تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) المراد به الصلاة، أو المكان الذي تقام فيه الصلاة، وذكر المجيء لكونه الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاورًا للجامع، أو مقيمًا به. قاله في "الفتح".
وقال ولي الدين ﵀: ليس المراد بالمجيء إلى الجمعة أن يكون بينه وبين المكان الذي تقام فيه الجمعة مسافة، يَحتاج إلى قطعها، بل المقيم في المكان الذي يُجمَّع فيه حكمه كذلك، فالمجيء من مكان آخر ليس مقصودًا، وإنما المراد من أراد أن يُصلى الجمعة، فليغتس، وإن كان سبب ورود الأمر بالغسل للجمعة أنهم كانوا ينتابنون الجمعةَ من منازلهم، ومن العوالي، فيأتون في الغبار، فقال لهم النبي ﷺ : "لو تطهرتم ليومكم هذا"، كما في حديث عائشة ﵄ ولكن الحكم يعم الآتي من بَعُدَ، ومن قَرُبَ، ومَن هو مقيم في مكان الجمعة، والله أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيد ذلك حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم في الباب الماضي: "غسلُ يوم الجمعة وأجب على كلّ محتلم". فإنه أطلق الغسل فعم من كان بعيدًا من الجمعة، ومن كان قريبًا لها. والله تعالى أعلم.
(فَلْيَغْتَسلْ) الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل يَعقُب المجيء، وليس ذلك مرادًا، وإنما التقدير: إذا أراد أحدكم المجيء إلى الجمعة، وقد جاء مصرحًا به في رواية الليث، عن نافع عند مسلم، ولفظه: "إذا أراد أحدكم الجمعة، فليغتسل"، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية [المجادلة: ١٢]، فإن المعنى: إذًا أردتم المناجاة، بلا خلاف.
ويقوى روايةَ الليث حديث أبي هريرة ﵁ الآتي -١٤/ ١٣٨٨ - "من أغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح … " فإنه صريح في تأخير الرواح عن الغسل.
وعُرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره، واحتجّ به على أن الغسل لليوم، لا للصلاة، لأن الحديث واحد، ومخرجه واحد، وقد بيّن الليث في روايته المرادَ، وقوّاه حديث أبي هُريرة ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
стр. 9382
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر "المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧/ ١٣٧٦ - وفي "الكبرى" - ٨/ ٦٧٨ - عن قُتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه. وفي -٢٥/ ١٤٠٥ - و"الكبرى" -٨/ ٦٧٧ - عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن نافع، عنه. وفي "الكبرى" -٨/ ١٦٧٦ - عن عبيد الله بن فَضَالة، عن محمد بن المبارك الصوري، عن معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عنه. وفي ٨/ ١٦٧٩ - عن هَنّاد بن السَّريّ، عن أبي بكر، عن أبي إسحاق، عن نافع، عنه.
وأخرجه (خ) ٢/ ٢ (م) ٣/ ٢ (ق) (١٠٨٨) مالك في الموطإ (٨٥ (الحميدي) ٦١٠ (أحمد) ٢/ ٣ و٢/ ٤١ و٢/ ٤٢ و٤٨ و٥٥ و٦٤ و٧٥ و٧٧ و٧٨ و١٠١ و١٠٥ و١١٥ و١٤١ و١٤٥ (الدارمى) ١٥٤٤ (ابن خزيمة) ١٧٥٠ و١٧٥١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: قال في "الفتح": رواية نافع، عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة جدًّا، فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في "صحيحه"، فساقه من طريق سبعين نفسًا، رووه عن نافع.
قال الحافظ: وقد تتبعت ما فاته، وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد، لغرض اقتضى ذلك، فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرين نفسًا.
فمما يُستفاد منه هنا: ذكر سبب الحديث، ففي رواية إسماعيل بن أميّة، عن نافع عند أبي عوانة، وقاسم بن أصبغ: "كان الناس يَغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة، جاءوا، وعليهم ثياب متغيرة، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل".
ومنها: ذكر محلّ القول، ففي رواية الحَكَم بن عُتيبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "سمعت رسول الله ﷺ على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول … " أخرجه يعقوب الجصاص في "فوائده" من رواية اليسع بن قيس، عن الحكم، وطريق الحكم عند النسائي -٢٥/ ١٤٠٥ - وغيره من رواية شعبة عنه بدون هذا السياق بلفظ حديث الباب، إلا قوله: "جاء"، فعنده "راح"، وكذا رواه النسائي من رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، ومنصور، ومالك، ثلاثتهم عن نافع.
ومنها: ما يدلّ على تكرار ذلك، ففي رواية صخر بن جُويرية، عن نافع، عند أبي مسلم الكجيّ، بلفظ: "كان إذا خطب يوم الجمعة قال … " الحديث.
ومنها: زيادة في المتن، ففي رواية عثمان بن واقد، عن نافع، عند أبي عوانة، وابن خُزيمة، وابن حبان في "صحاحهم"، بلفظ: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء،
стр. 9383
فليغتسل، ومن لم يأتها، فليس عليه غسل". ورجاله ثقات، لكن قال البزار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه.
ومنها: زيادة في المتن، والإسناد أيضًا، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة، وابن حبان، وغيرهم من طرق، عن مفضّل بن فَضَالة، عن عيّاش بن عباس القتبانيّ، عن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة واجبة على كلّ محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل".
قال الطبراني في "الأوسط": لم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلا بُكير، ولا عنه إلا عيّاش، تفرد به مفضل.
قال الحافظ: قلت: رواته ثقات، فإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، ولا مانع أن يسمعه ابن عمر، عن أبيه عن النبي ﷺ ، ومن غيره من الصحابة: فقد ثبت في "الصحيحين" من رواية ابن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولاسيما مع اختلاف المتون. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الغسل يوم الجمعة:
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في وجوب الغسل يوم الجمعة، فقالت طائفة: غسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم محتلم، كذلك قال أبو هريرة، وروينا عن عمر أنه قال في شيء: لأنا أعجز إذًا ممن لا يغتسل يوم الجمعة، وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: ثلاث حق على كل مسلم في يوم الجمعة: الغسل، والسواك، ويمس طيبًا، إن وجده. وتقاول (٢) عمار بن ياسر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشرّ من الذي لا يغتسل يوم الجمعة، وروينا عن ابن عباس أنه قال: ما شعرت أن أحدًا يرى أن له طهورًا يوم الجمعة غير الغسل، حتى قدمت هذا البلد -يعني البصرة-.
وكان الحسن يرى الغسل يوم الجمعة واجبًا، ويأمر به، وكان مالك يقول: من اغتسل يوم الجمعة في أول نهاره، وهو لا يريد به غسل الجمعة، فإن الغسل لا يجزي عنه حتى يغتسل لرواحه.
وقالت طائفة: الغسل سنة، وليس فرضًا، قال عبد الله بن مسعود: غسل يوم الجمعة سنة، وكان ابن عباس يأمر بالغسل، قال عطاء: من غير أن يأثم من تركه، وهو الراوي
стр. 9384
للحديث عن ابن عباس، وروينا عن ابن عباس، أنه قال: ليس الغسل بمحتوم.
وممن كان لا يرى الغسل فرضًا لازمًا الأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل والنعمان، وأصحابه.
ثم مال ابن المنذر ﵀ إلى ترجيح القول بالندبية، راجع كلامه في "الأوسط" (١).
وقال في "الفتح": واستُدلّ بقوله: "واجبٌ" على فرضية غسل الجمعة، وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما، وهو قول أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر، وجمع جَمٍّ من الصحابة، ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرًا، وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلمًا يدع غسل يوم الجمعة، وحكاه ابن المنذر، والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه.
قال ابن دقيق العيد: قد نص مالك على وجوبه، فحمله من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبى ذلك أصحابه انتهى.
والرواية عن مالك بذلك في "التمهيد"، وفيه أيضًا من طريق أشهب عن مالك أنه سئل عنه؟ فقال: حسن وليس بواجب.
وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خُزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرّح في "صحيحه" بأنه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوبًا بعدة أحاديث في عدة تراجم.
وحكاه شارح "الغنية" لابن سُريج قولًا للشافعي، واستُغرب. وقد قال الشافعي في "الرسالة" بعد أن أورد حديثي ابن عمر، وأبي سعيد: احتمل قوله: "واجب" معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تُجزىء الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه واجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، ثم استدلّ للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر، قال: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار انتهى.
وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خُزيمة، والطبري، والطحاويّ، وابن حبان، وابن عبد البرّ، وهَلُمَّ جَرّا.
وزاد بعضهم فيه أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قويّ.
стр. 9385
وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقولوا: إنه شرط، بل هو واجب مستقلّ، تصحّ الصلاة بدونه، كأن أصله قصد التنظيف، وإزالة الرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يَحرُم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة، ويَردّ عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان.
والجواب (١) أنه كان معذورًا؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، مع أنه يحتمل أنا يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في "صحيح مسلم" عن حُمران أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يُفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخّر لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل.
وعن بعض الحنابلة التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأول، نظرًا إلى العلة، حكاه صاحب "الهدي".
وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر وعثمان تدلّ على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله لمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل عمر ذلك، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم.
قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر، وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يُقال: إكرامك عليّ واجب، وهو تأويل ضعيف، إنما يُصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر.
وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديثُ: "من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربما تأولوه تأويلًا مستكرهًا، كمن حمل لفظ الوجوب على السقوط انتهى.
فأما الحديث، فعَوَّل على المعارضة به كثير من المصنفين، ووجه الدلالة منه قوله: "فالغسل أفضل"، فإنه يقتضى اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، ولهذ الحديث طرق، أشهرها، وأقواها رواية الحسن، عن سمرة، أخرجها أصحاب السنن الثلاثة، وابن خُزيمة، وابن حبان، وله علتان:
إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختُلف عليه فيه.
стр. 9386
وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة، والبزار من حديث أبي سعيد، وابن عديّ من حديث جابر، وكلها ضعيفة.
وعارضوا أيضًا بأحاديث:
منها: الحديث: "وأن يستنّ، وأن يمسّ طيبًا". قال القرطبي: ظاهره وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعاطف، فالتقدير الغسل واجب والاستنان والطيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتفاقًا، فدلّ على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصحّ تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد انتهى.
وقد سبق إلى ذلك الطبري والطحاوي، وتعقبه ابن الجوزيّ بأنه لا يمتنع عطف ما ليس بواجب على الواجب، لاسيما، ولم يقع التصريح بحكم المعطوف.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: إن سُلّم أن المراد بالواجب الفرض لم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجب عليه؛ لأن للقائل أن يقول: أُخرج بدليل، فَيَبْقَي ما عداه على الأصل، وعلى أن دعوى الإجماع في الطيب مردودة، فقد روى سفيان بن عُيينة في "جامعه" عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة، وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر.
