روى عن أبي معاوية، وابن عيينة، وأسباط، وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سُئل عنه أبي؟ فقال: صدوق، وسمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو القاسم: مات سنة (٢٦٠) في جمادى الأولى، ويقال: سنة (٥٨). تفرّد به الترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، و (٢٢٢٤) "الصوم جنّة".
٢ - (أسباط) بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩].
روى عن الأعمش، ومطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد ابن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم.
قال محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي: قال لنا وكيع: اسمعوا منه، فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يُخطىء عن سفيان. وقال أحمد: إنه أحبّ إليّ من الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه: ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه: الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد سمعت اْنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في الشيء. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة (٢٠٠). وقال هارون بن حاتم في "تاريخه": حدثني أنه وُلد سنة (١٠٥) ومات في أيّام أبى السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.
٣ - (عَمْرو بن قيس) الْمُلائيّ -بضم الميم، وتخفيف اللام، والمدّ- أبو عبد الله الكوفي، ثقة متقن عابد [٦] ٩٩/ ١٢٨.
٤ - (الحكم) بن عُتيبة الكِنْديّ، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدنيّ، ثم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٦ - (كعب بن عُجْرة) الأنصاري المدني، أبو محمد الصحابي المشهور ﵁، تقدم ٨٦/ ١٠٤. والله تعالى أعلم.
стр. 9242
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن كعب بن عُجْرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : مُعَقِّبات) بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة، اسم فاعل من التعقيب، أي أذكار يَعقُب بعضها بعضًا، أو تُعْقب لصاحبها عاقبةً محمودة.
وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفعل أعقاب الصلاة، وقال أبو الهيثم: سميت معقّبات لأنها تُفعل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي ملائكة يعقب بعضهم بعضًا انتهى.
وقال في "النهاية": سميت مُعَقّبات لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله انتهى.
و"هي" إما صفة مبتدإ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلمات، أو أذكار معقبات، و"لا يخيب" خبره، وإما مبتدأ، و"لا يخيب" صفته، وخبره "يسبّح الله" (لا يَخيب قائلهنّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان، أي لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان، ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ، وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة، سوى القراءة، وفيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(يسبّح الله في دبر كلّ صلاة) قال النووي: هو بضم الدال، هذا هو المشهور في اللغة، والمعروف في الروايات، قال أبو عمر المطرّزيّ في كتابه "اليواقيت": دَبْر كلّ شيء بفتح الدال آخر أوقاته من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة، فبالضمّ. وقال الداودي، عن ابن الأعرابي: دُبُر الشيء، ودَبره بالضم والفتح آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر الجوهريّ، وآخرون غيره انتهى (١).
(ثلاثًا وثلاثين) مفعول مطلق على النيابة، أي تسبيحًا ثلاثًا وثلاثين، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ … كَجِدَّ كُلَّ الجِدَّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
(ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبّره أربعًا وثلاثين) وورد في التكبير أيضًا "ثلاثًا وثلاثين"، ويأتي وجه الجمع في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
стр. 9243
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث كعب بن عُجرة رضي الله تعالى عنه هذأ أخرجه مسلم.
[تنبيه]: هذا الحديث ذكره الدارقطني ﵀ في "استدراكاته على مسلم"، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب، لأن من رفعه لا يقاومون من وقفه في الحفظ.
قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله الدارقطني مردود، لأن مسلمًا رواه من طرق كلها مرفوعة، وذكره الدارقطني أيضًا من طرق أخرى مرفوعة، وإفما روي موقوفًا من جهة منصور وشعبة، وقد أختلفوا عليهما أيضًا في رفعه ووقفه، وبيّن الدارقطنيّ ذلك.
والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحققون من المحدّثين، ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحديث موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع، ولو كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان، أو تقصير حصل بمن وقفه. والله أعلم انتهى كلام النووي ﵀ ببعض تصرّف (١). والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٢/ ١٣٤٩ - وفي "الكبرى" -١٢٦/ ١٢٧٢ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ١٥٥ - عن محمد بن إسماعيل بن سَمُرة، عن أسباط بن محمد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي "الكبرى" عن محمود بن غيلان، عن قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم به. وفي "عمل اليوم والليلة" ١٥٦ - عن قُتيبة بن سعيد، عن أبي الأحوص، عن منصور به.
وأخرجه (م) في الصلاة ٢/ ٩٨ (ت) ٣٤١٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف الروايات في عدد الأذكار التي تُقال عقب الصلوات:
(اعلم): أن الأحاديث وردت بأعداد مختلفة في التسبيح، والتكبير، والتحميد:
أما التسبيح فورد كونه عشرًا، كما في حديث الباب الماضي، وحديث أنس عند الترمذي، والنسائيّ، وحديث سعد بن أبي وقّاص عند النسائي، وعلي بن أبي طالب عند أحمد، وأمّ مالك الأنصارية عند الطبراني.
стр. 9244
وورد ثلاثا وثلاثين، كما في حديث كعب بن عُجرة المذكور في الباب، وهو عند مسلم، والترمذي، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، وحديث أبي الدرداء عند النسائي.
وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت عند النسائي، وعبد الله بن عمر عند النسائي أيضًا.
وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار.
وورد ستّا، كما في بعض طرق أنس. وورد مرّة، كما في بعض طرق حديث أنس أيضا عند البزّار. وورد سبعين، كما في حديث أبي زُمَيل عند الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده جهالة. وورد مائة، كما في بعض طرق حديث أبي هريرة عند النسائيّ، وفيه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، وهو ضعيف.
وأما التكبير، فورد كونه أربعًا وثلاثين، كما في حديث ابن عبّاس عند الترمذي، والنسائي، وحديث كعب بن عُجرة عند مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبي الدرداء عند النسائيّ، وأبي هريرة عند مسلم في بعض الروايات، وأبي ذرّ عند ابن ماجه، وابن عمر عند النسائيّ، وزيد بن ثابت عند النسائيّ، وعن عبد الله بن عمرو عند الترمذيّ والنسائيّ.
وورد ثلاثًا وثلاثين من حديث أبي هريرة عند الشيخين، وعن رجل من الصحابة عند النسائي في "عمل اليوم والليلة".
وورد خمسًا وعشرين، كما في حديث زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر عند من تقدّم في التسبيح خمسا وعشرين.
وورد إحدى عشرة، كما في بعض طرق حديث ابن عمر عند البزّار، كما تقدّم في التسبيح.
وعشرًا، كما في حديث الباب المتقدّم، وعن أنس، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ، وأم مالك عند من تقدّم في تسبيح هذا المقدار.
ومائة، كما في حديث من ذكرنا في تسبيح هذا المقدار عند من تقدّم.
وأما التحميد، فورد كونه ثلاثًا وثلاثين، وخمسا وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرًا، ومائة، كما في الأحاديث المذكورة في أعداد التسبيح، عند من رواها.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعدما ذكر ما تقدّم: ما نصّه: وكلّ ما ورد من هذه الأعداد، فحسن، إلا أنه ينبغي الأخذ بالزائد، فالزائد.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في "شرح الترمذي": كان بعض مشايخنا يقول: إن هذه الأعداد الواردة عقب الصلاة أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء، وغير
стр. 9245
ذلك إذا ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها في أعدادها عمدًا لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص، فلعلّ لتلك الأعداد حكمة وخاصيّةً، تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعدّيها، ولذلك نُهي عن الاعتداء في الدعاء.
قال: وفيما قاله نظر، لأنه قد أَتَى بالمقدار الذي رُتّب على الإتيان به ذلك الثوابُ، فلا تكون الزيادة عليه مُزيلة له بعد الحصول بذلك العدد الوارد.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على ذلك، ففي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، في يوم مائة مرّة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيّئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومَهُ ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك … " الحديث.
ولمسلم من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح، وحين يُمسي: سبحان الله، وبحمده مائة مرّة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثلَ ما قال، أو زاد عليه".
وقد يقال: إن هذا واضح في الذكر الواحد الوارد بعدد مخصوص، وأما الأذكار التي يعقب كلّ عدد منها عدد مخصوص من نوع آخر، كالتسبيح، والتحميد، والتكبير عقب الصلوات، فقد يقال: إن الزيادة في كلّ عدد زيادةً لم يرد بها نص يقطع التتابع بينه وبين ما بعده من الأذكار، وربّما كان لتلك الأعداد المتوالية حكمة خاصة، فينبغي أن لا يزاد فيها على المشروع.
قال العراقي ﵀: وهذا محتمل لا تأباه النصوص الواردة في ذلك، وفي التعبّد بالألفاظ الواردة في الأذكار والأدعية، كقوله ﷺ للبراء ﵁: "قل: ونبيك الذي أرسلت" انتهى.
قال الشوكاني ﵀: وهذا مسلّم في التعبّد بالألفاظ، لأن العدول إلى لفظ آخر لا يتحقق معه الامتثال، وأما الزيادة في العدد، فالامتثال متحقق، لأن المأمور به قد حصل على الصفة التي وقع الأمر بها، وكون الزيادة مغيّرةً له غير معقول.
