابي، وسليمان بن أيوب ابن حذلم الدمشقي، قالا: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، حدّثني محمد بن يزيد الرحبيّ الدمشقيّ، عن أبي الأشعث الصنعاني -شراحيل ابن آدة- عن شدّاد بن أوس، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا شدّاد إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة، فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهمّ إني أسألك الثبات في الأمر … ". وهذا سند حسن، رجاله ثقات، غير محمد بن يزيد، فقد أورده ابن أبي حاتم ٨/ ١٢٧، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وروى عنه جمع، فمثله يكون حسن الحديث (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فهذه الطرق يشدّ بعضها بعضاً، فيتقوّى الحديث بها، فيكون حسناً، بل لا يبعد أن يكون صحيحاً لغيره، كما صححه ابن حبّان، والحاكم، كما مرّ.
стр. 9085
والحاصل أن هذا الحديث لا ينزل عن درجة الحسن لما ذكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٦١/ ١٣٠٤ - وفي "الكبرى" -٩٥ - ١٢٢٧ بالسند المذكور. وتقدم تخريجه فى المسألة السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٢ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٣٠٥ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ!، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ -هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ- فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ؟ ثُمَّ جَاءَ، فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: "اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حمّاد) بن زيد بن درهم الحافظ الثبت الحجة [٨] تقدم ٣/ ٣.
٣ - (عطاء بن السائب) الثقفي الكوفى، صدوق اختلط، لكن رواية حماد بن زيد عنه قبل الاختلاط [٥] تقدم ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (أبوه) السائب بن مالك، ويقال: ابن يزيد، ويقال: ابن زيد، أبو يحيى، ويقال: أبو كثير الكوفي، والد عطاء ثقة [٢].
стр. 9086
رَوَى عن سعد، وعليّ، وعمّار، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم. وعنه ابنه عطاء، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو البَخْتَريّ.
قال ابن معين: ثقة. وقالى العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وجزم بأنه ابن زيد، ورجّح بأن كنيته أبو عطاء. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": إن السائب والد عطاء ليست له صحبة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث.
٥ - (عمّار بن ياسر) بن عامر بن مالك العَنْسيّ، أبو الْيَقْظَان، مولى بني مخزوم الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم ١٩٥/ ٣١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم موثقون، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن السائب بن مالك ﵀ أنه (فال: صلّى بنا) أي صار إماماً لنا في صلاة (عمار بن ياسر) ﵄ (صلاةً، فأوجز فيها) وفي الرواية التالية: "فأخفها"، أي صلّى صلاةً خفيفة (فقال له بعض القوم: لقد خففت، أو أوجزت الصلاة) شكّ من الراوي، وفي الرواية التالية: "فكأنهم أنكروها، فقال: ألم أتمّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى … ". وفي رواية لأحمد عن أسود بن عامر، عن شريك: "صلّى عمّار صلاةً فجَوَّز فيها, فسُئل, أو فقيل له، فقال: ما خَرَمتُ من صلاة رسول الله ﷺ ".
(فقال) أي عمّار ﵁ (أمّا) بتشديد الميم (على ذلك فقد دعوت فيها) أي أمّا مع التخفيف والإيجاز، فقد دعوت الخ، أو أمّا على تقدير اعتراضكم بالتخفيف، فأقول: قد دعوت الخ.
والظاهر أن "أمّا" هذه لمجرد التأكيد، وليس لها عديل في الكلام، كـ "أما" الواقعة في أوائل الخطب في الكتب بعد ذكر الحمد والصلاة والسلام على النبي ﷺ من قولهم: "أمّا بعد فكذا وكذا". أفاده السندي رحمه الله تعالى.
(بدعوات سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ) وفي "الهنديّة" "دعوات" بإسقاط الباء. وجملة "سمعتهن" في محلّ جرّ صفة لـ "دعوات".
قال السنديّ رحمه الله تعالى: وجمع الدعوات باعتبار أنّ كلّ كلمة دَعْوة -بفتح الدّال- أي مرّةٌ من الدعاء، فإن الدَّعْوَةَ للمرّة، كالْجَلْسة انتهى.
стр. 9087
وفي الرواية التالية: "قال: أمّا إني دعوت فيها بدعاء، كان النبي ﷺ يدعو به … ".
والظاهر أنه سمع رسول الله ﷺ يدعو به في الصلاة، فلذا دعا به فى الصلاة، وبهذا يتجه إيراد المصنف ﵀ الحديثَ في جملة أنوع الدعوات التي يُدْعَى بها في الصلاة بعد التشهد. والله تعالى أعلم.
