قوله: "وذكر آخر": قائل: "وذكر" هو الحسن، وفاعل "ذكر" هو هشيم. والظاهر أنه أراد بآخر مجالدَ بنَ سعيد، كما يأتي في كلام الحافظ.
وقوله: في السند الثاني: "قال: أنبأنا غير واحد، منهم المغيرة" الخ. وعند البخاريّ: "أخبرنا غير واحد، منهم المغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضاً … ".
فقال في "الفتح": المراد بفلان مجالد بن سعيد، فقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن زياد بن أيوب، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، قالا: حدثنا هُشيم، أنبأنا غير واحد، منهم: مغيرة، ومجالد، وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق أبي خيثمة عن هشيم. وكذا أخرجه أحمد عن هُشيم، وأخرجه النسائىِ عن يعقوب الدورقي، لكن قال في روايته: عن غير واحد، منهم مغيرة،، ولم يسم مجالداً، وأخرجه أيضاً عن الحسن بن إسماعيل، عن هُشيم، أنبأنا مغيرة، وذكر آخر، ولم يسمّه، وكأنه مجالد، وأخرجه أبو يعلى عن زكريا بن يحيى، عن هُشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، ولم يذكر مع مغيرة أحداً.
وأما الرجل الثالث، فيحتمل أنه داود بن أبي هند، فقد أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق يحيى بن أبي بُكَير الكرماني، عن هشيم، قال: أنبأنا داود بن أبي هند وغيره عن الشعبي.
ويحتمل أن يكون زكريّا بن أبي زائدة، فقد أخرجه الطبراني من طريق الحسن بن علي بن راشد الواسطي، عن هُشيم، عن مغيرة، وزكريّا بن أبي زائدة، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد، كلُّهُم عن الشعبي، والحسن المذكورُ ثقةٌ من شيوخ أبي داود، تكلّم فيه عبدانُ بما لا يقدح فيه، وقال ابن عديّ: لم أر له حديثاً منكراً انتهى ما في "الفتح" جـ ٢ ص ٩٩ - ١٠٠.
٤ - (المغيرة) بن مقسم الضبيّ، أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، يدلّس [٦] تقدّم ١٨٨/ ٣٠١.
٥ - (الشعبي) عامر بن شراحيل الهَمْدَاني الكوفي، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] تقدم ٦٦/ ٨٢.
والباقيان تقدما قريباً، وكذا الكلام على الحديث، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: ضعف الشيخ الألباني قوله: "ثلاث مرّات"، لأجل الشذوذ.
وقال قبله الحافظ ابن رجب ﵀ في "شرح البخاري": إنها زيادة غريبة انتهى (١).
стр. 9207
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في تضعيف الزيادة المذكورة نظر، لأنها صحيحة، فقد أخرج البخاري الحديث مع الزيادة في "صحيحه" بالنسخة اليونينية في "كتاب الرقاق" جـ ٨ ص ١٢٤ - ونصه:
"باب ما يكره من قيل، وقال":
حدثنا علي بن مسلم، حدثنا هُشيم، أخبرنا غير واحد، منهم مغيرة، وفلان، ورجل ثالث أيضًا، عن الشعبي، عن وزاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ثلاث مرّات.
قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات انتهى.
وقد ذكر الحافظ في "الفتح" أيضًا أنها موجودة في نسخة الصغاني، فدلّ على أن نسخ البخاري مختلفة، وأصح نسخه هي النسخة اليونينية، كما هو معروف لدى كل من له عناية بـ "صحيح البخاري"، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف.
[فائدة]: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد روي في الحديث زيادة "بيده الخير" خرّجها الإسماعيلي من طريق مسعر، عن زياد بن عِلَاقة، عن ورّاد.
وروي فيه أيضاً زيادة: "يحيي ويميت". ذكرها الترمذي في كتابه تعليقاً، ولم يذكر رواتها. وقد خرّجه البزّار بهذه الزيادة من رواية ابن عِلاقة، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، بمثل حديث المغيرة ﵁ بهذه الزيادة. وفي إسنادها ضعف.
وخرّجه أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، وفيه زيادة: "بيده الخير". وفي إسناده ضعف.
وخرّجه ابن عديّ، وزاد فيه: "يحي ويميت"، وقال: هو غير محفوظ.
وخرّجه أبو مسلم البلخي في "سننه" من حديث أبان بن أبي عيّاش، عن أبي الجوزاء، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، وفيه: "يحيي ويميت، بيده الخير".
وأبان متروك انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9208
"إن أريد إلا الا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٧ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الذِّكْرِ بَعْدَ التَّسْلِيم)
١٣٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ -قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَكَانَ مِنَ الْخَائِفِينَ- عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا، أَوْ صَلَّى (١) صَلاةً تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ الْكَلِمَاتِ؟ فَقَالَ (٢): "إِنْ تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إسحاق الصاغاني) (٣) أبو بكر نزيل بغداد، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٣/ ٣٤٧.
٢ - (أبو سَلَمَة الْخُزَاعيّ منصور بن سلمة) بن عبد العزيز بن صالح البغدادي، ثقة ثبت حافظ, من كبار [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن عمر العمري، ومالك، وخلاد بن سليمان، وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وحجّاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال أبو بكر الأعين، عن أحمد: أبو سلمة الخزاعيّ من متثبتي أهل بغداد. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وقال أيضاً: قال لي أبي يوماً، ورجعنا من عند أبي سلمة الخزاعي: كتبتَ اليوم عن كبش نطّاح. وقال الدارقطني: أحد الثقات الحفّاظ الرُّفَعَاء الذين كانوا يُسألون عن الرجال، ويُؤخذ بقوله فيهم، أخذ عنه أحمد، وابن
стр. 9209
معين، وغيرهما علمَ ذلك. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: لا بأس به.
قال البخاريّ: يقال: مات سنة تسع، أو سبع ومائتين بطَرَسُوس، وقال مُطيّن: مات سنة، تسع، وقال مرّة: سنة عشر، وفيها أرّخه ابن سعد، وزاد: كان ثقةً، سمع من غير واحد، وكان يَتَمَنَّعُ بالحديث، ثمّ حدث أياماً، ثم خرج إلى الثغر، فمات سنة عشر ومائتين في خلافة المأمون.
أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل", والمصنف، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٣ - (خلّاد بن سليمان) الحضرمي، أبو سليمان المصريّ، ثقة عابد [٧].
روى عن خالد بن أبي عمران، ونافع مولى ابن عمر، ودَرّاج أبي السمح، وغيرهم. وعنه ابن وهب، وأبو سلمة الخزاعي، وسعيد بن أبي مريم، وغيرهم.
قال أبو سلمة الخُزَاعي: كان من الخائفين. وقال على بن الحسين بن الجنيد الرازي: كان مصرياً ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، إلا أنه ذكره فيمن اسمه "خالد"، ووهم في ذلك.
قال ابن يونس: مولده بإفريقية، توفّي سنة (١٧٨)، وكان من الخائفين، وكان خيّاطاً أميًّا لا يكتب. انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٤ - (خالد بن أبي عمران) التُّجِيبيّ، أبو عمر التونسيّ، قاضي إفريقية، فقيه صدوق [٥]. قال ابن حبّان: واسم أبي عمران زيد.
روى عن عبد الله بن عمر مرسلاً، وعن عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وسالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، وعروة بن الزبير، وغيرهم. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والليث بن سعد، وخلّاد بن سليمان، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وكان لا يدلس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبي أمامة. وقال ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب، ومفتي أهل مصر والمغرب، وكان يقال: إنه مستجاب الدعوة، توفي بإفريقية سنة (١٢٩) قال: وقال ربيعة الأعرج: توفي بإفريقية سنة (١٢٥). روى له الجماعة، سوى البخاري، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٤٤٩٧) وأعاده بعده (٤٤٩٨).
٥ - (عروة) بن الزبير الفقيه الحجة المدني [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تقدّمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
стр. 9210
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى خلاد بن سليمان، فإنه من أفراده، وهو ثقة عابد، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس جلساً) تدل "كان" على ملازمته لهذا الذكر، و"المجلس" بكسر الجيم: موضع الجلوس، وهو منصوب على الظرفية لـ"جلس" قياساً، لكون عامله من لفظه، كما قال في "الخلاصة":
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيساً أَنْ يَقَعْ … ظَرْفاً لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ
(أو صلّى) الظاهر أنها أرادت إذا فرغ من الصلاة، وهذا هو وجه إيراد المصنف ﵀ له في جملة الأذكار التي تقال بعد التسليم، ويؤيده وصف هذا الذكر بكونه طابعاً، لأن الخاتم إنما يُختم به بعد تمام الشيء المختوم في نهايته، أو خارج ظرفه. والله تعالى أعلم.
ثم إن قولها: "صلّى" يعم الفرض والنفل (تكلّم) جواب "إذا" (بكلمات، فسألته عائشة) رضي الله تعالى عنها (عن الكلمات) أي عن ألفاظها (فقال) ﷺ (إن تكلّم) الفاعل ضمير يعود إلى اسم الفاعل المفهوم من "تكلّم"، أي متكلّم، على رأي البصريين، لأنهم لا يجيزون حذف الفاعل، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فِعْلٍ فاعِلٌ فَإِن ظَهَرْ … فَهُوَ وَإِلَّا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
أو محذوف، تقديره "أحد"، أو "متكلّم" مثلاً على رأي الكسائي، لأن عنده يجوز حذفه (بخير كان) ذكر الضمير باعتبار المسؤول عنه، أي كان المسؤول عنه من الكلمات (طابعاً) بفتح الموحدة، وكسرها: الخاتم الذي يُختم به. قاله في "اللسان"، أي خاتماً يُختم به (عليهنّ إلى يوم القيامة) الضمير للخير، وإنما أعاد عليه ضمير المؤنثات مع كونه مذكّرا، لتأويله بالخيرات، وفيه إشارة إلى الترغيب في تكثير الخير، وتقليل الشر، حيث أعاد على الأول ضمير الجماعة، وأفرد ضمير الثاني في قوله: "كان كفارة له".
