أَقْفَالُهَا﴾، وقال : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ معناه غَطَّى على قلوبهم، وكذلك ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
قال ابن الأثير: كانوا يَرون أن الطبع هو الرَّيْنُ، قال مجاهد: الرَّيْن أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ من ذلك كله.
هذا تفسير الطبْع بإسكان الباء، وأما طَبَعُ القلب بتحريك الباء، فهو تلطيخه بالأدناس، وأصل الطبع: الصدَأُ يكثُرُ على السيفُ وغيره.
وقال أيضًا: الطبع بالسكون: الختم، وبالتحريك: الدَّنَس، وأصله من الوَسَخ والدَّنَس يغشَيَان السيف، ثم استعير فيما يُشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي الجعد الضَّمْريّ ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: قال في "التلخيص الحبير": اختلف في حديث أبي الجعد على أبي سلمة، فقيل: عنه هكذا، وهو الصحيح، وقيل: عن أبي هريرة، وهو وَهَم، قاله الدارقطني في "العلل"، وهو في "الأوسط" من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة، وقال: تفرد به حسان بن إبراهيم عن أبي معشر.
ورواه أحمد، والحاكم من حديث أبي قتادة، وإسناده حسن، إلا أنه اختُلف فيه على أَسيد بن أبي أَسيد راويه عن عبد الله بن أبي قتادة، فقيل: عنه، عن عبد الله، عن أبيه، وقيل: عنه، عن عبد الله، عن جابر، وصحح الدارقطني طريق جابر، وعكس ابن عبد البرّ. وأبو نُعيم في "المعرفة" من حديث أبي عبس بن جبر، والطبراني من حديث أسامة، وفيه جابر الجُعْفي، ومن حديث ابن أبي أوفى. ورواه أبو بكر بن علي المروزيّ في "كتاب الجمعة" له من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُراوة، عن عمه، عن النبي ﷺ ، قال: "من ترك الجمعة ثلاثًا طَبَع الله على قلبه، وجعل قلبَهُ قلبَ منافق". وأخرجه أبو يعلى أيضًا، ورواته ثقات، وصححه ابن المنذر.
وفي "الموطإ" عن صفوان بن سُليم، قال مالك: لا أدري عن النبي ﷺ ، أم لا؟ قال: "من ترك ثلاث مرار من غير عذر، ولا علّة، طبع الله على قلبه"، واستشهد له
стр. 9347
الحاكم بما رواه من حديث أبي هريرة بلفظ: "ألا هل عسى أن يتخذ أحدكم الصبّة (١) من الغنم على رأس ميل، أو ميلين، فيرتفع، حتى تجيء الجمعة، فلا يشهدها، ثم يُطبع على قلبه". وفي إسناده معديّ بن سليمان، وفيه مقال. وعند أحمد، والطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه. وعند الطبراني في"الأوسط" من حديث ابن عمر نحوه أيضًا. ورواه أبو يعلى عن ابن عباس: "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات، فقد نبذ الإِسلام وراء ظهره"، ورجاله ثقات.
وفي الباب حديث سعيد بن المسيب، عن جابر مرفوعًا: "إن الله افترض عليكم الجمعة في شهركم هذا، فمن تركها استخفافًا بها، وتهاونًا، ألا فلا جَمَعَ الله شمله، ألا لا بارك الله له، ألا ولا صلاة له". أخرجه ابن ماجه، وفيه عبد الله البَلَويّ، وهو واهي الحديث، وأخرجه البزار من وجه آخر، وفيه علي بن زيد بن جُدْعان، قال الدارقطني: إن الطريقين كلاهما غير ثابت، وقال ابن عبد البرّ: هذا الحديث واهي الإسناد انتهى ما في "التلخيص الحبير" (٢).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ١٣٦٩ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٦٥٦ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١٠٥٢ (ت) ٥٠٠ (ق) ١١٢٥ (أحمد) ٣/ ٤٢٤ (الدارمي) ١٥٧٩ (ابن خزيمة) ١٨٥٧ و١٨٥٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في التخلف عن الجمعة.
ومنها: أنه يفيد وجوب الجمعة؛ لأن الوعيد المذكور لا يكون إلا على ترك واجب.
ومنها: أن التهاون، والتكاسل عن أداء ما أوجب الله تعالى من الطاعة سبب للطبع على القلب، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، أعاذنا الله تعالى بمنه وكرمه من الخذلان، وجنّبنا أسباب السخط والحرمان، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وإنه بعباده رَءُوفٌ رحيم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[تنبيه]: وقع في هامش "النسخة الهندية" هنا: ما نصه: وُجد بهامش الأصل: ما نصُّهُ:
١٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ
стр. 9348
اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث في "الكبرى" برقم -٤/ ١٦٥٧ - فحيث لم أطمئنّ من كونه من أحاديث "المجتبى" لم أجعل له رقما مستقلًّا، بل هو برقم ما قبله؛ لأنه إنما ذكر احتياطًا.
فرجاله: ستة:
١ - (عمرو بن سواد) بتشديد الواو المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه فاضل [٧] تقدم ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (أَسِيد بن أبي أسيد) بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة -البرّاد، أبو سعيد المديني، واسم أبيه: يزيد [٥].
روى عن أبيه، وأمه، ونافع مولى أبي قتادة، وعبد الله بن أبي قتادة، وغيرهم. وعنه ابن أبي ذئب، وابن جُريج، والدّراوردي، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج حديثه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الدارقطني: يُعتَبَر به. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة.
٥ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة [٢] تقدم ٢٣/ ٢٤.
٦ - (جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الدارقطني: إنه أصحّ من حديث أبي الجعد.
وشرحه تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ بْنِ لَاحِقٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ -وَهُوَ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (محمد بن معمر) الحضرميّ البصريّ، صدوق، من صغار [١١].
روى عن حَبّان بن هلال، وعنه أبو داود،، النسائي، وقال: صالح. وقال في
стр. 9349
"مشيخته": صدوق كتبت عنه شيئًا يسيرًا، تفرد به أبو داود، والمصنف. وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث
٢ - (حَبّان) بن هلال، أبو حَبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] تقدم ٤٤/ ٥٩٠.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "حبان" بكسر الحاء بضبط القلم، وهو خطأ، والصواب أنه بالفتح، وقلت في الفرق بين حَبّان بالفتح، وحِبّان بالكسر بيتين (١) من [الرجز]:
حَبَّانُ بِالْفَتْحِ ابْنُ مُنْقِذٍ وَمَنْ … وَلَدَهُ وَابْنُ هِلَالٍ وَاكْسِرَنْ
ابْنَ عَطِيَّةٍ مَعَ ابْنِ مُوسَى … وَمَنْ رَمَى سَعْدًا فَنَالَ بُوسَا
٣ - (أبان) بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، ثقة له أفراد [٧] تقدم ٩/ ٧٨٧.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي. ثقة ثبت يُدَلِّسُ، ويرسل [٥] تقدم ٢٣/ ٢٤.
٥ - (الحَضْرَميّ بن لاحق) -بلفظ النسبة- التميمي السعديّ الأعرجي اليماميّ القاصّ، لا بأس به [٦].
روى عن ابن عباس، وابن عمر مرسلاً. وعن القاسم بن محمد، وأبي صالح السقان، وزيد بن سلّام، وغيرهم. وعنه سليمان التيميّ، وسنان بن ربيعة، وعكرمة بن عَمّار، ويحيى بن أبي كثير.
قال البخاري: وقال هشام الدستوائي: حضرميّ بن إسحاق، وهو وَهَم.
وقال عبد الله بن أحمد: سالت أبي عن الحضرميّ الذي حدّث عنه سليمان التيميّ؟ قال: كان قاصًّا، فزعم معتمر، قال: قد رأيته، قال: أحمد: لا أعلم يروي عنه غير سليمان التيميّ، قال عبد الله: وسألت يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، وليس هو بالحضرميّ بن لاحق. وقال أبو حاتم: حضرمي اليماميّ، وحضرمي بن لاحق هما عندي واحد. وقال عكرمة بن عَمّار: كان فقيهًا، وخرجت معه إلى مكة سنة مائة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفرق بين الحضرمي بن لاحق، وحضرمي الذي يروي سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو؟، ولا ابن من هو؟. وكذلك قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روى عنه التيميّ، مجهول. وكان قاصّا، وليس هو بالحضرمي بن لاحق.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما اثنان انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 9350
٦ - (زيد) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَشيّ، ثقة [٦].
روى عن جدّه، وعديّ بن أرطاة، وعبد الله بن فَرُّوخ، وعبد الله بن زيد بن الأزرق. وعنه أخوه معاوية، ويحيى بن أبي كثير، والحَضْرمي بن لاحق.
قال النسائي، وأبو زرعة الدمشقي، والدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال يحيى بن حَسّان، عن معاوية بن سلّام: أخذ مني يحيى بن أبي كثير كُتُب أخي زيد بن سلّام. وقال ابن معين: لم يلقه يحيى. وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحيى سمع من زيد؟ قال: ما أشبهه؟. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العجلي: شاميّ لا بأس به. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط.
٧ - (أبو سلّام) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال. النُّوبي، وقيل: إن الحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [٣].
