قيس، وتعقبه في الفتح بأنه يحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان من الموالي، وأن المرأة كانت عربية، وبأنه ليس ما نفاه عن العرب على إطلاقه، بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل الإسلام وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٤.
الرابع: أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨]، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ الآية، وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع من كتابه، وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين: منهم من كانت نيته تزوج امرأة بالمدينة من المهاجرات يقال لها: أم قيس، وادعى ابن دحية أن اسمها قيلة، فسمي مهاجر أم قيس ولا يعرف اسمه، فكان قصده بالهجرة نية التزوج لها، لا لفضيلة الهجرة، فقال النبي ﷺ ذلك، وبين مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبيين السبب لأنها كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا كما قال ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر زاد حل ميتته، ويحتمل أن يكون هاجر لما لها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها، وغيرُه لتحصيل دنيا من جهة ما
فعرض بها. أفاده العيني. جـ ١/ ص ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه:
يأتي الرد عليه في دعواه كون مهاجر أم قيس سببا لحديث النية في المسألة التالية. إن شاء الله تعالى.
стр. 947
المسألة التاسعة والثلاثون:
قد اشتهر بين الشراح أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات، من رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قاله العراقي.
قال الجامع عفا الله عنه:
قد تقدم عن الحافظ ابن رجب أن كونه سببا لهذا الحديث لا يصح.
والحاصل أن قصة مهاجر أم قيس روي بإسناد رجاله ثقات، ولكن كونه سببا لحديث إنما الأعمال الخ، لا يثبت فتبصر.
ثم اعلم أنه لم يسم أحد ممن صنف في الصحابة هذا الرجل الذي يقال له مهاجر أم قيس، وأما أم قيس، فقد ذكر أبو الخطاب ابن دحية أن اسمها قيلة، قاله العراقي.
المسألة الأربعون:
قال الحافظ العراقي: فإن قيل: ما وجه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أم سليم أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركا، فلما علم أنه لا سبيل له إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه، وهكذا روى النسائي من حديث أنس قال: تزوج أبو طلحة أمَّ سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إنى قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك، فأسلم فكان صداق ما بينهما، بوَّب عليه النسائي "التزوج على الإسلام"، وروى النسائي أيضا من حديثه قال: خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما
стр. 948
مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن أسلمت فذاك مهري، فلا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم، الإسلام" الحديث.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من هذا الوجه فظاهر هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكورة مع كون الإسلام أشرف الأعمال؟
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في الحديث أنه أسلم ليتزوجها حتى يكون معارضا لحديث الهجرة وإنما امتنعت من تزوجه حتى هداه الله للإسلام رغبة في الإسلام لا ليتزوجها، ولا يظن ذلك بأبي طلحة أنه أسلم ليتزوج أم سليم، فقد كان من أجل الصحابة ﵃.
قال الجامع عفا الله عنه:
وهذا الجواب من أبعد الأجوبة، فإنه ينافيه سياق الحديث فتبصر.
والوجه الثاني: أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه الإسلام رغبة فيه، فمتى كان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدين لم يضر معه كونه يعلم أنه يحل له بذلك نكاح المسلمات، ولا ميراث مورثه المسلم ولا استحقاق الغنيمة ونحو ذلك إذا كان الباعث على الإسلام الرغبة في الدين. وذكر ابن بطال عند حديث "الرجل يقاتل للمغنم" من كان ابتداؤه نية الأعمال لله تعالى لم يضره بعد ذلك ما عرض في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب اطلاع العباد عليه بعد مضيه إلى ما ندبه الله إليه، ولا سروره بذلك، وإنما المكروه، أن يبدأ بنية غير مخلصة، وحكاه أيضا في موضع
стр. 949
آخر عن الطبري، وأنه حكاه عن قول عامة السلف ﵃.
والحق في اجتماع الباعثين أو البواعث على الفعل الواحد أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما أو منها لو انفرد لكان كافيا في الإتيان بالفعل أو يكون الكافي لذلك أحدهما أو لعلة أحدهما فإن كان كل واحد كافيا بالإتيان به فهذا يضر فيه التشريك لقوة الداعي، وإن غلب أحدهما بأن يكون حصوله أسرع إلى وقوع المنوي، وإن كان الباعث على الفعل أحدهما بحيث لو عدم الآخر لم يتخلف عن المنوي فالحكم للقوي، كمن يقوم للعبادة وهو يستحسن اطلاع الناس عليه مع أنه لو علم أنه لو لم يطلع عليه أحد لما صرفه ذلك عنها ولا عن الرغبة فيها فهذا لا يؤثر في صحة عبادته، وإن كان الأكمل في حقه التسوية بين اطلاع الناس وعدم اطلاعهم والأسلم له عدم محبة اطلاعهم.
والوجه الثالث: أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة، والحديث وإن كان صحيح الإسناد فإنه معلل يكون المعروف أنه لم يكن حينئذ نزل تحريم المسلمات على الكفار إنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: آية ١٠] كما ثبت في صحيح البخاري، فقول أم سليم في هذا الحديث: ولايحل لي أن أتزوجك، شاذ مخالف للحديث الصحيح، وما اجتمع عليه أهل السنن والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٧.
المسألة الحادية والأربعون:
في قول علقمة: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول، ردّ على من يقول إن الواحد إذا ادعى شيئا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقبل حتى يتابعه غيره عليه كما قاله
بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين، وذلك لأنه لا يصح من رواية
стр. 950
أحد عن عمر إلا علقمة، مع كونه حدث به على المنبر كما ثبت في الصحيح بمحضر من الناس، وانفرد علقمة بنقله مع كونه من قواعد الدين بل ذكر ابن بطال أن النبي ﷺ خطب به حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام، فإن ثبت ذلك فقد سمعه جمع من الصحابة ولم يروه عنه غير عمر من وجه يصح كما تقدم، وقد أجمع المسلمون على صحته، فلو اشترط شرط متابعة الراوي لما حضره غيره ولم يقبل انفراده به لما قبلوه والله أعلم.
وإنما استفهم النبي ﷺ في قصة ذي اليدين لأنه أخبره بخلاف ما كان في ظنه فاحتاج إلى أن يسأل عنه وليس في حديث عمر هذا مخالفة لما رواه غيره من الصحابة فوجب المصير إليه اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٧ - ٢٨.
المسألة الثانية والأربعون:
قال ابن بطال (١): ومما يجري بغير النية ما قاله مالك: إن الخوارج إذا أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه، ومنها أن أبا بكر الصديق وجماعة من الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الردة بالقهر والغلبة ولو لم يجزئ عنهم ما أخذت منهم، قال ابن بطال: واحتج من خالفهم وجعل حديث النية على العموم أن أخذ الخوارج للزكاة غلبة لا ينفك المأخوذ منه من النية لأن معنى النية ذكرها وقت أخذها منه أنه عن الزكاة أخذها المتغلب عليه، وقد أجمع العلماء أن أخذ الإمام الظالم لها يجزئه، فالخارجي في معنى الظالم لأنهم من أهل القبلة وشاهدة التوحيد.
