يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به ما هو أعمّ من ذلك، وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين. وقال القرطبي: المغرم الغرم، وقد نبّه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم انتهى (١).
وقال السنديّ: بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى المعصية بسبب ما انتهى (٢).
(فقال له قائل) هي عائشة ﵂، كما بينته رواية المصنف -٩/ ٥٤٥٤ - من طريق معمر، عن الزهري، ولفظها: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يتعوّذ من المغرم والمأثم، قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟، قال: "إنه من غرم حدّث، فكذب، ووعد فأخلف".
(ما أكثر ما تستعيذ من المغرم) "ما" الأولى تعجبية، و"أكثر" -بفتح الراء- فعل تعجب، و"ما" الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعول فعل التعجّب. كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يحترز عنه أصحاب الكمال. قاله السندي رحمه الله تعالى.
(فقال: إن الرجل) المراد الجنس، وغالب حاله (إذا غرم) -بكسر الراء- أي لزمه دين، والمراد استدان، واتخذ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حدّث) -بتشديد الدّال- أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فكذب) لأنه إذا تقاضاه ربّ الدين، ولم يحضر ما يؤدي به دينه يكذب ليتخلص من يده، ويقول: لي مال غائب إذا حضر أؤدي دينك (ووعد) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غداً، أو في المدّة الفلانية (فأخلف) في وعده.
وبما تقرّر عُلم أن "غرم" شرط، و"حدّث" جزاء، و"كذب" عطف على الجزاء مرتب عليه، و"وعد" عطف على "حدّث"، لا على "غرم"، و"أخلف" مرتب عليه.
وحاصل الجواب أن الدين يؤدي إلى خلل بالدين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة.
واستُشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
وأجيب بأجوبة:
(أحدها): أنه قصد التعليم لأمته.
(ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي.
стр. 9102
(ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف الله، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة، لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويرفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يدركه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين. وقيل على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يَخرُج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه … " الحديث. أفاده في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ١٣٠٩ - وفي "الكبرى" - ٩٨/ ١٢٣٢ - عن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عنها. وفي -٩/ ٥٤٥٤ - عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان، عن سلمة بن سعيد بن عطيّة، وكان خير أهل زمانه، عن معمر، عن الزهريّ به. وفي -٢٢/ ٥٤٧٢ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن بقيّة، عن سليمان سُليم الحمصيّ، عن الزهريّ به.
وأخرجه (خ -١/ ٢١١ - ، و٣/ ١٥٤، و٩/ ٧٥ (م) - ٢/ ٩٢، و٢/ ٩٣ (د) رقم ٨٨٠ (ابن خزيمة) ٨٥٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة.
ومنها: إثبات عذاب القبر، خلافاً لمن نفاه من المعتزلة، والتعوذ منه.
ومنها: التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه.
ومنها: تعظيم شأن الدين، وأنه سبب للوقوع في الإثم.
ومنها: تحريم الكذب، وخلف الوعد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 9103
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣١٠ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْمُعَافَى (١)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ ح وَأَنْبَأَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ (٣) مِنْ أَرْبَعٍ، مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلىّ) أبو جعفر، الْمُخَرِّمي، نزيل الموصل، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٠/ ١٢٢٠.
٢ - (عليّ بن خشرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٨/ ٨.
٣ - (المُعافى) بن عمران الأزديّ الفهمي، أبو مسعود الموصلىّ، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩] تقدّم ٣٦/ ١٢١٧.
٤ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو إسرائيل الكوفي، ثقة مأمون [٨] تقدّم ٨/ ٨.
٥ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الفقيه الحجة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٦ - (حسّان بن عطية) المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقة فقيه عابد [٤].
رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي عائشة، وغيرهم. وعنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قدريّا. وقال سعيد بن عبد العزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ، فقال: ما أغرّ سعيدًا بالله، ما أدركت أحدًا أشدّ اجتهادًا، ولا أعمل منه. وقال الجُوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقة. وقال الأوزاعيّ: كان حسّان يتنحّى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله حتى تغيب الشمس.
стр. 9104
وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطيّة عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٧ - (محمد بن أبي عائشة) المدني مولى بني أُميّة، سكن دمشق، خرج إليها مع بني أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن (١)، حجازيّ ليس به بأس [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلى مع النبي ﷺ ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وعنه حسّان بن عطيّة، وأبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال سألت أبي عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قليل الحديث انتهى.
قال الحافظ: وقع له -أي لابن أبي حاتم- وَهَمّ في ذكر الرواة عنه، وذلك أنه صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو انتهى.
أخرج له البخاري في "جزء القراءة" حديثاً واحداً، والباقون إلا الترمذي، له عندهم حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: "ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلّون كما نصلي … " في الذكر عقب الصلاة. والله تعالى أعلم.
٨ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيّات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأن فيه كتابة (ح) إشارة إلى الانتقال إلى سند آخر، وقد أشبعت الكلام عليها في مواضع كثيرة فيما مضى من هذا الشرح، فللمصنف رحمه الله تعالى في هذا الحديث سندان إلى الأوزاعي، أحدهما محمد بن عبد الله الموصلي، عن المعافى، عنه، والثاني علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عنه، وأن لفظ الحديث المذكور هنا هو لفظ عيسى بن يونس، وأما المعافى فرواه بمعناه، وفيه رواية تابعيّ عن تابعي، وفيه أبو هريرة أكثر من
стр. 9105
روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمد بن أبي عائشة) أنه (قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا تشهّد أحدكم) وفي رواية مسلم "إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر … " ومعناه آخر الصلاة، فيشمل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة ﵂ المذكور قبله، حيث قالت: "كان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة … "، فبين في هذا الحديث أن التعوذ يكون بعد الأخير.
وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوذ أيضاً في التشهّد الأول.
قال النووي ﵀: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يستحبُّ في الأول، وهكذا الحكم، لأن الأوّل مبني على التخفيف انتهى.
(فليتعوّذ بالله) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاوس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب، وادعى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر.
قال العلامة الشوكاني ﵀: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث المسيء صلاته، لما عرّفناك في شرحه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه للوجوب هو الظاهر. والله تعالى أعلم.
(من أربع) أي من أربع خصال (من عذاب جهنم) الجارّ والمجرور بدل من الجاز والمجرور قبله بدل تفصيل من مجمل، وقدم التعوذ من عذاب جهنم لكونه أشدّ وأبقى (وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ومن شرّ المسح الدجّال) قيل: أخره لأنه إنما يقع في آخر الزمان قربَ الساعة.
قال القاري: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيماناً، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه انتهى.
(ثمّ يدعو لنفسه بما بداله) هذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب، حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
стр. 9106
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٤/ ١٣١٠ - وفي "الكبرى" -٩٨/ ١٢٣٣ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (م) -٢/ ٩٣ - (د) رقم -٩٨٣ - (ق) ٩٠٩ - (أحمد) ٢/ ٢٣٦، و٢/ ٤٧٧، (الدارمي) -١٣٥٠ - ، و١٣٥١ - (ابن خزيمة) ٧٢١. والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٥ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ)
١٣١١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: "أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصري الإمام الحجة الثبت [٩] تقدم ٤/ ٤.
[تنبيه]: كون يحيى المذكور في السند هو القطانَ هو ظاهر عمل الحافظ أبي الحجّاج المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" جـ ٢ ص ٢٧٨، فإنه بعدما ذكر حديثاً رواه عمرو بن علي، ومحمد بن المثنّى، ويعقوب بن إبراهيم، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد … ذكر حديث الباب، فقال: س في الصلاة عن عمرو بن علي، عن يحيى به اهـ. فظاهره أنه يحيى بن سعيد المتقدّم.
فإن قلت: روى الحافظ أبو محمد الدارمي رحمه الله تعالى في "سننه" جـ ١ ص ٨٠ رقم -٢٠٦ - هذا الحديث عن محمد بن أحمد بن خلف، عن يحيى بن سُليم، عن جعفر بن محمد … فيحتمل أن يكون يحيى في سند المصنف هو ابن سليم.
قلت: الظاهر أن يحيى في سند المصنف هو القطان، كما أفاده صنيع الحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى الذي أشرت إليه آنفاً، فقد أخرج الحديث أحمد في "مسنده" جـ ٣
стр. 9107
ص ٣١٩ - عن يحيى، ولم ينسبه، فالظاهر أنه القطان، لأن أحمد كان كثير الرواية عن يحيى القطان، وأما ابن سليم فكان أحمد يتكلم فيه، ويضعفه، ولم يرو عنه إلّا حديثاً واحداً.
لكن لا يُدفع أن يكون هو ابن سليم، لأنه في طبقته. والله تعالى أعلم.
ويحيى بن سُليم هو القرشي الطائفي، نزيل مكة، صدوق سيء الحفظ [٩] تقدم ٧١/ ٨٧. والله تعالى أعلم.
٣ - (جعفر بن محمد) الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ، المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام [٦] تقدّم ١٢٣/ ١٨٢.
