بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 9278
٩٨ - (بَابُ تَرْكِ مَسْحِ الجَبْهَةِ بَعْدَ التَّسْلِيم)
١٣٥٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الَّذِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ يَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَيَرْجِعُ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِي شَهْرٍ، جَاوَرَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وَتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ: فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ: وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ: وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدّم ١/ ١.
٢ - (٢) (بكر بن مضر) بن محمد المصريّ، ثقة ثبت [٨] تقدّم ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثر [٥] تقدّم ٧٣/ ٩٠.
٤ - (محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة له أفراد [٤] تقدّم ٦٠/ ٧٥.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدني، ثقة فقيه [٣] تقدّم ١/ ١.
٦ - (أبو سعيد الخُدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدّم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي
стр. 9279
سلمة، وفيه أبو سعيد رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه، وفى رواية للبخاري من طريق يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: "سألت أبا سعيد، وكان صديقًا لي"، وفي رواية له: "سألت أبا سعيد، هل سمعتَ رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟، فقال: نعم … " فذكر الحديث. ولمسلم من طريق معمر، عن يحيى: "تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قُريش، فأتيت أبا سعيد"، فذكره، وفي رواية همام عند البخاريّ: "انطلقت إلى أبي سعيد، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل، فنتحدّثَ؟ فخرج، فقلت: حدثني ما سمعتَ من النبي ﷺ في ليلة القدر … " فأفاد بيان سبب السؤال.
وفيه تأنيس الطالب للشيخ في طلب الاختلاء به ليتمكّن مما يُريد من مسألته. قاله في "الفتح" (١)
(قَالَ) أي أبو سعيد (كانَ رَسُول الله ﷺ ، يُجَاوِر) أي يعتكف، وذلك قبل أن يَعلَمَ كون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (فِي العَشْرِ الَّذِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ) أي شهر رمضان. وفي رواية للبخاريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "اعتكفنا مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان". ولمسلم من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد: "اعتكف العشر الأوسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبَان له، فلما انقضين أَمَرَ بالبناء، فقُوّض (٢)، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأَمَرَ بالبناء، فأُعيد"، وزاد في رواية عُمارة بن غزيّة، عن محمد بن إبراهيم أنه "اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم اعتكف العشر الأواخر"، ومثله في رواية همّام المذكورة، وزاد فيها: "أن جبريل أتاه في المرّتين، فقال له: إن الذي تطلب أَمَامك".
وهو بفتح الهمزة والميم: أي قُدّامك.
قال الطيبي: وَصَفَ الأوّلَ والأوسط بالمفرد، والأخير بالجمع، إشارةً إلى تصوير ليلة القدر في كل ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين انتهى.
(فَإِذَا كَانَ مِنْ حِينِ يَمْضِي عِشْرُونَ لَيْلَةً) اسم "كان" ضمير يعود إلى النبي ﷺ ،
стр. 9280
و"من" بمعنى "في"، كما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية: [الجمعة: ٩]، والجار والمجرور خبرها، و"حين" مضاف إلى جملة "يمضي"، ويجوز إعرابه، وبناؤه على الأصح، فيُجرّ بالكسرة، ويُبنى على الفتح، لإضافته إلى فعل معرب، كما قال ابن مالك:
وَابْنِ أَوَ أعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيا … وَأخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
أي فإذا كان النبي ﷺ في وقت مضيّ عشرين ليلة من رمضان.
ويحتمل أن تكون "كان" تامّة، و"من" زائدة على رأي بعض النحاة في زيادتها في الإثبات، و"حين" فاعل "كان"، أي إذا جاء وقت مضيّ الليلة العشرين من رمضان (وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) جملة معطوفة على جملة "يمضي"، أي واستقبال إحدى وعشرين منه (يَرْجِعُ إِلَى مَسْكَنِهِ) جواب "إذا" (وَيَرْجِعُ) وفي نسخة: "ورجع" (مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ) أي يعتكف مع النبي ﷺ ، من أزواجه، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم.
والمعنى: أن النبي ﷺ كان من عادته في رمضان أنه يعتكف العشر الأوسط منه طلباً لليلة القدر، فإذا مضى عشرون ليلة من رمضان رجع إلى ييته لظنه أن ليلة القدر انقضى وقت طلبها، ورجع أيضاً من اعتكف معه تلك الليالي إلى بيوتهم. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ فِى شَهْرٍ، جَاوَرَ) أي اعتكف (فيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ يَرْجِعُ فِيهَا) أي يرجع إلى بيته في صبيحتها، وهي الليلة العشرون من رمضان.
وفي رواية للبخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا". وهي أصرح في المراد.
(فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَمَرَهُمْ بِمَا شَاءَ اللهُ) أي من أمور الدين (ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي كُنّتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ) أي العشر الأوسط (ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاورَ هَذِهِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ) يعني أنه تبيّن له بالوحي أن الاعتكاف المطلوب في العشر الأواخر، لا في الأوسط. والله تعالى أعلم (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ) بصيغة اسم المفعول، أي محلّ اعتكافه من المسجد (وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ) وفي رواية للبخاريّ: "إني أريت ليلة القدر". يعني أنه أراه الله تعالى في منامه تعيين تلك الليلة (فَأُنْسِيتُهَا) بالبناء للمفعول، وفي البخاريّ: "فأنسيتها، أو نسيتها" بالشك. قال في "الفتح": شك من الراوي، هل أنساه غيره إياها، أو نسيها هو من غير واسطة، ومنهم من ضبط "نُسّيتها" بضم أوله، والتشديد، فهو بمعنى "أنسيتها"، والمراد أنه أُنسي علم تعيينها في تلك السنة انتهى.
وسبب نسيانها هو ما أخرجه البخاريّ من حديث عُبَادة بن الصامت ﵁، قال:
стр. 9281
خرج النبي ﷺ ، ليخبرنا بليلة القدر, فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة". وقوله: "تلاحى": أي تخاصم.
(فَالْتَمِسُوهَا) أي اطلبوها، واجتهدوا في إحيائها بالعمل الصالح (فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ) أي من لياليه، وهي الليلة الحادية والعشرون، والثالثة والعشرون، والخامسة والعشرون، والسابعة والعشرون، والتاسعة والعشرون (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي في المنام (أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ) أي عليهما، وذلك علامةٌ على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر فى تلك السنة.
(قَال أَبُو سَعِيدٍ: مُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرَت السماء تَمْطُرُ مَطَراً، من باب طلب، فهي ماطرة، في الرحمة. وأمطرت بالألف أيضاً لغة, قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ البَقْلُ، وأنبت، كما يقال: مَطَرت السماءُ وأمطرت, وأمطرت بالألف لا غير في العذاب انتهى (١).
(لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) أي قطر الماءُ من سقفه. يقال: وَكَفَ البيتُ بالمطر، والعينُ بالدمع وَكْفًا، من باب وَعَدَ، وَوكُوفاً، وَوَكِيفاً: سال قليلاً قَليلاً. قاله الفيّوميّ (فِي مُصَلَّى رَسُول اللهِ ﷺ ) أي في موضع صلاته (فَنَظَرْتُ إِلّيْهِ, وَقَدِ انْصَرف مِن صَلَاةِ الصُّبْحِ) جملة حالية من الضمير المجرور (وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً) وفي نسخة: "من طين وماء"، وعلى النسخة الأولى فنصب "طينًا، وماءً" على نزع الخافض، والجملة حال أيضاً، إما مترادفة، أو متداخلة. وفي رواية البخاري "ممتلىء طيناً وماء".
يعني أنه رأى النبى ﷺ حينما انصرف من صلاة الصبح قد أبتلّ وجهه بالطين والماء، تصديقاً لما ذكره النبي الله عليه وسلم من علامة ليلة القدر في تلك السنة بقوله: "وقد رأيتني أسجُدُ في ماء وطين".
ولا شك أنه لم ينظر إلى وجهه إلا بعد انصرافه من الصلاة، فدلّ على أنه ﷺ لم يمسح أثر الطين من وجهه بعد السلام من الصلاة.
وهذا محل الترجمة، حيث إنه يدلّ على عدم مسح الجبهة بعد الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 9282
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية في بيان مواضع ذكر المصنف له, وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٨/ ١٣٥٦ - وفي "الكبرى" -١٣٢/ ١٢٧٩ - و-٢/ ٣٣٤٢ - عن قتيبة ابن سعيد، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عنه. وفي -١٣٢/ ١٠٩٥ - وفي "الكبرى" -٤٠/ ٦٨١ - و-١٧/ ٣٣٨٧ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن الهاد به. و-١٧/ ٣٣٨٨ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن هشام، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة به. و-٦/ ٣٣٤٨ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر، عن عُمارة بن غَزيّة، عن محمد بن إبراهيم به.