وأما أبو بكر فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة بل قصد حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم، ولو قصد أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل منها من أموالهم إلى آخر كلامه. اهـ. طرح.
стр. 951
المسألة الثالثة والأربعون:
فيه حجة على ابن القاسم في قوله: إن الرجل إذا أعتق عبده عن غيره في كفارة الظهار بغير علمه أنه يجزئه في كفارته، وإن كانت الكفارة فرضا عليه فأسقط كفارة الظهار بغير نية من هي عليه، وذهب أبو حنيفة والشافعي وغيرهم إلى أنه لا يجزئه ذلك وكذلك خالفه من المالكية أشهب وابن المواز والأبهري، وقال القياس أنه لا يجزي لأن المعتق عنه بغير أمره لم ينو عتقه، والمعتق في الكفارات لا يجزي بغير نية وليس كالميت يعتق عنه في الكفارة فإن نيته معدومة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٩.
المسألة الرابعة والأربعون:
استثنى بعض العلماء من هذا الحديث مما لا تجب فيه النية من الواجبات ما إذا غاب عن المرأة زوجها مدة طويلة ومات ولم تعلم بموته أن عدتها من يوم موته لا من يوم بلغتها وفاته، فالعدة واجبة عليها وقد سقطت عنها بغير نية، كما اتفق عليه الحنفية والمالكية والشافعية فيما حكاه ابن بطال، وأجابوا عن الحديث بأن العدة جعلت لبراءة الرحم، وقد حصلت، وإن لم تعلم المرأة بذلك، وقد أجمعوا أن الحامل التي لم تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه تنقضي عدتها بالوضع لبراءة الرحم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٩.
المسألة الخامسة والأربعون:
مما يستفاد من هذا الحديث:
أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم، لأن العمل فيه يكون منتفيا إذا خلا عن النية، ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة حكمه.
стр. 952
ومنها: أن الغافل لا تكليف عليه لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود، والغافل غير قاصد.
ومنها: أن من صام تطوعا بنية قبل الزوال أنه لا يحسب له إلا من وقت النية وهو مقتضى الحديث لكن تمسك من قال بانعطافها بدليل آخر، ونظيره حديث "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" أي أدرك فضيلة الجماعة أو الوقت، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى.
ومنها: أن ما ليس بعمل لا تشترط فيه النية، ومن أمثلته: جمع التقديم فإن الراجح من حيث النظر أنه لا تشترط له نية، بخلاف ما رجحه كثير من الشافعية، قال الحافظ: وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام
-يعني البلقيني- وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة، ويقوي ذلك أنه ﵊ جمع في غزوة تبوك ولم يذكر ذلك للمأمومين الذين معه، ولو كان شرطا لأعلمهم به.
ومنها: أنه يُستدل به على أن العمل إذا كان مضافا إلى سبب، ويَجمعُ مُتَعَددَهُ جنسٌ أن نية الجنس تكفي كمن أعتق عن كفارة ولم يعين كونها عن ظهار أو غيره، لأن معنى الحديث أن الإعمال بنياتها، والعمل هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة وشك في سببها أجزأه إخراجها بغير تعيين.
ومنها: أن فيه زيادة النص على السبب، لأن الحديث سيق في قصة المهاجر لتزوج المرأة فذكر الدنيا مع القصة زيادة في التحذير والتنفير.
قال الحافظ: وقال شيخنا شيخ الإسلام: فيه إطلاق العام وإن كان سببه خاصا فيستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. اهـ فتح جـ ١/ ص ٢٥.
стр. 953
قال الجامع عفا الله عنه:
قد علمت أن السبب الذي ذكروه لم يثبت بطريق صحيح فتبصر.
المسألة السادسة والأربعون:
قد ذكر ابن المنير ﵀ ضابطا لما تشترط فيه النية مما لا تشترط فيه فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة، وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة، قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا،
ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي، ولذلك لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل.
وأما الأقوال: فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن:
أحدها: التقرب إلى الله فرارا من الرياء.
والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود.
والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. اهـ فتح الباري جـ ١/ ص ١٦٤ - ١٦٥.
المسألة السابعة والأربعون:
استنبط من الحديث أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء الخطبة، وهو كذلك فقد فعله الخلفاء الراشدون أبو بكر وعثمان وعلي أيضا وهو مشهور معروف اهـ طرح جـ ٢/ ص ٢٨.
المسألة الثامنة والأربعون:
النية أبلغ من العمل كما قال التيمي، ولهذا تقبل النية بغير العمل،
стр. 954
فإذا نوى حسنة فإنه يُجزَى عليها، ولو عمل حسنة بغير نية لم يجز به.
قال البدر العيني: فإن قيل فقد ورد عن النبي ﷺ قال: "من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة، ومن عملها كتبت له عشرا" وروي أيضا أنه قال "نية المؤمن خير من عمله" فالنية في الحديث الأول دون العمل، وفي الثاني فوق العمل وخير منه، قلنا: أما الحديث الأول فلأن الهامّ بالحسنة إذا لم يعملها خالف العامل لأن الهامّ لم يعمل، والعامل لم يعمل حتى هَمَّ ثم عمل.
وأما الثاني: فلأن تخليد الله العبد في الجنة ليس لعمله، وإنما هو لنيته لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدة عمله أو أضعافه، إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع الله تعالى أبدا لو بقي أبدا، فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها وكذا الكافر لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره، غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدا لو بقي فجزاه على نيته.
وقال الكرماني: أقول يحتمل أن المراد منه أن النية خير من عمل بلا نية، إذ لو كان المراد خير من عمل مع النية يلزم أن يكون الشيء خيرا من نفسه مع غيره إلى آخر كلامه اهـ عمدة القاري جـ ١/ ص ٣٩.
قال الجامع عفا الله عنه:
حديث "نية المؤمن خير من عمله" ضعيف كما بينه السخاوي في المقاصد الحسنة لكنه قال: وتعدد طرقه يقوي بعضها بعضا والله أعلم.
ومباحث هذا الحديث كثيرة تحتاج إلى مؤلف مستقل، وهذه المسائل المذكورات هنا غَيْض من فَيْض (١)، كيف وقد قيل: إنه ثلث الإسلام، وقد أفرده بعضهم بتأليف مستقل، والله الهادي إلى سواء الصراط، اللهم ارزقنا حسن النية فيما نعمل، ويسر لنا الأعمال على وفق السنة، آمين.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 955
٦١ - الْوُضُوءِ مِنَ الإِنَاءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء من الإناء، وهو بضم الواو اسم للحدث، بخلاف ما يأتي في الحديث فإنه بفتحها لما يتوضأ به من الماء، والإناء بالكسر جمعه الآنية، كالوعاء والأوعية وزنا ومعنى، والأواني جمع جمعه، أفاده في المصباح.