وقيل: إن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد أتى بالزيادة، فقد حصل الامتثال، وإن زاد بغير نيّة لم يُعَدّ ممتثلا انتهى (١).
стр. 9246
وقال في "الفتح": وقد بالغ القرافي ﵀ في "القواعد"، فقال: من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا، لأن شأن العظماء إذا حَدُّوا شيئًا أن يوقف عنده، ويُعدّ الخارج عنه مسيئًا للأدب انتهى.
وقد مثله بعض العلماء بالدواء، يكون مثلاً فيه أُوقية سكّر، فلو زيد فيه أوقيّة أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقيّة في الدواء، ثم أستعمل من السكّر بعد ذلك ما شاء لم يتخلّف الانتفاع.
ويؤيّد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكلّ منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بمجموعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص، لما في ذلك من قطع الموالاة، لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصة، تفوت بفواتها. والله أعلم انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح أن لا يزاد على العدد المخصوص، تأدّبًا مع الشارع، ولأن الئواب المعلّق بذلك العدد المعيّن لا يوجد يقينًا إلا بالمقدار الذي علّق عليه، فإذا زيد عليه كان محلّ شكّ، ولأن الظاهر أن التعبد يكون بالعدد كما يكون بالألفاظ، وقد أنكر النبي ﷺ على البراء ﵁ قوله: "ورسولك الذي أرسلت"، فقال: "لا، ونبيك الذي أرسلت"، فتفريق الشوكاني ﵀ بين الألفاظ والعدد في ذلك محلّ نظر.
وأما استدلالهم بحديث "الصحيحين" حيث قال: "إلا أحد عمل أكثر من ذلك"، فمن أبعد الاستدلال، لأنه نُصّ فيه على أن الزيادة مطلوبة، وإنما المائة أقلّ ما يحصل به الأجر المذكور، فكيف يقاس عليه ما حُدّ بعدد معين من غير إشارة إلى الزيادة، فهيهات هيهات؟.
والحاصل أن الوقوف عند التعليم النبوي كيفًا أو كَمًّا هو المتعين، لكونه محلّ يقين في الامتثال، وحصول الأجر المرتّب عليه، وأما المخالفة في الكيف، أو في الكمّ، فمحلّ شك، والعاقل يبني أمره على اليقين، لا على الشك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب".
…
стр. 9247
٩٣ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحِ)
١٣٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ حِزَامٍ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأُتِيَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَبِّحُوا دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "اجْعَلُوهَا كَذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (موسى بن حزام الترمذي) أبو عمران نزيل بَلْخَ، ثقة فقيه عابد [١١] تقدّم ٤٥/ ٩٥٢.
٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدّم ١/ ٤٥١.
٣ - (ابن إدريس) عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] تقدّم ٨٥/ ١٠٢.
٤ - (هشام بن حَسّان) الأزدي الفُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] تقدم ١٨٨/ ٣٠٠.
٥ - (محمد بن سيرين) الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧.
٦ - (كثير بن أفلح) المدني مولى أبي أيوب الأنصاري، وكان أحد كُتّاب المصاحف التي كتبها عثمان ﵁ ثقة [٢].
روَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبي سعيد الخدريّ، وابن عمر ﵃. وعنه محمد بن سيرين، والزهريّ.
قال النسائي: ثقة. وقال العجلي: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وكناه أبو أحمد الحاكم أبا يحيى، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن.
وقال البخاريّ: أُصيب يوم الْحَرّة. انفرد به الترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (زيد بن ثابت) بن الضّحّاك الأنصاري النّجّاري الصحابي المشهور ﵁، تقدّم
стр. 9248
١٢٢/ ١٧٩. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زيد بن ثابت) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: أُمروا) بالبناء للمفعول، والآمر هو النبي ﷺ ، كما يأتي في الحديث (أن يُسبّحوا دُبُر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويُكبّروا أربعا وثلاثين) قال في "الفتح" في شرح حديث أبي هريرة ﵁، عند قوله: "تسبّحون، وتَحمَدون، وتكبّرون ": كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد، وتأخير التكبير، وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصّة، وفيه أيضًا قول أبي صالح: "يقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله"، ومثله لأبي داود من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي هريرة: "تكبّر، وتحمد، وتسبّح"، وكذا في حديث ابن عمر.
وهذا الاختلاف دالّ على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصالحات: "ولا يضرّك بأيّهنّ بدأت".
لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح، لأنه يتضمّن نفي النقائص عن الباري ، ثم التحميد لأنه يتضمّن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير، إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون (١) هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدّالّ على انفراده بجميع ذلك انتهى (٢).
(فأتى رجل) أي أتاه ملك. وفي نسخة: "فأُري" أي أراه الله ذلك (من الأنصار) بيان لـ"رجل" (في منامه) يحتمل أن يكون مصدرًا ميميًا، أي في نومه، ويحتمل أن يكون ظرفًا، أي في وقت نومه، أو محله (فقيل له) أي قال الآتي للرجل الأنصاريّ (أمركم رسول الله ﷺ ) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأمركم رسول الله ﷺ ؟.
وهذا فيه بيان القاعدة المعروفة، وهي أن الصحابي إذا قال: أُمِرنا، أو أُمِر الناسُ، أو أُمِرُوا، أو نحو ذلك يكون مرفوعًا حُكمًا، حيث إن زيدًا قال: في كلامه: "أمروا"، فبين الآتي في سؤاله أن الآمر هو النبي ﷺ .
(أن تُسبّحوا) في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، أي أمرهم بالتسبيح، وقد تقدم نظيره غير مرّة.
стр. 9249
(دبر كل صلاة) ظرف متعلّق بما قبله.
قال الأزهري: دُبُر الأمر -يعني بضمتين، ودَبْرَهُ- يعني بفتح، ثم سكون- آخره، وادّعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال: بالضمّ إلا للجارحة، ورُدّ بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دبر.
قال في "الفتح": ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخّر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يُعدّ مُعْرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلاً بما ورد أيضًا بعد الصلاة، كآية الكرسىّ، فلا يضرّ.
وظاهر قوله: "كلّ صلاة" يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عُجرة ﵁ عند مسلم التقييد بالمكتوبة، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا، هل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذكر، أو لا؟ محلّ نظر، والله أعلم انتهى (١).
(ثلاثا وثلاثين) منصوب على أنه مفعول مطلق على النيابة لـ"تسبحوا"، أي تسبيحا ثلاثا وثلاثين، وقد تقدّم نظيره قريبًا (وتحمدوا ثلاثا وثلاثين، وتكبّروا أربعًا وثلاثين) هكذا في حديث زيد بن ثابت ﵁ "أربعا وثلاثين"، ومثله في حديث ابن عمر الآتي بعده، وحديث أبي الدرداء عنده في "عمل اليوم والليلة" رقم ١٤٧ - ١٥١ - وكذا لمسلم من حديث كعب بن عجرة، ونحوه لابن ماجه من حديث أبي ذرّ ﵁، لكن شكّ بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون.
ويخالف ذلك ما في رواية محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة ﵁ عند أبي داود، ففيه "ويختم المائة بلا إله إلا الله، وحده لا شريك له الخ"، وكذا لمسلم في رواية عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أم الحكم، ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذرّ.
قال النووي ﵀: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبّر أربعًا وثلاثين، ويقول معها: "لا إله إلا الله وحده الخ".
وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرّة بزيادة تكبيرة، ومرّة بلا إله إلا الله، على وفق ما وردت به الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله النووي غير صحيح؛ لأنه خروج عن التعليم النبوي، وإحداث صيغة أخرى، فالصواب ما قاله غيره، فيجعلها أحيانًا أربعًا وثلاثين،
стр. 9250
وأحيانًا ثلاثًا، ويختمها بـ"لا إله إلا الله وحده الخ"، فبهذا يحصل العمل بكلّ ما ورد، من غير مخالفة لتعليم النبي ﷺ . والله تعالى أعلم.
(قال) أي ذلك الأنصاري الذي أُتي في منامه (ندم) أي أَمَرَنا بذلك (قال) أي ذلك الآتي (فاجعلوها) أي الأذكار (خمسا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل) أي قولوا في ضمنها، أو معها: "لا إله إلا الله" خمسا وعشرين، لتكمّلوا المائة، لأنه أفضل الأذكار.
قال الطيبيّ ﵀: الفاء للتسبب، مقرّرة من وجه، ومغيرة من وجه، أي إذا كانت التسبيحات هذه، والعدد مائة، فقرّروا العدد، وأدخلوا فيها التهليل انتهى.
(فلمّا أصبح) أي دخل ذلك الأنصاري في الصباح (أتى النبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له) أي ذكر إتيان الملك له، وما جرى بينه وبينه من السؤال والجواب، والتعليم (فقال) أي النبي ﷺ (اجعلوها كذلك) أي اجعلوا الأذكار المذكورة كما أمر ذلك الآتي كلَّ واحدة منها خمسا وعشرين، وزيدوا عليها التهليل حتى تكون مائة كاملة.
