← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله ﷺ ، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطّاب" (١). وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدلّ عليه أيضاً ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلْها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج. أخرجه مسلم (٢). وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر. وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه، قيل له: فما يُجزىء من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه. ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد. قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم. وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاري (٣). وقد ذكر قتادة عن ابن عمر أنه رأى رجلاً صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق.

стр. 9172

ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأموماً، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال. وقد قال الشافعي في "سنن حرملة": حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة. "أصلاتان معًا؟ "، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام. وقد روي أن النبي ﷺ اضطجع بعد ركعتي الفجر. وروى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم. قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس ﵃ في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟. وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية ﵁ يدلّ على الكراهة انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا الله عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية ﵁ المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب ﵀، فليُتَنبّه. والله تعالى أعلم. وكتب الحافظ ﵀ على قول الإمام البخاري ﵀: "ويذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوّع الإمام في مكانه" (٢) ولم يصحّ انتهى. ما نصه: قوله: "ولم يصحّ" هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف (٣)، واختلف عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في "تاريخه"، وقال: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً أيضاً بلفظ: "لا يصلي الإمام في الموضع

стр. 9173

الذي صلى فيه حتى يتحوّل". رواه أبو داود، وإسناده منقطع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي ﵁، قال: "من السنة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه". وحكى ابن قدامة في "المغني" عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم "عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج, فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك". ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة. ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالا، لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختُلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين, وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع. وحجة الجمهور حديث معاوية ﵁. ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى. فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي. قلنا: قد ثبت في حديث معاوية ﵁ "أو تخرج". ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتعُقّب بحديث "ذهب أهل الدثور"، فإن فيه "تسبحون دبر كلّ صلاة"، وهو بعد السلام جزْماً، فكذا ما شابهه. وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بن إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعاً، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعاً، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة. ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلاً للقبلة, من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).

стр. 9174

قال بعض المحققين رداً على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: "اللَّهم أنت السلام .... الخ" مطلقاً لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله هذا المحقق حسن جدًّا، وسيأتي تحقيقه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى .. وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة، لعموم حديث معاوية رضي الله تعالى عنه المتقدّم. وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف، لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه. وكذا حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود مرفوعاً: "أيعجز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة" -يعني السُّبْحة، ضعيف أيضاً (١)، لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٨ - (بَابُ الانْحِرَافِ بَعد التَّسْلِيم) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الانحراف: مصدر انحرف عن كذا: إذا مال عنه. والمراد به هنا ميل الإمام عن جهة القبلة إلى جهة المأمومين. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى انْحَرَفَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.

стр. 9175

٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام المشهور [٩] تقدم ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام المشهور [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧. ٤ - (يعلى بن عطاء) العامري، أو الليثي الطائفي، ثقة [٤] تقدم ٤٠/ ٥٨٤. ٥ - (جابر بن يزيد بن الأسود) السُّوَائيّ، أو الْخُزاعيّ، صدوق [٣] تقدّم ٥٤/ ٨٥٨. ٦ - (يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: ابن أبي الأسود الخُزَاعيّ، أو العامري، حليف قريش، صحابي نزل الكوفة ﵁ تقدم ٥٤/ ٨٥٨. [تنبيه]: قال السندي ﵀: قوله: "انحرف"، أي عن جهة القبلة، ومال إلى القوم، أو انصرف إلى البيت، والأوّل أقرب انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أو انصرف إلى البيت" غير صحيح، فإن الحديث مختصر، كما تقدم، وفيه أن ذلك كان في مسجد الخيف، في حجة الوداع، وليس ذلك في المدينة، حتى ينصرف إلى البيت، وفي رواية أحمد "ثم انحرف جالسا"، أو "استقبل الناس بوجهه … "، فتنبه. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث يزيد بن الأسود رضي الله تعالى عله هذا صحيح، وتقدّم مطوّلاً برقم ٥٤/ ٨٥٨ - ومضى شرحه مُستوفى هناك، وكذا بيان مسائله, فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. ولنتكلم هنا على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الانحراف عن القبلة، ومواجهة المأمومين: (اعلم): أنه قد وردت أحاديث باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبي ﷺ : فمنها: حديث الباب. ومنها: حديث سمرة بن جندب ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا صدى صلاةً أقبل علينا بوجهه". أخرجه البخاري. ومنها: حديث البراء بن عازب ﵄، قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه". رواه مسلم، وأبو داود. ومنها: حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ ﵁: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس … " الحديث. أخرجه البخاري.

стр. 9176

ومنها: حديث أنس ﵁ قال: "أخّر رسول الله ﷺ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه … " الحديث. أخرجه البخاري أيضاً. فهذه الأحاديث تدلّ على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك، لما يشعر به لفظ "كان"، كما تقرّر في الأصول وقال النووي رحمه الله تعالى: المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظة "كان" لا يلزمها الدوام، ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض، يدلّ على وقوعه مرة انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن القول بدلالتها على الدوام، إلا أن تدلّ قرينة على خلاف ذلك هو الأرجح، قال الله تعال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، إلى غير ذلك من الآيات. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قيل: الحكمة في استقبالهم أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختصّ بمن كان حاله في مثل حاله ﷺ من الصلاحية للتعليم والموعظة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الاختصاص فيه نظر. وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة، إذ لو استمرّ الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلاً. وقال الزين ابن المنَيّر: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم حينئذ يرفع الخُيَلاء والترفّع على المأمومين. وحديث سمرة ﵁ يدلّ على أنه ﷺ كان يُقبل على جميع المأمومين، وحديث البراء يدل على أنه كان يقبل على من في جهة يمينه. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان تارة يستقبل جميع المأمومين، وتارة يستقبل أهل يمينه. أو يُجعَلُ حديثُ البراء مفسّرًا لحديث سمرة ﵁، فيكون المراد بقوله: "أقبل علينا" أي على بعضنا. أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين. أفاده في "النيل" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأحاديث الصحاح

стр. 9177

تدلّ على أنه يستحبّ للإمام أن يُقبل على المأمومين بعد السلام، إن شاء من جهة يمينه، وإن شاء أقبل عليهم جميعاً، وله أن يذهب لحاجته، ويترك الإقبال عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٧٩ - (التَّكْبِيرُ بَعْدَ تَسْلِيم الإِمَامِ) ١٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا كُنْتُ أَعْلَمُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بشر بن خالد العَسكَريّ) (١) أبو محمد الفرائضي، نزيل البصرة، ثقة يُغْرب [١٠] تقدم ٢٦/ ٨١٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. ٣ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/ ١. ٤ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الأثرم الجُحَميّ مولاهم المكي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (أبو معبد) نافذ -بفاء، فمعجمة- مولى ابن عباس المكي، ثقة [٤]. روى عن مولاه. وعنه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد الله بن صيفيّ، وأبو الزبير، وسليمان الأحول، والقاسم بن أبي بزّة، وفُرَاتٌ القزّاز. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحُمَيديّ، عن سفيان، عن عمرو بن دينار: أخبرني أبو معبد، وكان أصدق موالي ابن عبّاس. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: مات بالمدينة سنة (١٠٤)، وكان ثقة حسن الحديث. وفيها أرّخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و (٢٤٣٥) حديث: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب … " وأعاده برقم

стр. 9178

(٢٥٢٢) , و (٣٠٢٠) حديث: "عليكم السكينة، وهو كافّ ناقته … "، وأعاده (٣٠٥٢) و (٣٠٥٨). ٦ - (ابن عباس) الحبر البحر ﵄، تقدّم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: إنما كنت أعلم) هكذا رواية المصنف بالحصر، وفي رواية البخاري بدن حصر، كما يأتي لفظه قريباً. وفيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظنّ الغالب (انقضاء صلاة رسول الله ﷺ ) أي انتهاءها (بالتكبير) متعلق بـ "أعلم"، أي بسماعي لتكبير المصلين بعد سلامهم من الصلاة، حيث إنهم يجهرون به. وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن جُريج، عن عمرو بن دينار: "أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ ". وقال ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته". والرواية الأولى أخصّ من رواية ابن جريج المذكورة، لأن الذكر أعمّ من التكبير، ويحتمل أن تكون مفسّرة لها، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد، وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. قال في "الفتح" ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠: قوله: "كان على عهد رسول الله ﷺ " أن مثل هذا عند البخاريّ له حكم الرفع. خلافاً لمن شذّ، ومنع ذلك، وقد وافقه مسلم، والجمهور على ذلك انتهى (١). واختُلف في كون ابن عبّاس ﵄ قال ذلك، فقال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة، لأنه كان صغيراً ممن لا يواظب على ذلك، ولا يُلزَم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر. وقال غيره: يحتمل أن يكون حاضراً في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير.

