الإخبار عن عمر هل تكلّم بالراجحة، أو المرجوحة.
وإذا تقرر أن معنى "كاد" المقاربة، فقدل عمر ﵁: "ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب": معناه أنه صلى العصر قُرْب غروب الشمس، لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمري رحمه الله تعالى.
وقال الكرماني ﵀: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة، لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، قال: وحاصله غرفًا ما صليت حتى غربت الشمس انتهى.
قال الحافظ ﵀: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادعاه من العرف ممنوع، وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي، لأن "كاد" إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها الْمَعَرِّيُّ مُلغزًا:
إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
هذا إلى ما في تعبيره بلفظ "كيدودة" من الثقل. والله الهادي إلى الصواب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من ترجيح قول اليعمريّ، والردّ على الكرماني بناء على القول المرجوح عند النحاة، فما قاله الكرماني هو الموافق للقول الراجح عندهم، وهو أن "كاد" كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، ودونك عبارة السمين الحلبي في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
واعلم أن خبرها إذا كانت هي منفية منفيّ في المعنى، لأنها للمقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يفعل كان معناه قارب الفعل، إلا أنه لم يفعل، فإذا نفيت انتفى خبرها بطريق الأولى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها؛ لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها؟.
وزعم جماعة، منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي، حتى ألغز أبو العلاء المعَرّيّ فيها، فقال:
أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ … جَرَتْ في لِسَانَي جُرْهُمِ وَثَمُودِ
إِذَا نُفِيَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَثْبَتّتْ … وَإنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
انتهى (١).
стр. 9312
فتحصل هذا أن الصحيح في معناها أن إثباتها إثبات، ونفيها نفي، كسائر الأفعال، فعلى هذا فما قاله الكرماني هو الراجح، فظاهر الحديث أن عمر ﵁ لم يصل العصر، مثل النبي ﷺ ، وبقية الصحابة ﵃.
فقول الحافظ: فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبي ﷺ ، فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس، بخلاف بقية الصحابة، والنبي ﷺ معهم؟.
فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي ﷺ فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
مبني على القول المرجوح أيضًا.
وقد اختُلف في سبب تأخير النبي ﷺ الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يُستدَلّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: أن رسول الله ﷺ صلى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلّم قال: "هل علم رجل منكم أني صلّيت العصر؟ "، قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر، ثم صلى المغرب انتهى.
وفي صحّة هذا الخبر نظر، لأنه مخالف لما في "الصحيحين" من قوله ﷺ لعمر: "والله ما صليتها"، ويمكن الجمع بينهما بتكلّف.
وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه، فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لاسيما، وقد وقع عند أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد ﵁، أن ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وقد اختُلف في هذا الحكم، هل نسُخ أو لا؟، كما سيأتي في "كتاب صلاة الخوف"، إن شاء الله تعالى انتهى (١).
(حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ، تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا") هذا محل الترجمة، فإنه يدلّ على أنه إذا قيل للرجل: هل صلّيت، ولم يصلّ يجوز أن يقول: ما صليت.
(فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ) قال النووي ﵀: هو بضم الباء الموحّدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين، هكذا هو عند المحدّثين في رواياتهم، وفي ضبطهم
стр. 9313
وتقييدهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء، وكسر الطاء، ولم يُجيزوا غير هذا، وكذا نقله صاحب "البارع" أبو عُبيد البكري. وهو واد بالمدينة انتهى.
(فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي صلاها بهم جماعةً، كما وقع التصريح بذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُريع، عن هشام، بلفظ: "فصلّى بنا العصر".
وهذا يقتضي أن الذي فاتهم من الصلاة العصرُ.
لكن وقع في "الموطإ" من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد أنه الظهر والعصر، والمغرب، وإنهم صلَّوا بعد هُويّ من الليل. وفي حديث ابن مسعود ﵁: "أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله". وفي قوله: "أربع" تجوّز؛ لأن العشاء لم تكن فاتت.
قال اليعمري رحمه الله تعالى: من الناس مَن رجّح ما في "الصحيحين"، وصرّح بذلك ابن العربي ﵀، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغل عنها واحدة، وهي العصر.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويؤيده حديث علىّ في مسلم: "شغلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر".
ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال اليعمري: وهذا أولى.
قال الحافظ: ويقرّبه أن روايتي أبى سعيد، وابن مسعود ﵄ ليس فيهما تعرّض لقصّة عمر ﵁، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما رجحه اليعمري رحمه الله تعالى هو الأرجح عندي.
وحاصله أنه ﷺ شغل في أيام عن صلوات مختلفة، ففي يوم عن صلاة العصر فقط، وفي يوم عن العصر والمغرب، وفي يوم عن أربع صلوات، فبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب، والجمع مهما أمكن أولى من إهمال بعض الروايات الصحيحة. والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ صَلّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) فيه مشروعية الترتيب بين الفائتة والوقتية، وكذلك بين
стр. 9314
الفوائت، والأكثرون على وجوبه مع الذكر، لا مع النسيان، وقال الشافعي ﵀: لا يجب الترتيب فيها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك مُستوفًى في باب "كيف يُقضَى الفائت من الصلاة؟ " رقم -٥٥/ ٦٢١ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٥/ ١٣٦٦ - وفي "الكبرى" -١٣٩/ ١٢٨٩ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) (١/ ١٥٤ و١/ ١٦٤ و١/ ١٥٥ و٢/ ١٨ و٥/ ١٤٤ (م) ٢/ ١١٣ (ت) ١٨٠ (ابن خزيمة) ٩٩٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا سئل الرجل هل صليت، جاز أن يقول: ما صلّيت.
ومنها: جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضت مصلحة ذلك، من زيادة طمأنينة، أو نفي توهّم.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك.
ومنها: مشروعية قضاء الفوائت في الجماعة، لما تقدّم من رواية الإسماعيلي، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة، إذا فاتت.
ومنها: أنه استَدَلَّ به من قال: لا يُشرع الأذان للفائتة، وأجاب من قال به بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الراوي الأذان لها، وقد عُرف من عادته ﷺ الأذان للحاضرة، فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنه لم يقع في نفس الأمر، وتعقّب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلّ بالحديث على أن وقت المغرب متسع؛ لأنه قدّم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولاسيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث. وهذا في حديث جابر ﵁، وأما حديث أبي سعيد ﵁، فلا يتأتى فيه
стр. 9315
هذا، لما تقدّم أن فيه أنه ﷺ صلى بعد مضيّ هُويّ من الليل (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توِفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
١٣ - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل:
المسألة الأولى: في ضبط لفظ "الجمعة"، وفي سبب تسمية اليوم به، وبيان أوّل من سماه به:
قال ابن منظور ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]: خفّفها الأعمش، وثقّلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل فيها التخفيف "جُمْعَة"، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل، والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة -أي بالتسكين- لغة بني عُقَيل، ولو قرىء بها كان صوابًا، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة -أي بالضم- ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو الْجُمْعَة -بسكون الميم- والْجُمُعَة -بضمها- والجُمَعَة -بفتحها- وهو يوم الْعَرُوبة، سُمّي بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على جمُعات وجُمع، وقحِل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيرًا، كما قالوا: رجل لُعَنَة يُكثرُ لَعْن الناس، ورجل ضحَكَة يُكثر الضحك.
وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي ﷺ ، وكان يقال له: العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في "الرَّوْض الأُنُف" أن كعب بن لؤيّ أوّل من جَمَّعَ يوم العَرُوبة، ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإِسلام، وهو أول من سماها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي ﷺ ، ويُعْلِمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه ﷺ ، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا، منها: [من البسيط]
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ … إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الْحَقَّ خِذْلانَا
انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (٢).
стр. 9316
وقال في "الفتح": و"الجمعة بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها. وحكى الزّجّاج الكسر أيضًا.
واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاف على أنه كان يُسمّى في الجاهليّة العَرُوبةَ -بفتح العين المهملة، وضم الراء، وبالموحّدة- فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جمُع فيه. ذكره أبو حُذيفة النجّاريّ في "المبتدإ" عن ابن عباس ﵄، وإسناده ضعيف.
وقيل: لأن خلق آدم جمُع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان ﵁، أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هُريرة ﵁، ذكره ابن أبي حاتم، موقوفًا بإسناد قويّ، وأحمد مرفوعًا بإسناد ضعيف.
وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حُميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصّة تجمّع الأنصار مع أسعد بن زُرَارة، وكانوا يُسمّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة، فصلّى بهم، وذكّرهم، فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه. ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً.
وقيل: لأن كعب بن لؤيّ كان يَجمَع قومه فيه، فيُذكّرهم، ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعث منه نبيّ. رَوَى ذلك الزبير في "كتاب النسب" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره.
وقيل: إن قُصَيّا هو الذي كان يَجمعهم. ذكره ثعلب في "أماليه".
وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلاميّ، لم يكن في الجاهلية، وإنما كان يُسمى العَرُوبة انتهى.
وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهليّة، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيّروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تُسمّى: أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار.
وقال الجوهرى: كانت العرب تُسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يُشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن، كالسبت، والأحد، إلى آخرها.
وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ، وبه جزم الفراء وغيره، فيحتاج من قال: إنهم غيّروها إلا الجمعة، فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاص (١).
стр. 9317
وقال ولي الدين ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: لاجتماع آدم ﵇ مع حواء في الأرض، رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث سلمان الفارسي-﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا سلمان ما يوم الجمعة؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "ياسلمان يوم الجمعة جمع فيه أبوكم وأمكم".
