مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح (١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
هو من أفراد المصنف ﵀، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٧٠/ ١٣٢٠ - وفي الكبرى -١٠٤/ ١٢٤٣ - عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج الأعور، عن ابن جُريج، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمه واسع بن حَبّان، عنه. وفي ٧١/ ١٣٢١ - و"الكبرى" -١٠٥/ ١٢٤٤ - عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراورديّ، عن عمرو بن يحيى به.
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٧١، و٢/ ١٥٢ (ابن خزيمة) رقم ٥٧٦. وزاد ابن خزيمة: قال أبو بكر: اختلف أصحاب عمرو بن يحيى في هذا الإسناد. فقال: إنه سأل عبد الله بن زيد بن عاصم، خرّجته في "كتاب الكبير" انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكر هذا الحديث: ما نصه: وهذا إسناد جيد، قال ابن عبد البرّ، هو إسناد مدني صحيح، إلا أنه يُعَلُّ بأن ابن عمر كان يُسلم تسليمة واحدة، فكيف يَروي هذا عن النبيّ ﷺ ، ثم يخالفه.
وقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده، لكنه رجّح صحّته.
وراه أيضاً بقية عن الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً.
قال أبو حاتم: هو منكر، وقال الدارقطني: اختلف فيه على بقية في لفظه، روي أنه كان يسلّم تسليمتين، وروي تسليمة واحدة، وكلها غير محفوظة.
وقال الأثرم: هو حديث واه، وابن عمر كان يسلّم واحدةً، قد عُرف ذلك عنه من وجوه، والزهريّ كان ينكر حديث التسليمتين، ويقول: ما سمعنا بهذا. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما إعلال الحديث بمخالفة ابن عمر ﵄ له عملاً، فهو مذهب بعض أهل العلم، ومنهم الإمام أحمد ﵀ وغيره، فقد ذكر ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذي" ٢/ ٨٨٨ - ٨٩١ - : أنه قد ضعّف الإمام أحمد وكثير من الحُفّاظ أحاديث كثيرةً بمثل هذا. وذكر لذلك أمثلة.
стр. 9137
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الراوي إذا خالف مرويّه فالمعتبر روايته، لا عمله ورأيه، لاحتمال أن يكون ذلك لمانع من معارض، أو غيره. انظر تحقيق المسألة في كتب "المصطلح"، كـ "التدريب" جـ ١ ص ٣١٥.
وأما إنكار الزهري لهذا الحديث، فقد ذكره البيهقي في "السنن الكبرى" جـ ٢ ص ١٧٨ - بعد إخراجه حديث سعد بن إبي وقّاص ﵁ الذي تقدم للمصنف برقم ٦٨/ ١٣١٦ - من طريق إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يسلّم تسليمتين … " الحديث، قال: فذكرت هذا الحديث عند الزهريّ، فقال: هذا حديث لم أسمعه من حديث رسول الله ﷺ ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلَّ حديث رسول الله ﷺ سمعتَ؟ قال الزهريّ: لا، قال: فثلثيه؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ فوقف الزهريّ عند النصف، أو عند الثلث، فقال له إسماعيل: اجعل هذا الحديث فيما لم تسمع انتهى. وأخرجه بنحوه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧١ - (كَيْفَ السَّلَامُ عَلَى الشِّمَالِ)
١٣٢١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ (١)، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: أَخْبِرْنِى عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَيْفَ كَانَتْ؟ قَالَ: فَذَكَرَ التَّكْبِيرَ، قَالَ: يَعْنِي (٢) وَذَكَرَ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" عَنْ يَمِينِهِ، "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" عَنْ يَسَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا في الذي قبله، سوى:
١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت تقدم ١/ ١.
٢ - (عبد العزيز) بن محمد الدَّرَاورديّ المدني، صدوق، يحدث من كُتُب غيره، فيُخطىء [٨] تقدم ٨٤/ ١٠١.
стр. 9138
قوله: "فذكر التكبير" هو معنى قوله فيما مضى: "فقال: اللهأكبر كلما وضع، الله أكبر كلما رفع".
وقوله: "السلام عليكم الخ" في محل نصب مفعول "ذَكَر" محكيّ.
ولم يزد "ورحمة الله" في اليسار، فقال السندي ﵀: مقتضاه أنه يزيد في اليمين "ورحمة الله" تشريفاً لأهل اليمين بمزيد من البرّ، ويقتصر على اليسار على قوله: "السلام عليكم"، وقد جاء زيادة "ورحمة الله" في اليسار أيضاً، وعليه العمل، فلعلّه كان يترك أحياناً انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن حذفه من تصرف بعض الرواة، بدليل الرواية السابقة، فقد ثبتت الزيادة فيها، فلا يُستَدلّ بهذه الرواية على إثبات حذفها. فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نقل في "تحفة الأشراف" جـ ٦ ص ٢٥٧ - بعد ذكر رواية الدراورديّ هذه عن النسائي أنه قال: هذا منكر، والدراوريّ ليس بالقويّ. انتهى.
ولم أر هذا الكلام للنسائي، ولا أدري في أيّ نسخة من "المجتبى"، أو "الكبرى" وقع له هذا الكلام، والذي في "تهذيب التهذيب" جـ ٦ ص ٣٥٤ - وغيره في ترجمة الدراوردي: ما نصّه:
"قال النسائي: ليس بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عُبيد الله بن عمر منكر" انتهى.
وغاية ما يُفهم من هذا أن النسائي يرى أن روايته عن عبيد الله بن عمر هي المنكرة، وهنا لم يرو عنه، وقد وافقه في هذه الرواية ابن جُريج.
والحديث صحيح، وقد البحث عنه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، عَنِ ابْنِ دَاوُدَ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيَّ- عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ خَدِّهِ عَنْ يَمِينِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، وَعَنْ يَسَارِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زيد بن أخزم) -بمعجمتين- الطائي النَّبْهَانِيّ (١)، أبو طالب البصريّ، ثقة حافظ
стр. 9139
[١١].
روى عن عبد الله بن داود الْخُرَيبي، وأبي داود الطيالسي، ويحيى القطاّن، وغيرهم. وعنه الجماعة، سوى مسلم، وروى له النسائيّ أيضاً بواسطة زكريا السِّجّزيّ، وأبو حاتم، وابنُ خزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث, وقال الدارقطني: ثقة, وقال صالح بن محمد: صدوق في الرواية، وقال مسلمة: ثقة. قال إبراهيم بن محمد الكنديّ: ذبحه الزنج سنة (٢٥٧).
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب حديثان فقط, هذا, وحديث (٣٧٢٤) "العمرى جائزة".
٢ - (عبد الله بن داود) بن عامر بن الرَّبيع الْهَمْداني، ثم الشعبيّ، أبو عبد الرحمن الْخُرَيبيّ، كوفي الأصل، سكن الخُرَيبة -بضم المعجمة، وفتح الراء- وهي محلّة بالبصرة، وقيل: كان ينزل عَبّادان، ثقة عابد [٩].
روى عن الأعمش، وابن جُريج، وعلي بن صالح، وغيرهم. وعنه الحسن بن صالح، وزيد بن أخزم، وطلحة بن يحيى بن طلحة، والأوزاعي، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة عابداً ناسكاً. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة صدوق مأمون. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عنه، وعن أبي عاصم؟، فقال: ثقتان. قال الدارمي: الْخُرَيبيّ أعلى. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقاً. وقال الدارقطني: ثقة زاهد. وقال ابن عُيينة: ذاك أَحَدُ الأَحَدين، وقال مرّة: ذاك شيخنا القديم. وقال الكُدَيميّ: سمعته يقول: ما كذبت قطّ إلا مرّة واحدةً، كان أبي قال لي: قرأتَ على المعلّم؟ قلت: نعم، وما كنت قرأت عليه. وقال أبو نصر بن ما كولا: كان عَسِراً في الرواية. وقال محمد بن أبي مسلم الكَجّي، عن أبيه: أتينا عبد الله بن داود ليُحدّثنا، فقال: اسقُوا البُستان، فلم نسمع منه غير هذا. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقال الخليليّ: أَمْسَكَ عن الرواية قبل موته. قال الذهبي: فلذا لم يسمع منه البخاريّ.
قال عباس العَنْبَريّ: سمعته يقول: وُلدتُ سنة (١٢٦). وقال ابن سعد: مات في شوّال سنة (٢١٣)، وفيها أرّخه غير واحد. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١١)، وقيل: سنة (١٣). وقال البخاريّ: مات قريباً من أبي عاصم. أخرج له الجماعة إلا مسلماً، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٣ - (عليّ بن صالح) بن صالح بن حَي الهَمْدَاني، أبو محمد الكوفيّ أخو حسن، ثقة
стр. 9140
عابد [٥] تقدم ١٩٢/ ٣٠٧.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] تقدّم ٣٨/ ٤٢.
٥ - (أبو الأحوص) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفي، ثقة مشهور بكنيته [٣] تقدّم ٥٠/ ٨٤٩.
٦ - (عبد الله) بن مسعود ﵁، تقدّم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدّم في باب "كيف السلام على اليمين" -٧٠/ ١٣١٩ - أخرجه هناك من طريق زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، وتقدّم الكلام عليه هناك.
قوله: "عن النبي ﷺ " متعلّق بمحذوف، أي حال كونه راوياً عن كيفية صلاة رسول الله ﷺ . وقوله: "كأنّي أنظر إلى بياض خده" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي إلى خدّه الأبيض.
وقوله: "كأنّي أنظر إلى بياض خدّه" تشبيه للحال بالماضي لشدّه تصوّره، واستحضاره حتّى كأنّه حاضر مُشاهَد.
وقوله: "عن يمينه" الظرف خبر مقدّم، وقوله: "السلام عليكم" مبتدأ مؤخّر محكيّ، ومثله قوله: "وعن يساره الخ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٢٣ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صحيح، ورجاله تقدّموا، سوى:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الْجُهنيّ، صدوق [١٠] تقدم ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عمر بن عُبيد) بن أبي أمية الطنَافسيّ الكوفي، صدوق [٨] تقدّم ١٥٥/ ٢٤٦.
قوله: "حتى يبدوَ بياض خده" برفع "بياض" على الفاعلية، ومعنى بُدُوّه ظهوره لمن يراه، فهو في معنى قوله: "كأني أنظر إلى بياض خدّه"، وذكر الصفة التي هي البياض للدلالة على تحقّق الأمر، فالإتيان بالوصف كإقامة البرهان على الدعوى. قاله بعض
стр. 9141
المحققين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل.
١٣٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ مِنْ هَاهُنَا وَبَيَاضُ خَدِّهِ مِنْ هَاهُنَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن مسعود ﵁ وهو حديث صحيح.
ورجاله هم المتقدّمون، سوى:
١ - (عمرو بن علي) الفلّاس الصيرفي الحافظ الثقة [١٠] تقدم قبل باب.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الإمام الحافظ الحجة [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
قوله: "السلام عليكم الخ" مقول لحال مقدر، تقديره قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٢٥ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ، وَأَبِى الأَحْوَصِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن مسعود ﵁ أيضاً وهو حديث صحيح، ورجاله هم المذكورون قريبًا سوى:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الْجُوزَجَانيّ -بضم الجيم الأولى- نزيل دمشق، ثقة حافظ رُمي بالنَّصْب [١١] تقدم ١٢٢/ ١٧٤.
[تنبيه]: وقع في النسخة "الهنديّة" "يعقوب بن إبراهيم"، وما هنا هو الذي في "الكبرى"، و"تحفة الأشراف"، والظاهر أن الصواب ما هنا، لكونه موافقاً لما في "الكبرى"، و"تحفة الأشراف"، ولأن الجُوزجاني هو الذي ذكره في "تحفة الأشراف" ممن روى عن علي بن الحسن بن شقيق، ولم يذكر يعقوب بن إبراهيم فيمن روى عنه، راجع "تحفة الأشراف" جـ ٢٠ ص ٣٧١. والله تعالى أعلم.
٢ - (عليّ بن الحسن بن شَقِيق) أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة حافظ، من كبار
стр. 9142
[١٠] تقدّم ٢٢/ ٩٠٦.
٣ - (الحسين بن واقد) أبو عبد الله القاضي المروزي، ثقة له أوهام [٧] تقدّم ٥/ ٤٦٣. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا، والكلام على صِيغ السلام:
المسألة الأولى: أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديث ابن مسعود ﵁ من رواية أبي إسحاق بعدة طرق:
فأخرجه ١٢٤/ ١٠٨٣ - و١٧٣/ ١١٤٢ و٧٠/ ١٣١٩ - من طريق زهير بن معاوية- و١٨٠/ ١١٤٩ من طريق أبي الأحوص سَلَّام بن سُليم كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة، كلاهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
و٧١/ ١٣٢٢ - من طريق علي بن صالح- و٧١/ ١٣٢٣ - من طريق عمر بن عُبيد- و٧١/ ١٣٢٤ - من طريق سفيان الثوري- ثلاثتهم عنه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁.
و٧١/ ١٣٢٥ - من طريق الحسين بن واقد، عنه، عن علقمة، والأسود، وأبي الأحوص، ثلاثتهم عن عبد الله ﵁.
وأخرجه أيضاً أبو داود رقم -٩٩٦ - من رواية إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص، والأسود، كلاهما عن عبد الله. ومن رواية شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁.
قال الحافظ ﵀ في "نتائج الأفكار" جـ ٢ ص ٢٢١: ما حاصله: إن الدارقطنيّ ﵀ رجّح في "العلل" روايةَ زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة, كلاهما عن ابن مسعود ﵁ على روايته عن أبي الأحوص عن ابن مسعود.
قال الحافظ: والأولى عدم الترجيح، ويحمل على أن له في هذا الحديث شيخين انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في اختلاف أهل العلم في صيغ السلام:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: واختلفوا في صفة التسليم، فقالت طائفة: صفة التسليم: "السلام عليكم ورحمة الله". وهذا مرويّ عن النبي ﷺ من وجوه، وإليه ذهب أكثر العلماء، ولو اقتصر على قوله: "السلام عليكم" أجزأه عند جمهورهم،
стр. 9143
ولأصحاب أحمد فيه وجهان.
وقالت طائفة: يزيد "وبركاته"، ومنهم الأسود بن يزيد، كان يقولها في التسليمة الأولى، وقال النخعي: أقولها، وأخفيها، واستحبّه طائفة من الشافعية.
وقد أخرج أبو داود من حديث وائل بن حُجر أنه صلى مع النبي ﷺ ، فكان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله" (١).
ومن أصحاب أحمد من قال: إنما فعل ذلك مرّة لبيان الجواز.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي الكلام على هذه الزيادة في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
قال: وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى: "السلام عليكم ورحمة الله"، ويقتصر في الثانية على: "السلام عليكم". وروي عن عمّار، وغيره، وقد تقدّم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك (٢).
وقالت طائفة: بل يقتصر على قوله: "السلام عليكم" بكلّ حال، وهو قول مالك، والليث بن سعد، وروي عن عليّ وغيره، وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع، وفي بعضها زيادة "ورحمة الله"، وقد أخرجه مسلم بالوجهين انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بتصرّف يسير (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الراحج عندي قول من قال: إنه يقول في التسليمتين: "السلام عليكم ورحمة الله"، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، وأما ماورد من الاقتصار على "السلام عليكم"، أو زيادة "وبركاته"، فيُحمل على بيان الجواز، فيُعمل به في بعض الأوقات، وأما اتخاذه مذهباً دائماً، فغير صواب؛ لمخالفته لأكثر الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في الكلام على زيادة "وبركاته" في التسليم:
(اعلم): أن المصنف رحمه الله تعالى أخرج حديث ابن مسعود ﵁ هذا بعدّة طرق، وبألفاظ مختلفة، كما تقدّم ذلك كلّه، وليس في واحدة منها، ولا في الأحاديث التي أخرجها من أحاديث غيره زيادة "وبركاته"، وقد ثبت زيادتها عند غيره، وقد كنت سابقاً
стр. 9144
كتبت في ذلك رسالة ردًّا على من أنكر ثبوتها، ودونك نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
[أمّا بعد]: فهذه رسالة سمّيتها:
[رفع الغين عمن يُنكر ثبوت زيادة "وبركاته" في تسليم الصلاة من الجانبين].
وما حملني على كتابتها إلّا إنكار بعض الناس مشروعيةَ ذلك في اليسار، معتمداً على قول بعض أهل العلم، من أهل عصرنا (١): إن زيادة "وبركاته" في التسليم الثاني غير ثابتة، معتمدًا على بعض نسخ أبي داود، مع ثبوتها في بعض نسخه، وهي الصحيحة، كما سيتبين بَعْدُ، إن شاء الله تعالى، فسارعت إلى الكتابة، خشية أن تُنسَى هذه السنّة الثابتة.
(تنبيه): إني لست أُريد بكتابتي هذه الرسالة الحطَّ على أهل العلم, وإنّما أريده بيان الحقّ الذي أوجبه الله تعالى على من عَلِمَه، وذمّ أهل الكتاب بسبب تركه وإهماله، فقال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
(اعلم): أنه ورد زيادة "وبركاته" في التسليم من الجانبين من حديث وائل بن حُجر ﵁ مرفوعاً، ومن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً وموقوفاً، ومن حديث عمّار بن ياسر ﵁ موقوفاً.
فأما حديث وائل ﵁، فأخرجه أبو داود في "سننه" على ما هو في النسخة الصحيحة، فإن نسخه قد اختلفت، فسقط من بعضها زيادتها في الثانية، وثبت في بعضها فيهما، وهي الصحيحة عندي، لما يأتي.
فأما النسخ التي ثبتت فيهما، فهي النسخة الهندية، وتوجد في "المكتبة المحموديّة" في المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة، ونصّها جـ ١ ص ١٣٨ - :
حدّثنا عَبْدة بن عبد الله, أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا موسى بن قيس الحضرميّ، عن سلمة بن كُهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه قال: صليت مع النبي ﷺ ، فكان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن شماله: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
стр. 9145
والنسخة الثانية هي النسخة التي ضِمْنَ الكتب التسعة التي طُبعت على منهج "المعجم المفهرس"، فقد ثبتت فيها من الجانبين أيضاً.
والنسخة الثالثة هي التي حقّقها عزت دعاس ص ٦٠٧ - وهذه النسخة يحتمل أن تكون مأخوذة من النسختين السابقتين، أو من إحداهما، ويحتمل أن تكون نسخة أخرى. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه النسخ هي الصحيحة عندي، كما أشرت إليه سابقاً، دون النسخ الأخرى التي لا تثبت الزيادة لأمرين:
(الأول): أن المحقّقين من حُفّاظ الحديث أثبتوا هذه الزيادة في الجانبين من حديث وائل بن حُجْر رضي الله تعالى عنه في مؤلّفاتهم، وعَزَوا ذلك إلى "سنن أبي داود":
فمن هؤلاء المحققين:
الحافظ المجتهد العلّامة ابن دقيق العيد (١) رحمه الله تعالى في كتابه "الإلمام" جـ ١ ص ١١٥ - فقد أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود.
ومنهم: الحافظ ابن عبد الهادي (٢) رحمه الله تعالى في كتابه "المحرّر" جـ ١ ص ٢٠٧ - فإنه أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود،
ومنهم: الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، في كتابه "بلوغ المرام"، فإنه أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود.
وقال في "التلخيص الحبير" جـ ١ ص ٢٧١ - : ما نصه:
[تنبيه]: وقع في "صحيح ابن حبّان" من حديث ابن مسعود زيادة "وبركاته"، وهي عند ابن ماجه أيضاً، وهي عند أبي داود أيضاً في حديث وائل بن حُجْر، فيُتَعجّب من ابن الصلاح، حيث يقول. إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث انتهى.
والحاصل أن اتفاق هؤلاء الأئمّة على إثباتها فيهما، وعَزْوِ ذلك إلى أبي داود يؤكّد أن نسخ "سنن أبي داود" التي فيها الإثبات من الجانبين هي الصحيحة، وأما النسخ التي أثبتت في الأول فقط -وعليها كتب الشرّاح- فقد دخلها الخلل. والله تعالى أعلم.
стр. 9146
(الأمر الثاني): صحّة ثبوتها في الجانبين من حديث غير وائل رضي الله تعالى عنه، فقد ثبتت في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً وموقوفاً، وفي حديث عمار ﵁ موقوفًا، كما أشرت إليه سابقًا (١).
فأما حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فأخرجه ابن ماجه، وابنا خزيمة، وحبّان في "صحيحيهما"، وأبو العبّاس السّرّاج (٢) في "مسنده"، وابن حزم في "الْمُحَلَّى"، وأخرجه عبد الرزّاق في "مصنفه" موقوفاً عليه.
فأما رواية ابن ماجه، فقد ثبتت في النسخة الصحيحة منه، كما عزاها إليه الحافظ رحمه الله تعالى فىِ "التلخيص الحبير" جـ ١ ص ٢٧١.
قال العلّامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى في "سُبُل السلام" جـ ١ ص ٣٧٩: ما نصه: قال المصنّف: إلّا أنه قال ابن رسلان في "شرح السنن": لم نجدها في ابن ماجه. قلت: راجعنا سنن ابن ماجه من نسخة صحيحة مقروءة، فوجدنا فيه ما لفظه:
"باب التسليم" حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدثنا عُمر بن عُبيد، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يُسلّم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرَى بياضُ خدّه "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" انتهى بلفظه.
وقال محقّق "شرح السنّة" للبغوي الشيخ شعيب الأرناؤوط: ما نصّه: وعند ابن ماجه في نسخة خطيّة في دار الكتب الظاهرية زيادة "وبركاته"، وقد سقطت بتحقيق فُؤاد عبد الباقي، وهي زيادة صحيحة، نصّ عليها في "التلخيص" انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد صرّح الحافظ أيضاً في "نتائج الأفكار" جـ ٢ ص ٢٢٣ بأنها ثابتة في ابن ماجه، وسيأتي نصّه قريباً، إن شاء الله تعالى.
ثم وجدت نسخة محققة أثبتت الزيادة المذكورة في "سنن ابن ماجه"، وهي النسخة الجديدة التي حققها الشيخ خليل مأمون شيحا مع شرح السندي، وتعليقات "مصباح الزجاجة" المطبوعة بتاريخ ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م. وهي نسخة محققة على نسخة خطيّة مقروءة، كُتب عليها سماعات الحفاظ، كالحافظ المنذري ﵀ وغيره، كما بيّن ذلك المحقق المذكور في الكلام على وصف النسخة الخطيّة أول الكتاب جـ ١ ص ١٢ - ١٥.
стр. 9147
والحاصل أن النسخة الصحيحة لـ "سنن أبي داود" بالنسبة لحديث وائل بن حجر ﵁, و"سنن ابن ماجه" بالنسبة لحديث ابن مسعود ﵁ هي النسخة التي أثبتت زيادة "وبركاته" في الجانبين، للأدلّة المذكورة. والله تعالى أعلم.
وأما رواية ابن خزيمة رحمه الله تعالى، فقال في "صحيحه" جـ ١ ص ٣٦٠:
نا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وزياد بن أيوب، قال إسحاق: حدثنا عمر، وقال زياد: حدثني عير بن عُبيد الطنافسيّ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يُسلّم عن يمينه حتى يُرى بياضُ خدّه "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن شماله حتى يبدو بياض خدّه "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" انتهى (١).
وأما رواية ابن حبّان رحمه الله تعالى، فقال في "صحيحه" جـ ٥ ص ٣٣٣ رقم ١٩٩٣ بتحقيق شعيب الأرنؤوط:
أخبرنا الفضل بن الحباب، قال: حدّثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أن النبي ﷺ كان يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّه "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" انتهى.
стр. 9148
قال الجامع عفا الله تعالى: هكذا نسخة "الإحسان بترتيب ابن حبّان" بإثباتها في الثاني دون الأول، عكس ما في بعض نسخ أبي داود، وهو تصرف من النساخ بلا شكّ، بدليل أن الحافظ أبا بكر الهيثمي ﵀ أثبتها في كتابه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" في الجهتين، وكتابه مختصر من "صحيح ابن حبّان"، وكذا عزا الحافظ رحمه الله تعالى ثبوتها إلى "صحيح ابن حبان" في كتابه "نتائج الأفكار" جـ ٢ ص ٢٢٣. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وأما رواية أبي العبّاس السّرّاج، فقد أخرجها الحافظ في أماليه "نتائج الأفكار" جـ ٢ ص ٢٢١ - ٢٢٣ - من طريقه، فقال:
أخبرني شيخنا الإمام أبو الفضل ابن الحسين الحافظ ﵀، أخبرني أبو الحرم ابن أبي الفتح، قال: قُرىء على سيدة بنت موسى المازنية، ونحن نسمع، عن زينب بنت عبد الرحمن الشعري، قالت: أنا أبو المظفّر عبد المنعم ابن الإمام أبي القاسم القُشيريّ، أنا أبي، أنا أبو الحسين الْخَفّاف، ثنا أبو العبّاس السرّاج، ثنا عبد الله بن عمر -يعني ابن أبان- ثنا وكيع، وأبو نعيم، قالا: ثنا سفيان -هو الثوريّ- عن أبي إسحاق -هو السبيعي- عن أبي الأحوص -هو عوف بن مالك- عن عبد الله -هو ابن مسعود-﵁، عن النبي ﷺ ، أنه كان يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّيه "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
قال: هكذا في أصل سماعنا من مسند السرّاج بخط الحافظ مجد الدين بن النجار، وكذلك وجدته بخط الحافظ زكيّ الدين البرزالي، وهو من روايتهما جميعاً عن زينب بنت عبد الرحمن.
وهكذا أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" عن أبي خليفة، عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوريّ، وذكر فيه "وبركاته".
لكن أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير، فلم يذكرها، وكذا من رواية وكيع، وكذا الترمذي، والنسائي من رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان.
قال: وبهذا الإسناد إلى السرّاج: ثنا هَمّام السَّكُوني -هو الوليد بن شُجَاع بن الوليد- ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، فذكر مثله. لكن قال: "عن شماله"، وقال: "أَرَى".
وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عُمر بن عُبيد، عن أبي الأحوص (١) عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وفيه: "وبركاته".
стр. 9149
قال: فهذه عدّة طرق ثبت فيها "وبركاته" بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ -يعني النووي ﵀ أنها رواية فردة (١).
وأما رواية ابن حزم رحمه الله تعالى، فقال في كتابه "المحلّى" جـ ٣ ص ٢٧٥ - :
حدّثنا حمام، ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الأعرابي، ثنا الدّبريّ، ثنا عبد الرزّاق، عن سفيان الثوريّ ومعمر، كلاهما عن حمّاد بن أبي سليمان، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: ما نسيت فيما نسيت عن رسول الله ﷺ أنه كان يُسلّم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" حتى يُرى بياض خدّه، وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" حتى يُرى بياض خدّه أيضاً انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد ثقات غير حماد بن أبي سليمان فصدوق، له أوهام. والله أعلم.
وأخرجه عبد الرزّاق موقوفا على ابن مسعود، فقال في "مصنّفه" جـ ٢ ص ٢١٩:
عبد الرزّاق، عن معمر، عن خُصيف الْجَزَريّ، عن أبي عُبيدة بن عبد الله، أن ابن مسعود كان يُسلّم عن يمينه "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن يساره "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، يجهر بكلتيهما.
قال الجامع عفا الله عنه: فيه خُصيف متكلّم فيه، قال في "ت": صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء انتهى، وفيه أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فهو منقطع. والله أعلم.
وأما حديث عمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه عبدالرّزّاق في "مصنّفه" أيضاً موقوفاً عليه، فقال جـ ٢ ص ٢٢٠:
عبد الرزّاق عن معمر، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب، أن عمّار بن ياسر
стр. 9150
كان يسلّم عن يمينه "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وعن يساره مثل ذلك انتهى.
قال الجامع: رجال إسناده ثقات. والله أعلم.
قال العلّامة الصنعاني رحمه الله تعالى في "سبل السلام" عند شرح حديث وائل بن حُجْر رضي الله تعالى عنه المتقدّم: ما نصّه:
وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة (١) بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك، وكلها بدون زيادة "وبركاته" إلّا في رواية وائل هذه، ورواية عن ابن مسعود عند ابن ماجه، وعند ابن حبّان، ومع صحّة إسناد حديث وائل -كما قال المصنف- يعني الحافظ ابن حجر - يتعيّن قبول زيادته، إذ هي زيادة عدل، وعدم ذكرها في رواية غيره ليس رواية لعدمها انتهى كلام الصنعاني رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه:
خلاصة القول في هذه المسألة أن زيادة "وبركاته" ثابتة في التسليم من الصلاة من الجانبين، فمن قبل زيادتها في التسليمة الأولى، فليقبلها في الثانية أيضاً، لثبوتها فيها بما ثبتت به الأولى، ولا يؤثّر على ذلك عدم وجودها في بعض النسخ، لما قدّمنا أن ذلك من تصرف النُّسّاخ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ثم إن زيادة "وبركاته" إنما يستحبّ في بعض الأوقات، فلا ينبغي التزامها في جميع الصلوات، لأن أكثر من نقل صفة صلاة رسول الله ﷺ لم يذكرها، فلو كان ﷺ التزمها لما أهملوها، فدلّ على أنه كان يزيدها في بعض الأوقات، فحفظها بعض الصحابة، ولم يعمل بها في معظم الأوقات، فلم يحفظها الأكثرون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
أسأل الله تعالى العظيم، ربّ العرش الكريم بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى أن يهدينا الصراطَ المستقيم، وأن يرزقنا اتباع سنة حبيبه المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وأن يختم لنا بالحُسنى، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، وغافر الزلّات.
اللَّهمّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد
стр. 9151
مجيد. اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنلى حميد مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
"سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك". انتهت الرسالة.
كتبها وحررها راجي رحمة ربه الكريم/ محمد ابن الشيخ العلامة/ عليّ ابن آدم بن موسى الإتْيوبي الولّوي، عفا الله تعالى عنه وعن والديه آمين. ٢٥/ ٩/ ١٤١٥ هـ.
…
٧٢ - (باب السَّلَامِ بِالْيَدَيْنِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّمت هذه الترجمة، والحديث المذكور فيها برقم -٥/ ١١٨٤ - بلفظ "باب ردّ السلام بالأيدي في الصلاة"، ومعنى الترجمتين متقارب، فلا يظهر لي وجه التكرار. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٢٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ الْقِبْطِيَّةِ- عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ، تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِىءْ بِيَدِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاويّ، ثقة حافظ [١١] تقدّم ٣٨/ ٤٢، من أفراد المصنف.
٢ - (عُبيد الله بن موسى) بن أبي المختار، واسمه باذام العَبْسيّ مولاهم، الكوفي، أبو محمد الحافظ، ثقة يتشيّع [٩].
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وإسرائيل، وغيرهم. وعنه البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة.
قال الميموني: ذُكر عند أحمد عبيدُ الله بن موسى، فرأيته كالمنكر له، وقال: كان
стр. 9152
صاحب تخليط، وحدّث بأحاديث سوء، قيل له: فابن فُضيل؟ قال: كان أستر منه. وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الرديّة، وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين عنه؟ فقال: اكتب عنه. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة, حسن الحديث، وأبو نعيم أتقن منه، وعبيد الله أثبتهم في إسرائيل، كان إسرائيل يأتيه فيقرأ عليه القرآن. وقال العجلي: ثقة، وكان عالماً بالقرآن، رأساً فيه، وقال أيضاً: ما رأيته رافعاً رأسه، وما رآني ضاحكاً قطّ. وقال الآجريّ عن أبي داود: كان محترقاً شيعيًّا، جاز حديثه. وقال ابن عديّ: ثقة. وقال ابن سعد: قرأ على عيسى بن عمر، وعلى عليّ بن صالح، وكان ثقةً صدوقاً، إن شاء الله تعالى، كثير الحديث، حسَنَ الهيئة، وكان يتشيّع، ويروي أحاديث في التشيّع منكرة، وضُعّف بذلك عند كثير من الناس، وكان صاحب قرآن. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يتشيّع. وقال يعقوب بن سفيان: شيعيّ، وإن قال قائل: رافضي لم أُنكر عليه، وهو منكر الحديث. وقال الْجُوزَجَاني: وعبيد الله بن موسى أغلى، وأسوأ مذهبًا، وأروى للعجائب. وقال الحاكم: سمعت قاسم بن قاسم السيّاريّ: سمعت أبا مسلم البغداديّ الحافظ يقول: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد لتشيّعه، وقد عُوتب أحمدُ على روايته عن عبد الرزّاق، فَذَكَرَ أن عبد الرزّاق رجع. وقال ابن شاهين: في "الثقات": قال عثمان ابن أبي شيبة: صدوق ثقة، وكان يضطرب في حديث سفيان اضطرابًا قبيحًا. وقال ابن عديّ: قال البخاريّ: عنده "جامع سفيان"، ويُستصغر فيه. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، ما أقر به من يحيى بن يمان، أرجو أن يكون صدوقاً، وليس حديثه بالقويّ. وقال ابن قانع: كوفي صالح يتشيع. وقال الساجيّ: صدوق، كان يُفْرط في التشيّع. قال أحمد: روى مناكير، وقد رأيته بمكة، فأعرضت عنه، وقد سمعت منه قديماً سنة (١٨٥) وبعد ذلك عتبوا عليه تركه الجمعة مع إدمانه على الحجّ.