٤ - (أبوه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر المدني، المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤] تقدّم ١٢٣/ ١٨٢.
٥ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدّم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة، وفيه جابر رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ كان يقول فى صلاته بعد التشهّد) فيه استحباب هذ الذكر في الصلاة بعد التشهد، وقبل السلام، على ما هو رأي المصنف رحمه الله تعالى حيث أورده هنا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يظهر لي أنّ المراد بالصلاة والتشهد ليس الصلاةَ المعهودة، ولا التشهدَ المعروف، وهو "التحيّات لله الخ"، وإنما المراد الخطبة، كما سيأتي الكلام عليه قريباً.
(أحسن الكلام كلام الله) فيه مدح كلام الله تعالى، والمراد كتاب الله ، كما بينته الرواية الآتية في "كتاب الجمعة": "إن أصدق الحديث كتاب الله … "، وفي رواية أحمد: "إن أحسن الحديث كتاب الله " … الحديث.
وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]
стр. 9108
فكلام الله تعالى أحسن من كلام غيره من المخلوقين، فقد أخرج الترمذي، وحسّنه، مرفوعاً "وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقة".
فكتاب الله تعالى هو الجامع لجميع أصناف المعلومات، وهو المحتوي على جميع حقائق التشريعات، ففيه نبأُ مَن قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلُقُ على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجنّ: ١]، من عَلِمَ علمَهُ سَبَق، ومن قال به صَدَق، ومن حَكَمَ به عَدَل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم (١).
(وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ) قال القرطبيّ: بضم الهاء، وفتح الدّال فيهما، وبفتح الهاء، وسكون الدال فيهما، وهما من أصل واحد، والهُدَى بالضم: الدلالةُ والإرشاد، والهَدْيُ بالفتح: الطريقُ، يقال: فلان حَسَنُ الهَدْي: أي المذهب في الأمور كلها، أو السيرة انتهى.
والمعنى أن أحسن السيرة، وأجمل الهيئة، وأكمل الطريقة هو ما كان عليه النبي ﷺ ، وكل هدي غيره فهو ضلال، وإن كان متسماً ظاهراً بصفة العبادة، ولذا لما رأى صلى الله عليه من بعض أصحابه تعمّقاً في العبادة أنكر عليهم ذلك.
ففي "صحيح البخاري" من حديث أنس ﵁: جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلمّا أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالُوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، قال: أحدهم: أمّا أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوّج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أَمَا والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقُدُ، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني" (٢).
وفيه أيضاً من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم من الأعمال
стр. 9109
أمرهم بما يُطيقون، قالوا: لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، فيغضبُ، حتى يعرف الغضب في وجهه، ثمّ يقول: "إن أتقاكم، وأعلمكم بالله أنا" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٥/ ١٣١١ - وفي "الكبرى" -٩٩/ ١٢٣٤ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن جعفر الصادق، عن أبيه، عنه، مختصراً. وفي ٢٢/ ١٥٧٨ - عن عتبة بن عبد الله، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوريّ، عن جعفر به، مطولاً.
وأخرجه (م) ٣/ ١١ مطولاً (د) رقم ٢٩٥٤ - (ق) ٢٤١٦ - (أحمد) ٣/ ٣١٠، و٣/ ٣١٩، و٣/ ٣٣٧، و٣/ ٣٧١ (ابن خزيمة) - ١٧٨٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: هذا الحديث أورده المصنف رحمه الله تعالى هنا مستدلاً على مشروعية هذا الذكر في الصلاة بعد التشهد، وهذا يدلّ على أنه يرى أن المراد بالصلاة في قوله: "في صلاته بعد التشهد" الصلاة المعهودة، والتشهد هو قوله: "التحيّات لله الخ".
لكن الذي يظهر لي أن المراد بالصلاة الخطبةُ، بدليل أن هذا الحديث مختصر من حديث جابر رضي الله تعالى عنه الآتي للمصنف في "كتاب الجمعة" رقم ٢٢/ ١٥٧٨ من طريق سفيان الثوري، عن جعفر، بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته … وفيه "إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ … الحديث.
وأصرح منه ما عند أحمد ﵀، فقد رَوَى الحديثَ عن يحيى شيخ المصنف بسنده … ولفظُهُ: أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته بعد التشهّد: "إن أحسن الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد … " الحديث.
فدلّ على أن المراد ليس تشهد الصلاة، وإنما هو تشهد الخطبة، وسماها صلاةً لأنها من مقدماتها، فخطبة الجمعة كجزء من صلاتها، ولذلك جعلها الجمهور من شرط صحتها، كما سيأتي الكلام عليه في محله، إن شاء الله تعالى.
стр. 9110
والحاصل أن استدلال المصنف ﵀ بهذا الحديث على مشروعية هذا الذكر عقب تشهد الصلاة محل نظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٦ - (بَابُ تَطْفِيفِ الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التطفيف" مصدر طَفَّفَ، يقال: طَفَّفه، فهو مُطَفِّفٌ: إذا كال، أو وزن، ولم يوف.
والمراد به هنا نقص إتمام الركوع والسجود في الصلاة. والله أعلم بالصواب.
١٣١٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ (٢)، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي، فَطَفَّفَ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مِتَّ، وَأَنْتَ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ فِطْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفِّفُ، وَيُتِمُّ وَيُحْسِنُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهَاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٢ - (يحيى بن آدم) أبو زكريّا الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١.
٣ - (مالك بن مِغْوَل) أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من كبار [٧] تقدم ٩٨/ ١٢٧.
٤ - (طلحة بن مُصرِّف) بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة قارىء فاضل [٥] تقدم ١٩١/ ٣٠٦.
٥ - (زيد بن وهب) الْجُهَني، أبو سليمان الكوفي، ثقة مخضرم جليل [٢] تقدم ٢٦/ ٣٠.
٦ - (حُذيفة) بن اليمان حليف الأنصار صحابي مشهور ابن صحابي ﵄، تقدم ٢/ ٢. والله تعالى أعلم.
стр. 9111
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حذيفة) رضى الله تعالى عنه (أنه رأى رجلاً) لم يعرف اسمه، وعند ابن خزيمة، وابن حبان، من طريق الثوري، عن الأعمش أنه كان عند أبواب كندة, ومثله لعبد الرزاق عن الثوريّ (يصلي) جملة في محلّ نصب صفة لـ"رجلاً" (فطفف) من التطفيف، وهو يطلق على النقص والزيادة (١) والمراد هنا الأول، ففي رواية البخاري: "رأى رجلاً لا يُتمّ الركوع والسجود"، وفي رواية عبد الرّزّاق "فجعل ينقُر، ولا يتم ركوعه" (فقال له حذيفة: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عاماً) وفي نسخة "سنة".
فإن قيل: هذا الكلام مشكل، لأن حذيفة ﵁ مات سنة ست وثلاثين، فعلى هذا يكون ابتداء صلاة الرجل قبل الهجرة بأربع سنين، أو أكثر، ولعلّ الصلاة لم تكن فُرضت بعدُ، فكيف يصح قوله: منذ أربعين سنة؟
أجيب: بأنه أطلق ذلك, وأراد المبالغة، وزاد في "الفتح": أو لعله ممن كان يصلي قبل إسلامه، ثم أسلم، فحصلت المدّة المذكورة من الأمرين انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله في "الفتح" بعيد، كما لا يخفى. والله تعالى أعلم.
(قال: ما صليت منذ أربعين سنة) هو نظير قوله ﷺ للمسيء صلاته "فإنك لم تصل".
وقال التيمي في شرح البخاري: معنى "ما صليت" أي صلاة كاملة، وقيل: نَفَى الفعلَ عنه بما نُفِي عنه من التجويد، كقوله: "لا يزني الزاني، حين يزني وهو مؤمن"، نفى عنه الإيمان لمثل ذلك (ولو متّ) بضم الميم، وكسرها (وأنت تصلي هذه الصلاةَ) جملة في محلّ نصب على الحال (لمتّ على غير فطرة محمد ﷺ ) قال الحافظ ابن رجب ﵀: والمراد بـ "فطرة محمد" ﷺ ) شرعه ودينه انتهى.
واستُدلّ به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال بها مبطل للصلاة.
стр. 9112
وعلى تكفير تارك الصلاة، لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخلّ ببعض أركانها، فيكون نفيه عمن أخلّ بها كلها أولى.
وهذا بناء على أن المراد بالفطرة: الدين، وقد أطلق الكفر على من لم يصلّ، كما تقدم في بابه، وهو إما على حقيقته عند قوم، وإما على المبالغة في الزجر عند آخرين.
قال الخطابي: معنى "الفطرة": الملة، أو الدين، قال: ويحتمل أن يكون المراد بها هنا السنة، كما جاء "خمس من الفطرة" … الحديث، ويكون حذيفة قد أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل، ويرجحه وروده من وجه آخر بلفظ "سنة محمد".
قال التيمي: وسميت الصلاة فطرة لأنها أكبر عُرَى الإيمان.