قال السنديّ ﵀: قوله: "فقال: أجعلوها كذلك"، هذا يقتضي أنه الأولى، لكن العمل على الأول لشهرة أحاديثه. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لكن العمل الخ"، إن أراد عمل كثير من الناس، فمسلّم، ولكن لا قيمة له، وإن أراد العمل بالسنة، ففيه نظر، لأن الحديث صحيح، فلا ينبغي الاقتصار على الأحاديث الأخرى، بل يعمل بهذا أيضًا أحيانا، فيجعلها كلها خمسا وعشرين، ويزيد التهليل كذلك. والله تعالى أعلم.
وقال أيضًا: وليس هذا من العمل برؤيا غير الأنبياء، بل هو من العمل بقوله ﷺ ، فيمكن أنه علم بحقيقة الرؤيا بوحي، أو إلهام، أو بأيّ وجه كان، والله تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله مما لا شك فيه فهو نظيرُ رؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ الأذان، وقول النبى ﷺ : "إنها لرؤيا حق"، فثبت الأذان بذلك، فهو مما وافق رؤيا الصحابي للوحي السماوي، فثبوته بالوحي، لا بمجرد الرؤيا.
ونظيرُ ذلك موافقات عمر رضي الله تعالى عنه للوحي، في قوله: "يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب".
стр. 9251
وقوله: "لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى؟ فنزلت الآية"، إلى غير ذلك، من موافقاته المعروفة، وقد نظمها السيوطي ﵀ في أبيات سماها "قطف الثمر في موافقات عمر"، وهي ضمنَ كتابه "الحاوي للفتاوي" (١).
والحاصل أن العمل بأمر النبي ﷺ ، لا بمجرّد رؤيا ذلك الصحابي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه -٩٣/ ١٣٥٠ - وفي "الكبرى" -١٢٧/ ١٢٧٣ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم -١٥٧ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه (ت) ٣٤١٣ (أحمد) ٥/ ١٨٤ و٥/ ١٩٠ (عبد بن حميد) ٢٤٥ (الدارمي) ١٣٦١ (ابن خزيمة) ٧٥٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان نوع آخر من عدد التسبيح.
ومنها: مشروعية الأذكار بهذه الألفاظ عقب الصلاة.
ومنها: أن قول الصحابي: أُمرنا، أو أُمر الناسُ، أو أمروا من المرفوع حكما، على ما عليه جمهور أهل العلم، من المحدثين، وغيرهم، وخالف في ذلك طائفة من العلماء، وقد تقدّم البحث عن هذا غير مرّة.
ومنها: بيان منزلة رؤيا المؤمن، وكونه جزءا من النبوّة، كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه: "رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوّة"، فلذا صدقه النبي ﷺ ، حيث أمرهم على وفق ما رآه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٥١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، قِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ ؟ قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا
стр. 9252
وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، قَالَ: سَبِّحُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاحْمَدُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَكَبِّرُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهَلِّلُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَتِلْكَ مِائَةٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "افْعَلُوا كَمَا قَالَ الأَنْصَارِيُّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبيد الله بن عبد الكريم) بن يزيد بن فَرُّوخ المخزومي، مولى عيّاش ابن مُطَرِّف، أبو زُرعة الرازيّ، إمام حافظ ثقة مشهور [١١].
روى عن أبي عاصم، وأبي نُعيم، وقبيصة، ومسلم بن إبراهيم، وخلق كثير.
وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة الدمشقي، وآخرون.
قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: إمام. وقال الخطيب: كان إماما ربّانيّا، حافظًا مكثرًا صادقًا. وقال عبد الله بن أحمد: لمّا قدم أبو زرعة: نزل عند أبي، وكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبى يقول يومًا: ما صلّيت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبى زرعة. وقال عبد الله بن أحمد في موضع آخر: قلت لأبي: يا أبت، مَن الحُفّاظ؟ قال: يا بُنيّ شباب كانوا عندنا من أهل خُرَاسان، وقد تفرّقوا، قلت: مَن هم؟، قال: محمد ابن إسماعيل، وعُبيد الله بن عبد الكريم، وعبد الله بن عبد الرحمن، والحسن بن شُجاع. وقال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق، ولا أحفظ من أبي زرعة. وقال الحسن بن أحمد بن الليث: سمعت أحمد يدعو الله لأبي زرعة. وقال فَضْلك الرازيّ، عن أبي مصعب: ما رأيت مثله بعينيّ. وقال فضلك أيضًا، عن الربيع: إن أبا زرعة آية. وقال عبد الواحد بن غياث: ما رأى أبو زرعة مثل نفسه. وقال ابن وَارَة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل. وقال أبو حاتم: رأيت في كتاب إسحاق بخطّه إلى أبي زُرعة: إني أزداد بك كلّ يوم سُرورًا. وقال البردعي: سمعت محمد بن يحيى يقول: لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله لهم مثل أبى زرعة. وقال صالح بن محمد، عن أبي زرعة: أنا أحفظ عشرة آلاف حديث في القراءات. وقال أيضًا: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة ألف حديث. قال: فقلت له: بلغني أنك تحفظ مائة ألف حديث، تقدر أن تملي علي ألف حديث من حفظك؟ قال: لا، ولكن إذا ألقي عليّ عرفت. وقال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا يُذكر أحد في الحفظ إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبو زرعة، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه. وقال أبو جعفر التُّسْتَريُّ: سمعت أبا زرعة يقول: ما سمع أذني شيئا
стр. 9253
من العلم إلا وعاه قلبي، وإن كنت لأمشي في سوق بغداد، فأسمع من الغُرَف صوت المغنّيات، فأضع أصبعي في أذني، مخافة أن يعيه قلبى. وقال أبو حاتم: حدثني أبو زرعة، وما خلّف يعده مثله علمًا وفقهًا وفهمًا وصيانةً وصدقًا، ولا أعلم في المشرق والمغرب مَنْ كان يَفهَم هذا الشأن مثلَه. قال: وإذا رأيت الرّازيِّ ينتقص أبا زرعة، فاعلم أنه مبتدع.
وروى البيهقي، عن ابن وَارَة، قال: كنّا عند إسحاق بنيسابور، فقال رجل: سمعت أحمد يقول: صحّ من الحديث سبعمائة ألف حديث وكسر، وهذا الفتى -يعني أبا زرعة- قد حفظ ستمائة ألف حديث.
قال البيهقيّ: وإنما أراد ما صحّ من حديث رسول الله ﷺ ، وأقاويل الصحابة، وفَتَاوَى مَن أَخَذَ عنهم من التابعين.
وقال محمد بن جعفر بن حكمويه: قال أبو زرعة: أحفظ مائة ألف حديث، كما يحفظ الإنسان ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وقال أبو جعفر التُّسْتَريّ: سمعت أبا زرعة يقول: إن في بيتى ما كتبته منذ خمسين سنة، ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أيّ كتاب هو؟ في أيّ ورقة هو؟ في أيّ صفح هو؟ في أيّ سطر هو؟.
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: حضر عند أبي زرعة محمد بن مسلم -يعني ابن وارة- والفضل بن العباس المعروف بفَضْلَك، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم حديثًا، فأنكره فضلك الصائغ، فقال: يا أبا عبد الله، ليس هكذا هو، فقال: كيف هو؟ فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: أَيْشٍ تقول؟ فسكت، فألحّ عليه، فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخي، فدُعي به، فقال: اذهب، فادخل بيت الكتب، فدَعِ القِمَطْر الأوّل والثاني، والثالث، وعُدَّ ستة عشر جزءًا، وائتني بالجزء السابع عشر، فذهب، فجاء بالدفتر، فتصفّح أبو زرعة، وأخرج الحديث، فدفعه إلى محمد بن مسلم، فقرأه، وقال: نعم، غَلِطْنَا.
قال أبو سعيد بن يونس: مات بالزّيّ آخر يوم من ذي الحجّة سنة (٢٦٤)، وقال ابن المنادي كان مولده سنة مائتين.
وقال ابن حبّان في "الثقات": كان أحد أئمة الدنيا في الحديث، مع الدين والورع والمواظبة على الحفظ، والمذاكرة، وترك الدنيا، وما فيه الناس، توفي سنة (٢٦٨) كذا قال. روى عنه مسلم، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وفي "الزهرة": روى عنه مسلم حديثين. وله في هذا الكتاب هذا، و (٢٢٨١) حديث: "أتدري ما وضع الله عن
стр. 9254
المسافر … ".
٢ - (أحمد بن عبد الله بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي اليَرْبُوعيّ الكوفيّ، وقد ينسب لجده ثقة حافظ، من كبار [١٠].
روى عن الثوريّ، وابن عيينة، وزائدة، والليث، ومالك، وعلي بن الفضيل، وغيرهم.
وعنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة، وحجاجُ بن الشاعر، وعبد ابن حُميد، وأبو زرعة الرّازيّ، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل لرجل: اخرج إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. وقال أبو حاتم: كان ثقة متقنًا، آخر من روى عن الثوريّ.
وتَعَقّبه بعضهم بأن آخر من روى عن الثوريّ علي بن الجَعّد، وقد تأخر بعده.