وأخرجه (خ) ١/ ١٧١، ٢١٢، و١/ ٢٠٦ و٣/ ٦٠ و٣/ ٦٠ و٣/ ٦٢ و٣/ ٦٤ و٣/ ٦٥ و (م) ٣/ ١٧١ و٣/ ١٧٢ (د) ١٣٨٢ و٨٩٤ و٨٩٥ و٩١١ (ق) ١٧٧٥ و١٧٦٦ (مالك في الموطإ) ٢١٢ (الحميدي) ٧٥٦ (أحمد) ٣/ ٧ و٣/ ٢٤ و٣/ ٦٠ و٣/ ٧٤ و٣/ ٩٤ (ابن خزيمة) ٢١٧١ و٢٢١٩ و٢٢٤٣ و٢٢٢٠ و٢٢٣٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى, وهو ترك مسح الجبهة بعد التسليم من الصلاة.
ومنها: جواز السجود على الحائل، وحَمَلَهُ الجمهورُ على الأثر الخفيف، لكن يعكر عليه قوله: "ووجهه ممتلء طينا وماء". وأجاب النووي بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة. وفيما قاله نظر، إذ هو خلاف الظاهر.
ومنها: جواز السجود في الطين.
ومنها: الأمر بطلب الأولى، والإرشاد إلى تحصيل الأفضل.
ومنها: جواز النسيان على النبي ﷺ ، ولا نقص عليه في ذلك، لاسيما فيما لم يؤذن له في تبليغه،، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلق بالتشريع، كما في السهو في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة، كما في هذه القصّة، لأن ليلة القدر لو عُيّنت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها، ففاتت العبادة في غيرها، وكأن هذا هو المراد بقوله في حديث عبادة بن الصامت ﵁: "وعسى أن يكون خيراً لكم".
ومنها: استحباب الاعتكاف في رمضان، وترجيح اعتكاف العشر الأخير منه.
ومنها: أن بعض الرؤيا يقع تعبيره مطابقاً له.
ومنها: ترتب الأحكام على الرؤيا الأنبياء، لأنه وحي. والله تعالى أعلم بالصواب،
стр. 9283
وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مسح الجبهة فى الصلاة، أو بعدها:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد اتفقوا على أن تركه في الصلاة أفضل، فإنه يشبه العَبَثَ، واختلفوا، هل هو مكروه، أم لا؟.
قال ابن المنذر ﵀: روينا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من الجفاء مسح الرجل أثر سجوده في الصلاة، وكره ذلك الأوزاعيّ، وأحمد، ومالك، وقال الشافعيّ: تركه أحبّ إليّ، وإن فعل فلا شيء عليه، ورخّص مالك، وأصحاب الرأي فيه انتهى.
ورُوي عن ابن عبّاس ﵄ أنه قال: لا يمسحُ وجهه من التراب في الصلاة حتى يتشهّد، ويسلّم. وعن سعيد بن جُبير أنه عدّه من الجفاء. وعن الحسن أنه رخّص فيه. وقال سفيان في نفض التراب عن اليدين في الصلاة: يكره، وأما عن الوجه فهو أيسر.
وفي كراهته حديثان مرفوعان:
أحدهما خرّجه ابن ماجه من رواية هارون بن هارون بن عبد الله بن الْهُدَير، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إن من الجفاء أن يُكثر الرجل مسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته".
وهارون بن هارون هذا قال البخاريّ: لا يُتابَع على حديثه، وضعّفه التسائيّ، والدارقطنيّ.
والثاني: من رواية سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جُبير بن حيّة، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده".
أخرجه البزّار فى "مسنده"، والطبرانيّ، والدارقطني، وغيرهم.
وسعيد هذا احتجّ به البخاريّ، ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وغيرهم.
لكنه خولف في إسناد هذا الحديث، فرواه قتادة, والْجُريريّ، عن ابن بُريدة، عن ابن مسعود من قوله.
ورواه كهمس، عن ابن بُريدة، قال: كان يقال ذلك. وهذا الموقوف أصحّ.
وحكى البيهقيّ، عن البخاريّ أنه قال في المرفوع: هو حديث منكر، يضطربون فيه. وأشار الترمذيّ إليه في "باب البول قائماً"، ولم يخرجه، ثم قال: حديث بُريدة في هذا غير محفوظ. قال البيهقي: وقد روي فيه من أوجه كلها ضعيفة.
فأما مسح الوجه بعد الصلاة، فمفهوم ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس يدلّ على أنه غير مكروه.
стр. 9284
وروى الميموني، عن أحمد أنه كان إذا فرغ من صلاته مسح جبينه. وقد روي من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا قضى صلاته مسح بكفّه اليمنى. وله طرق عن أنس، كلها واهية.
وكرهه طائفة لما فيه من إزالة أثر العبادة كما كرهوا التنشيف من الوضوء والسواك للصائم.
وقال عُبيد بن عُمير: لا تزال الملائكة تصلي على الإنسان ما دام أثر السجود في وجهه. أخرجه البيهقي بإسناد صحيح.
وحكى القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد أنه كان في وجهه شيء من أثر السجود، فمسحه رجل، فغضب، وقال: قطعت استغفار الملائكة عني، وذكر إسنادها عنه، وفيه رجل غير مسمّى انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر أن مسح الجبهة من الطين، ونحوه في الصلاة، أو بعد التسليم منها خلاف الأولى، لأنه ﷺ لم يفعله، ولأنه يشبه العَبَث، وأما القول بالكراهة فمما لا دليل عليه، والأحاديث فيه غير ثابتة كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩٩ - (بَاب قُعُودِ الإِمَامِ فِي مُصَلاَّهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له بحديث الباب غير واضح، لأن الدليل أخصّ من الدعوى، فإن الترجمة عامّة في جميع الصلوات، والحديث خاصّ بصلاة الفجر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ قَعَدَ فِي مُصَلاَّهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ).
стр. 9285
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتيبة بن سعيد) في الباب الماضي.
٢ - (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفي الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث [٧] تقدّم ٧٩/ ٩٦.
٣ - (سماك) بن حرب الذُّهْلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، صدوق، تغيّر بآخره، فريما تلقّن، مضطرب في عكرمة [٤] تقدّم ٢/ ٣٢٥.
٤ - (جابر بن سَمُرة) بن جُنادة السُّوائي، الصحابي ابن الصحابي ﵁، تقدّم ٢٨/ ٨١٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد، أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٧٩) من رباعيات الكتاب.
والحديث أخرجه مسلم، وشرحه يأتي في الذي بعده، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٥٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، وَذَكَرَ آخَرَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، كُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلاَّهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَيَتَحَدَّثُ أَصْحَابُهُ، يَذْكُرُونَ حَدِيثَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُنْشِدُونَ الشِّعْرَ، وَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا، في الذي قبله، سوى:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ الحافظ الثقة [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٢ - (يحيى بن آدم) الكوفي الحافظ الحجة [٩] تقدم ١/ ٤٥١.
٣ - (زهير) بن معاوية الجعفي نزيل الجزيرة، أبو خيثمة الكوفي، ثقة ثبت [٧] تقدّم ٣٨/ ٤٢.
وقوله: "وذكر آخر"، أي ذكر يحيى بن آدم رجلاً آخر حدّثه مع زهير، قلت: لم أعرف ذلك الرجل، ولا يضرّ كونه مبهماً في صحّة الحديث لكونه ذُكر متابعًا لزهير, وهو ثقة ثبت. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ (كُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟) بتقدير همزة الاستفهام, أي أكنت تجالسه (قَالَ: نَعَمْ) وفي رواية مسلم "نعم
стр. 9286
كثيراً"، أي كنت أجالسه وقتاً كثيراً (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر جلس في مصلاه) أي في الموضع الذي صلى فيه الفجر.
وهذا لا يعارض ما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت، يا ذا الجلال والإكرام".
لإمكان الجمع بحمل هذا الحديث على أن المراد لم يقعد مستقبل القبلة، إلا المقدار المذكور، ثم يلتفت يمنةً، أو يسرةً، أو يستقبل المأمومين. وقيل: المراد: أنه لم يقعد في الصلاة التي بعدها راتبة، وأما التي لا راتبة بعدها، كصلاة الصبح فكان يقعد، والأول أقرب. والله تعالى أعلم.
(حتى تطلع الشمس) زاد في رواية مسلم: "حسنًا" أي طلوعاً حسناً، بأن ترتفع، ويخرج وقت النهي عن الصلاة.
وفيه فضل هذا الوقت، وقد أخرج الترمذيّ في "جامعه" عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة"، قال رسول الله ﷺ : "تامة تامّة تامّة". وفي سنده أبو ظلال القَسْملي ضعمْه الأكثرون، لكن الحديث صحيح بشواهده.
وأخرج أبو داود في "سننه" عن أنس أيضاً، قال: قال رسول الله ﷺ :"لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ من أن أُعتق أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبّ إليّ من أن أُعتق أربعة". قال الحافظ العراقي: إسناده حسن.
(فيتحدّث أصحابه، يذكرون حديث الجاهلية) جملة في محلّ نصب على الحال من "أصحابه". أي يذكرون الأعمال التي كانوا يعملونها في أيام كونهم غير مسلمين، وإنما كانوا يذكرونها، استقباحًا لها، وشكرًا لما هداهم الله إليه من الدين الحنيف، وأبدلهم أعمالاً صالحة، تنفعهم في الدنيا والآخرة (ويُنشدون الشعر) بضم الياء، من الإنشاد، وهو القراءة.