يعني: أنه إن تكلّم قبل هذا الذكر بخير، كأن يذكر الله تعالى، أو يعلّم الناس، أو يعظهم، ثم ذكر هذا الذكر عقبه كان هذا الذكر خاتماً يُختم به ذلك الخير، فلا يتطرّق إليه خلل إلى قيام الساعة.
стр. 9211
وليس المراد التحديد بقيامها، وإنما المراد التأبيد، فلا يفهم منه أن يدخله الخلل بعد قيامها. والله تعالى أعلم.
(وإن تكلّم بغير ذلك) أي بغير الخير، بأن تكلّم بكلام سوء (كان) هذا الذكر (كفّارةً له) أي سبب مغفرة للذنب الحاصل بسببه.
وفيه دليل على استحباب ختم المجلس أي مجلس كان بهذا الذكر.
(سبحانك اللَّهم وبحمدك) هذا تفسير للكلمات، والجملة محكية في محل رفع خبراً لمبتدإ محذوف، تقديره: هي "سبحانك اللَّهم". وقد تقدم الكلام على هذه الجملة في أبواب افتتاح الصلاة بما فيه الكفاية (أستغفرك) أي أطلب منك ستر ذنوبي (وأتوب إليك) أي أرجع إليك من جمع المعاصي.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول: "وأتوب إليك"، وهو متلبس بالذنوب، فيكون كذباً عليه؟.
أجيب: بأن هذا ليس مجرّد إخبار، بل هو في معنى الطلب، كأنه قال: اللَّهم تب عليّ، فأتوبَ، فلا يقال: إنه يكون كذباً، فكيف يقوله من تلبّس بالذنب؟.
والحاصل أنه جاء النصّ والتعليم النبوي بأن يقوله كلّ من عمل صالحاً، أو سوءاً، فيكون للأول طابعاً، وللثاني مَحّاءً، فلا اعتراض على الشارع، بل الواجب أن نتبع السنة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث.
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
هذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى. أخرجه هنا -٨٧/ ١٣٤٤ - وفي "الكبرى" -١٢١/ ١٢٦٧ - و"عمل اليوم والليلة" ٤٠٠ - عن محمد بن إسحاق الصاغاني، عن أبي سلمة الخزاعي، عن خلّاد بن سليمان، عن خالد بن أبي عمران، عن عروة، عنها. وفي "الكبرى" عن محمد بن سهل بن عسكر، عن سعيد بن أبي مريم، عن خلاد به نحوه. هكذا ذكره الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في "تحفة الأشراف" جـ ١٢ ص ٤ - ولم أجد محله. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب هذا الذكر بعد التسليم
стр. 9212
من الصلاة.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الملازمة لهذا الذكر.
ومنها: بيان فضل هذا الذكر، فإنه مع كونه وجيزاً، غزيرُ الفائدة، فهو خاتم يُختم به العملُ الصالح، فلا يدخله بعده نقص ولا تبديل إلى يوم القيامة، ومحّاء يمحو الهفوات، وزَلّات اللسان، وهذا من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين، حيث جعل لهم بكلمات معدودة أجراً عظيماً، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وذلك بسبب اتباعهم لسنة نبيه المصطفى ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
ومنها: ما كانت عليه عائشة من شدّة الحرص على تعلم الخير، فما كان النبي ﷺ يعمل عملاً، أو يقول قولاً إلا سألت عنه، وأفادت الأمّة به، فلهذا كانت أكثر أمهات المؤمنين حديثاً، فقد ثبت لها من الحديث في دواوين السنة (٢٢١٠) حديثاً، ولم ينقل عنهنّ نصفه، بل ولا ربعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب.
المسألة الرابعة: هذا الذكر الوارد في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هو المعروف بكفارة المجلس، وقد ورد أيضاً من أحاديث الصحابة الآخرين، فمنهم: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:
أخرجه الترمذي في "جامعه"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وابن حبّان في "صحيحه"، والطبراني في "الدعاء"، والحاكم في "المستدرك"، كلهم من رواية حجاج ابن محمد، عن ابن جريج، عن موسى بن عُقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من جلس في مجلس، وكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك". هذا لفظ الترمذيّ، وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث سُهيل إلا من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي برزة، وعائشة.
وقال الحاكم في "علوم الحديث" بعد أن أخرجه من طريق البخاري: قال البخاريّ: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهيب، حدثنا موسى بن عُقبة، عن عون بن عبد الله قولَه، قال البخاريّ: هذا أولى، فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعاً من سهيل انتهى.
وقد أخرجه أبو داود في "السنن"، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الدعاء" من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أبي عمرو، عن سعيد
стр. 9213
المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وعن عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن عمرو، موقوفاً.
وذكر الحافظ العراقي ﵀: في "نكته" على ابن الصلاح أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة من الصحابة، عدّتهم سبعة زائدة على ما ذكره الترمذي.
قال الحافظ ﵀: وقد تتبعت طرقه، فوجدته من رواية خمسة آخرين, فكملوا خمسة عشر نفساً، ومعهم صحابي لم يُسمّ، فلم أضفه إلى العدد، لاحتمال أن يكون أحدهم، ثم سرد أسماءهم، وسيأتي بيان ذلك في آخر هذا الشرح، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصّواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨٨ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الذِّكّر وَالدُّعَاءِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ)
١٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ، عَنْ جَسْرَةَ، قَالَتْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَتْ: إِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ، فَقُلْتُ: كَذَبْتِ، فَقَالَتْ: بَلَى، إِنَّا لَنَقْرِضُ مِنْهُ الْجِلْدَ وَالثَّوْبَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَدِ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَتْ، فَقَالَ: "صَدَقَتْ"، فَمَا صَلَّى بَعْدَ يَوْمَئِذٍ صَلَاةً، إِلاَّ قَالَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ أَعِذْنِي مِنْ حَرِّ النَّارِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك أبو الحُسين الرُّهَاويّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢، من أفراد المصنف.
٢ - (يعلى) بن عُبيد بن أبي أميّة، أبو يوسف الطنافسيّ، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠٥/ ١٤٠.
٣ - (قُدَامة) بن عبد الله بن عبدة البكري العامريّ، أبو روح الكوفيّ، قيل: هو فُلَيت العامريّ، وثقه ابن حبّان [٦] تقدّم ٧٩/ ١٠١٠.
стр. 9214
٤ - (جَسْرَة) بنت دَجَاجَة العامريّة الكوفية، وثقها العجلي، وابن حبّان، ويقال: لها صحبة [٣] تقدّمت ٧٩/ ١٠١٠.
وعائشة ﵂ ذكرت في الباب السابق. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وعائشة رضي الله تعالى عنها. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جسرة) بفتح الجيم، وسكون السين المهملة بنت دَجَاجَة بفتح الدال المهملة، أنها (قالت: حدّثتني عائشة ﵂، قالت: دخلت عليّ امرأة من اليهود، فقالت) أي تلك اليهودية (إن عذاب القبر من البول) هذا قالته مما تلقته من كتبهم، قالت عائشة (فقلت: كذبت) إنما كذّبتها بناءً على عدم علمها بعذاب القبر قبل ذلك، واعتمدت في ذلك على عادة اليهود في الكذب والتحريف (فقالت) أي اليهوديّة (بلى) ردّ لتكذيب عائشة ﵂ لها في ذلك، أي إن عذاب القبر من البول ثابت، فـ"بلى" إيجاب للمنفيّ، لأن قولها: "كذبت" نفي لما ادعته من عذاب القبر من البول.
(إنا لنقرض) هذه الجملة تعليل لما قبلها، و"نقرض" مضارع قرَضَ الشيء من باب ضَرَب: إذا قطعه بالمِقْرَاضين (منه) أي من أجل البول، فـ"من" تعليلية، كما في قوله تعال: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ الآية [نوح: ٢٥] , وقول الفرزدق في عليّ بن الحُسين: [من البسيط]:
يُغْضِي (١) حَيَاءٌ وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ … فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ (٢)
والكلام على تقدير محذوف، أي من التقصير في شأن البول، أو من عدم التنزّه من البول. والله تعالى أعلم.
(الجلد والثوب) قيل: المراد بـ"الجلد": الذي يلبسونه فوق أجسادهم، وبه جزم القرطبيّ، قال: وسمعت بعض أشياخنا يَحمل هذا على ظاهره، ويقول: إن ذلك من الإصر الذي حُمّلوه. ونقل ابنُ سيد الناس عن ابن دقيق العيد أنه كان يذهب إلى هذا. قال الشيخ ولي الدين العراقي: ويؤيده وواية الطبراني: "إن أحدهم كان إذا أصاب شيئاً من جسده بول قَرَضه بالمقاريض"، قال: والحديث إذا جمُعت طرقه
стр. 9215
تبيّن المراد منه انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمله على ظاهره هو الراجح عندي، كما ذهب إليه ابن دقيق العيد، وأيّده ولي الدين رحمهما الله تعالى، فلا داعي إلى تأويل الجلد بالملبوس، وتقدّم الكلام في هذا في ٢٦/ ٣٠ - "البول إلى السترة يستتر بها" أوائل هذا الشرح، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة) أي من بيته إلى المسجد لأداء الصلاة فيه، ولعله كان يومئذ عند غير عائشة رضي الله تعالى عنها، أو كان عندها، ولكن كانت مخاصمتها لليهوديّة خارج البيت. والله تعالى أعلم.