وقال النسائي: ثقة. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، وليس بحجة. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، صاحب سنة وجماعة. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنة، وقال أبو حاتم: كان من صالحي أهل الكوفة، وسُنّييها. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن قانع: كان ثقة مأمونًا ثبتًا.
وقال ابن يونس: أتيت حماد بن زيد، فسألته أن يُملي عليّ شيئًا من فضائل عثمان ﵁، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، فقال: كوفيّ يطلب فضائل عثمان! والله لا أمليتها عليك، إلا وأنا قائم، وأنت جالس. وقال أبو داود: هو أنبل من ابن أبي فُديك.
قال البخاريّ: مات بالكوفة في ربغ الآخر سنة (١٩٤). وقال أبو عبيد الآجرّيّ، عن أبي داود: سمعته يقول: مات الأعمش، وأنا ابن (١٤) سنة، ورأيت أبا حنيفة، ومسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الْحُيَّض.
وقال أبو داود: كان مولده سنة (١٣٤). وقال مطين: سنة (١٣٣). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٣ - (علي بن الفُضَيل بن عياض) بن مسعود بن بِشْر التميميّ اليربوعيّ، ثقة عابد [٩].
روى عن عبّاد بن منصور، وعبد العزيز بن أبي رَوّاد، وليث بن أبي سُليم، وغيرهم.
وعنه أبوه، وابن عيينة، وأبو بكر بن عيّاش، وشهاب بن عبّاد، وأحمد بن يونس، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال الخطيب: كان من الوَرَع بمحلّ عظيم، ومات قبل أبيه
стр. 9255
بمدّة، وكان سبب موته أنه سمع آية تُقرَأ، فغُشي عليه، وتوفّي في الحال. وقال أبو بكر ابن أبي الدنيا: حدثني عبد الصمد بن يزيد، عن فُضيل بن عياض، قال: بكى عليّ ابني، فقلت: يا بُنيّ ما يُبكيك؟ قال: أخاف أن لا تجمعنا القيامة. وقال فُضيل: وقال لي عبد الله بن المبارك: يا أبا عليّ ما أحسن حال من انقطع إلى ربّه!، فسمع ذلك عليّ ابنه، فسقط مغشيا عليه. وقال ابن عُيينة: ما رأيت أخوف من الفُضيل وابنه. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا الحسن بن عبد العزيز الْجَرْويّ، حدثني محمد بن أبي عثمان، عن فُضيل بن عياض: كانت لنا شاةٌ بالكوفة، فأكلتْ شيئًا يسيرًا من عَلَف لبعض الأمراء، فما شرب -يعني ابنه عليّا- لها لبنًا بعد ذلك. وقال ابن المبارك: خير الناس -يعني في ذلك الوقت- فُضيل بن عياض، وابنه عليّ خير منه. وأخباره في الخوف شهيرة، وفضائله كثيرة جدًّا. روى له المصنف حديثًا واحدًا، وهو حديث الباب فقط.
٤ - (عبد العزيز بن أبي رَوّاد) -بفتح الزاء، وتشديد الواو- واسمه ميمون، وقيل: أيمن، وقيل: يُمْن بن بدر المكي مولى المهلّب بن أبى صُفْرة. صدوق ربما وَهِمَ، ورُمي بالإرجاء [٧].
روى عن نافع، وعكرمة، وسالم بن عبد الله، وغيرهم.
وعنه ابنه عبد المجيد، وابن مهديّ، ويحيى القطّان، وعلي بن الفُضيل، وغيرهم.
قال يحيى القطّان: عبد العزيز ثقة في الحديث، ليس ينبغي أن يُترَك حديثه لرأي أخطأ فيه. وقال أحمد: كان رجلاً صالحًا، وكان مرجئًا، وليس هو في التثبت مثل غيره. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة في الحديث، متعبِّدٌ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال يحيى بن سُليم الطائفيّ: كان يرى الإرجاء. وقال ابن المبارك: كان يتكلّم، ودموعه تسيل على خدّه. وقال ابن عديّ: وفي بعض أحاديثه ما لا يُتَابَع عليه.
وقال ابن أبي حاتم: يروي عن محمد بن كعب القُرظيّ وغيره، روى عنه شعبة. وقال عليّ بن الجُنيد: كان ضعيفًا، وأحاديثه منكرات. وقال الحاكم: ثقة عابد مجتهد شريفٌ في النسب. وقال الساجيّ: صدوق يرى الإرجاء. وقال الدارقطنيّ: هو متوسّط في الحديث، وربّما وَهِم في حديثه. وقال العجليّ: ثقة. وقال الْجُوزجاني: كان غاليًا في الإرجاء. وقال شُعيب بن حرب: كنتُ إذا نظرتُ إلى عبد العزيز رأيت كأنه يطّلع إلى القيامة. وقال حفص بن عمرو بن رُفيع: كنّا عند ابن جُريج، فطلع عبد العزيز، وكان ابن جُريج يوقّره ويعظمه، فقال له قائل: يا أبا عبد المجيد، مَن الرافضيّ؟ فقال: من كره أحدًا من أصحاب محمد ﷺ ، فقال ابن جُريج: الحمد لله، كان الناس يقولون، في
стр. 9256
هذا الرجل، ولقد كنت أعلم.
قال ابن قانع: مات بمكة سنة (١٥٩). وكذا قال عمرو بن علي الفلّاس في "تاريخه"، وابن سعد في "الطبقات"، وقال: وله أحاديث، وكان مرجئًا، وكان معروفًا بالورع والصلاح والعبادة. وخليفةُ فى "التاريخ"، و"الطبقات"، وابنُ أبي عاصم، ويعقوبُ بن سفيان، وأبنُ حبّان في "الضْعفاء"، وقال: يكنى أبا عبد الرحمن، يروي عن عطاء، كان يحدّث على الوهم والحسبان، فسقط الاحتجاج به.
وقال البخاري: قال لي بعض آل أبي رَوّاد: مات قريبًا من سنة (٥٥)، ولا أراه أنا إلا بعده، لأن أبا نعيم، وخلّادًا سمعا منه، ولم يسمعا من ابن جريج، قال: وقال ابن بكير: مات سنة (٥٩). علق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، إلا مسلمًا، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] تقدم ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، أخرجه هنا -٩٣/ ١٣٥١ - وفي "الكبرى" -١٢٧/ ١٢٧٣ - بالسند المذكور. وأخرجه الطبراني في "الدعاء" رقم (٧٣٠). وشرحه تقدّم في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٤ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ عَدَدِ التَّسْبِيحِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إيراد المصنف ﵀ لحديث الباب خلال الأذكار التي تقال دبر الصلاة يدلّ على أنه مما يقال دبرها، وفيه نظر، إذ ليس فيه ما يدلّ على ذلك، فإنه ذكر مطلق غير مقيّد بزمن مخصوص.
ويمكن أن يقال: إنه لمّا بين النبي ﷺ فضل هذا الذكر، وأنه يُفَضَّل على كثير من الأذكار، وكان ما بعد الصلوات من أشرف الأوقات، كما بُيّن في حديث أبي أمامة: "قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟، قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات
стр. 9257
المكتوبات" (١) كان من الأفضل أن يقال دبر الصلوات.
وأيضًا إنه ﷺ علّمه لجويرية ﵂ حينما جلست تذكر الله عقب صلاة الصبح، وطوّلت في ذلك، فعلّمها هذا الذكر، فكأنه قال لها: إن أولى ما تشتغلين به بعد الصلاة من الأذكار هو هذا الذكر. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ كُرَيْبًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا، وَهِىَ فِي الْمَسْجِدِ، تَدْعُو، ثُمَّ مَرَّ بِهَا قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالَ لَهَا: "مَا زِلْتِ عَلَى حَالِكِ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "أَلَا أُعَلِّمُكِ -يَعْنِي- كَلِمَاتٍ تَقُولِيهُنَّ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشّار) بُنْدَار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد) بن جعفر غُنْدَر البصري، ثقة [٩] تقدم ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (محمد بن عبد الرحمن) بن عُبيد القُرشيّ، مولى آل طلحة، كوفيّ ثقة [٦].
روى عن السائب بن يزيد، وعيسى، وموسى ابني طلحة، وكريب، وغيرهم. وعنه شعبة، ومسعر، والثوريّ، وغيرهم.
قال البخاريّ: قال لنا عليّ، عن ابن عُيينة: كان أعلم مَنْ عندنا بالعربيّة. وقال عبّاس الدُّوريّ، وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الترمذيّ، وأبو عليّ الطُّوسيّ، ويعقوب ابن شيبة: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٥ - (كُريب) بن أبي مسلم مولى ابن عباس، أبو رِشْدين المدني، ثقة [٣] تقدم ١٦١/ ٢٥٣.
٦ - (ابن عبّاس) عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدم ٢٧/ ٣١.
стр. 9258
٧ - (جُوَيرية بنت الحارث) بن أبي ضِرَار الخُزَاعيّة الْمُصْطَلِقية، سباها رسول الله ﷺ في غزوة الْمُرَيْسِع، وكان اسمها بَرَّة، فسماها رسول الله ﷺ جُوَيرية، وتزوّجها.