ومنها حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غفر له". أخرجه مسلم.
قال القرطبي: ذَكَرَ الوضوء وما معه مرتبًّا عليه الثواب المقتضي للصحّة، قدم على أن الوضوء كاف.
وأجيب: بأنه ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد وجه آخر في "الصحيحين" بلفظ: "من اغتسل"، فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج لى إعادة الوضوء.
قال الجامع: وفيه نظر، بل ما قاله القرطبي هو الظاهر. والله تعالى أعلم.
ومنها: حديث ابن عباس ﵁ أنه سئل عن غسل يوم الجمعة، أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل، فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبي ﷺ : "أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا"، قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسّع المسجد. أخرجه أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن.
لكن الثابت عن ابن عباس خلافه، وعلى تقدير الصحة فالمرفوع منه ورد بصيغة
стр. 9387
الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب، فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس.
وفيه نظر، إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار، وعلى تقدير تسليمه، فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسك به.
ومنها: حديث طاوس، قلت لابن عباس: زعموا أن رسول الله ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جنبًا … " الحديث. قال ابن حبان بعده أن أخرجه: فيه أن غسل الجمعة يُجزىء عنه غسل الجنابة، وأن غسل الجمعة ليس بفرض، إذ لو كان فرضًا لم يُجز عنه غيره انتهى.
وهذه الزيادة "إلا أن تكونوا جنبا" تفرّد بها ابن إسحاق عن الزهري، وقد رواه شعيب عن الزهري بلفظ: "وإن لم تكونوا جنبًا"، وهذا هو المحفوظ عن الزهريّ.
ومنها: حديث عائشة ﵂، بلفظ: "لو اغتسلتم"، ففيه عرض وتنبيه، لا حتم ووجوب. وأجيب بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به، والإعلام بوجوبه.
ونقل الزين ابن المنيّر بعد قول الطحاويّ لمّا ذكر حديث عائشة: فدلّ على أن الأمر بالغسل لم يكن للوجوب، وإنما كان لعلة، ثم ذهبت تلك العلّة، فذهب الغسل: وهذا من الطحاوي يقتضي سقوط الغسل أصلًا، فلا يُعدّ فرضًا، ولا مندوبًا، لقوله: زالت العلة الخ، فيكون ثالثا في المسألة انتهى.
ولا يلزم من زوال العلة سقوط الندب تعبّدًا، ولاسيما مع احتمال وجود العلة المذكورة.
ثم إن هذه الأحاديث كلها لو سُلّمت لما دلّت إلا على نفي اشتراط الغسل، لا على الوجوب المجرد، كما تقدّم.
وأما ما أشار إليه ابن دقيق العيد من أن بعضهم أوّله بتأويل مُستَكره، فقد نقله ابن دحية عن القدوريّ من الحنفية، وأنه قال: قوله: "واجب": أي ساقط، وقوله: "على" بمعنى "عن"، فيكون المعنى أنه غير لازم. ولا يَخفَى ما فيه من التكلّف.
وقال الزين ابن المنيّر: أصل الوجوب في اللغة: السقوط، فلما كان في الخطاب على المكلف عبء ثقيل كان كلُّ ما أُكّد طلبه منه يُسمّى واجبًا، كأنه سقط عليه، وهو أعمّ من كونه فرضًا أو ندبًا.
وهذا سبقه ابن بزيزة إليه، ثم تعقبه بأن اللفظ الشرعيّ خاصّ بمقتضاه شرعًا، لا وضعًا، وكأن الزين استشعر هذا الجواب، فزاد أن تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادث.
стр. 9388
وأجيب بأن "وجب" في اللغة لم ينحصر في السقوط، بل ورد بمعنى "مات"، وبمعنى "اضطرب"، وبمعنى "لزم"، وعْير ذلك، والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنها بمعنى "لزم"، لاسيما إذا سيقت لبيان الحكم.
وقد تقدّم في بعض طرق حديث ابن عمر "الجمعة واجبة على كلّ محتلم"، وهو بمعنى اللزوم قطعًا، ويؤيده أن في بعض طرق حديث الباب "واجب كغسل الجنابة". أخرجه ابن حبان من طريق الدراورديّ عن صفوان بن سُليم، وظاهره اللزوم.
وأجاب عنه بعض القائلين بالندبية بأن التشبيه في الكيفية، لا في الحكم.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن تكون لفظة "الوجوب" مغيّرة من بعض الرواة، أو ثابتة، ونسخ الوجوب.
ورد بأن الطعن في الروايات الثابتة بالظن الذي لا مستند له لا يُقبل، والنسخ لا يُصار إليه إلا بدليل
ومجموع الأحاديث يدلّ على استمرار الحكم، فإن حديث عائشة أن ذلك كان في أول الحال، حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة، وابن عباس إنما صحبا النبي ﷺ بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أوّلًا، ومع ذلك، فقد سمع كلّ منهما منه ﷺ الأمر بالغسل، والحثّ عليه، والترغيب فيه، فكيف يُدَّعَى النسخ بعد ذلك؟. انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر كلام الحافظ رحمه الله تعالى أنه يميل إلى ترجيح القول بوجوب غسل الجمعة، وهو الواضح من الأدلّة المتقدّمة، لكن لمّا قامت الأدلة الصارفة عن الوجوب -كما تقدم تفصيلها، في كلام الحافظ رحمه الله تعالى- تعين القول بالاستحباب الأكيد.
وتلك الأدلّة وإن كان في بعضها مقال، إلا أن مجموعها صالح لصرف الوجوب إلى الاستحباب، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، ولاسيما حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة … " الحديث، فإنه صريح في الاجتزاء بالوضوء عن الغسل، وكقصة عمر مع عثمان رضي الله تعالى عنهما بمحضر جم غفير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وغير ذلك من الأدلة: المتقدم ذكرها في كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
ولقد أجاد القول في هذه المسألة العلامة الشوكاني في كتابه "السيل الجرّار" (٢) فقال:
стр. 9389
الأحاديثُ الصحيحة في "الصحيحين" وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قاضيةٌ بالوجوب، كحديث "غسلُ الجمعة واجب على كل محتلم"، وحديث "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل"، ونحوهما، كحديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين" وغيرهما مرفوعًا: "حقّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام".
ولكنه ورد ما يدلّ على عدم الوجوب، وهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن ماجه (١) وابن خزيمة، من حديث الحسن البصريّ، عن سمرة مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
فإن دلالة الحديث على عدم الوجوب ظاهرة واضحة، وقد أُعلّ بما وقع من الخلاف في سماع الحسن من سمرة، ولكنه قد حسنه الترمذيّ.
ويُقوّي هذا الحديث أنه قد رُوي من حديث أبي هريرة ﵁، وأنس، وأبي سعيد، وابن عباس، وجابر ﵃، كما حكى ذلك الدارقطني.
قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وعائشة، وأنس.
وأخرجه البيهقي من حديث ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد، وجابر.
ويقويه أيضًا ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت، غُفِرَ له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام".
فإن اقتصاره ﷺ على الوضوء في هذا الحديث يدلّ على عدم وجوب الغسل، فوجب تأويل حديث "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم" بحمله على أن المراد بالوجوب تأكيد المشروعيّة، جَمعًا بين الأحاديث، وإن كان لفظ الوجوب لا يُصرَف عن معناه، إلا إذا ورد ما يدل على صرفه كما نحن بصدده، لكن الجمع مقدّم على الترجيح، ولو كان بوجه بعيد انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع: هذا الذي حققه الشوكاني رحمه الله تعالى هو التحقيق الحقيق بالقبول، فإنه حسن جدًّا؛ لأن الجمع بين الأحاديث المختلفة مهما أمكن هو المتعيّن، ولاسيما إذا كان طريق الجمع واضحًا، كما نحن فيه.
والحاصل أن غسل يوم الجمعة مستحب استحبابًا أكيدًا بحيث يستحق تاركه التعنيف، والإنكار الشديد عليه، كما تقدم من قصة عمر، وعمار بن ياسر، وغيرهما.
стр. 9390
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في اشتراط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، وعدمه:
ذهب الجمهور إلى أن ذلك مستحبّ، ولا يشترط اتصاله به، بل متى اغتسل بعد الفجر أجزأه.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن مجاهد، والحسن البصريّ، والنخعيّ، وعطاء ابن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، والحكم، والشعبيّ، وحكاه ابن المنذر عن الثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال ابن وهب صاحب مالك (١).
وقال الأثرم: سمعت أحمد سُئل عمن أغتسل، ثم أحدث، هل يكفيه الضوء؟ فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. يُشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وله صحبة: "أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يُحدث، فيتوضأ، ولا يُعيد الغسل" (٢).
وذهب مالك إلى أنه يشترط أن يكون الغسل متصلًا بالذهاب إلى الجمعة.
وحكى ابن المنذر: عن الأوزاعي، أنه قال: يجزئه أن يغتسل قبل الفجر للجنابة والجمعة، وحكى ابن حزم عن الأوزاعيّ أنه قال كقول مالك: لا يُجزىء غسل الجمعة إلا متصلًا بالرواح، قال: إلا أن الأوزاعي قال: إن اغتسل قبل الفجر، ونهض إلى الجمعة أجزأه، وحكى إمام الحرمين في "النهاية" وجهًا أنه يُجزىء قبل الفجر، كغسل العيد، قال النووى: وهو شاذ منكر (٣).
وأحتُحّ لمالك بحديث الباب "إذا جاء أحدكم الجمعة، فليغتسل".
قال ولي الدين رحمه الله تعالى: وجواب الجمهور عن هذا الحديث أنه تبين برواية مسلم تعليق الأمر بالغسل على إرادة إتيان الجمعة، وليس يلزم أن يكون إتيان الجمعة متصلًا بإرادة ذلك، فقد يريد عقب الفجر إتيانها، ويتأخر الإتيان إلى ما بعد الزوال، ولا شك أن كلّ من تجب عليه الجمعة، وهو مواظب على الواجبات إذا خطر له عقب الفجر أمر الجمعة أراد إتيانها، وإن تأخر الإتيان زمنًا طويلًا، وذلك يدلّ على أنه ليس المدار على نفس الإتيان، بل على إرادته، ليحترز به عمن هو مسافر، أو معذور بغير ذلك من الأعذار القاطعة عن الجمعة والله أعلم انتهى (٤).