(وقد ارتفعت أصواتنا) جملة حالية من "رسول الله"، والرابط الواو، أي والحال أنّ أصواتنا مرتفعة (فقال) ﷺ (ما هذا؟) استفهام عن سبب ارتفاع أصواتهما (فأخبرته) بضم التاء ضميراً للمتكلّم، أي فقالت عائشة ﵂: أخبرت النبي ﷺ (بما قالت) أي اليهودية، من أن عذاب القبر من البول (فقال) ﷺ (صدقت) أي فيما قالته من عذاب القبر من البول، وهذا قد تقدّم في -٦٤/ ١٣٠٨ - أنه ﷺ إنما صدّقها بعدما جاءه الوحي بذلك (فما صلى) أي النبي ﷺ (بعد يومئذ) أي بعد تصديقه لليهوديّة فيما قالت بعد أن أوحي إليه.
و"بعد" منصوب على الظرفية متعلّق بـ"صلى" مضاف إلى "يوم" وهو مضاف إلى "إذ"، ويجوز جرّه بالكسرة، وبناؤه على الفتح، وهو الأولى، لإضافته إلى مبنيّ، وهو "إذ"، كما قال في "الخلاصة":
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كإِذْ قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوُ فِعْلٍ بُنِيَا
(صلاة) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ"صلّى" (إلّا قال في دبر الصلاة) هذا محل استدلال المصنف ﵀ على ما بوّب له، لأنه يدلّ على استحباب هذا الذكر دبر الصلاة، لكن في الاستدلال به نظر، لأن دبر الصلاة يشمل ما قبل التسليم، وما بعده، فالظاهر أن هذا الذكر مما يقال قبل السلام وبعده، ولا يتعيّن أن يكون بعده. فتأمل. والله تعالى أعلم.
(ربّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل) "ربَّ": منادى بحذف حرف النداء، وهو جائز في سَعَة الكلام، كما قال الحريري ﵀ في "مُلحَة الإعراب":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَاءِ"
стр. 9216
وفي الرواية الآتية في "كتاب الاستعاذة" -٥٦/ ٥٥١٩ - : "اللَّهم رب جبرائيل، وميكائيل، ورب إسرافيل أعوذ بك من حرّ النار، ومن عذاب القبر".
ووجه تخصيص هؤلاء الملائكة بالذكر دون غيرهم من الملائكة، لكونهم السَّفَرَة بين الله تعالى وبين الخلائق، حيث إنّ المقادير الإلهية بين الخلائق تجري على أيديهم، فجبريل له السفارة في الوحي، فإنه ينزل إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالهدى لتبليغ الأمم، وإسرافيل موكّل بالنفخ في الصور للقيام من القبور، والحضور ليوم النشور، ليفوز الشَّكُور، ويُجازَى الكفور، وميكائيل موكّل بالقطر والنبات اللذين يُخلق منهما الأرزاق لجميع الحيوانات. والله تعالى أعلم.
(أعذني من حرّ النار) أي اعصمني، واحفظني منه، والاستعاذة من حرّها إما تعبير عن الأعلى بالأدنى، ويكون الاستعاذة من الأعلى بطريق الأولى، وإما أن يكون الحرّ عبارة عن جميع عذابها الذي أعدّه الله للعصاة من عباده، والأول أقرب. والله تعالى أعلم.
(ومن عذاب القبر) فيه إثبات عذاب القبر، وقد تقدّم الكلام عليه في -٦٤/ ١٣٠٨ - وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الجنائز" إن شاء الله تعالى.
والحديث يدلّ على استحباب الدعاء بعد الفراغ من الصلاة بهذا الدعاء، ففيه دعاء الربّ سبحانه بوصفه أنه رب هؤلاء الملائكة المعظمين، ففي الإضافة إليهم إعلام بعظمة ربوبيته، وإظهار عبوديتهم له سبحانه، وإذا كان ربّ هؤلاء فبالأحرى أن يكون ربّ من سواهم ممن احتوى عليه ملكوت السموات والأرض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح.
فإن قلت: في إسناده قُدَامة، قال عنه في "ت": مقبول.
قلت: قُدَامة روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، وقال الحافظ الذهبي في "الكاشف": وُثّق، ولم ينفرد برواية هذا الحديث، فقد تابعه أبو حسّان العامريّ، عند المصنف في "كتاب الاستعاذة" -٥٦/ ٥٥١٩ - وهو صدوق، كما قال في "ت"، وقال فيه أحمد: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الدارقطني: صالح، وصحح حديثه ابن خزيمة، وحسنه ابن القطان الفاسي. انظر ترجمته في "تت" جـ ١ص ١٨٥ - ١٨٦ - طبعة مؤسسة الرسالة الجديدة.
стр. 9217
وأيضاً للحديث شواهد من أحاديث عائشة ﵂ وغيرها، كما يأتي في "كتاب الاستعاذة".
والحاصل أن الحديث صحيح، ولا وجه لتضعيف بعضهم بسبب هذا الإسناد. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨٨/ ١٣٤٥ - وفي "الكبرى" -١٢٢/ ١٢٦٨ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم -١٣٨ - عن أحمد بن سليمان، عن يعلى بن عُبيد، عن قُدَامة بن عبد الله العامري، عن جَسْرة بنت دَجَاجة، عنها. وفي -٥٦/ ٥٥١٩ - عن أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان عن سفيان بن سعيد، عن أبي حسّان فُليت العامري، عن جسرة، عنها. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الدعاء بعد التسليم بهذا الدعاء، وقد تقدم أن الحديث ليس فيه التخصيص بما بعد السلام.
ومنها: إثبات عذاب القبر، وأن أكثره بسبب التقصير في شأن البول.
ومنها: وجوب الاهتمام في الاستبراء من البول، فلا يجوز أن يتوضأ، أو يغتسل حتى يتأكد من انقطاع أئر البول عن ظاهر المخرج، وقد يَتَساهل في هذا كثير من الناس، فيخرجون من محلّ البول، ويَشرَعُون في الوضوء، من غير تأكد من انقطاع أثر البول، وهذا خطر عظيم، قَلّ من يتنبه له، والله المستعان.
ومنها: بيان ما خفف الله تعالى عن هذه الأمة بسبب نبيها المرسل رحمةً للعالمين ﷺ ، من الأمور الشاقّة التي كانت على بني إسرائيل، فقد كان تطهير النجاسة عندهم بقطع محله، فكان في هذه الأمة بالغسل بالماء، وكانت التوبة فيهم بقتل النفس، فكانت فينا بالندم والإقلاع، والاستغفار، والعزم على أن لا يعود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 9218
٨٩ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ)
١٣٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ كَعْبًا حَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى، إِنَّا لَنَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ دَاوُدَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عِصْمَةً، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ".
قَالَ وَحَدَّثَنِي كَعْبٌ أَنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَّ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صَلَاتِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عمرو بن سوّاد بن الأسود بن عمرو) العامري، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الحافظ الثبت [٩] تقدّم ٩/ ٩.
٣ - (حفص بن ميسرة) العُقَيلي، أبو عُمر الصنعاني نزيل عَسْقلان، ثقة ربما وهم [٨].
روى عن زيد بن أسلم، وموسى بن عُقبة، وهشام بن عروة، وغيرهم. وعنه ابن وهب، وآدم بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: ليس به بأس، قلت: إنهم يقولون: عَرَض على زيد بن أسلم؟ فقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة، إنما يُطعن عليه أنه عَرَضَ، وقال مرّةَ: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال في موضع آخر: يُكتب حديثه، ومحلّه الصدق، وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. قال الآجرّيّ، عن أبي داود: يضعّف في السماع. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الساجي: في حديثه ضعف، وقال الأزديّ: رَوَى عن العلاء مناكير يتكلمون فيه.
قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي: لا يُلتفت إلى قول الأزديّ.
стр. 9219
قال أحمد، وابن يونس، وغيرهما: توفي سنة (١٨١).
قال أحمد، والبخاريّ، والنسائي: إنه من صنعاء الشام، وهو قول الأكثر، كالفلّاس، ومحمد بن المثئى، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم. وقال أبو حاتم: إنه من صنعاء اليمن، قال أبو القاسم: وهو أشبه. قال الحافظ: وصنيع أبي داود يدلّ عليه. أخرج له أبو داود في المراسيل، والباقون، إلا الترمذي، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٤ - (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقة فقيه إمام في المغازي [٥] تقدم ٩٦/ ١٢٢.
٥ - (عطاء بن أيي مروان) الأسلميّ، أبو مصعب المدفي نزيل الكوفة، ثقة [٦]. ووى عن أبيه. وعنه أبنه سعيد، وصالح بن كيسان، وعبد الملك بن عمير، وهما أكبر منه، وموسى بن عُقبة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال ابن معين، والنسائي. وقال أبو داود: معروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية السَّفَّاح.، وكذا قال خليفة، وابن سعد، وزاد: كان قليل الحديث. انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٦ - (أبو مروان) مختلف في صحبته، قيل: اسمه سعد، وقيل: مغيث، وقيل: عبد الله بن مصعب، وقيل: غير ذلك.