والشعر: هو الكلام المُقَفَّى الموزون بأوزان مخصوصة قصداً، فلا يسمى ما وقع اتفاقاً شعراً، ولا قائله شاعراً، كقوله ﷺ :
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ الله مَا لَقيتِ
قال السندي ﵀: ولعله الشعر المشتمل على النصائح، أو غير المشتمل على القبائح. انتهى.
стр. 9287
(ويتبسّم ﷺ ) يقال: بَسَمَ بَسْمَاً، من باب ضرب: ضَحِك قليلاً من غير صوت، وابتسم، وتَبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِك. قاله في "المصباح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث.
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه أخرجه هنا ٩٩/ ١٣٥٧ و١٣٥٨، وفي "الكبرى" ٣٣/ ١٢٨٠، ١٢٨١، وفي "عمل اليوم الليلة" رقم ١٧٠. وأخرجه (م) ٢/ ٢/ ١٣٢، (د) ١٢٩٤ (ت) ٢٨٥٠ (أ) ٥/ ٩١ و١٠١ و١٠٥ (ابن خزيمة) ٧٥٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو قعود المصلي في مصلاه بعد التسليم.
ومنها: بيان فضل ما بعد صلاة الصبح، حيث كان ﷺ يخصّه بذكر الله تعالى.
ومنها: جواز الحديث، وذكر أيام الجاهلية في المسجد.
ومنها: جواز إنشاد الشعر في المسجد.
ومنها: جواز الضحك، والتبسّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٠ - (بَابُ الانْصِرَافِ مِن الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى من هذا الباب بيان مشروعية الانصراف عن جهة اليمين، أو اليسار، فأورد حديث أنس ﵁ الدّال على الانصراف عن اليمين، ثم حديث ابن مسعود ﵁ الدّالّ على الانصراف عن اليسار،
стр. 9288
ثم ختم الباب بحديث عائشة ﵂ المتضمن للانصراف من كلا الجانبين، فبيّن بذلك أنه لا تعارص بين حديثي أنس، وابن مسعود ﵄، وأن الانصراف عن الجهتين سواء. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٥٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، كَيْفَ أَنْصَرِفُ، إِذَا صَلَّيْتُ، عَنْ يَمِينِي، أَوْ عَنْ يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتبية بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (أبو عوانة) وَضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] تقدّم ٤١/ ٤٦.
٣ - (السّدّيّ) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد القرشي مولاهم الكوفيّ الأعور، وهو السدّيّ الكبير، كان يقعد في سُدَّة باب الجامع، فسمّي السّدّيّ، صدوق يَهَم ورُمي بالتشيّع [٤].
روى عن أنس، وابن عباس، ورأى ابن عمر، والحسن بن علي، وأبا هريرة, وأبا سعيد، وروى عن أبيه، ويحيى بن عَبّاد، وعكرمة، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال سَلْم بن عبد الرحمن: مَرّ إبراهيم النخعي بالسدّيّ، وهو يفسر القرآن، فقال: أما إنه يفسّر تفسير القوم. وقال عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبيّ، وقيل له: إن السدّيّ قد أعطي حظًا من علم القرآن، فقال: قد أعطي حظاً من جهل يالقرآن. وقال عليّ، عن القطّان: لا بأس به، ما سمعتُ أحداً يذكره إلا بخير، وما تركه أحد. وقال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: قال يحيى بن معين يوماً عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذُكر إبراهيم بن مُهاجر والسدّيّ، فقال يحيى: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن، وكره ما قال. قال عبد الله: سألت يحيى عنهما، فقال: متقاربان في الضعف. وقال الدوريّ، عن يحيى: في حديثه ضعف. وقال الْجوزجَانيّ: هو كذّاب شَتّام. وقال أبو زرعة: ليّن. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائي في "الكنى": صالح، وقال في موضع آخر: ليس به بأس .. وقال ابن عديّ: له أحاديث يَرويها عن عدّة شيوخ، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق لا بأس به. وقال أبو جعفر بن الأخرم: لا يُنكر له ابن عباس، قد رأى سعد بن أبي وقّاص. وقال حسين بن واقد: سمحت من السدّيّ، فما قمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر، فلم أَعُد إليه. وقال الجوزجاني: حُدّثتُ عن معتمر، عن ليث -يعني ابن أبي سُليم-
стр. 9289
قال: كان بالكوفة كذّابان، فمات أحدهما، السدّيّ، والكلبي، كذا قال، وليث أشدّ ضعفاً من السديّ. وقال العجليّ: ثقة عالم بالتفسير، راوية له. وقال العقيلي: ضعيف، وكان يتناول الشيخين. وقال الساجيّ: صدوق فيه نظر. وحُكي عن أحمد: إنه ليُحسن الحديث إلّا أن هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له إسناداً، واستكلفه. وقال الحاكم في "المدخل" في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم: تعديل عبد الرحمن بن مهدي أقوى عند مسلم ممن جرحه بجرح غير مفسّر. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الطبري: لا يُحتجّ بحديثه. وقال خليفة: مات سنة (١٢٧). روى له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٤ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٨٠) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه أنس رضى الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصْحابة بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣) سنة، وقد جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن السُّدِّيِّ) إسماعيل بن عبد الرحمن، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَيْفَ أَنْصَرِفُ) أي أرجع إلى جهة حاجتي، وليس المراد السؤال عن الانصراف بمعنى السلام؛ لأنه لا تخيير فيه بين اليمين واليسار، وإنما هو عن اليمين، ثم اليسار، وقد تقدّم ذلك في بابه (إِذَا صَلَّيْتُ) أي فرغت من الصلاة (عَن يميني، أو عن يساري؟ قال: أما) بتشديد الميم، وقد تخفف بقلّة، وقد تُبدل ياء، فيقال: "أيما"، وهي حرف شرط، وتفصيل غالباً، وتوكيد، وقد تأتي بلا تفصيل، والظاهر أنها هنا كذلك، لأنه ما ذُكر لها مُعادل، فهي لمجرّد التوكيد (أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه) أي فالسنة أن تنصرف إلى جهة يمينك، فيكون كلامه متضمناً الجوابَ مع الدليل، فكأنه قال له: انصرف عن يمينك، لأن أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن جهة يمينه. والله أعلم.
وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "فأكثر ما رأيت الخ" إخبار عما رأى، وكذا حديث ابن مسعود الآتي، فلا تناقض، ولازم الحديثين أنه كان يفعل أحياناً هذا، وأحياناً
стр. 9290
هذا، فدلّ على جواز الأمرين، وأما تخطئة ابن مسعود، فإنما هي لاعتقاد أحدهما واجباً بعينه، وهذا خطأ بلا ريب، واللائق أن ينصرف إلى جهة حاجته، وإلا فاليمين أفضل بلا وجوب، والظاهر أن حاجته ﷺ غالباً الذهاب إلى البيت، وبيته إلى اليسار، فلذا أكثر ذهابه إلى اليسار. والله تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فإن قيل: هذا يعارض ما علّقه البخاري فى "صحيحه"، ووصله مسدد في "مسنده الكبير" من طريق سعيد، عن قتادة، قال،: كان أنس ينفتل عن يمينه، وعن يساره، ويَعيب على من يتوخّى ذلك، أن لا ينفتل إلّا عن يمينه، ويقول: يدور كما يدور الحمار.
أجيب: بأن أنساً إنما عاب من يعتقد تحتّم ذلك ووجوبه، وأما إذا. استوى الأمران فجهة اليمين أولى. قاله في "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٠/ ١٣٥٩ - وفي "الكبرى" ١٣٤/ ١٢٨٢ - بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٢/ ١٥٣ (أحمد) ٣/ ١٣٣ و٣/ ١٧٩ و٣/ ٢١٧ و٣/ ٢٨٠ (الدارمي) رقم ١٣٥٨ و١٣٥٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في أقوال أهل العلم في الانصراف من الصلاة:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما الانصراف: فهو قيام المصلي، وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته، فيذهب حيث كانت حاجته، سواء كانت من جهة اليمين، أو اليسار، ولا يستحبّ له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها.
هذا قول جمهور العلماء، ورُوي عن عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، والنخعىّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وإنما كان أكثر انصراف النبي ﷺ عن يساره - يعني كما يأتي فى حديث ابن مسعود ﵁ لأن بيوته كانت من جهة اليسار.
فإن لم يكن له حاجة في جهة من الجهات، فقال الشافعي، وكثير من أصحاب
стр. 9291
أحمد: انصرافه إلى اليمين أفضل، فإن النبيّ ﷺ كان يُعجبه التيمن في شأنه كلّه.
وحمل بعضهم على ذلك حديث أنس ﵁ المذكور في الباب.
وحكى ابن عبد البرّ عن الحسن، وطائفة من العلماء أن الانصراف عن اليمين أفضل، وحكاه ابن عمر عن فلان، وأنكره عليه, ولعله يريد ابن عباس ﵄.
وسئل عطاء أيهما تستحبّ؟ قال: سواء، ولم يفرّق بين أن يكون له حاجة أو لا.