стр. 9179

وقال ابن دقيق العيد: يُؤخذ منه أنه لم يكن هناك مُبَلّغ جهير الصوت، يُسمِع مَن بَعُدَ انتهى (١). وفيه دليل على استحباب الجهر بالذكر عقب الصلاة، قال الطبري: فيه إبانة عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة. وتعقبه ابن بطاّل بأنه لم يقف على ذلك عن أحد من السلف، إلا ما حكاه ابن حبيب في "الواضحة" أنهم كانوا يستحبّون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيراً عالياً ثلاثاً، قال: وهو قديم من شأن الناس. قال ابن بطاّل: وفي "العتبية" عن مالك أن ذلك مُحدَث. قال: وفي السياق إشعار بأن الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال. قال الحافظ: في التقييد بالصحابة نظر، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل. وقال النووي: حمل الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتاً يَسِيراً لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإمام والمأموم يُخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كون الإخفاء هو المختارَ مع صحة أحاديث الجهر بالذكر نظر لا يخفى، وسيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث. المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٩/ ١٣٣٥ - وفي "الكبرى" -١١٣/ ١٢٥٨ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١/ ٢١٣ (م) ٢/ ٩١ (د) رقم ١٠٠٢ (الحميدي) ٤٨٠ (أحمد)، ٢٢٢١ و١/ ٣٦٧ (ابن خزيمة) ١٧٠٦. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: زاد في رواية مسلم لهذا الحديث: ما نصه: "قال عمرو -يعني ابن دينار- فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره، قال: لم أحدّثك بهذا، قال عمرو: قد أخبرنيه قبل ذلك" انتهى (٢).

стр. 9180

قال النووي ﵀ في "شرح مسلم": في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يُروَى على هذا الوجه مع إنكار المحدّث له، إذا حدث به عنه ثقة. وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، قالوا: يُحتجّ به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكُّكه فيه، أو لنسيانه، أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدثتك به، ونحو ذلك، وخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ﵄، فقال: لا يُحتجّ به. فأما إذا أنكره إنكاراً جازماً قاطعاً بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم، لأن جزم كلّ واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يَقْدَحُ ذلك في باقي أحاديث الراوي، لأنا لم نتحقق كذبه انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (١). وعبارة "الفتح" ٢/ ٣٨٠: "قال الشافعي بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدّثه به انتهى (٢). وهذا يدلّ على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان الناقل عنه عدلاً. ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إما أن يجزم، أولاً، وإذا جزم، فإما أن يصرّح بتكذيب الراوي عنه، أولاً، فإن لم يجزم بالرّدّ، كأن قال: لا أذكره، فهو متفق على قبوله؛ لأن الفرع ثقة، والأصل لم يَطعَن فيه، وإن جزم، وصرّح بالتكذيب، فهو متفق عندهم على ردّه، لأن جزم الفرع بكون الأصل حدّثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جزم بالردّ، ولم يصرّح بالتكذيب، فالراجح عندهم قبوله. وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول، وعن بعض الحنفيّة، ورواية عن أحمد لا يُقبل، قياساً على الشاهد. وللإمام فخر الدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدّم، وزاد: فإن كان الفرع مترددًا في سماعه، والأصل جازمًا بعدمه سقط، لوجود التعارض. ومحصّل كلامه آنفاً أنهما إن تساويا فالرّدّ، وإن رُجِّح أحدُهما عُمل به. وهذا الحديث من أمثلته.

стр. 9181

وأبعَدَ مَن قال: إنما نفى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار، وهو الذي وقع من عمرو، ولا مخالفة، وتردّه الرواية التي فيها "فأنكره"، ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار، ولأن التفرقة بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك، وفي كتب الأصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية انتهى (١). وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث" حيث قال: وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحُّ … إسْقَاطُهُ لكِنْ بِفَرْعٍ ما قَدَحْ أَوْ قَال لَا أذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا … كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أن يُؤخَذَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مشروعية الجهر بالذكر: قال النووي رحمه الله تعالى عند شرح حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور: ما نصه: هذا دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحبّ رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبّه من المتأخرين ابن حزم الظاهريّ، ونقل ابن بطال، وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الاتفاق المذكور غير صحيحة، وسيتبين لك بطلانها في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، حيث ينقل عن الإمام أحمد ﵀ وغيره مشروعيةَ الجهر. فتبصر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. وبالله تعالى التوفيق. قال: وحمل الشافعيّ رحمه الله تعالى هذا الحديث على أنه جهر وقتاً يسيراً حتى يُعلّمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائماً، قال: فأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويُخْفيان ذلك، إلا أن يكون إماماً يريد أن يُتَعلّم منه، فيجهر حتى يَعلَم أنه قد تُعُلِّم منه، ثمّ يُسرّ، وحَمَلَ الحديث على هذا انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (٢). وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: [مسألة]: ورفع الصوت بالتكبير إثر كلّ صلاة حسن.

стр. 9182

ثم استدلّ بحديث ابن عباس ﵄ المذكور، ثم قال: فإن قيل: قد نسي أبو معبد هذا الحديث، وأنكره. قلنا: فكان ماذا؟، عمرو أوثق الثقات، والنسيان لا يَعرَى منه آدميّ، والحجّة قد قامت برواية الثقة انتهى (١). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دلّ حديث ابن عبّاس ﵄ على وفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة. وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥] وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية [الأعراف: ٥٥]، ولقول النبي ﷺ لمن جهر بالذكر من أصحابه: "إنكم لا تدعون أصمّ، ولا غائباً … " الحديث. متفق عليه. ثمّ ذكر كلام الشافعي ﵀ المتقدّم، ثمّ قال: وكذلك ذكر أصحابه، وذكر بعض أصحابنا -يعني الحنابلة- مثل ذلك أيضاً، ولهم وجه آخر أنه يكره الجهر به مطلقاً. وقال القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير": ظاهر كلام أحمد أنه يُسنّ للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات، بحيث يُسمِع المأمومَ، ولا يزيد على ذلك. وذَكرَ عن أحمد نصوصاً تدلّ على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرّ بالدعاء. وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام، فإن حديث ابن عبّاس هذا ظاهره يدلّ على جهر المأمومين أيضاً. ويدلّ عليه أيضاً ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث ابن الزبير ﵄ أنه كان يقول في دبر كلّ صلاة حين يُسلّم: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة والفضل، وله الثناء الحسن, لا إله إلا الله مخلصين له الدين, ولو كره الكافرون"، وقال: كان رسول الله ﷺ يهُلُّ بهنّ في دبر كلّ صلاة (٢). ومعنى يُهلّ يرفع صوته، ومنه الإهلال في الحجّ، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا وُلد. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يجهرون بالذكر عقب الصلوات، حتى يسمع من يليه. فأخرج النسائي في "عمل اليوم والليلة" من رواية عون بن عبد الله بن عُتبة، قال:

стр. 9183

صلى رجل إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعه حين سلّم يقول: "أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عُمر، فسمعه حين سلّم يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صليت إلى جنب عبد الله بن عمرو، فسمعته يقول مثل ما قلت، قال: كان رسول الله ﷺ يقول ذلك (١). وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر، فإنما المراد به المبالغة في رفع الصوت، فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته "لا إله إلا الله، والله أكبر"، فقال لهم النبي ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تنادون أصمّ، ولا غائباً"، وأشار إليهم بيده يُسكّتهم، ويخفّضهم. وقد أخرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ (٢). وقال عطية بن قيس: كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم بالذكر، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن كرروا الذكر. أخرجه جعفر الفريابي في "كتاب الذكر". وأخرج أيضًا من رواية ابن لهيعة، عن زُهْرَة بن معبد، قال: رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاءين كبّر حتى يبلغ منزله، ويرفع صوته. وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته، فقال رسول الله ﷺ : "دعه، فإنه أوّاه". وهذا يدلّ على أنه يُحتَمَلُ ذلك ممن عُرف صدقه وإخلاصه دون غيره. وأخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لرجل يقال له ذو البجادين: "إنه أوّاه"، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر لله في القرآن، ويرفع صوته في الدعاء". وفي إسناده ابن لهيعة. وقال الأوزاعيّ في التكبير في الحرس في سبيل الله: أحبّ إلىّ أن يذكر الله في