روى عن ثَوْبان، وعَمْرو بن عَبَسَة، وأبي مالك الأشعريّ، والحَكَم بن ميناء، وغيرهم. وعنه حفيداه زيد، ومعاوية ابنا سلام، ومكحول الشامي، والأوزاعي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وقال أبو مُسهر. قلت لمعاوية ابن سلام: ما اسم جدّك؟ قال: ممطور، قلت: فمَن المولى عليك؟ فغضب، يعني أنه عربي. وقال العجلي: شاميّ تابعي ثقة. وقال البَرْقانيّ: سمعت الدارقطنيّ يقول: زيد ابن سلّام بن أبي سلّام، عن جدّه ثقتان. وقال أبو نصر بن ماكولا: ليس هو من الحبشة، إنما هو منسوب إلى بطن من حمير، ذكره ابن معين، وأبو عُبيد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن معين، وابن المديني: لم يسمع من ثوبان. وقال أحمد. ما أراه سمع منه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول. رَوَى ممطور عن ثوبان، وعَمْرو بن عَبَسَة، والنعمان، وأبي أمامة مرسل، فسألت أبي: هل سمع من ثوبان؟ فقال: لا أدري. وقال الدارقطني: بينه وبين أبي مالك الأشعري عبدُ الرحمن بن غَنْم. وقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني مروان، قال: قلت لمعاوية: سمع جدّك من كعب؟ قال: لا أدري. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث فقط.
[تنبيه]: وقع في "النسخة الهندية" "عن ابن أبي سلّام" وهو غلط فاحشٌ، والصواب ما في النسخ المطبوعة "عن أبي سلام" بحذف "ابن"، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٨ - (الحكم بن ميناء) -بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدٌّ- الأنصاريّ
стр. 9351
مولاهم المدني، صدوق [٢].
رأى بلالًا يمسح على الخفّين. ورَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عُمر، وابن عباس، وغيرهم. وعنه ابنه شُبَيث، وأبو سلّام الأسود، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: مدنيّ يُروَى عنه. وقال ابن سعد: شهد أبوه ميناء تبوك مع النبي ﷺ ، وعن أبي حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
أخرج له مسلم، وأبو داود في فضائل الأنصار، والمصنّف، وابن ماجه. له عندهم حديث الباب فقط، وهو مختلف في إسناده، كم سيأتي، إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" "الحكم بن أبي ميناء" بزيادة "أبي"، وهو غلط فاحشٌ، والصواب ما في "الهندية"، و"الكبرى" "الحكم بن ميناء" بحذفها. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٩ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٢٧/ ٣١.
١٠ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من تساعيات المصنف رحمه الله تعالى فهو من أنزل الأسانيد، كما تقدم بيان ذلك غير مرة. (ومنها): أن رجاله موثقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعي، والابن عن أبيه، ورواية الكبير عن الصغير، فإن يحيى من الطبقة الخامسة، والحضرمي بن لاحق من السادسة، وروايته عن زيد من رواية الأقران، وفيه ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم كل منهما من المكثرين السبعة، ومن العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن الْحَكَم بْن مينَاءَ) الأنصاريّ (أنَّهُ سَمعَ ابْنَ عَبَّاس، وابْنَ عُمَرَ) ﵃ (يُحَدَّثَان) جملة في محلّ نصب على الحال (أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ -وهو على أعواد منبره-) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "قال". والأعود جمع عُود بالضم: أي على درجات منبره، وقال الصنعاني ﵀: أي منبره الذي كان من عُود، لا على الذي كان من الطين، ولا على الجذع الذي كان يستند إليه انتهى.
وفائدة ذكره الدلالةُ على كمال التَّذَكُّرِ، والإشارةُ إلى اشتهار هذا الحديث.
(لَيَنْتَهيَنَّ أَقْوَامٌ) اللام موطئة للقسم المقدر، والنون المشددة للتوكيد، والجملة جواب القسم المقدر، أي والله لينتهينّ أقوام. وإنما أبهمهم كراهية كسر قلوب من
стр. 9352
يُعَيِّنهم لو عَيَّن أشخاصًا، لأن النصيحة، في الملإ فضيحة.
(عَنْ وَدْعهِمُ الْجُمُعَات) -بفتح الواو، وسكون الدال: مصدر وَدَعَ، أي عن تركهم إياها، والتخلف عنها من غير عذر، من وَدَعَ الشيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركه.
وقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضيه ومصدره، واسم فاعله، استغناء بتَرَكَ تَرْكًا، فهو تارك: محمول على أن الغالب عدم استعمال ذلك، استغناء بما هو أخفّ، لا أنهم لم يستعملوا ذلك أصلًا.
وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال التوربشتي ﵀: لا عبرة بما قال النحاة، فإن قول النبي ﷺ هو الحجة القاضية على كلّ ذي فصاحة انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثمّ فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعصت النحاة أن العرب أماتت ماضيَ "يَدَعُ"، ومصدرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بالتخفيف، وفي الحديث: "ليَنتَهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات"، أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القُرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فمما أنشدوا لاستعمال ماضيه -كما أورده ابن منظور رحمه الله تعالى- (٢) قوله الشاعر:
وَكانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ … أَكْثَرَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا
وقول الآخر:
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلي مَا الَّذِي … غَالَهُ حَتَّى وَدَعَهْ
وقول الآخر:
سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ … عَنْ وِصَالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ
وقول الآخر:
فَسَعَى مَسعَاتَهُ في قَوْمِهِ … ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ وَلَا عَجْزًا وَدَعْ
ومن استعمال اسم الفاعل له قوله:
فَأيُّهُمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي … حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنَا وَادِعُ
стр. 9353
وقول الآخر:
عَلَيْهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وَادِعُ الْعَصَا … يُسَاجِلُهَا حَمَّاتُهُ وَتُسَاجِلُهْ
فقول السيوطي في شرحه: الظاهر أن استعماله هنا من الرواة المولدين الذين لا يُحسنون العربية. غير صحيح، كيف يمكن أن يُغَلّط الرواة الثقات الذين يُعتمد على حفظهم، مع أن أهل اللغة قد أثبتوا استعمال العرب الماضي منه، وقرأ به من قدمنا ذكره من القرّاء، وكذا أثبتوا له اسم الفاعل، وثبت في هذا الحديث استعمال المصدر له؟، إن هذا لشيء غريب!!.
وغاية ما يقال في مثل هذا: إن استعمال الماضي، والمصدر، واسم الفاعل منه قليل، لا يكثر كثرة استعمال المضارع والأمر منه.
قال السندي ﵀ ردًّا على كلام السيوطي المذكور: ما نصه: لا يخفى على من تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء الناقص، دون التامّ عادة، وهي مع ذلك أكثريّات، لا كليّات، فلا يناسب تغليط الرواة. والله تعالى أعلم انتهى وهو تَعَقُّبٌ جيّد. والله تعالى أعلم.
(أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ) أي يطبع عليها، ويُغطّيها بالرَّيْن، كناية عن إعدام اللطف، وأسباب الخير، يعني ليمنعنهم لطفه وفضله. وقال القرطبي: الختم عبارة عما يخلقه الله تعالى في قلوبهم من الجهل والجفاء، والقسوة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب حمل الختم على ظاهره، وأنه يجعل على قلوبهم بسبب ذنوبهم شيئاً يمنع قلوبهم عن اتباع الحق، ووصول الخير إليه، لما أخرجه الترمذي في "جامعه" -٣٣٣٤ - ، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" -٤١٨ - وفي "السنن الكبرى" جـ ٦ ص ٥٠٩ - ، من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر وتاب صُقل قلبُهُ، وإن عاد زيد فيها، حتى تَعلُو قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكره الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ " [المطففين: ١٤]. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي. والله تعالى أعلم.
قيل: ومن خُتم على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير في بعض الأوقات، بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن أصلًا، فلهذا ترقّى، فقال (وَلَيَكُونُنَّ) بضم النون الأولى، من الكَوْن، ولفظ أحمد: "ثم ليُكتَبُنّ" من الكتابة (منَ الْغَافلينَ) أي من جملة من استولت
стр. 9354
عليهم الغفلة، ونَسُوا الله، فنسيهم.
وفي"الكبرى"، و"صحيح مسلم" "ثم ليكوننّ من الغافلين"، أي ثمّ يُترقىّ بهم في الشرّ إلى هذه المرتبة.
قال الطيبي ﵀: "ثمّ" لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة أدعى لشقائهم، وأنطق لخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم. وقيل: المراد: من الدائمين في الغفلة.
قال القاض ﵀: والمعنى: أن أحد الأمرين كائن لا مَحَالةَ، إما الانتهاء عن ترك الجمعات، أو ختم الله تعالى على قلوبهم، فإن اعتياد ترك الجمعة يُغَلِّب الرّينّ على القلب، ويُزهِّد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين، أي عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرّهم منها.
والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، ومن أدلّة أنها من فروض الأعيان (١).
وهذا كله فيمن تركها تهاونا وتكاسلًا من غير عذر، لما تقدم من الأدلة التي قيدته بعدم العذر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ١٣٧٠ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٦٥٨ - عن محمد بن معمر، عن حَبّان بن هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن زيد بن سلّام، عن جده أبي سلّام، عن الحكم بن ميناء، عنهما. وفي "الكبرى" -٤/ ١٦٥٩ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن سعيد بن الربيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام به.
ثم قال: قال علي: ثم كتب به إليّ عن ابن عمر، وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول -على أعواد منبره-: "لينتهينّ أقوام … " الحديث.
وأخرجه (م) من حديث ابن عمر، وأبي هريرة ﵃ ٣/ ١٠ - و (ق) (٧٩٤) (أحمد
стр. 9355
١/ ٢٣٩ و١/ ٢٥٤ (الدارمي) ١٥٧٨ (ابن خزيمة) ١٨٥٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو التشديد في التخلّف عن الجمعة. ومنها: أن ترك الجمعة تكاسلًا يكون سببا لختم القلوب، فلا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكرا، بل تكون من الغافلين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ومنها: أنه ينبغي للواعظ والمذكر أن يُبهم الأشخاص الذين يريد أن يعظهم، ويذكّرهم، ولا يسميهم بأسمائهم، لئلا تعود النصيحة عليهم فضيحة، فلا يقبلوها، فقد كان من هدي النبي ﷺ في مواعظه، وخطبه أن يقول: "ما بال أقوام"، "ما بال رجال"، ولا يسميهم بأسمائهم، وذلك أدعى لقبول النصح، وامتثال الأوامر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٧١ - (أَخْبَرَنِي (١) مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزي نزيل بغداد، ثقة [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧.