(فلمّا قام) أي قام عمّار ﵁ عن ذلك المجلس (تبعه رجل من القوم) أي ليسأله عن تلك الدعوات. قال عطاء بن السائب (هو أبي) مبتدأ وخبره، أي الرجل الذي قام ليسأل عمّاراً عن تلك الدعوات هو السائب والد عطاء (كير أنه كَنى عن نفسه) بتخفيف النون، ويجوز تشديدها، أي لم يُصرّح باسمه، بل قال: "تبعه رجل من القوم" (فسأله عن الدعاء) أي سأل الرجل عمّاراً عن ذلك الدعاء؟ (ثم جاء) معطوف على مقدّر، أي فأخبره به عمّار، ثم جاء (فأخبر به القوم) أي الذين كانوا مع عمّار ﵁ حين ذَكَرَ أنه سمع رسول الله ﷺ يدعو بتلك الدعوات.
(اللَّهمّ بعلمك الغيب) هذه الجملة مستأنفة، وقعت جواباً لسؤال مقدر، فكأنه قيل: ما هو الدعاء الذي أخبر به القوم، فقال: "اللَّهم بعلمك الخ". والجارّ والمجرور متعلّق بمقدر، أي أسأَلُكَ بعلمك الخ.
وقال المناوي رحمه الله تعالى: الباء للاستعطاف، والتذلّل، أي أنشدك بحقّ علمك ما خفي على خلقك، مما استأثرت به (١) (وقدرتك على الخلق) أي جميع المخلوقات، من إنس، وجنّ، وملك، وغيرهم (أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفّني أذا علمت الوفاة خيراً لي) عبر بـ "ما" في الحياة، لاتصافه بالحياة حالاً، وبـ"إذا" الشرطيّة في الوفاة لانعدامها حال الدعاء. أي إذا كانت الوفاة بهذا الوصف، فتوفني.
(اللَّهم وأسألك خشيتك) عطف على المقدر السابق، و"اللَّهم" معترضة، ذُكرت تأكيداً للأول (في الغيب والشهادة) أي في السرّ والعلانية، أو المشهد والمغيب، فإن خشية الله تعالى رأس كلّ خير. وفي نسخة "يعني في الغيب والشهادة" بزيادة "يعني".
(وأسالك كلمة الحقّ) وفي نسخة "كلمة الْحِكَم"، وفي الرواية التالية: "وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب"، والمعنى متقارب، أي أسألك النطق بالحقّ (في الرضا والغضب) أي في حالتي رضا الخلق منّي، وغضبهم عليّ فيما أقوله، فلا أُداهن، ولا أُنافق، أو في حالتي رضاي وغضبي، بحيث لا تلجئني شدّة الغضب إلى النطق بخلاف الحقّ، ككثير من الناس إذا اشتدّ غضبهم أخرجهم من الحق إلى الباطل، وذلك من
стр. 9088
أخلاق أهل النفاق، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: "أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر". فالفجور عند المخاصمة هو الميل عن الحق، والتكلم بالباطل. والله تعالى أعلم.
(وأسألك القصد) أي التوسّط (في الفقر والغنى) أي في حال قلّة المال، وكثرته، ومعنى التوسط فيه: أن لا يكون فيه إسراف، ولا تقتير، فإن الغنَى يبسط اليد ويطغي النفس، ويحمل على التبذير الذي نهى الله عنه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الشورى: ٢٧].
والفقر يحمل على التسخط بقضاء الله تعالى، وربّما يحمل على فعل الحرام، كالغصب، والسرقة، وغير ذلك، فالمطلوب من العبد أن يتوسط في الحالتين، فلا يتجاوز الحد فيهما.
(وأسألك نعيماً لا ينفد) وفي نسخة: "لا يَبيد" وهو بفتح الموحّدة، من باد يَبيد، كباع يبيع: إذا ذهب، وانقطع، أي أسألك نعيماً لا ينقطع، ولا يَفنَى، وليس ذلك إلّا نعيم الآخرة، فكأنه سأل الله تعالى الجنّة.
(وأسألك قُرّةَ عين) اختُلف فى معناها: فقال بعضهم: بَرَدَتْ وانقطع بُكاؤها، واستحرارها بالدمع، فإن للسرور دَمعَةً باردةً، وللحُزْن دمعةً حارّةً، وقيل: هو من القَرَار، أي رأت ما كانت مُتَشَوِّفَةً إليه، فقَرَّت ونامت، وقيل: أعطاه حتى تَقَرَّ عينه، فلا تطمح إلى من فوقه. وقيل: أقرّ اللهُ عينَهُ: أنام الله عينَهُ، والمعنى صادف سُرُوراً يُذهبُ سهَرَه، فينام (١).