روى عن عليّ، وأبي ذرّ، وأمّ المطاع الأسلمية، ولها صحبة، وكعب الأحبار، وغيرهم. وعنه ابنه عطاء، وعبد الرحمن بن مهران.
قال العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وذكره أبو جعفر ابن جرير الطبريّ في أسماء مَنْ روى عن النبي ﷺ ، فقال: أبو مروان مُغيث بن عمرو، روى عنه ابنه عطاء (١). وذكر الواقديّ، عن سعيد بن عطاء بن أبي مروان أنه حدّثه عن أبيه، عن جدّه مُغيث الأسلمى، قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ ، فجاءه ما عز بن مالك، فذكر حديثًا. وقال الواقديّ في موضع آخر، عن صدقة بن عُتبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن جدّه أبي مغيث، قال: كنت فيمن حضر أهل النُّجَير، فصالح الأشعث بن قيس زيادًا -يعني ابن لبيد- على أن يؤمن من أهل النُّجَير سبعين رجلاً، ففعل. وقال النسائي: أبو مروان الأسلميّ غير معروف.
стр. 9220
انفرد به المصنف.
٧ - (كعب) بن ماتع الحِمْيَريّ، أبو إسحاق المعروف بـ"كعب الأحبار"، مخضرم ثقة [٢] من آل ذي رُعَين، وقيل: من ذي الكَلَاع. يقال: أدرك الجاهلية، وأسلم في أيّام أبي بكر، وقيل: في أيام عمر.
روى عن النبي ﷺ مرسلاً، وعن عمر، وصُهَيب، وعائشة. وعنه معاوية، وأبو هريرة، وابن عبّاس، وأبو مروان الأسلمي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال: كان على دين يهود، فأسلم، وقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام، فسكن حمص حتى توفي بها سنة (٣٢) في خلافة عثمان، وفيها أرّخه غير واحد. وقال ابن حبّان: مات سنة (٤)، وقيل: سنة (٣٢)، وقد بلغ مائة وأربع سنين.
وقال أبو مسهر: والذي حدّثني غير واحد أن كعبًا كان مسكنه باليمن، فقدم على أبي بكر، ثم أتى الشام، فمات به. وقال علي بن زيد بن جُدعان، عن سعيد بن المسيب: قال العباس لكعب: ما منعك أن تُسلم على عهد النبي ﷺ وأبي بكر حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟ فقال كعب: إن أبي كتب لي كتابًا من التوراة، ودفعه إليّ، وقال: اعمل بهذا، وختم على سائر كتبه، وأخذ عليّ بحقّ الوالد على ولده أن لا أفضّ الخاتم، فلمّا كان الآن، ورأيت الإسلام يظهر، ولم أر بأسًا، قالت لي نفسي: لعل أباك غيّب عنك علمًا كتمك، فلو قرأته، ففضضتُ الخاتم، فقرأته، فوجدت فيه صفة محمد ﷺ وأمته، فجئت الآن مسلمًا، فوالى العبّاس.
وقال ابن سعد: قالوا: ذكر أبو الدرداء كعبًا، فقال: إن عند ابن الحميريّ لعلمًا كثيرًا. وقال معاوية بن صالح، عن عبدالرحمن بن جُبير: قال معاوية: ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء، ألا إن عمرو بن العاص أحد الحكماء، ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنّا لمُفَرِّطين.
وروى البخاريّ من حديث الزهريّ، عن حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يُحدّث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المُحَدِّثين عن أهل الكتاب، وإن كنّا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
قال الحافظ: هذا جميع ما له في البخاري، وليست هذه برواية عنه، فالعجب من المؤلف -يعني الحافظ المزيّ- كيف يُرقم له رقم البخاريّ، فيُوهم أن البخاريّ أخرج له.
وقال ابن الزبير: ما كان في سلطاني شيء إلّا قد حدّثني به، ولقد حدّثني أنه يظهر
стр. 9221
على البيت قوم. أخرجه الفاكهي.
روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه في "التفسير"، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٤٩٥٥).
٨ - (صُهيب) بن سنان، أبو يحيى، وقيل: أبو غسّان النَّمَريّ، المعروف بالرومي، أصله من النَّمِر بن قاسط، سَبَته الروم من نِينَوَى. يقال: كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقب، صحابي مشهور، مات بالمدينة سنة (٣٨) تقدم في ٦/ ١١٨٦.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى في "نتائج الأفكار" جـ ٢ ص ٢١٨: ذكر النسائي الاختلاف في هذا السند، وقال: أبو مروان لا يعرف، وذكر غيره أنه صحابي، وعَدَّ هذا الحديث في رواية الصحابة عن التابعين، ويقال: إن اسمه مغيث -بمعجمة ومثلّثة- ويقال: مغيث أبوه، وباعتبار أن يكون تابعيّا يكون في السند أربعة من التابعين في نسق، أولهم موسى ابن عُقبة انتهى. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعي، ورواية موسى عن عطاء من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن موسى من الطبقة الخامسة. وعطاء من السادسة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي مروان) الأسلميّ (أن كعبًا) أي كعب الأحبار (حلف له بالله الذي فلق البحر) أي شقّه، يقال: فلقته فَلْقًا، من باب ضرب: شققته (لموسى إنا لنجد) الضمير لأهل الكتاب، بدليل أن المتكلّم واحد منهم، وهو كعب الأحبار (في التوراة) قيل: هي مأخوذة من "وَرَى الزَّنْدُ"، لأنها نور وضياء، وقيل: من التورية، وإنما قلبت الياء ألفًا على لغة طيء، وفيه نظر، لأنها غير عربيه. قاله الفيّومي (أن داود نبي الله ﷺ ) "نبي" بدل من "داود"، أو عطف بيان (كان إذا انصرف من صلاته) أي فرغ منها، وسلم (قال: اللَّهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمةً) بكسر العين المهملة، أي عاصما، ومجيء المصدر بمعنى الفاعل كثير، والعاصم: المانع والحامي.
يعني أن الله جعل الدين مانعًا يمنع العبد عن الوقوع في أسباب
стр. 9222
الهلاك في الدنيا والآخرة، ويحميه عن وصول المضرّة إليه، فلا يقع في مخالفة يحصل له بسببها عقاب في الدنيا بإقامة الحد عليه، وفي الآخرة بدخول النار. والله أعلم (وأصلح لي دنياي) أضافها إليه، لكونه يعيش فيها، ويتمتّع بها (التي جعلت فيها معاشي) المراد به مدّة البقاء فيها، وإنما طلب صلاحها، لأن فيه صلاح الدين (اللَّهمّ إني أعوذ برضاك من سخطك) أي ألتجىء إليك متوسلاً برضاك من أَن تسخط علي، وتغضب.
والسخط بفتحتين: مصدر سخط، كفرح، وبضم، فسكون مصدر سماعي له، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة":
وَفَعِلَ اللَّازِمُ بَابُهُ فَعَلْ … كَفَرَحٍ وَكَجَوًى وَكَشَلَلْ
وقال أيضًا:
وَمَا أَتَى مُخَالِفاً لِمَا مَضَى … فَبَابُهُ النَقْلُ كَسُخْطِ وَرِضَا
(وأعوذ بعفوك من نقمتك) بالكسر، وبالفتح، وككَلِمَة: الْمُكَافأة بالعقوبة، جمعه: نَقِمٌ ككلم، وعِنَب، وكلمات، ونَقَمَ منه، كضَرَب، وعَلِمَ، نَقْمًا، وتِنِقَّاماً، كتِكِلَّام، وانتقم: عاقبه، والأمر: كرهه. قاله في "ق". أي األتجىء إليك بعفوك لي، أن تحل عليّ نقمتك.
(وأعوذ بك منك) أي ألتجىء إليك متوسلاً بصفات جمالك عن صفات جلالك، وفيه إجمال بعد شيء من التفصيل، وتَعَوُّذ بجميع صفات الجمال عن صفات الجلال. وقد تقدّم البحث عنه مستوفى في "أبواب الطهارة" -١٢٠/ ١٦٩.
(لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد) تقدم قريبا شرح هذه الألفاظ (قال) أي أبو مروان الأسلمي (وحدّثني كعب) أي كعب الأحبار (أن صهيبًا) بن سنان الرُّومي ﵁ (حدّثه أن محمدًا ﷺ كان يقولهنّ عند انصرافه من صلاته) هذا موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له بقوله: "نوع آحر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة"، وهو استدلال واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث صهيب رضي الله تعالى عنه هذا حسن.
فإن قلت: قد ضعفه الشيخ الألباني بسبب أبي مروان الأسلميّ، لقول النسائي عنه: ليس بالمعروف. فكيف يحَسّن؟
стр. 9223
قلت: أبو مروان روى عنه أبنه عطاء، وعبد الرحمن بن مهران، كما تقدّم، ووثقه العجلي، وابن حبّان، وقال الحافظ الذهبي في "الكاشف" جـ ٣ ص ٣٧٦: مدني ثقة انتهى.
فمن كان حاله هكذا فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن.
وقد صحح حديثه هذا ابنُ خزيمة، وابنُ حبّان، وقال الحافظ في "نتائج الأفكار": جـ ٢ ص ٣١٨: هذا حديث حسن. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٨٩/ ١٣٤٦ - وفي "الكبرى" -١٢٣/ ١٢٦٩ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ١٣٧ - وفي "السير" من "الكبرى" -١٤٩/ ٨٨٢٧ - عن عمرو بن سوّاد، عن ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن موسى بن عُقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، أن كعبا حدثه، أن صهيبًا صاحب النبي ﷺ حدثه أن النبي ﷺ لم يَرَ قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللَّهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين، وما أقللن، ورب الشياطين، وما أضللن، ورب الرياح، وما ذَرَين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها".