وفيه أن الصحابي إذا قال: سنة محمد، أو فطرته كان حديثًا مرفوعاً، وقد خالف فيه قوم، والراجح الأوّل. قاله في "الفتح" (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: وأما المثل المضروب في هذا الحديث لمن لا يُتمّ ركوعه، ولا سجوده، ففي غاية الحسن، فإن الصلاة هي قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها بما اشتملت عليه من ذكر الله، ومناجاته وقربه، فمن أتمّ صلاته، فقد استوفى غذاء قلبه وروحه، فما دام على ذلك كملت قوّته، ودامت صحّته وعافيته، ومن لم يُتمّ صلاته، فلم يستوف قلبُهُ وروحُة قوتها وغذاءها، فجاع قلبه، وضعف، وربما مرض، أو مات، لفقد غذائه، كما يَمْرَض الجسد، ويَسقم، إذا لم يكمل بتناول غذائه وقوته الملائم له انتهى (٢).
(ثمّ قال) حذيفة رضي الله تعالى عنه (إن الرجل ليخفف) في صلاته بأن يخفف في القراءة مثلا (ويتم) ركوعها وسجودها، وسائر واجباتها (ويحسن) أداءها.
يعني أن التخفيف لا يتنافى مع الإتمام والإحسان في الصلاة.
والحاصل أن التخفيف ليس مذموماً مطلقاً، بل إنما يذم إذا كان مُخلاً ببعض أركان الصلاة، أو واجباتها، كما يأتي بيان ذلك في حديث الباب التالي، وأما إذا أتى بذلك، وأحسن فيه، ولكنه خفف فيما يطلب فيه التطويل، كالقراءة مثلاً، فلا يذمّ، وإن كان خلاف الأولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 9113
حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٦/ ١٣١٢ - وفي "الكبرى" -١٠٠/ ١٢٣٥ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١/ ١٠٨ و٢٠٠ و٢٠٦ (أحمد) ٥/ ٣٨٤ و٣٩٦. والله أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم التطفيف في الصلاة وهو النقص من ركوعها وسجوها ونحوهما.
ومنها: أن من لم يقم الصلاة بأركانها، وواجباتها كما ينبغي يسمى غير مصلّ.
ومنها: أن من أتم الصلاة بأركانها وواجباتها, فهو محسن، وإن خفف في بعض مستحباتها.
ومنها: أن الصحابي إذا قال: "سنة محمد ﷺ "، أو "فطرته" كان حديثاً مرفوعاً حكماً، هذا هو المذهب الراجح عند أهل العلم، وقد خالف في ذلك بعض العلماء.
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية المصطلح" مشيراً إلى هذا:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنّة" مِنْ صَحَابِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٧ - (بَابُ أَقَلِّ مَا يُجْزِىءُ مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ)
وفي النسخة "الهندية" "باب أقلّ ما تُجزىء به الصلاة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دلالة الحديث على الترجمة واضحة، فإنه ﷺ قال لمن لم يصلّ بالصفة المذكورة في هذا الحديث: "إنك لم تصلّ"، فدل على أن أقلّ ما يُجزىء ما كان بالصفة المذكورة في هذا الحديث، وأيضاً قال: "فإذا أتممت صلاتك على هذا فقد تمّت، وما انتقصت من هذا، فإنما تنتقصه من صلاتك". والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9114
١٣١٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَلِيٍّ -وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمٍّ لَهُ بَدْرِيٍّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُهُ، وَنَحْنُ لَا نَشْعُرُ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ، فَصَلَّى، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ جَهِدْتُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: "إِذَا قُمْتَ تُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَتَوَضَّأْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ، ثُمَّ ارْكَعْ، فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَاعِدًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ، ثُمَّ افْعَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصري الفقيه الحجة [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن عجلان) هو محمد المدني، صدوق [٥] تقدم ٣٦/ ٤٠.
٤ - (علي بن يحيى) بن خلّاد الزُّرَقيّ الأنصاري، ثقة [٤] تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
٥ - (أبو عليّ) هو يحيى بن خَلَّاد بن رافع بن مالك بن العجلان العجلاني الأنصاري الرزقي المدني، له رؤية، ثقة [٢] تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
(عم يحيى بن خلّاد) هو رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري البدري، صحابي ابن صحابي ﵄ تقدم ٢٧/ ٦٦٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم مستوفى الشرح برقم -١٠٥/ ١٠٥٣، وتقدّم الكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى ولي التوفيق.
قوله: "يرمقه": أي ينظر إليه شَزْراً (١). وفي "المصباح": رمقه بعينه رَمْقاً، من باب قتل: أطال النظر إليه.
وقوله: "جهدت" من باب منع: أي بذلت وُسْعي وطاقتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣١٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ
[تنبيه]: أشار في هامش "الهندية" إلى أنه وقع في بعض النسخ "شعبة" بدل "سعيد".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن "سعيداً" هو الصواب، لأنه صرح به ابن ماجه في "سننه"، فقد أخرجه من طريقه رقم -١١٩١ - ، فقال: سعيد بن أبي عروبة، وكذا الحافظ أبو الحجاج المزّي في "تحفة الأشراف" جـ ١١ ص ٤٠٨ - صرّح بأنه سعيد ابن أبي عروبة، ولم يشر إلى رواية شعبة أصلاً، وأيضاً هو الذي في "السنن الكبرى" للمصنف. والله تعالى أعلم.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الإمام الحجة يدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (زُرَارة بن أوفى) العامريّ الحَرَشيّ، أبو حاجب البصري قاضيها، ثقة عابد [٣] تقدم ٢٧/ ٩١٧.
٦ - (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وعائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وسَمُرَة بن جُندُب، وأنس ﵃. وعنه زُرَارة بن أوفى، وحُميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الحميريّ، والحسن البصريّ.
قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله تعالى. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: قُتل بأرض مُكران غازياً. وذكر البخاريّ أنه قُتل بأرض مُكران على أحسن أحواله. قال أبو بكر الحازمي: "مُكران" بضم الميم بلدة بالهند. أخرج له الجماعة, وله في هذا الكتاب (٢٢).
٧ - (أمّ المؤمنين) هي عائشة ﵂، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بثقات البصريين إلى سعد بن هشام، فهو مدني، كعائشة رضي الله تعالى عنها. ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد، ورواية زرارة عن سعد من رواية الأقران، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سعد بن هشام) أنه (قال: قلت يا أم المؤمنين أنبئيني) أي أخبريني (عن وتر رسول الله ﷺ ) أي عن عدده، وكيفيته (قالت: كنا نعدّ له) بضم أوله، من الإعداد، أي
стр. 9117
نهُيء له (سواكه، وطهوره) بفتح الطاء، أي الماء الذي يتوضأ به (فيبعثه الله) أي يوقظه من نومه (لما شاء أن يبعثه) بكسر لام "لما" وهي لام الجرّ، وهي هنا للتوقيت، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]. و"ما" موصولة، أي في الوقت الذي أراد الله أن يوقظه فيه.
ويحتمل أن تكون "لَمّا" -بفتح اللام، وتشديد الميم- بمعنى "حين"، أي حين أراد الله أن يبعثه (من الليل) بيان لـ"ما" (فيتسوّك) أي يستعمل السواك في فيه (ويتوضأ، ويصلي ثمان ركعات) هذا سيأتي للمصنف -٢/ ١٦٠١ - الإشارة إلى أنه خطأ في الحديث، وأن الصواب "يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة … "، وسيأتي الكلام عليه مُستوفًى هناك، إن شاء الله تعالى.
(لا يجلس فيهن إلّا في الثامنة) هذا محل المطابقة للترجمة، فإنه يدلّ على أن الجلوس على رأس كل ركعتين في النفل غير لازم، بل إذا صلى تسع ركعات، وجلس في الثامنة جاز ذلك، وكان أقلّ ما يجزىء من صلاة النفل، وأما الفرض، فأقلّ ما يجزىء أن يجلس في كلّ ركعتين، كما بينه النبي ﷺ في حديث المسيء صلاته.
(فيجلس، فيذكر الله أي بقراءة التشهد، وغيره (ويدعو، ثم يسلم تسليماً يُسمعنا) من الإسماع، أي يجهر به. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وهو طرف من حديث عائشة ﵂ الآتي في "كتاب قيام الليل" برقم -٢/ ١٦٠١ - وسيأتي تمام شرحه، والكلام على مسائله هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٨ - (بَابُ السَّلَامِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية السلام من الصلاة.
١٣١٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ -وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ -وَهُوَ ابْنُ الْمِسْوَرِ الْمَخْرَمِيُّ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
стр. 9118
أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية، قاضي دمشق، ثقة [١١] تقدم ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (سليمان بن داود) بن داود بن علي (١) بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أبو أيوب البغدادي الفقيه، ثقة جليل [١٠].
رَوَى عن ابن أبي الزناد، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، وروى له الأربعة بواسطة هارون الحمال، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، والحسن بن عليّ الخلّال، ومحمد ابن إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وغيرهم.