وسيأتي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها آخر الباب "أن النبي ﷺ كان ينصرف عن يمينه، وشماله".
ورَوَى قَبيصةُ بن هُلْب، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يؤمنا، فينصرف على جانبيه جميعاً، عن يمينه وشماله.
أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن.
وعليه العمل عند أهل العلم، قال: وصحّ الأمران عن النبيّ ﷺ انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص من الأدلّة المذكورة في الباب أن الانصراف لمن كانت له حاجة يكون من جهتها، وإلا فالانصراف من اليمن هو الأفضل لأنه ﷺ كان يُعجبه التيامن، وبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٦٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "لَا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا، يَرَى أَنَّ حَتْمًا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو حفص عمرو بن علي) الفلّاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. وسقط من بعض النسخ قوله: "أبو حفص".
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان الإمام الحجة المشهور [٩] تقدم ٤/ ٤.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران تقدّم قبل بابين.
٤ - (عمارة) بن عُمير التميمي الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ٤٩/ ٦٠٨.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعي، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢] تقدم ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
стр. 9292
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات الممصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وفيه ثلاثة من التابعين، كلهم كوفيون، يروي بعضهم عن بعض، وهم الأعمش، وعمارة، والأسود. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن الأسود) أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنهِ (لَا يَجعَلَنَّ) بنون التوكيد المشددة (أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جزءاً) الظاهر أنه على حذف مضاف، أي من عبادة نفسه حظاً للشيطان، أو المعنى: من عند نفسه، لا من تسلط الشيطان وغلبته، يعني أنه لا ينبغي له أن يفتح باباً للشيطان بنفسه باعتقاد ما ليس بواجب واجباً. والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: "من صلاته" (يَرَى) بفتح أوله، أي يعتقد، ويجوز الضم، أي يظنّ.
ووجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها، هو إما أن يكون بياناً للجعل، أو يكون استئنافاً، تقديره: كيف يجعل جزءًا للشيطان من نفسه؟، فقال: "يرى أن حتما عليه أن لا ينصرف الخ". أفاده العيني رحمه الله تعالى.
(أَنَّ حَتْمًا عَلَيْهِ) أي وجوباً، وفي نسخة "حقًّا"، وهو الذي في رواية البخاريّ، وانتصابه على أنه اسم "أنّ"، وقوله (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ) في تأويل المصدر خبر "أنّ".
والمعنى يرى أن واجباً عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه.
وقال السنديّ ﵀: وأورد عليه أن "حتمًا"، أو "حقاً" نكرة، وقوله: "أن لا ينصرف" بمنزلة المعرفة، وتنكير الاسم مع تعريف الخبر لا يجوز.
وأجيب بأنه من باب القلب.
قلت: وهذا الجواب يَهدم أساس القاعدة، إذ يَتَأَتَّى مثله في كلّ مبتدإ نكرة، مع تعريف الخبر، فما بقي لقولهم بعدم الجواز فائدة، ثم القلب لا يُقبل بلا نُكتة، فلابُدّ لمن يُجَوّز ذلك من بيان نكتة في القلب ههنا.
وقيل: بل النكرة الْمُخَصَّصَة كالمعرفة.
قلت: ذلك في صحّة الابتداء بها، ولا يلزم منه أن يكون الابتداء بها صحيحاً مع تعريف الخبر، وقد صرّحوا بامتناعه.
стр. 9293
ويمكن أن يجعل أسم "أنّ" قوله: "أن لا ينصرف"، وخبره الجارّ والمجرور، وهو "عليه"، ويُجعَل "حقّا"، أو "حتماً" حالاً من ضمير "عليه"، أي يرى أن عليه الانصراف عن يمينه فقط، حال كونه حقّا لازماً، والله تعالى أعلم انتهى (١).
(لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ انْصِرَافِهِ عَنْ يَسَارِهِ) "رأى" هنا بصرية، ولذا لا تتعدّى إلا إلى واحد، وهو "رسول الله"، و"أكثر انصرافه" بالنصب بدل اشتمال من "رسول الله"، و"عن يساره" متعلق به، ويحتمل أن يكون "أكثر" بالرفع على الابتداء، وخبره الجارّ والمجرور، والجملة في محل نصب على الحال من "رسول الله".
وجملة القسم مستأنفة استئنافاً بيانيًّا، وقعت جوابا لسؤال مقدر، تقديره:
لماذا كان اعتقاد وجوب الانصراف عن اليمين نصيباً للشيطان؟ قال لأني قد رأيت أكثر انصراف رسول الله ﷺ عن يساره.
والحاصل أن هذا الاعتقاد حظّ من حظوظ الشيطان من صلاة العبد, لأنه مخالف لهدي رسول الله ﷺ ، فإنه كان ينصرف عن الجهتين، وأكثر انصرافه عن اليسار، فمن اعتقد وجوب الانصراف من جهة معيّنة، فقد خالف السنة، واتبع خُطُوات الشيطان. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: إن قيل: وقع التعارض بين حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا وبين حديث أنس ﵁ الذي قبله، حيث عبّر كل منهما بأفعل التفضيل، فقال أنس ﵁: "أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه"، وقال ابن مسعود ﵁: "أكثر انصرافه عن يساره"، فكيف الجمع بينهما؟.
قلت: جمع العلماء بينهما بأوجه، فقال النووي ﵀: يجمع بينهما بأنه ﷺ كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فأخبر كلّ منهما بما اعتقد أنه الأكثر، وإنما كره ابن مسعود ﵁ أن يعتقد وجوب الانصراف عن اليمين.
وقال الحافظ ﵀: ويمكن أن يُجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يُحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حُجرة النبي ﷺ كانت من جهة يساره، ويُحمل حديث أنس على ما سوى ذلك، كحال السفر.
ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس ﵄ رُجّح ابن مسعود، لأنه أعلم، وأسنّ، وأكثر ملازمة للنبي ﷺ ، وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في إسناد حديث أنس من تُكلّم فيه، وهو السدّيّ، وبأنه متّفق عليه، بخلاف حديث أنس في الأمرين،
стр. 9294
وبأن رواية ابن مسعود تُوافق ظاهر الحال، لأن حُجرة النبي ﷺ كانت على جهة يساره.
قال: ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة، فعلى هذا لا يختصّ الانصراف بجهة معيّنة، ومن ثمَّ قال العلماء: يستحبّ الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في حقّه فاليمين أفضل، لعموم الأحاديث المصرّحة بفضل التيامن، كحديث عائشة ﵂: "كان يُحبّ التيامن ما استطاع، في طهوره, وتنعّله, وترجّله، وفي شأنه كله" متفق عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: أولى الجمع عندي هو الذي قاله النووي رحمه الله تعالى.
وحاصله أن كلّا منهما قال: إنه أكثرُ حَسَبَ اعتقاده، وإلا فالواقع يؤيّد ما قاله ابن مسعود ﵁، حيث إن أكثر صلاته ﷺ كان في مسجده، وكانت حُجره إلى جهة اليسار، فيكون أكثر انصرافه إليها.
وقد وقع التصريح بذلك عند أحمد من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أن ابن مسعود حدّثه: "أن النبي ﷺ كان عامّة ما ينصرف من الصلاة على يساره إلى الحُجُرات".
فتبيّن بهذا أن الانصراف إلى جهة الحاجة هو السنة، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذ الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٠/ ١٣٦٠ - وفي "الكبرى ١٣٤/ ١٢٨٣ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١/ ٢١٦ (م) ٢/ ١٥٣ (د) ١٠٤٢ (ق) ٩٣٠ (الحميدي) ١٢٧ (أحمد) ١/ ٣٨٣ و١/ ٤٠٨ و١/ ٤٢٩ و١/ ٤٥٩ و١/ ٤٦٤ (الدارمي) ١٣٥٧ (ابن خزيمة) ١٧١٤ والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الانصراف من اليسار.
ومنها: أن اعتقاد مشروعية ما ليس مشروعًا حظ من حظوظ الشيطان.
ومنها: ما قاله ابن الْمُنَيّر ﵀: فيه أن المندوبات قد تنقلب مكروهات، إذا رُفعت
стр. 9295
عن رتبتها، لأن التيمن مستحبّ في كل شيء، أي من أمور العبادة، لكن لمّا خشي ابن مسعود ﵁ أن يعتقدوا وجوبه أشار إلى كراهته. والله أعلم انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٦١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ، أَنَّ مَكْحُولاً حَدَّثَهُ، أَنَّ مَسْرُوقَ بْنَ الأَجْدَعِ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا، وَيُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلاً، وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزي الإمام الحجة المشهور [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (بقيّة) بن الوليد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، لكنه هنا صرح بالتحديث [٨] تقدم ٤٥/ ٥٩٢.
٣ - (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الّهُذيل الحمصيّ القاضي. ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري [٧] تقدّم ٤٥٥/ ٥٦.
٤ - (مكحول) الشاميّ، أبو عبد الله، ثقة فقيه، كثير الإرسال مشهور [٥] تقدم ٤/ ٦٣٥.