[تنبيه]: كون شيخ المصنف هو "محمودَ بنَ غيلان" في هذا الحديث هو الذي وقع في نصح "المجتبى"، والذي في "الكبرى" أنه "محمود بن خالد"، وقال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" جـ ١١/ ص ٢٨٨ - : ما نصه: (س) فيه، -يعني أخرجه النسائي في كتاب الصلاة- (٢) عن محمود بن خالد -قال أبو القاسم- يعني ابن عساكر-: وفي كتابي "عن محمود بن غيلان"- عن الوليد بن مسلم، عن المفضل ابن فَضالة انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لعل المصنف رواه عنهما جميعا، فإنهما من شيوخه،
стр. 9356
وكلاهما يرويان عن الوليد بن مسلم.
ومحمود بن خالد، هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٦٥. والله تعالى أعلم.
٢ - (الوليد بن مسلم) أبو العبّاس الدمشقي، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤.
٣ - (الْمُفضّل بن فَضَالة) بن عُبيد بن ثُمامة القِتبانيّ، أبو معاوية القاضي المصريّ، ثقة فاضل عابد [٨] تقدم ٤٢/ ٥٨٦.
٤ - (عيّاش بن عبّاس) القتبانيّ الحميريّ، أبو عبد الرحيم، ويقال: أبو عبد الرحمن المصريّ، ثقة [٥]. (١).
رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وروى عن جُنادة بن أبي أميّة، والصحيح أن بينهما رجلًا، وشُيَيم بن بيتان، وبُكير بن الأشجّ، وسالم أبي النضر، وعيسى بن هلال، وغيرهم. وعنه ابناه عمر، وعبد الله، والمفضل بن فضالة، وابن لهيعة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو بكر البزّار: مشهور. وذكره ابن حبّان فى "الثقات". قال ابن يونس: يقال: توفي سنة (١٣٣).
روى له البخاري في "جزء القراءة"، والباقون. وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث.
٥ - (بُكير بن الأشجّ) هو ابن عبد الله بن الأشجّ، نُسب لجدّه، المخزومي مولاهم المدني، نزيل مصر، ثقة [٥] تقدم ١٣٥/ ٢١١.
٦ - (نافع) العدوي مولى أبن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢/ ١٢.
٧ - (ابن عمر) ﵁ تقدم في السند الماضي.
٨ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب زوج النبي ﷺ ، وشقيقة ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، تقدمت ٣٩/ ٥٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن فيه رواية صحابي عن صحابية هي أخته، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
стр. 9357
بعض: عياش عن بكير وعن نافع. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ) رضي الله تعالى عنها (زَوْج النَّبِيَّ ﷺ ) بالجر بدل من "حفصة"، أو عطف بيان، ويحتمل القطع إلى الرفع، والنصب (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رَوَاحُ الْجُمُعَة) بفتح الراء، وتحفيف الواو، كالذهاب وزنًا ومعنى. أي الذهاب إليها أي وقت كان، وقيل: يختصّ بما بعد الزوال، وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى، فقوله: "رواح" مبتدأ خبره قوله (وَاجبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلم) وفي نسخة "على كلّ مسلم".
و"المحتلم": اسم فاعل، من احتلم، يقال: حَلَمَ الصبيُّ من باب قَتَلَ، واحتلَمَ: أدرك، وبلغ مَبلَغَ الرجال، فهو حالم، ومُحتلم. قاله الفيومي (١).
ولفظ أبي داود: "على كلّ محتلم رَوَاحُ الجمعة، وعلى كلّ مَن راحَ إلى الجمعة الغسلُ".
وخصّ المحتلم بالذكر، لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، كقوله: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء.، قاله الزركشيّ رحمه الله تعالى.
وقال الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى: هذه اللفظة: "على كلّ محتلم رواح الجمعة" من اللفظ الذي نقول: إن الأمر إذا كان لعلة فالتمثيل، والتشبيه به جائز، متى كانت العلّة قائمة، فالأمر واجب، لأن النبي ﷺ إنما علَّم أن على المحتلم رواحَ الجمعة، لأن الاحتلام بلوغٌ، فمتى كان البلوغ، وإن لم يكن احتلامٌ، وكان البلوغ بغير احتلام، ففرض الجمعة واجب على كلّ بالغ، وإن كان بلوغه بغير احتلام، ولو كان على غير أصلنا، وكان على أصل من خالفنا في التشبيه والتمثيل، وزعم أن الأمر لا يكون لعلة، ولا يكون إلا تعبّدًا، لكان من بلغ عشرين سنة، وثلاثين سنة، وهو حرّ عاقل، فسمع الأذان للجمعة في المصر، أو على باب المسجد لم يجب عليه رواح الجمعة، إن لم يكن احتلم، لأن النبي ﷺ أعلم أن رواح الجمعة على المحتلم، وقد يَعيش كثير من الناس السنين الكثيرة، فلا يحتلم أبدًا، وهذا كقوله : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]. ولو لم يجز الحكم بالتشبيه والنظير (٢) كان من بلغ ثلاثين سنة، ولم يحتلم لم يجب عليه
стр. 9358
الاستئذان، وهذا كخبر النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة"، قال في الخبر: "وعن الصبيّ حتى يحتلم"، ومن لم يحتلم، وبلغ من السنّ ما يكون إدراكًا من غير احتلام، فالقلم عنه غير مرفوع، إذ النبي ﷺ إنما أراد بقوله: "حتى يحتلم" أن الاحتلام بلوغ، فمتى كان البلوغ، وإن كان بغير احتلام، فالحكم عليه، والقلم جار عليه، كما يكون بعد الاحتلام انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى (١).
والحديث يدلّ على وجوب الذهاب إلى صلاة الجمعة على كلّ بالغ.
واستدلال المصنف به على الترجمة من حيث كونه نص على وجوب الرواح إلى الجمعة على كل محتلم، فمن تخلف عنها، فقد خالف الأمر، ودخل تحت الوعيد الذي بينه الله بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
لكن عموم الحديث مخصوص بغير المريض، والمسافر (٢) والمرأة، والمملوك، فإن صلاة الجمعة لا تحب عليهم، وإن كانوا بالغين؛ لما أخرجه أبو داود من حديث طارق بن شهاب ﵁،عن النبي ﷺ ، قال: "الجمعة حقٌ واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة، عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض". وهو حديث صحيح، كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حفصة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ١٣٧١ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٦٦٠ - بالإسناد المذكور
وأخرجه (د) (٣٤٢) ابن خزيمة ١٧٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9359
٣ - باب كَفَّارَةِ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف رحمه الله تعالى بحديث الباب على الترجمة فيه نظر لا يخفى؛ لأنه ضعيف، كما ستقف عليه، فلا يُستفاد منه ثُبُوت الكفارة لمن ترك الجمعة بغير عذر، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٧٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ وَبَرَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِنِصْفِ دِينَارٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (همام) بن يحيى بن دينار العَوْذي، البصري، ثقة ربّما وهم [٧] تقدم ٥/ ٤٦٥.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، من كبار [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (قدَامة بن وَبَرَة) -بموحّدة، وفتحات- العُجَيليّ (١) البصريّ، مجهول [٤].
روَى عن سمرة بن جُندب حديث الباب، وعنه قتادة. قال أبو حاتم، عن أحمد: لا يُعرف. وقال مسلم بن الحجاج: قيل لأحمد بن حنبل: يصحّ حديث سمرة، عن النبي ﷺ : "من ترك الجمعة عليه نصف دينار"؟، فقال: قُدَامة يرويه، لا نعرفه، رواه أيوب أبو العلاء، فلم يصل إسناده، كما وصل هَمَّام، قال: نصف درهم، أو درهم، خالفه في الحكم، وقصر من الإسناد. وقال عثمان الدارمي، قلت ليحيى بن معين: قُدَامة بن وَبَرَة ما حاله؟، فقال: ثقة. وقال البخاري: لم يصحّ سماعه من سمرة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن خزيمة في "صحيحه": لا أقف على سماع قتادة من قُدامة، ولست أعرف قُدامة بن وَبَرَةَ بعدالة ولا جرح. وقال الذهبي: لا يعرف. روى له أبو داود، والنسائي.
٦ - (سمرة بن جُندب) بن هلال الفزاري، حليف الأنصار الصحابي المشهور، مات
стр. 9360
رضي الله تعالى عنه بالبصرة سنة (٥٨) وتقدم ٢٥/ ٣٩٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: شرح الحديث واضح، وهو حديث ضعيف؛ لجهالة قُدامة بن وَبَرَة، وعدم صحة سماعه من سَمُرة، وعنعنعة قتادة، وهو مدلس، كما أشار إليه ابن خزيمة، ووقوع الاضطراب فيه، كما أشار إليه الإِمام أحمد.
والحديث أخرجه المصنف هنا -٣/ ١٣٧٢ - وفي "الكبرى" -٥/ ١٦٦١ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١٠٥٣ (أحمد) ٥/ ٨ (ابن خزيمة) ١٨٦١، وقال: إن صحّ الخبر، فإني لا أقف على سماع قتادة، عن قُدامة بن وبَرَة، ولست أعرف قُدامة بعدالة، ولا جرح انتهى.