قال الحسن بن محمد الزعفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعقل من رجلين: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشميّ. وقال ابن خراش: بلغني عن أحمد بن حنبل: لو قيل لي: اختر للأمة رجلاً استَخْلفه عليهم استخلفت سليمان بن داود. وقال العجلي، وابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني، والخطيب: ثقة، زاد يعقوب: صدوق، وزاد النسائي: مأمون، وقال العجلي: كتبت عنه، وكان عاقلاً.
قال ابن سعد: توفي ببغداد سنة (٢١٩)، وكذا قال ابن أبي خيثمة، وغيره، وقال أبو حسّان الزيادي: مات سنة (٢٢٠).
روى له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.
٣ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (عبد الله بن جعفر) بن عبد الرحمن بن الْمِسْور بن مَخْرَمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف الزهري الْمَخْرَمِيُّ (٢)، أبو محمد المدني، ليس به بأس [٨].
روى عن إسماعيل بن محمد بن سعد، وسعد بن إبراهيم، وعثمان بن محمد بن الأخنس، وغيرهم. وعنه إبراهيم بن سعد، وبشر بن عُمر، وإسحاق بن جعفر، وغيرهم.
стр. 9119
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس صدوق، وليس بثبت. وقال أبو زرعة: هو أحبّ إليّ من يزيد بن عبد الملك النوفليّ. وقال حنبل عن أحمد: ثقة ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: رأيت أحمد وابن معين يتناظران في ابن أبي ذئب والْمَخْرَمي، فقدّم أحمد المَخْرَميّ، فقال له يحيى: المَخْرَميّ شيخ، وليس عنده من الحديث بعض ما عند ابن أبي ذئب، وقدّمه على المخرميّ تقديماً متفاوتاً، قال يعقوب: فقلت لابن المديني بعد ذلك: أيهما أحبّ إليك؟ قال: ابن أبي ذئب، وهو صاحب حديث، وأَيْش عند المخرميّ؟ والمخرميّ ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال بكّار بن قُتيبة: ثنا أبو المطرّف، ثنا المخرمي، ثقة. وقال البَرْقيّ: ثبت. وقال الترمذيّ: مدني ثقة عند أهل الحديث، وقال في "العلل" عن محمد بن إسماعيل: صدوق ثقة. وقال النسائي -كما سيأتي في الحديث التالي-: عبد الله بن جعفر هذا ليس به بأس، وعبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني متروك الحديث. وقال الحاكم: ثقة مأمون، وليس بابن جعفر المسكوت عنه -يعني المدائني (١) الضعيف- وقال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاستحقّ الترك، كذا قال، وكأنه أراد غيره، فالتبس عليه.
وقال ابن سعد: كان من أكثر رجال أهل المدينة علماً بالمغازي، والفتوى، ولم يزل يُؤمّل فيه أن يلي القضاء حتى مات، ولم يَلِهِ. قال محمد بن عمر: قال ابن أبي الزناد: لا أحسبه أقعده عن ذلك إلا خروجه مع محمد بن عبد الله بن حسن، قال: ومات بالمدينة سنة (١٧٠) وكان له يوم مات بضع وسبعون سنة, وكذا أرخه يعقوب بن شيبة. علق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث رقم (٢٠٠٧) "الحدوا لي لحداً … "، وأعاده بعده (٢٠٠٨).
٥ - (إسماعيل بن محمد) بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو محمد المدني، ثقة حجة [٤] تقدم ٩٧/ ١٢٥.
٦ - (عامر بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري المدني، ثقة [٣] تقدم ١٣١/ ١٠٩٤.
٧ - (سعد) بن أبي وقاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب أحد العشرة ﵁، تقدم ٩٦/ ١٢١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى عنها. ومنها: أن رجاله رجال
стр. 9120
الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه من العشرة المبشرين بالجنة، وآخر من مات منهم. وأول من رمى بسهم في سبيل الله. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سعد) بن أبي وقّاص رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ كان يُسلّم) وفي الرواية التالية "كنت أرى رسول الله ﷺ يُسلّم". و"أرى" بفتح الهمزة، أى أُبصر (عن يمينه) قال الطيبي: أي مُجاوزاً نظره عن يمينه، كما يُسلّم أحد على من في يمينه (وعن يساره) فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين، ثمّ إلى جهة اليسار.
وفي الرواية التالية زيادة: "حتى يُرَى بياض خده". قال الأبهريّ: أي وجنته الخالية عن الشعر، وكان مشرباً بالحمرة انتهى.
والمعنى حتى أرى بياض خده الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية، وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار.
قال النووي رحمه الله تعالى: فيه دلالة لمذهب الشافعي، والجمهور من السلف والخلف أنه يسنّ تسليمتان، وقال مالك، وطائفة: إنما تسنّ تسليمة واحدة، وتعلّقوا بأحاديث ضعيفة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة، ولو ثبت شيء منها حمل على أنه فعل ذلك لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة.
وأجمع العلماء الذين يعتدّ بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن سلّم واحدة استحبّ له أن يسلّمها تلقاء وجهه، وإن سلّم تسليمتين جَعَل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كلّ تسليمة حتى يرى من عن جانبه خدّه، هذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: حتى يرى خديه مَن عن جانبه. ولو سلّم التسليمتين عن يمينه، أو عن يساره، أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره، والثانية عن يمينه صحّت صلاته، وحصلت التسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما انتهى (١).
وسيأتي تحقيق الخلاف بين العلماء في حكم التسليمتين، وأدلتهم في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 9121
حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٨/ ١٣١٦ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ١٢٣٩ - عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان بن داود الهاشميّ، عن عبد الله بن جعفر المَخْرَمي، عن إسماعيل ابن محمد، عن عامر بن سعد، عنه. وفي -٦٨/ ١٣١٧ - و"الكبرى" -١٠٢/ ١٢٤٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر العَقَديّ، عن عبد الله بن جعفر به.
وأخرجه (م) ٢/ ٩١ (ق) ٩١٥ (أحمد) ١/ ١٧٢ و١/ ١٨٠ و١/ ١٨٦ (عبد بن حُميد) ١٤٤ (الدارمي) ١٣٥٢ (ابن خزيمة) ٧٢٦ و٧٢٧ و١٧١٢. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" جـ ١ ص ٣٥٩ رقم ٧٢٦ - من طريق ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: "رأيت النبيّ ﷺ يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرى بياض خدّه".
فقال الزهريّ: لم نسمع هذا من حديث رسول الله ﷺ ، فقال إسماعيل: أكلَّ حديث النبيّ ﷺ سمعت؟ قال: لا، قال: والثلثين؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: لا، قال: فهذا في النصف الذي لم تسمع انتهى. وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" جـ ٥ ص ٣٣١ - ٣٣٣ رقم ١٩٩٢. وفي سنده مصعب بن ثابت، قال عنه في "ت" لين الحديث، وكان عابدًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في مذاهب العلماء في حكم السلام من الصلاة:
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاريّ ": أكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم، واستدلّوا بحديث "تحليلها التسليم".
وممن قال من الصحابة: تحليل الصلاة التسليم: ابن مسعود، وابن عباس، وحكاه الإمام أحمد إجماعاً.
وذهب طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كلّ مناف لها، من أكل، أو شرب، أو كلام، أو حدث، وهو قول الحكم، وحماد، والثوريّ، وأبي حنيفة وأصحابه،، والأوزاعيّ، وإسحاق، ولم يفرّقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي، أو بغير اختياره، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: إن وُجد باختياره خرج من الصلاة بذلك، وإن وُجد بغير اختياره بطلت صلاته، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلي لذلك، وخالفه صاحباه في اشتراط ذلك.
وقد حُكي عن طائفة من السلف أنّ من أحدث بعد تشهده تمّت صلاته،
стр. 9122
منهم: الحسن، وابن سيرين، وعطاء -على خلاف عنه- والنخعي، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وقد أنكر صحّته أحمد، وأبو حاتم الرازي، وغيرهما، وروي أيضاً عن ابن مسعود من طريق منقطع.
واستُدلّ لهؤلاء بحديث ابن مسعود: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد"، وقد اختلف في رفعه ووقفه على ابن مسعود، واختُلف في لفظه أيضاً، فرواه بعضهم، وقال: قال ابن مسعود: "فإذا فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف". خرّجه البيهقي. وهذه الرواية تدلّ على أنه إنما خيّره إذا فرغ من صلاته، وإنما يفرغ بالتسليم، بدليل ما روى شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلّم الإمام فقم إن شئت".
قال البيهقي: وهذا أثر صحيح، وقال: ويكون مراد ابن مسعود الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه.
وحمل أبو حنيفة، وإسحاق حديثَ "تحليلها التسليم" على التشهد، وقالوا: يسمى التشهد تسليماً، لما فيه من التسليم على النبي ﷺ والصالحين. وهذا بعيد جدًّا.
واستدلّوا أيضاً بما روى عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة أخبراه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا أحدث، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم جازت صلاته". أخرجه الترمذيّ, وقال: إسناده ليس بالقويّ، وقد اضطربوا في إسناده، والإفريقي ضعّفه القطّان، وأحمد بن حنبل. وخرّجه أبو داود بمعناه. وخرّجه الدارقطني، ولفظه: "إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة، واستوى جالساً تمّت صلاته".
وقد روي بهذا المعنى عن الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وهذا اضطراب منه في إسناده كما أشار إليه الترمذي، ورفعه منكر جداً، ولعله موقوف، والإفريقي لا يُعتمد على ما ينفرد به.
قال حرب: ذكر هذا الحديث لأحمد، فردّه، ولم يصحّحه.
وقال الْجُوزجاني: هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث "تحليلها التسليم".
وأجاب بعضهم عن هذا، وعن حديث ابن مسعود -على تقدير صحّتها- بالنسخ، واستدّل بما رَوَى عُمر بن ذرّ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كان النبي ﷺ إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه، وذلك قبل أن ينزل التسليم. خرّجه البيهقي، وخرّجه وكيع في كتابه عن عمر بن ذرّ، عن عطاء بمعناه، وقال: حتى نزل
стр. 9123
التسليم.
وروي عن عمر أن النبي ﷺ كان يُصلي في أول الإسلام ركعتين، ثم أمر أن يصلي أربعاً، فكان يسلّم بين كل ركعتين، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتمّ الصلاة، فرأيت أن يخفى الإمام التسليمة الأولى، ويعلن بالثانية، فافعلوا. خرّجه الإسماعيلي، وإسناده ضعيف.
ولم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين أن الصلاة الرباعية المكتوبة يُسلَّم فيها مرتين، مرة في التشهد الأول، ومرة في الثاني، ولكن الإمام يسرّ السلام الأول، ويُعلن بالثاني، والأحاديث كلّها تدلّ على أنه لم يكن يُسلَّم فيها إلا مرة واحدة في التشهد الثاني خاصّة انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بتصرف يسير (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم":
وأعلم أن السلام ركن من أركان الصلاة، وفرض من فروضها، لا تصحّ الصلاة إلا به، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم.
وقال أبو حنيفة، ﵀: هو سنة، ويحصل التحلل من الصلاة بكلّ شيء يُنافيها، من سلام، أو كلام، أو حدَث، أو قيام، أو غير ذلك.
واحتجّ الجمهور بأن النبي ﷺ كان يسلّم، وثبت في "صحيح البخاري" أنه ﷺ قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وبالحديث الآخر: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" رواه أحمد، وأصحاب السنن إلا النسائي، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، يصلح للاحتجاج به.
وقد استدل به الجمهور على وجوب السلام، قالوا: إن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصر تحليلها في التسليم، لا تحليل لها غيره.
ولأن النبي ﷺ كان يسلّم من صلاته، ويديم ذلك، ويواظب عليه، ولا يُخلّ به، وقد قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلي". ولأنه قد تواتر العمل عليه من لدن صاحب الشريعة إلى يومنا هذا، وتلقّاه الكافّة عن الكافّة طبقة عن طبقة، فهو ثابت متواتر عملاً.
وأما ما قيل: من أن النبي ﷺ لم يعلّم السلام المسيء في صلاته، ولو وجب لأمره به، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ففيه أن النبي ﷺ لم يعلّمه كلّ
стр. 9124
الواجبات، بدليل أنه لم يعلّمه التشهد، والقعود، وغيرهما، ويحتمل أنه اقتصر على تعليمه مارآه أساء فيه.
وأما ما روي أن رسول الله ﷺ "صلى الظهر خمساً، فلما سلّم أخبر بصنيعه، فثنى رجله، فسجد سجدتين"، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود ﵁ بطرق متعددة، وألفاظ مختلفة.
قال الطحاوي: في هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعةً من غيرها قبل التسليم، ولم ير ذلك مُفسداً للصلاة، فدلّ ذلك على أن السلام ليس من أصلها, ولو كان واجباً وجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضاً كذلك، ولكنه بخلافه، فهو سنة.
ففيه أنه ليس فيه إلا تأخير السلام، لا تركه رأساً، وهذا لا يدلّ على كون السلام من غير أصل الصلاة، مع أن ذلك كان في حالة النسيان، وعلى ظنّ عدم الزيادة والإدخال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمداً، وخرج من الصلاة بغير السلام مما ينافي الصلاة.
وأما ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً: "إذا أحدث الرجل، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم، فقد جازت صلاته", أخرجه أبو داود، والترمذيّ.
ففيه أنه حديث ضعيف مضطرب، قد تفرّد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، وقد ضعفه أكثر الحفّاظ، قال الترمذي ﵀ بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك القويّ، وقد اضطربوا في إسناده انتهى. فقد جمع بين ضعف الراوي، والاضطراب.
وفيه أيضاً أنه مخالف للحديث الصحيح المذكور "وتحليلُها التسليم"، فلا يقوى على معارضته.
قال الخطّابي رحمه الله تعالى في "المعالم" جـ ١ ص ١٧٥: هذا الحديث ضعيف، وقد تكلّم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد، والتسليم انتهى.
وأما ما روي أن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود ﵁، فعلّمه التشهد في الصلاة، ثم قال: "إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد". أخرجه أحمد، وأبو داود، والدارقطنيّ.
ففيه أن قوله: "إذا قلت هذا الخ" مدرج من قول ابن مسعود، قال الدارقطني: الصحيح أن قوله: "إذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك" من كلام ابن مسعود، فصله شَبَابة، عن زهير بن معاوية، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق مَن روى تشهد ابن مسعود على حذفه. كذا في "المنتقى".
قال الشوكاني: أما حديث ابن مسعود، فقال البيهقي في "الخلافيات": إنه كالشاذّ
стр. 9125
من قول عبد الله، وإنما جعله كالشاذّ، لأن أكثر أصحاب الحسن بن الْحُرّ لم يذكروا هذه الزيادة، لا من قول ابن مسعود مفصولة من الحديث، ولا مدرجة في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت، عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود, وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة ابن سَوّار عنه مفصولة، كما ذكره الدارقطني.
وقد روى البيهقي من طريق أبي الأحوص، عن ابن مسعود ما يخالف هذه الزيادة بلفظ: "مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإمام، فقم إن شئت". قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود ﵁.
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: قد صحّ عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضاً، وذكر رواية أبي الأحوص هذه عنه.
قال البيهقيّ: إن تعليم النبي ﷺ التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسليم، ثم فُرض بعد ذلك.
وقد صرّح بأن تلك الزيادة المذكورة في الحديث مدرجة جماعةٌ من الحفّاظ: منهم الحاكم، والبيهقي، والخطيب.
وقال البيهقي في "المعرفة": ذهب الحفّاظ إلى أن هذا وهم من زهير بن معاوية.
وقال النوويّ في "الخلاصة": اتفق الحفاظ على أنها مدرجة انتهى.
وقد رواه عن الحسن بن الحرّ حسين الجعفي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة في آخر الحديث، مع اتفاق كلّ من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على ذلك انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى.
وقد تأول القاضي أبو بكر بن العربي في "شرح الترمذي" جـ ٢ ص ١٩٩ - حديث ابن مسعود هذا بأنه إنما يعني به فقد قضيت صلاتك، فاخرج منها بتحليل كما دخلتها بإحرام انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما تقدم أن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود، وقد عارضها ما صحّ عنه عند البيهقي، وابن حزم من إيجابه السلام فرضاً، فلا تكون حجة أصلاً، وقد صح لدينا قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" مع مواظبته على التسليم من الصلاة من دون أن يوجد منه إخلال بذلك، ولو مرة واحدة، وقد قال: "صلّوا كما رأيتوني أصلي"، فهذه الأدلة ظاهرة في إيجاب السلام من الصلاة.
стр. 9126
والحاصل أن ما عليه الجمهور من كون السلام من واجبات الصلاة التي لا تتم الصلاة إلا به هو الحق، لوضوح أدلّته.
وأما ما حاول به الشوكاني من ترجيح القول بعدم الوجوب فمما لا يعتمد عليه، لأنه لم يذكر دليلاً مقنعاً يردّ به أدلة الجمهور، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم التسليمتين:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم في عدد التسليم، فقالت طائفة: يسلم تسليمتين عن يمينه، وعن شماله، روي هذا القول عن أبى بكر الصدّيق، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وعبد الله ابن مسعود، ونافع بن الحارث، وعطاء بن أبي رباح، وعلقمة، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: يسلّم تسليمة واحدة، كذلك قال ابن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وسلمة بن الأكوع، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز. وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وقال عمّار بن أبي عمّار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين عن أيمانهم، وعن شمائلهم، وكان مسجد المهاجرين يسلّمون تسليمة واحدة.
وفيه قول ثالث: وهو أن هذا من الاختلاف المباح، فالمصلي مخيّر، إن شاء سلّم تسليمة، وإن شاء سلّم تسليمتين، قال بهذا القول بعض أصحابنا.