٥ - (مسروق بن الأجدع) بن مالك الهَمْدانيّ الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] تقدم ٩٠/ ١١٢.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تقدّمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وبقية قد صرّح بالتحديث، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَشْرَبُ قَائِماً وَقَاعِداً) أي يشرب أحياناً قائماً، وأحياناً قاعداً، وكذا التقدير فيما بعده.
وفيه جواز الشرب قائماً وقاعداً، ويُجمع بينه وبين حديث النهي عن الشرب قائماً
стр. 9296
بحمل النهي على التنزيه بدليل هذا الحديث، ونحوه، وهذا هو المذهب الراجح، وإليه أشار الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في "ألفية السيرة" حيث قال:
يَشْرَبُ قَاعِداً وَمِنْ قِيَامِ … كشُرْبِهِ مِن زَمْزَمِ الْحَرَامِ
وَشُرْبِهِ مِنْ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَهْ … دَلَّ بِهِ لِلرُّخْصَةِ الْمُحَقَّقَهْ
وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى في ١٠٣/ ١٣٦ - فراجعه تستفدْ، وبالله تعالى التوفيق.
(وَيُصَلِّى حَافِيًا) أي بلا لبس نعل، ولا خُفّ، يقال: حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ، حَفَاءً، مثل سَلَام: مَشَى بغير نعل، ولا خُفّ، فهو حافٍ، والجمع حُفَاة مثل قاض وقُضاة (١) (وَمُنْتَعِلاً) أي لابساً نَعْلاً، وفيه جواز الصلاة حافياً ومنتعلاً، وقد تقدم تمام البحث فيه في -٢٤/ ٧٧٥ - فراجعه تستفد (وَيَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا محل الترجمة، حيث دلّ على مشروعية الانصراف من الصلاة عن جهتي اليمين واليسار. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح، انفرد به المصنف ﵀ عن أصحاب الأصول، أخرجه هنا -١٠٠/ ١٣٦١ - وفي "الكبرى" -١٣٤/ ١٢٨٤ - بالإسناد المذكور.
وأخرجه أحمد ٦/ ٨٧. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث من رواية بقية بن الوليد، وقد صرّح بالتحديث.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وهذا إسناد جيِّد.
لكن رواه عبد الله بن سالم الحمصيّ -وهو ثقة ثبت- عن الزبيديّ، عن سليمان بن موسى، عن مكحول بهذا الإسناد. قال الدارقطني: وقوله: أشبه بالصواب انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أعلّ الدارقطني رحمه الله تعالى رواية بقية هذه، برواية عبد الله بن سالم، حيث أدخل بين الزُّبيديّ ومكحول سليمان بن موسى، ورجح روايته على رواية بقية، لأنه أوثق منه.
قلت: لكن العلة هذه لا تؤثّر في صحة الحديث، لأن سند عبد الله بن سالم صحيح، فيصحّ الحديث به على أنه يمكن الجمع بأن الزُّبيديّ سمعه أولاً بواسطة سليمان، ثم لقي مكحولاً فحدثه به، كما سبق نظيره غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9297
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠١ - (بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَنْصَرِفُ فيهِ النِّسَاءُ مِنَ الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة بيان الوقت الذي ينبغي للنساء اللاتي يصلين جماعة في المسجد أن يصرفن فيه إلى بيوتهنّ، وهو وقت سلام الإمام، الذي دلّ عليه قوله: "إذا سلّم"، فلا ينبغي لهنّ أن يتأخرن عنه، مثل الرجال، لئلا يحصل اختلاطهنّ مع الرجال في الطرقات، فتقع الفتنة، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، فَكَانَ إِذَا سَلَّمَ انْصَرَفْنَ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، فَلَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن خشرم) المروزي، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٨/ ٨.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاقا السبيعيّ الكوفي، ثقة مأمون [٨] تقدم ٨/ ٨.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الحجة المشهور الدمشقي [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الشهير [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير الفقيه الثبت المدني [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤.
(عائشة) رضي الله تعالى عنها المذكورة في السند الماضي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه والكلام على مسائله في ٢٥/ ٥٤٥ بما فيه الكفاية، فإن شئت فراجعه هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "متلفّعات" بعين مهملة بعد الفاء، أي متلففات.
وقوله: "بمروطهن": جمع مِرط بكسر الميم جمع مرط: هو الكساء.
стр. 9298
وقوله: "ما يُعرفن من الغلس" ببناء الفعل للمفعول، و"من" تعليلية، أي لا يعرفهنّ أحد لأجل شدة الظلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٢ - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُبَادرَةِ الإِمَامِ بِالانْصِراف منَ الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد المصنف ﵀ بالانصراف الانصرافَ من الصلاة بالسلام، فاستدلاله بحديث الباب واضح، وإن أراد الانصراف إلى الحاجة بعد السلام فالاستدلال به بعيد؛ لأن سياق الحديث ظاهر في كون المراد بالانصراف هو السلامَ؛ بدليل أنه ذَكَرَ الركوع, والسجود، والقيام، ولم يذكر السلام، فدلّ على أن المراد بالانصراف هو السلام.
وأيضاً قوله: "فإني أراكم من وراء ظهري" يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي الواقعة في الصلاة قبل توجهه إليهم.
فتبين بهذا أن الحق كون المراد بالانصراف هو الانصراف من الصلاة بالسلام، فتبصّر.
وقد قدمنا تحقيق ما قاله أهل العلم في حكم الانصراف بعد السلام قبل الإمام، وأن الراجح جواز الانصراف قبل الإمام، إلا إذا كان هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينقلبن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال في باب "جلسة الإمام بين التسليم والانصراف" -٧٧/ ١٣٣٢ - بما فيه الكفاية، فراجعه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالاِنْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"، قُلْنَا: مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
стр. 9299
٢ - (علي بن مُسهر) القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعدما أضرْ [٨] تقدم ٥٢/ ٦٦.
٣ - (الْمُختار بن فُلْفُل) البصريّ، مولى عمرو بن حُريث، صدوق له أوهام [٥] تقدم ٢١/ ٩٠٤.
٤ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من الرباعيات، وهي أعلى الأسانيد للمصنف ﵀، وهو (٨١) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) أي يوما من الأيام (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة. قال السنديّ ﵀: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إماماً، فيعمّ الحكمُ كلَّ إمام، لا لكونه نبياً، ليختصّ به انتهى (فَلَا تُبَادِرُونِي) أي لا تسابقوني (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بالانْصِرَافِ) قد سبق أول الباب أن الصواب كون المراد بالانصراف هنا بمعنى السلام، فمعناه: لا تبادروني بالسلام للخروج من الصلاة. والله تعالى أعلم.
(فَإِنِّي أَرَاكمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي") أي رؤية حقيقية، أعطاه الله تعالى إياها، آية على نبوته، وقد تقدم أقوال أهل العلم في هذه الرؤية مستوفًى في -١٠٦/ ١٠٥٤ - فراجعه تستفد (ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بعظمته (لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً"، قُلْنَا: مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ الله؟، قَالَ: "رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ") أي فهما سبب لكثرة البكاء وقلة الضحك، فالجنة شوقاً إليها، وخوفاً من الحرمان منها. والنار خوفاً من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم بيان مسائله في "باب الأمر بإتمام الركوع" -١٠٦/ ١٠٥٤ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 9300
١٠٣ - (بَابُ ثَوَابِ مَنْ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ)
١٣٦٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ كَانَتْ سَادِسَةٌ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ، قَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟، قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ"، ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا بَقِيَ ثَلاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، أَرْسَلَ إِلَى بَنَاتِهِ، وَنِسَائِهِ، وَحَشَدَ النَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ دَاوُدُ: قُلْتُ: مَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري البصريّ، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضّل) البصريّ ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢.
٣ - (داود بن أبي هند) القُشيري مولاهم البصريّ، ثقة متقن، كان يَهِم بآخره [٥] تقدم ٢١/ ٥٣٨.
٤ - (الوليد بن عبد الرحمن) الْجُرَشيّ -بضم الجيم، وبالشين المعجمة- الحمصيّ الزّجّاج، ثقة [٤]. كان على خَرَاج الْغُوطة أيام هشام.
روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وجُبير بن نُفير، وغيرهم. وعنه داود ابن أبي هند، ويعلى بن عطاء، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وغيرهم.
قال الغَلَابيّ، عن ابن معين: روى داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، وهو ثقة. وقال ابن خراش: ثقة، وكان ممن قدم على الحجّاج. وقال أبو زرعة الدمشقيّ في الطبقة الثالثة: قديم، جيّد الحديث. وقال أبو حاتم، ومحمد بن عَون: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البخاريّ: الوليد بن عبد الرحمن الجُرشيّ مولى لآل أبي سُفيان الأنصاريّ، قاله شُعيب، وأراه الوليد بن أبي مالك، قال ابن عساكر: هذا وَهَم، وكذا قوله: مولى لآل أبي سفيان، فإنه عربيّ انتهى.
قال الحافظ: ويجوز أن يكون مولى بالحلف، وإن كان عربي الأصل، فقد تابع
стр. 9301
البخاريّ على ما قال أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان، ووقع عند الطحاويّ في روايته لحديثه عن الحارث بن عبد الله بن أوس، عن الوليد بن عبد الرحمن بن الزّجّاج. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث.