وأخرجه في "الكبرى" -٥/ ١٦٦٢ - عن نصر بن عليّ، عن نوح بن قيس، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: "من ترك الجمعة متعمّدًا، فعليه دينار، فإن لم يجد، فنصف دينار"، وفي موضع آخر ليس فيه "متعمّدًا" انتهى.
وأخرجه (ق) ١١٢٨.
وهو ضعيف أيضًا، لأن فيه عنعنةَ قتادة، والحسن، وأيضًا قيل: الحسن لم يسمع من سمرة سوى حديث العقيقة. والله تعالى أعلم.
وقد أشار بعضهم إلى أن هذا الحديث من رواية الحسن، عن سمرة يوجد في هامش بعض نسخ "المجتبى". والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (بَابُ ذِكْرِ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
١٣٧٣ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا").
стр. 9361
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الإِمام الحجة المشهور [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (عبد الرحمن الأعرج) بن هُرمز المدني ثقة ثبت [٣] تقدم ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح، سوى شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهري، ويونس أيلي، والباقيان مروزيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال (قَالَ رسُولُ الله ﷺ : خَيْرُ يَوْم) مبتدأ، وخبره "يوم الجمعة".
وصيغة "خير" ومثله "شرّ" يستعملان للمفاضلة، ولغيرها، فإذا كانا للمفاضلة، فأصلهما: "أخير" و"أشرّ"، على وزن أفعل، كما قال في "الكافية":
وَغَالِبًا أَغْناهُمُ خَيْرٌ وَشَرُ … عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وأَشَرُّ
وأما إذا لم يكونا للمفاضلة فلا حذف فيهما، ووزنهما فَعْلٌ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]، وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
و"خير" في هذا الحديث للمفاضلة، ومعناه أن يوم الجمعة أفضل من كلّ يوم طلعت فيه الشمس (١).
(طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ"يوم"، جيء بها للتنصيص على التعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فإن الشيء إذا وُصف بصفة تعمّ جنسه يكون تنصيصًا على اعتبار استغراقه أفراد الجنس (٢).
стр. 9362
وظاهر قوله: "طلعت فيه الشمس" أن يوم الجمعة لا يكون أفضل من أيام الجنة.
ويمكن أن لا يُعتبر هذا القيد، ويكون يوم الجمعة أفضل أيام الجنة، كما أنه أفضل أيام الدنيا، لما ورد من أنّ أهل الجنة يزورون ربهم فيه.
ويجاب بأنا لا نعلم أنه يسمّى في الجنة يوم الجمعة، والذي ورد أنهم يزورون ربهم بعد مضيّ جمعة (١)، كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذيّ، وابن ماجه، قال: أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون … " الحديث (٢).
(يَوْمُ الْجُمُعَة) فيه أن أفضل الأيام يومُ الجمعة، فيكون أفضل من يوم عرفة، وبه جزم ابن العربي.
ويشكل على ذلك ما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" عن جابر ﵁، مرفوعًا: "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة … " الحديث.
وقد جمع الحافظ العراقي، فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعه، أي الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة بالنسبة إلى إيام السنة. وصرّح بأن حديث أفضلية الجمعة أصحّ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ويؤيد تفضيل الجمعة على الإطلاق ما أخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٣ /ص ٤٣٠ - وابن ماجه في "سننه" رقم -١٠٨٤ - بإسناد حسن -كما قال الحافظ العراقي- عن أبي لبابة البدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "سيّدُ الأيام يومُ الجمعة، وأعظمُها عند الله تعالى، وأعظمُ عند الله تعالى من يوم الفطر، ويوم الأضحى، وفيه خمسُ خلال: خلق الله فيه آدم ﵇، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوَفَّي اللهُ تعالى آدمَ، وفيه ساعةٌ، لا يَسأل العبدُ فيها ربّه شيئًا إلا آتاه الله تعالى إياه، ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مُقرَّب، ولا سماء، ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر، إلا هنّ يُشفقن من يوم الجمعة".
(فيه خُلق آدمُ ﵇ أي في آخر ساعة منه، كما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هُريرة ﵁، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه
стр. 9363
يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة، من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" (١).
(وَفيه أُدْخلَ الْجَنَّةَ) فيه دليل على أن آدم ﵇ لم يُخلق في الجنّة، بل خلق خارجها، ثم أدخل فيها.
قيل: إن خلقه، وإدخاله كانا في يوم واحد، ويحتمل أنه خلق يوم الجمعة، ثمّ أمهل إلى جمعة أخرى، فأدخل فيها الجنّة، وكذا الاحتمال في يوم الإحراج.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا كله مما لا دليل عليه. والله تعالى أعلم.
(وَفيه أُخْرجَ منْهَا) قال ابن كثير ﵀: إن كان يومُ خلقه يومَ إخراجه، وقلنا: الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: إن كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس، والضحاك، واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة انتهى.
وقيل: كان إخراجه في اليوم الذي خُلق فيه، لكن المراد من اليوم الإطلاق الثاني، أي ما مقداره كألف سنة، فيكون مكثه فيها زمانًا طويلًا (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الخلاف مما لا فائدة فيه، حيث لم يستند إلى نص صحيح، فلا ينبغي الاشتغال به. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد مسلم ﵀ في أحر هذا الحديث: "ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة".
قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة، لأن إخراج آدم، وقيام الساعة، لا يعدان فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام.
وقيل: بل جميعها فضائل، وخروج آدم ﵇ ليس طردًا، كخروج إبليس، وإنما كان خروجه منها مسافرًا لقضاء أوطار، من وجود الذرَيّة الطيبة، من الرسل، والأنبياء، والصالحين، والعود إلى تلك الدار، وموته سبب لنيل ما أُعدّ له، ولذرّيّته الصالحين، من الكرامات. وقيام الساعة أعظم سبب لظهور رحمة الله تعالى، وإنجاز وعده لعباده الصالحين وتعجيل جزائهم.
стр. 9364
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها (١)، وإنما يَفضُلُ بعضُها بعضاً بما يُخَصّ به من أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خُصّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم، ودواعيهم، ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم يوم عرفة، ليُستجاب لبعضهم في بعضهم، ويُغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال النبي ﷺ : "الجمعة حج المساكين" (٢). أي يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يَشهدونهم، ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمي هذا اليومُ اليوم المشهود، ثم يحصل لقلوب العارفين من الألطاف، والزيادات حسبما يدركونه من ذلك، ولذلك سمي يوم المزيد، ثم إن الله تعالى قد خصه بالساعه التي فيه، وبأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي خلق آدم ﵇ الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياءُ، والأولياءُ، والصالحون، ومنها إخراجه من الجنة التي حصَلَ عنده إظهار معرفة الله تعالى، وعبادته في هذا النوع الآدمي، مع إجرامه، ومخالفته، ومنها موته الذي بعده وُفّي به أجره، ووصل إلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي خرج منه، ومن فَهمَ هذه المعاني فَهمَ فضيلة هذا اليوم، وخصوصيّته بذلك، فحافظ عليه، وبادر إليه انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤/ ١٣٧٣ - وفي "الكبرى" -٦/ ١٦٦٣ - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عنه، وفي "الكبرى" ٦/ ١٦٦٤ - عن هارون بن موسى، عن أبي ضمرة، عن يونس به.
وأخرجه (م) ٣/ ٦ رقم ٨٥٤ - (ت) ٤٨٨ (أحمد) ٢/ ٤٠١ و٢/ ١٨ و٢/ ٥١٢ و٢/ ٥٤٠ (ابن خزيمة) ١٧٢٩. والله تعالى أعلم.
стр. 9365
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل يوم الجمعة.
قال النووي ﵀: في هذا الحديث فصيلة يوم الجمعة، ومزيّته على سائر الأيام، وفيه دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها وجهان لأصحابنا -يعني الشافعية- أصحهما تطلق يوم عرفة، والثاني يوم الجمعة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة، فيتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع، فيتعين الجمعة، ولو قال أفضل ليلة تعيّنت ليلة القدر، وهي عند أصحابنا، والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضيّ أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضيّ ليلة من العشر، أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك في السنة الثانية، وعلى قول من يقول: هي منتقلة، لا تطلق إلا في أولى جزء من الليلة الأخيرة من الشهر. والله أعلم انتهى (١).
ومنها: أن هذه الأشياء، من خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وكذا قيام الساعة فضائل عظيمة، كما ذكرنا وجهه سابقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (إِكْثَارِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٣٧٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟ أَيْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ -قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ
стр. 9366
وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨.
٢ - (حسين) بن علي بن الوليد الجعفي المقرىء الكوفي، ثقة عابد [٩] تقدم ٧٤/ ٩١.
٣ - (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدّارانيّ، ثقة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٩٥.
٤ - (أبو الأشعث الصنعاني) شَرَاحيل بن آدة -بالمدّ، وتخفيف الدال- ويقال: شراحيل بن شُرَحْبيل بن كُليب بن آدة، ويقال: شَراحيل بن كُليب، ويقال: شَرَاحيل بن شَراحيل، ويُقال: شُرَحْبيل بن شُرَحبيل، وهو من صنعاء الشام، وقيل. من صنعاء اليمن، ثقة [٢].
روى عن شدّاد بن أوس، وثوبان، وأوس بن أوس الثقفي، وعُبَادة بن الصامت، وغيرهم. وعنه أبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ومسلم بن يسار المكي، وغيرهم.