ثم إنه يحتمل أن يكون المراد أن تقرّ عينه بتلذذه بطاعة مولاه ، ودوام ذكره، وكمال محبّته، والأنس به، كما في الحديث الصحيح: "وجعلت قرّة عيني في الصلاة".
ويحتمل أن يكون المراد أن تقَرَّ عينه بأولاده وذرّيته حيث يراهم مطيعين لله .
(لا تنقطع) بل تستمرّ حتى تتصل بنعيم الجنّة، وأعلاها النظر إلى وجهه الكريم، كما
стр. 9089
يأتي قريباً.
(وأسألك الرضا بعد القضاء) أي بما قدّرته عليّ في سابق علمك، حتى أتلقّاه بوجه منبسط، وقلب منشرح، وأعلَمَ أن كلّ قضاء قضيته عليّ، فهو نافذ، لا مَحالة, فأتأدب مع قضائك، ولا أقلق، ولا أتسخط (وأسألك برد العيش بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء، ودرجات المقرّبين، وفَسْح القبر، وجعله روضةً من رياض الجنّة.
وفيه إشارة إلى أن العيش في هذه الدار لا يبرُد لأحد، بل هو مشوب بالنكد، والكدر، وممزوج بالآلام الباطنة، والأسقام الظاهرة.
(وأسألك لَذَّةَ المْظر إلى وجهك) أي الفوز بمشاهدة وجهك الكريم.
وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم, كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
وقد جاء تفسير "الحسنى" في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦] بالنظر إلى وجهه الكريم، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب ﵁، أنّ رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقال: "إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار نادى مناد: يا أْهل الجنّة إن لكم عند الله موعدّاً، يُريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يُثقّل موازيننا؟ ألم يبيّض وجوهنا، ويُدخدنا الجنّة، ويجيرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحبّ إليهم من النظر إليه، ولا أقرّ لأعينهم".
وأخرج ابن جرير بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث يوم القيامة منادياً يُنادي يا أهل الجنّة -بصوت يسمع أوّلهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحُسنى وزيادةً، فالحسنى الجنّة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ".
قال المناوي ﵀: قيد النظر باللذّة، لأن النظر إلى الله تعالى إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة، أو نظر لطف وجمال في الجنّة، إيذاناً بأن المسؤول هذا انتهى (١).
(والشوق إلى لقائك) قال المجد اللغوي ﵀: "الشوق": نزاع النفس، وحركة الْهَوَى، جمعه: أشواق، وقد شاقني حُبُّها: هاجني انتهى.
قال العلامة ابن القيّم ﵀: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا، وهو الشوق إلى لقائه، وأطيب ما في الآخرة، وهو النظر إليه.
ولمّا كان كلامه موقوفاً على عدم ما يضرّ في الدنيا، ويفتن في الآخرة قال (في غير
стр. 9090
ضرّاء مضرّة) أي في غير مشقّة مُؤلمة. فـ"الضرّاء" فَعْلاء من الضّرّ. قال الفيّومي: الضّرّ: الفاقة، والفقر، بضم الضاد اسم، وبفتحها مصدر، وضَرَّه يضُرُّه، من باب قتل: إذا فعل به مكروهاً، وأضرّ به يتعدّى بنفسه ثلاثياً، وبالباء رباعياً، قال الأزهريّ: كلّ ما كان سُوءَ حال، وفقر، وشدّة في بدن فهو ضُرٌّ بالضم، وما كان ضدّ النفع، فهو بفتحها، وفي التنزيل: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٣]. قال: و"الضرّاء": نقيض السّرّاء، ولهذا أطلقت على المشقّة انتهى.
قال الطيبي ﵀: متعلَّقُ الظرف مشكل، ولعله يتصل بالفقرة الأخيرة، وهى "الشوق إلى لقائك"، سأل شوقاً إليه في الدنيا بحيث يكون في ضرّاء غير مُضرّة، أي شوقاً لا يؤثّر في سلوكي، وإن ضرّني مضرّةً ما، قال [من الطويل]:
إِذَا قُلْتُ أَهْدَى الْهَجْرُ لِي حُلَلَ الْبَلَا … تَقُولِينَ لَوْلَا الهَجْرُ لَمْ يَطِبِ الْحُبُّ
وَإِنْ قُلْتُ كَرْبِي دَائِمٌ قُلْتِ إِنَّمَا … يُعَدُّ مُحِبّاً مَنْ يَدُومُ لَهُ الكَرْبُ
ويجوز اتصاله بقوله: "أحيني" إلخ، ومعنى "ضرّاء مضرّة" الضرّ الذي لا يُصبَرُ عليه.
وفي الرواية التالية: "وأعوذ بك من ضرّاء مُضرّة".
(ولا فتنة مُضلّة) أي موقعة في الحَيرة، مُفضية إلى الهلاك (اللَّهمّ زيّنّا بزينة الإيمان) هي زينة الباطن، إذ لا مُعوّل إلّا عليها، لأن الزينة زينتان، زينة البدن، وزينة القلب، وهي أعظمها قدراً، وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل وجه في العُقبى.
ولمّا كان كمال العبد في كونه عالمًا بالحقّ، متّبعًا له، معلمًا لغيره قال (واجعلنا هُدَاةً مُهتدين) وصف الهداة بالمهتدين، لأن الهادي إذا لم يكن مهتدياً في نفسه لم يصلح هادياً لغيره، لأنه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر.
وهذا الحديث أفرده بعضهم بالشرح، كما قال المناوي رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه
стр. 9091
هنا -٦٢/ ١٣٠٥ - وفي " الكبرى" - ٩٦/ ١٢٢٨ - بالسند المذكور. وفي ٦٢/ ١٣٠٦ - وفي "الكبرى" -٩٦/ ١٢٢٩ - بالسند الآتي. وأخرجه (أحمد) ٤/ ٢٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٠٦ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: صَلَّى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِالْقَوْمِ صَلَاةً، أَخَفَّهَا، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهَا، فَقَالَ: أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَمَّا إِنِّي دَعَوْتُ فِيهَا بِدُعَاءٍ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو بِهِ، "اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الإِخْلَاصِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَفِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) الزهري، أبو الفضل البغدادي، قاضي أصبهان، ثقة [١١] تقدم ١٧/ ٤٨٠.
٢ - (عمه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل من صغار [٩] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (شريك) بن عبد الله النخعي القاضي الكوفي، صدوق يخطىء كثيراً، وتغير حفظه منذ ولي القضاء [٨] تقدّم ٢٥/ ٢٩.
٤ - (أبو هاشم الواسطي) الرّمّاني يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن نافع، ثقة [٦] تقدّم ١٨٨/ ٢٩٦.
٥ - (أبو مجلَز) لاحق بن حُميد السدوسي البصري، ثقة من كبار [٣] تقدّم ١٨٨/ ٢٩٦.
٦ - (قيس بن عُبَاد) (١) الضُّبَعيّ (٢) أبو عبد الله البصريّ، ثقة مخضرم [٢] تقدم ٢٣/ ٨٠٨.
٧ - (عمار بن ياسر) ﵁ المذكور في السند الماضي.
стр. 9092
وشرح الحديث، ومتعلّقاته سبقت في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٣ - (بَابُ التَّعَوُّذِ فِي الصَّلَاةِ)
١٣٠٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: حَدِّثِينِي بِشَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهوية الإمام الثبت الحجة النيسابوري [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي الإمام الثبت الحجة [٦] تقدّم ٢/ ٢.
٤ - (هلال بن يساف) -بكسر التحتانية- وقد تفتح، ويقال: ابن إساف الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٩/ ٤٣.
٥ - (فَرْوة بن نوفل) الأشجعي الكوفي، ثقة [٣].
روى عن النبي ﷺ مرسلاً، وعن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وغيرهم. وعنه هلال بن يساف، وأبو إسحاق السبيعيّ، وشريك بن طارق، وغيرهم.
ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: قد قيل: إن له صحبة. وذكره أيضاً في الصحابة، وساق له من رواية عبد العزيز بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، قال: أتيت المدينة، فقال لي رسول الله ﷺ : "ما جاء بك؟ "، قلت: جئت لتعلّمني كلمات … الحديث، قال ابن حبّان: القلب يميل إلى أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، لأن عبد العزيز بن مسلم ربما وهم، فأفحش انتهى.
стр. 9093
وقد روى هذا الحديث أبو داود الحَفَريّ، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن فروة ابن نوفل، عن أبيه، وكذا أخرجه أصحاب السنن الثلاثة من طريق زُهير بن مُعاوية، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، وهو الصواب، واختلف فيه على أبي إسحاق اختلافاً كثيراً. وقال ابن عبد البرّ في الصحابة: حديثه مضطرب، وفروة بن نوفل الأشجعيّ من الخوارج، خرج على المغيرة بن شعبة في صدر خلافة معاوية، فبعث إليهم المغيرة، فقُتلوا سنة (٤٥) وليس لفروة بن نوفل صحبة، ولا رؤية، وإنّما يروي عن أبيه، وعائشة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن فروة بن نوفل له صحبة؟ فقال: ليست له صحبة، ولأبيه صحبة.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٥٥٢٥) و (٥٥٢٦) و (٥٥٢٧) و (٥٥٢٨).
٦ - (عائشة) رضي الله تعالى عنها، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن فَرْوة بن نوفل) الأشجعي رحمه الله تعالى، أنه (قال: قلت لعائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها (حدثيني بشيء كان رسول الله ﷺ يدعو به في صلاته) يعمّ كلّ أجزاء الصلاة، لكن خصّ بأدلة أخرى أن المراد مواضع الدعاء منها، كحال السجود، وبعد التشهد، والصلاة على النبي ﷺ .
وفي الرواية الآتية -٥٨/ ٥٥٢٣ - من رواية عبدة بن أبي لبابة، عن هلال بن يساف، أنه سأل عائشة ﵄ ما كان أكثر ما يدعو به رسول الله ﷺ قبل موته؟ قالت: كان أكثر ما كان يدعو به: "اللَّهم إني أعوذ بك … " (قالت) وفي نسخة: "فقالت" (نعم) كلمة معناها التصديقُ إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، والوعدُ إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم، ومنه هذا الحديث، فعائشة رضي الله تَعِدُه بأن تحدّثه بما سأل عنه، فـ"نعم" تُبقي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفي، بخلاف "بلى"، فإنها للإيجاب بعد النفي، وقد تقدم بسط الكلام عليهما في أكثر من موضع.
(كان رسول الله ﷺ يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من شرّ ما عملت) أي من شرّ ما
стр. 9094
اكتسبته مما يقتضي العقوبة في الدنيا والآخرة (ومن شرّ ما لم أعمل) أي أتحصّن بك من أن أعمل في المستقبل ما يتسبب في إيصال العقوبة إليّ.
واستعاذتُهُ ﷺ من هذا تعليم للأمة، ولبيان أنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وقيل: استعاذ من أن يصيبه شر عمل غيره، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية [الأنفال: ٢٥] (١).
وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "من شرّ ما عملت الخ": أي من شرّ ما فعلت، من السيّئات، وما تركت من الحسنات، أو من شرّ كلّ شيء مما يتعلّق به كسبي، أو لا. والله تعالى أعلم انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان, وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٣/ ١٣٠٧ - وفي "الكبرى" -٩٧/ ١٢٣٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل، عنها. وفي ٥٨/ ٥٥٢٥ - عن محمد بن قُدامة، عن جرير به. وفي -٥٨/ ٥٥٢٦ - عن هناد بن السريّ، عن أبي الأحوص، عن حُصين، عن هلال به. وفي ٥٩/ ٥٥٢٧ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حصين به. و٥٩/ ٥٥٢٨ - عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن حُصين به.
وفي -٥٨/ ٥٥٢٣ - عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن موسى بن شيبة، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن هلال بن يساف، أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ ما كان أكثر ما يدعو به رسول ﷺ قبل موته؟، فذكرته. وفي ٥٨/ ٥٥٢٤ - عن عمران بن بكّار، عن أبي المغيرة، عن الأوزاعيُّ به، بلفظ: "سُئلت عائشة ما كان أكثر ما يدعو به النبي ﷺ ؟ … ".
وأخرجه (م) ٨/ ٧٩، و٨٠ (د) ١٥٥٠ (ت) ٣٨٣٩ (وأحمد) ٦/ ٣١، و٦/ ١٠٠، و٦/ ٢١٣، و٦/ ٢٧٨، و٦/ ١٣٩، و٦/ ٢٥٧. (وعبد ابن حميد) ١٥٢٩. والله
стр. 9095
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٤ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٣٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً بَعْدُ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشار) بُندار أبو بكر العبدي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد) بن جعفر غُندر البصري، ثقة حافظ [٩] تقدّم ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصري [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أشعث) بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، ثقة [٦] تقدّم ٩٠/ ١١٢.
٥ - (أبوه) سُليم بن الأسود بن حنظلة، أبو الشعثاء المحاربي الكوفي، ثقة من كبار [٣] تقدّم ٩٠/ ١١٢.
٦ - (مسروق) بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي, ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] تقدم ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عائشة) ﵄ تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وأن شيخه أحد التسعة الذين اتفق بالرواية عنهم الأئمة الستة أصحاب الأصول دون واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعي، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂) أنها (قالت: سألت رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟) سيأتي للمصنف ﵀ ٢١/ ١٤٧٦ - سبب سؤال عائشة ﵂ عن ذلك من رواية عمرة عنها،
стр. 9096
قالت: سمعت عائشة تقول: جاءتني يهوديّة، تسألنى، فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فلمّا جاء رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله أيعذب الناس في القبور؟ فقال: "عائذاً بالله … " الحديث.
(فقال: نعم عذاب القبر حقّ) ظاهره أن هذا الجواب كان عقب سؤالها ﵂، لكن سيأتي أن جوابه ﷺ كان بعد أن أنكر ذلك على يهودية، ثمّ أوحي إليه، ففي الرواية الآتية في "كتاب الجنائز" ١١٥/ ٢٠٦٤ - من رواية عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: إنكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول الله ﷺ ، وقال: إنما تُفتن يهودُ، وقالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : "إنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور"، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ بعدُ يستعيذ من عذاب القبر.
وأخرج مسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: دخلت عليّ امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شَعَرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ ، وقال: "إنما يُفتَن يهود"، قالت عائشة، فلبثنا ليالي، ثمّ قال رسول الله ﷺ : "هل شَعَرت أنه أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور"، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يستعيذ من عذاب القبر.
وأخرج أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة ﵂: أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة لها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهوديّة: وقاك الله عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب؟، قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة، ثمّ مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق".
(قالت عائشة) ﵂ (فما رأيت رسول الله ﷺ يصلي صلاةً) وفي نسخة "صلى صلاة" (بعدُ) بالبناء على الضم، لأنه من الظروف التي تبنى على الضم لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد أن سألته عائشة ﵂ عن عذاب القبر؟، فأعلمه الله بالوحي أنه حقّ، وأجابها بذلك (إلا تعوّذ من عذاب القبر) هو ضرب من لم يُوفَّق للجواب عند السؤال بمقامع من حديد، وغيره من أنواع العذاب، كشدة الضغطة، ووحشة الوحدة، والمراد بالقبر البرزخ، والتعبير به للغالب، أو كلّ ما استقرّ فيه أجزاؤه فهو قبره.
وفيه إثبات عذاب القبر، والرّدّ على المنكر لذلك من المعتزلة، وسيأتي الكلام عليه
стр. 9097
مستوفًى في "كتاب الجنائز"، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ١٣٠٨ - وفي "الكبرى" -٩٨/ ١٢٣١ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (خ) في "الجنائز" ٣/ ١٢٣ و (م) في "الصلاة" جـ ٢ ص ٩٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية التعوذ فى الصلاة.
ومنها: إثبات عذاب القبر.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من خوفه من عذاب الله تعالى، مع أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «"للَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ، فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (أبوه) عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] تقدّم ٦٩/ ٨٥.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، من أثبت الناس في
стр. 9098
الزهري [٧] تقدّم ٦٩/ ٨٥.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام المدني الشهير الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (عروة بن الزبير) بن العوّام أبو عبد الله المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيّات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقاث، وأن النصف الأول منه حمصيون، والثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن الزهري)، (قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة) رضي الله تعالى عنها (أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة) هذا مطلق لا يخصّ محلاً من الصلاة، لكن يعين أنه بعد التشهّد ما أخرجه أحمد -٦/ ٢٠٠ - وصححه ابن خزيمة -واللفظ له- من رواية ابن جُريج، أخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه، أنه كان يقول بعد التشهد كلمات، يعظّمهنّ جدّاً، قلت: في المثنى كليهما؟، قال: بل في المثنّى الأخير بعد التشهّد،، قلت: ما هو؟، قال: "أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب جهنّم، وأعوذ بالله من شرّ المسيح الدّجّال، وأعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من فتنة المحيا والممات"، قال: كان يعظّمهنّ.
قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ .
ولمسلم من طريق محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إذا تشهّد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم … " الحديث، هذه رواية وكيع عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عنه، ورواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي،، بلفظ: "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع … " فذكره.
فهذا -كما قال في "الفتح" (١) - فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهّد، فيكون سابقاً على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيّر من الدعاء ما
стр. 9099
شاء يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام.
(اللَّهمّ إني أعوذ بك من عذاب القبر) تقدّم الكلام فيه في الذي قبله (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال) قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار. قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره انتهى. وتطلق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك.
والمسيح -بفتح الميم، ومحفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة- يطلق على الدجّال، وعلى عيسى ابن مريم ﵇, ولكن إذا أريد الدجّال قُيّد له.