٥ - (جُبَير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] تقدم ٥٠/ ٦٢.
٦ - (أبو ذر) الغفاري جُندب بن جُنَادة، وقيل: غيره الصحابي المشهور ﵁ تقدم ٢٠٣/ ٣٢٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالحمصيين غير الصحابيّ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: داود، والوليد، وجبير. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَمَضَانَ) فيه جواز إطلاق لفظ "رمضان" بدون ذكر "شهر"، خلافاً لمن كره ذلك، وسيأتي في محله، إن شاء الله تعالى.
(فَلَمْ يَقُمْ بِنَا النَّبِيُّ ﷺ ) أي لم يصلّ بنا صلاة الليل (حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ) أي سبع ليال من شهر رمضان (فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ نَحوٌ مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ) أي صلى بنا الليلة السابعة مما بقي من الشهر، وهي الليلة الثالثة والعشرون، ومَدّ القيام حتى مضى زمن يُقدّر بأنه نحو ثلث الليل (ثُمَّ كانَتْ سَادِسَةٌ) "كان" هنا تامّة، بمعنى "جاء"، أي ثم جاءت ليلة سادسة مما بقي من الشهر، وهي الليلة الرابعة والعشرون التالية لليلة القيام (فَلَمْ يَقُمْ بِنَا) أي لم يصلّ بنا تلك الليلة السادسة (فَلَمَّا كانَتِ الْخَامِسَةُ، قَامَ بنَا) أي لما جاءت الليلة الخامسة مما بقي من الشهر، وهي الليلة الخامسة والعشرون صلى بنا (حَتَّى ذَهَبَ نَحوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ) أي من نصفه (قُلْنَا: يَا رَسولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي داودة فقلتُ: يا رسول الله (لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ) "لو" للتمنّي، و"نفلتنا" بتشديد الفاء، وتخفيفها، والنّفَلُ محرّكةً في الأصل: الغنيمة والهبة، جمعها أَنفالٌ، ونَفَلَه النفَلَ مخفّفًا، ونَفَلَه مشدّدًا، وأنفله بالألف: أعطاه إيّاها. قاله المجد اللغوي.
والمعنى: نتمنّى أن تزيدنا في قيام هذه الليلة على النصف حتى يستوعبَ القيامُ كلّها، وتنفلنا من الأجر الذي يحصل من ثواب الصلاة فيها.
стр. 9302
ويحتمل أن تكون "لو" شرطية، ويقدر جوابها، أي لو نفلتنا لكان خيراً لنا، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) يعني أنه إذا صلى العشاء جماعة مع الإمام، ثم صلى بعدها معه ما تيسّر له حتى ينصرف الإمام حصل له ثواب قيام ليلة كاملة، بخلاف من صلى الفرض، ثم رجع، فإنه يحصل له قيام نصف ليلة، لما في حديث عثمان ﵁ عند مسلم وغيره مرفوعاً: "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كلّه"، ولفظ أبي داود، والترمذي: "من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة".
(ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ) أي جاءت الليلة الرابعة مما بقي من الشهر، وهي ليلة السادس والعشرين (فَلَمْ يَقُمْ بنَا، فَلَمَّا بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْر) أي ثلاث ليال منه.
[تنبيه]: ووقع في نسخ "المجتبي" هنا تصحيف "ثلاث" إلى "ثلث"، ووقع في "الكبرى"، وكذا في "كتاب قيام الليل" من "المجتبى" رقم -٤/ ١٦٠٥ - "ثلاث" على الصواب. فتنبه.
(أَرْسَل إِلَى بَنَاتِهِ، وَنِسَائِهِ، وَحَشَدَ النَّاسَ) أي جمعهم، يقال حَشَدتُ القومَ حَشْداً، من باب قَتَل، وفي لغة من باب ضَرَب: إذا جمعتهم، وَحَشَدُوا، يُستعمل لازماً ومُتعدّياً. قاله الفيّوميّ (١).
وعلى هذا يحتمل في "الناسُ" وجهان، النصب على المفعولية، والرفع على الفاعلية، والله تعالى أعلم.
(فَقَامَ بنَا حَتَّى خَشِينَا أَن يَفُوتَنَا الفَلَاحُ) بفتح الفاء، وتخفيف اللام يأتي تفسيره.
ولفظ أبي داود: "فلمّا كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناسَ، فقام حتى خَشِينا أن يتفوتنا الفلاح".
يعني أنه قام بهم الليلة السابعة والعشرين (ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْر) من بقيّته، يعني أنه لم يصلّ بهم الليلة الثامنة والعشرين، فما بعدها.
(قَالَ دَاوُدُ) هو ابن أبي هند الراوي عن الوليد بن عبد الرحمن (قُلْتُ: مَا الفَلَاحُ؟) أي ما هو المعني بالفلاح الذي خَشُوا فَوتَهُ (قَالَ: السُّحُورُ) بضم السين: هو تناول الطعام وقت السحر، وبفتحها اسم لما يُتسحّر به من الطعام والشراب.
стр. 9303
قال في "النهاية": وأكثر ما يُروى بالفتح. وقيل: الصواب بالضمّ، لأنه بالفتح الطعام، والبركةُ والأجرُ والثواب في الفعل، لا في الطعام انتهى (١).
و"الفلاح": البقاء، والفوز، والظَّفَر، وسمّي السحور فلاحاً لأن بقاء الصوم به (٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٣/ ١٣٦٤ - و"الكبرى" -١٣٧/ ١٢٨٧ - عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جُبير بن نُفير، عنه. وفي -٤/ ١٦٠٥ - و"الكبرى" -٥/ ١٢٩٨ - عن عُبيد الله بن سعيد، عن محمد بن الْفُضيل، عن داود به.
وأخرجه (د) ١٣٧٥ - (ت) ٨٠٦ (ق) ١٣٢٧ (أحمد) (٥/ ١٥٩ و٥/ ١٦٣ (الدارمي) ١٧٨٤ و١٧٨٥ (ابن خزيمة) ١٢٠٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثواب من صلّى مع الإمام حتى ينصرف.
ومنها: أن النبي ﷺ كان يتخوّلهم بقيام الليل، لئلا يثقل عليهم، كما كان ذلك ديدنه ﷺ في الموعظة، فكان يقوم بهم ليلة، ويدع القيام ليلة أخرى.
ومنها: تأكّد مشروعية القيام في الأفراد من ليالي العشر الأواخر من رمضان، لأنها مظنة الظّفَر بليلة القدر، وسيأتي البحث عنه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
ومنها: زيادة الاعتناء بقيام الليلة السابعة والعشرين، وحث الناس على ذلك.
ومنها: استحباب ندب الأهل إلى فعل الطاعات، وإن كانت غير واجبة.
ومنها: مشروعية السحور في رمضان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9304
١٠٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلإِمَام فِي تخَطِّي رقَاب النَّاسِ)
قال الجامع عفا الله عنه: ترجمة المصنف رحمه الله تعالى قريبة من ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى، حيث قال: "باب من صلى بالناس، فذكر حاجة، فتخطاهم".
والغرض من هذه الترجمة بيان أن قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم الذي تقدم ذكره في -٩٩/ ١٣٥٧ - و١٣٥٨ - محلّه إذا لم يعرض له ما يحتاج معه إلى القيام، وإلا فله الانصراف، ولو أدّى ذلك إلى تخطي رقاب الناس.
وبهذا تحصل المناسبة بين هذه الترجمة، والأبواب السابقة، لأنها كلها تتحدث عما يتعلّق بأحكام الانصراف والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، سَرِيعًا، حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ، فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: "إِنِّي ذَكَرْتُ، وَأَنَا فِي الْعَصْرِ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ، كَانَ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن بكار) بن أبي ميمونة -واسمه زيد- القرشي الأمويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الحضرميّ الحَرّاني، صدوق، كان له حفظ [١٠].
روى عن بشر بن السريّ، ومَخْلَد بن يزيد، ووكيع، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال: لا بأس له، وأبو عروبة، وأبو بكر الباغَنديّ، وغيرهم.
وقال أبو زيد يحيى بن رَوح الحرّاني: سألت أبا عبد الرحمن بن بَكّار -حرّانيٌّ، من الحفّاظ ثقة، وكان مخلد بن يزيد يسأله-: لم لا تكتب عن يعلى بن الأشدق؟ فذكر قصّة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال أبو عروبة: مات في صفر سنة (٢٤٤). انفرد به المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٢ - (بشر بن السريّ) أبو عَمْرو الأفوه البصريّ الواعظ، سكن مكة، ثقةٌ متقن، طُعن
стр. 9305
فيه برأي جهم, ثم اعتذر، وتاب منه [٩].
رَوى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وعُمَر بن سعيد بن أبى حسين، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن بكّار، ويحيى آدم، وغيرهم.