стр. 9184

نفسه، وإن رفع صوته فلا بأس. فأما قول ابن سيرين: يكره رفع الصوت إلا في موضعين: الأذان، والتلبية، فالمراد به -والله أعلم- المبالغة في الرفع كرفع المؤذن والملبي. وقد رُوي رفع الصوت بالذكر في مواضع، كالخروج إلى العيدين، وأيام العشر، وأيام التشريق بمنى. وأما الدعاء فالسنة إخفاؤه. ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ الآية [الإسراء: ١١٠] أنها نزلت في الدعاء. وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵃، وعن سعيد بن جُبير، وعطاء، وعكرمة، وعروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم. وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يُسرّ دعاءه لهذه الآية، قال: وكان يُكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وقال سعيد بن المسيب: أحدث الناس الصوت عند الدعاء، وكرهه مجاهد وغيره. ورَوَى وكيع عن الربيع، عن الحسن، والربيعُ عن يزيد بن أبان، عن أنس أنهما كرها أن يُسمع الرجل جليسه شيئاً من دعائه. وورد فيه رخصة من وجه لا يصح. أخرجه الطبراني من رواية أبي موسى: كان نبي الله ﷺ إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه، يقول: "اللَّهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري" -ثلاث مرّات- "اللَّهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي" -ثلاث مرّات- "اللَّهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي" -ثلاث مرّات-، وذكر دعاء آخر. وفي إسناده يزيد بن عياض متروك الحديث، وإسحاق بن طلحة ضعيف. فأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن البراء بن عازب ﵄، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه ليُقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: "ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك". فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك، حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحياناً جليسه كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانًا في صلاة النهار. ورَوَى هلال بن يساف، عن زاذان، حدثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في دبر الصلاة: "اللَّهم اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الغفور"

стр. 9185

مائة مرّة. أخرجه ابن أبي شيبة (١)، وعنه بقيّ بن مخلد في "مسنده" انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، وكذا ما تقدم من كلام ابن حزم ﵀ أن الصواب هو الذي ذهب إليه أحمد، وبعض السلف، من أن رفع الذكر بعد الصلاة مستحب، وأن القول بكراهة ذلك مع صحة الأدلّة، ولاسيما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور في الباب مما لا وجه له، وأن دعوى اتفاق أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم على عدم القول به من الدعاوي الباطلة. فهذا الإمام أحمد قد عرفتَ قولَه بالاستحباب، أليس هو من أصحاب المذاهب المتبوعة؟ إن هذا لشيء عجيب!!. وأنه لا دليل لمن حمل حديث ابن عباس على أن الجهر كان وقتاً يسيراً للتعليم، كما لا دليل لمن ادعى أن الجهر بالتأمين كان لأجل التعليم. وهذا ابن عباس ﵄ من أعلم الناس بالسنة يخبرنا إخباراً مطلقاً, دون أن يقيده بوقت دون وقت، وأيضاً فإن فيه لفظة "كان" المشعرة بالمداومة والمواظبة. والحاصل أن أكثر عمل النبي ﷺ وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير عقب المكتوبة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٠ - (بَابُ الأَمْرِ بِقِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَاتِ بَعْدَ التَّسْلِيم مِنَ الصَّلَاةِ) ١٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ حُنَيْنِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: أَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ

стр. 9186

عَلَيْهِ أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المذكور قبل بابين. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المذكور قبل بابين أيضاً. ٣ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٤ - (حُنين بن أبي حكيم) الأمويّ مولاهم المصريّ، صدوق [٦]. روى عن سالم أبي النضر، ومكحول، وعُليّ بن رباح، وغيرهم. وعنه الليث، وعمرو بن الحارث, وسعيد بن أبي هلال، وابن لَهيعة ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: لا أدري البلاء منه، أو من ابن لهيعة، فإن أحاديثه عنه غير محفوظة، قال: ولا أعلم يروي عنه غير ابن لهيعة (١) انتهى. تفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (علي بن رباح) بن قَصير اللَّخميّ، أبو عبد الله المصري، ثقة، والمشهور فيه عُليّ بالتصغير, وكان يغضب منها، من صغار [٣] تقدّم ٣١/ ٥٦٠. ٦ - (عقبة بن عامر) الجُهَنيّ الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه سكن مصر، تقدّم ١٠٨/ ١٤٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عقبة بن عامر) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ المعوّذات) ولأبي داود "أن أقرأ بالمعوذات". وفي رواية الترمذي: "أمرني أن أقرأ بالمعوّذتين". ولفظ الحاكم في "مستدركه" جـ ١ ص ٢٥٣: "اقرأوا المعوّذات في دبر كلّ صلاة". وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. و"المعوذات" بصيغة اسم الفاعل: جمع معوّذة، اسم فاعل من عَوَّذَ يُعوّذ تعويذاً: إذا قال: أُعيذك بالله من كلّ شرّ، يعني محصِّنات، سميت بذلك لأنها تعصم صاحبها من كلّ سوء.

стр. 9187

ثم المراد بـ"المعوذات" ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فالمراد بالجمع ما فوق الواحد، أو جمعهما باعتبار أن ما يستعاذ منه فيهما كثير. ويحتمل أنه أراد "المعوذتين" مع سورة الإخلاص، وسماها كلها "المعوذات" تغليباً، أو لأن في سورة الإخلاص تعويذاً من الشرك. والله تعالى أعلم. (دبر كلّ صلاة) منصوب على الظرفية، متعلّق بـ "أقرأ". وفي نسخة "في دبر"، أي عقب السلام من كلّ صلاة، والظاهر تعميم كلّ صلاة، فريضة كانت، أو نافلة. وفي هذا الحديث دلالة على استحباب قراءة المعوّذات بعد السلام من الصلاة، وقيّده بعضهم بالفريضة، ولم يذكر لذلك مستنداً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. فإن قلت: حُنين بن أبي حكيم لم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن عديّ: أحاديثه غير محفوظة. قلت: لم ينفرد حُنين برواية هذا الحديث من علي بن رباح، فقد تابعه يزيد بن محمد القرشي -وهو مصري ثقة- عند المصنف في "عمل اليوم والليلة"، والإمام أحمد في "مسنده" جـ ٤ ص ١٥٥ - فقد أخرجاه من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن عبد العزيز، وأبي مرحوم، عن يزيد بن محمد القرشي، عن علي بن رباح به. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٨٠/ ١٣٣٦ - وفي "الكبرى" ١١٤/ ١٢٥٩ - بالسند المذكور. وفي "عمل اليوم والليلة" (١) عن محمد بن أبي عبد الرحمن المقرىء، عن أبيه، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن عبد العزيز الرُّعَيني، وأبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، كلاهما عن يزيد بن محمد القرشي، عن علي بن رباح، عنه. وأخرجه (د) رقم ١٥٢٣ - (ت) ٢٩٠٣ (أحمد) ٤/ ١٥٥، و٤/ ٢٠١ (ابن خزيمة) ٧٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 9188

٨١ - (بَابُ الاسْتِغْفَارِ بَعْدَ التَّسْلِيم) ١٣٣٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ، أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ الرَّحَبِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن خالد) السلمي، أبو علي الدمشقي، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٤٥/ ٥٩٥. ٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العبّاس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٣/ ٤٥٤. ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقي، ثقة فقيه جليل [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦. ٤ - (شداد أبو عمار) هو ابن عبد الله القرشيّ الدمشقي مولى معاوية بن أبي سُفيان، ثقة يرسل [٤]. روَى عن أبى هريرة، وشدّاد بن أوس، وعمرو بن عَبَسَة، وواثلة، وأبي أسماء الرحَبيّ، وغيرهم. وعنه الأوزاعي، وعكرمة بن عمّار، وعوف الأعرابي، وغيرهم. قال عكرمة بن عمّار: حدّثنا شداد أبو عمّار، وقد لقي أبا أمامة، وواثلة، وصحب أنساً إلى الشام، وأثنى عليه فضلاً وخيراً. وقال يحيى بن أبي كثير: حدّثنا شدّاد بن عبد الله، وكان مرضياً. وقال العجليّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ: ثقة. وقال عثمان الدارمي، وابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذلك قال النسائي. وقال صالح ابن محمد: صدوق لم يسمع من أبي هريرة، ولا من عوف بن مالك. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، و (٣١٤٠) حديث: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له … ". ٥ - (أبو أسماء الرَّحَبيّ) عمرو بن مَرْثَد الدمشقيّ، ثقة [٣]. روى عن ثوبان، وأبي ذرّ، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه شدّاد أبو عمّار، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو قلابة، وغيرهم.