٧٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا، فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
٧٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَأُتِيَ بِتَوْرٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ
стр. 956
أَصَابِعِهِ، وَيَقُولُ: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ، وَالْبَرَكَةِ مِنَ اللهِ ".
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ.
رجال الإسنادين
أما الحديث الأول: ففي إسناده [٤]
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه ثقة ثبت فقيه [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) المدني ثقة حجة [٤] تقدم في ٥٤/ ٦٨.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
وأما الحديث الثاني ففيه [٩]
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي ثقة حجة فقيه [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع أبو بكر الحمْيَري الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، عن ابن جريج، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد، ومعمر، ومالك، وخلائق. وعنه أحمد وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، ومحمد بن رافع وخلق. قال أحمد: من سمع منه
стр. 957
بعد ما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع، وقال ابن عدي: رحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم، ولم نر بحديثه بأسا إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقال أحمد: لم أسمع منه شيئا، لكنه رجل يعجبه أخبار الناس، قال ابن سعد: مات سنة ٢١١ عن ٨٥ سنة، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع من التاسعة.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفى ثقة ثبت حجة [٧] تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمَّد الكوفي ثقة ثبت [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه يرسل كثيرا [٥] تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن النخع النخعي، أبو شبل الكوفي، أحد الأعلام، مخضرم. عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وطائفة. وعنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وسلمة بن كهيل، وخلق.
قال إبراهيم: كان يقرأ في خمس، وقال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمة، والأسود. قال ابن سعد: مات سنة -٦٢ - وقال أبو نعيم: سنة -٦١ - قيل: عن تسعين سنة اهـ صه.
وفي (ت) ثقة ثبت فقيه عابد من الثانية. مات بعد ٦٠، وقيل: بعد ٧٠ اهـ. أخرج له الجماعة.
٧ - (عبد الله) بن مسعود الصحابي الجليل ﵁. تقدم في ٣٥/ ٣٩.
٨ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي الكوفي، أرسل عن عائشة وجماعة، وروى عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر، وجابر، وعنه
стр. 958
عمرو بن مرة، وقتادة، والحكم بن عتيبة، وخلق، قال أحمد: لم يلق ثوبان، وقال البخاري: لم يسمع منه، قال أبو نعيم: مات سنة ٩٧، وقيل ٨، وقيل ١٠٠ أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة وكان يرسل كثيرا من الثالثة.
٩ - (جابر) بن عبد الله الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٣١/ ٣٥.
لطائف الإسنادين
من لطائف الإسناد الأول: أنه من رباعياته، وهو من عوالي المصنف وهو الثالث من رباعيات الكتاب، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم مدنيون إلا شيخ المصنف فبغلاني، وفيه الإخبار، والعنعنة، والقول.
ومن لطائف الإسناد الثاني: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي وهو الأول، وصنعاني وهو عبد الرزاق، وكوفيين وهم الباقون.
ثم إن الأعمش يروي هذا الحديث عن شيخين: أحدهما إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، والثاني: سالم بن أبي الجعد، عن جابر، والثاني أعلى من الأول، لأن بينه وبين الصحابي واسطة بخلاف الأول فبينه وبين الصحابي واسطتان.
وفيه أيضا فائدة إسنادية وهي أن في الأول عنعنة الأعمش وهو مدلس، وقد صرح في الثاني بالتحديث.
وفيه عبد الله بالإطلاق، وهو ابن مسعود للقاعدة المعروفة: أنه إذا أطلق عبد الله في الكوفيين فهو ابن مسعود، كما أنه إذا أطلق في المدنيين فهو ابن عمر، وفي مكة فهو ابن الزبير، وفي البصرة فهو ابن عباس،
стр. 959
وفي مصر والشام فهو ابن عمرو بن العاص.
وكذا إذا أطلق عبد الله في غير الصحابة هو ابن المبارك، والله أعلم، وتقدم مرارا. وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث الأول
(عن أنس) بن مالك ﵁ أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت) بالحاء المهملة أي قربت، والواو للحال بتقدير قد، أي وقد قربت (صلاة العصر) أي وقتها، وزاد قتادة "وهو بالزوراء" وهو سوق بالمدينة (فالتمس الناس) أي طلبوا (الوضوء) بفتح الواو الذي يتوضأ به، وكذا فيما يأتي، بخلاف ما تقدم في الترجمة فإنه بضمها لأن المراد هناك الحدث (فلم يجدوه) أي الوضوء (فأتي رسول الله ﷺ ) "أتي" بالبناء للمجهول "ورسول الله" نائب الفاعل (بوضوء) بالفتح، وفي بعض الروايات "فأتي بقدح رَحْرَاح" أي واسع، وفي بعضها "زجاج" وفي بعضها "جفنة" وفي بعضها "ميضاة" وفي بعضها "مزادة" وفي رواية ابن المبارك "فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير" وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، قاله البدر العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٣٣٢.
(فوضع) النبي ﷺ (يده) الشريفة (في ذلك الإناء) الذي أتي به (وأمر الناس أن يتوضؤا) وكانوا خمس عشرة مائة، وفي بعض الروايات ثمانمائة وفي بعضها زهاء ثلاثمائة، وفي بعضها ثمانين، وفي بعضها سبعين قاله العيني، قال أنس ﵁ (فرأيت الماء ينبع) فيه ثلاث لغات، ضم الباء، وكسرها، وفتحها، ومعناه يخرج مثل ما يخرج من العين اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٣٣١.
(من تحت أصابعه) ﷺ ، وفي بعض الروايات "يفور من بين أصابعه"
стр. 960
وفي بعضها "يتفجر من أصابعه كأمثال العيون" وفي بعضها "سكب ماء في ركوة، ووضع إصبعه، وبسطها وغسلها في الماء".
وهذه العجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء، وقال المزني: نبع الماء من بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى ﵊ حين ضرب بعصاه الحجر في الأرض، لأن الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع، وقال غيره: وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره ﷺ اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٣٣١.
وجملة قوله "ينبع" قال العيني: في محل نصب على الحال، وقد علم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا تأتي بلا واو إذا كان فعلها مضارعا مثبتا، قال ابن مالك:
وذَاتُ بَدْء بمضَارع ثَبَتْ … حَوَتْ ضميرًا ومنَ الوَاو خَلَتْ
قال البدر: فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون مفعولا ثانيا لرأيت؟
قلت: إن رأيت هنا بمعنى أبصرت، فلا تقتضي إلا مفعولا واحدا. اهـ عمدة.
(حتى توضئوا من عند آخرهم) قال السندي: أي حتى توضئوا كلهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، "فمن" بمعنى "إلى"، وقيل كلمة "من" للابتداء، والمعنى توضئوا وضوءا ناشئا من عند آخرهم، وكون الوضوء نشأ من آخرهم في وصف التوضؤ يستلزم حصول الوضوء للكل، وهو المراد كناية اهـ، وقال الكرماني: "حتى" للتدريج، و"من" للبيان، أي توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، ثم نقل عن النووي أن "من" في "من عند آخرهم" بمعنى "إلى" وهي لغة ثم قال: أقول: ورود "من" بمعنى "إلى" شاذ قلما يقع في فصيح الكلام.