قال عمرو بن على: سألت عبد الرحمن بن مهديّ، عن حديث إبراهيم بن طهمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السريّ، فقال: سمعتَهُ من بشر، وتسألني عنه؟، لا أحدثك به أبدًا. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقناً للحديث عجباً، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذكر حديث ﴿نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهل مكة، فاعتذر، فلم يُقبل منه، وزهد الناس فيه، فلما قدمت مكة المرّة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما, وهو حسن الحديث، ممن يُكتب حديثه, ويقع في أحاديثه من النكرة، لأنه يروي عن شيخ مُحتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به. وقال عبّاس، عن يحيى: رأيته يَستقبل القبلة، يدعو على قول يرمونه برأي جَهْم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال البَرْقاني، عن الدارقطني: مكيّ ثقة، وفي موضع آخر: وجدوا عليه في أمر المذهب، فحلف، واعتذر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العُقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلّم، فسمّي الأفوه، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥) وقال غيره: مات سنة (١٩٦) وهو ابن (٦٣) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث.
٣ - (عُمر بن سعيد بن أبي حُسين النوفلي) المكيّ، ثقة [٦].
روى عن ابن أبي مليكة، والقاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح, وغيرهم. وعنه الثوريّ، ووهب بن خالد، وبشر بن السريّ، وغيرهم.
قال أحمد: مكي قرشي ثقة، من أمثل من يكتبون عنه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه العجليّ، وابن البَرْقيّ، ومحمد بن مسعود العَجميّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى أبي داود، فأخرج له في "المراسيل"، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" هنا تصحيف "عُمرَ" بالضم إلى "عَمْرو" بالفتح،
стр. 9306
وهو غلط، والصواب الضم، ووقع في "الكبرى" على الصواب. فتنبّه.
٤ - (ابن أبي مُليكة) عبد الله بن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدعان التيمي المكيّ، ثقة فقيه [٣] تقدم ١٠١/ ١٣٢.
٥ - (عُقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قُصيّ، أبو سِرْوعة النوفليّ المكيّ، أسلم يوم الفتح، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر الصديق، وجُبير بن مُطعم. وعنه عبد الله بن أبي مليكة، وعُبيد بن أبي مريم المكيّ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
قال أبو حاتم: أبو سروعة قاتل خُبيب، له صُحبة، اسمه عقبة بن الحارث بن عامر، وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي أدركه ابن أبي مُليكة، ذاك قديم.
وقال الزبير بن بكّار: عُقبة، وهو أبو سروعة الذي قَتَلَ خُبيب بن عديّ. وحكى ابن عبد البرّ عن الزبير أنه قال: أبو سِرْوعة هو عُقبة بن الحارث، فيما قال أهل الحديث، وأما أهل النسب، فيقولون: إن عُقبة أخو أبي سِرْوَعَة، وإنهما أسلما جميعاً يوم الفتح، وقيل: بل كان أخاه لأمه، وهو أثبت عند مصعب. وقال العسكريّ: من قال: إن أبا سروعة هو عقبة هذا فقد غلط.
قال الحافظ: كذا قال، وقد أطبق أهل الحديث على أنه هو, وقولهم أولى إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن البَرْقيّ أن عباد بن عبد الله بن الزبير روى أيضاً عن أبي سروعة. روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و٣٣٣٠ حديث: "وكيف بها، وقد زعمت أنها أرضعتكما … ". والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فحرّانيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية البخاري: "صليت وراء رسول الله ﷺ " (الْعَصْرَ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع إلى بيته. وعند البخاري: "فسلّم" (يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه متخطياً رقابهم. وللبخاريّ: "فتخطىّ رقاب الناس إلى
стр. 9307
بعض حُجر نسائه" (سَرِيعاً) حال من فاعل "انصرف" أيضاً، فهما حالان مترادفان، أو من فاعل "يتخطى" فهما متداخلان (حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ) وفي رواية البخاري: "فعجب الناس من سرعته"، وفي رواية له: "ففزع الناس من سرعته".
وكان من عادة الصحابة ﵃ الفزع والخوف إذا رأوا منه ﷺ غيرَ ما يَعهَدونه، خشية أن ينزل فيهم شيء يسوؤهم.
(فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ) أي ليعرف سبب استعجاله في الانصراف (فَدَخَلَ) أي النبي ﷺ (عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ) زاد البخاريّ: "فرأى أنهم عَجبوا من سُرعته" (فَقَالَ) مبيناً لهم سبب استعجاله على غير عادته، ومعتذراً إليهم في ذلك (إِنِّي ذَكَرْتُ، وَأَنا فِي الْعَصْرِ شَيْئاً مِنْ تِبْرٍ) بكسر التاء المثناة، وسكون الموحدة: ما كان من الذهب غير مضروب، فإن ضُرب دنانير، فهو عَيْن، وقال ابن فارس: التِّبْر ما كان من الذهب والفضّة غير مَصُوغ. وقال الزّجّاج: التِّبْر كلُّ جوهر قبل استعماله، كالنحاس، والحديد، وغيرهما انتهى (١).
(كَانَ عِنْدَنَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ"تبر" (فَكَرِهْتُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا) أي لأنه من تبر الصدقة، ففي رواية البخاريّ أنه كان تبراً من الصدقة (فَأمَرْت بِقِسْمَتِهِ) وفي رواية البخاري: "فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته". ومعنى "يحبسني" أي يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى، وفَهم ابن بطّال منه معنى آخر، فقال: فيه أن تأخير الصدقة تحبس صاحبها يوم القيامة انتهى. ذكره في "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عُقبة بن الحارث رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٤/ ١٣٦٥ - وفي "الكبرى" -١٣٨/ ١٢٨٨ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١/ ٢١٥ و٢/ ٨٤ و٢/ ١٤٠ و٨/ ٧٦ (أحمد) ٤/ ٧ و٣٨٤ و٤/ ٨ و٣٨٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
стр. 9308
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز انصراف الإمام بعد السلام، بدون أن يجلس، وأن ما تقدّم من استحباب الجلوس بعد السلام محله إذا لم تعرض له حاجة، وإلا فله الخروج، وإن أدّى ذلك إلى تخطي رقاب الناس، كما أن له أن يتخطّى الصفوف في حال دخوله أيضًا، وأما غيره، فيُكره له ذلك.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وظاهر كلام أحمد أنه يُكره للإمام أيضاً، قال إسحاق بن هانىء: سألت أبا عبد الله عن الرجل يُصلي بالقوم، فإذا فرغ من الصلاة خرج من رجلين، أفهو مُتَخَطٍّ؟ قال: نعم، وأَحَبْ إليّ أن يتنحّى عن القبلة قليلاً حتى ينصرف النساء، فإن خرج مع الحائط، فهذا ليس بمتخطٍّ.
وظاهر هذا كراهة تخطيهم للإمام، وقد يكون مراده إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك. انتهى (١).
ومنها: أنه يدلّ أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهل لم يكن من عادة النبي ﷺ ، ولهذا تعجّبوا من سرعته في هذه المرة، وعَلم منهم ذلك، فلذا أعلمهم بعذره.
ومنها: استحباب الاعتذار للإمام، أو غيره إلى أصحابه، إذا فعل فعلاً غير معهود لهم، ورأى منهم الاستغراب لذلك، لئلا تتغير خواطرهم عليه.
ومنها: أن التفكّر في الصلاة في أمر لا يتعلق بالصلاة لا يفسدها، ولا ينقص من كمالها، وأن إنشاء العزم في أثناء الصلاة على الأمور الجائزة لا يضرّ.
ومنها: جواز الاستنابة في تفريق الصدقة مع القدرة على المباشرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠٥ - (بَابٌ إِذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: هَلْ صَلَّيْتَ، هَلْ يَقُولُ: لَا؟)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة جواز قول القائل: ما صليت، وأن ذلك لا يُعاب عليه إذا لم يُفرّط في ترك الصلاة، لقوله
стр. 9309
- ﷺ : "والله ما صليتها"، وقد فاتته الصلاة بسبب اشتغاله بالكفار أيامَ الخندق.
ونظير هذه الترجمة ترجمة الإِمام البخاري في "صحيحه"، على جواز القول: "فاتتنا الصلاة"، حيث قال: "باب قول الرجل فاتتنا الصلاة".
قال: وكره ابن سيرين أن يقول: فاتتنا الصلاة، ولكن ليقل: لم ندرك، وقول النبي ﷺ أصح.
وغرضه الردّ على ابن سيرين ﵀، في قوله المذكور بأن النبي ﷺ استعمل الفوات، حيث قال "إذا أتيتم الصلاة، فعليكم بالسكينة، فما أدركتم، فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا ". والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا"، فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري، الثقة المذكور قبل باب.
٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٣ - (خالد بن الحارث) الهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٤ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتُوَائي البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي البصري، ثقة ثبت يدلس، ويرسل (٥) ٢٣/ ٢٤.
٦ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١.
٧ - (جابر بن عبد الله) بن عَمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي ﵄ تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان،
стр. 9310
وفيه جابر رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث)
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (أَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) متعلق بـ"جعل" الآتي، وكذا ما بعده.
وأراد بـ"يوم الخندق" غزوة الخندق، وتسمَّى "الأحزاب"، فأما تسميتها بالخندق، فلأجل الخندق (١) الذي حُفر حول المدينة بأمر النبي ﷺ ، وكان الذي أشار بذلك سلمان الفارسي ﵁ فيما ذكر أصحاب المغازي، حيث قال للنبي ﷺ : إنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خَندَقنا علينا، فأَمَرَ النبي ﷺ بحفر الخندق حولَ المدينة، وعمل فيه بنفسه، ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم.