وكان إسحاق يقول: تسليمة تُجزي، وتسليمتان أحبّ إليّ.
قال ابن المنذر ﵀: وكلّ من أحفظ عنه من أهل العلم يُجيز صلاة من اقتصر على تسليمة، وأحبّ أن يسلم تسليمتين، للأخبار الدّالة عن رسول الله ﷺ ، ويجزيه أن يسلّم تسليمة انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قال ابن المنذر رحمه الله تعالى من مشروعية التسليمتين، وهو الذي عليه الجمهور كما تقدم هو المذهب الراجح، لكثرة الأحاديث الصحاح على وفقه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وقد قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: ثبت
стр. 9127
عندنا عن النبي ﷺ من غير وجه أنه كان يُسلّم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرى بياض خدّه.
وقال العُقيلي: الأحاديث الصحاح عن ابن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وغيرهما فى تسليمتين.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلّم تسليمة واحدة من وجوه لا يصحّ منها شيء. قاله ابن المديني، والأثرم، والعقيليّ، وغيرهم.
وقال الإمام أحمد: لا يُعرف عن النبي ﷺ في التسليمة الواحدة إلا حديثٌ مرسلٌ لابن شهاب الزهري، عن النبي ﷺ انتهى.
ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها.
ومن أشهرها حديث زهير بن محمد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يسلّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشقّ الأيمن شيئاً. أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسيّ، عن زهير به، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زُهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه.
وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زُهير به مختصراً.
وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وأخطأ فيما قال، فإن روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد، ويحيى بن معين، والبخاريّ، وغيرهم.
قال أحمد في رواية الأثرم: أحاديث التنّيسي عن زُهير بواطيل، قال: وأظنّه قال: موضوعة، قال: فذكرت له هذا الحديث فى التسليمة الواحدة، فقال مثل هذا.
وذكر ابن عبد البرّ أن يحيى بن معين سُئل عن هذا الحديث؟ فضعّفه. وقال أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنما هو عن عائشة موقوف، وكذا رواه وُهيب بن خالد، عن هشام، وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن هشام، عن أبيه، موقوفاً، قال الوليد: فقلت لزهير: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن رسول الله ﷺ سلّم تسليمة واحدة. قال العقيلي: حديث الوليد أولى -يعني من حديث عمرو بن أبي سلمة- قال: وعمرو في حديثه وَهَم. قال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وَهِمَ.
وأخرج النسائي من حديث سعد بن هشام، عن عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ بالليل أنه كان يسلّم تسليمة يُسمعنا (١).
стр. 9128
وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمة واحدة "السلام عليكم" يرفع بها صوته حتى يُوقظنا.
وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة، ويسرّ الثانية.
ورَوَى عبد الوهّاب الثقفي عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يُسلّم تسليمة واحدة. أخرجه الطبراني، والبيهقي، ورفعه خطأ، إنما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عن أنس من فعله.
ورَوَى جريرُ بن حازم، عن أيوب، عن أنس، أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. أخرجه البزّار في "مسنده"، وأيوب رأى أنساً، ولم يسمع منه، قاله أبو حاتم. وقال الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب.
وروى رَوح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن الحسن، عن سَمُرَة، كان رسول الله ﷺ يُسلّم في الصلاة تسليمة واحدة قُبَالة وجهه، فإذا سلّم عن يمينه سلّم عن يساره. أخرجه الدارقطني، والعقيليّ، والبيهقيّ، وغيرهم، وأخرجه بَقِيُّ بن مَخْلَد مختصراً. وروح هذا ضعّفه ابن معين وغيره، وقال الأثرم: لا يُحتجّ به.
وفي الباب أحاديث أُخَر لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها.
وقد اختلف الصحابة، ومن بعدهم في ذلك، فمنهم من كان يُسلّم ثنتين، ومنهم من كان يُسلّم واحدة.
قال عمّار بن أبي عمّار: كان مسجد الأنصار يُسلّمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يُسلّمون تسليمة واحدة.
وأكثر أهل العلم على التسليمتين.
وممن رُوي عنه ذلك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعمّار، وسهل بن سعد، ونافع بن عبد الحارث. وروي عن عطاء، والشعبي، وعلقمة، ومسروق، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون، وأبي وائل، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وهو قول النخعي، والثوريّ، وأبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عُبيد، وأبي ثور, وحكي عن الأوزاعي.
ورُوي التسليمة الواحدة عن ابن عمر، وأنس، وعائشة، وسلمة بن الأكوع، وروي عن عثمان، وعلي أيضاً، وعن الحسن، وابن سيرين، وعطاء أيضاً، وعمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والليث، وهو قولٌ قديم للشافعيّ، وحكاه أحمد عن أهل المدينة، وقال: ما كانوا يُسلّمون إلا واحدة، قال:
стр. 9129
وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم، يعني في ولاية بني العبّاس. وقال الليث: أدركت الناس يُسلّمون تسليمة واحدة.
وقد اختُلف على كثير من السلف فى ذلك.
فروي عنهم التسليمتان، وروى عنهم التسليمة الواحدة، وهو دليل على أن ذلك كان عندهم سائغاً، وإن كان بعضه أفضل من بعض، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان.
وحُكي للشافعي قول ثالث قديم أيضاً، وقيل: إن الربيع نقله عنه، فيكون حينئذ جديداً: أنه إن كان المصلي منفرداً، أو في جماعة قليلة، ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة، وإلا فتسليمتان.
والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحّت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعاً ممن يَحفَظ عنه من أهل العلم (١).
وذهبت طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بلتسليمتين معاً، وهو قول الحسن بن حيّ، وأحمد في رواية عنه، وبعض المالكيّة، وبعض أهل الظاهر.
واستدلّوا بقوله ﵇: "تحليلها التسليم"، وقالوا: التسليم إلى ما عُهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي"، وقد كان يُسلّم تسليمتين.
ومن ذهب إلى قول الجمهور قال: التسليم مصدر، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عدداً, فيدخل فيه التسليمة الواحدة.
واستدلّوا بأن الصحابة قد كان منهم من يُسلّم تسليمتين، ومنهم من يُسلّم تسليمة واحدةً, ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعة منهم التسليمتان، والتسليمة الواحدة، فدلّ على أنهم كانوا يفعلون أحياناً هذا، وأحياناً هذا، وهذا إجماع منهم على أن الواحدة تكفي.
قال أكثر أصحاب أحمد: ومحلّ الخلاف عن أحمد في الصلاة المكتوبة، فأما التطوّع فيُجزىء فيه تسليمة، واستدلّوا بحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالليل، وقد سبق ذكره.
وأخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة، يُسمعناها.
وقد تأوّل حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يُسمعهم واحدةً، ويُخفي
стр. 9130
الثانية، وقد نص أحمد على ذلك، وأن الأُولى تكون أرفع من الثانية في الجهر.
وقد روى أبو رزين قال: سمعت عليّا يُسلّم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله، والتي عن شماله أخفض. ومن أصحاب أحمد من قال: يجهر بالثانية، ويخفض بالأولى، وهو قول النخعي. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١).
وقال العلّامة الشوكاني ﵀ بعد أن ذكر اختلاف أهل العلم في هذه المسألة:
والحقّ ما ذهب إليه الأولون -يعني القائلين بمشروعية التسليمتين- لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج بها، ولو سُلّم انتهاضها لم تصلح لمعارضتها أحاديثَ التسليمتين، لما عرفت من اشتمالها على الزيادة.
وأما القول بمشروعية ثلاث (٢) فلعلّ القائل به ظن أن التسليمة الواحدة -يعني في حديث عائشة وغيرها- غير التسليمتين، فجمع بين الأحاديث بمشروعية الثلاث، وهو فاسد، وأفسد منه ما رواه في "البحر" عن البعض من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير، وثنتان في المسجد الكبير. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكاني رحمه الله تعالى حسنٌ جدّاً.
وحاصله ترجيح قول الجمهور في مشروعية التسليمتين، وتفنيد الأقوال الأخرى لعدم استنادها إلى دليل يصلح للاعتماد عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ هَذَا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ).
стр. 9131
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا، إلا اثنين، وهما:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهوية الإمام الحافظ الحجة الفقيه النيسابوري [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (أبو عامر العَقَديّ) -بفتح المهملة، والقاف- عبد الملك بن عمرو البصري, ثقة [٩] تقدم ٢/ ٣٢٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد أعلى من الذي قبله، لأن المصنف وصل إلى عبد الله بن جعفر هنا بواسطتين، بخلافه هناك، فإنه بثلاث وسائط.
[تنبيه]: عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو جعفر البصري، مدني الأصل، والد علي، ضعيف من [٨] يقال: تغير حفظه بآخره.