стр. 9391
وقال في "الفتح": ومقتضى النظر أن يقال: إذا عُرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتنظيف رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما يُزيل تنظيفه، اسُتحب له أن يؤخّر الغسل لوقت ذهابه، ولعلّ هذا هو الذي لحظه مالك، فشرط اتصال الذهاب بالغسل، ليحصل الأمن مما يُغاير التنظيف. والله تعالى أعلم.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ولقد أبعد الظاهري إبعادًا يكاد أن يكون مجزومًا ببطلانه، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده، تعلقًا بإضافة الغسل إلى اليوم -يعني قوله: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"- وقد تبيّن من بعض الروايات أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة.
قال: وفُهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة.
وكذلك أقول لو قدمه بحيث لا يتحصّل هذا المقصود لم يُعتدّ به.
والمعنى إذا كان معلومًا كالنصق قطعًا، أو ظنًّا مقارنًا للقطع، فاتباعه، وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ.
وقد حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، ولا فَعَل ما أمر به.
وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، وأطال في تقرير ذلك بما هو بصدد الممنع، والرّدُّ يفضي إلى التطويل بما لا طائل تحته، ولم يورد عن أحد ممن ذُكر التصريحَ بإجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنما أورد عنهم ما يدلّ على أنه لا يُشترط اتصال الغسل بالذهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنه لا فرق بين ما قبل الزوال، أو بعده، والفرق بينهما ظاهر كالشمس. والله تعالى أعلم انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرر مما ذكر أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاغتسال بعد الفجر، وأن اتصاله بالذهاب غير لازم، وأنه لا يجزىء بعد صلاة الجمعة هو المذهب الحقّ، لوضوح أدلته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في اغتسال من لا تجب عليه الجمعة، كالمسافر، والنساء، والصبيان:
стр. 9392
قال ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في اغتسال المسافر يوم الجمعة، فقالت طائفة: ليس على المسافر يوم الجمعة غسل، هكذا قال عطاء، وكان ابن عمر وعلقمة لا يغتسلان في السفر يوم الجمعة.
وقالت طائفة: يغتسل، وإن كان مسافرًا، روينا عن طلحة بن عُبيد الله أنه أغتسل في السفر يوم الجمعة، وروى عن طاوس، ومجاهد، أنهما كانا يفعلان ذلك، وكان أبو ثور يقول: ولا يجب (١) ترك الغسل يوم الجمعة في سفر، ولا حضر.
قال ابن المنذر ﵀: ليس على المسافر الاغتسال يوم الجمعة؛ لأن المأمور بالاغتسال من أتى الجمعة، وليس ذلك على من لا يأتيها.
وقال أيضًا: واختلفوا في اغتسال النساء، والصبيان، والعبيد إذا حضروا الصلاة، فكان مالك يقول: من حضر الجمعة من النساء والعبيد، فليغتسل، وقال الشافعي في النساء والعبيد، والمسافرين، وغير المحتلمين إن شهدوا الجمعة أجزأتهم، وليغتسلوا، كما يفعل بهم إذا شهدوها (٢).
وقالت طائفة: إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة.
قال ابن المنذر: ظاهر قوله ﷺ : "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل" يدلّ على أن الأمر بالاغتسال لمن أتى الجمعة، فلا معنى لاغتسال من لا يأتي الجمعة من المسافرين، وسائر من رُخّص له في التخلف عن إتيان الجمعة.
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، فظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال لليوم أتى، أو لم يأتها، وقول من أمر المسافر بالاغتسال يوم الجمعة يوافق ظاهر هذا الحديث انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال: إن الغسل لمن أراد الإتيان إلى الجمعة هو الراجح عندي؛ لأن إطلاق حديث "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، مقيد بمفهوم حديث "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". وقد جاء مصرحًا به فيما رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه" من طريق عثمان بن واقد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل، من الرجال والنساء". قال ولي الدين ﵀: وإسناده صحيح.
стр. 9393
فدل على أن الاغتسال لصلاة الجمعة، لا لليوم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم هل الغسل للجنابة والجمعة واحد، أم لا؟
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إن المغتسل للجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا يجزئه. وروينا هذا القول عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوريّ، والأوزاعي، والشافعيّ، وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزئه.
وأخرج عن ابن عمر-﵄، أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غُسلًا واحدًا.
قال: وروينا أن بعض ولد أبي قتادة دخل عليه يوم الجمعة ينفض رأسه، مغتسلًا، فقال: للجمعة اغتسلت؟ قال: لا، ولكن للجنابة، قال: فأعد غسلًا للجمعة انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور في كون الغسل الواحد يكفي للجنابة والجمعة إذا نواهما هو الحقّ، ويدلّ عليه ما رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق ابن إسحاق، قال حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن طاوس اليماني، قال: قلت لابن عباس: زعموا أن رسول الله ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جُنُبًا، ومسوا من الطيب". قال: فقال ابن عباس: أما الطيب، فلا أدري، وأما الغسل، فنعم انتهى.
وجاء في هامش "الإحسان": هذا رواه شعيب، عن الزهري بلفظ: "وإن لم تكونوا جنبًا"، وروايته أصح (٢).
وقال في "الفتح": معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنبًا للجنابة، وإن لم تكونوا جنبا للجمعة، وأخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزىء عن الجمعة، سواء نواه أو لا، وفي الاستدلال على ذلك بُعْد.
نعم رَوَى ابنُ حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهري في هذا الحديث: "اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنبًا"، وهذا أوضح في الدلالة على المطلوب، لكن رواية شعيب عن الزهري أصح. انتهى.
والحاصل أن هذا الحديث يدل على أن الغسل الواحد يكفى للجنابة والجمعة، إذا نواه عنهما.
стр. 9394
والظاهر أن استبعاد الحافظ الاستدلال به إنما هو في قوله: "نواه للجمعة أم لا"، لا في الاجتزاء بغسل واحد عنهما، وهو ظاهر؛ لأن العبادة المشتركة لابد من نيتهما معًا حال أدائها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: في اختلاف أهل العلم فيمن أحدث بعد الاغتسال:
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: واختلفوا في الرجل يغتسل الجمعة، ثم يُحدث، فاستحبت طائفة أن يعيد الاغتسال له.
وبه قال طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وقال الحسن البصري: يعيد الغسل، وقال إبراهيم التيمي: كانوا يقولون: إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حالته التي كان عليها قبل أن يغتسل.
وقالت طائفة: يُجزيه الوضوء، كذلك قال الحسن، ومجاهد، وكذلك كان يفعل عبد الرحمن بن أبزى، وقال مالك، والأوزاعي: يجزيه الوضوء.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول، لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"، وقد أتى من أحدث بعد الاغتسال بالغسل انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسن جدًّا.
وحاصله: أن من اغتسل يوم الجمعة للجمعة، ثم طرأ عليه الحدث، فقد أتى بما أمر به، فإنه لم يؤمر بالصلاة بذلك الغسل، وإنما أمر بالنظافة في حال حضوره للجمعة، فإذا حصلت فقد امتثل الأمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
٨ - (باب إِيجَابِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٣٧٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ").
стр. 9395
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (صفوان بن سُليم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدني، ثقة مفت عابد رُمي بالقدر [٤] تقدم ٤٧/ ٥٩.
٢ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، ثقة فاضل واعظ عابد [٣] تقدم ٦٤/ ٨٠.
والباقون تقدموا في الباب الماضي، وفي الذي قبله.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل باب ودلالته لما ترجم له واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٧٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ غُسْلُ يَوْمٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُميد بن مَسعَدة) الباهليّ البصري، صدوق [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٢ - (بشر) بن الْمُفَضل، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢.
٣ - (داود بن أبي هند) القُشيري مولاهم البصري، ثقة متقن كان يهم بآخره [٥] تقدم ٢١/ ٥٣٨.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكي، صدوق [٤] تقدم ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥. وشرح الحديث يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، لكنه صحيح بالأحاديث السابقة.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٨/ ١٣٧٨ - وفي "الكبرى" ٨/ ١٦٦٩ - بالسند المذكور.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٠٤ (ابن خزيمة) ١٧٤٧ (عبد بن حميد) ١٠٧٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 9396
٩ - (باب الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
أي باب ذكر الحديثين الدّالّين على التسهيل في ترك الغسل يوم الجمعة لعدم كونه واجبًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة أن الوجوب المستفاد من حديث الباب الماضي مصروف عن ظاهره بحديثي الباب، فإنهما يدلان على ذلك، كما يأتي إيضاحه قريبا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٧٩ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ، فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ، وَبِهِمْ وَسَخٌ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الرَّوْحُ، سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ، فَيَتَأَذَّى بِهَا النَّاسُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَوَ لَا تَغْتَسِلُونَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمود بن خالد) السلمي، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠]، تقدم ٤٥/ ٥٩٥.
٢ - (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كبير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤.
٣ - (عبد الله بن العلاء) بن زَبْر -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة- ابن عُطارد بن عَمرو بن حُجْر الرَّبَعيّ، أبو زَبْر، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، ثقة [٧].
رَوَى عن بُسر بن عُبيد الله، وثور بن يزيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل، عن أحمدة مُقارب الحديث. وقال الدوريّ، وابن أبي خَيثمة، وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال دُحَيم، وأبو داود، ومُعاوية بن صالح، وهشام بن عَمّار. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وكذا قال محمد بن عَوْف، عن ابن معين. وقال ابن معين: كان ثقة، إن شاء الله. وقال عثمان الدارميّ: سالت عبد الرحمن -يعني دُحَيمًا- عنه؟ فوثقه جدًّا. وقال يعقوب بن سفيان: سألته يعني دُحيمًا -عنه؟ فقال: كان
стр. 9397
ثقة، وكان من أشراف البلد، قال يعقوب: وعبد الله بن العلاء ثقة، أثنى عليه غير واحد. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين كلّه ضعيف إلَّا نفرًا، منهم عبد الله بن العلاء. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال في موضح آخر: هو أحبّ إليّ من أبي معبد حفص بن غيلان. وقال الدارقطني: ثقة يُجمع حديثه. وقال النسائي: في "التمييز": ليس به بأس، شامي. وقال العجلي: شاميّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الذهبي في "الميزان": إن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه. قال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي": لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث. ووقع في "المحلَّى" لابن حزم في الكلام على حديث أبي ثعلبة ﵁ في آنية أهل الكتاب: عبد الله بن العلاء ليس بالمشهور، وهو متعقَّبٌ بما تقدم.
قال إبراهيم بن عبد الله: توفي سنة (١٦٤) وهو ابن (٨٩) سنة، وصلّى عليه سعيد ابن عبد العزيز، وقال إبراهيم في رواية أخرى: مات سنة خمس.
روى له البخاريّ، والأربعة. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وحديث (٤١٧٢) وأعاده بعده، وحديث ٥٥٩٠.