وأما تسميتها بـ"الأحزاب" فلاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم قُريش، وغَطَفَان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصّة صدر "سورة الأحزاب" (٢).
(بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) "جعل" هي من أفعام الشروع التي ترفع المبدأ، وتنصب الخبر، واسمها ضمير عمر، وخبرها جملة "يَسُبّ".
وإنما سبّهم لأنهم كانوا السببَ في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إنما المختار، كما وقع لعمر ﵁، وأما مطلقاً، كما وقع لغيره.
(وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ) لفظة "كاد" من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقوم فُهم منه أنه قارب القيام، ولم يقم، قال: والغالب فيها أن لا يقترن خبرها بـ"أن"، بخلاف "عسى"، فإن الغالب فيها أن يقترن بها، كما قال في "الخلاصة":
كَكَانَ كادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعِ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
وقد وقع خبرها هنا في رواية المصنف مقترنا بها، وكذا عند مسلم في قوله: "أن تغرب"، ومثله في رواية البخاريّ في "غزوة الأحزاب".
قال في "الفتح" هو من تصرّف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا، أولاً؟ الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر، كيف وقعت، لا
стр. 9311
الإخبار عن عمر هل تكلّم بالراجحة، أو المرجوحة.
وإذا تقرر أن معنى "كاد" المقاربة، فقدل عمر ﵁: "ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب": معناه أنه صلى العصر قُرْب غروب الشمس، لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمري رحمه الله تعالى.
وقال الكرماني ﵀: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة، لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، قال: وحاصله غرفًا ما صليت حتى غربت الشمس انتهى.
قال الحافظ ﵀: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادعاه من العرف ممنوع، وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي، لأن "كاد" إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها الْمَعَرِّيُّ مُلغزًا:
إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
هذا إلى ما في تعبيره بلفظ "كيدودة" من الثقل. والله الهادي إلى الصواب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من ترجيح قول اليعمريّ، والردّ على الكرماني بناء على القول المرجوح عند النحاة، فما قاله الكرماني هو الموافق للقول الراجح عندهم، وهو أن "كاد" كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، ودونك عبارة السمين الحلبي في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
واعلم أن خبرها إذا كانت هي منفية منفيّ في المعنى، لأنها للمقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يفعل كان معناه قارب الفعل، إلا أنه لم يفعل، فإذا نفيت انتفى خبرها بطريق الأولى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها؛ لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها؟.
وزعم جماعة، منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي، حتى ألغز أبو العلاء المعَرّيّ فيها، فقال:
أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ … جَرَتْ في لِسَانَي جُرْهُمِ وَثَمُودِ
إِذَا نُفِيَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَثْبَتّتْ … وَإنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
انتهى (١).
стр. 9312
فتحصل هذا أن الصحيح في معناها أن إثباتها إثبات، ونفيها نفي، كسائر الأفعال، فعلى هذا فما قاله الكرماني هو الراجح، فظاهر الحديث أن عمر ﵁ لم يصل العصر، مثل النبي ﷺ ، وبقية الصحابة ﵃.
فقول الحافظ: فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبي ﷺ ، فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس، بخلاف بقية الصحابة، والنبي ﷺ معهم؟.
فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي ﷺ فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
مبني على القول المرجوح أيضًا.
وقد اختُلف في سبب تأخير النبي ﷺ الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يُستدَلّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: أن رسول الله ﷺ صلى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلّم قال: "هل علم رجل منكم أني صلّيت العصر؟ "، قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر، ثم صلى المغرب انتهى.
وفي صحّة هذا الخبر نظر، لأنه مخالف لما في "الصحيحين" من قوله ﷺ لعمر: "والله ما صليتها"، ويمكن الجمع بينهما بتكلّف.
وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه، فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لاسيما، وقد وقع عند أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد ﵁، أن ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وقد اختُلف في هذا الحكم، هل نسُخ أو لا؟، كما سيأتي في "كتاب صلاة الخوف"، إن شاء الله تعالى انتهى (١).
(حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ، تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا") هذا محل الترجمة، فإنه يدلّ على أنه إذا قيل للرجل: هل صلّيت، ولم يصلّ يجوز أن يقول: ما صليت.
(فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ) قال النووي ﵀: هو بضم الباء الموحّدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين، هكذا هو عند المحدّثين في رواياتهم، وفي ضبطهم
стр. 9313
وتقييدهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء، وكسر الطاء، ولم يُجيزوا غير هذا، وكذا نقله صاحب "البارع" أبو عُبيد البكري. وهو واد بالمدينة انتهى.
(فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي صلاها بهم جماعةً، كما وقع التصريح بذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُريع، عن هشام، بلفظ: "فصلّى بنا العصر".
وهذا يقتضي أن الذي فاتهم من الصلاة العصرُ.
لكن وقع في "الموطإ" من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد أنه الظهر والعصر، والمغرب، وإنهم صلَّوا بعد هُويّ من الليل. وفي حديث ابن مسعود ﵁: "أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله". وفي قوله: "أربع" تجوّز؛ لأن العشاء لم تكن فاتت.
قال اليعمري رحمه الله تعالى: من الناس مَن رجّح ما في "الصحيحين"، وصرّح بذلك ابن العربي ﵀، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغل عنها واحدة، وهي العصر.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويؤيده حديث علىّ في مسلم: "شغلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر".
ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال اليعمري: وهذا أولى.
قال الحافظ: ويقرّبه أن روايتي أبى سعيد، وابن مسعود ﵄ ليس فيهما تعرّض لقصّة عمر ﵁، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما رجحه اليعمري رحمه الله تعالى هو الأرجح عندي.
وحاصله أنه ﷺ شغل في أيام عن صلوات مختلفة، ففي يوم عن صلاة العصر فقط، وفي يوم عن العصر والمغرب، وفي يوم عن أربع صلوات، فبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب، والجمع مهما أمكن أولى من إهمال بعض الروايات الصحيحة. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ صَلّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) فيه مشروعية الترتيب بين الفائتة والوقتية، وكذلك بين
стр. 9314
الفوائت، والأكثرون على وجوبه مع الذكر، لا مع النسيان، وقال الشافعي ﵀: لا يجب الترتيب فيها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك مُستوفًى في باب "كيف يُقضَى الفائت من الصلاة؟ " رقم -٥٥/ ٦٢١ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٥/ ١٣٦٦ - وفي "الكبرى" -١٣٩/ ١٢٨٩ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) (١/ ١٥٤ و١/ ١٦٤ و١/ ١٥٥ و٢/ ١٨ و٥/ ١٤٤ (م) ٢/ ١١٣ (ت) ١٨٠ (ابن خزيمة) ٩٩٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا سئل الرجل هل صليت، جاز أن يقول: ما صلّيت.
ومنها: جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضت مصلحة ذلك، من زيادة طمأنينة، أو نفي توهّم.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك.
ومنها: مشروعية قضاء الفوائت في الجماعة، لما تقدّم من رواية الإسماعيلي، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة، إذا فاتت.
ومنها: أنه استَدَلَّ به من قال: لا يُشرع الأذان للفائتة، وأجاب من قال به بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الراوي الأذان لها، وقد عُرف من عادته ﷺ الأذان للحاضرة، فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنه لم يقع في نفس الأمر، وتعقّب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلّ بالحديث على أن وقت المغرب متسع؛ لأنه قدّم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولاسيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث. وهذا في حديث جابر ﵁، وأما حديث أبي سعيد ﵁، فلا يتأتى فيه
стр. 9315
هذا، لما تقدّم أن فيه أنه ﷺ صلى بعد مضيّ هُويّ من الليل (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توِفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
١٣ - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل:
المسألة الأولى: في ضبط لفظ "الجمعة"، وفي سبب تسمية اليوم به، وبيان أوّل من سماه به:
قال ابن منظور ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]: خفّفها الأعمش، وثقّلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل فيها التخفيف "جُمْعَة"، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل، والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة -أي بالتسكين- لغة بني عُقَيل، ولو قرىء بها كان صوابًا، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة -أي بالضم- ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو الْجُمْعَة -بسكون الميم- والْجُمُعَة -بضمها- والجُمَعَة -بفتحها- وهو يوم الْعَرُوبة، سُمّي بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على جمُعات وجُمع، وقحِل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيرًا، كما قالوا: رجل لُعَنَة يُكثرُ لَعْن الناس، ورجل ضحَكَة يُكثر الضحك.
وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي ﷺ ، وكان يقال له: العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في "الرَّوْض الأُنُف" أن كعب بن لؤيّ أوّل من جَمَّعَ يوم العَرُوبة، ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإِسلام، وهو أول من سماها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي ﷺ ، ويُعْلِمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه ﷺ ، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا، منها: [من البسيط]
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ … إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الْحَقَّ خِذْلانَا
انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (٢).