وقال أبو داود في "السنن": المسيح مثقّل الدجّال، ومخفف عيسى، والمشهور الأول. وأما ما نقل الفربري في رواية المستملي وحده عنه، عن خلف بن عامر، وهو الهمداني أحد الحُفّاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجّال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث.
وقال الجوهريّ: من قال بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين. وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجّال، ونسب قائله إلى التصحيف.
واختلف في تلقيب الدجّال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحاً، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج.
وأما عيسى ﵇، فقيل: سُمّي بذلك لأنه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدهن، وقيل: لأن زكريّا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلّا برىء, وقيل: لأنه كان يمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ما شيخا، فعرب المسيح، وقيل: المسيح الصدّيق. وذكر صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً، أوردها في "شرح المشارق" (١).
و"الدّجّال": الخَدّاع الكَذّاب. فَعّال، من الدَّجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كلّ مفسد مضلّ.
والمراد بفتنة المسيح الدجّال هي ما يظهر على يديه من الخوارق للعادة التي يضلّ بها من ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر
стр. 9100
الزمان، وما يظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا الله تعالى من شر فتنته، بمنّه وكرمه آمين.
(وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) "المحيا" بالقصر مَفْعَل من الحياة، كالممات من الموت، والمراد الحياة والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك محنة الدنيا وما بعدها، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبي.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: فتنة المحيا ما يَعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت.
وفتنة الممات يجوز أن يُراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن بها فتنة القبر، وقد صحّ -يعني في حديث أسماء الآتي في الجنائز- "إنكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريباً من فتنة الدجّال"، ولا يكون مع هذا الوجه متكرراً مع قوله: "عذاب القبر"، لأن العذاب مترتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب.
وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ، لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجّال داخلة تحت فتنة المحيا.
وأخرج الحكيم الترمذيّ في "نوادر الأصول" عن سفيان الثوريّ أن الميت إذا سئل "من ربّك" تراءى له الشيطان، فيشير إلى لنفسه إنّي أنا ربّك, فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل، ثمّ أخرج بسند جيّد إلى عمرو بن مرّة: "كانوا يستحبّون إذا وُضع الميت في القبر أن يقولوا: اللَّهمّ أعذه من الشيطان". قاله في "الفتح".
(اللَّهمّ إني أعوذ بك من المأثم) أي مما يأثم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وُضع موضع الاسم.
(والمَغْرَم) قال الجزري: هو مصدر وُضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغرم، وهو الدين، ويريد به ما استُدين فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز، ثمّ عجز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه، وهو قادر على أدائه، فلا يُستعاذ منه انتهى (١).
وقال الحافظ: المغرم الدين، يقال: غرم -بكسر الراء- أي ادَّانَ، قيل: المراد به ما
стр. 9101
يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به ما هو أعمّ من ذلك، وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين. وقال القرطبي: المغرم الغرم، وقد نبّه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم انتهى (١).
وقال السنديّ: بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى المعصية بسبب ما انتهى (٢).
(فقال له قائل) هي عائشة ﵂، كما بينته رواية المصنف -٩/ ٥٤٥٤ - من طريق معمر، عن الزهري، ولفظها: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يتعوّذ من المغرم والمأثم، قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟، قال: "إنه من غرم حدّث، فكذب، ووعد فأخلف".
(ما أكثر ما تستعيذ من المغرم) "ما" الأولى تعجبية، و"أكثر" -بفتح الراء- فعل تعجب، و"ما" الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعول فعل التعجّب. كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يحترز عنه أصحاب الكمال. قاله السندي رحمه الله تعالى.
(فقال: إن الرجل) المراد الجنس، وغالب حاله (إذا غرم) -بكسر الراء- أي لزمه دين، والمراد استدان، واتخذ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حدّث) -بتشديد الدّال- أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فكذب) لأنه إذا تقاضاه ربّ الدين، ولم يحضر ما يؤدي به دينه يكذب ليتخلص من يده، ويقول: لي مال غائب إذا حضر أؤدي دينك (ووعد) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غداً، أو في المدّة الفلانية (فأخلف) في وعده.
وبما تقرّر عُلم أن "غرم" شرط، و"حدّث" جزاء، و"كذب" عطف على الجزاء مرتب عليه، و"وعد" عطف على "حدّث"، لا على "غرم"، و"أخلف" مرتب عليه.
وحاصل الجواب أن الدين يؤدي إلى خلل بالدين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة.
واستُشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
وأجيب بأجوبة:
(أحدها): أنه قصد التعليم لأمته.
(ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
стр. 9102
(ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف الله، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة، لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويرفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يدركه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين. وقيل على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يَخرُج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه … " الحديث. أفاده في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ١٣٠٩ - وفي "الكبرى" - ٩٨/ ١٢٣٢ - عن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عنها. وفي -٩/ ٥٤٥٤ - عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان، عن سلمة بن سعيد بن عطيّة، وكان خير أهل زمانه، عن معمر، عن الزهريّ به. وفي -٢٢/ ٥٤٧٢ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن بقيّة، عن سليمان سُليم الحمصيّ، عن الزهريّ به.
وأخرجه (خ -١/ ٢١١ - ، و٣/ ١٥٤، و٩/ ٧٥ (م) - ٢/ ٩٢، و٢/ ٩٣ (د) رقم ٨٨٠ (ابن خزيمة) ٨٥٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة.
ومنها: إثبات عذاب القبر، خلافاً لمن نفاه من المعتزلة، والتعوذ منه.
ومنها: التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه.
ومنها: تعظيم شأن الدين، وأنه سبب للوقوع في الإثم.
ومنها: تحريم الكذب، وخلف الوعد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 9103
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣١٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْمُعَافَى (١)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ح وَأَنْبَأَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ (٣) مِنْ أَرْبَعٍ، مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلىّ) أبو جعفر، الْمُخَرِّمي، نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٠/ ١٢٢٠.
٢ - (عليّ بن خشرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٨/ ٨.
٣ - (المُعافى) بن عمران الأزديّ الفهمي، أبو مسعود الموصلىّ، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩] تقدّم ٣٦/ ١٢١٧.
٤ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو إسرائيل الكوفي، ثقة مأمون [٨] تقدّم ٨/ ٨.
٥ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الفقيه الحجة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٦ - (حسّان بن عطية) المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقة فقيه عابد [٤].
رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي عائشة، وغيرهم. وعنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قدريّا. وقال سعيد بن عبد العزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ، فقال: ما أغرّ سعيدًا بالله، ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل منه. وقال الجُوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقة. وقال الأوزاعيّ: كان حسّان يتنحّى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله حتى تغيب الشمس.
стр. 9104
وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطيّة عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٧ - (محمد بن أبي عائشة) المدني مولى بني أُميّة، سكن دمشق، خرج إليها مع بني أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن (١)، حجازيّ ليس به بأس [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلى مع النبي ﷺ ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وعنه حسّان بن عطيّة، وأبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال سألت أبي عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث انتهى.
قال الحافظ: وقع له -أي لابن أبي حاتم- وَهَمّ في ذكر الرواة عنه، وذلك أنه صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو انتهى.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة" حديثاً واحداً، والباقون إلا الترمذي، له عندهم حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: "ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلّون كما نصلي … " في الذكر عقب الصلاة. والله تعالى أعلم.
٨ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيّات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن فيه كتابة (ح) إشارة إلى الانتقال إلى سند آخر، وقد أشبعت الكلام عليها في مواضع كثيرة فيما مضى من هذا الشرح، فللمصنف رحمه الله تعالى في هذا الحديث سندان إلى الأوزاعي، أحدهما محمد بن عبد الله الموصلي، عن المعافى، عنه، والثاني علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عنه، وأن لفظ الحديث المذكور هنا هو لفظ عيسى بن يونس، وأما المعافى فرواه بمعناه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي، وفيه أبو هريرة أكثر من
стр. 9105
روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمد بن أبي عائشة) أنه (قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا تشهّد أحدكم) وفي رواية مسلم "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر … " ومعناه آخر الصلاة، فيشمل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة ﵂ المذكور قبله، حيث قالت: "كان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة … "، فبين في هذا الحديث أن التعوذ يكون بعد الأخير.
وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوذ أيضاً في التشهّد الأول.
قال النووي ﵀: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يستحبُّ في الأول، وهكذا الحكم، لأن الأوّل مبني على التخفيف انتهى.
(فليتعوّذ بالله) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاوس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب، وادعى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر.
قال العلامة الشوكاني ﵀: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث المسيء صلاته، لما عرّفناك في شرحه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه للوجوب هو الظاهر. والله تعالى أعلم.
(من أربع) أي من أربع خصال (من عذاب جهنم) الجارّ والمجرور بدل من الجاز والمجرور قبله بدل تفصيل من مجمل، وقدم التعوذ من عذاب جهنم لكونه أشدّ وأبقى (وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ومن شرّ المسح الدجّال) قيل: أخره لأنه إنما يقع في آخر الزمان قربَ الساعة.
قال القاري: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيماناً، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه انتهى.
(ثمّ يدعو لنفسه بما بداله) هذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب، حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.