روت عن النبي ﷺ . وروى عنها عبد الله بن عباس، وعُبيد بن السّبّاق، وأبو أيوب الْمَرَاغِيّ، ومجاهد بن جبر، وكريب، وكُلثُوم بن المصطلق، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد.
وقال ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا عُبيد الله بن عمر، عن أيوب، عن أبي قلابة أن النبي ﷺ سبا جُويرية، فجاء أبوها، فقال: إن ابنتي لا يُسبَى مثلها، فخلّ سبيلها، فقال: أرأيت إن خيّرتهُا، أليس قد أحسنتُ؟ قال: بلى، فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: أختار رسول الله ﷺ .
قال الحافظ ﵀: هذا مرسل صحيح الإسناد.
قال الواقديّ: توفّيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين، وصلى عليها مروان بن الحكم، وقال غيره: ماتت سنة خمسين، ولها ست وخمسون سنة. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم من رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة، وفيه رواية صحابي، عن صحابية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ) رضي الله تعالى عنها (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهَا) وفي رواية مسلم -٨/ ٨٣ - "خرج من عندها بُكْرةً، حين صلى الصبح"، وفي رواية أحمد من طريق الحجاج، عن شعبة قالت: أتى عليّ رسول الله ﷺ غَدوةً، وأنا أسبّح، ثم انطلق لحاجته، ثم رجع قريبًا من نصف النهار" (وَهِيَ فِى الْمَسْجِدِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الضمير المجرور في "عليها". أي والحال أنها جَالسةٌ في الموضع الذي صلّت فيه الصبح، وفي رواية مسلم: "وهي في مسجدها" (تَدْعُو) وفي "عمل اليوم والليلة": "فمرّ بها تقرأ في مصلّاها، تسبّح، وتذكر الله" (ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا قَرِيبًا) منصوب على الظرفية بالنيابة، والأصل: وقتا قريبًا، أي في وقت قريب (مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ) وفي رواية مسلم: "ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسةٌ" (فَقَالَ لَهَا: مَا زِلْتِ عَلَى حَالِكِ؟) ولمسلم: "فقال: ما زلت على الحال الذي فارقتك عليها" (قَالَتْ: نَعَمْ) وفي "عمل اليوم والليلة": قالت: ما زلت في مكاني منذ تَعْلَمُ" (قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكِ -يَعْنِي- كَلِمَاتٍ)
стр. 9259
وفي نسخة بإسقاط لفظة "يعني" (تَقُولِينَهُنَّ) جملة في محلّ جر صفة لـ"كلمات" (سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ).
قوله: "سبحان الله الخ" بدل من "كلمات"، أو عطف بيان، أو خبر لمحذوف، أي هي "سبحان الله الخ".
واختار الحافظ السيوطي ﵀ في رسالته "رفع السِّنَة في نصب الزِّنَة" أن هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف، والتقدير: قدرَ عدد خلقه، وهكذا البواقي، فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه. قال: فهذا الإعراب هو المتّجه المطّرد السالم من الانتقاض.
وذكر أيضًا من الوجوه الممكنة في إعرابها أربعة:
أحدها: أن يجعل مفعولا به لفعل، أو وصف مقدّر، أي يبلغ عدد خلقه، أو بالغًا عدد خلقه.
الثاني: أن يكون القول مقدّرًا، و"سبحان الله" مفعولٌ أولُ، و"عدد خلقه" مفعولٌ ثانٍ، على لغة من يُجرى القول مُجرَى الظنّ بلا شرط.
الثالث: أن يكون خبرًا لـ"كان" مقدّرة هي واسمها ضميرًا راجعًا إلى التسبيح، وتقديره إما بصيغة المضارع، أو اسم الفاعل.
الرابع: وهو خاصّ بـ"رضا نفسه" أن يُجعل مفعولاً له، على جعل الرضا بمعنى الإرضاء، كقولك: سبّحْتُ ابتغاءَ وجه الله.
قال: وكلها لا يعوّل عليها، والعمدة على الأول. والله أعلم انتهى المقصود من كلام السيوطي ﵀ باختصار، وتصرّف. وقد أشبع الكلام في هذا البحث في الرسالة المذكورة بما لا تجده في كتاب غيره (١).
وقال في شرحه المسمى "زهر الربى في شرح المجتبى": قال الشيخ أكمل الدين في "شرح المشارق": تقديره: عددًا كعدد خلقه.
ومعنى: "رضا نفسه": غير منقطع، فإن رضاه عمن رضي عنه من الأنبياء، والأولياء، وغيرهم لا ينقطع، ولا ينقضي.
стр. 9260
ومعنى: "وزنة عرشه" أي بمقدار وزنه، يريد عِظَمَ قدره.
وقوله: "ومداد كلماته": يجوز أن يكون المراد قطر البحار، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية [الكهف: ١٠٩]، ويجوز أن يكون المراد مصدر مَدَّ، ومداد الكلمات: المدد الواصل من الفيض الإلهي على أعيان الممكنات واحدًا، فواحدًا، بحسب ما يتعلّق بشخصه. وقال في "النهاية": "مداد كلماته"، أي مثل عددها، وقيل: قدر ما يوازيها في الكثرة، عيار كيل، أو وزن، أو ما أشبهه، وهذا تمثيل، يراد به التقريب، لأن الكلام لا يدخل في الكيل والوزن، وإنما يدخل في العدد. والمداد مصدر، كالمدد، وهو ما يكثّر به، ويزاد.
وقال الخطابي: المداد بمعنى المدد، وقيل: جمعه (١).
وقال السنديّ ﵀ في "شرحه": "عدد خلقه" هو وما عطف عليه منصوبات بنزع الخافض، أي بعدد جميع مخلوقاته، وبمقدار رضا ذاته الشريفة، أي بمقدار يكون سببا لرضاه تعالى، أو بمقدار يرضى به لذاته، ويختاره، فهو مثل ما جاء "وملءَ ما شئت من شيء بعدُ"، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى من غير مشاكلة. وبمقدار ثقل عرشه، وبمقدار زيادة كلماته، أي بمقدار يساويهما، يساوي العرش وزنًا، والكلمات عددًا.
وقيل: نصب الكلّ على الظرفيّة بتقدير "قَدْرَ"، أي قدرَ عدد مخلوقاته، وقدرَ رضا ذاته.
فإن قلت: كيف يصحّ تقييد التسبيح بالعدد المذكور، مع أن التسبيح هو التنزيه عن جميع ما لا يليق بجنابه الأقدس، وهو أمر واحد في ذاته، لا يقبل التعدد، وباعتبار صدوره عن المتكلّم لا يمكن اعتبار هذا العدد فيه، لأن المتكلّم لا يقدر عليه، ولو فُرض قدرته عليه أيضًا لما صحّ هذا العدد بالتسبيح إلا بعد أن صدر منه هذا العدد، أو عزم على ذلك، وأما بمجرد أنه قال مرّةً: سبحان الله لا يحصل منه هذا العدد؟.
قلت: لعلّ التقييد بملاحظة استحقاق ذاته الأقدس الأطهر أن يصدر من المتكلّم التسبيحُ بهذا العدد.
فالحاصل أن العدد ثابت لقول المتكلّم، لكن لا بالنظر إلى الوقوع، بل بالنظر إلى الاستحقاق، أي هو تعالى حقيق بأن يقول المتكلّم التسبيحَ في حقّه بهذا العدد. والله تعالى أعلم انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى (٢). والله تعالى أعدم بالصواب، وإليه
стр. 9261
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جويرية بنت الحارث رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٤/ ١٣٥٢ - وفي "الكبرى" -١٢٨/ ١٢٧٥ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ١٦٤ عن محمد بن بشّار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس، عنها. وفي "عمل اليوم والليلة" -١٦٤ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شُعبة به. و-١٦٥ - عن محمود بن غَيلان، عن أبي أسامة، عن مسعر، عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي رِشْدين به.
قال أبو عبد الرحمن: أبو رشدين هو كُريب مولى ابن عباس، وابنه رشدين بن كريب ضعيف، وأخوه محمد بن كُريب ليس بالقويّ، إلا أنه أصلح قليلاً، وكريب ثقة، وليس في موالي ابن عباس ضعيف، إلا شعبة مولى ابن عباس، فإن مالكًا قال: لم يكن يُشبه القرّاء انتهى.
وأخرجه (م) ٨/ ٨٣ (ت) ٣٥٥٥ (ق) ٣٨٠٨ (أحمد) ٦/ ٣٢٤ و٦/ ٤٢٩ (البخاري في الأدب المفرد) ٦٤٧ (ابن خزيمة) ٧٥٣.
وفي رواية سفيان بن عُيينة في "الأدب المفرد"، و"صحيح ابن خُزيمة" زاد في أول الحديث": "عن ابن عباس ﵄ قال: قالت جُويرية بنت الحارث، وكان اسمها بَرّة، فحَوّلَ النبي ﷺ اسمها، وسمّاها جُويرية، وكره أن يقال: خرج من عند بَرّة … ".
والله تعالى أعلم.
المسالة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان نوع آخر من عدد التسبيح.