стр. 961
قال البدر العيني: قلت "حتى" هنا حرف ابتداء يعني أنه حرف يبتدأ بعده جملة، أي تستأنف، فتكون اسميه أو فعلية، والفعلية يكون فعلها ماضيا، ومضارعا، ومثال الاسمية قول جرير: (من الطويل)
فَمَا زالَت القَتْلَى تَمُجُّ دمَاءَها … بدجْلَةَ حتَّى مَاءُ دجْلةَ أشْكَلُ
ومثال الفعلية التي فعلها ماض "حتى عفوا" و"حتى توضئوا" ومثال الفعلية التي فعلها مضارع ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: آية ٢١٤] في قراءة نافع يعني بالرفع، وقوله "من" للبيان، قلت: إنما تكون "من" للبيان إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبها هنا لأن التقدير وأمَر الناسَ أن يتوضئوا فتوضؤا حتى توضأ من عند آخرهم، على أن "من" التي للبيان كثيرا ما يقع بعد "ما" "ومهما" لإفراط إبهامهما، نحو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: آية ٢] و ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأعراف: آية ١٣٢] ومع هذا أنكر قوم مجيء "من" لبيان الجنس، والظاهر أن من ها هنا للغاية، والمعنى: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، على أن "من" تأتي على خمسة عشر وجها، والغالب عليها أن تكون للغاية حتى ادعى قوم أن سائر معانيها راجعة إليها، ولم أجد في هذه المعاني الخمسة عشر مجيء "من" بمعنى "إلى"، وادعى الكرماني أنها لغة قوم ولم يبين ذلك، ثم ادعى أنه شاذ.
قال البدر: إن استعمل "من" بمعنى "إلى" في كون كل منهما للغاية، لأن "من" لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهاء الغاية يجوز ذلك، لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض، والمراد بالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية جميع المسافة، إذ لا معنى لابتداء الغاية وانتهاء الغاية، فيكون معنى الحديث: حتى توضئوا وانتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد، والشخص وهو آخرهم داخل في هذا الحكم، لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة.
стр. 962
قال البدر: فإن قلت: "عند" ظرف خاص واسم للحضور الحسي، فالعموم من أين يأتي؟ قلت: "عند" هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى "في" كأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم.
وأنس ﵁ داخل في عموم لفظ الناس، ولكن الأصوليون اختلفوا في أن المخاطب بكسر الطاء داخل في عموم متعلق خطابه أمرا أو نهيا أو خبرا، أم غير داخل، والجمهور على أنه داخل اهـ كلام البدر العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٣٣٢. وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث الثاني
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ ) أي في سفر كما صرح به في رواية البخاري، والظاهر من صنيع المؤلف أنها غزوة الحديبية، لأنه ذكر حديث جابر بعده لتعيين عدد الناس الذين توضئوا من ذلك الماء، وحديث جابر صرح فيه بأنه كان يوم الحديبية على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
لكن رأيت الحافظ مال إلى أنها خيبر، وعبارته في الفتح جـ ٦ "في كتاب المناقب" في باب "علامات النبوة" ص ٦٨٤، قوله: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر" هذا السفر يشبه أن يكون غزوة الحديبية لثبوت نبع الماء فيها كما سيأتي، وقد وقع مثل ذلك في تبوك، ثم وجدت البيهقي في الدلائل جزم بالأول، لكن لم يخرج ما يصرح به، ثم وجدت في بعض طرق هذا الحديث عند أبي نعيم في الدلائل أن ذلك كان في غزوة خيبر، فأخرج من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن إبراهيم، في هذا الحديث "قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، فأصاب الناس عطشٌ شديد، فقال: يا عبد الله التمس لي ماء، فأتيته بفضل ماء في إدواة" الحديث، فهذا أولى، ودل على تكرر
стр. 963
وقوع ذلك حضرا وسفرا. اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٨٤.
قال الجامع عفا الله عنه: إذا كان نبع الماء متعددا، وكان ابن مسعود حاضرا فلا يبعد ما مال إليه الصنف، والبيهقي، ولكن الذي مال إليه الحافط أولى وأقرب لتصريحه في الرواية بخيبر كما تقدم عند أبي نعيم والله أعلم.
ولفظ البخاري في الصحيح في علامات النبوة: عن محمَّد بن المثنى عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا لي فضلة من ماء فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الاناء ثم قال: "حَيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل".
(فلم يجدوا ماء) وفي رواية البخاري السابقة، فقل الماء (فأتي بتور) وفي رواية البخاري، فقال: "اطلبوا لي فضلة من ماء" فجاءوا بإناء فيه ماء قليل.
والتور بفتح التاء وسكون الواو: شبه الطست، وقيل هو الطست. اهـ زهر.
وفي اللسان: التور من الأواني: مذكر قيل هو عربي، وقيل: دخيل. قال الأزهري: التور، إناء معروف تُذَكِّرُهُ العرب، تشرب فيه، وهو إناء من صفر أو حجارة كالإجانة، وقد يتوضأ منه اهـ لسان.
وتقدم أن الذي أتى به هو ابن مسعود، كما في دلائل أبي نعيم، ولفظه: فقال "يا عبد الله التمس لي ماء" فأتيته بفضل ماء في إداوة.
стр. 964
ووقع عند أبي نعيم في الدلائل أيضا من طريق أبي الضحى، عن ابن
عباس، قال: "دعا النبي ﷺ بلالا بماء، فطلبه فلم يجده فأتاه بشن فيه ماء". الحديث، وفي آخره فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر، قال الحافظ: وهذا يشعر بأن ابن عباس حمله عن ابن مسعود، وأن القصة واحدة، ويحتمل أن يكون كل من ابن مسعود، وبلال أحضر الإداوة، فإن الشَّنَّةَ بفتح المعجمة وبالنون هو الإداوة اليابسة. اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٨٤.
(فأدخل) النبي ﷺ (يده) الشريفة في ذلك التور، قال عبد الله (فلقد رأيت الماء يتفجر) أي يخرج بشدة وقوة، والجملة في محل نصب على الحال من الماء كما تقدم (من بين أصابعه) ﷺ (ويقول) ﷺ للناس الحاضرين، والواو يحتمل أن تكون استئنافية، ويدل له رواية البخاري، ثم قال: "حي على الطهور" يحتمل أن تكون حالية، ويقدر بعدها مبتدأ أي هو يقول، لأن المضارع المثبت إذا وقع حالا، لا يقرن بالواو، وإن قرن يقدر بعد الواو مبتدأ، خبره الجملة المضارعية على الأصح كما قال ابن مالك:
وذاتُ بَدْء بمضَارع ثَبَتْ … حَوَتْ ضميرًا ومن الوَاو خَلَتْ
وذاتُ واو بعدَها انْوِ مُبتدا … لهُ المُضَارعَ اجعَلَنَّ مُسْنَدَا
(حي) قال في اللسان: وحي على الغداء، والصلاة، ائتوها، فحي: اسم للفعل، ولذلك علق حرف الجر الذي هو "على" به، وقال الجوهري: وقولهم: حي على الصلاة معناه هلم وأقبل، وفتحت الياء
لسكونها وسكون ما قبلها كما قيل ليث ولعل، والعرب تقول: حي على الثريد، وهو اسم لفعل الأمر. اهـ.