قال العجلي: شاميّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل اليمن، وقال: كان ينزل دمشق، قال: وتُوفي زمن معاوية. وقال دُحَيم: شهد فتح دمشق. وقال ابن معين: كان من الأبناء سكن دمشق. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: شراحيل بن شُرَحْبيل بن كُليب بن آدة، قال: ومن قال: شَرَاحيل بن آدة، فقد نسبه إلى جدّه. وقال ابن الجوزيّ: روايته عن ثوبان منقطعة، كذا قال.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٥ - (أوس بن أوس) الصحابي الثقفي، سكن دمشق، ومات بها. رَوَى عن النبي ﷺ في فضل الاغتسال يوم الجمعة. وعنه أبو الأشعث الصنعانيّ، وعُبَادة بن نُسَيّ، وغيرهما.
قال الدُّوري، عن يحيى بن معين: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد، وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك؛ لأن أوس بن أبي أوس، هو أوس بن حُذيفة.
قال الحافظ: تابع ابنَ معين على ذلك جماعةٌ، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في أوس بن أوس هذا أوس بن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس: أوس بن أوس غلطًا. أخرج له الأربعة، وله عندهم هذا الحديث فقط، كرره المصنف أربع مرات. والله تعالى أعلم.
стр. 9367
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالشاميين من عبد الرحمن، وشيخه مروزي، وحسين كوفي، وأن صحابيه من المقلين، فليس له إلا هذا الحديث عن أصحاب السنن. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ) رضي الله تعالى عنه، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) ولفظ أبي داود: "قال: قال رسول الله ﷺ " (قَالَ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) بنصب "يوم" على أنه اسم "إنّ" مؤخرًا. قيل: فيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل، أو مساو، لأن زيادة "من" تدلّ على أن يوم الجمعة من جملة الأفاضل من الأيام، وليسر هو أفضل الأيام مطلقًا انتهى. وفيه ما تقدم.
ولفظ البيهقي في "السنن الكبرى" جـ ٣ ص ٢٤٨: "أفضلُ أيامكم يومُ الجمعة … " بدون "من".
(فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ) أي مات، تقدم الكلام على خلقه، وموته في الباب الماضي (وفيه النَّفْخَةُ) قال الطيبيّ ﵀: أي النفخة الأولى، فإنها مبدأ قيام الساعة، ومقدّم النشأة الثانية (وَفيه الصَّعْقَةُ) أي الصيحة، والمراد بها الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله، وهي النفخة الأولى، قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الزمر: ٦٨] فالتكرار باعتبار تغايُر الوصفين. وقال القاري: المراد بالنفخة النفخةُ الثانية، وبالصعقة النفخةُ الأولى، قال: وهذا أولى، لما فيه من التغاير الحقيقي، وإنما سميت النفخة الأولى بالصعقة، لأنها تترتب عليها، وبهذا الوصف تتميّز عن الثانية. وقيل: إشارة إلى صعقة موسى ﵇ انتهى.
(فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ) تفريع على كون الجمعة من أفضل الأيام (فَإِنْ صلَاتكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) يعني على وجه القبول فيه، وإلا فهي دائمًا تعرض عليه بواسطة الملائكة. قاله القاري رحمه الله تعالى.
وقال السندي رحمه الله تعالى: هذا تعديل للتفريع، أي هي معروضة عليّ كعرض الهدايا على من أهديت إليه، فهي من الأعمال الفاضلة، ومقرّبة لكم إليّ، كما تقرّب الهديّة المهديَ إلى المهدَى إليه، وإذا كانت بهذه المثابة، فينبغي إكثارها في الأوقات الفاضلة، فإن العمل الصالح يزيد فضلاً بواسطة فضل الوقت، وعلى هذا لا حاجة إلى
стр. 9368
تقييد العرض بيوم الجمعة، كما قيل انتهى.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في "تحفة الذاكرين" بعد ذكر إبلاغ السلام إليه ﷺ وعرض الصلاة عليه: ما لفظه: وظاهر الجميع أن كلّ صلاة وسلام تبلغه ﷺ ، وسواء كان ذلك يوم الجمعة، أو في غيره من الأيام والليالي، فلعلّ في العرض عليه زيادة على مجرد الإبلاغ إليه، ويكون ذلك من خصائص الصلاة عليه ﷺ في يوم الجمعة انتهى (١).
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟) جملة حالية من الضمير المجرور. و"أرمت" بفتح الراء، وسكون الميم، وفتح التاء على الخطاب، على وزن ضَرَبتَ. يقال: أَرَمَ ما على المائدة يَأْرمه، من باب ضرب: أَكَلَهُ. ويُروَى "أَرِمْتَ " بكسر الراء: أي بليتَ. وقيل: "أُرمت" بضم الهمزة على البناء للمفعول، من الأَرْم، وهو الأَكْل، أي صرت مأكولا للأرض. وقيل: "أرَمَّتْ" -بالميم المشددة، والتاء الساكنة، أي أرَمَّت العظام، أي صارت رَميمًا، من رَمَّ الميت، وأرمَّ: إذا بلي. ويروى "أَرْمَمْتَ" بالميمين، أي صرت رميمًا، فعلى هذا يجوز أن يكون أرمتَ بحذف أحد الميمين، كما قالوا في ظللت، وأحسست ظلت، وأحست، كما قال ابن مالك ﵀:
ظِلْتُ وَظَلْتُ فِي ظَلِلْتُ اسْتُعْمِلَا … وَقِرْنَ فِي اقْرِرْنَ وَقَرْنَ نُقِلَا
ثم كُسرت الراء لالتقاء الساكنين، أو فُتحتْ تخفيفًا بنقل حركة الميم الأولى إليها.
وقال السندي رحمه الله تعالى في "شرحه": لابد ههنا أوّلًا من تحقيق لفظ "أرمت"، ثم النظر في السؤال والجواب، وبيان انطباقهما.
فأما "أرمت"، فبفتح الراء، كضربت، أصله أَرْممتَ، من أَرَمَّ بتشديد الميم: إذا صار رميمًا، فحذفوا إحدى الميمين، كما في "ظلت"، ولفظه إما على الخطاب، أو الغيبة، على أنه مسنَدٌ إلى العظام.
وقيل: من "أرم" بتخفيف الميم: أي فني، وكثيرًا ما يُروَى بتشديد الميم، والخطاب، فقيل: هي لغة ناس من العرب. وقيل: بل خطأ، والصواب سكون التاء، لتأنيث العظام، أو أرممت بفكّ الإدغام.
وأما تحقيق السؤال، فوجهه أنهم فهموا عموم الخطاب في قوله: "فإن صلاتكم معروضة" للحاضرين، ولمن يأتي بعده ﷺ ، ورأوا أن الموت في الظاهر مانع عن
стр. 9369
السماع والعَرْض، فسألوا عن كيفية عرض صلاة من يُصلي عليه بعد الموت، وعلى هذا فقولهم: "وقد أرمت" كناية عن الموت، والجواب بقوله ﷺ : "إن الله حرم الخ" كناية عن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم، أو بيان لما هو خرق للعادة المستمرّة بطريق التمثيل، أي ليجعلوه مقيسًا عليه للعرض بعد الموت الذي هو خلاف العادة المستمرّة.
ويحتمل أن المانع من العرض عندهم فناء البدن، لا مجرّد الموت، ومفارقة الروح البدنَ، لجواز عود الروح إلى البدن ما دام سالما عن التغيّر الكثير، فأشار ﷺ إلى بقاء بدن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا ظاهر السؤال والجواب.
بقي أن السؤال منهم على هذا الوجه يُشعر بأنهم ما علموا أن العرض على الروح المجرّد ممكن، فينبغي أن يُبيّن لهم النبي ﷺ أنه يمكن العرض على الروح المجرّد، ليعلموا ذلك.
ويمكن الجواب عن ذلك بأن سؤالهم يقتضي أمرين: مساواة الأنبياء ﵈ لغيرهم بعد الموت، وأن العرض لا يمكن على الروح المجرد، والاعتقاد الأول أسوأ، فأرشدهم ﷺ بالجواب إلى ما يُزيله، وأَخّر ما يزيل الثاني إلى وقت يُناسبه تدريجًا في التعليم (١). والله تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ رحمه الله تعالى (٢).
(-أَيْ يَقُولُون: قَدْ بَليتَ-) "أي" تفسيرية، ولفظ أبي داود: "قال: يقولون: بليت"، بدون "أي". والظاهر أن التفسير من أوس ﵁، ويحتمل أن يكون من غيره، أي يقصدُ الصحابة ﵃ بقولهم: "أرمت" بليت -بفتح الباء الموحدة، وكسر اللام- أي فَنيتَ، يقال: بلي الثوبُ يبلَى، من باب تَعبَ بلى بالكسر والقصر، وبَلاءً، بالفتح والمدّ: خَلُقَ، فهو بال، وبلي الميتُ: أفنته الأرض. قاله الفيّوِمي (٣).
(قَالَ) أي النبي ﷺ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈ أي منعها من أن تعتدي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأكل أجسادهم، كما تأكل أجسادَ سائر الناس، لكونهم أحياء في قبورهم، تكريمًا لهم، وتفضيلًا على غيرهم. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال صاحب "المنهل العذب المورود": ألحق بعضهم شُهداءَ المعركة الذين قاتلوا لإعلاء كلمة الله ، بالأنبياء في ذلك -يعني عدم أكل الأرض أجسادهم-
стр. 9370
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولما ذكره بعض المفسرين من أن معاوية ﵁ لمّا أراد أن يُجري العين على قبور الشهداء أمر بأن يُنادى من كان له قتيل، فليُخرجه من هذا الموضع، قال جابر، فخرجنا إليهم، فأخرجناهم، رطاب الأبدان، فأصابت المسحاة -الفأس- أصبع رجل منهم، فقطرت دمًا.