٤ - (القاسم بن محمد بن أبي بكر) الصدّيق التيمي المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالدمشقيين إلى القاسم، وأن القاسم أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمته، وأن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد الله بن العلاء (أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا) يحتمل فتح همزة "أنّ" على تقدير "يذكر"، وكسرها على تقدير "يقول"، والضمير في "أنهم"، وفي "ذكروا" يعود إلى الجماعة الحاضرين في مجلس عائشة رضي الله تعالى عنها، بدلالة السياق (غُسْلَ يَوْم الْجُمُعَة) بنصب "غسل" على المفعولية، أي حكمه، أو سبب ابتداء تشريعه (عنْدَ عَائشَةَ) ﵂، متعلق بـ"ذكرا" (فقالَتْ) أي عائشة ﵂ (إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ) جمعه عوال، وهي عبارة عن القُرى المجتمعة حولَ المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها، فيقال له السافلة، وأقرب العوالي إلى المدينة
стр. 9398
مسافة ميلين، أو ثلاثة، وأبعدها ستة، وقيل: ثمانية، وتقدّم الكلام عليه في "كتاب المواقيت" -٨/ ٥٠٧ - (فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ، وَبِهِمْ وَسَخٌ) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يحضر".
و"الوسخ" بفتحتين: ما يعلو الثوب وغيره من قلة التعهد، والجمع أوساخ (١).
وفي رواية الشيخين من طريق عمرة، عن عائشة ﵂: قالت: كان الناس يَنتابون (٢) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي، فيأتون في الغبار، يُصيبهم الغبار والعرق، فيَخرُجُ منهم العَرَق، فأَتَى رسول الله ﷺ إنسان منهم -وهو عندي- فقال النبي ﷺ : "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا".
وفي رواية لهما: كان الناس مَهَنَةَ (٣) أنفسهم، وكانوا إذا راحوأ إلى الجمعة راحوا في هَيْئتهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتم".
وأخرج أحمد في "مسنده" جـ ١ ص ٢٦٨ - وأبو داود في "سننه" -٣٥٣ - وصححه ابن خزيمة ١٧٥٥ - : عن عكرمة، أن ناسًا من أهل العراق جاءوا، فقالوا: يا ابن عبّاس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا، قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن أغتسل، ومن لم يغتسل، فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل؟ كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويَعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا، مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حارّ وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياحٌ آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح، قال:
"أيها الناس إذا كان هذا اليوم، فاغتسلوا، وليمسّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه، وطيبه"، قال ابن عباس: ثم جاء الله تعالى ذكرُهُ بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العملَ، ووسع الله مسجدَهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق.
(فَإِذَا أَصَابَهُمُ الرَّوْحُ) بالفتح: نَسيم الريح (سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ) يقال: سطع الغُبَار، والرائحةُ يَسطَعُ -بفتحتين-: ارتفع. قاله الفيّومي.
و"الأرواح" جمع ريح بالكسر؛ لأن أصلها الواو، ويجمع على أرياح قليلًا، وعلى رياح كثيرًا، أي كانوا إذا مرّ عليهم النسيم، تَكَيّف بأرواحهم، وحملها إلى الناس (فَيَتَاذَّى بَها) أي يتضرّر بسبب خُبث تلك الأرواح، وفي نسخة "به"، أي بذلك الروح (النَّاسُ) أي الذين يحضرون المسجد لصلاة الجمعة (فَذُكرَ ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول،
стр. 9399
واسم الإشارة نائب فاعله (لرَسُول الله ﷺ ) متعلق بـ"ذكر". أي ذَكَر الناسُ الذين تأذوا بتلك الأرواح للنبي ﷺ ما حصل لهم من الضرر، ليأمرهم بالنظافة، وتَعَهُّدِ أجسامهم وثيابهم.
(فَقَالَ) ﷺ (أَوَ لَا تَغْتَسلُونَ) بتاء الخطاب، وفي النسخة "الهندية": "أو لا يغتسلون" بالياء. والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة، وجملة "لا تغتسلون" معطوفة على محذوف، أي أتحضرون الجمعة، ولا تغتسلون.
وحاصل المعنى أنهم كانوا يَعرَقون لمشيهم من مكان بعيد في شدة الحر، وتقدم أنهم كانوا يلبسون الصوف، فإذا اجتمع العرق مع وسخ لباس الصوف يثير رائحة كريهةً، فإذا حملها الريح إلى الناس، تأذوا بها، فأنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وحثهم على الاغتسال، حتى لا يحصل هذا الضرر.
والحديث استدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على الترخيص في ترك غسل الجمعة، ووجه استدلاله به أنه يدل على أن الغسل كان لسبب، فلما زال ذلك السبب، زال الوجوب معه، وفي هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى، إذ قوله ﷺ : "أو لا تغتسلون" يفيد الإنكار التوبيخي، وهو يدلّ على الأمر بالاغتسال، لا على تركه، وأيضًا فإن زوال سبب التشريع لا يدلّ على زوال الحكم، كالرَّمَل مثلًا، كان لإغاظة المشركين -كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى من "كتاب الحج"- وقد زال ذلك السبب، ولم يزل ذلك الحكم، بل صار شرعًا مستمرًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٩/ ١٣٧٩ - وفي "الكبرى" -٨/ ١٦٨٣ - بالسند المذكور. وقد تقدم بسياق آخر عند الشيخين، وغيرهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الترخيص في ترك الغسل يوم الجمعة؛ لأن مشروعيته كان للسبب المذكور في الحديث، فلما وسع الله عليهم، وزال السبب رُخص لهم في تركه، هذا هو والظاهر من إيراد المصنف ﵀ له هنا، وقد عرفت ما فيه.
ومنها: ما كان عليه الناس في عهد رسول الله ﷺ من ضيق المعيشة، والصبر عليه.
стр. 9400
ومنها: أن أراد أراد مجالسة الناس ينبغي له أن يزيل عنه ما يتأذي به الناس أراد الروائح الكريهة، ويتجمل لهم، ويظهر بمظهر حسن.
ومنها: مشروعية إتيان الجمعة من الأمكنة البعيدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٨٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا، وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابًا، وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ إِلاَّ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المقدام العجلي البصري، صدوق صاحب حديث [١٠] تقدم ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو مُعاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإِمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (قتادة) بن دعامة الحافظ الحجة، يدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الإِمام الحجة الفقيه المشهور [٣] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٦ - (سمرة) بن جُندب بن هلال الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه تقدم ٢٥/ ٣٩٣. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَمُرَةَ) رضي الله تعالى (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا، وَنِعْمَتْ) أي فبرخصة الوضوء أخذ، ونعت هذه الرخصةُ.
وقال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ، ونعت السنة، وقال أبو حامد الشاركيّ: معناه، فبالرخصة أخذ؛ لأن سنة يوم الجمعة الغسل. وقال الحافظ أبو الفضل العراقي: أي فبطهارة الوضوء حصل الواجب في التطهير للجمعة انتهى (١).
وقال السندي: قوله: "فبها"، أي فيكتفي بها، أي بتلك الفعلة التي هي الوضوء. وقيل: فبالسنة أخذ. وقيل: بل الأولى: بالرخصة أخذ؛ لأن السنة يوم الجمعة الغسل.
стр. 9401
وقيل: بل بالفريضة أخذ، ولعلّ من قال: بالحسنة أراد ما جوّزته السنة، ولا يخفى بُعْدُ دلالة اللفظ على هذه المعاني انتهى (١).
و"وَنعْمَتْ" -بكسر النون، وسكون العين المهملة- على المشهور، وروي بفتح النون، وكسر العين، وهو الأصل في هذه اللفظة.
وروي "ونَعمتَ" بفتح النون، وكسر العين، وفتح التاء: أي نعَّمك الله.
قال النووي في "شرح المهذّب": وهذا تصحيف، نبّهتُ عليه لئلّا يُغترّ به (٢).
وقال الخطّابي في إصلاح الألفاظ التي صَحَّفها الرُّوَاة: و"نعمت" بكسر النون، ساكنةَ التاء، أي نعمت الخَصْلة، والعامّةُ يروونه "نَعِمَتْ" يفتحون النون، ويكسرون العين، وليس بالوجه، ورواه بعضهم: "ونَعِمْتَ": أي نَعَّمَك الله انتهى (٣).
(وَمَنِ اغْتَسَلَ، فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) أي لأنه أكمل الطهارتين، فيكون أنسب لما طلب في ذلك اليوم من كمال النظافة.
قال الإِمام الترمذي رحمه الله تعالى: دلّ هذا الحديث على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب انتهى (٤).
وقال الخطابي ﵀: فيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة، وأن الغسل لها فضيلة، لا فريضة انتهى.
قال النووي ﵀: في هذا الحديث دليلان على عدم وجوب غسل يوم الجمعة:
أحدهما: قوله ﷺ : "فبها"، وعلى كل قول مما سبق في تفسيره تحصل الدلالة.
والثاني: قوله ﷺ : "فالغسل أفضل"، والأصل في أفعل التفضيل أن يدخل على مشتركين في الفضل، يُرجّح أحدهما فيه انتهى (٥).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال المصنف بالحديث على ما بوّب له واضح، كما قرره هؤلاء الأئمة، وقد تقدم تمام البحث في ذلك قبل باب، وبالله تعالى التوفيق.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي رحمه الله تعالى (الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابًا) هكذا النسخ هنا وفي "الكبرى" بالنصب، وعليه فيكون "الحسنُ" فاعلا لفعل مقدر، و"كتابًا" مفعول
стр. 9402
لذلك الفعل: أي وَجَد الحسن، أو رَوَى كتابًا يعني أن أحاديث الحسن البصري، عن سمرة بن جندب ﵁ ليست سماعًا، وإنما وجد كتابه، فحدّث بها (وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ إِلاَّ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) وهو ما رواه المصنف ﵀ في "كتاب العقيقة" -٥/ ٤٢٢٠ - أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا يزيد -وهو ابن زريع- عن سعيد، أنبأنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جُندب، عن رسول الله ﷺ ، قال: "كلُّ غلام رَهينٌ بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُحلق رأسه، ويُسمّى".
-٤٢٢١ - أخبرنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا قُريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال لي محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة، فسألته عن ذلك؟ فقال: سمعته من سمرة.
وسيأتي تمام البحث في سماع الحسن، عن سمرة ﵁ في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى، والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سمرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه عنعنعة قتادة، والحسن؟.
قلت: أما عنعنعة قتادة، فإنها جاءت من طريق شعبة، فقد ثبت عنه أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، فزالت تهمة التدليس.
وأما الكلام في سماع الحسن فيجاب عنه بأن للحديث شواهد يصح بها، ومن أقوى شواهده ما أخرجه مسلم في "صحيحه" عقب الأمر بالغسل عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت غُفِر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام". ففيه بيان صريح بأن الوضوء يكفي للجمعة، فيكون شاهدًا قويًّا لحديث سمرة ﵁ فيه. وقد وردت أحاديث ضعيفة تشهد له ولكن الصحيح المذكور يكفي.