стр. 9189

قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن زَبْر: "الرحَبيّ": نسبة إلى رَحَبَة دمشق، قرية من قُراها، بينها وبين دمشق ميل، رأيتها عامرة. وذكر أبو سعد ابن السمعاني أنه من رَحَبَة حِمْيَر، وقال: مات في خلافة عبد الملك ابن مروان. ويُروى عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله. وقال أبو الحسن بن سُميع: اسم أبيه أسماء، والأول هو المشهور. أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. ٦ - (ثوبان) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبي ﷺ ، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام ﵁، تقدم ١٧٠/ ١١٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وأنه مسلسل بالدمشقيين، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي أسماء الرَّحَبيّ (أنه سمع ثوبان مولى رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته) قال النووي ﵀: المراد بالانصراف السلام، أي سلّم منها. (استغفر ثلاثاً) زاد مسلم في "صحيحه" بعد روايته لهذا الحديث: قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: "استغفر الله، استغفر الله" انتهى. وهذا الاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحقّ عبادة مولاه، لما يَعرض له من الوسواس والخواطر، فشُرع له الاستغفار، تداركاً لذلك. وقال السندي رحمه الله تعالى: استغفر ﷺ تحقيراً لعمله، وتعظيماً لجناب ربّه، وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفاراً كلّما يزداد عملاً، وقد مدح الله عباده، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. وقال ابن سيد الناس ﵀: هو وفاء بحقّ العبودية، وقيام بوظائف الشكر، كما قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً"، وليبين للمؤمنين سنته فعلاً، كما بينها قولاً في الدعاء والضراعة ليُقتَدَى به انتهى.

стр. 9190

(وقال) أي بعد الاستغفار (اللَّهم أنت السلام) هو اسم من أسماء الله تعالى، أي أنت السليم من المعايب والآفات، ومن كل نقص. وقال الصنعاني ﵀: المراد ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وُصف به للمبالغة انتهى. وفي تعريف الجزأين إفادة الحصر، أي أنت المختص بالتنزّه عن النقائص والعيوب، لا غيرك. (ومنك السلام) هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تعطي السلامة وتمنحها لمن أردتها له، لا من غيرك، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو منك يُرجَى السلام، ويُستوهب، ويُستفاد، أو السلامة من المعايب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلّمته. قال الشيخ الْجَزَري رحمه الله تعالى: وأما ما يُزاد بعد قوله: "ومنك السلام" من نحو "وإليك يرجع السلام، فحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام"، فلا أصل له، بل هو مختلق من بعض القُصّاص انتهى. (تباركت) تفاعلت من البركة، وهي الكثرة والنماء. روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "تبارك" بمعنى تعالى، وقال أبو العباس: ارتفع، والمبارك المرتفع. وقال ابن الأنباريّ: تقدّس، وقال الحسن: تبارك تجيء البركة من قبله، وقال الضّحّاك: تَعَظّم، وقال الخليل: تمجّد. وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك من شاء من خلقه. قال العلّامة ابن القيم ﵀: وهذا أحسن الأقوال، فتبارُكُهُ سبحانه وصفُ ذاتٍ له، وصفةُ فعلٍ. وقال ابن عطيّة: معناه عظُم، وكثُرت بركاته، ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله تعالى، ولا تتصرف في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلّة ذلك أن "تبارك" لما لم يوصف به غير الله دم يَقتض مستقبلاً، إذ الله قد تبارك في الأزل (١). (يا) وفي "صحيح مسلم" بحذف حرف النداء (ذا الجلال) أي العظمة (والإكرام) أي الإحسان إلى أوليائه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9191

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨١/ ١٣٣٧ - وفي "الكبرى" -١١٥/ ١٢٦٠ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ١٣٩ بالسند المذكور. وأخرجه (م) ٢/ ٩٤ (د) ١٥١٣ (ت) ٣٠٥ (ق) ٩٢٨ (أحمد) ٥/ ٢٧٥، و٥/ ٢٧٩ (الدارمي) ١٣٥٥ (ابن خزيمة) ٧٣٧. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الاستغفار بعد التسليم. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع وإظهار العبودية لله تعالى، فيستغفر ربه، وإن كان قد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ومنها: أن العبد لا ينبغي له الاتكال على الطاعة، بل يعتقد فيها النقص، وعدم أدائه حقّ العبادة، فيجبر ذلك بالاستغفار، فالاستغفار ليس من الذنوب والمعاصي فقط، بل الطاعة تحتاج إليه أيضًا، لما يقع فيها من السهو والغفلة، وعدم القيام بها حقّ القيام. ومنها: بيان وصف الله تعالى بأنه السالم من كلّ نقص، وعيب، وبأن السلامة لعباده منه ، لا من غيره، وأنه متصف بالعظمة ذاتًا وصفةً, وبإكرام أوليائه, الذين قال في حقهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: أن رواية الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي عند المصنف، وكذا عند مسلم بلفظ: "كان إذا انصرف من صلاته"، ووافقه عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي، عند أبي نعيم في "المستخرج". وخالفهما في ذلك جماعة فرووه عن الأوزاعي بلفظ: "كان إذا أراد أن ينصرف". فرواه أحمد من طريق عبد القدوس بن الحجّاج -وهو، والترمذي من طريق عبد الله ابن المبارك- وأبو داود من طريق عيسى بن يونس -وابن خزيمة، وأبو عوانة، وأبو العبّاس السرّاج ثلاثتهم من طريق بشر بن بكر- وابن خزيمة أيضاً من طريق عمرو بن أبي سلمة -وابن حبّان من طريق عمرو بن عبد الواحد- خمستهم عن الأوزاعي اتفقوا على لفظ "إذا أراد أن ينصرف".

стр. 9192

وأخرجه ابن خزيمة أيضاً من رواية عمرو بن هاشم البيروتي، عن الأوزاعي بلفظ: "كان يقول قبل السلام". قال ابن خزيمة ﵀: إن كان عمرو بن هاشم حفظه (١)، فمحلّ هذا الذكر قبل السلام. قال الحافظ في "نتائج الأفكار": ورواية "إذا أراد أن ينصرف" موافقة لهذه، ويمكن ردّ رواية "إذا انصرف" إليها، لكن المعروف أن هذا الذكر بعد السلام، ويؤيّده حديث عائشة ﵂ يعني الآتي في الباب التالي. ثم أخرج حديث عائشة ﵂ ثم قال: ويمكن الجمع بأنه كان يقول ذلك في الموضعين انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجيع حسنٌ جدًّا. لكن لا مانع من أن يفسّر الانصراف هنا بالانصراف إلى جهة الحاجة، لا بالانصراف الذي هو السلام، بدليل حديث عائشة ﵂، فيكون معنى "إذا أراد أن ينصرف" أي إذا أراد القيام إلى حاجته بعد السلام (٢)، فيتفق مع حديث عائشة ﵂. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٢ - (الذِّكْرُ بَعْدَ الاسْتِغْفَارِ) ١٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صُدْرَانَ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ -رضى الله عنها-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ، قَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ").

стр. 9193

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (محمد بن صُدْرَان) هو ابن إبراهيم بن صدران الأزدي السَّلَميّ (١)، أبو جعفر المؤذن البصري، نسب لجدّه، صدوق [١٠] تقدم ٦٦/ ٨٢. ٣ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٥ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة [٤] تقدم ١٤٨/ ١٣٩. ٦ - (عبد الله بن الحارث) الأنصاري، أبو الوليد البصري نسيب ابن سيرين وخَتَنُهُ، ثقة [٣]. روى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وأنس، وغيرهم. وعنه ابنه يوسف، وعاصم الأحول، وأيوب السختياني، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال سليمان بن حرب: كان ابن عمّ ابن سيرين ثقة، وتَعَقّب ذلك الدمياطي، قال: بل هو ختنه. قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ما المانع أن يكون ابن عمّه من الأمّ، أو من الرضاع، فلا يتخالف القولان. ورَوَى يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن نسيب، عن عائشة حديثاً، فقال ابن حبّان في "صحيحه": وهم فيه يحيى، وإنما هو عبد الله بن الحارث نسيب ابن سيرين، سقط عليه "الحارث"، فبقيت عبد الله بن نسيب انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث. ٧ - (عائشة) أمّ المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥، وشرح الحديث يعلم مما قبله، واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على ما بوّب له واضح، فإنه يدلّ على استحباب الذكر بعد الاستغفار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.

стр. 9194

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٢/ ١٣٣٨ - وفي "الكبرى" -١١٦/ ١٢٦١ - عن محمد بن عبد الأعلى، ومحمد بن إبراهيم بن صُدْران، كلاهما عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عنها. وفي "عمل اليوم والليلة" ٩٥ عن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون، عن عاصم به. وفي ٩٦ - منه، وفي "النعوت" من "الكبرى"- عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد به. وفي ٩٧ - عن عبد الله بن الهيثم بن عثمان، عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن عاصم، وخالد الحذاء، كلاهما عن عبد الله بن الحارث عنها. وفي ٣٦٧ - عن أحمد بن حرب، عن أبي معاوية، عن عاصم به. وأخرجه (م) ٢/ ٩٤ و٩٥ (د) ١٥١٢ (ت) ٢٩٨ و٢٩٩ (ق) ٩٢٤ (أحمد) ٦/ ٦٢ و٦/ ١٨٤ و٦/ ٢٣٥ (الدارمي) ٢٣٥٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٣ - (بَابُ التَّهْلِيلِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ) وفي نسخة "باب الذكر بعد التسليم". ١٣٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، لَا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، أَهْلَ النِّعْمَةِ وَالْفَضْلِ، وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن شُجَاع المرُّوذيّ) نزيل بغداد، ثقة [١٠] تقدم ٨/ ٨٨٦. [تنبيه]: "المروُّذي" -بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة- هذا هو الصواب، ووقع في النسخة الهندية "المروزي"، وهو خطأ. انظر "ت" ص ٣٠١. ٢ - (إسماعيل ابن عُلَيّة) الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ١٨/ ١٩.

стр. 9195

٣ - (الحَجّاج بن أبي عثمان) ميسرة، أو سالم الصوّاف، أبو الصَّلْت الكندي مولاهم البصري، ثقة حافظ [٦] تقدم ١٢/ ٧٩٠. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي، صدوق [٤] تقدّم ٣١/ ٣٥. ٥ - (عبد الله بن الزبير) بن العوّام القرشي الأسدي أبو بكر، أو أبو خُبيب، أول مولود في الإسلام بالمدينة، من المهاجرين، وولي الخلافة تسع سنين، قتل في ذي الحجة سنة (٧٣) تقدّم ١٨٩/ ١١٦١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الصحيح، إلا شيخه، فتفرد به هو والترمذيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) أبو الزبير (سمعت عبد الله بن الزبير يحدّث على هذا المنبر) لعله أراد منبر مكة (وهو يقول: كان رسول الله ﷺ إذا سلّم) فيه أنه ينبغى أن يكون هذا الذكر تالياً للسلام، مقدّمًا على غيره، لتقييد القول به بوقت التسليم. وفي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عند البخاري تقييده بالمكتوبة، ولفظه: "كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله … الخ". ولا يعارض ذلك ما تقدّم من حديث ثوبان، وعائشة ﵄ لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فتارةً يقول بعد السلام ما وقع في حديث ثوبان، وعائشة ﵄، وتارة يقول ما وقع في حديث عبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة ﵃. وعلى هذا فالسنّة أن يأتي بهذه الأذكار على سبيل البدل، لا الجمع، وقيل: يجوز الجمع بينها، لأنه يحتمل أنه ﷺ كان يجمع بينها، ورَوَى كلُّ واحد ما سمعه منه ﷺ . ولا يخفى بُعده (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا بُعْدَ في الجمع المذكور، بل هو الظاهر، لأنه ﷺ كان يجلس لانتظار انصراف النساء من المسجد ودخولهنّ بيوتهن، وذلك الوقت يسع أكثر من الذكر المذكور بكثير، فالظاهر أنه كان يقول أكثر من ذكر واحد، فينبغي لمن طال جلوسه أن يجمع بين هذه الأذكار. والله تعالى أعلم. (يقول) زاد الشافعي ﵀ في روايته: "بصوته الأعلى"، ونصه في "الأمّ" جـ ١ ص ١١٠ - : أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه

стр. 9196

سمع عبد الله بن الزبير، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا سلّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " الخ. إلا أنه ليس عنده كلمة "لا إله إلا الله" بين قوله: "لا حول ولا قوّة إلا بالله"، وقوله: "ولا نعبد إلّا إيّاه". وإبراهيم شيخه متكلّم فيه. (لا إله إلا الله وحده) أي منفرداً في ذاته (لا شريك له) أي في أفعاله، وصفاته، وعبادته. وقيل: تأكيد بعد تأكيد، لمزيد الاعتناء بمقام التوحيد (له الملك) في تقديم الخبر ما يفيد الحصر، أي لا لغيره (وله الحمد) في الأولى والآخرة، لا لغيره، فلا منعم سواه حتى يستحقّ الحمد (وهو على كل شيء قدير، لا حول لا قوّة إلا بالله) قال الأزهريّ: سمعت المنذريّ، يقول: سمعت أبا الهيثم يقول عن تفسير قوله: "لا حول ولا قوّة إلا بالله"، قال: الحولُ: الحَرَكَةُ، تقول: حالَ الشخصُ: إذا تحرّك، وكذلك كلّ متحوّل عن حاله، فكأن القائل إذا قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله. وقال الكسائي،: يقال: لا حول ولا قوّة إلا بالله، ولا حَيْلَ ولا قوّة إلا بالله، وورد ذلك في الحديث: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وفُسّر بذلك المعنى: لا حركة، ولا قوّة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: الحول الحيلةُ، قال ابن الأثير، والأول أشبه انتهى (١). (لا إله إلا الله لا نعبد) وفي الرواية الآتية في الباب التالي "ولا نعبد" بالواو (إلا إيّاه) إذ لا يستحقّ العبادة سواه (أهل النعمة) بالنصب على الاختصاص، أو المدح، أو البدل من مفعول "نعبد"، أو الرفع بتقدير "هو". ولفظ الرواية الآتية: "له النعمة". والمراد جنس النعمة، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ [النحل: ٥٣]، أو له نعمة التوفيق (والفضل) بالجر عطفاً على "النعمة"، وفي الرواية الآتية: "وله الفضل". أي له الفضل بالقبول، أو له التفضّل على عباده (والثناء الحسن) بجرّ "الثناء على العطف أيضاً، و"الحسن" صفة له، أي له لا لغيره الوصف الحسن على ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله. وفي الرواية الآتية: "وله الثناء الحسن". (لا إله إلا الله مخلصين له الدين) أي الطاعة (ولو كره الكافرون) أي كونَنَا مخلصين دينَ الله، وكوننا عابدين وموحّدين له. قال الطيبي ﵀: "مخلصين" حال عامله محذوف، وهو الدّالّ على مفعول

стр. 9197

"كره"، أي نقول "لا إله إلا الله" حال كوننا مخلصين، ولو كره الكافرون قولنا، و"الدين" مفعول به لـ"مخلصين"، و"له" ظرف قدّم على المفعول به للاهتمام به انتهى. وتعقّبه بعضهم، فقال: فيه تكلّف، والأولى جعله حالاً من فاعل "نعبد" المذكور انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: التكلف أيضاً موجود فيما قاله، حيث إن فيه الفصل بين الحال وصاحبه بقوله: "أهل النعمة الخ"، فالأولى جواز الوجهين، فإن مثل هذا ليس تكلّفًا يضرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٣/ ١٣٣٩ - وفي "الكبرى" -١١٧/ ١٢٦٢ - عن محمد بن شجاع، عن إسماعيل ابن عُلية، عن الحجّاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عنه. وفي ٨٤/ ١٣٤٠ - و"الكبرى" ١١٨/ ١٢٦٣ - وفي "عمل اليوم والليلة" ١٢٨ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبي الزبير، عنه. وأخرجه (م) ٢/ ٩٦ (د) ١٥٠٦، و١٥٠٧ (أحمد) ٤/ ٤، و٤/ ٥. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٤ - (عَدَدُ التَّهْلِيلِ وَالذِّكْرِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس في حديث الباب ذكر عدد معين للذكر المذكور، اللَّهمّ إلا إذا أراد أنه يقوده مرّةً واحدة، لأن أقلّ ما يُمتَثَلُ به في الأمر، ويتحقق به الاتباع في الفعل حصوله مرّة واحدة. وسيأتي له بعد باب في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول

стр. 9198

ذلك ثلاث مرّات، فكان الأولى له الاستدلال بذلك على إثبات العدد. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٤٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، يُهَلِّلُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ (١)، يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزي، ثم النيسابوريّ الإمام الحجة [١٠] تقدم ٢/ ٢. ٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار [٨] تقدّم ٧/ ٣٣٩. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير المدني الفقيه الثبت [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤. والباقيان تقدّما في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، والمسألتان المتعلقتان به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب". ********** ٨٥ - (نَوْعٌ آخَرُ مِن الْقَوْلِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ) ١٣٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، وَسَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، بْنِ عُمَيْرٍ كِلَاهُمَا سَمِعَهُ مِنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ

стр. 9199

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ، مِنْكَ الْجَدُّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن منصور) الْجوَّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (عبدة بن أبي لبابة) الأسديّ الغاضريّ مولاهم، ويقال: مولى قريش، أبو القاسم البزّاز الكوفي الفقيه نزيل دمشق، ثقة [٤]. روى عن ابن عمر، وابن عمرو، وزرّ بن حُبيش, وورّاد, وغيرهم. وعنه ابن أخته الحسن بن الْحُرّ، والأعمش، وابن عيينة، وغيرهم. قال الميموني عن أحمد: لقي ابنَ عمر بالشام. وقال ابن سعد: كان من فقهاء أهل الكوفة. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان يكنى أبا القاسم، كناه مكحول. وقال الأوزاعي: لم يَقْدَم علينا من العراق أحد أفضل من عبدة بن أبي لبابة، والحسن بن الحرّ، وكانا شريكين. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة من ثقات أهل الكوفة. وقال أبو حاتم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن المديني، عن ابن عُيينة: جالست عبدة بن أبي لبابة سنة (١٢٣). أخرج له أبو داود في "المسائل"، والباقون، وله فى هذا الكتاب (٤) أحاديث. ٤ - (عبد الملك) بن عُمير بن سُويد اللَّخْمي الكوفي، يقال له: الفَرَسيّ، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] تقدم ٤١/ ٩٤٧. [تنبيه]: وقع هنا في نسخ "المجتبى" اختلاف في هذا الاسم، فالنسخ المطبوعة فيها "عبد الملك بن أعين"، وكذا النسخة الهنديّة، لكن أشار فيها إلى أنه لا يوجد في بعض النسخ "ابن أعين"، وهذه النسخة هي الموافقة لـ "سنن النسائي الكبرى" المطبوعة، فإن فيها "عبد الملك" دون ذكر أبيه. والظاهر أن هذه النسخة التي أسقطت "ابن أعين" هي الصواب، لأن عبد الملك هنا هو ابن عُمير الفرَسي، لا عبد الملك بن أعين، بدليل أن مسلماً ﵀ روى الحديث، في "صحيحه" بسند المصنف، فقال: "عبد الملك بن عُمير، ونصه: وحدثنا ابن أبي عمر المكيّ، حدثنا سفيان. حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك بن عُمير، سمعا ورّاداً كاتب المغيرة … وأيضاً أن الحافظ أبا الحجّاج المزي ﵀ في "تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٤٩٥ - ٤٩٦ -

стр. 9200

بعد أن ذكر سند مسلم المذكور، أحال سند النسائي عليه، فقال: (س) فيه عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عُيينة نحوه. وأيضاً ذكر في هامش كتاب "الجامع المسند" في جـ ١٥ ص ٣٩٩ - عند ذكر سند النسائي: ما نصه: تحرّف في المطبوع من "المجتبى" إلى: عبد الملك بن أعين, وجاء على الصواب في "السنن الكبرى" انتهى. وهذه النسخة التي ذكرها في الهامش المذكور غير النسخة التي عندي، فإنها كما قدّمت ليس فيها نسبته إلى أبيه، فتبين أن نسخ "الكبرى" فيها اختلاف أيضاً، منها ما لم يُذكر فيها نسبته إلى أبيه، ومنها ما ذكر فيها "ابن عمير"، وكلاهما صواب. ثم رأيت الشيخ البهكلي اليماني صرّح في شرحه لـ "لمجتبى" -وهو عندي مصور من المخطوطة، وهو شرح لم يكمل- بأنه عبد الملك بن عُمير. وقد أخرجه البخاري في "صحيحه" من طريق الثوري، وأبي عوانة، وهشيم، وتعليقاً عن شعبة، أربعتهم عن عبد الملك بن عمير. والحاصل أن الصواب أن عبد الملك المذكور هنا هو ابن عُمير، لا ابن أعين، فالنسخة الصحيحة من "المجتبى" هي التي لم تنسبه إلى أبيه، وأما التي نسبته، فقد تصحّف عليها "ابن عمير" إلى "ابن أعين"، فتفطن. والله تعالى أعلم. ٥ - (ورّاد) -بتشديد الراء- الثقفي، أبو سعيد، أو أبو الورد الكوفي كاتب المغيرة، ومولاه، ثقة [٣]. روى عن مولاه المغيرة، ووَفَدَ على معاويه. وروى عنه عبد الملك بن عُمير، والشعبي، وعبدة بن أبي لبابة، والمسيب بن رافع، ورجاء بن حيوة، والقاسم بن مُخيمرة، وأبو سعيد الشامي، وأبو عون الثقفي، وزياد بن علاقة، وعطاء السائب، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (المغيرة بن شُعبة) بن مسعود بن معتّب الثقفي الصحابي المشهور ﵁، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) تقدّم ١٦/ ١٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وأنه مسلسل بالكوفيين من عبدة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.

стр. 9201

شرح الحديث عن ورّاد كاتب المغيرة أنه (قال: كتب معاوية) بن أبي سفيان ﵄ (إلى المغيرة بن شُعبة) وكان المغيرة إذ ذاك أميراً على الكوفة من قِبَلَ معاوية رضي الله تعالى عنهما (أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال) أي المغيرة (كان رسول الله ﷺ ) وفي رواية البخاري: "أملى عليَّ المغيرةُ ابن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي ﷺ كان يقول … " (إذا قضى الصلاة) أي المكتوبة، لما في رواية البخاري "في دبر كلّ صلاة مكتوبة … "، وفي الرواية التالية: "دبر كل صلاة إذا سلّم … "، وفي رواية لمسلم: "كان إذا فرغ من صلاته، وسلّم … ". (قال: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد) زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة: "يُحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير -إلى- قدير". ورواته موثقون، وثبت مثله عند البزّار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف، لكن في القول إذا أصبح، وإذا أمسى. قاله في "الفتح" (١) (وهو على كلّ شيء قدير، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ، منك الجدّ) قال الخطابي: "الجَدّ": الغنى، ويقال: الحظّ، قال: و"مِنْ" في قوله "منك" بمعنى البدل. قال الشاعر: [من الطويل] فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً … مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهْيَانِ (٢) يريد لنا بدل ماء زمزم انتهى. وفي "الصحاح": معنى "منك" هنا "عندك"، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح. وقال ابن التين: الصحيح عندي أنها ليست بمعنى "البدل"، ولا بمعنى "عند"، بل هو كما تقول: ولا ينفعك مني شيء، إن أنا أردتك بسوء. قال الحافظ: ولم يظهر لي من كلامه معنى، ومقتضاه أنها بمعنى "عندك"، أو فيه حذف، تقديره "من قضائي"، أو "سطوتي"، أو "عذابي". واختار الشيخ جمالُ الدين (٣) في "المغني" الأولَ.