وفيه أن مثل هذا لا يثبت بالقياس، إذ فرق كبير بين الأنبياء وغيرهم، والآية ليست نصّا في أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء. وأكثر المحققين على أن حياة الشهداء بالروح والجسد بحالة لا ندركها في هذه الدار.
وقال بعضهم المراد بحياة الشهداء أن الله تعالى يجعل أرواحهم في حواصل طير خضْر في الجنة، لما أخرجه أبو داود في "كتاب الجهاد" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "لمّا أُصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في جوف طير خُضر، تَرد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ عنّا أنّا أحياء في الجنة، نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن العدوّ عند الحرب، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وما ذكره جابر من أنهم أخرجوا أجساد الشهداء رطابًا، وأن أحدهم أصابته المسحاة، فقطر دمًا، فعلى فرض صحته لا يستلزم اطراد عدم أكل الأرض لجسد كل شهيد، بل لا يستلزم عدم أكلها لأجساد أولئك الشهداء أنفسهم على ممرّ المئات والآلاف من السنين.
وبالجملة فلم نقف على دليل صريح صحيح يفيد أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء انتهى كلام صاحب "المنهل" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
стр. 9371
المسألة الثانية: في اختلاف الحُفّاظ في هذا الحديث:
ذهب جمع من الحفّاظ: إلى أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن حسينًا الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الثقة، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشاميّ الضعيف، وروى عنه أحاديث منكرة، فغلط في نسبته.
وممن ذكر ذلك البخاريّ، وأبو زرعة، وأبو حاشم، وأبو داود، وابن حبّان، وغيرهم.
وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: الذي سمعه منه حسين هو ابن جابر. قال العجليّ: سمع من ابن جابر حديثين في الجمعة. وكذا أنكر الدارقطني على من قال: إن حسينًا سمع من ابن تميم، وقال: إنما سمع من ابن تميم، هو أبو أسامة، وغلط في اسم جدّه، فقال: ابن جابر، وهو ابن تميم. ذكر هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح علل الترمذي" (١).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "جَلاء الأفهام" بعد أن أورد الحديث: ما نصه:
وقد أعله بعض الحفّاظ بأن حسينًا الجعفيّ إنما حدث به عن عبد الرحمن عن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: ومن تأمل هذا الإسناد لم يشكّ في صحته، لثقة رُواته، وشهرتهم، وقبول الأئمة أحاديثهم.
وعلته أن حُسينًا الجعفى لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر،، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا يُحتجّ به، فلما حدث به حسين الجعفيّ غلط في اسم الجدّ، فقال: ابن جابر.
وقد بَيَّنَ ذلك الحُفّاظ، ونبّهوا عليه، فقال البخاريّ في "التاريخ الكبير": عبد الرحمن ابن يزيد بن تميم السلمي الشاميّ، عن مكحول سمع منه الوليد بن مسلم عنده مناكير، ويقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة، وحسين الجعفي، وقالا: هو ابن يزيد بن جابر، وغلطا في نسبه، ويزيد ابن تميم أصحّ، وهو ضعيف الحديث.
وقال الخطيب: روى الكوفيّون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ووهموا في ذلك، والحمل عليهم في تلك الأحاديث.
وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهما منه، هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقي عبد الرحمن
стр. 9372
ابن يزيد بن تميم، فظنّ أنه ابن جابر نفسه، وابن تميم ضعيف، وقد أشار غير واحد من الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة.
وجواب هذا التعليل من وجوه:
أحدها: أن حسين بن علي الجعفي قد صرّح بسماعه له من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال ابن حبَّان في "صحيحه": حدثنا ابن خزيمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين ابن عليّ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فصرح بالسماع منه.
وقولهم: إنه ظنّ أنه ابن جابر، وإنما هو ابن تميم، فغلط في اسم جدّه بعيد، فإنه لم يكن يشتبه على حسين هذا بهذا، مع نقده، وعلمه بهما، وسماعه منهما.
فإن قيل: فقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل": سمعت أبي يقول: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لا أعلم أحدًا من أهل العراق يحدّث عنه، والذي عندي أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفيّ واحد، وهو عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة خمسة أحاديث، أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يُحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مثله، ولا أعلم أحداً من أهل الشام ووى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئًا.
وأما حسين الجعفيّ، فإنه روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس، عن النبي ﷺ في يوم الجمعة أنه قال: "أفضل الأيام يوم الجمعة، فيه الصيحة، وفيه النفخة، وفيه كذا". وهو حديث منكر، لا أعلم أحدًا رواه غيرُ حسين الجعفي، وأما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة. تم كلامه.
قيل: قد تُكُلِّم في سماع حسين الجعفي، وأبي أسامة من ابن جابر، فأكثر أهل الحديث أنكروا سماع أبي أسامة منه.
قال شيخنا في "التهذيب" (١): قال ابن نمير -وذكر أبا أسامة- فقال: الذي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرنرى أنه ليس بابن جابر المعروف، وذُكر لي أنه رجل يُسمّى باسم ابن جابر، قال يعقوب: صدق، هو عبد الرحمن بن فلان بن تميم، فدخل عليه أبو أسامة، فكتب عنه هذه الأحاديث، فروى عنه، وإنما هو إنسان يُسمى باسم ابن جابر، قال يعقوب: وكأني رأيت ابن نُمير يتهم أبا أسامة أنه علم ذلك، وعرف، ولكن تغافل عن ذلك، قال: وقال لي ابن نمير: أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح
стр. 9373
الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد؟ فقال: قدم الكوفة عبد الرحمن ابن يزيد بن تميم، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر، والذي يحدث عنه أبو أسامة ليس هو ابن جابر، هو ابن تميم.
وقال ابن أبي داود: سمع أبو أسامة من ابن المبارك، عن ابن جابر، وجميعًا يُحدثان عن مكحول، وابن جابر أيضًا دمشقيّ، فلما قدم هذا، قال: أنا عبد الرحمن بن يزيد الدمشقيّ، وحدث عن مكحول، فظنّ أبو أسامة أنه ابن جابر الذي روى عنه ابن المبارك، وابن جابر ثقة مأمون يُجمَع حديثه، وابن تميم ضعيف. وقال أبو داود: متروك الحديث حدث عنه أبو أسامة، وغلط في اسمه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر الشامي، وكلّ ما جاء عن أبي أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد، فإنما هو ابن تميم.
وأما رواية حسين الجعفيّ عن ابن جابر، فقد ذكره شيخنا في "التهذيب"، وقال: روى عنه حسين بن علي الجعفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة، إن كان محفوظًا. فجزم برواية حسين عن ابن جابر، وشك في رواية حماد.
ثم بعد أن كتبت ذلك رأيت الدارقطنيّ قد ذكر ذلك أيضاً، فقال في كلامه على كتاب أبي حاتم في "الضعفاء" قوله: حسين الجعفي ووى عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم. خطأ، الذي يروي عنه حسين هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو أسامة يروي عن عبد الرحمن بن يزيد ابن تميم، فيغلَطُ في اسم جدّه. تم كلامه.
وللحديث علّة أخرى، وهي أن عبد الرحمن بن يزيد لم يذكر سماعه من أبي الأشعث، قال علي بن المديني: حدثنا حسين بن علي الجعفى، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس … فذكره.
وقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه: حدثنا علي بن عبد الله … فذكره.
وليست هذه بعلة قادحة، فإن للحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبى أمامة، وأبي مسعود الأنصاريّ، وأنس بن مالك، والحسن، عن النبي ﷺ ، مرسلاً.
ثْم ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أحاديث هؤلاء الصحابة ﵃، واستقصاها، فراجع "جلاء الأفهام" ص ٤٦ - ٥٤ تستفد (١).
стр. 9374
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في "النكت الظراف": ذكر البخاريّ، وأبو حاتم، وتبعهما ابن حبّان أن حسين بن عليّ الجعفيّ غلط في عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فظنّه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، كما جرى لأبي أسامة فيه، وأن هذا الحديث عن ابن "تميم"، لا عن "ابن جابر"، ولا يكون صحيحًا، وردّ ذلك الدارقطنيّ، فخصّ أبا أسامة بالغلط فيه انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص من مجموع ما ذُكر ترجيح كون عبد الرحمن بن يزيد الذي روى عنه حسين الجعفي هذا الحديث هو ابن جابر الثقة المعروف، وأن الحديث صحيح، لصحة إسناده، ولشواهده.
وقد صححه من الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي، والنووي في "الأذكار"، وحسنه ابن المنذر، والحافظ ابن حجر، وله شواهد من حديث أبي الدرداء عند ابن ماجه -١٦٣٧ - ورجاله ثقات، لكنه منقطع، وآخر من حديث أبي أمامة عند البيهقي، وحَسّن إسناده المنذريّ، إلا أن مكحولا قيل: لم يسمع من أبي أمامة، ومن حديث أبي هريرة، وأبى مسعود، وأنس، والحسن، كما تقدم في كلام ابن القيم، فهذه الأحاديث، وإن كان في معظمها مقال، فمجموعها يصلح شاهدًا لحديث الباب.
والحاصل أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥/ ١٣٧٤ - وفي "الكبرى" -٧/ ١٦٦٦ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١٠٤٧ و١٥٣١ (ق) ١٠٨٥ و١٦٣٦ (أحمد) ٤/ ٨ (الدارمي) ١٥٨٠ (ابن خزيمة) ١٧٣٣ و١٧٣٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة.
ومنها: فضل يوم الجمعة على سائر الأيام.
ومنها: أن الأنبياء أحياء في قبورهم، حياةً برزخية، لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، وأما زيادة: "فنبي الله حّي يُرزق" في آخر هذا الحديث عند ابن ماجه، والطبراني، فغير صحيحة؛ لأن في إسنادها انقطاعًا في موضعين، كما بينه الحافظ
стр. 9375
البوصيرى رحمه الله تعالى (١).
ومنها: أن الله تعالى حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومنها: أن النبي ﷺ تُعرض عليه في قبره صلاة أمته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦ - (بَابُ الأَمْرِ بالسِّوَاكِ يَوْم الْجُمُعَةِ)
١٣٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، وَبُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ (٢)، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ".
إِلاَّ أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ "عَبْدَ الرَّحْمَنِ"، وَقَالَ فِي الطِّيبِ: "وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) أبو أيوب المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩.
٤ - (سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المصري، صدوق [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦.
٥ - (بُكير بن الأشج) هو ابن عبد الله المدني نزيل مصر، نُسب لجدّه، ثقة [٥]. تقدم ١٣٥/ ٢١١.
٦ - (أبو بكر بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيميّ المدني، ثقة [٤]، كان أسنّ من أخيه محمد.
стр. 9376
روى عن عمه ربيعة بن عبد الله بن الْهُدَير، وجابر، وأبي أمامة، وعَمرو بن سُليم، وغيرهم. وعنه أخوه محمد، وبُكير بن الأشجّ، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا يُسمّى. وكذا قال النسائي. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: كان من ثقات الناس. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة قليل الحديث.
روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (١٣٨٣).
٧ - (عمرو بن سُليم) الزُّرقي الأنصاري المدني، ثقة [٢] تقدم ٣٧/ ٧٣٠.
٨ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري الأنصاري المدني، ثقة [٣] تقدم ١/ ٣٢٦.
٩ - (أبو سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي، ﵃، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمصريين إلى بُكير، وبعده بالمدنيين، وفيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: بكير، وأبو بكر، وعمرو، وعبد الرحمن، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠). حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) الخدري (عَنْ أَبيه) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما (أَن رَسُولَ الله ﷺ ، قَال: "الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَة وَاجِبٌ) هذا ظاهر في الوجوب، وبه قال بعض العلماء، وحمله الجمهور على أنه أمر مؤكد، وسيأتي تحقيق الخلاف في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وليس في رواية مسلم لفظ "واجب"، ولفظه: "غسلُ يوم الجمعة على كل محتلم".
(عَلَى كُل مُحْتَلم) أي بالغ، فيشمل من بلغ بالسنّ، أو الإحبال، والمراد بالبالغ من كان خاليًا عن عذر يُبيح الترك، وإلا فالمعذور مُستثنى بالأدلّة الأخرى.
والمراد الذَّكَر كما هو مقتضى الصيغة، وأيضًا الاحتلام أكثر ما يبلغ به الذكور دون الإناث، وفيهنّ الحيض أكثر.
وعمومه يشمل المصلي وغيره، لكن الحديث الذي بعده وغيره يخصّه بالمصلي (١).
стр. 9377
(وَالسِّوَاكُ) عطف على "الغسل".
(وَيَمَسُّ من الطيب) بفتح الميم أفصح من ضمها. قال الفيومي: مسسته، من باب تعب، وفي لغة: مسسته مَسًّا من قتل: أفضيت إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه، والاسم المَسيس. قال: ومَسَّ الماءُ الجسدَ مَسًّا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسست الجسد، وأمسستُ الجسد ماءً انتهى.
قال السندي رحمه الله تعالى: وهو خبر بمعنى الأمر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه عطف على "الغسل" بحذف أن المصدريّة، وحذف "أن" ورفع الفعل جائز عند بعض النحاة، وهو الأصح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والتقدير هنا: والمسُّ منَ الطِّيب. و"من" بيان مقدم لـ"ما" في قوله (مَا قَدَرَ عَلَيْه) و"ما" مفعول "يمسّ"، أي ومسُّ الشيء الذي قدر عليه من الطيب.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يحتمل إرادة التأكيد حتى يفعله بما أمكنه، ويحتمل إرادة التكثير، والأول أظهر، ويؤيده قوله: "ولو من طيب المرأة"، وهو المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، وخفى ريحه، فإباحته للرجل هنا للضرورة، لعدم غيره، وهذا يدلّ على تأكده. والله أعلم (١).
(إِلاَّ أَنَّ بُكَيْرًا) استثناء منقطع، أي لكن بُكير بن الأشجّ خالف سعيد بن أبي هلال في سند هذا الحديث، فـ (لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي سعيد، بل جعله عن عمرو بن سُليمِ، عن أبي سعيد (و) خالف في متنه أيضًا بالزيادة، فـ (وَقَالَ فِي الطِّيبِ: وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ) يعني أنه قال: ويمس من الطيب، ولو من طيب المرأة.
و"لو" وصلية، فلا تحتاج إلى جواب، والجار والمجرور خبر لـ"كان" المحذوفة مع اسمها، وهو كثير في الاستعمال، كما قال في "الخلاصة":
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ … وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
أي ولو كان الممسوسُ كائنًا من طيب المرأة.
[تنبيه]: رواية بُكير بن الأشج التي قال فيها المصنف أنه لم يذكر فيها "عبد الرحمن" وافقه فيها شعبة، فقد رَوَى الحديث البخاري في "صحيحه" عن علي -هو ابن المديني- عن حَرَميّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن المنكدر، قال: حدثني عَمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول
стр. 9378
الله ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمسّ طيباً، إن وجده".
قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدم عن النسائي: ما حاصله: وكذلك أخرجه أحمد من طريق ابن لَهيعة، عن بكير، ليس فيه عبد الرحمن.
وغفل الدارقطني في "العلل" عن هذا الكلام الأخير، فجزم بأن بُكيرًا وسعيدًا خالفا شُعبة، فزادا في الإسناد "عبدَ الرحمن"، وقال: إنهما ضبطا إسناده، وجوّداه، وهو الصحيح.
وليس كما قال، بل المنفرد بزيادة "عبد الرحمن" هو سعيد بن أبي هلال، وقد وافق شعبةَ، وبُكيرًا على إسقاطه محمد بن المنكدر، أخو أبي بكر، أخرجه ابن خُزيمة من طريقه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
والذي يظهر أن عمرو بن سُليم سمعه من عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، ثم لقي أبا سعيد، فحدّثه، وسماعه منه ليس بمنكر؛ لأنه قديم، وُلد في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ولم يوصف بالتدليس.
وحكى الدارقطني في "العلل" فيه اختلافا آخر على علي بن المديني شيخ البخاري فيه، فذكر أن الباغنديّ حدث به عنه بزيادة عبد الرحمن أيضًا، وخالفه تمّام عنه، فلم يذكر عبد الرحمن.
وفيما قاله نظر، فقد أخرجه الإسماعيلي، عن الباغندي بإسقاط عبد الرحمن، وكذا أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن أبي إسحاق بن حمزة، وأبي أحمد الغطريفي، كلاهما عن الباغندي، فهؤلاء ثلاثة من الحفّاظ حدّثوا به عن الباغنديّ، فلم يذكروا عبد الرحمن في الإسناد، فلعلّ الوهم فيه ممن حدث به الدارقطنيّ عن الباغنديّ.
وقد وافق البخاريّ على ترك ذكره محمد بنُ يحيى الذُّهْليُّ عند الجوزقي، ومحمدُ ابنُ عبد الرحيم صاعقةُ عند ابن خُزيمة، وعبدُ العزيز بن سلام عند الإسماعيليّ، وإسماعيلُ القاضي عند ابن منده في "غرائب شعبة"، كلهم عن علي بن المديني، ووافق عليَّ بنَ المدينيّ على ترك ذكره أيضًا إبراهيمُ بنُ محمد بن عَرْعَرَة، عن حرمي بن عُمَارة، عند أبى بكر المرّذي في "كتاب الجمعة" له.
ولم أقف عليه من حديث شعبة إلا من طريق حرميّ، وأشار ابن منده إلى أنه تفرّد به انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 9379
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ١٣٧٥ - وفي "الكبرى" -٧/ ١٦٦٧ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، وبُكير بن الأشجّ، كلاهما عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سُليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه ﵁.
وفي ١١/ ١٣٨٣ - وفي "الكبرى" ١٠/ ١٦٨ - عن هارون بن عبد الله، عن الحسن ابن سوّار، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال له.
وفي ٨/ ١٣٧٧ - و"الكبرى" -٨/ ١٦٦٨ - عن قُتيبة، عن مالك، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁.
وأخرجه (خ) ١/ ٢١٧ و٢/ ٣ و٣/ ٢٣٢ (م) ٣/ ٣ (د) ٣٤١ و٣٤٤ (مالك في الموطإ) ٨٤ (الحميدي) ٧٣٦ (أحمد) ٣/ ٦ و٣/ ٣٠ و٣/ ٦٠ و٣/ ٦٥ (الدارمي) ١٥٤٥ (ابن خزيمة) ١٧٤٢ و١٧٤٣ و١٧٤٤ و١٧٤٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو الأمر بالسواك يوم الجمعة، وحمله العلماء على الاستحباب
ومنها: مشروعية الغسل للجمعة، وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
ومنها: استعمال الطيب للجمعة، إزالةً للرائحة الكريهة، وبُعْدًا عن إيذاء المسلمين الذين يحضرون الجمعة.
ومنها: أن طيب الرجال مخالف لطيب النساء، وهو أن طيبه ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيبها ما ظهر لونه، وخفى ريحه.
فقد جاء فيه حديث صحيح، أخرجه الترمذي في "جامعه" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "طيب الرجل ما ظهر ريحهه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه".
стр. 9380
وأخرجه الطبراني، والضياء المقدسي من حديث أنس ﵁ (١).