وفي المصباح: وحي على الصلاة ونحوها: دعاء قال ابن قتيبة:
стр. 965
معناه هلم إليها، ويقال: حي على الغداء، وحي إلى الغداء: أي أقبل: ولم يشتق منه فعل. اهـ.
والمعنى هنا: هلموا (على الطهور) بفتح الطاء، والمراد به الماء، ويجوز ضمها، وهو المراد: الفعل: أي تطهروا. قاله في الفتح اهـ جـ ٦/ ص ٦٨٤.
(والبركة من الله قال أبو البقاء: والبركة مجرور عطفا على الطهور، أي عطف الوصف على الشيء: مثل أعجبني زيد وعلمه قال: وصفه بالبركة لما فيه من الزيادة والكثرة، ولا معنى للرفع هنا.
قال السندي: لا بُعْدَ في الإخبار بأن البركة من الله تعالى في مثل هذا المقام دفعا لإيهام قدرة الغير عليه، واعترافا بالمنة، وإظهارا للنعمة، لقصد الشكر، فلا وجه لمنع الرفع. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الرفع هو الأوضح، وتدل عليه رواية البخاري "حي على الطهور المبارك، والبركة من الله" فوصف الطهور بالمبارك، ثم استأنف بقوله: "والبركة من الله" للعلة التي ذكرها
السندي، وهو الذي اقتصر عليه في الفتح حيث قال: والبركة مبتدأ، والخبر من الله- وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله. اهـ فتح.
وأما التوجيه الذي ذُكرَ في كلام أبي البقاء فغريب، فتأمل.
قال الحافظ: ووقع في حديث عمار بن رُزَيق عن إبراهيم في هذا الحديث "فجعلت أبادرهم إلى الماء أدخلُهُ في جوفي، لقوله: "البركة من الله" وفي حديث ابن عباس "فبسط كله فيه فنبعت تحت يده عين، فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر".
والحكمة في طلبه ﷺ -في هذه المواطن فضلة الماء لئلا يُظَنّ أنه الموجد
стр. 966
للماء، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن الله أجرى العادة في الدنيا غالبا بالتوالد، وأن بعض الأشياء يقع بينها التوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما نشاهده من فوران بعض المائعات إذا خمرت وتركت زمانا، ولم تجر العادة في الماء الصرف بذلك فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جدًّا.
اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٨٥.
قال المصنف ﵀: (قال الأعمش) بالسند المتقدم فليس هذا معلقا، بل هو موصول غايته أن المصنف يروي حديث الأعمش هذا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عنه بطريقين، أحدهما عنه عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وثانيهما عنه عن سالم ابن أبي الجعد عن جابر.
ومقول القول قوله: (فحدثني سالم بن أبي الجعد) الأشجعي الكوفي، واسم أبيه رافع، أنه (قال: قلت لجابر) هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي ﵄ (كم كنتم يومئذ؟) أي إذ وقعت هذه المعجزة من النبي ﷺ (قال) جابر ﵁ (ألف وخمسمائة) هكذا بالرفع هنا، ووجهه أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي نحن ألف وخمسمائة، وفي رواية البخاري من طريق حُصَين، عن سالم: "فقلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة".
وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الاختلاف في عدتهم في المسائل.
ولم يسق المصنف متن جابر اختصارا، وسنذكره عن رواية البخاري ﵀، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بأحاديث الباب
المسألة الأولى: في درجتها: أحاديث الباب متفق عليها.
стр. 967
المسألة الثانية: فيمن أخرجها:
أما حديث أنس ﵁: فأخرجه البخاري ومسلم، والترمذي والمصنف.
فأما البخاري فأخرجه في الطهارة في الباب ٣٣، عن عبد الله بن يوسف، وفي علامات النبوة الباب ٢٥، الحديث ٣ عن القعنبي.
وأما مسلم: فأخرجه في الفضائل الباب ٣، الحديث ٢، عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، وفيه أيضا عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب.
وأما الترمذي: فأخرجه في المناقب: الباب ١٢، عن إسحاق بن موسى، عن معن.
وأما المصنف فأخرجه هنا: الباب ٦١، عن قتيبة: خمستهم عن مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أفاده المزي.
وأما حديث عبد الله: فأخرجه المصنف هنا: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن الأعمش، عن علقمة، عن عبد الله.
وأخرج البخاري نحوه في المناقب الباب ٢٥، الحديث ٩، عن محمَّد بن المثنى، والترمذي في المناقب الباب ١٤، عن محمَّد بن بشار كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن منصور بن المعتمر،
عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد تقدم لفظه قريبا.
وأما حديث جابر ﵁ فأخرجه البخاري، ومسلم، والمصنف:
فأما البخاري: فأخرجه في المناقب الباب ٢٥ الحديث ٦، عن
стр. 968
موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن مسلم، وفي المغازي: الباب ٣٥، الحديث ٦، عن يوسف بن عيسى، عن محمَّد بن فضيل: كلاهما عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: "عطش الناسُ يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة، فتوضأ، فجهش الناسُ نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ، ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة".
هذا لفظه في المناقب، ولفظه في المغازي قريب منه.
وفي الأشربة الباب ٣١، عن قتيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن سالم الخ، وقال: كنا ألفا وأربعمائة، والباقي بمعناه.
وأما مسلم فأخرجه في المغازي ٧١، الحديث ٦، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن عبد الله بن إدريس، وعن رفاعة بن الهيثم، عن خالد بن عبد الله كلاهما عن حُصَين، وفي الحديث (٥) عن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، وعن عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جرير، عن الأعمش، ثلاثتهم عن سالم، عن جابر.
وأخرجه المصنف هنا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن الأعمش، نحوه، هكذا قال المزي في تحفة الأشراف جـ ٢/ ص ١٧٥، نحوه لكن المصنف ما ساق متن جابر، بل سؤال سالم ابن أبي الجعد لجابر: كم كنتم .. الخ فتبصر.
وأخرجه في الكبرى في التفسير عن علي بن الحسين الدرهمي، عن أمية بن خالد، عن شعبة نحوه، قاله الحافظ المزي ﵀.
стр. 969
المسألة الثالثة: في بيان الاختلاف في قصة نبع الماء:
إنه وقع اختلاف في قصة نبع الماء من حديث أنس، ومن حديث جابر، ومن حديث غيرهما، وقد بينه الحافظ ﵀ بيانا شافيا في الفتح، في كتاب المناقب جـ ٦/ ص ٦٧٨ في باب (علامات النبوة) قال ﵀:
الحديث الثاني والثالث عن أنس في نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، أورده البخاري من أربعة طرق:
من رواية قتادة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، والحسن البصري، وحميد، وتقدم عنده في الطهارة من رواية ثابت كلهم عن أنس، وعند بعضهم ما ليس عند بعض.