قال: فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بذلك انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في أسماء الجمعة:
قال ولي الدين ﵀: (اعلم) أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه الله تعالى به، وله أسماء أُخر:
(الأول): يوم العروبة -بفتح العين المهملة، وكان هو اسمه في الجاهلية، قال أبو جعفر النحّاس في كتابه "صناعة الكتاب" لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام، إلا شاذا، قال: ومعناه اليوم البيّن المعظم، من أعرب: إذا بيّن، قال: ولم يزل يوم الجمعة معظما عند أهل كل ملّة.
ثم اعترضه ولى الدين بأنه لم تعرفه الأمم المتقدّمة، وأوّل من هُدي له هذه الأمة، كما في حديث الباب.
وقال أبو موسى المديني في ذيله على "الغريبين": والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام، قال: وكأنه ليس بعربي.
(الثاني): من أسمائه حَرْبة، حكاه أبو جعفر النحّاس، أي مرتفع عال كالحربة، قال: وقيل: ومن هذا اشتقّ المحراب.
(الثالث): يوم المزيد، وروى الطبراني في "معجمه الأوسط" بإسناد ضعيف عن أنس ﵁، عن النبي- ﷺ ، عن جبريل ﵇ أنه قال: "ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد"، ذكره في أثناء حديث طويل.
(الرابع): حج المساكين، سماه بعضهم بذلك، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذيّ": وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أُسامة في "مسنده" من رواية الضحاك بن مُزاحم، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، والحديث ضعيف، وكان شعبة ينكر أن يكون الضحّاك سمع من ابن عباس، وقال ابن حبان: لم يشافه أحدًا من الصحابة، زعم أنه لقي ابن عباس، وقد وُهِّمَ انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب،
стр. 9318
وإليه المرحع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم متى شُرعت الجمعة؟:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة.
واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والآية، لأن هذه السورة مدنية، وأنه لم يثبت أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ ونصّ الإمام أحمد ﵀ على أن أول جمعة جُمعت في الإِسلام هي التي جُمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير ﵁، وكذا قال عطاء، والأوزاعيّ، وغيرهما.
وزعمت طائفة من الفقهاء أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، وأن النبي ﷺ كان يُصليها بمكة قبل أن يُهاجر.
واستدلّوا لذلك بما أخرجه النسائيّ في "الكبرى" -٣/ ١٦٥٥ - وسيأتي أيضًا هنا ملحقًا برقم -١٣٦٨ - من حديث مُعافَى بن عمران، بن إبراهيم بن طهمان، عن محمد ابن زياد، عن أبي هريرة ﵁، قال: "إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة مع رسول الله ﷺ بمكة بجُواثا بالبحرين، قرية لعبد القيس".
وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن إبراهيم بن طهمن، عن أبي جمرة، عن ابن عباس ﵄: "إن أوّل جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى من البحرين".
وكذا رواه وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه: "إن أوّل جمعة جُمعت في الإِسلام بعد جمعة جُمعت في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة لَجُمعة جُمعت بجُوَاثا، قرية من قُرى البحرين". أخرجه أبو داود.
وكذلك رواه ابن المبارك، وغيره، عن إبراهيم بن طهمان.
فتبيّن بذلك أن المعافى وَهِم في إسناد الحديث ومتنه، والصواب رواية الجماعة عن إبراهيم بن طهمان.
ومعنى الحديث أن أول مسجد جُمَع فيه بعد مسجد المدينة مسجد جُوَاثا، وليس معناه أن الجمعة التي جُمعت بجواثا كانمت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جُمعت بالمدينة، كما قد يُفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبد القيس إنما وفَدُوا على رسول الله ﷺ عام الفتح، كما ذكره ابن سعد، عن عروة بن الزبير، وغيره، وليس المراد به -أيضًا- أن أوّل جمعة جُمعت في الإِسلام في مسجد المدينة، فإن أوّل جمعة جُمعت بالمدينة في
стр. 9319
نَقيع الْخَضِمَات (١) قبل أن يقدَمَ النبي ﷺ المدينة، وقبل أن يَبني مسجدَهُ.
يدلَّ على ذلك حديث كعب بن مالك ﵁ أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زُرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: كان أوّل من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة في نقيع الخضمات في هَزْم النَّبِيت من حَرَّة بني بياضة. قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلاً. أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه مطوّلًا.
وروى أبو إسحاق الفَزَاريّ في كتاب "السير" له عن الأوزاعيّ، عمن حدّثه، قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ مصعب بن عُمير القُرشيّ إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ ﷺ ، فقال: "اجمع مَنْ بها من المسلمين، ثم انظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتها، فإذا مال النهار عن شطره، فقم فيهم، ثمّ تزلّفوا إلى الله بركعتين".
قال: وقال الزهريّ، فجمّع بهم مُصعب بن عُمير في دار من دور الأنصار، فجمّع بهم، وهم بضعة عشر. قال الأوزاعيّ: وهو أول من جمّع بالناس.
قال ابن رجب: وقد أخرج الدارقطني -أظنه في "أفراده"- من رواية أحمد بن محمد ابن غالب الباهلي، نا محمد بن عبد الله، أبو زيد المدني، نا المغيرة بن عبد الرحمن، نا مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄، قال: أذن رسول الله ﷺ بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يَستطع رسول الله ﷺ أن يُجمّع بمكة، ولا يُبيّنَ لهم، وكتب إلى مصعب بن عُمير: "أما بعد، فانظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتهم. فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى الله بركعتين".
قال: فأوّل من جَمّع مصعب بن عمير حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك.
قال ابن رجب ﵀: وهذا إسناد موضوع، والباهلي هو غلام خليل كذّاب مشهور بالكذب، وإنما هذا من أصله من مراسيل الزهريّ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة.
وأخرج البيهقيّ من رواية يونس، عن الزهريّ، قال: بلغنا أن أول ما جُمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ، فجمّع بالمسلمين مصعب بن عُمير.
وروى عبد الرزاّق في "كتابه"، عن معمر، عن الزهريّ، قال: بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عُمير إلى أهل المدينة ليُقرأهم القرآن، فاستأذن رسولَ الله ﷺ أن يُجمّع
стр. 9320
بهم، فأذن له رسول الله ﷺ ، وليس يومئذ بأمير، ولكنه انطلق يُعلّم أهل المدينة.
وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: مَن أوّلُ من جَمَّع؟
قال: رجل من بني عبد الدار، زعموا، قلت: أفبأمر النبي ﷺ ؟ قال: فمَهْ؟!.
وأخرجه الأثرم من رواية ابن عُيينة، عن ابن جُريج، وعنده: قال: نعم، فمَنْ؟ قال ابن عُيينة: سمعت من يقول: هو مصعب بن عُمير.
ولذلك نص الإِمام أحمد في رواية أبي طالب على أن النبي ﷺ هو أَمَرَ مصعبَ بن عمير أن يجمّع بهم بالمدينة، ونص أحمد أيضًا على أن أوّل جمعة جُمعت في الإسلام هي الجمعة التي جُمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير. وقد تقدّم مثله عن عطاء، والأوزاعيّ.
فتبيّن بهذا أن النبي ﷺ أمر بإقامة الجمعة بالمدينة، ولم يُقمها بمكة، وهذا يدلّ على أنه كان قد فُرضت عليه الجمعة بمكة.
وممن قال: إن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة أبو حامد الإسفرايينيّ من الشافعية، والقاضي أبو يعلى في "خلافه الكبير"، وابن عَقيل في "عُمدة الأدلة" وهما من الحنابلة، وكذلك ذكره طائفة من المالكية، منهم السُّهَيليّ، وغيره.
وأما كونه لم يفعله بمكة، فيُحمَل على أنه إنما أُمِرَ بها أن يُقيمها في دار الهجرة، لا في دار الحرب، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب. ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة.
وقد رُوي عن ابن سيرين أنّ تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم من غير أمر النبي ﷺ بالكلّيّة، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة.
قال عبد الله بن أحمد في "مسائله": نا أبي، نا إسماعيل -هو ابن عُليّة- نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبّئت أن الأنصار قبل قُدوم رسول الله ﷺ عليهم المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً، فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله علينا به، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نُجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العَرُوبة -قال: وكانوا يُسَمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا في بيت أبي أُمامة أسعد بن زُرَارة، فذُبحت لهم شاة، فكَفَتهم.
وروى عبد الرزّاق في "مُصَنفه" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: جمع أهلُ المدينة قبل أن يقدم رسول الله ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سمَّوها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يومُ يجتمعون فيه كل ستة أيام، وللنصارى أيضًا مثل ذلك، فهلُمّ، فلنجعلْ يوماً نجمتع فيه، ونذكر الله ، ونصلي، ونشكره، أو
стр. 9321
كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصاري، فاجعلوا يوم العروبة، -وكان يُسمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة، فصلى بهم، وذكرهم، فسمَّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زُرارة لهم شاة، فتغذَوا، وتعَشَّوا من شاة واحدة ليلتهم، فأنزل الله بعد: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩].
فوقع في كلام الإِمام أحمد أن هذه هي الجمعة التي جمّعها مصعب بن عُمير، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه أنهم كانوا أربعين رجلاً.
قال الحافظ ابن رجب: وفي هذا انظر، ويحتمل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهاد هم قبل قدوم مصعب إليهم، ثم لما قدم مصعب عليهم جمّع بهم بأمر النبي ﷺ ، وكان الإِسلام حينئذ قد ظهر، وفشا، وكان يمكن إقامة شعار الإِسلام في المدينة.
وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك، فكان في بيتا أسعد بن زُرارة قبل ظهور الإِسلام بالمدينة وفُشُوّه، وكان باجتهاد منهم، لا بأمر النبي ﷺ . والله أعلم انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار (١). وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في خواص يوم الجمعة:
ذكر الإِمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى للجمعة ثلاثا وثلاثين خصوصية مفصلة، ودونك ملخّصها:
١ - قراءة سورة السجدة في فجره.
٢ - استحباب كثرة الصلاة والسلام على النبي ﷺ فيه، وفي ليلته.
٣ - صلاة الجمعة.
٤ - الأمر بالاغتسال في يومها.
٥ - التطيب فيه.
٦ - السواك فيه.
٧ - التبكير للصلاة.
٨ - أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإِمام.
٩ - الإنصات للخطبة وجوبا لمن يسمعها على الأصحّ.
١٠ - قراءة سورة الكهف في يومها، وفيه حديث صحيح.
١١ - عدم كراهة الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي، ومن وافقه، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية.
١٢ - قراءة "سورة الجمعة"، و"المنافقين"، أو "سبح"، و"الغاشية" في صلاة الجمعة.
١٣ - أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع.
١٤ - استحباب لبس أحسن الثياب فيه.
١٥ - استحباب تجمير المسجد فيه.
١٦ - أنه لا يجوز السفر في يومه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما
стр. 9322
قبله، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والثالث يجوز للجهاد فقط.
١٧ - أن للماشي إلى الجمعة بكك خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها، وفيه حديث صححه ابن خزيمة.
١٨ - أنه يوم تكفير السيئات.
١٩ - أن جهنم تُسجر كلّ يوم إلا يوم الجمعة.
٢٠ - فيه ساعة الإجابة.
٢١ - فيه صلاة الجمعة التي خُصّت بخصائص لا توجد في غيرها، من الاجتماع، والعدد المخصوص، وتقديم الخطبة، وغير ذلك.
٢٢ - أن فيه الخطبة التي يُقصد بها الثناء على الله تعالى، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ بالرسالة، وتذكير العباد بأيام الله، وتحذيرهم من بأسه، ونقمته، ووصيتهم بما يُقرّبهم إليه، وإلى جنانه، ونهيم عما يقربهم من سخطه، وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها.
٢٣ - أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتَفَرَّغَ فيه للعبادة.
٢٤ - أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله تعالى التعجيل فيه إلى المسجد بدلاً من القربان، وقائمًا مقامه.
٢٥ - أن للصدقة فيه مزيّة على سائر الأيام.
٢٦ - أنه يوم يتجلّى الله فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربهُم إلى الإِمام أقربَهم إلى الجنة.
٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة.
٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال، والبحار، والخلائق كلها، إلا الإنس والجن، من أجل أن القيامة تقوم فيه.
٢٩ - أنه اليوم الذي ادّخره الله لهذه الأمة، وأضلّ عنه أهل الكتاب قبلهم.
٣٠ - أنه خِيرَة الله من أيّام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد ﷺ خيرته من خلقه.
٣١ - أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زُوّارهم، ومن يمرّ بهم، ويُسلّم عليهم (١).
٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.
٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدإ والمعاد. انتهى ما قاله ابن القيم رحمه
стр. 9323
الله تعالى باختصار، وقد توسع رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، وذكر الأدلّة على هذه الخصائص، فمن شاء التوسع في ذلك فليراجعه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١ - (إِيجَابِ الْجُمُعَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على إيجاب الجمعة.
ومحل استدلال المصنف ﵀ قوله: "كتب الله عليهم"، وهو واضح، لأن الكتابة معناها الإيجاب، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣].
وقال السندي رحمه الله تعالى: والظاهر أن الحكم بالنظر إلى الكلّ واحد، فحيث إن ذلك الحكم هو الوجوب بالنسبة إلى قوم، تعين أنه الوجوب بالنظر إلى الآخرين، والله تعالى أعلم انتهى (٢).
وقال الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى: "باب فرض الجمعة" لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
قال في "الفتح": واستدلال المصنف بهذه الآية على فرضيّة الجمعة سبقه إليه الشافعيّ ﵀ في "الأم"، وكذا حديث أبي هريرة ﵁، ثم قال: فالتنزيل، ثمّ السنّة، يدلان على إيجابها، قال: وعُلم بالإجماع أن يوم الجمعة هو الذي بين الخميس والسبت.
وقال الشيخ الموفّق ﵀: الأمر بالسعي يدلّ على الوجوب، إذ لا يجب السعي إلا إلى واجب.
واختلف في وقت فرضيتها، فالأكثر على أنها بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدّم أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي مدنية، وقال الشيخ أبو حامد: فُرضت بمكة، وهو
стр. 9324
غريب. وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة من الباب الماضي، وبالله تعالى التوفيق.
وقال الزين ابن المنيّر رحمه الله تعالى: وجه الدلالة من الآية الكريمة مشروعية النداء لها، إذ الأذان من خواصّ الفرائض، وكذا النهي عن البيع؛ لأنه لا يُنهى عن المباح -يعني نهي تحريم- إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويُضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها.
قال: وأما وجه الدلالة من الحديث، فهو من التعبير بالفرض، لأنه للإلزام، وإن أطلق على غير الإلزام كالتقدير، لكنه متعيّن له لاشتماله على ذلك الصرف لأهل الكتاب عن اختياره، وتعيينه لهذه الأمة، سواء كان ذلك وقع لهم بالتنصيص، أم بالاجتهاد.
وفي سياق القصّة إشعار بأن فرضيتها على الأعيان، لا على الكفاية، وهو من جهة إطلاق الفرضية، ومن التعميم في قوله: "فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع". انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٧ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ -يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سعيد بن عبد الرحمن المخزُوميّ) أبو عبد الله المكّيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٤١/ ١٢٧٧.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الإِمام الحجة المثبت المشهور [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدني، ثقة فقيه [٥] تقدم ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٥ - (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابداً [٦] تقدم ٤٩/ ٩٥٨.
٦ - (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل [٣] تقدّم ٢٧/ ٣١.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
стр. 9325
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذي، ومنها: أن قوله: "وابن طاوس الخ" بالجرّ عطف على "أبي الزناد"، فسفيان له في هذا الحديث شيخان: أبو الزناد، وعبد الله بن طاوس. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه قال (قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَحْنُ الآخرُونَ السَّابقُونَ) زاد في رواية الشيخين: "يوم القيامة". وفي رواية لمسلم: "نحن الآخرون، ونحن السابقون".
و"الآخرون" -بكسر الخاء المعجمة، والمعنى نحن المتأخرون زمانًا، والأولون منزلةً.
والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحشر، وأول من يُحاسب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة. وفي حديث حذيفة ﵁ عند مسلم: "نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق (١)، وسيأتي للمصنف في الحديث التالي.
وقال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: والتقييد بيوم القيامة يردّ قولَ من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تبع له، وقولَ من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا وعصينا.
وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف الاعتبار لم يكن في ذلك تناف.
فإن قلت: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟.
قلت: يحتمل أنه ذُكر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخروية، بل سابقون فيها.
ويحتمل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية إلى آخر
стр. 9326
الدهر، ما دام التكليف موجودًا، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة، وهذا الاحتمال أمكن من الأوّل، لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف، كما أن في وصفهم بالسبق شرفًا، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئه. والله تعالى أعلم انتهى (١).
(بَيْدَ أَنَّهُمْ) بموحّدة، ثم تحتانيّة سا كنة، مثل "غير" وزنًا ومعنًى. وبه جزم الخليل والكسائيّ، ورجحه ابن سيده. وروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى "بيد" "من أجل". وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزني، عن الشافعيّ. وقد استبعده عياض، ولا بعد فيه، بل معناه إنا سبقنا بالفضل، إذ هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم، ويشهد له ما في "فوائد ابن المقري" من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، بلفظ: "نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا". وفي "موطأ" سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ. "ذلك بأنهم أوتوا الكتاب".
وقال الداوديّ: هي بمعنى "على"، أو "مع". قال القرطبيّ: إن كانت بمعنى "غير"، فنصب على الاستثناء، هان كانت بمعنى "مع"، فنصب على الظرفية.
وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ، والمعنى نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتو الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخرًا في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: "نحن الآخرون" مع كونه أمراً واضحًا. قاله في "الفتح".
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: "بيد" بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهلمة، وحكى بعضهم أنه يقال فيها "ميد" بالميم، والمشهور أنها بمعنى "غير"، وقد جزم بذلك في "الصحاح"، وقال: يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في "المحكم" مثل ذلك عن حكاية ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى "على"، حكاه أبو عُبيد، والأول أعلى، وحكى في "المشارق" قولًا آخر أنها بيعنى "إلّا"، ثم قال: وقد تأتي بمعنى "من أجل"، ومنه قوله ﷺ : "بيد أني من قريش"، وقد قيل ذلك في الحديث الأول، وهو بعيد انتهى. وأنشدوا على مجيئها بمعنى "من أجل" قولَ الشاعر [من الرجز]:
عَمْدًا فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي … أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِنّي (٢)
стр. 9327
وقد ذكر ابن مالك أن "بيد" في قوله ﷺ : "بيد أني من قُريش" بمعنى "غير"، مثل قوله [من الطويل]:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في "النهاية"، وإنما استبعد القاضي عياض كون "بيد" في الحديث الذي نشرحه بمعنى "من أجل"، لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو "السابقون"، فهو استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى من سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا، ويتحد (١) في المعنى كونها بمعنى "غير"، وكونها بمعنى "على"، وكونها بمعنى "إلّا".
أما إذا جعلناه متعلّقًا بقوله: "الآخرون" اتجه كونها بمعنى "من أجل"، أي نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال، لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بين وجهه، وهو السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف، ودخول الجنة.
وقد يقال: إذا كان السبق مقيداً بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا، فالمذكور أوّلًا، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإذا أن يقال: إن هذا في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأُخروية، أي إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو محتاج إلى زيادة نظر.
وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم "بأيد" بكسر الباء، بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، أي بقوة أعطاناها الله، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون "إنهم" مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صحّت، والصواب الأول عند أكثرهم انتهى.
[واعلم]: أن الحديث في "مسند الشافعي" من طريق طاوس، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ "بَيْدَ" كما هو الرواية المشهورة.
ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ "بايد"، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي بعضها مفتوح الآخر، مثل "بيد"، إلا أنه زاد ألفاً بعد الباء، فكسر لذلك الياء لالتقاء الساكنين، وفي
стр. 9328
بعضها "بأيد"، ومعناه بقوّة، كما حكاه القاضي عن بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في "النهاية"، فقال: وجاء في بعض الروايات "بايد أنهم"، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم: إنها "بأيد" أي بقوّة. ورواه البيهقي في "سننه" من غير وجه عن ابن عُيينة، عن أبي الزناد "بايد"، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من طريق أبي الزناد رواه عن ابن عُيينة، عنه انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (١).
(أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي أعطوه. واللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: "وأوتيناه" للقرآن. وقال القرطبي: المراد بـ"الكتاب" التوراة. وفيه نظر، لقوله:"وأوتيناه من بعدهم"، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن. قاله في "الفتح".
(وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي الكتاب، والمراد القرآن (وَهَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ"هذا" لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية التالية عن أبي هريرة، وحذيفة ﵄، قال: قال رسول ﷺ : "أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا … " الحديث.
(الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) لابدّ من تقدير مضاف؛ لأنه لا يصحّ وصف اليوم بأنه كُتب عليهم، فيقدّر: إما افتراضَ تعظيمه، وإما افتراضَ عبادة فيه، إما هذه العبادة المخصوصة المشروعة، وإما غيرها. أفاده ولي الدين.
وفي قوله: "كتب" دليل لوجوب الجمعة، فإن "كَتَب" معناه أوجب، وكذا استدلّ البخاري ﵀ في "صحيحه" على فرض الجمعة، مع أن لفظه "فُرض عليهم".
فإن قلت: إن أريد صلاة الجمعة على الوجه المخصوص، فكيف صحّ الاستدل له بهذا الحديث، وليس فيه تعيين شيء؟.
أجيب: بأنه لما ذكر في الحديث أن المكتوب علينا هُدينا له، والذي عرفنا من شرعنا هدايتنا له هو الصلاة على الوجه المخصوص، مع ما لذلك من سوابق ولواحق دلّ ذلك على أن هذا هو المكتوب عليهم. والله تعالى أعلم. أفاده ولي الدين رحمه الله تعالى (٢).
(فَاخْتَلَفُوا فيه) أي اختلف أهل الكتاب في شأن ذلك اليوم المكتوب عليهم، هل يلزم تعيينه، أم يجوز استبداله بغيره؟.
стр. 9329
قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فُرض عليهم بعينه، فتركوه؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه، وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- أنه فُرض عليهم يوم من الجمعة، ووُكل إلى اختيارهم، ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أيّ الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة. ومال عياض إلى هذا، ورجحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فـ"خالفوا"، بدل "فاختلفوا".
وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا، فاختلفوا، هل يلزم تعيّنه، أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك، فأخطؤوا انتهى.
قال الحافظ: ويشهد له ما رواه الطبريّ بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] قال: أرادوا الجمعة، فأخطؤوا، وأخذوا السبت مكانه.
ويحتمل أن يُراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق السدّيّ التصريح بأنهم فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا، وقالوا: ياموسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئًا، فاجعله لنا، فجُعل عليهم". وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، وغير ذلك، وكيف لا، وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؟. قاله في "الفتح".
(فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ) أي بالثبات عليه حين شرع لنا العبادة فيه.
وقال في "الفتح": قوله: "فهدانا الله له": يحتمل أن يُراد بأن نصّ لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زُرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلاً، فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: "كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مَقدَم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زُرَارة … " الحديث.
فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد.
ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ﷺ علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها
стр. 9330
ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس ﵄ عند الدارقطني، ولذلك جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في أختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه انتهى.
(-يَعْني يَوْمَ الْجُمُعَةِ-) كلام جيء به لبيان مرجع اسم الإشارة في قوله: "وهذا اليوم الذي كتب الله عليهم"، أي يقصد النبي ﷺ بقوله: "وهذا اليوم" يومَ الجمعة.
والعناية يحتمل أن تكون من أبي هريرة ﵁، أو ممن دونه. والله تعالى أعلم.
(فَالنَّاسُ لَنَا فيه تَبَعٌ) بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة، جمع تابع، كالخَدَم جمع خادم.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: الظاهر أن معناه إنا أول من هداه الله للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تبع لنا.
وفي "صحيح مسلم" وغيره -وهوالحديث التالي عند المصنف- عن أبي هريرة وحذيفة ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم"، وفي رواية: "بينهم قبل الخلائق".
ورواه البزّار في "مسنده" بلفظ: "المغفور لهم قبل الخلائق".
ويحتمل أن يُسْتدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلا به، والله أعلم انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى.
(الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَد) وفي رواية أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عند ابن خُزيمة: "فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد".
والمعنى أنه لنا بهداية الله تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم.
قال القرطبيّ ﵀: "غدًا" هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غداً، وكذا قوله: "وبَعدَ غد"، ولابد من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا عن الْجُثّة انتهى.
وقال ابن مالك: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك غدًا التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين
стр. 9331
عنهما، أي تعييد اليهود غداً، وتعييد النصارى بعد غد انتهى، وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبي. قاله في "الفتح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ١٣٦٧ - وفي "الكبرى" -٢/ ١٦٥٤ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١/ ٦٨ و٢/ ٢ و٤/ ٦٠ و٩/ ٨ و١٧٥ (م) ٣/ ٦ (الحميدي) ٩٤٥ (أحمد) ٢/ ٢٤٣ و٢٤٩ (ابن خزيمة) ١٧٢٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب الجمعة.
ومنها: أن الهداية والإضلال من الله تعالى، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
ومنها: أن سلامة الإجماع من الخطإ مخصوص بهذه الأمة.
ومنها: أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل.
ومنها: أن القياس مع وجود النصّ فاسد.
ومنها: أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز.
ومنها: أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدلّ على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك.
ومنها: أن فيه بيانًا واضحًا لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة زادها الله تعالى شَرَفًا وفضلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجمعة:
قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على أن الجمعة واجبة على الأحرار البالغين الذين لا عُذر لهم انتهى (١).
وقال ابن العربي رحمه الله تعالى: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقال ابن قُدامة ﵀ في "المغني": أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وقد حكى الخطابي
стр. 9332
الخلاف في أنها من فُروض الأعيان، أو من فُروض الكفايات، وقال: قال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفايات، وذكر ما يدلّ على أن ذلك قول للشافعيّ، وقد حكاه المرعشيّ عن قوله القديم، قال الدارمي: وغلّطوا حاكيه، وقال أبو إسحاق المروزيّ: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم، وغلّطه. قال العراقي: نعم هو وجه لبعض الأصحاب، قال: وأما ما ادعاه الخطّابي من أن أكثر الفقهاء قالو: إن الجمعة فرض على الكفاية، ففيه نظر، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين، لكن بشروط يشترطها أهل كلّ مذهب.
وقال ابن العربي: وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة. ثم قال: قلنا: له تأويلان:
أحدهما: أن مالكاً يطلق السنة على الفرض.
الثاني: أنه أراد سنة على صفتها، لا يشاركها فيه سائر الصلوات، حسب ما شرعه رسول الله ﷺ ، وفعله المسلمون، وقد روى ابن وهب عن مالك: عزيمةُ الجمعة على كلّ من سمع النداء انتهى.
ومن جملة الأدلّة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
ومنها: حديث أبي هريرة المذكور في الباب.
وقد استنبط منه البخاري في "صحيحه" فرضية صلاة الجمعة، وبوّب عليه "باب فرض الجمعة"، وصرّح النووي، والحافظ بأنه يدلّ على الفرضية.
ومنها حديث طارق بن شهاب ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض". رواه أبو داود. وصححه غير واحد.
ومنها: حديث حفصة ﵂ الآتي -٢/ ١٣٧١ - عن النبي ﷺ ، قال: "رواح الجمعة واجب على كلّ محتلم". وهو حديث صحيح.
ومنها: حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هَمَمت أن آمر رجلاً يُصلي بالناس، ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم". رواه أحمد، ومسلم.
ومنها: حديث أبي هريرة، وابن عمر ﵃، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليَختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين". رواه أحمد، ويأتي للمصنف -٢/ ١٣٧٠ - من حديث ابن عمر،
стр. 9333
وابن عباس ﵃.
ومنها: حديث أبي الْجَعْد الضَّمْري -وله صحبة- أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاثَ جُمع تهاونًا، طبع الله على قلبه". رواه الخمسة، ويأتي للمصنف -٢/ ١٣٦٩.
قال العلامة الشوكاني ﵀: والحق أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق، وحفصة الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم، والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال قد ردّ بأنه إرسال صحابي، وبأنه يشهد له حديث حفصة المذكور.
وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبي ﷺ كان صغيرًا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين، وما كانت تقام الجمعة في عهده ﷺ بأمره إلا في مسجده، وقبائلُ العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين، ولم يُؤمروا بالحضور. مدفوع بأن تخلّف المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله تعالى به، وأمر رسوله ﷺ والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة، إلا على فرض تقريره ﷺ للمتخلفين على تخلفهم، واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته ﷺ من المسلمين، وكلاهما باطل.
أما الأول: فلا يصحّ نسبة التقرير إليه بعد همه بإحراق المتخلفين عن الجمعة، وإخباره بالطبع على قلوبهم، وجعلها كقلوب المنافقين.
وأما الثاني: فمع كونه قصرًا للخطابات العامّة بدون برهان، تردّه أيضًا تلك التوعّدات، للقطع بأنه لا معنى لتوعّد الحاضرين، ولتصريحه ﷺ بأن ذلك الوعيد للمتخلفين.
وضيق مسجده ﷺ لا يدل على عدم الفرضيّة، إلا على أن الطلب مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس، أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه، وفي سائر البقاع، وكلاهما باطل.
أما الأول، فظاهر، وأما الثاني فكذلك أيضًا، لإمكان إقامتها في تلك البقاع عقلًا وشرعًا.
لا يقال: عدم أمره ﷺ بإقامتها في غير مسجده يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنا نقول: الطلب العامّ يقتضي وجوب صلاة الجمعة على كلّ فرد من أفراد المسلمين، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده ﷺ ، لا يمكنه الوفاء بما طلبه الشارع إلا بإقامتها في غيره، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كوجوبه، كما تقرر في الأصول انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما حققه العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في هذه
стр. 9334
المسألة هو الحق الذي لا مرية فيه.
وحاصله أن الجمعة فرض عين على الرجال الأحرار البالغين الذين لا عذر لهم، لوضوح أدلته المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة:
(اعلم): أن جملة ما للعلماء من الأقوال في هذه المسألة -على ما ذكره في "الفتح"- خمسة عشر قولًا:
(١) تصحّ من الواحد. نقله ابن حزم، وحكاه الدارمي عن القاشاني، وحكي عن الحسن بن صالح.
(٢) اثنان كالجماعة، وهو قوله النخعيّ، وأهل الظاهر.
(٣) اثنان مع الإمام، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحُكي عن الأوزاعي، وأبي ثور.
(٤) ثلاثة معه، وهو قول أبي حنيفة، وروي عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضاً، واختاره المزني، والسيوطي، وحكاه عن الثوري، والليث.
(٥) سبعة، وحكي عن عكرمة.
(٦) تسعة. وحكي عن ربيعة.
(٧) اثنا عشر. وحكي عن ربيعة في رواية، ونقل عن الزهري، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن.
(٨) مثله غير الإِمام. نقل عن إسحاق.
(٩) عشرون. وهو رواية ابن حبيب عن مالك.
(١٠) ثلاثون، في روايته أيضاً عن مالك.
(١١) أربعون، وهو قول الشافعي، وطائفة.
(١٢) أربعون غير الإِمام، روي عن الشافعي أيضًا، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة.
(١٣) خمسون. روي عن أحمد، وفي رواية عن عمر بن عبد العزيز.
(١٤) ثمانون. حكاه المازريّ.
(١٥) جمع كثير بغير قيد، حكى عن مالك. قال الحافظ: ولعلّ هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل انتهى.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ بعد ذكر هذه الأقوال: إنه لا مستند لاشتراط ثمانين، أو ثلاثين، أو عشرين، أو تسعة، أو سبعة، كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد.
وأما من قال: إنها تصحّ باثنين، فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث، والإجماع، ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص، وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين، ولا فرق بينها وبين الجماعة، ولم يأت نصّ من رسول الله ﷺ بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا، وهذا القول هو الراجح عندي.
وقال في موضع آخر: وقد انعقدت سائر الصلوات باثنين بالإجماع، والجمعه صلاة، فلا تختص بحكم يُخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها. وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث. وكذلك قال السيوطيّ: لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص انتهى كلام
стр. 9335
الشوكاني رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ حسن جدًّا.
وحاصله أن الجمعة تنعقد باثنين، فما فوق، لحديث طارق بن شهاب ﵁ مرفوعًا: "الجمعة حق واجب على كلّ مسلم في جماعة … " الحديث، وقد تقدم أنه حديث صحيح، وقد أجمعوا على أن أقل الجماعة في سائر الصلوات اثنان، فوجب كون أقل عدد الجماعة في الجمعة اثنين أيضًا، إذ لا فرق بينها وبين غيرها من الصلوات في هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الأماكن التي تجب الجمعة على أهلها:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الأمصار والقرى التي يجب على أهلها الجمعة:
فقال طائفة: كل قرية فيها جماعة أن يصلّوا الجمعة، روينا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن أول جمعة جمّعت بعد جمعة بالمدينة، لَجُمعة جمّعت بجُوَاثَى من البحرين".
وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمّعون، ولا يعيب ذلك عليهم.
وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل المياه بين مكة والمدينة أن يُجمّعوا.
وقال طائفة: كلّ قرية عليهم أمير يُجمّع فبها، وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أيما قرية فيها أمير، يقضي، ويقيم الحدود، فإنه يُجمّع فيها. وقال الأوزاعي: كل مدينة، أو قرية عليها أمير، أُمرُوا بالجمعة، فليجمّع بهم أميرهم. وقال الليث بن سعد: كل مدينة، أو قرية فيها جماعة، وعليهم أمير أُمروا بالجمعة، فليُجمّع بهم.
وقالت طائفة: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، يُروى هذا القول عن علي ﵁.
وبه قال النخعي، وكان الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، يقولان: لا جمعة إلا في مصر، أو قال: في الأمصار.
وقال الحسن: إن عمر مصّر سبعة أمصار، أو قال: مصّر الأمصار سبعة: المدينة، والبحربن، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام، ومصر.
وقال النعمان، وابن الحسن: لا تجب الجمعة، إلا على أهل الأمصار، والمدائن، وحكي عن يعقوب أنه قال: تفسير المصر الجامع والمدينة: كلّ مصر، ومدينة فيها منبر (١) وقاض يُنفّذ الأحكام، ويجوز حكمه، ويقيم الحدود، قال: فهذا مصر جامع،
стр. 9336
فيه الجمعة.
وقالت طائفة: كل قرية فيها أربعون رجلاً، والقرية: البناء بالحجارة، واللبن، والجريد، والشجر، وتكون بيوتها مجتمعة، ويكون أهلها لا يظعنون شتاءً، ولا صيفاً، إلا ظعن حاجة، فإذا كانوا أربعين رجلاً أحرارا بالغين رأيت -والله أعلم- أن عليهم الجمعةَ، فإذا صلّوا الجمعة أجزأت.
هذا قوله الشافعي، ومال إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق، ولم يشترطا الشروط التي اشترطها الشافعي.
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز قولًا ثالثًا، أنه قال: أيما قرية فيها أربعون، فصاعدًا، عليهم إمام يقضي بينهم، فليخطب، وليصلّ ركعتين، ففي هذه الرواية عن عمر أنه ذكر إمامًا يقضي بينهم، ولم يشترط ذلك الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واشترط الشافعيّ شروطًا لم يذكرها عمر بن عبد العزيز، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول خامس: وهي الرواية الرابعة عن عمر بن عبد العزيز، كتب عمر أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلًا، فليؤمّهم رجل منهم، وليخطب عليهم، وليصلّ يهم الجمعة.
وفيه قول سادس: وهو إذا لم يحضر الإمامَ إلا ثلاثة صلى الإمام الجمعة. قال الوليد. سألت الأوزاعيّ عن إمام الجمعة لم يحضره جماعة؟ قال: فليُجمّع بهم، قلّوا أو كثروا، قيل له: وإن لم يكن إلا ثالث ثلاثة؟ قال: نعم. وحكى غير الوليد عن الأوزاعيّ أنه قال: إذا كانوا ثلاثة. فليُجمّعوا، إذا كان فيهم أميرهم.
وكان أبو ثور يقول: الجمعة كسائر الصلوات، إلا أن فيها خطبة، وقصرًا من الأربع، فمتى كان إمام، وخطب بهم صلى الجمعة.
واحتجّ بحديث أبي هريرة ﵁، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب، يسأله عن الجمعة بالبحرين، فكتب إليه أن جمعوا حيثما كنتم.
وقد روينا عن مكحول أنه قال: إذا كانت القرية فيها الجماعة صلّوا الجمعة ركعتين.
وسئل مالك عن القرية التي تكون فيها جماعة المسلمين؟ قال مالك: إنا نقول: إذا كان فيها مسجد، يقيمون الصلاة يجمّعون فيه، وأسواقها قائمة، وبيوتها متصلة، ليس كبيوت أهل البادية، فأرى أن يجمّعوا، وقال مالك في القرية التي اتصل دُورها: فأرى أن يجمّعوا الجمعة، كان عليهم وال، أو لم يكن.
قال ابن المنذر: ورأيت في حكاية الميموني، عن أحمد أنه قال: كان عكرمة يقول: إذا كانوا سبعة جمّعوا، قال: ورأيته كأنه يعجبه.
стр. 9337
وحكاية أحمد قولَ عكرمة قولٌ سابع.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أوجب الله تعالى على الخلق اتباع كتابه، وسنن نبيه ﷺ ، قال الله جلّ ذكره: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقال الله جلّ ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] فاتباع ظاهر كتاب الله يجب، ولا يجوز أن يُستثنى من ظاهر الكتاب جماعة، دون عدد جماعة بغير حُجّة، ولو كان لله في عدد دون عدد مراد لبيّن ذلك في كتابه، أو على لسان نبيه ﷺ ، فلما عمّ، ولما يخصّ كانت الجمعة على كلّ جماعة في دار إقامة على ظاهر الكتاب، وليس لأحد مع عموم الكتاب أن يُخرج قومًا من جملته بغير حجة يُفزَعُ إليها، وهذا يلزم مَن مذهبُهُ القول بعموم الكتاب، وأن لا يُحال ظاهر منه إلى باطن، ولا عامّ إلى خاصّ، إلا بكتاب، أو سنة، أو اتفاق.
وقد اختلفت الروايات عن عمر بن عبد العزيز، وقد ذكرناها، ولو لم تختلف الروايات عنه ما وجب الاستثناء من ظاهر الكتاب بقوله.
وليس لاحتجاج من احتجّ بقصة أسعد (١) في أن لا تجزىء جمعة بأقلّ من أربعين حجةٌ، إذ ليس في شيء من الأخبار أن النبي ﷺ أمرهم إذا كان عددهم كذا أن يُصلّوا، وإن نقصوا من ذلك العدد لم يُصلّوا، إنما كتب أن يصلى بمن معه، ولو ورد كتاب النبي ﷺ ، وعددهم أقلّ من أربعين، فترك أن يصلي بهم لكان تاركًا لما أمره به.
ودفع بعض أهل العلم قول من زعم أن الجمعة إنما تُصَلّى في مصر، أو مدينة يكون فيها قاض ينَفِّذ الأحكام، ويقيم الحدود بأن بعض أصحابه قد صلى بالمدينة الجمعة، وليس فيها منبر، ولا قاض، ولا كانت الحدود تُقام بها في ذلك الوقت.
وقد صلى رسول الله ﷺ أول ما قدم المدينة، وليس فيها منبر، وليس المنبر، والقاضي، والحدود من أمر الصلاة بسبيل.
وقال أحمد بن حنبل في قول علي ﵁: "لا جمعة، ولا تشريق، إلا في مصر جامع": الأعمش لم يسمعه من سعد انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى مختصراً (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الإِمام ابن المنذر من وجوب الجمعة على كل جماعة في مكان، سواء كان مدينة، أو قرية بدون عدد معين، هو
стр. 9338
المذهب الراجح لوضوح أدلته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم فيمن يجب عليه شهود الجمعة:
ذهبت طائفة إلى أنه محب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله. روي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، وعطاء، ونافع، وعكرمة، والحكم، والأوزاعي. واحتجوا بحديث "الجمعةُ على من آواه الليل إلى أهله". وهو حديث ضعيف، فيه مُعارك بن عباد ضعيف، وعبد الله بن سعيد المقبري، متروك، فلا يصح الاحتجاج به، كما قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى.
وذهبت طائفة إلى أنها تجب على من سمع النداء، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، حكاه عنهم الترمذيّ، وحكي عن عبد الله بن عمرو، ومالك. واحتجوا بحديث: "الجمعةُ على من سمع النداء". رواه أبو داود، وهو حديث ضعيف، فيه عنعنة الوليد بن مسلم، وهو مدلس، قاله العراقي.
وروي عن مالك أنها تلزم من سمع النداء بصوت الصيّت من سور البلد. وعن عطاء تلزم مَن على عشرة أميال، وقال الزهري. مَن على ستة أميال، وقال ربيعة: مَن على أربعة أميال، وروي عن مالك ثلاثة، وروي عن الشافعي فرسخ، وكذا روي عن أحمد (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي القول بوجوبها على من سمع النداء، أو كان في قوّة من يسمع، لكونه داخل المدينة، لعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ولحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم وغيره، قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله ليس في قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ "، قال: نعم، قال: "فأجب". ورَوَى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن ابن أم مكتوم، قال الحافظ العراقي ﵀: فإذا كان هذا في مطلق الجماعة، فالقول به في خصوصية الجمعة أولى انتهى (٢).
وأما من لا يسمع النداء لبعد مكانه، أو لكونه خارج المدينة، فلا يجب عليه إتيانها، لعدم السماع، بل يجب عليهم إقامتها في محلهم، لكونهم من أهل وجوب الجمعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٦٨ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ
стр. 9339
الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا، فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ لَنَا تَبَعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (واصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفي، ثقة [١٠] تقدم ٣٩/ ٨٣١.
٢ - (ابن فُضَيل) محمد، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق رمي بالتشيع [٩] تقدم ١٨/ ٧٩٩.
٣ - (أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق الكوفي، ثقة [٤] تقدم ١١٠/ ١٤٩.
٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة [٣] تقدم ١٧٣/ ٢٧٠.
٥ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه المذكور في السند الماضي.
٦ - (ربعي بن حراش (١)) أبو مريم العَبْسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم [٢] تقدم ٨/ ٥٠٨.
٧ - (حُذيفة) بن اليمان الصحابي المشهور ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢/ ٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي حَازمٍ) سلمان الأشجعي (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (وَعَنْ ربْعِيِّ ابْنِ حرَاشِ) عطف على "أبي حازم"، فأبو مالك الأشجعي له طريقان لهذا الحديث:
إحداهما: عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
والثانية: عن ربعي بن حراش، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه.
(عَنْ حُذَيْفَةَ) رضي الله تعالى عنه (قَالَا) أي أبو هريرة، وحذيفة رضي الله تعالى
стр. 9340
عنهما (قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَضَلَّ اللهُ أي خلق فيهم الضلال، وهو ضدّ الهداية، وفيه نسبة الإضلال إلى الله تعالى، فالهداية والضلال من الله ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، كما نطق به الكتاب في غير ما آية: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ولبعضهم:
أَضَلُّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى … مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
(عَن الْجُمُعَة) أي عن تعظيمها، وعبادة الله تعالى فيها (مَنْ كَانَ قَبْلَنَا) المراد اليهود، والنصارى، بدليل قوله (فَكَانَ لِلْيَهُود يَوْمُ السَّبْت) أي بدلاً عن الجمعة، وقد تقدّم الكلام على اختيارهم السبت (وَكَانَ للنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَد) أي بدلًا من الجمعة أيضاً (فَجَاءَ اللَّهُ بنَا) أي خلقنا، وأوجدنا بعد هؤلاء (فَهَدَانَا لِيَوْم الْجُمُعَة) أي دلنا على تعظيمه، وعبادته فيه، ووفقنا لذلك (فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالأَحَدَ) هذا فيه دلالة أن أوّل الأسبوع الشرعيّ يومُ الجمعة، وقد تقدم ذلك في شرح الحديث السابق (وَكذَلِكَ هُمْ لنَا تَبَعٌ يَوْمَ الْقِيَامَة) أي كما أنهم تبع في هذه الأيام المذكورة، هم تبع لهذه الأمة يوم القيامة، بحيث يكونون بعدها في الحساب، والميزان، والقضاء، ودخول الجنة، وغير ذلك مما يقع في ذلك اليوم (وَنَحْنُ الآخرُونَ) بكسر الخاء المعجمة، أي المتأخرون وجودًا (من أَهْل الدُّنْيَا) الجار والمجرور حال من "المتأخرون"، أي حال كوننا من جملة أهل الدنيا (وَالأَوَّلُون يَومَ الْقِيَامَة) أي المتقدّمون على جميع الأمم في الفضل الذي في يكون هناك، وأهمه الإراحة من هول الموقف، كما بينه بقوله (الْمَقْضيُّ لهُمْ) صفة لـ"الأوّلون" (قبلَ الْخَلَاِئق) متعلق بـ"المقضي"، أي الذين يُقضَى لهم قبل الناس ليدخلوا الجنّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
هذا الحديث أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ١٣٦٨ - وفي "الكبرى" -١/ ١٦٥٢ - بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٣/ ٧ - (ق) ١٠٨٣. وفوائده تقدمت في الحديث الماضي. وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: كتب في هامش "النسخة الهندية": ما نصّه: وُجد في هامش الأصل: ما نصه:
стр. 9341
١٣٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ، جُمِعَتْ، بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، جُمُعَةٌ بِجُوَاثَا بِالْبَحْرَيْنِ، قَرْيَةٌ لِعَبْدِ الْقَيْسِ").
وهذا الحديث في "الكبرى" برقم -٣/ ١٦٥٥ - وترجم له بـ"باب بدء الجمعة".
فحيث لم أطمئن أنه من "المجتبى" لم أجعل له رقما مستقلاًّ، بل جعلت له وقم سابقه، وشرحته احتياطًا.
فرجاله: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الله بن عمار) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر، نزيل الْمَوْصل، ثقة حافظ [١٠]، تقدم ٢٠/ ١٢٢٠، من أفراد المصنف.
٢ - (الْمُعَافَى) بن عمران، أبو مسعود الموصلي، ثقة عابد فقيه، من كبار [٩] تقدم ٣٦/ ١٢٧١.
٣ - (إبراهيم بن طَهْمَان) الْخُرَاسانى، أبو الحسن سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغْرب، وتكلم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] تقدم ٧/ ٤٠٩.
٤ - (محمد بن زياد) الجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل [٣] تقدم ٨٩/ ١١٠.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ المذكور قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فمن أفراده، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، كذا قال المعافى بن عمران، فأخطأ فيه، فقد خالف الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان، كوكيع، وأبي عامر العقَدي، وغيرهما، فقالوا: "عن ابن عباس ﵄"، وهو الذي أخرجه البخاري، وغيره، قال الحافظ: وهو خطأ من المعافى، ومن ثَمّ تَكلّم محمد بن عبد الله بن عمّار في إبراهيم بن طهمان، ولا ذنب له فيه، كما قاله صالح جَزَرَة، وإنما الخطأ في إسناده من المعافَى.
ويحتمل أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان انتهى (١).
стр. 9342
قَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ، جُمِعَتْ) بالبناء للمفعول، أي اجتمع الناس لأدائها. زاد وكيع في روايته عن ابن طهمان: "في الإسلام"، أخرجه أبو داود (بَعْدَ جمُعَة مَعَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّةَ) هذا خطأ بلا شكّ، والصواب ما في رواية وكيع "بالمدينة" (جُمعَةٌ بجُوَاثَا) بضم الجيم، وتخفيف الواو، وقد تُهمز، ثم مثلّثة خفيفة (بالْبَحْرَيْن) الجارّ والمجرور بدل مما قبله، أو متعلق بحال محذوف من "جواثى". وفي رواية البخاري: "من البحرين" وفي رواية وكيع. "قرية من قُرَى البحرين" (قَرْية لعَبدِ القَيْس) يحتمل الجرّ بدلاً من "البحرين"، ويحتمل أن يكون بالرفع خبرًا لمحذوف، أي هي قرية لعبد القيس، و "عبد القيس" اسم قبيلة.
وفيه إشعار بتقدم إسلام عبد القيس على غيرهم، من أهل القُرى.
وقد استدل البخاريّ بهذا الحديث على مشروعية الجمعة في القرى والمدن، فقال: في "صحيحه": "باب الجمعة في القرى والمدن".
قال في "الفتح": ووجه الدلالة أن الظاهر أن عبد القيس لم يُجَمّعوا إلا بأمر النبي ﷺ ، لما عُرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلّ جابر، وأبو سعيد ﵄ على جواز العزل بأنهم فعلوه، والقرآن ينزل، فلم يُنهَوا عنه.
وحكى الجوهريّ، والزمخشريّ، وابن الأثير: أن جُوَاثى اسم حصن بالبحرين، وهذا لا يُنافي كونها قرية، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي، أنهما مدينة، وما ثبت في نفس الحديث من كونها قرية أصح، مع احتمال أن تكون في الأول قرية، ثم صارت مدينة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
هذا الحديث خطأ من رواية أبي هريرة ﵁، وإنما الصواب أنه من رواية ابن عباس ﵄، كما أخرجه البخاري، وغيره من روايته، والخطأ من المعافى بن عمران، وأيضاً قوله: "بمكة" منكر، فإن المعروف أنه بالمدينة، وقد تقدم الكلام عليه في المسألة الثالثة في "كتاب الجمعة". والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: أن هذا الحديث بهذا السياق من أفراد المصنف رحمه الله تعالى،
стр. 9343
وقد أخرجه (خ) ٢/ ٥ و٥/ ٢١٤ (د) ١٠٦٨ (ابن خزيمة) ١٧٢٥ - كلهم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - (بَابُ التَّشْدِيدِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الْجُمُعَةِ)
١٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يعقوبن إبراهيم) الدَّوْرقيّ البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى بن سعيد) القَطّان البصري الحجة المشهور [٩] تقدم ٢/ ٢.
٣ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثي المدني، صدوق له أوهام [٦] تقدم ١٦/ ١٧.
٤ - (عَبيدة بن سُفيان) -بفتح العين المهملة، وكسر الموحدة- (١) ابن الحارث بن الحضرمي، واسمه عبد الله بن عماد بن أكبر، الحضرمي المدني، ثقة [٣].
روى عن أبي هريرة، وأبي الجعد الضمري، وزيد بن خالد الْجُهني. وعنه ابنه عمرو، ويقال: عُمر، وبُسر بن سعيد، وإسماعيل بن أبي خالد، ومحمد بن عمرو بن علقمة.
قال العجليّ: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان شيخاً قليل الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى البخاريّ، له في مسلم حديث: "يحرم كل ذي ناب من السباع"، وله في هذا الكتاب، هذا الحديث، و (٤٣٢٤) حديث: "كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام".
стр. 9344
٥ - (أبو الْجَعْد الضمري) قيل: اسمه أدرع، وقيل: عمرو بن بكر، وقيل: جُنَادة. قال الترمذيّ: سألت محمدا عنه، فلم يعرف اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ سوى هذا الحديث -يعني حديث الباب- ولا يُعرف إلا من حديث محمد بن عمرو.
وروى عن سلمان الفارسيّ، وعنه عَييدة بن سفيان الحضرمى. وقال ابن سعد: بعثه النبي ﷺ يُجيّش قومه لغزوة الفتح، ولغزوة تبوك.
وقال الخزرجي في "الخلاصة": له أربعة أحاديث، وعند الأربعة حديث انتهى.
وفي "الإصابة": وقال ابن الّبَرْقيّ: قتل مع عائشة ﵂ في وقعة الجَمَل، وقال البغويّ: سكن المدينة، وكانت له دار في بني ضَمْرة، وعزاه لابن سعد، وزاد: أن النبي ﷺ بعثه يَحشُر قومه لغزوة الفتح، وبعثه أيضًا إلى قومه حين أراد الخروج إلى تبوك، يَستنفر قومه، فخرج إليهم إلى الساحل، فنفروا معه إلى النبي ﷺ انتهى (١). أخرج له الأربعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير أبي الجعد، فإنه من رجال الأربعة، وأن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له إلا أربعة أحاديث، منها عند أصحاب السنن هذا الحديث فقط، كما تقدّم عن "الخلاصة". والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي الجَعْد الضَّمْريِّ -وَكَانَتْ لهُ صُحْبَةٌ-) زاد الترمذي: "فيما زعم محمد بن عمرو"، يعني أن محمد بن عمرو قال: إن أبا الجعد كانت له صحبة (عَن النَّبِيِّ ﷺ ) وللترمذي: "قال: قال رسول الله ﷺ " (قَالَ: "مَنْ تَرَكَ) أي ممن تجب عليه (ثَلَاثَ جُمع) بضم، ففتح، جمع جُمعة. ولفظ ابن خُزيمة في "صحيحه" -١٨٥٧ - من طريق سفيان الثوري، عن محمد بن عمرو "من ترك الجمعة ثلاثًا، من غير عُذر -قال في خبر ابن إدريس- طُبع على قلبه"، وفي خبر وكيع "فهو منافق".
قال الباجي ﵀: وأما اعتبار العدد في الحديث، فانتظار للفَيْئة، وإمهال منه تعالى عبده للتوبة.
وقال الشوكاني ﵀: يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقاً، سواء توالت الجمعات، أو تفرّقت، حتى لو ترك في كلّ سنة جمعة لَطَبَع الله على قلبه بعد الثالثة،
стр. 9345
وهو ظاهر الحديث.
ويحتمل أن يراد ثلاث جُمَع متوالية، كما في حديث أنس عند الديلميّ في "مسند الفردوس"، مرفوعًا: "من ترك ثلاث جُمع متواليات من غير عُذر، طبع الله على قلبه". لأن موالاة الذنب، ومتابعته مُشعرة بقلّة المبالاة به.
ولأبي يعلى الموصلي عن ابن عباس ﵄: "من ترك ثلاث جمع متواليات، فقد نَبَذَ الإسلامَ وراء ظهره". هكذا ذكره موقوفاً، وله حكم الرفع، لأن مثله لا يُقال من قبل الرأي، كما قال العراقي.
وعن عبد الله بن أبي أوفى-﵁ عند الطبراني في "الكبير"، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع النداء يوم الجمعة، ولم يأتها، ثم سمع النداء، ولم يأتها، ثلاثًا طُبع على قلبه، فجُعل قلبَ منافق". قال العراقي: إسناده جيّد انتهى (١).
(تهَاوُنًا بَها) منصوب على أنه مفعول لأجله، أي لأجل تهاونه بحق الجمعة، ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال؛ لأن وقوع المصدر المنكّر حالاً كثيرٌ في الاستعمال، كما قال ابن مالك:
وَمَصْدَرٌ مُنَكّرُ حَالًا يَقَعْ … بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ
أي حال كونه متهاونا بها.
قال الحافظ العراقي ﵀: المراد بالتهاون التكاسل، عن غير عذر. فعلى هذا يكون مفعولًا مطلقًا مبينًا للنوع.
وفي "اللمعات": الظاهر أن المراد بالتهاون التكاسل، وعدم الجدّ في أدائها، وقلة الاهتمام بها، لا الإهانة والاستخفاف، فإن الاستخفاف بفرائض الله كفر.
وفيه أن الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونًا، فينبغي أن تحمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون، وكذلك تحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر انتهى (٢).
(طَبَعَ الله عَلَى قَلْبِه) أي ختم عليه، وغشّاه، ومنعه الألطاف، أو صيّر قبله قلبَ منافق.
وفي "اللسان": قال أبو إسحاق النحوي: معنى طَبَعَ في اللغة، وخَتَم واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق من أن يصحله شيء، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
стр. 9346
أَقْفَالُهَا﴾، وقال : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ معناه غَطَّى على قلوبهم، وكذلك ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
قال ابن الأثير: كانوا يَرون أن الطبع هو الرَّيْنُ، قال مجاهد: الرَّيْن أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ من ذلك كله.
هذا تفسير الطبْع بإسكان الباء، وأما طَبَعُ القلب بتحريك الباء، فهو تلطيخه بالأدناس، وأصل الطبع: الصدَأُ يكثُرُ على السيفُ وغيره.
وقال أيضًا: الطبع بالسكون: الختم، وبالتحريك: الدَّنَس، وأصله من الوَسَخ والدَّنَس يغشَيَان السيف، ثم استعير فيما يُشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي الجعد الضَّمْريّ ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: قال في "التلخيص الحبير": اختلف في حديث أبي الجعد على أبي سلمة، فقيل: عنه هكذا، وهو الصحيح، وقيل: عن أبي هريرة، وهو وَهَم، قاله الدارقطني في "العلل"، وهو في "الأوسط" من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة، وقال: تفرد به حسان بن إبراهيم عن أبي معشر.
ورواه أحمد، والحاكم من حديث أبي قتادة، وإسناده حسن، إلا أنه اختُلف فيه على أَسيد بن أبي أَسيد راويه عن عبد الله بن أبي قتادة، فقيل: عنه، عن عبد الله، عن أبيه، وقيل: عنه، عن عبد الله، عن جابر، وصحح الدارقطني طريق جابر، وعكس ابن عبد البرّ. وأبو نُعيم في "المعرفة" من حديث أبي عبس بن جبر، والطبراني من حديث أسامة، وفيه جابر الجُعْفي، ومن حديث ابن أبي أوفى. ورواه أبو بكر بن علي المروزيّ في "كتاب الجمعة" له من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُراوة، عن عمه، عن النبي ﷺ ، قال: "من ترك الجمعة ثلاثًا طَبَع الله على قلبه، وجعل قلبَهُ قلبَ منافق". وأخرجه أبو يعلى أيضًا، ورواته ثقات، وصححه ابن المنذر.
وفي "الموطإ" عن صفوان بن سُليم، قال مالك: لا أدري عن النبي ﷺ ، أم لا؟ قال: "من ترك ثلاث مرار من غير عذر، ولا علّة، طبع الله على قلبه"، واستشهد له
стр. 9347
الحاكم بما رواه من حديث أبي هريرة بلفظ: "ألا هل عسى أن يتخذ أحدكم الصبّة (١) من الغنم على رأس ميل، أو ميلين، فيرتفع، حتى تجيء الجمعة، فلا يشهدها، ثم يُطبع على قلبه". وفي إسناده معديّ بن سليمان، وفيه مقال. وعند أحمد، والطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه. وعند الطبراني في"الأوسط" من حديث ابن عمر نحوه أيضًا. ورواه أبو يعلى عن ابن عباس: "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات، فقد نبذ الإِسلام وراء ظهره"، ورجاله ثقات.
وفي الباب حديث سعيد بن المسيب، عن جابر مرفوعًا: "إن الله افترض عليكم الجمعة في شهركم هذا، فمن تركها استخفافًا بها، وتهاونًا، ألا فلا جَمَعَ الله شمله، ألا لا بارك الله له، ألا ولا صلاة له". أخرجه ابن ماجه، وفيه عبد الله البَلَويّ، وهو واهي الحديث، وأخرجه البزار من وجه آخر، وفيه علي بن زيد بن جُدْعان، قال الدارقطني: إن الطريقين كلاهما غير ثابت، وقال ابن عبد البرّ: هذا الحديث واهي الإسناد انتهى ما في "التلخيص الحبير" (٢).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ١٣٦٩ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٦٥٦ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١٠٥٢ (ت) ٥٠٠ (ق) ١١٢٥ (أحمد) ٣/ ٤٢٤ (الدارمي) ١٥٧٩ (ابن خزيمة) ١٨٥٧ و١٨٥٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في التخلف عن الجمعة.
ومنها: أنه يفيد وجوب الجمعة؛ لأن الوعيد المذكور لا يكون إلا على ترك واجب.
ومنها: أن التهاون، والتكاسل عن أداء ما أوجب الله تعالى من الطاعة سبب للطبع على القلب، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، أعاذنا الله تعالى بمنه وكرمه من الخذلان، وجنّبنا أسباب السخط والحرمان، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وإنه بعباده رَءُوفٌ رحيم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: وقع في هامش "النسخة الهندية" هنا: ما نصه: وُجد بهامش الأصل: ما نصُّهُ:
١٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ
стр. 9348
اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في "الكبرى" برقم -٤/ ١٦٥٧ - فحيث لم أطمئنّ من كونه من أحاديث "المجتبى" لم أجعل له رقما مستقلًّا، بل هو برقم ما قبله؛ لأنه إنما ذكر احتياطًا.
فرجاله: ستة:
١ - (عمرو بن سواد) بتشديد الواو المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه فاضل [٧] تقدم ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (أَسِيد بن أبي أسيد) بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة -البرّاد، أبو سعيد المديني، واسم أبيه: يزيد [٥].
روى عن أبيه، وأمه، ونافع مولى أبي قتادة، وعبد الله بن أبي قتادة، وغيرهم. وعنه ابن أبي ذئب، وابن جُريج، والدّراوردي، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الدارقطني: يُعتَبَر به. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة.
٥ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة [٢] تقدم ٢٣/ ٢٤.
٦ - (جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الدارقطني: إنه أصحّ من حديث أبي الجعد.
وشرحه تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ بْنِ لَاحِقٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ -وَهُوَ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (محمد بن معمر) الحضرميّ البصريّ، صدوق، من صغار [١١].
روى عن حَبّان بن هلال، وعنه أبو داود،، النسائي، وقال: صالح. وقال في
стр. 9349
"مشيخته": صدوق كتبت عنه شيئًا يسيرًا، تفرد به أبو داود، والمصنف. وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث
٢ - (حَبّان) بن هلال، أبو حَبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم ٤٤/ ٥٩٠.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "حبان" بكسر الحاء بضبط القلم، وهو خطأ، والصواب أنه بالفتح، وقلت في الفرق بين حَبّان بالفتح، وحِبّان بالكسر بيتين (١) من [الرجز]:
حَبَّانُ بِالْفَتْحِ ابْنُ مُنْقِذٍ وَمَنْ … وَلَدَهُ وَابْنُ هِلَالٍ وَاكْسِرَنْ
ابْنَ عَطِيَّةٍ مَعَ ابْنِ مُوسَى … وَمَنْ رَمَى سَعْدًا فَنَالَ بُوسَا
٣ - (أبان) بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة له أفراد [٧] تقدم ٩/ ٧٨٧.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي. ثقة ثبت يُدَلِّسُ، ويرسل [٥] تقدم ٢٣/ ٢٤.
٥ - (الحَضْرَميّ بن لاحق) -بلفظ النسبة- التميمي السعديّ الأعرجي اليماميّ القاصّ، لا بأس به [٦].
روى عن ابن عباس، وابن عمر مرسلاً. وعن القاسم بن محمد، وأبي صالح السقان، وزيد بن سلّام، وغيرهم. وعنه سليمان التيميّ، وسنان بن ربيعة، وعكرمة بن عَمّار، ويحيى بن أبي كثير.
قال البخاري: وقال هشام الدستوائي: حضرميّ بن إسحاق، وهو وَهَم.
وقال عبد الله بن أحمد: سالت أبي عن الحضرميّ الذي حدّث عنه سليمان التيميّ؟ قال: كان قاصًّا، فزعم معتمر، قال: قد رأيته، قال: أحمد: لا أعلم يروي عنه غير سليمان التيميّ، قال عبد الله: وسألت يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، وليس هو بالحضرميّ بن لاحق. وقال أبو حاتم: حضرمي اليماميّ، وحضرمي بن لاحق هما عندي واحد. وقال عكرمة بن عَمّار: كان فقيهًا، وخرجت معه إلى مكة سنة مائة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفرق بين الحضرمي بن لاحق، وحضرمي الذي يروي سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو؟، ولا ابن من هو؟. وكذلك قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روى عنه التيميّ، مجهول. وكان قاصّا، وليس هو بالحضرمي بن لاحق.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما اثنان انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 9350
٦ - (زيد) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَشيّ، ثقة [٦].
روى عن جدّه، وعديّ بن أرطاة، وعبد الله بن فَرُّوخ، وعبد الله بن زيد بن الأزرق. وعنه أخوه معاوية، ويحيى بن أبي كثير، والحَضْرمي بن لاحق.
قال النسائي، وأبو زرعة الدمشقي، والدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال يحيى بن حَسّان، عن معاوية بن سلّام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كُتُب أخي زيد بن سلّام. وقال ابن معين: لم يلقه يحيى. وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحيى سمع من زيد؟ قال: ما أشبهه؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجلي: شاميّ لا بأس به. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٧ - (أبو سلّام) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال. النُّوبي، وقيل: إن الحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [٣].
روى عن ثَوْبان، وعَمْرو بن عَبَسَة، وأبي مالك الأشعريّ، والحَكَم بن ميناء، وغيرهم. وعنه حفيداه زيد، ومعاوية ابنا سلام، ومكحول الشامي، والأوزاعي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وقال أبو مُسهر. قلت لمعاوية ابن سلام: ما اسم جدّك؟ قال: ممطور، قلت: فمَن المولى عليك؟ فغضب، يعني أنه عربي. وقال العجلي: شاميّ تابعي ثقة. وقال البَرْقانيّ: سمعت الدارقطنيّ يقول: زيد ابن سلّام بن أبي سلّام، عن جدّه ثقتان. وقال أبو نصر بن ماكولا: ليس هو من الحبشة، إنما هو منسوب إلى بطن من حمير، ذكره ابن معين، وأبو عُبيد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن معين، وابن المديني: لم يسمع من ثوبان. وقال أحمد. ما أراه سمع منه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول. رَوَى ممطور عن ثوبان، وعَمْرو بن عَبَسَة، والنعمان، وأبي أمامة مرسل، فسألت أبي: هل سمع من ثوبان؟ فقال: لا أدري. وقال الدارقطني: بينه وبين أبي مالك الأشعري عبدُ الرحمن بن غَنْم. وقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني مروان، قال: قلت لمعاوية: سمع جدّك من كعب؟ قال: لا أدري. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث فقط.
[تنبيه]: وقع في "النسخة الهندية" "عن ابن أبي سلّام" وهو غلط فاحشٌ، والصواب ما في النسخ المطبوعة "عن أبي سلام" بحذف "ابن"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٨ - (الحكم بن ميناء) -بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدٌّ- الأنصاريّ