وقال أبو حاتم: سمعت منه سنة (٢١٣). وقال ابن سعد: مات في ذي القَعدَة سنة (٢١٣)، وكذا أرّخه غيره. وقال يعقوب بن شيبة: مات سنة (١٤). وذكر القراب أنه ولد سنة (١٢٨). أخرج له الجماعة، وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ (٢٧) حديثًا، وروى في مواضع عن غير واحد، عنه، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثاً.
٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، ثقة تكلّم فيه بلا حجة [٧] تقدم ٧٥/ ١٠٠٦.
٤ - (فُرَات) بن أبي عبد الرحمن الْقَزّاز التميميّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله البصري، سكن الكوفة، ثقة [٥].
стр. 9153
روى عن أبي الطفيل، وسلمان الأشجعي، وعُبيد الله بن القبطية, وغيرهم. وعنه ابنه الحسن، وشعبة، وإسرائيل، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال سفيان: كان ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقيان تقدّما قبل بابين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم قبل بابين، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في -٥/ ١١٨٤، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادة ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٣ - (تَسْلِيمُ الْمَأمُومِ (١) حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجمة المصنف رحمه الله تعالى هذه بمعنى ترجمة الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه"، حيث قال: "باب يسلّم حين يسلّم الإمام".
وكان ابن عمر ﵄ يَستَحبّ إذا سلّم الإمام أن يُسلّم مَن خلفه انتهى.
قال الزين ابن الْمُنَيّر ﵀: ترجم بلفظ الحديث، وهو محتمل لأن يكون المراد أنه يبتدىء السلام بعد ابتداء الإمام له، فيَشرَع المأموم فيه قبل أن يتمّه الإمام، ويحتمل أن يكون المراد أن المأموم يبتدىء السلام إذا أتمّه الإمام، قال: فلمّا كان محتملًا للأمرين وَكَلَ النظر فيه إلى المجتهد انتهى.
قال الحافظ ﵀: ويحتمل أن يكون أرأد أن الثاني ليس بشرط، لأن اللفظ يحتمل صورتين، فأيهما فعل المأموم جاز، وكأنه أشارإلى أنه يندب أن لا يتأخّر المأموم في سلامه بعد الإمام، متشاغلاً بدعاء وغيره، ويدلّ على ذلك ما ذكره عن ابن عمر انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9154
١٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي بِقَوْمِي (١) بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ، فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مَسْجِدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ مَعَهُ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ (٢)، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ"، فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ (٣) أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي الإمام الحافظ الحجة المشهور [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة اليمني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (محمود بن الربيع) بن سُرَاقة بن عمرو الخزرجي، أبو نعيم، أو أبو محمد المدني، صحابي صغير، جلّ روايته عن الصحابة، تقدم ١٠/ ٧٨٨.
٦ - (عتبان بن مالك) -بكسر أوله، وسكون ثانيه- ابن عمرو العجلاني الأنصاري السلمي، صحابي مشهور مات في خلافة معاوية ﵄، تقدم ١٠/ ٧٨٨.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدم برقم ١٠/ ٧٨٨ - باب "إمامة الأعمى" وتقدم شرحه مُستَوفًى هناك، وكذا بيان المسائل المتعلّقة به، فمن أراد الاستفادة، فليراجع هناك.
قوله: "قد أنكرت بصري" على صيغة المتكلّم، وتقدم أنه قال: "وأنا رجل ضرير البصر"، وفي رواية "وهو أعمى"، وقد تقدّم وجه التوفيق بين هذه الروايات في الباب المذكور، وحاصله أن المراد أنه ضعف بصره، وقارب العمى، والله تعالى أعلم.
وقوله: "وأن السيول" جمع سيل، وهو الماء الجاري أيام الأمطار.
وقوله: "فلوددت" بكسر الدال الأولى: أي تمنيت.
стр. 9155
وقوله: "فغدا علي" بتشديد الياء، أي جاءني غُدوة، أي في أول النهار عند اشتداد حر الشمس.
وقوله: "وسلّمنا حين سلّم" هذا موضع الترجمة، فإنه يدل على أن السنة أن يسلم المأموم وقت سلام إمامه، فلا يتقدّم عليه، ولا يتأخر عنه مشتغلاً بالدعوات، بل يسلم عقب تسليمه.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ظاهره يقتضي أنهم سلّموا مع سلامه، لأن الحين معناه الوقت، فظاهر اللفظ يقتضي أن سلامهم كان في وقت سلامه، مقارناً له، وليس هذا هو المراد -والله أعلم- وإنما المراد أنهم سلّموا عقب سلامه من غير تأخّر عنه، وعبّر عن ذلك باتحاد الوقت والحين، فإن التعاقب شبيه بالتقارن، وهو أيضاً المراد -والله أعلم- من المرويّ عن ابن عمر وغيره من السلف فى السلام مع الإمام، وأنهم أرادوا بالمعيّة التعاقب، دون التقارن انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى حسن جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلّا بالله، عليه توكلت, وإليه أنيب".
…
٧٤ - (بَابُ السُّجُودِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة مشروعية السجود بعد الفراغ من الصلاة استدلالاً بحديث عائشة المذكور في الباب، لأن المراد من قولها: "ويسجد سجدة قدرَ ما يقرأ أحدكم خمسين آية" هو السجود بعد الفراغ من الصلاة.
لكن في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، إذ الظاهر من الحديث بيان طول سجوده ﷺ في صلاة الليل بقدر ما يكون مثل قراءة القارىء خمسين آية.
وأصرح من هذا رواية البخاري جـ ٢ ص٣١ - من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، ولفظه: "كان يصلي إحدى عشرة ركعةً، كانت تلك صلاته -تعني بالليل-
стр. 9156
فيسجد السجدة الواحدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه … " الحديث. فإن اسم الإشارة عائد إلى ما ذكر قبله، وهو وصف صلاته ﷺ بالليل، فهو صريح في أنّ تلك السجدة كانت في نفس الصلاة، أرادت عائشة ﵂ بذلك بيان مقدار طول السجدة الواحدة في صلاته ﷺ بالليل، لا أنّه يسجد سجدة بعد سلامه من الصلاة بالمقدار المذكور، فإن هذا بعيد من معنى ظاهر الحديث.
وأصرح منه رواية أبي داود رقم ١٣٣٦ - من طريق الأوزاعي، عن الزهري، ولفظه: "ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية … ".
وأحسن من صنيع المصنف ﵀ صنيع الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" حيث استدل بالحديث على استحباب طول السجود في صلاة الليل، فقال. "باب طول السجود في قيام الليل"، ثم أورد حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، وهو استدلال واضح. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٢٨ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ (١)، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: (٢) قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَيَسْجُدُ سَجْدَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ.
وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ. مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سليمان بن داود بن حَمّاد بن سعد) الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] تقدم ٦٣/ ٧٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الحافظ الثقة العابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل [٧] تقدّم ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري، أبو أيوب المصري، ثقة حافظ فقيه [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩.
٥ - (يونس بن يزيد) الأيليّ، ثقة، من كبار [٧] تقدم ٩/ ٩.
стр. 9157
٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم المذكور في السند الماضي.
٧ - (عروة) بن الزبير المدني الثقة الثبت الفقيه [٣] تقدّم ٤٠/ ٤٤.
٨ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت ٥/ ٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله في -٤١/ ٦٨٥ - باب "إيذان المؤذنين الأئمّة بالصلاة"، فليُرَاجَع هناك. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "وبعضهم يزيد على بعض في الحديث" هذا من كلام ابن وهب، يعني أن ابن أبي ذئب، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد أخبروه بهذا الخبر، وفي إخبار بعضهم زيادة على بعض في الحديث، وهنا قاعدة مهمة ذكرت في كتب "مصطلح الحديث"، بينتها في الباب المذكور، فراجعها تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "مختصر" خبر لمبتدإ محذوف، أي هذا الحديث مختصر، وتمامه كما تقدّم في الباب المذكور:
"فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر ركع ركعتين خفيفتين، ثمّ اضطجع على شقّه الأيمن حتى يأتيه المؤذن بالإقامة، فيخرج معه" انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٥ - (بَابُ سَجْدَتَي (١) السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالكَلَامِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة ذكر المصنف رحمه الله تعالى لهذا الباب، والذي بعده هنا، وإن كانا من أبواب السهو كون الأبواب السابقة واللاحقة في الكلام على السلام.
ثم إنه أراد بالسلام والكلام ما كان سهواً، أو على ظن تمام الصلاة، بدليل الحديث المذكور، فإن سلام النبي ﷺ ، وكلامه كان على ظن تمام الصلاة، وكذا الصحابة الذين تكلموا أثناء الصلاة كانوا ظانين أنه حدث النقص في الصلاة، فجازت صلاتهم، فأما إذا
стр. 9158
سلّم بنية قطع الصلاة، أو تكلّم عمداً، فقد بطلت صلاته. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٢٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ، ثُمَّ تَكَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن آدم) الْجُهَني المصِّيصيّ، صدوق [١٠] تقدّم ٩٣/ ١١٥.
٢ - (حفص) بن غياث بن طلق النخعي الكوفي، ثقة فقيه تغير قليلاً في الآخر [٨] تقدم ٨٦/ ١٠٥.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الحافظ الحجة الثبت أبو محمد الكوفي [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه الثقة العابد الكوفي [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣.
٥ - (علقمة) بن قيس النخعي الفقيه الثقة الثبت العابد الكوفي [٢] تقدم ٦١/ ٧٧.
٦ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. ومنها: أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: سليمان، وإبراهيم، وعلقمة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه (أن النبي ﷺ سَلَّمَ) أي من صلاة الظهر، كما بُيِّن في الروايات الأخرى (ثم تكلم) أي لظنه أنه صلى الصلاة على الوجه المطلوب (ثم سجد سجدتي السهو) أي بعدما ذكّروه، وهذا الحديث مختصر من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الطويل، وقد تقدّم بطوله برقم ٢٥/ ١٢٤٣ "باب التحرّي" من طريق الفضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم:
ولفظه: "صلى رسول الله ﷺ صلاةً، فزاد فيها أو نقص، فلمّا سلّم قلنا: يا نبي الله، هل حدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، فذكرنا له الذي فعل، فثَنَى رجله، فاستقبل القبلة، فسجد سجدتي السهو، ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: "لو حدَثَ في الصلاة شيء لأنبأتكم به"، ثم قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فأيكم شكّ في صلاته شيئاً، فليتحرّ الذي يرى أنه صواب، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو".
стр. 9159
ولفظه من طريق شعبة، عن منصور: "صلى صلاة الظهر، ثم أقبل عليهم بوجهه … " الحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه المصنف هكذا مختصراً هنا -٧٥/ ١٣٢٩ - وفي "الكبرى" -١٠٩/ ١٢٥٢ - بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٢/ ٨٦ (ت) رقم ٣٩٣ (ق) ١٢١٨ (الحميدي) رقم ٩٦ (أحمد) ١/ ٣٧٦ و٤٥٦ (ابن خزيمة) ١٠٥٨ و١٠٥٩.
وقد تقدّم البحث فيه مُستوفًى في الباب المذكور، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٦ - (السَّلَامُ بَعْدَ سجْدَتَيِ السَّهْوِ)
١٣٣٠ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ.
قَالَ: ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عكرمة بن عمّار) العجلي، أبو عمّار اليمامي، بصريّ الأصل، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] تقدم ٥٧/ ١٢٩٩.
٢ - (ضَمْضَم بن جَوْس) بن الحارث بن جَوْس اليمامي، ثقة [٣] تقدم ١٢/ ١٢٠٢.
٣ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١.
والباقيان تقدما قبل بابين. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه فتفرد به هو والترمذيّ، وضمضم فمن رجال الأربعة، وفيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
стр. 9160
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (أن رسول الله ﷺ ) أي بعد أن صلّى ركعتين من صلاة الظهر، أو العصر، كما تقدم ذلك في حديث أبي هريرة الطويل في قصّة ذي اليدين من طرق متعددة (ثم سجد سجدتي السهو) بعدما ذكّره ذو اليدين بأنه صلى ركعتين فقط، وصدّقه بقية الصحابة الذين صلوا معه (وهو جالس) جملة حالية في محلّ نصب من فاعل "سجد" (ثم سلّم) هذا محل الترجمة، فإنه يدل على مشروعية السلام بعد سجدتي السهو.
وقد تقدم أنه اختلف في حديث أبي هريرة ﵁ في إثبات السجدتين في هذه القصة، وأكثر الرواة عنه على إثباتهما، وقد نفاهما الزهري في روايته عنه، فمنهم من وهمه في ذلك، وهم أكثر الْحُفّاظ، ومنهم مَن أوّل كلامه، وتمام البحث في ذلك قد مرّ مُستوفَى في الباب -٢٣ - "ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين"، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(قال) يحتمل أن يكون الفاعلُ ضميرَ ضمضم، أو من دونه (ذكره) أي ذكر أبو هريرة هذا الحديث (في حديث ذي اليدين) أي في جملة حديث قصّة ذي اليدين الطويل.
يعني أن هذا الحديث طرف من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي ذكره في قصة ذى اليدين. والله تعالى أعلم.
وقد ساق الإمام أحمد ﵀ الحديث بطوله في "سنده" جـ ٢ ص ٤٢٣ - فقال:
ثنا حسن بن موسى، ثنا شيبان بن عبد الرحمن، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، قال: بينما أنا أصلي صلاة الظهر سلّم رسول الله ﷺ من ركعتين، فقام رجل من بني سُليم، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، فقال رسول الله ﷺ : "لم تُقصر، ولم أنسه"، قال: يا رسول الله إنما صلّيت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : "أحَق ما يقول ذو اليدين؟ "، قالوا نعم، قال: فقام، فصلى بهم ركعتين آخرتين.
قال يحيى: حدثني ضَمْضَم بن جَوْس أنه سمع أبا هريرة يقول: ثم سجد رسول الله ﷺ سجدتين.
وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ من رواية أبي سلمة، وغيره بعدة طرق من حديث -١٢٢٤ إلى-١٢٣٥ - . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9161
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٦/ ١٣٣٠ - وفي "الكبرى" -١١٠/ ١٢٥٣ - و١١٤/ ٥٦٩ - عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عنه. وفي "الكبرى" -١١٤/ ٥٧٠ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم، عنه. وفي -١٢٤/ ٦٠٢ - عن أبي بكر بن إسحاق، عن أبي زيد الهَرَويّ سعيد بن الربيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى به، بلفظ: "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فقال في الركعين الأوليين، فلم يقعد حتى إذا كان في آخر صلاته، فسجد سجدتين قبل أن يسلّم، ثم سلّم".
رواية علي بن المبارك فيها مخالفة لرواية شيبان، وغيره، لكنه متكلم في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فلا تضرّ مخالفته له. والله تعالى أعلم.
وأخرجه (د) رقم ١٠١٦ - و (أحمد) كما تقدم قريباً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٣١ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى ثَلَاثًا، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ الْخِرْبَاقُ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ ثَلَاثًا، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد) بن زيد البصري الحافظ الثبت الحجة [٨] تقدم ٣/ ٣.
٣ - (خالد) بن مهران الحذّاء البصري الحافظ ثقة يرسل [٥] تقدم ٧/ ٦٣٤.
٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] تقدم ١٠٣/ ٣٢٢.
٥ - (أبو المهلَّب) الجرمي البصري، عم أبي قلابة، عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: غيره، ثقة [٢] تقدّم ٢٣/ ١٢٣٦.
(٦) (عمران بن حُصَين) الصحابي المشهور ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٠١/ ٣٢١.
стр. 9162
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمران ﵁ هذا صحيح تقدم برقم ٢٣/ ١٢٣٦، و١٢٣٧ - باب "ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين" وتقدّم هناك شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، فإن شئت الاستفادة، فراجعه. وبالله تعالى التوفيق.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به لما ترجم له واضح، إذ قوله: "ثمّ سلّم" صريح في كونه سلم بعد سجدتي السهو. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٧ - (جَلْسَةُ الإِمَامِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الجلسة" هنا بفتح الجيم، لا بكسرها، لأن المراد به المرة من الجلوس، لا الهيئة، قال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كجَلْسَهْ … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب حديث البراء بن عازب ﵄، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، استدلالاً على استحباب جلوس الإمام بين تسليمه، والانصراف إلى حاجته، وهو استدلال واضح. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: رَمَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاتِهِ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، وَرَكْعَتَهُ (١)، وَاعْتِدَالَهُ (٢)، بَعْدَ الرَّكْعَةِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالاِنْصِرَافِ قَرِيبًا (٣) مِنَ السَّوَاءِ).
стр. 9163
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهَاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٢ - (عمرو بن عون) بن أوس بن الْجَعْد الواسطيّ، أبو عثمان البزّاز الحافظ، مولى أبي العَجْفَاء السُّلّميّ، سكن البصرة، ثقة ثبت [١٠].
روى عن الحمّادين، وهُشيم، وأبي عوانة، وغيرهم. وعنه البخاريّ، وأبو داود، وروى البخاري أيضاً، والباقون بواسطة عبد الله بن محمد المُسنَديّ، وحجاج بن الشاعر، وعبد الله الدارمي، وأحمد بن سليمان الرُّهَاوي، وغيرهم.
قال إبراهيم بن الجنيد سمعت يحيى بن معين يقول: حدثنا عمرو بن عون، وأطنب في الثناء عليه. وقال العجلي: ثقة، وكان رجلاً صالحاً. وقال الدُّوريّ: سمعت يزيد ابن هارون يقول: عمرو بن عون ممن يَزداد كلّ يوم خيراً. وقال أبو زرعة: قلّ من رأيت أثبت منه. وقال أبو حاتم: ثقة حجة، وكان يحفظ حديثه. وقال مسلمة في "الصلة": ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٢٥)، كذا قال حاتم بن الليث الجوهريّ، وكذا قاله البخاريّ، وأبو داود ظنًّا، وكذا جزم ابن قانع نقلاً عن حفيده، وزاد: "في شعبان". أخرج له الجماعة. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ (١١) حديثاً. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٤٦٨١) "الرجل أحقّ بعين ماله … ".
٣ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٤١/ ٤٦.
٤ - (هلال) بن أبي حُميد، ويقال: ابن حميد، ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن, ويقال: ابن مِقْلَاص الجُهَنيّ مولاهم، أبو عمرو، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الجهم الكوفي الصيرفيّ الجِهْبِذ الوَزّان، ثقة [٦].
روى عن عبد الله بن عُكَيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير، وأبي بشر. وعنه مسعر، وإسرائيل، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: لا بأس به، حدّثنا حامد، حدثنا سفيان، قال: كان هلال الوزّان شيخاً قد كبر، وكان يكتب على البيدر في كلّ شهر بعشرة دراهم. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ولكنه فرّق بين هلال بن عبد الرحمن، وهلال بن مقلاص، وهلال بن أبي حميد، وأشار البخاريّ إلى أن هلال بن أبي حميد أصحّ، وقال: قال وكيع: هلال بن حميد، ومرّة هلال بن عبد الله، ولا يصحّ. أخرج له الجماعة سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٤٢٥١) "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب … ".
стр. 9164
٥ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (البراء بن عازب) الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄ تقدم ٨٦/ ١٠٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث البراء رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وتقدّم برقم ١١٤/ ١٠٦٥ - باب "قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود"، وتقدم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
واستدلّ به المصنف رحمه الله تعالى هنا على مشروعية الجلوس بين التسليم من الصلاة، والانصراف منها إلى جهة حاجته، وهو استدلال واضح.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: فهذا الحديث صريح في أنه كان يجلس بعد تسليمه قريباً من قدر ركوعه، أو سجوده، أو جلوسه بين السجدتين، ثم ينصرف بعد ذلك انتهى (١).
وقوله: "رَمَقْتُ" من باب قتل، يقال: رَمَقَه بعينه رَمْقًا: أطال النظرَ إليه. قاله في "المصباح".
وقوله: "وركعته": أي ركوعه.
وقوله: "قريباً من السواء" أي إن ركوعه يقارب قيامه، وكذا غيره، هذا هو المتبادر من لفظ الحديث، وقد جاء صريحاً في صلاة الليل.
ويحتمل أن المراد كان قيامه في ركعاته مقارباً، وكذا الركوع، أي قيام كلّ ركعة يقارب قيام الأخرى، وركوعها ركوعها، وهكذا، وهذا بعيد من حيث دلالة اللفظ، ومن حيث أنه مخالف لما عُلم من تطويله الركعة الأولى.
ويحتمل أن المراد أنه إذا طوّل في القيام طوّل في الركوع والسجود بقدره، وإذا خفّف خفّف في الكلّ أيضاً بقدره، وعلى قياسه، والله تعالى أعلم.
قاله السندي رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير هو الراجح عندي. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث صريح في إطالة النبي ﷺ للرفع من الركوع والسجود، وأن رفعه منهما كان قريباً من ركوعه وسجوده، فدلّ على أنه ﷺ كان يناسب بين أركان الصلاة، وهي الركوع، والسجود، والرفع منهما،
стр. 9165
ويقارب بين ذلك كلّه، فإن أطال منها شيئاً أطال الباقي، وإن أخفّ منها شيئاً أخفّ الباقي انتهى كلامه (١).
قال الجامع: كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى يؤيّد ما رجّحته آنفاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الصَّلَاةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلَمَة) المرادي المصري، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الحافظ الثبت العابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة، من كبار [٧] تقدم ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) الزهري الإمام المشهور تقدم قريباً.
٥ - (هند بنت الحارث الفراسية) ويقال لها: القرشية، وكانت تحت مَعبد بن المقداد ابن الأسود، ثقة [٣].
روت عن أمّ سلمة، وكانت من صواحباتها، وروى عنها الزهري، ذكرها ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد: اسمها على الأصحّ الزَّهْراء، ثمّ قال: وقال الزُّبيدي: أخبرنا الزهريّ أن هندا بنت عبد المطلب.
وذكر البخاريّ في "صحيحه" الخلاف في مَعْبَد بن المقداد، وكانت تدخل على أزواج النبي ﷺ ، قال: وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: حدثه ابن شهاب، عن امرأة من قريش، عن النبي ﷺ انتهى. أخرج لها الجماعة سوى مسلم، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية الهلالية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تقدمت ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعي،
стр. 9166
عن تابعية، وأن هند بنت الحارث ليس لها ذكر في هذا الكتاب إلا في هذا الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يونس) بن يزيد الأيلي، أنه قال (قال ابن شهاب) وفي نسخة "عن ابن شهاب، قال" (أخبرتني هند) يجوز منعه من الصرف للعلمية والتأنيث، ويجوز صرفه لسكون وسطه، والأوّل أولى لاجتماع العلتين، وإن قاوم إحداهما خفة سكون وسطه، قال في "الخلاصة":
وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيرًا سَبَقْ … وَعُجْمَةً كَهِنْدَ وَالْمَنْعُ أَحَقّ
(بنت الحارث الفراسية) بكسر الفاء، وتخفيف الراء، آخره مهملة: نسبة إلى فراس بطن من كنانة.
وهند تابعية، ولا يعرف لها راو غير الزهري، ولم يخرج لها مسلم، كما سبق.
وقد اختلف في نسبتها، فمنهم من قال: الفراشية، ومنهم من قال: القرشية، فمن قال: من أهل النسب: إن كنانة جماع قريش، فلا مغايرة بين النسبتين، ومن قال: إن جماع قريش فهر بن مالك، فيحتمل أن يكون اجتماع النسبتين لهند على أن إحداهما بالأصالة، والأخرى بالمحالفة. قاله في "الفتح" (١).
(أن أم سلمة) ﵂ (أخبرتها) أي أخبرت هنداً، زاد البخاري "وكانت من صواحباتها" (أن النساء في عهد رسول الله ﷺ ) أي فى وقته (كنّ إذا سلّمن من الصلاة) التي صلينها جماعة في المسجد خلف رسول الله ﷺ (قُمن) أي من مكانهن، وخرجن إلى بيوتهنّ (وثبت رسول الله ﷺ ) أي قعد في مكانه الذي صلّى فيه ليعقد الرجال بقعوده حتى لا تقع الفتنة باختلاط الرجال بالنساء في الطرقات.
ففي رواية البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري: "كان رسول الله ﷺ إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم، قال ابن شهاب: فأُرَى -والله أعلم- أن مكثه لكي يَنْفُذ النساء قبل أن يدركهنّ من انصرف من القوم".
(ومن صلى من الرجال) في محلّ رفع عطف على "رسول الله"، أي وثبت الرجال الذين صلّوا مع رسول الله ﷺ (ما شاء الله) "ما" مصدرية ظرفية، أي مدة مشيئة الله تعالى، أو موصولة، مفعول "مكث"، أي مكث الوقت الذي شاء الله تعالى أن يمكث فيه.
стр. 9167
وقد أفادت رواية البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن ابن شهاب مقدار ذلك المكث، ولفظه: "كان يسلّم، فينصرف النساء، فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ". ففيه أن مكثه كان بمقدار انصراف النساء، ودخولهن بيوتهن.
قال في "الفتح": وأفادت هذه الرواية الإشارة إلى أقلّ مقدار كان يمكثه ﷺ انتهى.
(فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال) أي الذين مكثوا معه لكي ينصرف النساء قبل أن يراهنّ الرجال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٧/ ١٣٣٣ - وفي "الكبرى" -١١١/ ١٢٥٦ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١/ ٢١٢، و١/ ٢١٥، ١/ ٢١٩، و١/ ٢٢٠ (د) رقم ١٠٤٠ (ق) ٩٣٢ (أحمد) ٦/ ٢٩٦، و٦/ ٣١٠، و٦/ ٣١٦ (ابن خزيمة) ١٧١٨، و١٧١٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو استحباب الجلوس بين التسليم والانصراف.
ومنها: مراعاة الإمام أحوال المأمومين.
ومنها: الاحتياط في اجتناب ما قد يُفضي إلى المحذور.
ومنها: اجتناب مواضع التُّهَم، وكراهةُ مخالطة الرجال للنساء في الطرقات، فضلاً عن البيوت.
ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا كلهم رجالاً فقط أنه لا يستحبّ هذا المكث، وعليه حمل ابن قُدَامة حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ كان إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهمّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" الآتي برقم ٨٢/ ١٣٣٨.
ومنها: أن النساء كنّ يحضرن صلاة الجماعة في المسجد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9168
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في حكم المكث في المصلَّى بعد السلام من الصلاة:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والمنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء. روى عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبى الأحوص، عن ابن مسعود قال: إذا سلّم الإمام، فليقم، ولينحرف عن مجلسه، قلت: يُجزئه أن ينحرف عن مجلسه، ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف بغرب، أو شرق عن غير واحد، وكان المسؤول معمراً. وروى أيضاً بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعدما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عُبيدة أنه قال -لمّا سمع مصعباً يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة-: ما له؟ قاتله الله نَعَّار بالبِدَعِ.
ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسناً.
ففي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة ﵁ "أن النبي ﷺ كان لا يقوم من مصلّاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام".
وروى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة.
قال أحمد -في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ-: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس.
فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلّال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهرن جلوس الإمام في مصلّاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم للحديث الصحيح "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يحدث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه". فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصّ الشافعيّ في "المختصر" على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب
стр. 9169
سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر الله، خصوصاً بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يحدث.
ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه.
ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلّاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهاً، أو غير مكروه.
قال ابن مسعود ﵁: إذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودعه، فقد تمت صلاتك. أخرجه عبد الرزّاق.
وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء.
وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة, وغيرهم.
وقال الزهريّ: إنما جُعل الإمام ليؤتم به -يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه.
وفي "صحيح مسلم"، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف".
وحديث أم سلمة ﵂ المخرّج في هذا الباب يدلّ عليه، فإن النبي ﷺ كان يجلس يسيراً حتى ينصرف النساء، فلا يختلط بهن الرجال، وهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه.
وفي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عاماً للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: "يشهدن الخير ودعوة المسلمين". فلو كان عقب الصلاة دعاء عام لشهده النساء مع الرجال أيضاً.
وقال الشافعي في "الأمّ": فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحبّ إليّ.
وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم.
وفي "تهذيب المدوّنة" للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنحّى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى
стр. 9170
ببعض تغيير (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم" هو الراجح عندي.
وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلّاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا يقوم حتى ينصرفن.
وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلاً بالحديث المتقدّم، وهو قوله: "ولا بالانصراف" فهو غير صحيح عندي، لأن معنى الانصراف هنا -والله أعلم- هو السلام، بدليل أنه ﷺ قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فنهى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ ﵁ المشهورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق.
فكرهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته.
وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن علي ﵁ أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه.
ورَخّص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاري، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد.
فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأموماً. كذلك قال الإمام أحمد.
وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد.
وقد أخرج أبو داود حديثاً يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثة ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصفّ المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد
стр. 9171
شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله ﷺ ، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطّاب" (١).
وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم.
ويدلّ عليه أيضاً ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلْها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج. أخرجه مسلم (٢).
وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر.
وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه، قيل له: فما يُجزىء من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه.
ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد.
قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم. وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاري (٣).
وقد ذكر قتادة عن ابن عمر أنه رأى رجلاً صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة.
وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق.
стр. 9172
ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأموماً، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال.
وقد قال الشافعي في "سنن حرملة": حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة. "أصلاتان معًا؟ "، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام.
وقد روي أن النبي ﷺ اضطجع بعد ركعتي الفجر.
وروى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم.
قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس ﵃ في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟.
وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية ﵁ يدلّ على الكراهة انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية ﵁ المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب ﵀، فليُتَنبّه. والله تعالى أعلم.
وكتب الحافظ ﵀ على قول الإمام البخاري ﵀: "ويذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوّع الإمام في مكانه" (٢) ولم يصحّ انتهى.
ما نصه: قوله: "ولم يصحّ" هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف (٣)، واختلف عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في "تاريخه"، وقال: لم يثبت هذا الحديث.
وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً أيضاً بلفظ: "لا يصلي الإمام في الموضع
стр. 9173
الذي صلى فيه حتى يتحوّل". رواه أبو داود، وإسناده منقطع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي ﵁، قال: "من السنة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه".
وحكى ابن قدامة في "المغني" عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة.
وفي مسلم "عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج, فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك".
ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة.
ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالا، لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختُلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين, وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع.
وحجة الجمهور حديث معاوية ﵁.
ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى.
فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي.
قلنا: قد ثبت في حديث معاوية ﵁ "أو تخرج".
ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة.
وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتعُقّب بحديث "ذهب أهل الدثور"، فإن فيه "تسبحون دبر كلّ صلاة"، وهو بعد السلام جزْماً، فكذا ما شابهه.
وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بن إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعاً، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعاً، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة.
ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلاً للقبلة, من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
стр. 9174
قال بعض المحققين رداً على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: "اللَّهم أنت السلام .... الخ" مطلقاً لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله هذا المحقق حسن جدًّا، وسيأتي تحقيقه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى ..
وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة، لعموم حديث معاوية رضي الله تعالى عنه المتقدّم.
وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف، لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه.
وكذا حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود مرفوعاً: "أيعجز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة" -يعني السُّبْحة، ضعيف أيضاً (١)، لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٨ - (بَابُ الانْحِرَافِ بَعد التَّسْلِيم)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الانحراف: مصدر انحرف عن كذا: إذا مال عنه. والمراد به هنا ميل الإمام عن جهة القبلة إلى جهة المأمومين. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى انْحَرَفَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.
стр. 9175
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام المشهور [٩] تقدم ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام المشهور [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٤ - (يعلى بن عطاء) العامري، أو الليثي الطائفي، ثقة [٤] تقدم ٤٠/ ٥٨٤.
٥ - (جابر بن يزيد بن الأسود) السُّوَائيّ، أو الْخُزاعيّ، صدوق [٣] تقدّم ٥٤/ ٨٥٨.
٦ - (يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: ابن أبي الأسود الخُزَاعيّ، أو العامري، حليف قريش، صحابي نزل الكوفة ﵁ تقدم ٥٤/ ٨٥٨.
[تنبيه]: قال السندي ﵀: قوله: "انحرف"، أي عن جهة القبلة، ومال إلى القوم، أو انصرف إلى البيت، والأوّل أقرب انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أو انصرف إلى البيت" غير صحيح، فإن الحديث مختصر، كما تقدم، وفيه أن ذلك كان في مسجد الخيف، في حجة الوداع، وليس ذلك في المدينة، حتى ينصرف إلى البيت، وفي رواية أحمد "ثم انحرف جالسا"، أو "استقبل الناس بوجهه … "، فتنبه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث يزيد بن الأسود رضي الله تعالى عله هذا صحيح، وتقدّم مطوّلاً برقم ٥٤/ ٨٥٨ - ومضى شرحه مُستوفى هناك، وكذا بيان مسائله, فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها.
ولنتكلم هنا على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الانحراف عن القبلة، ومواجهة المأمومين:
(اعلم): أنه قد وردت أحاديث باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبي ﷺ :
فمنها: حديث الباب.
ومنها: حديث سمرة بن جندب ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا صدى صلاةً أقبل علينا بوجهه". أخرجه البخاري.
ومنها: حديث البراء بن عازب ﵄، قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه". رواه مسلم، وأبو داود.
ومنها: حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ﵁: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس … " الحديث. أخرجه البخاري.