وظهر لي من مجموع الروايات أنهما قصتان في موطنين للتغاير في عدد من حضر، وهي مغايرة واضحة يبعد الجمع فيها، وكذلك تعيين المكان الذي وقع فيه، لأن ظاهر رواية الحسن أن ذلك كان في سفر،
بخلاف رواية قتادة، فإنها ظاهرة في أنها كانت بالمدينة وسيأتي في غير حديث أنس أنها كانت في مواطن أخر.
وقال بعد ذلك بنحو صفحة: ووقع في رواية همام عن قتادة، عن أنس "شهدت النبي ﷺ مع أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة" أخرجه أبو نعيم، وعند أبي نعيم من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس أنه هو الذي أحضر الماء، وأنه أحضره إلى النبي ﷺ من بيت أم سلمة، وأنه رده بعد فراغهم إلى أم سلمة، وفيه قدر ما كان فيه أولا، ووقع في رواية عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ خرج إلى قباء فأتي من بعض بيوتهم بقدح صغير.
стр. 970
ووقع في حديث جابر الآتي التصريح بأن ذلك كان في سفر:
ففي رواية نُبَيح العَنَزي عند أحمد، عن جابر قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "أمَا في القوم من طهور؟ فجاء رجل بفضلة في إداوة فصبه في قدح، فتوضأ رسول الله ﷺ ، ثم إن القوم أتوا ببقية الطهور، فقالوا: تمسحوا تمسحوا فسمعهم رسول الله ﷺ ، فقال: "عَلى رسْلكُم" فضرب بيده في القدح في جوف الماء ثم قال: أسبغوا الطهور، قال جابر: فوالذي أذهب بصري، لقد رأيت الماء يخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ حتى توضئوا أجمعون، قال: حسبته قال كنا مائتين وزيادة".
وجاء عن جابر قصة أخرى أخرجها مسلم، من وجه آخر عنه في أواخر الكتاب في حديث طويل فيه أن الماء الذي أحضروه له كان قطرة في إناء من جلد لو أفرغها لشربها يابس الإناء، وأنه لم يجد في الركب قطرة ماء غيرها، قال: فأخذه النبي ﷺ فتكلم وغمز بيده ثم قال: ناد
بجفنة الركب فجيء بها، فقال بيده في الجفنة فبسطها ثم فرق أصابعه، ووضع تلك القطرة في قعر الجفنة فقال: خذ يا جابر فصب عليّ، وقال: بسم الله، ففعلت، فقال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فَأتَي الناس فاستَقَوا حتى رووا، فرفع يده من الجفنة وهي ملأى" وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم لاشتمالها على قلة الماء وعلى كثرة من استقى منه.
وقال الحافظ أيضا في كتاب المغازي، في باب غزوة الحديبية ما نصه:
الحديث الرابع: حديث البراء في تكثير ماء البئر بالحديبية ببركة بصاق النبي ﷺ فيها ذكره (يعني البخاري) من وجهين عن أبي إسحاق عن البراء،
стр. 971
ووقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، عن البراء "كنا أربع عشرة مائة" وفي رواية زهير عنه "أنهم كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر".
ووقع في حديث جابر الذي بعده من طريق سالم بن أبي الجعد عنه "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" ومن طريق قتادة، قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عن جابر "أنهم كانوا أربع عشرة مائة" فقال سعيد: حدثني جابر "أنهم كانوا خمس عشرة مائة" ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر "كانوا ألفا وأربعمائة"، ومن طريق عبد الله بن أبي أوفى "كانوا ألفا وثلاثمائة" ووقع عند ابن أبي شيبة من حديث مُجَمِّع بن جارية "كانوا ألفا وخمسمائة".
والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء "ألفا وأربعمائة أو أكثر" واعتمد على هذا الجمع النووي، وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: ألف وأربعمائة أصح، ثم ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل ابن يسار وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب، ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال الحافظ: قلت: ومعظم هذه الطرق عند مسلم، ووقع عند ابن سعد في حديث معقل بن يسار "زهاء ألف وأربعمائة" وهو ظاهر في عدم التحديد.
وأما قول عبد الله بن أبي أوفي "ألفا وثلاثمائة" فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره هو عدد المُقَاتلَة، والزيادة
стр. 972
عليها من الأتباع، من الخَدَم، والنساء، والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.
وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه لأنه قاله استنباطا من قول جابر "نحرنا البدنة عن عشرة" وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير هذه البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا.
وسيأتي في هذا الباب في حديث المسور، ومروان "أنهم خرجوا مع النبي ﷺ بضع عشرة مائة" فيجمع أيضا بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها، كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف.
وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة، وفي حديث سلمة ابن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة، وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسا وعشرين، وهذا إن ثبت تحرير بالغ، قال الحافظ: ثم وجدته موصولا عن ابن عباس عند ابن مردويه، وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين والله أعلم.
ثم قال الحافظ بعد ورقة، عند قوله "فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه": هذا مغاير لحديث البراء، أنه صب ماء وضوئه في البئر، فكثر الماء في البئر، وجمع ابن حبان بينهما، بأن ذلك وقع مرتين وسيأتي في الأشربة البيان بأن حديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه، ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم، وشربوا أمر بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها.
стр. 973
وقد أخرج أحمد من حديث جابر، من طريق نُبَيْح العَنَزيّ، عنه، وفيه "فجاء رجل بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح، ثم توضأ، فأحسن، ثم انصرف، وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح، فقال: "على رسلكم، فوضع كفه في القدح، ثم قال: أسبغوا الوضوء، قال: فلقد رأيت العيون، عيون الماء تخرج من بين أصابعه" ووقع في حديث البراء: أن تكثير الماء كان بصب النبي ﷺ وضوءه في البئر، وفي رواية أبي الأسود عن عروة في دلائل البيهقي، أنه أمر بسهم فوضع في قعر البئر فجاشت بالماء.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ﵀ من وجوه الجمع حسن جدا.
والحاصل أن قصة نبع الماء وقع مرارا في الحضر والسفر، فلذا ذُكر بوجوه متخالفة، وأساليب متغايرة، يُجمع بين شَتَاتها في الحمل المذكور، والله أعلم.
المسألة الرابعة:
قال القاضي عياض ﵀: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير عن الجَمّ الغَفير، عن الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجمع العساكر، ولم يَرد عن
أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي من معجزاته.
وقال القرطبي: قضية نبع الماء من بين أصابعه ﷺ تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي.
стр. 974
قال الحافظ: وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري، والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد، والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة ليس كما يفهم من إطلاقهما (١).
وأما تكثير الماء بأن يلسمه بيده، أو يتفل فيه، أو يأمر بوضع شيء فيه كسهم من كنانته فجاء في حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري، وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحارث الصدائي عنده، وعن حَبَّان بن بُحّ بضم الموحدة وتشديد المهملة الصدائي أيضا، فإذا ضم هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة، أو قاربها.