ومنها: اهتمام الشرع بالنظافة، فقد حَثّ عليها في هذا الحديث، فينبغي للمسلم أن يكون نظيف الجسد، واللباس، والمكان، ولاسيما في الأوقات التي يجتمع الناس فيها، كالجمعة، والعيدين، ونحوها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧ - (باب الأَمْرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الحافظ الحجة [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المجتهد المدني [٧] تقدم ٧/ ٧.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الثقة الثبت [٣] تقدم ١٢/ ١٢
٤ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٨٢) من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه أصح الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن البخاري رحمه الله تعالى، وأنه هو السند المسمَّى بسلسلة الذهب: مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد تقدم تمام البحث فيه، وأن فيه ابن عمر من العبادلة: الأربعة، ومن المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن نافع) وفي رواية ابن وهب، عن مالك أن نافعًا حدّثهم (عَن ابْن عُمَرَ) رضي الله
стр. 9381
تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) المراد به الصلاة، أو المكان الذي تقام فيه الصلاة، وذكر المجيء لكونه الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاورًا للجامع، أو مقيمًا به. قاله في "الفتح".
وقال ولي الدين ﵀: ليس المراد بالمجيء إلى الجمعة أن يكون بينه وبين المكان الذي تقام فيه الجمعة مسافة، يَحتاج إلى قطعها، بل المقيم في المكان الذي يُجمَّع فيه حكمه كذلك، فالمجيء من مكان آخر ليس مقصودًا، وإنما المراد من أراد أن يُصلى الجمعة، فليغتس، وإن كان سبب ورود الأمر بالغسل للجمعة أنهم كانوا ينتابنون الجمعةَ من منازلهم، ومن العوالي، فيأتون في الغبار، فقال لهم النبي ﷺ : "لو تطهرتم ليومكم هذا"، كما في حديث عائشة ﵄ ولكن الحكم يعم الآتي من بَعُدَ، ومن قَرُبَ، ومَن هو مقيم في مكان الجمعة، والله أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيد ذلك حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم في الباب الماضي: "غسلُ يوم الجمعة وأجب على كلّ محتلم". فإنه أطلق الغسل فعم من كان بعيدًا من الجمعة، ومن كان قريبًا لها. والله تعالى أعلم.
(فَلْيَغْتَسلْ) الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل يَعقُب المجيء، وليس ذلك مرادًا، وإنما التقدير: إذا أراد أحدكم المجيء إلى الجمعة، وقد جاء مصرحًا به في رواية الليث، عن نافع عند مسلم، ولفظه: "إذا أراد أحدكم الجمعة، فليغتسل"، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإن المعنى: إذًا أردتم المناجاة، بلا خلاف.
ويقوى روايةَ الليث حديث أبي هريرة ﵁ الآتي -١٤/ ١٣٨٨ - "من أغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح … " فإنه صريح في تأخير الرواح عن الغسل.
وعُرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره، واحتجّ به على أن الغسل لليوم، لا للصلاة، لأن الحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد بيّن الليث في روايته المرادَ، وقوّاه حديث أبي هُريرة ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
стр. 9382
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر "المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧/ ١٣٧٦ - وفي "الكبرى" - ٨/ ٦٧٨ - عن قُتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه. وفي -٢٥/ ١٤٠٥ - و"الكبرى" -٨/ ٦٧٧ - عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن نافع، عنه. وفي "الكبرى" -٨/ ١٦٧٦ - عن عبيد الله بن فَضَالة، عن محمد بن المبارك الصوري، عن معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عنه. وفي ٨/ ١٦٧٩ - عن هَنّاد بن السَّريّ، عن أبي بكر، عن أبي إسحاق، عن نافع، عنه.
وأخرجه (خ) ٢/ ٢ (م) ٣/ ٢ (ق) (١٠٨٨) مالك في الموطإ (٨٥ (الحميدي) ٦١٠ (أحمد) ٢/ ٣ و٢/ ٤١ و٢/ ٤٢ و٤٨ و٥٥ و٦٤ و٧٥ و٧٧ و٧٨ و١٠١ و١٠٥ و١١٥ و١٤١ و١٤٥ (الدارمى) ١٥٤٤ (ابن خزيمة) ١٧٥٠ و١٧٥١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال في "الفتح": رواية نافع، عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة جدًّا، فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في "صحيحه"، فساقه من طريق سبعين نفسًا، رووه عن نافع.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما فاته، وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد، لغرض اقتضى ذلك، فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرين نفسًا.
فمما يُستفاد منه هنا: ذكر سبب الحديث، ففي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع عند أبي عوانة، وقاسم بن أصبغ: "كان الناس يَغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة، جاءوا، وعليهم ثياب متغيرة، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل".
ومنها: ذكر محلّ القول، ففي رواية الحَكَم بن عُتيبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "سمعت رسول الله ﷺ على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول … " أخرجه يعقوب الجصاص في "فوائده" من رواية اليسع بن قيس، عن الحكم، وطريق الحكم عند النسائي -٢٥/ ١٤٠٥ - وغيره من رواية شعبة عنه بدون هذا السياق بلفظ حديث الباب، إلا قوله: "جاء"، فعنده "راح"، وكذا رواه النسائي من رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، ومنصور، ومالك، ثلاثتهم عن نافع.
ومنها: ما يدلّ على تكرار ذلك، ففي رواية صخر بن جُويرية، عن نافع، عند أبي مسلم الكجيّ، بلفظ: "كان إذا خطب يوم الجمعة قال … " الحديث.
ومنها: زيادة في المتن، ففي رواية عثمان بن واقد، عن نافع، عند أبي عوانة، وابن خُزيمة، وابن حبان في "صحاحهم"، بلفظ: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء،
стр. 9383
فليغتسل، ومن لم يأتها، فليس عليه غسل". ورجاله ثقات، لكن قال البزار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه.
ومنها: زيادة في المتن، والإسناد أيضًا، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة، وابن حبان، وغيرهم من طرق، عن مفضّل بن فَضَالة، عن عيّاش بن عباس القتبانيّ، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة واجبة على كلّ محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل".
قال الطبراني في "الأوسط": لم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلا بُكير، ولا عنه إلا عيّاش، تفرد به مفضل.
قال الحافظ: قلت: رواته ثقات، فإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، ولا مانع أن يسمعه ابن عمر، عن أبيه عن النبي ﷺ ، ومن غيره من الصحابة: فقد ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولاسيما مع اختلاف المتون. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الغسل يوم الجمعة:
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في وجوب الغسل يوم الجمعة، فقالت طائفة: غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم، كذلك قال أبو هريرة، وروينا عن عمر أنه قال في شيء: لأنا أعجز إذًا ممن لا يغتسل يوم الجمعة، وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثلاث حق على كل مسلم في يوم الجمعة: الغسل، والسواك، ويمس طيبًا، إن وجده. وتقاول (٢) عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشرّ من الذي لا يغتسل يوم الجمعة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: ما شعرت أن أحدًا يرى أن له طهورًا يوم الجمعة غير الغسل، حتى قدمت هذا البلد -يعني البصرة-.
وكان الحسن يرى الغسل يوم الجمعة واجبًا، ويأمر به، وكان مالك يقول: من اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن الغسل لا يجزي عنه حتى يغتسل لرواحه.
وقالت طائفة: الغسل سنة، وليس فرضًا، قال عبد الله بن مسعود: غسل يوم الجمعة سنة، وكان ابن عباس يأمر بالغسل، قال عطاء: من غير أن يأثم من تركه، وهو الراوي
стр. 9384
للحديث عن ابن عباس، وروينا عن ابن عباس، أنه قال: ليس الغسل بمحتوم.
وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا الأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل والنعمان، وأصحابه.
ثم مال ابن المنذر ﵀ إلى ترجيح القول بالندبية، راجع كلامه في "الأوسط" (١).
وقال في "الفتح": واستُدلّ بقوله: "واجبٌ" على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر، وجمع جَمٍّ من الصحابة، ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا، وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلمًا يدع غسل يوم الجمعة، وحكاه ابن المنذر، والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه.
قال ابن دقيق العيد: قد نص مالك على وجوبه، فحمله من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبى ذلك أصحابه انتهى.
والرواية عن مالك بذلك في "التمهيد"، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه سئل عنه؟ فقال: حسن وليس بواجب.
وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خُزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرّح في "صحيحه" بأنه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم.
وحكاه شارح "الغنية" لابن سُريج قولًا للشافعي، واستُغرب. وقد قال الشافعي في "الرسالة" بعد أن أورد حديثي ابن عمر، وأبي سعيد: احتمل قوله: "واجب" معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تُجزىء الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدلّ للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار انتهى.
وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خُزيمة، والطبري، والطحاويّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وهَلُمَّ جَرّا.
وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قويّ.
стр. 9385
وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل هو واجب مستقلّ، تصحّ الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف، وإزالة الرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يَحرُم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة، ويَردّ عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان.
والجواب (١) أنه كان معذورًا؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، مع أنه يحتمل أنا يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في "صحيح مسلم" عن حُمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يُفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخّر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل.
وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأول، نظرًا إلى العلة، حكاه صاحب "الهدي".
وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدلّ على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله لمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل عمر ذلك، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم.
قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يُقال: إكرامك عليّ واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يُصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر.
وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثُ: "من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربما تأولوه تأويلًا مستكرهًا، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط انتهى.
فأما الحديث، فعَوَّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنه يقتضى اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، ولهذ الحديث طرق، أشهرها، وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خُزيمة، وابن حبان، وله علتان:
إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختُلف عليه فيه.