قال أبو عبد الرحمن: حفص بن ميسرة لا بأس به، وعبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف، خالفه عبد الرحمن بن أبي الزناد.
وفي "عمل اليوم والليلة" -٥٤٥ - عن هارون بن عبد الله، عن سعد بن عبد الحميد، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عُقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن مغيث، عن كعب به. و-٥٤٦ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله ابن محمد النُّفَيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي مغيث بن عمرو، أن النبي ﷺ … فذكره.
و-٥٤٦ - عن زكريا بن يحيى، عن عمرو بن علي، عن عبد الله بن هارون، عن أبيه، عن ابن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي مغيث بن عمرو نحوه.
وأيضًا في "السير" من "الكبرى" -١٤٩/ ٨٨٢٦ - وفي "عمل اليوم والليلة" -٥٤٣ - عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سلميان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه سمع قراءة عمر، وهو يؤم الناس من دار أبي جهم، قال: وقال كعب: والذي فلق البحر لموسى إن صهيبًا حدثني … فذكر نحوه.
стр. 9224
قال النسائي: أبو مروان ليس بالمعروف.
قال الحافظ المزي: رواه الفضيل بن سليمان، عن موسى بن عُقبة، كما قال حفص ابن ميسرة.
وقال: "رواه إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد انتهى. انظر "تحفة الأشراف" جـ ٤ ص ٢٠٠ - ٢٠١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الدعاء عند الانصراف من الصلاة بالدعاء المذكور.
ومنها: أن الصلاة كانت مشروعة في شرع داود ﵊، وأنه كان يدعو بهذا الدعاء عقبها.
ومنها: كون الدين عصمةً للعبد يعصمه من جميع مكاره الدنيا والآخرة، فينبغي له أن يتضرع إلى ربه أن يصلح له دينه.
ومنها: أن الدنيا معاش العبد، وهي مَتْجَرُهُ يربح فيها الأجر الجزيل الذي جزاءه الخلود المؤبد في الجنة، فلابد له من صلاحها ليتكمن من التجارة فيها، فلذا شرع له الطلب من الله تعالى أن يصلحها له.
ومنها: التعوذ من سخط الله تعالى، ومن نقمته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٠ - (باب التَّعَوُّذِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ)
١٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ (١): "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ"، فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ).
стр. 9225
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن علي) الفَلّاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة المشهور [٩] تقدم ٤/ ٤.
٣ - (عثمان الشّحّام) العدوي، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه عبد الله، وقيل: ميمون، لا بأس به [٦].
روى عن عكرمة، ومسلم بن أبي بكرة الثقفي، وأبي رجاء العُطَاريّ. وعنه إسرائيل، ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم.
قال يحيى القطان: تَعرف، وتُنكر، ولم يكن عندي بذاك. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة، أو قال: لا بأس به، قد أعيى القرون -يعني اسم أبيه- فقلت: إنه وُجد بخط ابن معين: اسم أبيه ميمون، فأعجبه ذلك. وقال النسائي: ليس بالقويّ، وقال مرّةً: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
وجزم النسائي في "الكنى" بأنه عثمان بن مسلم. وكذا قال أبو أحمد، وقال: ليس بالمتين عندهم، وأسند عن وكيع أنه وثقه. وقال الدارقطني: بصريّ يُعتبر به. وقال ابن عديّ: ليس له كثير حديث، ولا أرى به بأسًا. روى له الجماعة، سوى البخاريّ وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٤ - (مسلم بن أبي بكرة) نُفيع بن الحارث الثقفي البصري، صدوق [٣].
روى عن أبيه. وعنه عثمان الشحّام، وسعيد بن جُمهان، وأبو الفضل بن خَلَف الأنصاريّ، وأبو حفص سعيد بن سَلَمَة.
قال العجلي: بصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال خليفة بن خيّاط: مات بعد الثمانين، وقيل: التسعين. روى له الجماعة، سوى البخاري، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٥٤٦٥).
٥ - (أبو بكرة) نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة الثقفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو بكرة، وهو ممن لُقّب بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن؛ وإنما لُقب بذلك؛ لأنه تدلّى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبي ﷺ ، فأسلم. والله تعالى أعلم.
стр. 9226
شرح الحديث
(عن مسلم بن أبي بكرة) الثقفي، أنه (قال: كان أبي) أي أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ (يقول في دبر الصلاة) وفي نسخة "في دبر كل صلاة" (اللَّهم) أي يا الله (إني أعوذ بك من الكفر والفقر) الظاهر -والله أعلم- أراد الفقر الْمُدْقِع الذي لا يصحبه خير، ولا ورع حتى يتورط بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أيّ حرام وَثَب، ولا في أيّ حالة تورّط. وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يردّه مُلك الدنيا بحذافيرها (١) (وعذاب القبر) تقدم الكلام عليه قريبًا.
قال مسلم بن أبي بكرة (فكنت أقولهنّ) أي هؤلاء الكلمات، والظاهر أنه كان يقولهن في دبر الصلوات، كما سمع أباه (فقال أبي: أي بُنيّ) "أَيْ" حرف لنداء القريب، و"بُني" تصغير "ابن" (عمن أخذت هذا) الدعاء (قلت: عنك) متعلق بـ"أخذت" محذوفًا لدلالة السؤال عليه، والجملة مقول القول، أي قلت له: أخذته عنك (قال) أبو بكرة ﵁ (إن رسول الله ﷺ ) بكسر همزة "إن" لكونها محكيّة بالقول (كان يقولهن في دبر الصلاة) أي عقبها.
وهذا محل استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له، لأنه يدلّ على استحباب هذا الدعاء عقب الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٩٠/ ١٣٤٧ - وفي "الكبرى" -١٢٤/ ١٢٧٥ - عن عمرو الفلّاس، عن يحيى القطان، عن عثمان الشحّام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، وفي -١٦/ ٥٤٦٥ - عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عديّ، عن عثمان الشحّام به. وفي
"الكبرى"، و"عمل اليوم والليلة" عن محمد بن عبد الله المقرىء، عن أبيه، عن سعيد ابن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن مرزوق، عن أبي سلمة البصري -وهو عثمان الشحّام- به (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 9227
المسألة الثالثة: في مشروعيّة الدعاء عقب الصلاة:
(اعلم): أنه عقد المصنف رحمه الله تعالى أبوابًا كثيرة، من رقم -٧٩/ ١٣٣٥ - إلى ٩٠/ ١٣٤٧ - لبيان الأحاديث التي تدلّ على مشروعية الدعاء دبر الصلاة، وأورد فيها أحاديث كثيرة مشتملة على دعوات كثيرة تقرأ عقب الصلاة، وإن كان بعضها مكرراً، وهذه الدعوات، وإن كانت محتملة لأن تكون قبل السلام، إلا أن الظاهر كونها بعد السلام، كما هو رأي المصنف رحمه الله تعالى، فإنه أوردها لذلك.
بعد أن ذكر أبوابا كثيرة للدعوات قبل السلام من رقم ٥٧/ ١٢٩٩ - إلى -٥٦/ ١٣١١ - .
وقد تبع في هذا الإمامَ البخاريَّ رحمه الله تعالى، حيث إنه عقد في "صحيحه" في "كتاب الدعوات" بابًا للدعاء في الصلاة، وبابًا للدعاء بعد الصلاة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكره بعض الأذكار عقب الصلوات: ما نصه:
وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر.
وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روي عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين.
وقد تقدّم عن عبيدة السلْمَاني أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من البدَع، ولعله أراد بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر. كذلك هو في كتاب عبد الرزّاق (١).
وإذا صحت السنّةُ، وعمل بها الصحابة، فلا نعدل عنها.
قال: واستحبّ أيضًا أصحابنا، وأصحاب الشافعىّ الدعاء عقب الصلوات، وذكر بعض الشافعية اتفاقًا.
واستدلّوا بحديث أبي أمامة ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ الدعاء أسمع؟، قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات". خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وحسّنه (٢).
واستدلّوا أيضا بحديث معاذ المتقدم "لا تَدَعنّ في دبر كلّ صلاة أن تقول: اللَّهم أعني على ذكرك … " الحديث.
стр. 9228
وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعية: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر، لأنه لا يُتنفّل بعدهما.
وظاهر كلامهم أنه يجهر به، ويؤمّنون عليه، وفي ذلك نظر، وقد ذكرنا فيما تقدّم حديث دعاء النبي ﷺ عقب الصلاة جهرًا، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن السلف.
والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يسرّ بالباقي، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرًا، ويدعو سرًا.
ومن الفقهاء من يَستَحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك سنّة، ولا أثر يُتّبع. والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": عند قول البخاري ﵀: "باب الدعاء بعد الصلاة": ما نصه:
وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسّكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث، عن عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللَّهمّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه. فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه.
قال ابن القيّم في "الهدي النبويّ": وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عوضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحبّ لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما
стр. 9229
شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة انتهى كلام ابن القيّم.
قال الحافظ ﵀: وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللَّهم أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم.
وحديث أبي بكرة ﵁ في قول: "اللَّهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر كان النبي ﷺ يدعو بهنّ دبر كلّ صلاة". أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وصححه الحاكم.
وحديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ الغلمان، ويقول. إنّ رسول الله ﷺ كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: "اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر" أخرجه البخاري، والنسائي (١).
وحديث زيد بن أرقم ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كلّ صلاة: "اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيء … " الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي (٢).
وحديث صهيب ﵁ رفعه: "كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني … " الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان. وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد.
قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه.
وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة ﵁: قيل: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات". وقال: حسن.
وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشرعة، فلا يمتنع عنده الإتيان
стр. 9230
بالدعاء حينئذ انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). وهو تحقيق نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبي ﷺ قولاً، وفعلاً، فلا يسع أحدًا إنكاره.
وأمّا تأويل قوله: "دبر كلّ صلاة" بأنه قبل السلام، لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم، لأنه ﷺ علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة أية الكرسيّ، إذ لا دليل على التفريق، ولاسيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام.
فقد أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" -رقم ٧٤٣ - عن عليّ ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: "اللَّهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت".
والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائي، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقًا انتهى.
فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار.
وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف. اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه برحمتك يا أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في حكم رفع اليدين عند الدعاء:
(اعلم): أنه لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى أحاديث رفع اليدين في الدعاء، وقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابًا في "صحيحه". فقال في "كتاب الدعوات":
"باب رفع الأيدي في الدعاء": وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبي ﷺ ، ثم رفع
стр. 9231
يديه، حتى رأيت بياض إبطيه.
وقال ابن عمر: رفع النبي ﷺ يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
قال أبو عبد الله: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنسًا، عن النبي ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
قال في "الفتح": وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس ﵁: "لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء". وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفة خاصّة، لا أصل الرفع.
وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما "حتى يُرى بياض إبطيه"، بل يُجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره.
وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء.
قال المنذريّ ﵀: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قال الحافظ: ولاسيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النووي في "الأذكار"، وفي "شرح المهذب" جملة، وعقد لها البخاريّ أيضًا في "الأدب المفرد" بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: قَدِمَ الطُّفَيل بن عمرو على النبي ﷺ ، فقال: إن دَوْسًا عصت، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: "اللَّهم اهد دوسًا"، وهو في "الصحيحين"، دون قوله: "ورفع يديه".
وحديث جابر: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبي ﷺ : "اللَّهم وليديه فاغفر، ورفع يديه". وسنده صحيح، وأخرجه مسلم.
وحديث عائشة ﵂ أنها "رأت النبي ﷺ يدعو رافعًا يديه، يقول: اللَّهم إنما أنا بشر … " الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاري في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبي ﷺ رافعًا يديه، يدعو لعثمان".
ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ في قصّة الكسوف "فانتهيت إلى
стр. 9232
النبي ﷺ ، وهو رافع يديه يدعو".
وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: "ئم رفع يديه يدعو".
وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرّات … " الحديث.
ومن حديث أبي هريرة ﵁ الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو".
وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد ﵁ في قصة ابن اللُّتَبِيَّة "ثم رفع يديه حتى رأيت عُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت".
ومن حديث عبد الله بن عمرو ﵂: "أن النبي ﷺ ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع يديه، وقال: اللَّهم أمتي".
وفي حديث عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه كدَوِيّ النَّحْل، فأنزل الله عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا … " الحديث. أخرجه الترمذي، واللفظ له، والنسائي، والحاكم.
وفي حديث أسامة ﵁: "كنت رِدْفَ النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى". أخرجه النسائي بسند جيد (١).
وفي حديث قيس بن سعد ﵁ عن أبي داود: "ثم رفع رسول الله ﷺ يديه، وهو يقول: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة … " الحديث، وسنده جيّد.
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة -براء، وموحدة، مصغرًا- "أنه وأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وما يزيد على هذا، يشير بالسبّابة".
فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار -الصحيحة- بمشروعيتها.
وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث سلمان ﵁، رفعه: "إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا".
стр. 9233
بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية، وسنده جيد.
قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبيرُ بن مطعم، ورأى شُرَيح رجلاً يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أُمّ لك؟، وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم.
وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن وفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدوّنة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض.
وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري عنه أيضًا.
وعن ابن عباس ﵄ أن هذه صفة الدعاء.
وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: "المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا".
وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه.
وقد صحّ عن ابن عمر ﵄ خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد: "رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه" انتهى كلام الحافظ ﵀ في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بُيّن ذلك في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه: "إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرًا". فلا ينبغي للداعي أن يهمل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول.
وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل إليهم هذه الأحاديث الصحاح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9234
٩١ - (عَدَدِ التَّسْبِيحِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ)
١٣٤٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ"، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، يُسَبِّحُ أَحَدُكُمْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا، فَهِيَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ فِي اللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ"، وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهُنَّ بِيَدِهِ، "وَإِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ"، أَوْ "مَضْجَعِهِ سَبَّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهِيَ مِائَةٌ عَلَى اللِّسَانِ، وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ"، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ لَا نُحْصِيهِمَا؟، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، وَيَأْتِيهِ عِنْدَ مَنَامِهِ، فَيُنِيمُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة [١٠] تقدّم ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الحافظ الحجة الثبت [٨] تقدم ٣/ ٣.
٣ - (عطاء بن السائب) الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، لكن رواية حماد بن زيد عنه قبل الاختلاط [٥] تقدّم ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (أبوه) هو السائب بن مالك، أو ابن يزيد، أو ابن زيد، الثقفي الكوفي، ثقة [٢] تقدّم ٦٢/ ١٣٠٥.
٥ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابي، ﵄، تقدّم ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، ولا يقال: إن عطاء بن السائب ممن اختلط؛ لأنا نقول: إن حماد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
стр. 9235
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما (قال: قال رسول الله ﷺ : خَلَّتان) هما المفسّران بقوله: "الصلوات الخمس الخ"، وبقوله: "وإذا أوى أحدكم إلى فراشه".
وهما: تثنية "خَلَّة" بفتح المعجمة، وتشديد اللام، كالخَصْلَة وزنًا ومعنى، وفي نسخة "خصلتان" (لا يُحصيهما) من الإحصاء، أي لا يُحافظ، ولا يداوم عليهما (رجل مسلم) إنما خص المسلم لأنه الذي ينتفع، بالأعمال الصالحات، وأما غيره، وإن عملها فلا ينتفع بها، لأنَّ شركه يُحبط عمله، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] والله تعالى أعلم.
(إلا دخل الجنة) وفي رواية لأحمد من طريق جرير، عن عطاء بن السائب: "خلّتان من حافظ عليهما أدخلتاه الجنة" (وهما يسير) أفرد الخبر مع كون المبتدأ مثنى، لأن "فعيلاً" بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع، كالجريح، والقتيل (ومن يعمل بهما قليل) يعنى أن الموفق للعمل بهما قليل، لتسلط الشيطان على كثير من الناس، وصَدّه لهم عن الخيرات.
(قال) عبد الله بن عمرو (قال رسول الله ﷺ ) مفسراً إحدى الخَلَّتَين (الصلوات الخمس) مبتدأ، خبره الجملة التي بعده، والرابط محذوف، والتقدير: الصلوات الخمس يُسبّح أحدكم في دبر كل صلاة منها. وفي نسخة "الصلاة"، والمراد الجنس.
(يُسبح أحدكم في دبر كل صلاة) وفي رواية أحمد المذكورة: "في دبر كل صلاة مكتوبة" (عشرًا) أي عشر مرّات (ويحمد) بفتح الياء، والميم المخففة، من باب فَرح، من الحَمْد (عشرًا، ويكبّر عشرًا، فهي خمسون ومائة) مبتدأ وخبره، أي هذه الأعداد مائة وخمسون، لأن الصلاة الواحدة بعدها عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات، فتلك ثلاثون، فإذا ضربت في خمس صلوات، صارت مائة وخمسين، وقد صُرّح بهذا عند المصنّف في "عمل اليوم والليلة" من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، بلفظ: "ما يمنع أحدكم أن يسبّح دبر كلّ صلاة عشرًا، ويكبّر عشرًا، ويَحْمَدَ عشرًا، فذاك في خمس صلوات خمسون ومائة"، ثم ساق الحديث بنحو حديث عبد الله بن عمرو ﵄ (١) (في) وفي نسخة "على" (اللسان، وألفٌ وخمسمائة في الميزان) وذلك لأن كلّ حسنة بعشر أمثالها، فيحصل من تضعيف المائة والخمسين عشر مرّات ألف
стр. 9236
وخمسائة.
والحديث يدلّ على مشروعيّة التسبيح والتكبير، والتحميد بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة، وتكريره عشر مرّات. وسيأتي ما يدلّ على أعداد مخالفة لهذا، ويأتي وجه الجمع بين الاختلاف في ذلك في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله بن عمرو (وأنا رأيت رسول الله ﷺ يعقدهنّ بيده) أي يضبطهن، ويحفظ عددهن بيده.
وفي رواية أبي داود من طريق محمد بن قُدامة، عن عَثّام، عن الأعمش، عن عطاء: "بيمينه"، وإسنادها صحيح.
وفيه استحباب عقد التسبيح باليد اليُمْنَى، وسيأتي للمصنف إن شاء الله تعالى: "باب عقد التسبيح" -٩٧/ ١٣٥٥.
ثم ذكر تفسير الخَلَّة الثانية، بقوله:
(وإذا أوى أحدكم إلى فراشه أو) قال (مضجعه) فـ"أو" للشك من بعض الرواة.