والحاصل أن الحديث صحيح لما ذكر. وسيأتي تمام البحث في سماع الحسن في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩/ ١٣٨٠ وفي "الكبرى" -٩/ ١٦٨٤ - بالسند المذكور.
стр. 9403
وأخرجه (د) ٣٥٤ (ت) ٤٩٧ (أحمد) ٥/ ٨ و٥/ ١١ و٥/ ١٥ و٥/ ١٦ و٥/ ١٢٢ (الدارمي) ١٥٤٨ (ابن خزيمة) ١٧٥٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف ﵀، وهو الترخيص في ترك الغسل يوم الجمعة، والاجتزاء بالوضوء.
ومنها: تفضيل الغسل على الوضوء لكونه أتم في النظافة.
ومنها: سماحة الشريعة، وسهولة أمرها، حيث سهلمت في موضع الحرج، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان الاختلاف الواقع في هذا الحديث:
قال في "التلخيص الحبير" جـ ٢ ص ٦٧: حديث "من توضأ يوم الجمعة، فبها، ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل". رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خُزيمة من حديث الحسن، عن سمرة، وقال الترمذي: حديث حسن.
ورواه بعضهم عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا.
وقال في "الإِمام": مَنْ يحمل رواية الحسن عن سمرة على الاتصال يصحّح هذا الحديث.
قلت: وهو مذهب علي بن المديني، كما نقله عنه البخاريّ، والترمذيّ، والحاكم، وغيرهم. وقيل: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وهو قول البزّار وغيره. وقيل: لم يسمع منه شيئًا أصلًا، وإنما يُحدّث من كتابه.
ورواه أبو بكر الْهُذلي -وهو ضعيف- عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، ووهم في ذلك. قاله الدارقطني في "العلل"، قال: والصواب رواية يزيد بن زريع وغيره عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
ورواه أبو حرّة، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة. ووهم في اسم صحابيه. أخرجه أبو داود الطيالسيّ، والبيهقي من طريقه.
ورواه العيقليّ من طريق قتادة، عن الحسن، عن جابر.
ومن طريق إبراهيم بن مُهاجر، عن الحسن، عن أنس.
وهذا الاختلاف فيه على الحسن، وعلى قتادة لا يضرّ، لضعف من وهم فيه، والصواب -كما قال الدارقطنيّ-: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك قال العقيليّ. ورواه ابن ماجه بسند ضعيف، عن أنس، ورواه الطبراني من حديثه في "الأوسط" بإسناد أمثل من ابن ماجه.
стр. 9404
ورواه البيهقي بإسناد فيه نظر من حديث ابن عباس، وبإسناد فيه انقطاع من حديث جابر، ورواه عبد بن حميد، والبزّار في "مسنديهما"، وكذلك إسحاق بن راهويه في "مسنده" من حديثه بإسناد فيه ضعف، ورواه البيهقي من حديث أبي سعيد، وله طريق أخرى في "التمهيد"، فيها الربيع بن بدر، وهو ضعيف انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما قاله الأئمة أن أصح أسانيد حديث الباب رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، كما هو رواية المصنف رحمه الله تعالى، والكلام في سماع الحسن، عن سمرة يأتي في المسألة التالية إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في سماع الحسن، عن سمرة ﵁:
ذكر الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في كتابه "نصب الراية" المسألةَ مفصلةً، فقال رحمه الله تعالى:
وفي سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه سمع منه مطلقًا، وهو قول ابن المديني، ذكره البخاريّ في أوّل "تاريخه الأوسط"، فقال: حدثنا الحمديّ، ثنا سفيان، عن إسرائيل، قال: سمعت الحسن يقول: ولدت لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁. قال: سماع الحسن من سمرة صحيح انتهى.
ونقله الترمذّي في كتابه، فقال: "باب الصلاة الوُسطى": قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- قال عليّ -يعني ابن المديني- سماع الحسن من سمرة صحيح انتهى.
ولم يُحسن شيخنا علاء الدين، فقال مقلّدًا لغيره: قال الترمذي: سماع الحسن من سمرة عندي صحيح، والترمذي لم يقل ذلك، فإنما نقله عن البخاريّ، عن ابن المديني، كما ذكرناه، ولكن الظاهر من الترمذي أنه يختار هذا القول، فإنه صحح في "كتابه" عدّة أحاديث من رواية الحسن، عن سمرة، واختار الحاكم هذا القول في "كتابه المستدرك" بعد أن أخرج حديث الحسن عن سمرة: "إن النبي ﷺ كانت له سكتتان، سكتة إذا كبّر، وسكتة إذا فرغ من قراءته": ولا يتوهّم أن الحسن لم يسمع من سمرة، فإنه سمع منه انتهى. وأخرج في كتابه عدّة أحاديث من رواية الحسن عن سمرة، وقال في بعضها: على شرط البخاري، وقال في "كتاب البيوع" بعد أن روى حديث الحسن،
стр. 9405
عن سمرة: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم": وقد احتج البخاري بالحسن، عن سمرة انتهى.
القول الثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا، واختاره ابن حبان في "صحيحه"، فقال في النوع الرابع من القسم الخامس بعد أن روى حديث الحسن، عن سمرة: "إن النبي ﷺ كانت له سكتتان … ": والحسن لم يسمع من سمرة.
وقال صاحب "التنقيح": قال ابن معين: الحسن لم يلقَ سمرة. وقال شعبة: الحسن لم يسمع من سمرة. وقال البرديجيّ: أحاديث الحسن، عن سمرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث، قال فيه: سمعت سمرة انتهى كلامه.
القول الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي، وإليه مال الدارقطنيّ في "سننه"، فقال في حديث السكتتين: والحسن اختلف في سماعه من سمرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيما قاله قُريش بن أنس انتهى.
واختاره عبد الحق في "أحكامه"، فقال عند ذكره هذا الحديث: والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة.
واختاره البزّار في "مسنده"، فقال في آخر ترجمة سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁:
والحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، ثم رغب عن السماع عنه، ولما رجع إلى ولده أخرجوا له صحيفة سمعوها من أبيهم، فكان يرويها عنه من غير أن يُخبر بسماع؛ لأنه لم يسمعها منه انتهى.
روى البخاري في "تاريخه" عن عبد الله بن أبي الأسود، عن قُريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: قال محمد بن سيرين: سَل الحسنَ ممن سمع حديثه في العقيقة؟ فسألته، فقال: سمعته من سمرة، وعن البخاري رواه الترمذيّ في "جامعه" بسنده ومتنه، ورواه النسائي عن هارون بن عبد الله، عن قُريش. وقال عبد الغنيّ: تفرّد به قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد.
وقد رده آخرون، وقالوا: لا يصحّ له سماع منه انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني هو الراجح؛ لأن سماعه منه حديثَ العقيقة صحيح، فنفي السماع على الإطلاق مجرّد دعوى لا يستند إلى دليل فلا يلتفتُ إليه، وأما غير حديث العقيقة، فإن جاء تصريحه بالسماع، فكذلك، وإلا فلا، لكونه يروي عن كتابه، فلابدّ من التصريح بالسماع.
وأما تصحيح حديث الباب هنا فليس لثبوت سماعه، بل لما ذكرناه من الشواهد، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9406
[تَتِمَّة]: في ذكر كلام البزار رحمه الله تعالى في سماع الحسن البصري من الصحابة ﵃:
قال البزّار في "مسنده" في آخر ترجمة سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁:
سمَع الحسن من جماعة من الصحابة، ورَوَى عن جماعة آخرين لم يُدركهم، وكان صادقًا، متأولًّا في ذلك، فيقول: حدثنا، وخطبنا، ويعني قومه الذين حُدثّوا، وخُطبوا بالبصرة، فأما من سمع منهم، فهم: أنس بن مالك، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن مغفل، وعائذ بن عمرو، وأبو برزة، وعبد الرحمن بن سمرة، وعمران بن حُصين، وأبو بكرة، وسمع من سوّار بن عمرو، وعمرو بن تَغلب، وسعد مولى أبي بكرة، وروى عن عثمان بن أبي العاص، وسمع منه. وروى عن محمد بن مسلمة، ولا أُبعد سماعه منه.
وأما قوله: خطبنا ابن عباس بالبصرة، فقد أُنكر عليه؛ لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجَمَل، وقدم الحسن أيام صفّين، فلم يدركه بالبصرة، وتأوّل قوله. خطبنا، أي: خطب أهل البصرة، وكذلك قال. حدّثنا الأسود بن سَريع، والأسود قدم يوم الجمل، فلم يره، ولكن معناه حدّث أهل البصرة.
وقال علي بن زيد عن الحسن: إن سراقة بن مالك حدّثهم، وإنما حدّث من حدّثه، ولذلك لم يقل: حدثني.
وروى عن أبي موسى الأشعريّ، وأبو موسى إنما كان بالبصرة أيام عمر، فلا أحسبه سمع منه.
وقد رأى جماعة جلّةً، منهم. عثمان بن عفّان (١).
وقد حدَّثَ عن أُسيد بن المُشَمِّس، عن أبي موسى، وعن قيس بن عُبَاد، وحدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا أعلمه سمع من واحد منهما.
وحدث عن جندب بن عبد الله البجلي بأحاديث، عن النبي ﷺ ، وبأحاديث رواها عن جندب، عن حذيفة.
وحدّث عن النعمان بن بشير، ولا أحسبه سمع منه؛ لأنه النعمان لا نعلمه دخل البصرة، وإنما كان بالكوفة، وقد رأيته يُحدّث عن رجل، عنه.
وحدّث عن عقبة بن عامر بشكّ، فقال: عن سمرة، أو عُقبة، وقال يونس، عن الحسن، عن عُقبة، من غير شك، ولا أحسبه سمع منه.
وحدّث عن عبادة بن الصامت، ولم يسمع منه، وبينهما حطّان بن عبد الله.
стр. 9407
وحدث عن سلمة بن المحبّق، ولم يسمع منه، وبينهما حول بن قتادة، وقبيصة.
وحدث عن صعصعة بن معاوية، وحدث عن عتبة بن غَزْوان، ولم يسمع منه؛ لأنه إنما دخل البصرة أيام عمر، بعثه أميرًا عليها، ثم انصرف، ومات، ولم يسمع منه، وعتبة إنما روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا.
وروى عن علي بن أبي طالب غير حديث، ولم يسمع منه، وبينهما قيس بن عُبَاد، وابن الكواء.
وروى عن أنس مراسيل، ولا يثبت له منها إلا ما كان فيه بينهما رجل، كأبي سفيان، ويزيد الرقاشي، وغيرهما.