وأما من رواها من أهل القرن الثاني فهم أكثر عددا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا.
وبالجملة يستفاد منها الرد على ابن بطال حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلو في السند، انتهى.
وهو ينادي عليه بقلة الاطلاع، والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، وبالله التوفيق.
وقال القرطبي: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة من غير نبينا ﷺ نبع الماء من بين عظمه، وعصبه، ولحمه، ودمه.
وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصى،
стр. 975
فتفجر منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم، انتهى.
وظاهر كلامه أن الماء نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيده قوله في حديث جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وأوضح منه ما وقع في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشن، فوضع رسول الله ﷺ يده عليه، ثم فرق أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله ﷺ مثل عصى موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا، فتمثيله به يقتضي أن الماء خرج من بين أصابعه.
ويحتمل أن يكون المراد أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر، وكفه ﷺ في الماء، فرآه الرائي نابع من بين أصابعه، والأول أبلغ في المعجزة وليس في الإخبار ما يرده وهو أولى اهـ فتح جـ ٦/ ص ٦٧٦ - ٦٧٧.
المسألة الخامسة:
يستنبط من الحديث:
ما ترجم له المصنف وهو مشروعية الوضوء من الإناء، ولا أعلم فيه خلافا.
وعدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول الوقت، لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز، وعليه بوب البخاري "باب التماس الوَضُوء إذا حانت الصلاة".
قال البدر العيني: وذكر ابن بطال أن إجماع الأمة على أنه إذا توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول
стр. 976
الوقت، وأجازه العراقيون.
وفيه دليل على وجوب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه.
وفيه دليل على أن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت، واستحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وعند دخول الوقت يجب.
وفيه رد على من ينكر المعجزة من الملاحدة.
واستنبط منه المهلب: أن الأملاك ترتفع عند الضرورة، لأنه لما أتي رسول الله ﷺ بالماء لم يكن أحد أحقَّ من غيره، بل كانوا فيه سواء، ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه، قاله البدر في العمدة جـ ٢/ ص ٣٣٣.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 977
٦٢ - بَابُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْوُضُوءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التسمية في حال الوضوء، وقد استدل المصنف بحديث الباب على مشروعية التسمية في الوضوء، وكذا ابن خزيمة، والبيهقي، وموضع الاستدلال فيه قوله: "توضئوا باسم الله" لأن الظاهرأن التقدير قائلين هذا اللفظ، وقول الحافظ: لا دلالة في هذه اللفظة صريحة، لمقصودهم غير واضح، فهي وإن لم تكن صريحة ظاهرة الدلالة عليه، وهو المطلوب.
وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل التي تأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى مع ذكر اختلاف العلماء.
والتسمية: مصدر سمى: إذا قال باسم الله.
والوضوء: هنا بضم الواو لأن المراد به الفعل.
٧٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَقَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: طَلَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ؟ " فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ، وَيَقُولُ: "تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللهِ". فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
стр. 978
قَالَ ثَابِتٌ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ تُرَاهُمْ؟ قَالَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ.
رجال الإسناد ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي ثقة حجة [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام بن نافع أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ [٩] تقدم في الباب السابق، ح ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت [٧] تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَاني أبو محمد البصري ثقة ثبت عابد [٤] تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (قتادة) بن دعامة أبو الخطاب البصري ثقة ثبت [٤] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٦ - (أنس) بن مالك بن النضر أبو حمزة الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين مروزي، وهو شيخه، ويمنيين وهما عبد الرزاق، وشيخه، وبصريين وهم الباقون.
стр. 979
وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، لأنه روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثا.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ أنه قال: (طلب بعض أصحاب النبي ﷺ ) وفي رواية للبخاري من طريق حميد عن أنس ﵁ قال "حَضَرَت الصلاةُ، فقام مَن كان قريب الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قوم" الحديث فيحتمل أن يكون البعض هم الذين بَقُوا معه ﷺ (وضوء) بفتح الواو أي ماء الوضوء (فقال رسول الله ﷺ : "هل مع أحد منكم ماء؟ " فوضع يده في الماء) عطف على محذوف تبينه الروايات الأخرى. فأتي رسول الله ﷺ بوضوء فوضع" (ويقول) ﷺ جملة حالية بتقدير هو كما تقدم نظيره، أي وضع يده في ذلك الماء قائلا (توضئوا باسم الله) أي قائلين هذا اللفظ على أن الجار والمجرور أريد لفظه، أو متبركين أو مبتدئين، وعَلَى كل تقدير يحصل المطلوب، وهو الاستدلال به على طلب التسمية في الوضوء، وعدل عن الحديث المشهور، وهو "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" لما يأتي من الكلام في أسانيده.
قال أنس ﵁: (فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه) ﷺ (حتى توضئوا من عند آخرهم) أي توضئوا كلهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر "فمن" بمعنى "إلى"، وقيل كلمة للابتداء، والمعنى توضئوا وضوءا ناشئا من عند آخرهم، وكون الوضوء نشأ من آخرهم في وصف التوضؤ يستلزم حصول الوضوء للكل، وهو المراد كناية، قاله السندي، وتقدم تحقيق الكلام قريبًا.
(قال ثابت) البناني (قلت لأنس) بن مالك ﵁ (كم تراهم؟) بالبناء للمفعول بضبط القلم، أي تظنهم، ويحتمل أن يكون
стр. 980
بالبناء للفاعل: أي تعلمهم (قال) أنس (نحوا) مفعول لفعل محذوف جوازا، أي أراهم نحوا (من سبعين) رجلا.
وفي رواية الحسن عند البخاري، "وكانوا سبعين أو نحوه" وفي رواية حميد عنده قال: "ثمانون رجلا"، وفي رواية قتادة قال: "ثلاثمائة" أو "زهاء ثلاثمائة" وفي رواية عند البخاري في الوضوء من طريق حماد عن ثابت، قال أنس: فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين، وفي رواية حميد، كانوا ثمانين وزيادة.
قال الحافظ: والجمع بينهما -أي بين قوله ما بين السبعين إلى الثمانين، وبين قوله ثمانين وزيادة- أن أنسا لم يكن يضبط العدة بل كان يتحقق أنها تنيف على السبعين، وشك هل بلغت العقد الثامن أو تجاوزته، فربما جزم بالمجاوزة حيث يغلب ذلك على ظنه اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٦٤.
قال الجامع عفا الله عنه:
وكذا رواية الباب، ورواية سبعين أو نحوه، ورواية ثمانين رجلا تتفق بهذا الجمع، وأما رواية قتادة ثلاثمائة، فلابد من حملها على تعدد الواقعة. والله أعلم.
قال الحافظ ﵀: وظهر لي من مجموع الروايات أنهما قصتان في موطنين للتغاير في عدد من حضر وهي مغايرة واضحة يبعد الجمع فيها، وكذلك تعيين المكان الذي وقع ذلك، لأن ظاهر رواية الحسن أن ذلك كان في سفر، بخلاف رواية قتادة فإنها ظاهرة في أنها كانت بالمدينة. اهـ فتح ٦/ ٦٧٦. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 981
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب صحيح.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه:
حديث الباب بزيادة "توضئوا باسم الله" مما انفرد به المصنف، وإلا فقد تقدم أنه مما أخرجه كلهم إلا أبا داود، وابن ماجه.
المسألة الثالثة: في فوائده:
تقدمت فوائد هذا الحديث في الباب الذي قبله، وزاد هنا التسمية على الوضوء، قال السيوطي ﵀: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أفعال العباد على ثلاثة أقسام: ما سنت فيه التسمية، وما
لم تسن، وما تكره فيه.
الأول: كالوضوء، والغسل، والتيمم، وذبح المناسك، وقراءة القرآن، ومنه أيضا مباحات كالأكل، والشرب والجماع.
الثاني: كالصلاة والأذان، والحج، والعمرة، والأذكار، والدعوات.
والثالث: المحرمات لأن الغرض من البسملة التبرك في الفعل المشتمل عليه، والحرام لا يراد كثرته، وبركته وكذلك المكروه، قال: والفرق بين ما سنت فيه البسملة من القربات، وبين ما لم تسن فيه عسير
فإن قيل: إنما لم تسن البسملة في ذلك القسم لأنه بركة في نفسه، فلا يحتاج إلى التبريك، قلنا هذا مشكل بما سنت فيه البسملة كقراءة القرآن فإنه بركة في نفسه، ولو بسمل على ذلك جاز، وإنما الكلام في كونه سنة، ولو كانت سنة لنقل عن رسول ﷺ ، والسلف الصالح كما نقل غيره من السنن والنوافل اهـ زهر جـ ١/ ص ٦١.
стр. 982
المسألة الرابعة: في الكلام على أحاديث البسملة:
وقد لخص الكلام عليها الحافظ في التخليص، فقال: حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي في العلل، وابن ماجه، والدارقطني، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي من طريق محمَّد بن موسى المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
ورواه الحاكم من هذا الوجه، فقال يعقوب بن أبي سلمة، وادعى أنه الماجشون، وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي، قال البخاري: لا يعرف سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإن كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة.
قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي، وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة سلمة بن دينار،
فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضا صحيحًا.
وله طريق أخرى عند الدارقطني، والبيهقي من طريق محمود بن محمَّد الظفري، عن أيوب بن النجار، عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ "ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلى من لم يتوضأ" ومحمود ليس بالقوي، وأيوب قد سمعه يحيى بن معين يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا
стр. 983
"التقى آدم وموسى".
وقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة، ففي الأوسط للطبراني، من طريق علي بن ثابت، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله، والحمد لله، فإن حفَظَتَك لا تزال تكتب لك الحسنات، حتى تحدث من ذلك الوضوء" قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم ابن محمَّد (١) عنه، وفيه أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رفعه "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، ويسمي قبل أن يدخلها" تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمَّد بن يحيى بن عروة، وهو متروك، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد عنه.
وفي الباب عن أبي سعيد، وسعيد بن زيد، وعائشة وسهل بن سعد، وأبي سبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس.
أما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد، والدارمي، والترمذي في العلل، وابن ماجه، وابن عدي، وابن السكن، والبزار، والدارقطني، والحاكم والبيهقي، من طريق كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، بلفظ حديث الباب، وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير، وليس كذلك فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العقدي وابن ماجه من حديث أبي أحمد الزبيري.
وأما حال كثير بن زيد، فقد قال ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق، فيه لين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه.
وربيح: قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي عن البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف، وقال المروزي: لم يصححه
стр. 984
أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت، وقال البزار: روى عنه فليح بن سليمان، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي، ثم ذكر أنه روي عن كثير بن زيد، عن الوليد بن أبي رباح عن أبي هريرة، وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لين، وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقال السعدي: سئل أحمد عن التسمية فقال: لا أعلم فيه حديثا صحيحا، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب.
وأما حديث سعيد بن زيد: فرواه الترمذي، والبزار، وأحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والعقيلي، والحاكم من طريق عبد الرحمن ابن حرملة، عن أبي ثفَال المُرِّيّ، عن رَباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر لفظ الترمذي، قال: وقال محمَّد: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح، ولابن ماجه بزيادة "لا صلاة لمن لا وضوء له" وصرح العقيلي والحاكم بسماع بعضهم من بعض، وزاد "ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار" وزاد الحاكم في روايته: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها سمعت رسول الله ﷺ ، فأسقط منه ذكر أبيها، وقال الدارقطني في العلل: اختلف فيه فقال وهيب، وبشر بن المفضل، وغير واحد: هكذا، وقال حفص بن ميسرة، وأبو معشر، وإسحاق بن حازم عن ابن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح، عن جدته أنها سمعت، ولم يذكروا أباها، ورواه الدراوردي، عن أبي ثفال، عن رباح، عن ابن ثوبان مرسلا، ورواه صدقة مولى آل الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب مرسلا، وأبو بكر بن حويطب هو رباح المذكور. قاله الترمذي.
стр. 985
قال الدارقطني: والصحيح قول وهيب وبشر بن المفضل ومن تابعهما.
وفي المختارة للضياء من مسند الهيثم بن كليب، من طريق وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة سمع أبا غالب، سمعت رباح بن عبد الرحمن حدثتني جدتي أنها سمعت أباها كذا قال، قال الضياء: المعروف أبو ثفال، بدل أبي غالب، وهو كما قال، وصحح أبو حاتم، وأبو زرعة في العلل روايتهما أيضا بالنسبة إلى من خالفهما، لكن قالا: إن الحديث ليس بصحيح، أبو ثفال ورباح مجهولان، وزاد ابن القطان: إن جدة رباح أيضا لا يعرف اسمها، ولا حالها كذا قال، فأما هي فقد عرف اسمها من رواية الحاكم، ورواه البيهقي أيضا مصرحا باسمها، وأما حالها، فقد ذكرت في الصحابة وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يسأل عن حالها.
وأما أبو ثفال: فروى عنه جماعة، وقال البخاري في حديثه نظر، وهذه عادته فيمن يضعفه، وذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه قال: لست بالمعتمد على ما تفرد به فكأنه لم يوثقه.
وأما رباح: فمجهول، قال ابن القطان، فالحديث ضعيف جدا، وقال البزار: أبو ثفال مشهور، ورباح وجدته لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رباح إلا أبو ثفال، فالخبر من جهة النقل لا
يثبت.
وأما حديث عائشة: فرواه البزار، وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنديهما، وابن عدي، وفي إسناده حارثة بن محمَّد، وهو ضعيف، وضعف به، قال ابن عدي: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق ابن راهويه فإذا هو أول حديث قد أخرجه هذا الحديث فأنكره جدًّا،