و"المضجع" بفتح الميم، والجيم، كمَقْعَدة موضع الضُّجوع، وهو وضع الجنب في الأرض (سبّح) وفي نسخة "يسبّح" (ثلاثًا وثلاثين وحمد) وفي نسخة "ويحمد" (ثلاثًا وثلاثين، وكبّر أربعًا وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان، قال) عبد الله (قال رسول الله ﷺ : فأيكم) اسم استفهام في محلّ الرفع مبتدأ، خبره جملة قوله (يعمل في كلّ يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيّئة؟) أي حتى تُساويَ هذه الحسنات، ولا يَبْقَى منها شيء، أي بل السيئآت في العادة أقلّ من هذا، فتغلب عليها الحسنات الحاصلة بهذا الذكر المبارك.
وهذا فيه استبعاد لوقوع السيّئآت الكثيرة من المسلم، فلا ينبغي له أن يتجاسر على السيّئآت الكثيرة، حتى تتجاوز هذه الحسنات، التي تكفر ما قابلته من السيّئآت، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، بل يجتهد في البعد عنها، وإن وقعت منه، فليجتهد في تقليلها.
(قيل: يا رسول الله، وكيف لا نحصيهما؟) أي كيف لا نُحافظ عليهما، وقد أخبرتنا بفضلهما.
والمعنى: أنه لا مانع لدينا من المحافظة على هاتين الخلّتين. وفي نسخة: "لا يحصيهما" بالياء، وفي رواية أحمد: "قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟ " (فقال: إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته) أي في داخل صلاته قبل أن يسلّم منها، وإنما يأتيه قبل السلام ليسرع الخروج منها، ولا يجلسَ بعدها ولو قليلا (فيقول: اذكر كذا، اذكر
стр. 9237
كذا) زاد أحمد في رواية له: "فلا يقولها".
يعني أنه يذكره الأشياء التي تشغل باله، وتأخذ فكره، وتحمله على إلانصراف مسرعا، ولا يذكر الله تعالى عقب الصلاة، لا كثيرًا، ولا قليلاً.
(ويأتيه عند منامه) بفتح الميم يحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا، أي عند نومه، ويحتمل أن يكون ظرف مكان، أي عند وقت نومه، أو محله (فيُنيمه) بضم حرف المضارعة، من أنامه: إذا حمله على النوم، وفي بعض الروايات: "فينوّمه" من التنويم، زاد أحمد في روايةٍ: "فلا يقولها". أي يحمله على أن ينام دون أن يذكر الله تعالى.
وكأن النبي ﷺ أراد -والله أعلم- بهذا التنبيهَ لهم، حيث رآهم مُتَحَمِّسِين لاغتنام هذه الفضيلة على أن ثَمّ مانعًا قويًّا، وهو الشيطان، فإنه لا يقدر على التغلب عليه إلا مَن أعانه الله تعالى، وكان من عباده الذين قال تعالى في حقهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر: ٤٢].
وهو العدوّ المبين الذي أمر الله تعالى باتخاذه عدوًّا، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وهو العدو اللَّدُود الذي يصعب الحذر منه، حيث إنه يرانا من حيث لا نراه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٢٧].
ومن المعلوم أن العدو الذي لا يُرَى يَصعُبُ التخلّص منه، فليس هناك إلا الالتجاء إلى من بيده ناصية كل شيء، والتوكل عليه، وهو الله تعالى، فإن من توكل عليه كفاه، ومن تحصّن به وقاه، كما أخبر بذلك في محكم كتابه، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الآية: [الزمر: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية: [الطلاق: ٣].
فينبغي للعبد أن يكون دائم التوكل عليه، ورافعًا أكفّ الضراعة إليه، إنه سميع عليم، وهو بعباده رؤوف رحيم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، ولا يضرّ وجود عطاء ابن السائب في سنده -وهو مختلط- لأن حماد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط، كما تقدم بيانه في ١٥٢/ ٢٤٣.
وقد حقق الحافظ رحمه الله تعالى الكلام في هذا الحديث في "نتائج الأفكار": فقال:
стр. 9238
هذا حديث صحيح، أخرجه أحمد عن عبد الرزاق، عن الثوريّ -وأبو داود من رواية شعبة- والترمذي من رواية ابن علية -والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" جميعًا من رواية حماد بن زيد- أربعتهم عن عطاء بن السائب.
وقول الشيخ -يعني النووي-: إن عطاء بن السائب مختلف فيه من أجل أختلاطه. لا أثر لذلك، لأن شعبة، والثوريّ، وحماد بن زيد سمعوا منه قبل اختلاطه، وقد اتفقوا على أن الثقة إذا تميّز ما حدث به قبل اختلاطه مما بعده قُبِلَ، وهذا من ذلك.
قال: يؤيد ذلك ما نُقل عن أيوب -يعني السختياني-، ثم أورد بسنده عن حماد بن زيد، قال: قَدِمَ عطاءُ بن السائب البصرةَ، فقال لنا أيوب: اذهبوا إليه، فاسألوه عن حديث التسبيح -يعني هذا الحديث-.
ثم أخرج بسنده عن حماد ما هو أصرحُ من هذا، قال: كان أيوب حدثنا بهذا الحديث عن عطاء بن السائب، فذكره بطوله، قال: فلما قدم عطاء بن السائب البصرة، قال لنا أيوب: اذهبوا، فاسمعوا من عطاء.
قال: فدل هذا على أن عطاء حدّث به قديمًا، بحيث حدث به عنه أيوب في حياته، وهو من أقرانه، أو أكبر منه، لكن في كون هذا حُكْمًا من أيوب بصحة هذا الحديث نظر؛ لأن الظاهر أنه قصد لهم علوّ الإسناد. ووالد عطاء الذي تفرّد بهذا الحديث لم يخرج له الشيخان، لكنّه ثقة، ولحديثه شاهد قويّ، فلذلك صححتُه، والله أعلم.
ثم أورد الشاهد الذي أشار إليه بسنده عن الحسن بن عَرَفة، عن المبارك بن سعيد -أخي سفيان الثوري-، عن موسى الْجُهَنيّ، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيَمنَعُ أحَدَكم أن يكبّر في دبر كلّ صلاة عشرًا، ويسبح عشرًا، ويحمد عشرًا، فذلك في خمس صلوات خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، فإذا أوى إلى فرأشه يكبر الله أربعًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويُسبّحه ثلاثا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان"، قال: ثم قال: "وأيكم يعمل في يومه ألفين وخمسين سيئة؟ ".
هذا حديث حسن من هذا الوجه.
أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" عن زكريا بن يحيى، عن الحسن بن عرفة. قال النسائي: خالفه شعبة، وغيره في لفظه (١).
ثم أخرج بسنده عن عبد بن حُمَيد، عن جعفر بن عوف، عن موسى الجهني (٢)، عن
стр. 9239
مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة، يسبّح الله مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، وعفا عنه بها ألف خطيئة".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، وعلي بن مسهر، ومروان بن معاوية.
وأخرجه الترمذي، والنسائي من طريق يحيى القطان، كلهم عن موسى الجهني.
وأخرجه أحمد عن عبد الله بن نمير، عن موسى.
وأبو عوانة في "صحيحه" عن أبي بكر بن إسحاق، عن جعفر بن عون، كما سبق.
قال: وتفرّدَ المبارك بنُ سعيد باللفظ الأول، وهو ثقة عند أبن معين وغيره، فاحتمل أن يكون عند موسى الجهني بالإسناد المذكور حديثان. والله أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ملخصًا (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩١/ ١٣٤٨ - وفي "الكبرى" -١٢٥/ ١٢٧١ - عن يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه. وفي ٩٧/ ١٣٥٥ - و"الكبرى" -١٣١/ ١٢٧٨ - عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، والحسين بن محمد الذارع، كلاهما عن عَثَّام بن علي، عن الأعمش، عن عطاء بن السائب به مختصرًا بلفظ: "رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح". وفي "عمل اليوم والليلة" رقم -٨١٣ - عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، عن أسد بن موسى، عن سليمان بن حيّان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عطاء به. وفي -٨١٩ - عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن عطاء به. وفي -٨٢٠ - عن أحمد بن سليمان، عن يزيد، عن العوَّام، عن عطاء به.
وأخرجه (د) رقم ١٥٠٢ (ت) ٣٤١٠ و٣٤١١ و٣٤٨٦ (ق) ٩٢٦ (الحميدي) ٥٨٣ (أحمد) ٢/ ١٦٠ و٢/ ٢٥٤ (عبد بن حُميد) ٣٥٦ (البخاري في الأدب المفرد) ١٢١٦.
قال الحميدي: قال سفيان: هذا أول شيء سألنا عطاء عنه، وكان أيوب أمر الناس حين قدم عطاء البصرة أن يأتوه، فيسألوه عن هذا الحديث.
وقال عبد الله بن أحمد عقب رواية شعبة: سمعت عُبيد الله القواريريّ، قال: سمعت حماد بن زيد يقول: قدم علينا عطاء بن السائب البصرة، فقال لنا أيوب: ائتوه. فاسألوه
стр. 9240
عن حديث التسبيح -يعني هذا الحديث- انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف ﵀، وهو بيان عدد التسبيح الذي يقال عقب الصلاة.
ومنها: بيان فضل هذه الأذكار، وبيان فضل الله تعالى على هذه الأمة، حيث جعل لها على الأعمال القليلة الأجر الجزيل.