قال ابن معين: ليس بشيء. وقال عمرو بن عليّ: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، يحدّث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديثه، ولا يحتجّ به، وكان عليّ لا يحدثنا عن أبيه، فكان قوم يقولون: عليّ يعُقّ أباه، فلما كان بآخره حدّث عنه. وقال الْجُوزَجَاني: واهي الحديث، كان فيما -يقولون- مائلاً عن الطريق. وقال عبدان الأهوازي: سمعت أصحابنا يقولون: حدّث عليّ عن أبيه، ثم قال: وفي حديث الشيخ ما فيه. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: وعامة حديثه لا يُتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه ممن يكتب حديثه. وكلام الأئمة فيه كثير، انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" جـ ١٤ ص ٣٧٩ - ٣٨٤. و"تهذيب التهذيب" جـ ٥ ص ١٧٤ - ١٧٦. أخرج له الترمذي، وابن ماجة.
والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسانده في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٩ - (بَابُ مَوْضِعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ السَّلَامِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان موضع اليدين في حال السلام من الصلاة.
وموضع الاستدلال من الحديث قوله: "أن يضع يده على فخذه"، فإنه يدلّ على أن
стр. 9132
السنة في حال السلام وضع اليدين على الفخذين، وعدم الإشارة بهما يميناً، أو شمالاً. والله تعالى أعلم.
١٣١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ الْقِبْطِيَّةِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ (١): كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَأَشَارَ مِسْعَرٌ بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ: "مَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرْمُونَ بِأَيْدِيهِمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ الْخَيْلِ الشُّمُسِ، أَمَا يَكْفِي أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ، عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، ثقة [١٠] تقدم ١٠٨/ ١٤٧.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "عمرو بن علي" بدل "عمرو بن منصور"، وما هنا هو الذي في النسخة "الهندية"، و"السنن الكبرى" للمصنف، وهو الذي ذكره الحافظ أبو الحجّاج المزيّ في "تحفة الأشراف" جـ ٢ ص ١٦٣.
وعمرو بن علي هو الفلّاس المتقدّم قبل ثلاثة أبواب، وهو من شيوخ الأئمة الستة، أصحاب الأصول، وأما عمرو بن منصور، فهو من أفراد المصنف، وهو يروي عن أبي نعيم، ولم يَذكر في "تهذيب الكمال"، ولا في "تهذيب التهذيب" عمرو بن علي ممن روى عن أبي نعيم، فالظاهر أن الذي في النسخ المطبوعة خطأ، والصواب عمرو بن منصور. والله تعالى أعلم.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفي، ثقة ثبت [٩] تقدم ١١/ ٥١٦.
٣ - (مسعر) بن كِدَام بن ظُهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدّم ٨/ ٨.
٤ - (عُبيد الله بن القبطية) الكوفي، ثقة [٤] تقدّم ٥/ ١١٨٥.
٥ - (جابر بن سمرة) بن جُنَادة السُّوَائي، الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما تقدم ٢٨/ ٨١٦.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله برقم -٥/ ١١٨٤ - أورده المصنف هناك مستدلاً على النهي عن الإشارة باليدين في الصلاة، رواه -٥/ ١١٨٤ - عن قتيبة بن سعيد، عن عَبْثر، عن الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة ﵁.
стр. 9133
و-٥/ ١١٨٥ - عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن مسعر به. والله تعالى أعلم.
قوله: "يرمون بأيديهم" أي يشيرون بها.
وقوله: "كأنها": أي الأيدي.
وقوله: "الشمس" -بسكون الميم، وضمها، مع ضم الشين المعجمة فيهما, وهي التي لا تستقرّ، بل تضطرب، وتتحرك بأذنابها وأرجلها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٠ - (كَيْفَ السَّلَامُ عَلَى الْيَمِينِ)
١٣١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ -رضى الله عنهما- يَفْعَلَانِ ذَلِكَ").
رجاله هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن المثنّى) أبو موسى العَنَزيّ البصري الحافظ الثبت [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٢ - (معاذ بن معاذ) البصري، ثقة متقن من كبار [٩] تقدم ٣٤/ ٣٨.
٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج الكوفي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٤ - (أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة مكثر عابد اختلط بآخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٥ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، ثقة [٣] تقدّم ٣٨/ ٤٢.
٦ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣.
٧ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/
стр. 9134
٧٧.
٨ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٥/ ٣٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم في -١٢٤/ ١٠٨٣ - رواه هناك عن عمرو بن علي، عن معاذ بن معاذ، ويحيى ابن سعيد، كلاهما عن زهير به، وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
قوله: "السلام عليكم ورحمة الله الخ": إما مقول لقول مقدّر حالٍ مؤكدةٍ، أي يسلّم حال كونه قائلاً: السلام عليكم الخ، أو جملة مستأنفة جواب لسؤال مقدر، تقديره: ماذا كان يقول في تسليمه؟.
وقوله: "حتى يُرى بياض خدّه": -بضم الياء مبني للمفعول، و"بياض" بالرفع نائب فاعله، وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "حتى يُرَى بياض خده الأيمن"، "حتى يُرَى بياض خده الأيسر"، "فالأيمن" بالجر صفة لـ"خده"، وكذا "الأيسر". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ (١) ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ" (٢) كُلَّمَا وَضَعَ، "اللَّهُ أَكْبَرُ" كُلَّمَا رَفَعَ، ثُمَّ يَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" عَنْ يَمِينِهِ، "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" عَنْ يَسَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الحسن بن محمد الزعفراني) أبو علي البغدادي، صاحب الشافعي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٤٢٧.
٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور المِصِّيصِيّ، ثقة ثبت اختلط في الآخر [٩] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلّس ويُرسل [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عمرو بن يحيى) بن عُمَارة بن أبي حسن المازني المدني، ثقة [٦] تقدم ٨٠/ ٩٧.
стр. 9135
٥ - (محمد بن يحيى بن حبّان) (١) بن منقذ الأنصاري المدنيّ، ثقة فقيه [٤] تقدم ٢٢/ ٢٣.
٦ - (عمه) واسع بن حَبَّان بن مُنقذ بن عمرو الأنصاريّ المازني المدنيّ، صحابي ابن صحابي، وقيل: بل هو تابعي ثقة [٢] تقدّم ٢٢/ ٢٣.
٧ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدّم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه رواية الراوي عن عمه، وتابعي، عن تابعي، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن واسع بن حَبّان) بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة (أنه سأل عبد الله بن عمر) ﵄ (عن صلاة رسول الله ﷺ ) أي عن صفتها، وهيئتها (فقال) أي ابن عمر ﵄ (الله أكبر) وفي "الهنديّة" "كان يقول: الله أكبر" (كلّما وضع) أي خفض رأسه، ولفظ أحمد من طريق الدّراوَزديّ: "كلّما وضع رأسه، وكلما رفعه" (الله أكبر كلما رفع) أي رأسَهَ، يعني أنه ﷺ كان يكبّر في صلاته قائلاً: "الله أكبر" كلما قام، وكلما نزل عن القيام.
فإن قلت: هذا الحديث بظاهره يشمل الرفع من الركوع، فيدلّ على أنه يكبّر فيه أيضاً.
قلت: لا يدخل فيه، للأدلة الأخرى، فقد صحت أحاديث أنه ﷺ كان يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، فيخصّص عموم هذا الحديث بتلك الأحاديث.
والحاصل أن المراد من هذا الحديث أنه ﷺ كان يقول: "الله أكبر" كلما نزل إلى الركوع، وإلى السجود، ويكبر كلما رفع رأسه من السجود إلى القيام، ومن السجود إلى الجلوس. والله تعالى أعلم.
(ثم يقول: "السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره) وليس فيه عند أحمد لفظ "ورحمة الله" في اليسار، كرواية الدراوردي الآتية في الباب التالي.
وفيه مشروعية السلام من الجانيبن، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9136
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح (١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
هو من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٧٠/ ١٣٢٠ - وفي الكبرى -١٠٤/ ١٢٤٣ - عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج الأعور، عن ابن جُريج، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمه واسع بن حَبّان، عنه. وفي ٧١/ ١٣٢١ - و"الكبرى" -١٠٥/ ١٢٤٤ - عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراورديّ، عن عمرو بن يحيى به.
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٧١، و٢/ ١٥٢ (ابن خزيمة) رقم ٥٧٦. وزاد ابن خزيمة: قال أبو بكر: اختلف أصحاب عمرو بن يحيى في هذا الإسناد. فقال: إنه سأل عبد الله بن زيد بن عاصم، خرّجته في "كتاب الكبير" انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكر هذا الحديث: ما نصه: وهذا إسناد جيد، قال ابن عبد البرّ، هو إسناد مدني صحيح، إلا أنه يُعَلُّ بأن ابن عمر كان يُسلم تسليمة واحدة، فكيف يَروي هذا عن النبيّ ﷺ ، ثم يخالفه.
وقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده، لكنه رجّح صحّته.
وراه أيضاً بقية عن الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً.
قال أبو حاتم: هو منكر، وقال الدارقطني: اختلف فيه على بقية في لفظه، روي أنه كان يسلّم تسليمتين، وروي تسليمة واحدة، وكلها غير محفوظة.
وقال الأثرم: هو حديث واه، وابن عمر كان يسلّم واحدةً، قد عُرف ذلك عنه من وجوه، والزهريّ كان ينكر حديث التسليمتين، ويقول: ما سمعنا بهذا. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما إعلال الحديث بمخالفة ابن عمر ﵄ له عملاً، فهو مذهب بعض أهل العلم، ومنهم الإمام أحمد ﵀ وغيره، فقد ذكر ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذي" ٢/ ٨٨٨ - ٨٩١ - : أنه قد ضعّف الإمام أحمد وكثير من الحُفّاظ أحاديث كثيرةً بمثل هذا. وذكر لذلك أمثلة.
стр. 9137
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الراوي إذا خالف مرويّه فالمعتبر روايته، لا عمله ورأيه، لاحتمال أن يكون ذلك لمانع من معارض، أو غيره. انظر تحقيق المسألة في كتب "المصطلح"، كـ "التدريب" جـ ١ ص ٣١٥.
وأما إنكار الزهري لهذا الحديث، فقد ذكره البيهقي في "السنن الكبرى" جـ ٢ ص ١٧٨ - بعد إخراجه حديث سعد بن إبي وقّاص ﵁ الذي تقدم للمصنف برقم ٦٨/ ١٣١٦ - من طريق إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يسلّم تسليمتين … " الحديث، قال: فذكرت هذا الحديث عند الزهريّ، فقال: هذا حديث لم أسمعه من حديث رسول الله ﷺ ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلَّ حديث رسول الله ﷺ سمعتَ؟ قال الزهريّ: لا، قال: فثلثيه؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ فوقف الزهريّ عند النصف، أو عند الثلث، فقال له إسماعيل: اجعل هذا الحديث فيما لم تسمع انتهى. وأخرجه بنحوه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧١ - (كَيْفَ السَّلَامُ عَلَى الشِّمَالِ)
١٣٢١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ (١)، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَخْبِرْنِى عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَيْفَ كَانَتْ؟ قَالَ: فَذَكَرَ التَّكْبِيرَ، قَالَ: يَعْنِي (٢) وَذَكَرَ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" عَنْ يَمِينِهِ، "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" عَنْ يَسَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا في الذي قبله، سوى:
١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت تقدم ١/ ١.
٢ - (عبد العزيز) بن محمد الدَّرَاورديّ المدني، صدوق، يحدث من كُتُب غيره، فيُخطىء [٨] تقدم ٨٤/ ١٠١.
стр. 9138
قوله: "فذكر التكبير" هو معنى قوله فيما مضى: "فقال: اللهأكبر كلما وضع، الله أكبر كلما رفع".
وقوله: "السلام عليكم الخ" في محل نصب مفعول "ذَكَر" محكيّ.
ولم يزد "ورحمة الله" في اليسار، فقال السندي ﵀: مقتضاه أنه يزيد في اليمين "ورحمة الله" تشريفاً لأهل اليمين بمزيد من البرّ، ويقتصر على اليسار على قوله: "السلام عليكم"، وقد جاء زيادة "ورحمة الله" في اليسار أيضاً، وعليه العمل، فلعلّه كان يترك أحياناً انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن حذفه من تصرف بعض الرواة، بدليل الرواية السابقة، فقد ثبتت الزيادة فيها، فلا يُستَدلّ بهذه الرواية على إثبات حذفها. فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نقل في "تحفة الأشراف" جـ ٦ ص ٢٥٧ - بعد ذكر رواية الدراورديّ هذه عن النسائي أنه قال: هذا منكر، والدراوريّ ليس بالقويّ. انتهى.
ولم أر هذا الكلام للنسائي، ولا أدري في أيّ نسخة من "المجتبى"، أو "الكبرى" وقع له هذا الكلام، والذي في "تهذيب التهذيب" جـ ٦ ص ٣٥٤ - وغيره في ترجمة الدراوردي: ما نصّه:
"قال النسائي: ليس بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عُبيد الله بن عمر منكر" انتهى.
وغاية ما يُفهم من هذا أن النسائي يرى أن روايته عن عبيد الله بن عمر هي المنكرة، وهنا لم يرو عنه، وقد وافقه في هذه الرواية ابن جُريج.
والحديث صحيح، وقد البحث عنه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، عَنِ ابْنِ دَاوُدَ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيَّ- عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ خَدِّهِ عَنْ يَمِينِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، وَعَنْ يَسَارِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زيد بن أخزم) -بمعجمتين- الطائي النَّبْهَانِيّ (١)، أبو طالب البصريّ، ثقة حافظ
стр. 9139
[١١].
روى عن عبد الله بن داود الْخُرَيبي، وأبي داود الطيالسي، ويحيى القطاّن، وغيرهم. وعنه الجماعة، سوى مسلم، وروى له النسائيّ أيضاً بواسطة زكريا السِّجّزيّ، وأبو حاتم، وابنُ خزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث, وقال الدارقطني: ثقة, وقال صالح بن محمد: صدوق في الرواية، وقال مسلمة: ثقة. قال إبراهيم بن محمد الكنديّ: ذبحه الزنج سنة (٢٥٧).
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب حديثان فقط, هذا, وحديث (٣٧٢٤) "العمرى جائزة".
٢ - (عبد الله بن داود) بن عامر بن الرَّبيع الْهَمْداني، ثم الشعبيّ، أبو عبد الرحمن الْخُرَيبيّ، كوفي الأصل، سكن الخُرَيبة -بضم المعجمة، وفتح الراء- وهي محلّة بالبصرة، وقيل: كان ينزل عَبّادان، ثقة عابد [٩].
روى عن الأعمش، وابن جُريج، وعلي بن صالح، وغيرهم. وعنه الحسن بن صالح، وزيد بن أخزم، وطلحة بن يحيى بن طلحة، والأوزاعي، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة عابداً ناسكاً. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة صدوق مأمون. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عنه، وعن أبي عاصم؟، فقال: ثقتان. قال الدارمي: الْخُرَيبيّ أعلى. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقاً. وقال الدارقطني: ثقة زاهد. وقال ابن عُيينة: ذاك أَحَدُ الأَحَدين، وقال مرّة: ذاك شيخنا القديم. وقال الكُدَيميّ: سمعته يقول: ما كذبت قطّ إلا مرّة واحدةً، كان أبي قال لي: قرأتَ على المعلّم؟ قلت: نعم، وما كنت قرأت عليه. وقال أبو نصر بن ما كولا: كان عَسِراً في الرواية. وقال محمد بن أبي مسلم الكَجّي، عن أبيه: أتينا عبد الله بن داود ليُحدّثنا، فقال: اسقُوا البُستان، فلم نسمع منه غير هذا. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقال الخليليّ: أَمْسَكَ عن الرواية قبل موته. قال الذهبي: فلذا لم يسمع منه البخاريّ.
قال عباس العَنْبَريّ: سمعته يقول: وُلدتُ سنة (١٢٦). وقال ابن سعد: مات في شوّال سنة (٢١٣)، وفيها أرّخه غير واحد. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١١)، وقيل: سنة (١٣). وقال البخاريّ: مات قريباً من أبي عاصم. أخرج له الجماعة إلا مسلماً، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٣ - (عليّ بن صالح) بن صالح بن حَي الهَمْدَاني، أبو محمد الكوفيّ أخو حسن، ثقة
стр. 9140
عابد [٥] تقدم ١٩٢/ ٣٠٧.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] تقدّم ٣٨/ ٤٢.
٥ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفي، ثقة مشهور بكنيته [٣] تقدّم ٥٠/ ٨٤٩.
٦ - (عبد الله) بن مسعود ﵁، تقدّم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدّم في باب "كيف السلام على اليمين" -٧٠/ ١٣١٩ - أخرجه هناك من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، وتقدّم الكلام عليه هناك.
قوله: "عن النبي ﷺ " متعلّق بمحذوف، أي حال كونه راوياً عن كيفية صلاة رسول الله ﷺ . وقوله: "كأنّي أنظر إلى بياض خده" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي إلى خدّه الأبيض.
وقوله: "كأنّي أنظر إلى بياض خدّه" تشبيه للحال بالماضي لشدّه تصوّره، واستحضاره حتّى كأنّه حاضر مُشاهَد.
وقوله: "عن يمينه" الظرف خبر مقدّم، وقوله: "السلام عليكم" مبتدأ مؤخّر محكيّ، ومثله قوله: "وعن يساره الخ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٢٣ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صحيح، ورجاله تقدّموا، سوى:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الْجُهنيّ، صدوق [١٠] تقدم ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عمر بن عُبيد) بن أبي أمية الطنَافسيّ الكوفي، صدوق [٨] تقدّم ١٥٥/ ٢٤٦.
قوله: "حتى يبدوَ بياض خده" برفع "بياض" على الفاعلية، ومعنى بُدُوّه ظهوره لمن يراه، فهو في معنى قوله: "كأني أنظر إلى بياض خدّه"، وذكر الصفة التي هي البياض للدلالة على تحقّق الأمر، فالإتيان بالوصف كإقامة البرهان على الدعوى. قاله بعض