стр. 9202

قال ابن دقيق العيد: قوله: "منك" يتعلّق بـ"ينفع"، وينبغي أن يكون "ينفع" قد ضُمّن معنى "يمنع"، أو ما قاربه، ولا يعود "منك" إلى "الجدّ" على الوجه الذي يقال فيه: حظي منك قليل، أو كثير، بمعنى عنايتك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافع انتهى (١). و"الجدّ" مضبوط في جميع الروايات بفتح الجيم، ومعناه الغنى، كما نقله البخاريّ عن الحسن، أو الحظ. وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب، أي لا ينفع أحداً نسبه. وقال القرطبي: حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بالكسر، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده. وأنكره الطبري. وقال القزّاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع، لأن الله قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟، قال: ويحتمل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة. وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرّده، ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، كما ثبت في حديث "لا يُدخلُ أحداً منكم الجنةَ عمَلُهُ". وقيل: المراد على رواية الكسر السعي التامّ في الحرص، أو الإسراع في الهرب. وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح، وهو الحظّ في الدنيا بالمال، أو الولد، أو العظمة، أو السلطان. والمعنى لا يُنجيه حظه منك، وإنما يُنجيه فضلك ورحمتك. [فائدة]: اشتهر على الألسنة فى الذكر المذكور زيادة: "ولا رادّ لما قضيت", وهي في مسند عبد بن حُميد من رواية معمر، عن عبد الملك بن عُمير، عن ورّاد به, لكن حذف قوله: "ولا معطي لما منعت". ووقع عند الطبراني تامًا من وجه آخر، قاله في "الفتح" (٢). وسيأتي للمصنف في الباب التالي: أنه كان يقول الذكر المذكور ثلاث مرّات، وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.

стр. 9203

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٥/ ١٣٤١ - وفي "الكبرى" ١١٩/ ١٢٦٣ - عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن عبدة بن سليمان، وعبد الملك بن عُمير، كلاهما عن ورّاد، عنه. وفي -٨٥/ ١٣٤٢ - و"الكبرى" -١١٩/ ١٢٦٤ - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن منصور، عن المسيّب أبي العلاء، عن ورّاد به. وفي ٨٦/ ١٣٤٣ - و"الكبرى"- ١٢٠/ ١٢٦٦ - و"عمل اليوم والليلة" رقم ١٢٩ - عن الحسن بن إسماعيل الْمُجَالديّ، عن هشيم عن المغيرة وذكر آخر (ح) وعن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، قال: أنبأنا غير واحد، منهم المغيرة، عن الشعبي، عن ورّاد به. وأخرجه (خ) في "الصلاة" ١/ ٢١٤، و"الدعوات" ٨/ ٩٠، وفي "الرقاق" ٨/ ١٢٤، وفي "القدر" ٨/ ١٥٧ و"الاعتصام" ٩/ ١١٧ وفى "الأدب المفرد" رقم ٤٦٠. (م) في "الصلاة" ٢/ ٩٥، و٢/ ٩٦ (د) في "الصلاة" ١٥٠٥ - (الحميدي) ٧٦٢ (أحمد) ٤/ ٢٤٥، و٤/ ٢٤٧، و٤/ ٢٥٠ و٤/ ٢٥١ و٤/ ٢٥٤ و٤/ ٢٥٥ (عبد بن حُميد) ٣٩٠ و٣٩١ (الدارمي) ١٣٥٦ (ابن خزيمة) ٧٤٢. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو: استحباب هذا الذكر عقب الصلوات، لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع، والإعطاء، وتمام القدرة. قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: والثواب المرتّب على الأذكار يَردُ كثيراً مع خفّة الأذكار على اللسان وقلّتها، وإنما كان ذلك باعتبار مدلولاتها، وأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء انتهى. ومنها: أن فيه المبادرةَ إلى امتثال السنن، وإشاعتها. ومنها: أن فيه جواز العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجراؤها مُجرى السماع في الرواية، ولو لم تقترن بالإجازة، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا أمن تغييره (١). واعتلّ بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذي بلّغ الكتاب، كأن يكون الذي أرسله أمره أن يوصل الكتاب، وأن يبلغ ما فيه مشافهةً. وتعُقّب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده، فتكون الرواية عن مجهول، ولو فرض أنه ثقة عند من أرسله، ومن أُرسل إليه، فتجيء فيه مسألة التعديل على

стр. 9204

الإبهام، والمرجّح عدم الاعتداد بها. قاله في "الفتح" (١). ومنها: أن فيه الاعتمادَ على خبر الشخص الواحد، وله نظائر كثيرة .. وقد زاد في رواية البخاري في "كتاب القدر" في آخر هذا الحديث أن ورّاداً قال: "ثم وفدت على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك". وزعم بعضهم أن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتجّ بما في "الموطإ" من وجه آخر عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: "أيها الناس، إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ثم يقول: سمعته من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد". قال الجامع عفا الله عنه: وفي احتجاجه بما ذُكر نظر لا يخفى، إذ الذي ذكر أنه سمعه منه ﷺ هو الذي قاله على المنبر في خطبته، لا ما كتب إليه المغيرة أنه كان يقوله في دبر كل صلاة، فتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٤٢ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْمُسَيَّبِ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ وَرَّادٍ، قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ الصَّلَاةِ، إِذَا سَلَّمَ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدَامة) المصّيصي، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الكوفي، نزيل الريّ ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر الكوفي الحجة الثبت [٥] تقدم ٢/ ٢. ٤ - (المسيب أبو العلاء) ابن رافع الأسديّ الكاهلي الكوفي الأعمى، ثقة [٤] تقدم ٥/ ١١٨٤. والباقيان تقدما في الذي قبله، وكذا الكلام على الحديث، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "كتب المغيرة" فيه تجوّز، لما تبيّن من الروايات المتقدّمة أن الكاتب هو ورَّاد, لكنه كتب بأمر المغيرة، وإملائه عليه، وعند مسلم من رواية عبدة، عن ورّاد،

стр. 9205

قال: "كتب المغيرة إلى معاوية، كتب ذلك الكتاب له ورّاد". فجمع بين الحقيقة والمجاز. أفاده في "الفتح" (١). وقوله: "دبر كل صلاة" منصوب على الظرفية متعلق بـ "يقول". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٦ - (كَمْ مَرَّةً يَقُولُ ذَلِكَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "كم" استفهامية مبتدأ، "ومرّة" منصوب على التمييز بـ"كم"، كما قال في "الخلاصة": مَيِّزْ فِي الاسْتِفْهَامِ كَمْ بِمِثْلِ مَا … مَيَّزْتَ عِشْرِينَ كَكَمْ شَخْصًا سَمَا وجملة "يقول ذلك" خبر المبتدأ. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٤٣ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ الْمُجَالِدِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ، وَذَكَرَ آخَرَ (ح) وَأَنْبَأَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ الْمُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ، أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الحسن بن إسماعيل المُجَالديّ) (٤) أبو سعيد المصيصي، ثقة [١٠] تقدم ٢٦/ ٤٣٢، من أفراد المصنف. ٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقيّ البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢. ٣ - (هُشَيم) بن بشير الواسطي الحافظ الحجة [٧] تقدّم ٨٨/ ١٠٩.

стр. 9206

قوله: "وذكر آخر": قائل: "وذكر" هو الحسن، وفاعل "ذكر" هو هشيم. والظاهر أنه أراد بآخر مجالدَ بنَ سعيد، كما يأتي في كلام الحافظ. وقوله: في السند الثاني: "قال: أنبأنا غير واحد، منهم المغيرة" الخ. وعند البخاريّ: "أخبرنا غير واحد، منهم المغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضاً … ". فقال في "الفتح": المراد بفلان مجالد بن سعيد، فقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن زياد بن أيوب، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، قالا: حدثنا هُشيم، أنبأنا غير واحد، منهم: مغيرة، ومجالد، وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي خيثمة عن هشيم. وكذا أخرجه أحمد عن هُشيم، وأخرجه النسائىِ عن يعقوب الدورقي، لكن قال في روايته: عن غير واحد، منهم مغيرة،، ولم يسم مجالداً، وأخرجه أيضاً عن الحسن بن إسماعيل، عن هُشيم، أنبأنا مغيرة، وذكر آخر، ولم يسمّه، وكأنه مجالد، وأخرجه أبو يعلى عن زكريا بن يحيى، عن هُشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، ولم يذكر مع مغيرة أحداً. وأما الرجل الثالث، فيحتمل أنه داود بن أبي هند، فقد أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق يحيى بن أبي بُكَير الكرماني، عن هشيم، قال: أنبأنا داود بن أبي هند وغيره عن الشعبي. ويحتمل أن يكون زكريّا بن أبي زائدة، فقد أخرجه الطبراني من طريق الحسن بن علي بن راشد الواسطي، عن هُشيم، عن مغيرة، وزكريّا بن أبي زائدة، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد، كلُّهُم عن الشعبي، والحسن المذكورُ ثقةٌ من شيوخ أبي داود، تكلّم فيه عبدانُ بما لا يقدح فيه، وقال ابن عديّ: لم أر له حديثاً منكراً انتهى ما في "الفتح" جـ ٢ ص ٩٩ - ١٠٠. ٤ - (المغيرة) بن مقسم الضبيّ، أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، يدلّس [٦] تقدّم ١٨٨/ ٣٠١. ٥ - (الشعبي) عامر بن شراحيل الهَمْدَاني الكوفي، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] تقدم ٦٦/ ٨٢. والباقيان تقدما قريباً، وكذا الكلام على الحديث، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: ضعف الشيخ الألباني قوله: "ثلاث مرّات"، لأجل الشذوذ. وقال قبله الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاري": إنها زيادة غريبة انتهى (١).

стр. 9207

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في تضعيف الزيادة المذكورة نظر، لأنها صحيحة، فقد أخرج البخاري الحديث مع الزيادة في "صحيحه" بالنسخة اليونينية في "كتاب الرقاق" جـ ٨ ص ١٢٤ - ونصه: "باب ما يكره من قيل، وقال": حدثنا علي بن مسلم، حدثنا هُشيم، أخبرنا غير واحد، منهم مغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضًا، عن الشعبي، عن وزاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ثلاث مرّات. قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات انتهى. وقد ذكر الحافظ في "الفتح" أيضًا أنها موجودة في نسخة الصغاني، فدلّ على أن نسخ البخاري مختلفة، وأصح نسخه هي النسخة اليونينية، كما هو معروف لدى كل من له عناية بـ "صحيح البخاري"، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. [فائدة]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد روي في الحديث زيادة "بيده الخير" خرّجها الإسماعيلي من طريق مسعر، عن زياد بن عِلَاقة، عن ورّاد. وروي فيه أيضاً زيادة: "يحيي ويميت". ذكرها الترمذي في كتابه تعليقاً، ولم يذكر رواتها. وقد خرّجه البزّار بهذه الزيادة من رواية ابن عِلاقة، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، بمثل حديث المغيرة ﵁ بهذه الزيادة. وفي إسنادها ضعف. وخرّجه أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، وفيه زيادة: "بيده الخير". وفي إسناده ضعف. وخرّجه ابن عديّ، وزاد فيه: "يحي ويميت"، وقال: هو غير محفوظ. وخرّجه أبو مسلم البلخي في "سننه" من حديث أبان بن أبي عيّاش، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، وفيه: "يحيي ويميت، بيده الخير". وأبان متروك انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 9208

"إن أريد إلا الا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨٧ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ التَّسْلِيم) ١٣٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ -قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَكَانَ مِنَ الْخَائِفِينَ- عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا، أَوْ صَلَّى (١) صَلاةً تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ الْكَلِمَاتِ؟ فَقَالَ (٢): "إِنْ تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن إسحاق الصاغاني) (٣) أبو بكر نزيل بغداد، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٣/ ٣٤٧. ٢ - (أبو سَلَمَة الْخُزَاعيّ منصور بن سلمة) بن عبد العزيز بن صالح البغدادي، ثقة ثبت حافظ, من كبار [١٠]. رَوَى عن عبد الله بن عمر العمري، ومالك، وخلاد بن سليمان، وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وحجّاج بن الشاعر، وغيرهم. قال أبو بكر الأعين، عن أحمد: أبو سلمة الخزاعيّ من متثبتي أهل بغداد. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال أيضاً: قال لي أبي يوماً، ورجعنا من عند أبي سلمة الخزاعي: كتبتَ اليوم عن كبش نطّاح. وقال الدارقطني: أحد الثقات الحفّاظ الرُّفَعَاء الذين كانوا يُسألون عن الرجال، ويُؤخذ بقوله فيهم، أخذ عنه أحمد، وابن

стр. 9209

معين، وغيرهما علمَ ذلك. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: لا بأس به. قال البخاريّ: يقال: مات سنة تسع، أو سبع ومائتين بطَرَسُوس، وقال مُطيّن: مات سنة، تسع، وقال مرّة: سنة عشر، وفيها أرّخه ابن سعد، وزاد: كان ثقةً، سمع من غير واحد، وكان يَتَمَنَّعُ بالحديث، ثمّ حدث أياماً، ثم خرج إلى الثغر، فمات سنة عشر ومائتين في خلافة المأمون. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل", والمصنف، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. ٣ - (خلّاد بن سليمان) الحضرمي، أبو سليمان المصريّ، ثقة عابد [٧]. روى عن خالد بن أبي عمران، ونافع مولى ابن عمر، ودَرّاج أبي السمح، وغيرهم. وعنه ابن وهب، وأبو سلمة الخزاعي، وسعيد بن أبي مريم، وغيرهم. قال أبو سلمة الخُزَاعي: كان من الخائفين. وقال على بن الحسين بن الجنيد الرازي: كان مصرياً ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، إلا أنه ذكره فيمن اسمه "خالد"، ووهم في ذلك. قال ابن يونس: مولده بإفريقية، توفّي سنة (١٧٨)، وكان من الخائفين، وكان خيّاطاً أميًّا لا يكتب. انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط. ٤ - (خالد بن أبي عمران) التُّجِيبيّ، أبو عمر التونسيّ، قاضي إفريقية، فقيه صدوق [٥]. قال ابن حبّان: واسم أبي عمران زيد. روى عن عبد الله بن عمر مرسلاً، وعن عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وسالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والليث بن سعد، وخلّاد بن سليمان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وكان لا يدلس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبي أمامة. وقال ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب، ومفتي أهل مصر والمغرب، وكان يقال: إنه مستجاب الدعوة، توفي بإفريقية سنة (١٢٩) قال: وقال ربيعة الأعرج: توفي بإفريقية سنة (١٢٥). روى له الجماعة، سوى البخاري، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٤٤٩٧) وأعاده بعده (٤٤٩٨). ٥ - (عروة) بن الزبير الفقيه الحجة المدني [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تقدّمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.

стр. 9210

لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى خلاد بن سليمان، فإنه من أفراده، وهو ثقة عابد، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس جلساً) تدل "كان" على ملازمته لهذا الذكر، و"المجلس" بكسر الجيم: موضع الجلوس، وهو منصوب على الظرفية لـ"جلس" قياساً، لكون عامله من لفظه، كما قال في "الخلاصة": وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيساً أَنْ يَقَعْ … ظَرْفاً لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ (أو صلّى) الظاهر أنها أرادت إذا فرغ من الصلاة، وهذا هو وجه إيراد المصنف ﵀ له في جملة الأذكار التي تقال بعد التسليم، ويؤيده وصف هذا الذكر بكونه طابعاً، لأن الخاتم إنما يُختم به بعد تمام الشيء المختوم في نهايته، أو خارج ظرفه. والله تعالى أعلم. ثم إن قولها: "صلّى" يعم الفرض والنفل (تكلّم) جواب "إذا" (بكلمات، فسألته عائشة) رضي الله تعالى عنها (عن الكلمات) أي عن ألفاظها (فقال) ﷺ (إن تكلّم) الفاعل ضمير يعود إلى اسم الفاعل المفهوم من "تكلّم"، أي متكلّم، على رأي البصريين، لأنهم لا يجيزون حذف الفاعل، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فِعْلٍ فاعِلٌ فَإِن ظَهَرْ … فَهُوَ وَإِلَّا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ أو محذوف، تقديره "أحد"، أو "متكلّم" مثلاً على رأي الكسائي، لأن عنده يجوز حذفه (بخير كان) ذكر الضمير باعتبار المسؤول عنه، أي كان المسؤول عنه من الكلمات (طابعاً) بفتح الموحدة، وكسرها: الخاتم الذي يُختم به. قاله في "اللسان"، أي خاتماً يُختم به (عليهنّ إلى يوم القيامة) الضمير للخير، وإنما أعاد عليه ضمير المؤنثات مع كونه مذكّرا، لتأويله بالخيرات، وفيه إشارة إلى الترغيب في تكثير الخير، وتقليل الشر، حيث أعاد على الأول ضمير الجماعة، وأفرد ضمير الثاني في قوله: "كان كفارة له". يعني: أنه إن تكلّم قبل هذا الذكر بخير، كأن يذكر الله تعالى، أو يعلّم الناس، أو يعظهم، ثم ذكر هذا الذكر عقبه كان هذا الذكر خاتماً يُختم به ذلك الخير، فلا يتطرّق إليه خلل إلى قيام الساعة.
следующие страницы →