ومنها: الترغيب على ملازمة هذه الأذكار، وعدم التكاسل، والتشاغل عنها، لأنه حرمان عظيم عن الثواب الجسيم.
ومنها: استحباب عقد التسبيح باليد، ولا ينبغي أن يستعمل المسبحة ولا غيرها فيه، لأنه ﷺ لم يعدّها بغير اليد، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١].
ومنها: الحث على تكثير الحسنات حتى تذهب السيئآت.
ومنها: بيان حرص الشيطان على تثبيط الإنسان عن اكتساب الخيرات، والصدّ عن ذكر الله تعالى، والحمل على الغفلة حتى تستولي الغفلة عليه، ويكون من الخاسرين، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٢ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحِ)
١٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَسْبَاطٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة) الأحمسيّ -بمهملتين- أبو جعفر الكوفي السرّاج، ثقة [١٠].
стр. 9241
روى عن أبي معاوية، وابن عيينة، وأسباط، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سُئل عنه أبي؟ فقال: صدوق، وسمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو القاسم: مات سنة (٢٦٠) في جمادى الأولى، ويقال: سنة (٥٨). تفرّد به الترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، و (٢٢٢٤) "الصوم جنّة".
٢ - (أسباط) بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩].
روى عن الأعمش، ومطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد ابن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم.
قال محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي: قال لنا وكيع: اسمعوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يُخطىء عن سفيان. وقال أحمد: إنه أحبّ إليّ من الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه: ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه: الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد سمعت اْنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة (٢٠٠). وقال هارون بن حاتم في "تاريخه": حدثني أنه وُلد سنة (١٠٥) ومات في أيّام أبى السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.
٣ - (عَمْرو بن قيس) الْمُلائيّ -بضم الميم، وتخفيف اللام، والمدّ- أبو عبد الله الكوفي، ثقة متقن عابد [٦] ٩٩/ ١٢٨.
٤ - (الحكم) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدنيّ، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (كعب بن عُجْرة) الأنصاري المدني، أبو محمد الصحابي المشهور ﵁، تقدم ٨٦/ ١٠٤. والله تعالى أعلم.
стр. 9242
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن كعب بن عُجْرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : مُعَقِّبات) بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة، اسم فاعل من التعقيب، أي أذكار يَعقُب بعضها بعضًا، أو تُعْقب لصاحبها عاقبةً محمودة.
وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفعل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم: سميت معقّبات لأنها تُفعل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي ملائكة يعقب بعضهم بعضًا انتهى.
وقال في "النهاية": سميت مُعَقّبات لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله انتهى.
و"هي" إما صفة مبتدإ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلمات، أو أذكار معقبات، و"لا يخيب" خبره، وإما مبتدأ، و"لا يخيب" صفته، وخبره "يسبّح الله" (لا يَخيب قائلهنّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان، أي لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان، ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة، سوى القراءة، وفيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(يسبّح الله في دبر كلّ صلاة) قال النووي: هو بضم الدال، هذا هو المشهور في اللغة، والمعروف في الروايات، قال أبو عمر المطرّزيّ في كتابه "اليواقيت": دَبْر كلّ شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة، فبالضمّ. وقال الداودي، عن ابن الأعرابي: دُبُر الشيء، ودَبره بالضم والفتح آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ، وآخرون غيره انتهى (١).
(ثلاثًا وثلاثين) مفعول مطلق على النيابة، أي تسبيحًا ثلاثًا وثلاثين، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ … كَجِدَّ كُلَّ الجِدَّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
(ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبّره أربعًا وثلاثين) وورد في التكبير أيضًا "ثلاثًا وثلاثين"، ويأتي وجه الجمع في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
стр. 9243
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث كعب بن عُجرة رضي الله تعالى عنه هذأ أخرجه مسلم.
[تنبيه]: هذا الحديث ذكره الدارقطني ﵀ في "استدراكاته على مسلم"، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب، لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ.
قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله الدارقطني مردود، لأن مسلمًا رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضًا من طرق أخرى مرفوعة، وإفما روي موقوفًا من جهة منصور وشعبة، وقد أختلفوا عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبيّن الدارقطنيّ ذلك.
والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحققون من المحدّثين، ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحديث موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع، ولو كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان، أو تقصير حصل بمن وقفه. والله أعلم انتهى كلام النووي ﵀ ببعض تصرّف (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٢/ ١٣٤٩ - وفي "الكبرى" -١٢٦/ ١٢٧٢ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ١٥٥ - عن محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، عن أسباط بن محمد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي "الكبرى" عن محمود بن غيلان، عن قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم به. وفي "عمل اليوم والليلة" ١٥٦ - عن قُتيبة بن سعيد، عن أبي الأحوص، عن منصور به.
وأخرجه (م) في الصلاة ٢/ ٩٨ (ت) ٣٤١٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف الروايات في عدد الأذكار التي تُقال عقب الصلوات:
(اعلم): أن الأحاديث وردت بأعداد مختلفة في التسبيح، والتكبير، والتحميد:
أما التسبيح فورد كونه عشرًا، كما في حديث الباب الماضي، وحديث أنس عند الترمذي، والنسائيّ، وحديث سعد بن أبي وقّاص عند النسائي، وعلي بن أبي طالب عند أحمد، وأمّ مالك الأنصارية عند الطبراني.
стр. 9244
وورد ثلاثا وثلاثين، كما في حديث كعب بن عُجرة المذكور في الباب، وهو عند مسلم، والترمذي، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، وحديث أبي الدرداء عند النسائي.
وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت عند النسائي، وعبد الله بن عمر عند النسائي أيضًا.
وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار.
وورد ستّا، كما في بعض طرق أنس. وورد مرّة، كما في بعض طرق حديث أنس أيضا عند البزّار. وورد سبعين، كما في حديث أبي زُمَيل عند الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده جهالة. وورد مائة، كما في بعض طرق حديث أبي هريرة عند النسائيّ، وفيه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، وهو ضعيف.
وأما التكبير، فورد كونه أربعًا وثلاثين، كما في حديث ابن عبّاس عند الترمذي، والنسائي، وحديث كعب بن عُجرة عند مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبي الدرداء عند النسائيّ، وأبي هريرة عند مسلم في بعض الروايات، وأبي ذرّ عند ابن ماجه، وابن عمر عند النسائيّ، وزيد بن ثابت عند النسائيّ، وعن عبد الله بن عمرو عند الترمذيّ والنسائيّ.
وورد ثلاثًا وثلاثين من حديث أبي هريرة عند الشيخين، وعن رجل من الصحابة عند النسائي في "عمل اليوم والليلة".
وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر عند من تقدّم في التسبيح خمسا وعشرين.
وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار، كما تقدّم في التسبيح.
وعشرًا، كما في حديث الباب المتقدّم، وعن أنس، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ، وأم مالك عند من تقدّم في تسبيح هذا المقدار.
ومائة، كما في حديث من ذكرنا في تسبيح هذا المقدار عند من تقدّم.
وأما التحميد، فورد كونه ثلاثًا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرًا، ومائة، كما في الأحاديث المذكورة في أعداد التسبيح، عند من رواها.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعدما ذكر ما تقدّم: ما نصّه: وكلّ ما ورد من هذه الأعداد، فحسن، إلا أنه ينبغي الأخذ بالزائد، فالزائد.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في "شرح الترمذي": كان بعض مشايخنا يقول: إن هذه الأعداد الواردة عقب الصلاة أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء، وغير
стр. 9245
ذلك إذا ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها في أعدادها عمدًا لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص، فلعلّ لتلك الأعداد حكمة وخاصيّةً، تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعدّيها، ولذلك نُهي عن الاعتداء في الدعاء.
قال: وفيما قاله نظر، لأنه قد أَتَى بالمقدار الذي رُتّب على الإتيان به ذلك الثوابُ، فلا تكون الزيادة عليه مُزيلة له بعد الحصول بذلك العدد الوارد.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على ذلك، ففي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيّئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومَهُ ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك … " الحديث.
ولمسلم من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح، وحين يُمسي: سبحان الله، وبحمده مائة مرّة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثلَ ما قال، أو زاد عليه".
وقد يقال: إن هذا واضح في الذكر الواحد الوارد بعدد مخصوص، وأما الأذكار التي يعقب كلّ عدد منها عدد مخصوص من نوع آخر، كالتسبيح، والتحميد، والتكبير عقب الصلوات، فقد يقال: إن الزيادة في كلّ عدد زيادةً لم يرد بها نص يقطع التتابع بينه وبين ما بعده من الأذكار، وربّما كان لتلك الأعداد المتوالية حكمة خاصة، فينبغي أن لا يزاد فيها على المشروع.
قال العراقي ﵀: وهذا محتمل لا تأباه النصوص الواردة في ذلك، وفي التعبّد بالألفاظ الواردة في الأذكار والأدعية، كقوله ﷺ للبراء ﵁: "قل: ونبيك الذي أرسلت" انتهى.
قال الشوكاني ﵀: وهذا مسلّم في التعبّد بالألفاظ، لأن العدول إلى لفظ آخر لا يتحقق معه الامتثال، وأما الزيادة في العدد، فالامتثال متحقق، لأن المأمور به قد حصل على الصفة التي وقع الأمر بها، وكون الزيادة مغيّرةً له غير معقول.
وقيل: إن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد أتى بالزيادة، فقد حصل الامتثال، وإن زاد بغير نيّة لم يُعَدّ ممتثلا انتهى (١).