ومنها: بيان ما كانت عليه النساء في عهد النبي ﷺ من الاجتهاد في العبادات.
ومنها: استحباب كثرة الذكر من صلاة الصبح إلى أن يرتفع النهار.
ومنها: أن بعض الأذكار يُفضّل على بعضها.
قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام في "فتاواه" قد يكون بعض الأذكار أفضل من بعض، لعمومها وشمولها، واشتمالها على جميع الأوصاف السلبية والذاتيّة، والفعليّة، فيكون القليل من هذا النوع أفضل من الكثير من غيره، كما جاء في قوله ﷺ : "سبحان
стр. 9262
الله عدد خلقه" انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٥ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَتَّابٌ -هُوَ ابْنُ بَشِيرٍ- (١) عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الأَغْنِيَاءَ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ أَمْوَالٌ، يَتَصَدَّقُونَ، وَيُنْفِقُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا صَلَّيْتُمْ، فَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَشْرًا، فَإِنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِذَلِكَ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (عَتّاب بن بشير) -بفتح أوله- الجَزَريّ، أبو الحسن، أو أبو سهل الحَرّانيّ، مولى بني أُميّة، صدوق يُخطىء [٨].
روى عن خُصَيف، وإسحاق بن راشد، وثابت بن عجلان، وغيرهم. وعنه رَوْح بن عُبَادة، والعلاء بن هلال، وعلي بن حُجر، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، روى بأَخَرَة أحاديث منكرة، وما أرى أنها إلا من قبل خُصيف. وقال الجُوزجاني، عن أحمد: أحاديث عَتّاب عن خُصيف منكرة. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين ثقة. وقال ابن أبي حاتم: قيل لأبي زرعة: عتّاب أحبّ إليك، أو محمد بن سَلَمَة؟ قال: عتّاب. وقال الآجرّي، عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: تركه ابن مهديّ بآخره، قال: ورأيت أحمد كفّ عن حديثه، وذلك أن الخطّابي حدّثه عنه بحديث، فقال لي أحمد: أبو جعفر -يعني النفيلي- يحدث عنه؟ قلت: نعم، قال: أبو جعفر أعلم به. وقال ابن أبي حاتم: ليس به بأس. وقال الساجي: عنده مناكير، حدّث أحمد، عن وكيع، عنه. وقال ابن
стр. 9263
المدينيّ: حدثتُ أعلى حديثه. وقال الحاكم، عن الدارقطني: ثقة. وقال ابن عديّ: روى عن خُصَيف نسخةً فيها أحاديث أُنكرت، فمنها: عن مقسم، عن عائشة، حديث الإفك، وزاد فيه ألفاظًا، لم يقلها إلّا عتّاب، عن خُصيف، ومع ذلك فأرجو أن لا بأس به. وقال النسائي في "كتاب الجرح والتعديل": ليس بالقويّ.
وقال أيضًا: ليس بذاك. وكذا قال ابن سعد، وذكر أنه مات سنة (١٩٠)، وكذا أرّخه ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو داود: مات سنة (١٨٨).، وكذا أرخه أبو عروبة، عن إسحاق بن زيد، عن النفيليّ. روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (خُصَيف) -بالصاد المهملة مصغّراً- ابن عبد الرحمن الجَزَريّ، أبو عون الحَضْرميّ الحرّاني الأمويّ مولاهم، صدوق سيء الحفظ خلط بآخره، ورُمي بالإرجاء [٥].
رأى أنسًا، وروى عن عطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم. وعنه السفيانان، وابن جريج، وعتّاب بن بشير، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد ضعيف الحديث. وقال حنبل عنه: ليس بحجة، ولا قويّ في الحديث. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بقويّ في الحديث، قال: وقال مرّةً: ليس بذاك، قال أبي: خُصيفٌ شديد الاضطراب في المسند. وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّةً: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح يخلط، وتُكلّم في سوء حفظه. وقال النسائيّ: عتّاب بن بشير ليس بالقويّ، ولا خُصيفٌ، وقال مرّةً: صالح. وقال ابن عديّ: ولِخُصَيف نُسَخٌ، وأحاديثُ كثيرة، وإذا حدّث عن خُصيف ثقة، فلا بأس بحديثه ورواياته، إلّا أن يروي عنه عبد العزيز بن عبد الرحمن، فإن رواياته عنه بواطيل، والبلاء من عبد العزيز، لا من خُصيف. وقال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد يُضعّفه. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به، يَهِم. وقال الساجي: صدوق. وقال الآجريّ عن أبي داود: قال أحمد: مضطرب الحديث. وقال جرير: كان خُصيف متمكنا في الإرجاء، يَتَكَلّم فيه. وقال أبو طالب: سئل أحمد عن عتّاب بن بشير، فقال أرجو أن لا يكون به بأس، روى أحاديث بآخره منكرة، وما أرى إلا أنها من قبل خصيف. وقال ابن معين: إنا كنّا نتجنّب حديثه. وقال ابن خُزيمة: لا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سُفيان: لا بأس به. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ. وقال الأزديّ: ليس بذاك. وقال ابن حبّان: تركه جماعة من أئمتنا، واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان يُخطىء كثيرًا فيما يروي، ويتفرّد عن المشاهير بما لا يُتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا أن الإنصاف
стр. 9264
فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يُتابع عليه، وهو ممن أستخير الله تعالى فيه. وقد حدّث عبد العزيز عنه، عن أنس بحديث منكر، ولا يعرف له سماع من أنس.
وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة (١٣٧)، وكذا قال البخاريّ. وقال النفيليّ: مات سنة (٦). وقال أبو عُبيد وغيره: مات سنة (٨). وقال خليفة بن خيّاط: مات سنة (٩) وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عباس، ثقة ثبت مُفسّر [٣] تقدم ٢/ ٣٢٥.
٥ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقة إمام [٣] تقدم ٢٧/ ٣١.
٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر ﵄، تقدّم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي نسخة: "إلى النبي ﷺ ".
قال في "الفتح": سُمّي منهم في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة أبو ذرّ الغفاريّ. أخرجه أبو داود، وأخرجه جعفر الفريابيّ في "كتاب الذكر" له من حديث أبي ذرّ نفسه، وسُمّي منهم أبو الدرداء عند النسائي (١) وغيره من طرق عنه، ولمسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة أنهم قالوا: "يا رسول الله"، فذكر الحديث، والظاهر أن أبا هريرة منهم، وفي رواية النسائي (٢)، عن زيد بن ثابت، قال: "أمرنا أن نسبّح" الحديث، وهذا يمكن أن يقال فيه إن زيد بن ثابت كان منهم، ولا يعارضه قوله في رواية ابن عجلان عن سُمَيّ عند مسلم: "جاء فقراء المهاجرين"، لكون زيد بن ثابت من الأنصار، لاحتمال التغليب انتهى (٣).
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الأَغْنِيَاءَ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي) وفي حديث أبي هريرة ﵁ وغيره: "ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العُلَى، والنعيم المقيم، يصلون الخ" (وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدرداء ﵁: "ويذكرون كما نذكر"،
стр. 9265
وللبزّار من حديث ابن عمر ﵄: "صدّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا" (وَلَهُمْ أَمْوَالٌ، يَتَصَدَّقُونَ) زاد في نسخة "بها" (وَيُنْفِقُونَ) وفي "الهندية": "ويُعتقون" من الإعتاق، أي يحرّرون الرقاب.
وعند البخاري من حديث أبي هريرة: "ولهم فضل أموال، يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدّقون".
قال في "الفتح": قوله: "يحجون بها" أي ولا نحجّ، يشكل عليه ما وقع في رواية جعفر الفريابي من حديث أبي الدرداء: "ويحجون كما نحجّ"، ونظيره ما وقع هنا: "ويجاهدون"، ووقع في الدعوات من رواية ورقاء، عن سُميّ: "وجاهدوا كما جاهدنا".
لكن الجواب عن هذا الثاني ظاهر، وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد المتوقّع، فهو الذي تقدر عليه أصحاب الأموال غالبًا، ويمكن أن يقال مثله في الحجّ، ويحتمل أن يقرأ "يحجون بها" بضم أوله من الرباعي، أي يُعينون غيرهم على الحج بالمال انتهى (١).
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا صَلَّيْتُمْ) أي فرغتم من الصلاة، وَسَلّمْتُم منها.
والظاهر أنه يشمل الفرض والنفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، لوقوعه في حديث كعب بن عُجْرة ﵁ عند مسلم مقيّدًا بالمكتوبة. قاله في "الفتح".
(فَقُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ: وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ: وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَشْرًا) زيادة التهليل منكرة لأن روايات الثقات الحفّاظ خالية منها. والفَه تعالى أعلم (فَإِنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِذَلِكَ مَنْ سَبَقَكُمْ) أي من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة، والسبقية هنا يحتمل أن تكون معنوية، وأن تكون حسّيّة، قال الشيخ تقي الدين: والأول أقرب.
وقال السنديّ: قوله: "من سبقكم" أي فضلاً، وكذا "مَن بعدكم"، أي فضلاً، ولا عبرة بالسبق والتأخر الزمانيين، والله تعالى أعلم انتهى.
(وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ) وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين: "قال: ألا أحدّثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم، إلا من عمل مثله، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كلّ صلاة، ثلاثًا وثلاثين".
стр. 9266
واستشكل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرّب بالمال مع شدّة المشقة فيه.
وأجاب الكرماني بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقّة في كل حالة، واستدلّ لذلك بفضل كلمة الشهادة، مع سهولتها على كثير من العبادات الشاقّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا بهذا السند ضعيف، لأن فيه عتّاب أبن بشير، وخُصيفًا، متكلّم فيهما، كما سبق بيان ذلك في ترجمتهما، فزيادة التهليل عشرًا منكرة، لأنها من طريقهما.
لكن أصل الحديث صحيح أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، وغيره، ولذلك توسعت في شرحه، وإلا فالحديث الضعيف لا يحتاج إلى التوسع في شرحه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٥/ ١٣٥٣ - وفي "الكبرى" -١٢٩/ ١٢٧٦ - بالسند المذكور.
وأخرجه (ت) رقم -٤١٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان نوع آخر مما يقال بعد الصلاة.
ومنها: أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يُجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال، وكأنه أخذه من كونه ﷺ أجاب بقوله: "ألا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه"، وعدل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
ومنها: التوسعة في الغِبْطَة، وهي تمني مثل ما للغير من النعمة دون زوالها عنه، بخلاف الحسد، فإنه تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، سواء تمناها لنفسه، أو لا، وقيل: مع تمنيها، وهو مذموم.
ومنها: المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ .
ومنها: أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاقّ.
ومنها: فضل الذكر عقب الصلوات، واستدل به البخاريّ ﵀ على فضل الدعاء
стр. 9267
عقب الصلاة، لأنه في معناها، ولأنها أوقات فاضلة، يُرتجى فيها إجابة الدعاء.
ومنها: أن العمل القاصر قد يُساوي المتعدّيَ، خلافًا لمن قال: إن المتعدي أفضل مطلقًا. نبّه على ذلك الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: وقع في "صحيح مسلم" في روايته لحديث أبي هريرة ﵁ من طريق ابن عجلان، عن سُميّ: قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلناه، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
قال ابن بطاّل، عن المهلّب رحمهما الله: في هذا الحديث فضل الغنى نصًا لا تأويلاً، إذا استوت أعمال الغني والفقير، فيما افترض الله عليهما، فللغنيّ حينئذ فضل عمل البرّ من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه. قال: ورأيت بعض المتكلّمين ذهب إلى أن هذا الفضل يخصّ الفقراء دون غيرهم، أي الفضل المرتّب على الذكر المذكور، وغفل عن قوله في نفس الحديث: "إلا من صنع مثل ما صنعتم"، فجعل الفضل لقائله كائنًا من كان.
وقال القرطبي ﵀: تأوْل بعضهم قوله: "ذلك فضل الله يؤتيه" بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثواب المرتب على العمل الذي يحصل به التفضيل عند الله، فكأنه قال: ذاك الثواب الذي أخبرتكم به لا يستحقّه أحد بحسب الذكر، ولا بحسب الصدقة، وإنما هو بفضل الله.
قال: وهذا التأويل فيه بُعدٌ، ولكن اضطرّه! إليه ما يعارضه.
وتُعقب بأن الجمع بينه وبين ما يُعارضه ممكن من غير احتياج إلى التعسف.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: ظاهر الحديث القريبُ من النصّ أنه فَضَّلَ الأغنياء بزيادة القربات المالية، وبعض الناس تأول قولَه: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" بتأويل مُستكرَه، يخرجه عما ذكرناه. كأنه يشير إلى ما تقدّم.
قال: والذي يقتضيه الأصل أنهما إن تساويا، وفضّلت العبادات المالية أنه يكون الغنيّ أفضل، ولا شكّ في ذلك، وإنما النظر إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلّ منهما بمصلحة ما هو فيه، وإذا كانت المصالح متقابلة، ففي ذلك نظر، يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسّر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدّية أفضل
стр. 9268
من القاصرة، وإن كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل لها من التطهير بسبب الفقر أشرف، فيترجّح الفقراء.
ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصوفيْة إلى ترجيح الفقير الصابر.
وقال القرطبي ﵀: للعلماء في هذه المسألة خمسة أقوال: ثالثها: الأفضل الكفاف. رابعها: يختلف باختلاف الأشخاص. خامسها: التوقّف.
وقال الكرمانيّ ﵀: قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها، وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات العُلَى، والنعيم المقيم لهم أيضًا، لا نفي الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا اهـ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والذي يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة، ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يَعلَم النبي ﷺ أن متمنّي الشيء يكون شريكًا لفاعله في الأجر، كما ثبت في حديث الترمذيّ ﵀ (١) بأن المنفق والمتمنّي إذا كان صادق النية في الأجر سواء، وكذا قوله ﷺ : "من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيئًا"، فإن الفقراء في هذه القصّة كانوا السبب في تعلّم الأغنياء الذكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله، امتاز الفقراء بأجر السبب، مضافًا إلى التمنّي، فلعل ذلك يقاوم التقرّب بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شَظَف العيش، وشكر الغنيّ على التنعّم بالمال، ومن ثمّ وقع التردد في تفضيل أحدهما على الآخر انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أستدلاله بحديث من "سنّ سنّة حسنة الخ" على هذه المسألة فيه نظر، لأن الذين تسببوا هم فقراء الصحابة، فالاشتراك مع الأغنياء في الأجر قاصر عليهم، لا يتعدّاهم إلى غيرهم من الفقراء، لأن غيرهم لم يشاركهم في التسبب، فكيف يستدلّ به على تفضيل الفقير على الغني على الإطلاقّ؟، والله أعلم.
وقال في "كتاب الأطعمة" عند قول البخاري: "بابٌ الطاعمُ الشاكر مثل الصائم الصابر" فيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
стр. 9269
ما نصه: وفيه رفع الاختلاف المشهور في الغني الشاكر والفقير الصابر، وأنهما سواء، كذا قيل. ومساق الحديث يقتضي تفضيل الفقير الصابر، لأن الأصل أن المشبه به أعلى درجة من المشبه.
والتحقيق عند أهل الحذق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلّي، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال، نعم عند الاستواء من كل جهة، وفُرض رفع العوارض بأسرها، فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يُعدل بالسلامة شيء (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٦ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٣٥٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ- (٢) عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَبَّحَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، وَهَلَّلَ مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري) أبو علي بن أبي عمرو، صدوق [١١] تقدم ٧/ ٤٠٩.
٢ - (أبوه) حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوري قاضيها، صدوق [٩] تقدم ٧/ ٤٠٩.
٣ - (إبراهيم بن طَهْمان) الْخُرَاساني، أبو سعيد، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغرب، وتُكُلِّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] تقدم ٧/ ٤٠٩.
٤ - (الحجّاج بن الحجّاج) الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦] تقدّم ٥٣/ ٦١٤.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق يدلّس [٤] تقدّم ٣١/ ٣٥.
стр. 9270
٦ - (أبو علقمة) الفارسيّ المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار (١)، ثقة، وكان قاضي إفريقية، من كبار [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن مسعود، وابن عمر، وغيرهم.
وعنه أبو الزبير المكيّ، وصالح بن أبي مريم، وعطاء العامريّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: أحاديثه صحاح. وقال العجلي: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: أبو علقمة الفارسيّ مولى أبن عبّاس كان على قضاء إفريقية، وكان أحد الفقهاء الموالي الذين ذكرهم يزيد بن حبيب. روى له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : مَن) شرطية مبتدأ (سبّح) بتشديد الباء. أي قال. سبحان الله (في دبر صلاة الغداة) أي عقب صلاة الصبح، ولو مرّة، وهو الظاهر، ويحتمل أن يُراد الدوام عليه (مائة تسبيحة، وهلّل) بتشديد اللام الأولى: أي قال: لا إله إلا الله (مائة تهليلة، غُفرت له ذنوبه) بالبناء للمفعول، جواب الشرط، وهو الخبر على الأصح، و"ذنوبه" نائب فاعله (ولو) زائدة زيدت لمجرّد الوصل، فلا تحتاج إلى جواب، كقولك: زيد، ولو كثر ماله بخيل، ومثلها "إن"، كزيدٌ، وإن كثر ماله بخيل، فإنها في مثل هذا ليست شرطية، بل هي لمجرّد الوصل، فلا تحتاج إلى جواب (٢) (كانت) تلك الذنوب في الكثرة (مثل زبد البحر) -بفتحتين-: طُفَاوته (٣)، وقَذَاه، والجمع أزباد. قاله في "اللسان".