وروى عن أبي هريرة ﵁ أحاديث، ولم يسمع منه (١). وروى عن ثوبان حديثاً واحدًا، ولم يسمع منه. وروى عن أُسامة بن زيد حديثين، ولم يسمعهما منه. وروى عن جابر ابن عبد الله أحاديث، ولم يسمع منه وروى عن العباس بن عبد المطّلب، ولم يسمع منه، وبينهما الأحنف بن قيس، ولم يثبت له سماع من أحد من أهل بدر، ولا حديثًا واحدًا، وذكر الحسن أنه رأى طلحة، والزبير في بعض بساتين المدينة انتهى كلام البزار ملخصًا محررًا.
وروى الترمذي في كتابه في أبواب صفة جهنّم حديثًا عن الحسن، عن عُتْبَةَ بن غَزْوان، عن النبي ﷺ : "أن الصخرة العظيمة لتُلقَى من شفير جهنّم، فتهوي فيها سبعين عامًا ما تفضي إلى قرارها". ثم قال: لا نعرف للحسن سماعًا من عُتبة بن غَزوان، وإنما قدم عُتبة البصرة زمن عمر، وولد الحسن لسنتين لقيتا من خلافة عمر انتهى.
وقال في غير موضع من كتابه: قال أيوب السختياني، ويونس بن عُبيد، وعلي بن زيد: الحسن لم يسمع من أبي هُريرة انتهى. انتهى ما ذكره الحافظ الزيلعي ﵀
стр. 9408
تعالى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠ - (فَضْلِ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
١٣٨١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، وَهَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَسَّلَ، وَاغْتَسَلَ، وَغَدَا، وَابْتَكَرَ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ، صِيَامُهَا، وَقِيَامُهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، ثقة ثبتما [١١] تقدم ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (هارون بن محمد بن بَكّار) بن بلال العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١] تقدّم ١٢٨/ ١٠٩١.
٣ - (أبو مُسهر) عبد الأعلى بن مُسهر الغسّاني الدمشقي، ثقة فاضل، من كبار [١٠] تقدّم ٥/ ٤٦٠.
٤ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخي الدمشقيّ، ثقة إمام، اختلط في آخره [٧] تقدم ٥/ ٤٦٠.
٥ - (يحيى بن الحارث) الذِّمَاري -بكسر المعجية، وتخفيف الميم- الغَسّاني، أبو عمرو، ويقال: أبو عُمر الشامي القارىء، ثقة [٥].
روى عن واثلة بن الأسقع، وسعيد بن المسيب، وأبي الأشعث الصنعاني، وغيرهم. وعنه ابنه عمر، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان عالمًا بالقراءة في دهره، يُقرأ عليه القرآن، وكان قليل الحديث. وذكره أبو زرعة الدمشقيّ في "تسمية الأصاغر من أصحاب واثلة". وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس. وقال عثمان الدارميّ، عن دُحيم: ثقة.
стр. 9409
وقال يعقوب بن سُفيان: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، كان عالمًا بالقراءة، وقال في موضع آخر: صالح الحديث. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات سنة (١٤٥) وهو ابن (٧٠) سنة. وفيها أرّخه غير واحد. روى له الأربعة. وله في هذا الكتاب حديثان: هذا وأعاده برقم ١٣٩٨ وحديث ٢٢٥٤.
٦ - (أبو الأشعث الصنعاني) شَرَاحيل بن آدة، وقيل: غيره، ثقة [٢] تقدم ٥/ ١٣٧٤.
٧ - (أوس بن أوس) الثقفي الصحابي، سكن دمشق، تقدم ٥/ ١٣٧٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله ثقات، وأنه مسلسل بالشاميين، وفيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَوْس بْنِ أَوْس) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ غَسَّلَ، وَاغْتَسَلَ) قال النووي ﵀ في "شَرح المهذّب": رُوي "غَسَل" بتخفيف السين وتشديدها، روايتان مشهورتان، والأرجح عند المحققين بالتخفيف، فعلى رواية التشديد في معناه ثلاثة أوجه: أحدهما: غَسَّل زوجته بأن جامعها، فألجأها إلى الغسل، واغتسل هو، قالوا: ويستحب له الجماع في هذا اليوم ليأمن أن يَرَى في طريقه ما يَشغَلُ قلبه. والثاني: أن المراد غَسَّلَ أعضَاءَهُ في الوضوء ثالثًا ثلاثًا، ثم اغتسل للجمعة. والثالث: غَسَّل ثيابه ورأسه، ثم اغتسل للجمعة.
وعلى رواية التخفيف في معناه هذه الأوجه الثالثة: أحدها: الجماع، قاله الأزهري، قال: ويقال: غَسَل امرأته: إذا جامعها. والثاني: غَسَلَ رأسه وثيابه. والثالث: توضأ.
وذكر بعض الفقهاء "غَسَّلَ" بالعين المهملة، وتشديد السين: أي جامع شبّه لذة الجماع بالعسل، وهذا غلط، غير معروف في روايات الحديث، وإنما هو تصحيف.
والمختار ما اختاره البيهقي وغيره من المحققين أنه بالتخفيف، وأن معناه غسل رأسه، وتؤيده رواية لأبي داود في هذا الحديث: "من غسل رأسه يوم الجمعة، واغتسل … ". ورَوَى أبو داود في "سننه" والبيهقي هذا التفسير عن مكحول، وسعيد ابن عبد العزيز قال البيهقي: وهو بَيِّنٌ في رواية أبي هريرة ﵁، وابن عباس ﵃، عن النبي ﷺ . وإنما أفرد الرأس بالذكر لأنهم كانوا يجعلون فيه الدهن والخِطْمِيَّ، ونحوهما،
стр. 9410
وكما يغسلونه أوّلًا، ثم يغتسلون انتهى كلام النوويّ (١).
وقال العراقي ﵀: ويحتمل أن المراد غسل ثيابه، واغتسل في جسده. وقيل: هما بمعنى واحد، وكُرّر للتأكيد (٢).
وقال ابن منظور ﵀: وغَسَلَ الرجلُ المرأةَ يغسلها غَسْلًا: أكثر نكاحها، وقيل: هو نكاحه إياها أكثرَ أو أقلَّ، والعين المهملة فيه لغة (٣)، ورجلٌ غُسَلٌ: كثير الضِّرَاب لامرأته، قال الْهُذَلي:
وَقْعُ الْوَبِيلِ نَحَاهُ الأَهْوَجُ الْغُسَلُ
وقال القُتَيْبيُّ: أكثر الناس يذهبون إلى أن معنى "غَسَّلَ" -يعني في هذا الحديث-: أي جامع أهله قبل خروجه إلى الصلاة، لأن ذلك يجمع غَضَّ الطرْف في الطريق؛ لأنه لا يُؤمَن عليه أن يرى في طريقه ما يَشغَل قلبه، قال. ويذهب آخرون إلى أن معنى قوله: "غَسَّلَ" توضأ للصلاة، فغسل جوارح الوضوء، وثُقِّل لأنه أراد غَسلًا بعد غَسْل؛ لأنه إذا أسبغ الوضوء غَسَلَ كلَّ عضو ثلاث مرّات، ثم اغتسل بعد ذلك غسل الجُمُعة.
وقال الأزهريّ: ورواه بعضهم مُخفَّفًا، وكأنه الصواب، من قولك: غَسَلَ الرجلُ امرأتَهُ، وغَسَّلَها: إذا جامعها، ومثله فَحْلٌ غُسَلَةٌ: إذا أكثر طَرْقَها، وهي لا تحمل.
وقال ابن الأثير: يقال: غَسَّلَ الرجلُ امرأته، بالتشديد والتخفيف: إذا جامعها. وقيل: أراد غَسَّلَ غيره، واغتسل هو؛ لأنه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأقرب، كما تقدّم في كلام النووي أن المراد بـ"غسّل" غسلُ رأسه، وبـ"اغتسل" غسلُ سائر جسده؛ لأنه يؤيده ما في رواية لأحمد، وأبي داود لهذا الحديث: "من غسل رأسه يوم الجمعة، واغتسل … " الحديث.
ويؤيده أيضًا ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن طاوس، قال: قلت لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: "اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنبًا … " الحديث.
ويؤيده أيضًا ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "إذا كان يوم الجمعة، فاغتسل الرجل، وغسل رأسه … " الحديث.
стр. 9411
قال المنذريّ: في هذا الحديث دليل لمن فسّر قوله: "غسل" بغسل الرأس انتهى. والله تعالى أعلم.
(وَغَدَا) أي خرج إلى الجمعة أوّل النهار (وَابْتَكَرَ) أي أدرك أول الخطبة. ولفظ أبي داود: "وبكر" بدل "غدا"، وهو بالتشديد على المشهور، أي بادر إلى صلاة الجمعة، أو إلى الجامع، أو راح في الساعة الأولى، وكلّ من أسرع إلى الشيء، فقد بكّر إليه.
وقيل: معنى "بكر"، و"ابتكر" وأحد كرّره للمبالغة، وليس المخالفة بين اللفظين لاختلاف المعنيين، وبه جزم ابن العربيّ. وقيل: "بكر" بمعنى أتى الصلاة في أول وقتها، وكلّ من أسرع إلى الشيء فقد بكر إليه، و"ابتكر" أي أدرك أول الخطب، وأولُ كل شيء باكورته، وابتكر الرجل: إذا أكل باكورة الفاكهة. وقيل: "بكر" بمعنى تصدّق قبل خروجه. قاله ابن الأنباري، وتأول في ذلك ما روي في الحديث: "باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها". وهو حديث ضعيف جدًا، أخرجه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي عن أنس ﵁.
والراجح -كما قال العراقي- أن "بكر" بمعنى راح في أول الوقت، و"ابتكر" بمعنى أدرك أول الخطبة (١).
زاد في الرواية الآتية من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث: "ومشى، ولم يركب". قيل: هما بمعنى، وجمع بينهما تأكيدًا، ودفعًا لما يتوهّم من حمل المشى على مجرد الذهاب، ولو راكبًا، أو حمله على تحقق المشي، ولو في بعض الطريق.
(وَدَنَا منَ الإمَام) أي قرب منه. زاد في الرواية الآتية: "وأنصت" أي استمع. وفيه أنه لابد من اجتماع الأمرين جميعًا، فلو استمع، وهو بعيد، أو قرب، ولم يستمع لم يحصل له هذا الأجر. والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَلْغُ) بضم الغين المعجمة، يقال: لغا يلغو، من باب نصر: أي لم يتكلّم، فإن الكلام حال الخطبة لغو. قاله النووي. أو استمع الخطبة، ولم يشتغل بغيرها. قاله الأزهري.
(كَانَ لَهُ بكُلِّ خُطْوَة) بضم المعجمة: بُعد ما بين الرجلين في المشي، وجمعه خُطَى، وخُطوات، كغُرَف، وغُرفات، بضم الراء في الأول، وضمها، وفتحها في الثاني، وبفتح الخاء: المرّة، وجمعها خَطَوَات، كشَهَوَات.
стр. 9412
ثم يحتمل أن المراد الخطوة في الذهاب إلى الجمعة، ويحتمل أن يكون في الذهاب والإياب، والظاهر الأوّل. والله تعالى أعلم.
(عَمَلُ سَنَة) اسم "كان" مؤخر، وخبرها الجارّ والمجرور الأول، أي ثواب أعمال السنة (صيَامُهَا، وَقيَامُهَا") بالرفع بدل من "عمل سنة"، ولفظ الرواية الآتية من طريق عمر بن عبد الواحد، عن يحيى بن الحارث: "كان له بكل خطوة كأجر سنةٍ، صيامِها وقيامِها"، وعند أبي داود، وابن ماجه: "كان له بكلّ خطوة عمل سنة، أجرُ صيامها وقيامها".
وقد ورد في المشي إلى مطلق الصلاة رفع درجة في كلّ خطوة، وكتابة حسنة، ومحو سيئة. وقد تقدم ذلك في باب الفضل في إتيان المسجد" ١٤/ ٧٠٥.
أما ثبوت أجر عمل سنة -كما في هذا الحديث- فمن خصائص الجمعة.
قال السندي ﵀ في "شرح سنن ابن ماجه": والظاهر أن المراد أنه يحصل له أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام لو كان، ولا يَتوقف ذلك على أن يتحقق الاستيعاب من أحد.
ثم الظاهر أن المراد في هذا وأمثاله ثبوت أصل أجر الأعمال، لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص، ويحتمل أن يكون مع المضاعفات انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، فلا ينبغي العدول عنه إلا بحجة، والله ذو الفضل العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠/ ١٣٨١ - وفي "الكبرى" -٩/ ١٦٨٥ - عن عمرو بن منصور، وهارون بن محمد بن بَكّار، كلاهما عن أبي مُسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يحيى ابن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عنه. وفي ١٢/ ١٣٨٤ - و"الكبرى" -١٢/ ١٦٩١ - عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن أبي الأشعث عنه. وفي -١٩/ ١٣٩٨ - و"الكبرى" -١/ ١٧٠٧٩ - عن
стр. 9413
محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن يحيى بن الحارث به. وفي "الكبرى" ١٩/ ١٧٠٨ - عن عبد الرحمن بن محمد، عن عمرو بن محمد، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى به. وفيه عن موسى أراد عبد الرحمن، عن حسين بن علي، عن عبد الرحمن بن يزيد به.
وأخرجه (د) ٣٤٥ و٣٤٦ (ت) ٤٩٦ (ق) ١٠٨٧ (أحمد) ٤/ ٩ و٤/ ١٠ و٤/ ١٠٤ (الدارمي) ١٥٥٥ (ابن خزيمة) ١٧٥٨ و٧٦٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو بيان فضل غسل يوم الجمعة.
ومنها: فضل المبادرة لصلاة الجمعة.
ومنها: استحباب الدنوّ من الإِمام، والاستماع لخطبته.
ومنها: عدم الكلام في استماع الخطبة، وعدم الاشتغال بما ينافي الاستماع.
ومنها: أن الله يُعطي من الثواب على بعض الأعمال مع سهولتها ما لا يعطيه على كثير من الأعمال الشاقّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١ - (باب الْهَيْئَةِ لِلْجُمُعَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على حسن الهيأة لأجل حضور صلاة الجمعة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الهيئات": جمع هيئة -بالفتح، أو بالكسر، ثم السكون-: حال الشيء، وكيفيته، ورجلٌ هَيِّءٌ: حسن الهيئة. قاله في "اللسان".
وفي "المصباح": "الهَيْئَةُ: الحالة الظاهرة، يقال: هاء يَهُوءُ، ويَهِيءُ، هَيْئَةً حَسَنَةً: إذا صار إليها. انتهى.
والمراد بها هنا الحالة الحسنة، من النظافة، وحسن الملبس، وطيب الرائحة، ونحوها، فالكلام على حذف مضاف. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٨٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
стр. 9414
وَلِلْوَفْدِ، إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ". ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلُهَا، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا"، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، وتقدموا قبل ثلاثة أبواب، وهو (٨٣) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب) رضي الله تعالى عنهما (رَأَى) هكذا رواه أكثر أصحاب نافع، وأخرجه المصنف من رواية عُبيد الله بن عمر العُمريّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه "رأى حلة" فجعله من مسند عمر، قال الدارقطني: المحفوظ أنه من مسند ابن عمر انتهى.
(حُلَّة) -بضم المهملة- قال أبو عُبيد: الْحُلَل: برود اليمن والحُلَّة إزار ورداء، ونقله ابن الأثير، وزاد: إذا كان من جنس واحد. وقال ابن سيده: في "المحكم": الحلّة بُرْدٌ أو غيره، وحكى عياض أن أصل تسمية الثوبين حُلّة أنهما يكونان جديدين كما حُلَّ طيُّهما. وقيل: لا يكون الثوبان حُلّةً حتى يَلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حلَّ عليه، والأوّل أشهر.
وفي الرواية الآتية من طريق سالم، عن أبيه -٥/ ١٥٦٠ - : "قال: وجد عمر بق الخطاب رضي الله تعالى عنه حُلّة من إستبرق، تباع بالسوق … "، والإستبرق: ما غلظ من الحرير.
وفي رواية الشيخين: "رأى حُلّة سيراء"، والسيراء -بكسر المهملة، وفتح التحتانية، والراء، مع المدّ- قال الخليل: ليس في كلام العرب فِعَلاءُ -بكسر أوله، مع المدَّ- سوى سِيَراء، وحِوَلاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس الولد، وعِنَباء، لغة في العنب.
قال مالك: هو الوَشْيُ من الحرير، كذا قال. والوَشْيُ -بفتح الواو، وسكون المعجمة، بعدها تحتانية. وقال الأصمعيّ: ثياب، فيها خطوط من حرير، أو قَزّ، وإنما قيل لها: سيراء لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل: ثوب مُضَلَّع بالحرير، وقيل: مختلف الألوان، فيه خطوط ممتدة، كأنها السيور. وقال ابن سيده: هو ضرب من البرود. وقيل: ثوب مسير فيه خطوط يُعمل من القَزّ، وقيل: ثياب من اليمن. وقال
стр. 9415
الجوهريّ: بُرْد فيه خطوط صُفْر. ونقل عياض عن سيبويه، قال: لم يأت فِعَلاء صفةً، لكن اسمًا، وهو الحرير الصافي.
واختلف في قوله: "حلة سيراء"، هل هو بالإضافة، أو، فوقع عند الأكثر بتنوين "حلّة"، على أنّ "سيراء" عطف بيان، أو نعت، وجزم القرطبيّ بأنه الرواية. وقال الخطابيّ: قالوا: "حلّةٌ سيراءُ"، كما قالوا: "ناقةٌ عُشَراءُ"، ونقل عياض عن أبي مروان ابن السرّاج أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا، وقال النووي. إنه قول المحققين، ومتقني العربية، وإنه من إضافة الشيء لصفته، كما قالوا: ثوب خزّ انتهى (١).
وزاد في رواية "الكبرى": "عند باب المسجد"، وفي رواية له في "كتاب الزينة" من طريق ابن إسحاق، عن نافع: "أن عمر كان مع النبي ﷺ في السوق، فرأى حلّة سيراء تباع في السوق".
قال الحافظ: ولا تنافي بين الروايتين، لأن طرف السوق كان يصل إلى قرب باب المسجد انتهى.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) "لو" للتنمي، أو للعرض، فلا تحتاج إلى جواب، ويحتمل أن تكون شرطية، حذف جوابها، أي لكان خيرًا.
وفي رواية سالم، عن ابن عمر: "ابتع هذه، فتجمّل بها"، وكأن عمر أشار بشرائها، وتمنّاه.
(فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) هذا محل الترجمة، حيث إنه يفيد استحباب التجمل، وحسن الهيحة للجمعة، ووجه ذلك أن عمر ﵁ أشار على النبي ﷺ بالتجمل للجمعة، فلم يُنكر عليه، وإنما أنكر التجمل بالحرير، فدلّ على أن التجمل بما يحلّ لبسه من أنواع الحُلَل مستحب.
وقال السندي ﵀: وفي قول عمر ﵁ دلالة على أن التجمل يوم الجمعة كان مشهورًا بينهم، مطلوبًا، كالتجمّل للوفود، وقد قرّره النبي ﷺ على ذلك، وإنما رده من حيث إن الحرير لا يليق به انتهى (٢).
(وَلِلْوَفْدِ) قيل: الوفد الرُّكبان المكرمون، يقال: وَقَدَ فلان يَفِدُ، وِفَادةً: إذا خرج إلى ملك، أو أمير. والوَفْدُ اسم جمع، وقيل: جمعٌ، وأما الوفود، فجمع وافد. أفاده في "اللسان".
стр. 9416
وفي رواية سالم، عن أبيه الآتية -٥/ ١٥٦٠ - "فتجمل بها للعيد والوفد".
وفي رواية ابن إسحاق المذكورة: "فتجمّل بها لوفود العرب، إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد وغيره … ".
قال في "الفتح": وكأنه خصّه بالعرب؛ لأنهم كانوا إذ ذاك الوفودَ في الغالب؛ لأن مكة لمّا فُتحت بادر العرب بإسلامهم، فكانت كل قبيلة تُرسل كُبراءها ليسلموا، ويتعلّموا، ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإِسلام، ويعلّموهم انتهى (١).
(إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) -بفتح القاف، وكسر الدّال-، يقال: قدم من سفره، كعلم، قُدُومًا، وقِدْمانًا -بالكسر-: رجع، فهو قادم. أفاده في "ق". وفي رواية ابن إسحاق: "إذا أتوك".
(قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وفي رواية جرير بن حازم عند البخاريّ: "إنما يلبس الحرير" (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) "الخلاق" -بفتح المعجمة، وتخفيف اللام-: النصيب، وقيل: الحظّ، وهو المراد هنا، ويُطلق على الحرمة، وعلى الدين، ويحتمل أن يُراد مَنْ لا نصيب له في الآخرة، أي مِنْ لبس الحرير. قاله الطيبيّ.
ويؤيده ما أخرجه الشيخان من حديث أبي عثمان، عن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا يُلبَسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس منه شيء في الآخرة"، وفي رواية لمسلم: "لا يَلْبَسُ الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة".
(ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِثْلُهَا) بنصب "رسول" على أنه مفعول مقدّم، و"مثلها" فاعل مؤخر، ولفظ "الكبرى": "ثم جاء رسول الله ﷺ منها حُلَلٌ"، وفي رواية سالم، عن أبيه: "ثم أتي رسول الله ﷺ بثلاث حُلَل منها، فكسا عمرَ حُلّةً، وكسا عليّا حلّةً، وكسا أُسامةَ حُلّةً … ".
(فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً) وفي رواية للبخاريّ: "وأن النبي ﷺ بعث بعد ذلك إلى عمر حلة سيراء"، وزاد الإسماعيلي: "بحلة سيراء من حرير"، و"من" بيانية، وهو يقتضي أن السيراء قد تكون من غير حرير. قاله في "الفتح".
(فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا) إنما قال ذلك باعتبار ما فهمه، وإلّا فقد ظهر في بقية الحديث أنه لم يعطه ليلبسها، أو المراد: أعطيتني ما يصلح كسوة.
(وَقَدْ قُلْتَ فِى حُلَّةِ عُطَارِدٍ) هو عطارد بن حاجب بن زُرَارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حَنظلة بن زيد مناة بن تميم التميميّ، أبو عكرمة، وَفَدَ على
стр. 9417
النبي ﷺ ، واستعمله على صدقات بني تميم.
روى الطبراني من طريق محمد بن زياد الْجُمَحيّ، عن عبد الرحمن بن عمرو بن مُعاذ، عن عُطارد بن حاجب، أنه أهدى إلى النبي ﷺ ثوب ديباج، كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه، فقالوا: نزل عليك من السماء؟! فقال: "وما تَعجَبون من ذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة خير من هذا".
وقال أبو عبيدة: وكان حاجب بن زُرَارة، يقال له: ذو القوس، وذلك أن رسول الله ﷺ لما دعا على مضر بالقحط، فأقحطوا، ارتحل حاجب إلى كسرى، فسأله أن يأذن له أن ينزل حَوْلَ بلاده، فقال: إنكم أهل غَدْر، فقال: أنا ضامن، فقال: ومن لي بأن تَفيَ؟ قال: أرهنك قوسي، فأذن لهم في دخول الرِّيف، فلما استسقت مضر بالنبي ﷺ دعا الله، فرفع عنهم القحط، وكان حاجب مات، فرحل عُطارد بن الحاجب إلى كسرى، يطلب قوس أبيه، فردّها عليه، وكساه حُلّةً.
وروى الواقديّ في "المغازي" بأسانيده: أن رسول الله بعث بشر بن سفيان العدويّ على صدقات خُزَاعة، فجمعوا له، فمنعهم بنو تميم، فبعث النبي ﷺ إليهم عُيينة بن حصن في خمسين فارسًا، فأغار، وسَبَى منهم أحدَ عشر رجلًا، وإحدى عشرة امرأةً، وثلاثين صبيًا، فوفد بعد ذلك رؤساء بني تميم، منهم عُطارد بن حاجب، فذكر القصة، وأنهم أسلموا، وأجارهم، وارتدّ عُطارد بن حاجحا بعد النبي ﷺ مع من ارتدّ من بني تميم، وتبع سَجَاحِ، ثم عاد إلى الإِسلام، وهو الذي قال فيها: [من البسيط]
أَضْحَتْ نبيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا … وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاس ذُكْرَانَا
فَلَعنَةُ اللهِ رَبِّ النَّاسِ كُلِّهِمِ … عَلى سَجَاحِ وَمَنْ بالكُفْرِ أَغْوَانَا (١)
(مَا قُلْتَ) "ما" اسم موصول في محلّ نصب على أنه مفعول مطلق، أي قلت القول الذي قلته في حُلة عطارد، وهو قوله ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة".
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) أي لم أعطك إياها لأجل أن تلبسها، زاد في الرواية الآتية: ٨٣/ ٥٢٩٥ - من طريق عبيد الله، عن نافع: "إنما كسوتكها لتكسوها، أو لتبيعها"، وفي ٨٥/ ٥٢٩٩ - من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم: "بعها، واقض بها حاجتك، أو شُقّ خُمُرًا بين نسائك".
(فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ) زاد في رواية سالم المذكورة: "من أمه" (مُشْرِكا بِمَكَّةَ) وفي رواية البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "فأرسل بها عمر إلى أخ له،
стр. 9418
من أهل مكّة قبل أن يُسلم". قال النوويّ: هذا يُشعر بأنه أسلم بعد ذلك.
قال الحافظ: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بشكوال في "المبهمات" نقلًا عن ابن الحذّاء في رجال "الموطإ"، فقال: اسمه عُثمان بن حكيم. قال الدمياطيّ: هو السلميّ أخو خولة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يُصب.
قال الحافظ: قلت: بل له وجه بطريق المجاز. ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه من النسب.
وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيب هي أم سعيد بن عثمان بن الحكم (١)، ولم أقف على ذكره في الصحابة، فإن كان أسلم، فقد فاتهم، فليُستَدرك، وإن كان مات كافرًا، وكان قوله: "قبل أن يسلم" لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره، مع قطع النظر عما وراء ذلك، فلتُعدّ بنته في الصحابة انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١/ ١٣٨٢ - وفي "الكبرى" -١٠/ ١٦٨٦ - عن قُتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه. وفي ٥/ ١٥٦٠ - و"الكبرى" - ٥/ ١٧٦٠ - سليمان بن داود -زاد في "الكبرى"- أحمد بن عمرو بن السرح- كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، كلاهما عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه. وفي "كتاب الزينة" ٨٣/ ٥٢٩٥ - و"الكبرى" ٧٨/ ٩٥٧٠ - عن إسحاق بن منصور، عن عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع به. وفي ٨٥/ ٥٣٩٩ - و"الكبرى" -٧٨/ ٩٥٧٢ - عن إسحاق ابن إبراهيم، عن عبد الله بن الحارث المخزوميّ، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم به. وفي -٨٦/ ٥٣٠٠ - و"الكبرى" -٧٨/ ٩٥٧٣ - عن عمران موسى، عن عبد الوارث، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم به. وفي "الكبرى" -٧٨/ ٩٥٧١ - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن محمد
стр. 9419
ابن عبد الرحمن، عن نافع به. وفيه ٧٨/ ٩٥٧٤ - عن عبيد الله بن فَضالة، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، به، وفيه ٧٨/ ٩٥٧٥ - عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵁.
وأخرجه (خ) ٢/ ٤ و٢/ ٢٠ و٣/ ٢١٤ و٣/ ٨٣ و٣/ ٢١٣ و٤/ ٨٥ و٧/ ١٩٥ و٨/ ٢٧. (م) ٦/ ١٣٧ و٦/ ١٣٨ و٦/ ١٣٩ و٧/ ١٣٨. (د) ١٠٧٦ و١٠٧٧ و٤٤٠ و٤٠٤١. (ق) ٣٥٩١. (مالك في الموطإ) ٥٧١ (الحميدي) ٦٧٩ (أحمد) ٢/ ٢٠ و٢/ ٣٩ و٢/ ٤٠ و٢/ ٤٩ و٢/ ٨٢ و٢/ ١٠٣ و٢/ ١١٤ و٢/ ١٤٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف ﵀، وهو حسن الهيئة للجمعة، فيستحب التجمّل يوم الجمعة بالملابس الحسنة، لكونه ﷺ أقرّ عمر على ذلك، وإنما أنكر عليه استعمال السيراء، وما في معناه، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، عن عبد الله بن سلَام ﵁، مرفوعًا: "ما على أحدكم، لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مِهْنَته" (١) وتقدم أن في رواية سالم، عن أبيه: "للعيد" بدل "للجمعة"، وفي رواية ابن إسحاق، عن نافع: "فتجملت بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد، وغيره".
فأخذ العلماء من هذا استحباب التجمل في سائر مجامع الخير، إلا ما ينبغي فيه إظهار التمسكن، والتواضع، والخوف، كالاستسقاء، والكسوف. أفاده ولي الدين رحمه الله تعالى (٢).
ومنها: عَرض المفضول على الفاضل، والتابع على المتبوع ما يَحتاج إليه من مصالحه مما يظنّ أنه لم يطّلع عليه.
ومنها: جواز البيع والشراء على أبواب المساجد.
ومنها: مباشرة الصالحين، والفُضلاء البيع والشراء.
ومنها: تحريم الحرير على الرجال مطلقا، وفيه تفاصيل للعلماء، سيأتي الكلام عليه في محلّه من "كتاب الزينة"، إن شاء الله تعالى.
ومنها: جوازه للنساء، لقول ﷺ : "أو شقّقها خُمُرًا بين نسائك".
ومنها: جواز بيع الرجال الثياب الحرير، وتصرّفهم فيها بالهبة والهديّة، لا اللبس.
ومنها: جواز صلة الكافر القريب، والإحسان إليه بالهدية.
стр. 9420
وقال ابن عبد البرّ: فيه جواز الهديّة للكافر، ولو كان حربيا.
وتُعُقّب بأن عُطاردًا إنما وفد سنة تسع، ولم يبق بمكة بعد الفتح مشرك.
وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة: عطارد ستة تسع أن تكون قصة الحلّة كانت حينئذ، بل جاز أن تكون قبل ذلك، وما زال المشركون يقدمون المدينة، ويُعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود، فيحتمل أن يكون في المدّة التي كانت بين الفتح، وحج أبي بكر ﵁، فإن منع المشركين من مكة إنما كان من حجة أبي بكر ﵁ سنة تسع، ففيها وقع النهي أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ومنه: أنه استدلّ به من قال: إن الكافر ليس مخاطبًا الفروع، لأن عمر ﵁ لما مُنع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك، ولم يُنكر عليه.
وتُعُقّب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فيحتمل أن يكون وقع الحكم في حقّه كما وقع في حق عمر ﵁، فينتفع بها بالبيع، أو كسوة النساء، ولا يلبس هو.
وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعي ما يحمله بعد العلم بالنهي على الكفّ، بخلاف الكافر، فإن كفره يحمله على عدم الكف عن تعاطي المحرّم، فلولا أنه مباح له لبسه لما أهدى له، لما في تمكينه من الإعانة على المعصية، ومن ثَمَّ يَحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خمرًا، وإن احتمل أنه قد يشربه عصيرًا، وكذا بيع الغلام الجميل ممن يشتهر بالمعصية، لكن يحتمل أن يكون ذلك على أصل الإباحة، وتكون مشروعيّة خطاب الكافر بالفروع تراخت عن هذه الواقعة. والله أعلم. ذكره في "الفتح" (١) والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٨٣ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكَ، وَأَنْ يَمَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (هارون بن عبد الله) أبو موسى الْحَمّال البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٥٠/ ٦٢.
٢ - (الحسن بن سَوّار) البغوي، أبو العلاء المروزي، صدوق [٩] تقدم ١٦٣/ ١١٣٢.
٣ - (الليث) بن سعد الإِمام الحجة المجتهد المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.