والمراد تشبيه ما فعله من الذنوب قبل هذا الذكر بزَبَد البحر في الكثرة، والظاهر شموله للصغائر والكبائر. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9271
والحديث دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلاة، وقد تقدم الكلام في هذه الأعداد المختلفة في هذه الأذكار بما فيه الكفاية في -٩٢/ ١٣٤٩. والله تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -٩٦/ ١٣٥٤ - وفي "الكبرى" -١٣٠/ ١٢٧٧ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ١٤٠ - بالسند المذكور. وفي-١٤١ - عن أحمد بن نصر، عن مكيّ بن إبراهيم، عن يعقوب بن عطاء، عن عطاء بن أبي علقمة بن الحارث بن نوفل، عن أبي هريرة، فذكره.
قال أبو عبد الرحمن النسائيّ: يعقوب بن عطاء بن أبي رباح ضعيف، وعبد الوهّاب ابن مجاهد متروك الحديث، وعبد الله بن طاوس ثقة مأمون، وعبد الله بن سعيد بن جُبير ثقة مأمون، وعكرمة مولى ابن عباس ثقة من أعلم الناس، قاله عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٧ - (بَابُ عَقْدِ التَّسْبِيحِ)
١٣٥٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ (٢)، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٢ - (الحُسين بن محمد) بن أيوب الذّارع السعديّ، أبو عليّ البصري، قدم بغدادّ،
стр. 9272
صدوق [١٠].
روى عن يزيد بن زريع، وفُضيل بن سليمان، وعَثّام بن عليّ، وغيرهم. وعنه الترمذيّ، والنسائي،، وأبو بكر البزّار، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق، وكتب عنه في الرحلة الثالثة. وقال النسائي. ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال غيره: مات سنة (٢٤٧). تفرد به المصنف، والترمذي، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث.
٣ - (عَثّام بن على) بن هُجَير -بجيم مصغّرًا- ابن بُجَير -مصغّرًا أيضاً- ابن زُرعة بن عمرو بن مالك بن خالد بن ربيعة بن الوحيد، وهو عامر بن كعب بن عامر بن كلاب العامريّ الكلابيّ، أبو علي الكوفي، صدوق، من كبار [٩].
روى عن الأعمش، وهشام بن عُروة، والثوريّ، وغيرهم. وعنه محمد بن عبد الأعلى، والحسين بن محمد الذارع، ومسدد، وغيرهم.
قال الآجرّيّ، عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: عَثّام رجل صالح، قال: وسألت أبا داود عنه؟ فجعل يُثني عليه، ويقول قولا جميلاً. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحبّ إليّ من يحيى بن عيسى الرمليّ. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكره ابن شاهين في "الثقات"، وقال: قال عثمان ابن أبي شيبة: كان صدوقًا. وذكر له البزّار حديثًا تفرّد به، وقال: وهو ثقة. وقال ابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال ابن نمير، والترمذيّ: مات سنة (١٩٤). وقال ابن سعد، وأبو داود: مات سنة (١٩٥)، روى له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (١٧٨٢).
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة المشهور [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
والباقون تقدموا ٩١/ ١٣٤٨. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم مطوّلاً بالرقم المذكور، وتقدم شرحه مستَوفًى، وكذابيان مسائله، فلتراجع هناك، تستفد، والله تعالى ولي التوفيق.
ثم إن استدلال المصنف بحديث الباب على ما بوّب له واضح، فإنه يدلّ على استحباب عقد التسبيح باليد، وقد تقدّم في رواية أبي داود أنه ﷺ عقدها بيمينه، فيستحبّ عقد التسبيح باليد اليمنى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 9273
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبي الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا الله تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين:
قد انتهيت من كتابة الجزء الخامس عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه الله تعالى، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، فى مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفاً وتعظيماً، وجعلني من خيار أهلها حيّاً وميتاً، وأعْظِمْ به تكريماً.
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله، وبركاته".
ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء السادس عشر مفتتحاً بالباب ٩٨ "باب ترك مسح الجبهة بعد التسليم" الحديث رقم ١٣٥٦.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
***
стр. 9274
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء السادس عشر
دَار آل بُروم
للنشر والتوزيع
стр. 9275
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 9276
شرح
سنن النسائي
стр. 9277
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 9278
٩٨ - (بَابُ تَرْكِ مَسْحِ الجَبْهَةِ بَعْدَ التَّسْلِيم)
١٣٥٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّذِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ يَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَيَرْجِعُ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ، جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ: فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ: وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ: وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدّم ١/ ١.
٢ - (٢) (بكر بن مضر) بن محمد المصريّ، ثقة ثبت [٨] تقدّم ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثر [٥] تقدّم ٧٣/ ٩٠.
٤ - (محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة له أفراد [٤] تقدّم ٦٠/ ٧٥.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدني، ثقة فقيه [٣] تقدّم ١/ ١.
٦ - (أبو سعيد الخُدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدّم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي
стр. 9279
سلمة، وفيه أبو سعيد رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه، وفى رواية للبخاري من طريق يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: "سألت أبا سعيد، وكان صديقًا لي"، وفي رواية له: "سألت أبا سعيد، هل سمعتَ رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟، فقال: نعم … " فذكر الحديث. ولمسلم من طريق معمر، عن يحيى: "تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قُريش، فأتيت أبا سعيد"، فذكره، وفي رواية همام عند البخاريّ: "انطلقت إلى أبي سعيد، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل، فنتحدّثَ؟ فخرج، فقلت: حدثني ما سمعتَ من النبي ﷺ في ليلة القدر … " فأفاد بيان سبب السؤال.
وفيه تأنيس الطالب للشيخ في طلب الاختلاء به ليتمكّن مما يُريد من مسألته. قاله في "الفتح" (١)
(قَالَ) أي أبو سعيد (كانَ رَسُول الله ﷺ ، يُجَاوِر) أي يعتكف، وذلك قبل أن يَعلَمَ كون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (فِي العَشْرِ الَّذِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ) أي شهر رمضان. وفي رواية للبخاريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "اعتكفنا مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان". ولمسلم من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: "اعتكف العشر الأوسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبَان له، فلما انقضين أَمَرَ بالبناء، فقُوّض (٢)، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأَمَرَ بالبناء، فأُعيد"، وزاد في رواية عُمارة بن غزيّة، عن محمد بن إبراهيم أنه "اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم اعتكف العشر الأواخر"، ومثله في رواية همّام المذكورة، وزاد فيها: "أن جبريل أتاه في المرّتين، فقال له: إن الذي تطلب أَمَامك".
وهو بفتح الهمزة والميم: أي قُدّامك.
قال الطيبي: وَصَفَ الأوّلَ والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع، إشارةً إلى تصوير ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين انتهى.
(فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ يَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً) اسم "كان" ضمير يعود إلى النبي ﷺ ،
стр. 9280
و"من" بمعنى "في"، كما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية: [الجمعة: ٩]، والجار والمجرور خبرها، و"حين" مضاف إلى جملة "يمضي"، ويجوز إعرابه، وبناؤه على الأصح، فيُجرّ بالكسرة، ويُبنى على الفتح، لإضافته إلى فعل معرب، كما قال ابن مالك:
وَابْنِ أَوَ أعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيا … وَأخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
أي فإذا كان النبي ﷺ في وقت مضيّ عشرين ليلة من رمضان.
ويحتمل أن تكون "كان" تامّة، و"من" زائدة على رأي بعض النحاة في زيادتها في الإثبات، و"حين" فاعل "كان"، أي إذا جاء وقت مضيّ الليلة العشرين من رمضان (وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) جملة معطوفة على جملة "يمضي"، أي واستقبال إحدى وعشرين منه (يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ) جواب "إذا" (وَيَرْجِعُ) وفي نسخة: "ورجع" (مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ) أي يعتكف مع النبي ﷺ ، من أزواجه، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم.
والمعنى: أن النبي ﷺ كان من عادته في رمضان أنه يعتكف العشر الأوسط منه طلباً لليلة القدر، فإذا مضى عشرون ليلة من رمضان رجع إلى ييته لظنه أن ليلة القدر انقضى وقت طلبها، ورجع أيضاً من اعتكف معه تلك الليالي إلى بيوتهم. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِى شَهْرٍ، جَاوَرَ) أي اعتكف (فيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا) أي يرجع إلى بيته في صبيحتها، وهي الليلة العشرون من رمضان.
وفي رواية للبخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا". وهي أصرح في المراد.
(فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ) أي من أمور الدين (ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي كُنّتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ) أي العشر الأوسط (ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاورَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ) يعني أنه تبيّن له بالوحي أن الاعتكاف المطلوب في العشر الأواخر، لا في الأوسط. والله تعالى أعلم (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ) بصيغة اسم المفعول، أي محلّ اعتكافه من المسجد (وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ) وفي رواية للبخاريّ: "إني أريت ليلة القدر". يعني أنه أراه الله تعالى في منامه تعيين تلك الليلة (فَأُنْسِيتُهَا) بالبناء للمفعول، وفي البخاريّ: "فأنسيتها، أو نسيتها" بالشك. قال في "الفتح": شك من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نسيها هو من غير واسطة، ومنهم من ضبط "نُسّيتها" بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى "أنسيتها"، والمراد أنه أُنسي علم تعيينها في تلك السنة انتهى.
وسبب نسيانها هو ما أخرجه البخاريّ من حديث عُبَادة بن الصامت ﵁، قال: