← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

وفي رواية سالم، عن أبيه الآتية -٥/ ١٥٦٠ - "فتجمل بها للعيد والوفد". وفي رواية ابن إسحاق المذكورة: "فتجمّل بها لوفود العرب، إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد وغيره … ". قال في "الفتح": وكأنه خصّه بالعرب؛ لأنهم كانوا إذ ذاك الوفودَ في الغالب؛ لأن مكة لمّا فُتحت بادر العرب بإسلامهم، فكانت كل قبيلة تُرسل كُبراءها ليسلموا، ويتعلّموا، ويرجعوا إلى قومهم، فيدعوهم إلى الإِسلام، ويعلّموهم انتهى (١). (إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) -بفتح القاف، وكسر الدّال-، يقال: قدم من سفره، كعلم، قُدُومًا، وقِدْمانًا -بالكسر-: رجع، فهو قادم. أفاده في "ق". وفي رواية ابن إسحاق: "إذا أتوك". (قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وفي رواية جرير بن حازم عند البخاريّ: "إنما يلبس الحرير" (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) "الخلاق" -بفتح المعجمة، وتخفيف اللام-: النصيب، وقيل: الحظّ، وهو المراد هنا، ويُطلق على الحرمة، وعلى الدين، ويحتمل أن يُراد مَنْ لا نصيب له في الآخرة، أي مِنْ لبس الحرير. قاله الطيبيّ. ويؤيده ما أخرجه الشيخان من حديث أبي عثمان، عن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا يُلبَسُ الحريرُ في الدنيا إلا لم يُلبَس منه شيء في الآخرة"، وفي رواية لمسلم: "لا يَلْبَسُ الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة". (ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِثْلُهَا) بنصب "رسول" على أنه مفعول مقدّم، و"مثلها" فاعل مؤخر، ولفظ "الكبرى": "ثم جاء رسول الله ﷺ منها حُلَلٌ"، وفي رواية سالم، عن أبيه: "ثم أتي رسول الله ﷺ بثلاث حُلَل منها، فكسا عمرَ حُلّةً، وكسا عليّا حلّةً، وكسا أُسامةَ حُلّةً … ". (فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً) وفي رواية للبخاريّ: "وأن النبي ﷺ بعث بعد ذلك إلى عمر حلة سيراء"، وزاد الإسماعيلي: "بحلة سيراء من حرير"، و"من" بيانية، وهو يقتضي أن السيراء قد تكون من غير حرير. قاله في "الفتح". (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا) إنما قال ذلك باعتبار ما فهمه، وإلّا فقد ظهر في بقية الحديث أنه لم يعطه ليلبسها، أو المراد: أعطيتني ما يصلح كسوة. (وَقَدْ قُلْتَ فِى حُلَّةِ عُطَارِدٍ) هو عطارد بن حاجب بن زُرَارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حَنظلة بن زيد مناة بن تميم التميميّ، أبو عكرمة، وَفَدَ على

стр. 9417

النبي ﷺ ، واستعمله على صدقات بني تميم. روى الطبراني من طريق محمد بن زياد الْجُمَحيّ، عن عبد الرحمن بن عمرو بن مُعاذ، عن عُطارد بن حاجب، أنه أهدى إلى النبي ﷺ ثوب ديباج، كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه، فقالوا: نزل عليك من السماء؟! فقال: "وما تَعجَبون من ذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة خير من هذا". وقال أبو عبيدة: وكان حاجب بن زُرَارة، يقال له: ذو القوس، وذلك أن رسول الله ﷺ لما دعا على مضر بالقحط، فأقحطوا، ارتحل حاجب إلى كسرى، فسأله أن يأذن له أن ينزل حَوْلَ بلاده، فقال: إنكم أهل غَدْر، فقال: أنا ضامن، فقال: ومن لي بأن تَفيَ؟ قال: أرهنك قوسي، فأذن لهم في دخول الرِّيف، فلما استسقت مضر بالنبي ﷺ دعا الله، فرفع عنهم القحط، وكان حاجب مات، فرحل عُطارد بن الحاجب إلى كسرى، يطلب قوس أبيه، فردّها عليه، وكساه حُلّةً. وروى الواقديّ في "المغازي" بأسانيده: أن رسول الله بعث بشر بن سفيان العدويّ على صدقات خُزَاعة، فجمعوا له، فمنعهم بنو تميم، فبعث النبي ﷺ إليهم عُيينة بن حصن في خمسين فارسًا، فأغار، وسَبَى منهم أحدَ عشر رجلًا، وإحدى عشرة امرأةً، وثلاثين صبيًا، فوفد بعد ذلك رؤساء بني تميم، منهم عُطارد بن حاجب، فذكر القصة، وأنهم أسلموا، وأجارهم، وارتدّ عُطارد بن حاجحا بعد النبي ﷺ مع من ارتدّ من بني تميم، وتبع سَجَاحِ، ثم عاد إلى الإِسلام، وهو الذي قال فيها: [من البسيط] أَضْحَتْ نبيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا … وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاس ذُكْرَانَا فَلَعنَةُ اللهِ رَبِّ النَّاسِ كُلِّهِمِ … عَلى سَجَاحِ وَمَنْ بالكُفْرِ أَغْوَانَا (١) (مَا قُلْتَ) "ما" اسم موصول في محلّ نصب على أنه مفعول مطلق، أي قلت القول الذي قلته في حُلة عطارد، وهو قوله ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة". (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) أي لم أعطك إياها لأجل أن تلبسها، زاد في الرواية الآتية: ٨٣/ ٥٢٩٥ - من طريق عبيد الله، عن نافع: "إنما كسوتكها لتكسوها، أو لتبيعها"، وفي ٨٥/ ٥٢٩٩ - من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم: "بعها، واقض بها حاجتك، أو شُقّ خُمُرًا بين نسائك". (فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ) زاد في رواية سالم المذكورة: "من أمه" (مُشْرِكا بِمَكَّةَ) وفي رواية البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "فأرسل بها عمر إلى أخ له،

стр. 9418

من أهل مكّة قبل أن يُسلم". قال النوويّ: هذا يُشعر بأنه أسلم بعد ذلك. قال الحافظ: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بشكوال في "المبهمات" نقلًا عن ابن الحذّاء في رجال "الموطإ"، فقال: اسمه عُثمان بن حكيم. قال الدمياطيّ: هو السلميّ أخو خولة بنت حكيم بن أميّة بن حارثة بن الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يُصب. قال الحافظ: قلت: بل له وجه بطريق المجاز. ويحتمل أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه من النسب. وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيب هي أم سعيد بن عثمان بن الحكم (١)، ولم أقف على ذكره في الصحابة، فإن كان أسلم، فقد فاتهم، فليُستَدرك، وإن كان مات كافرًا، وكان قوله: "قبل أن يسلم" لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره، مع قطع النظر عما وراء ذلك، فلتُعدّ بنته في الصحابة انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١/ ١٣٨٢ - وفي "الكبرى" -١٠/ ١٦٨٦ - عن قُتيبة، عن مالك، عن نافع، عنه. وفي ٥/ ١٥٦٠ - و"الكبرى" - ٥/ ١٧٦٠ - سليمان بن داود -زاد في "الكبرى"- أحمد بن عمرو بن السرح- كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، كلاهما عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه. وفي "كتاب الزينة" ٨٣/ ٥٢٩٥ - و"الكبرى" ٧٨/ ٩٥٧٠ - عن إسحاق بن منصور، عن عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله، عن نافع به. وفي ٨٥/ ٥٣٩٩ - و"الكبرى" -٧٨/ ٩٥٧٢ - عن إسحاق ابن إبراهيم، عن عبد الله بن الحارث المخزوميّ، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم به. وفي -٨٦/ ٥٣٠٠ - و"الكبرى" -٧٨/ ٩٥٧٣ - عن عمران موسى، عن عبد الوارث، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم به. وفي "الكبرى" -٧٨/ ٩٥٧١ - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن محمد

стр. 9419

ابن عبد الرحمن، عن نافع به. وفيه ٧٨/ ٩٥٧٤ - عن عبيد الله بن فَضالة، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، به، وفيه ٧٨/ ٩٥٧٥ - عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵁. وأخرجه (خ) ٢/ ٤ و٢/ ٢٠ و٣/ ٢١٤ و٣/ ٨٣ و٣/ ٢١٣ و٤/ ٨٥ و٧/ ١٩٥ و٨/ ٢٧. (م) ٦/ ١٣٧ و٦/ ١٣٨ و٦/ ١٣٩ و٧/ ١٣٨. (د) ١٠٧٦ و١٠٧٧ و٤٤٠ و٤٠٤١. (ق) ٣٥٩١. (مالك في الموطإ) ٥٧١ (الحميدي) ٦٧٩ (أحمد) ٢/ ٢٠ و٢/ ٣٩ و٢/ ٤٠ و٢/ ٤٩ و٢/ ٨٢ و٢/ ١٠٣ و٢/ ١١٤ و٢/ ١٤٦. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف ﵀، وهو حسن الهيئة للجمعة، فيستحب التجمّل يوم الجمعة بالملابس الحسنة، لكونه ﷺ أقرّ عمر على ذلك، وإنما أنكر عليه استعمال السيراء، وما في معناه، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، عن عبد الله بن سلَام ﵁، مرفوعًا: "ما على أحدكم، لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مِهْنَته" (١) وتقدم أن في رواية سالم، عن أبيه: "للعيد" بدل "للجمعة"، وفي رواية ابن إسحاق، عن نافع: "فتجملت بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت الناس في يوم عيد، وغيره". فأخذ العلماء من هذا استحباب التجمل في سائر مجامع الخير، إلا ما ينبغي فيه إظهار التمسكن، والتواضع، والخوف، كالاستسقاء، والكسوف. أفاده ولي الدين رحمه الله تعالى (٢). ومنها: عَرض المفضول على الفاضل، والتابع على المتبوع ما يَحتاج إليه من مصالحه مما يظنّ أنه لم يطّلع عليه. ومنها: جواز البيع والشراء على أبواب المساجد. ومنها: مباشرة الصالحين، والفُضلاء البيع والشراء. ومنها: تحريم الحرير على الرجال مطلقا، وفيه تفاصيل للعلماء، سيأتي الكلام عليه في محلّه من "كتاب الزينة"، إن شاء الله تعالى. ومنها: جوازه للنساء، لقول ﷺ : "أو شقّقها خُمُرًا بين نسائك". ومنها: جواز بيع الرجال الثياب الحرير، وتصرّفهم فيها بالهبة والهديّة، لا اللبس. ومنها: جواز صلة الكافر القريب، والإحسان إليه بالهدية.

стр. 9420

وقال ابن عبد البرّ: فيه جواز الهديّة للكافر، ولو كان حربيا. وتُعُقّب بأن عُطاردًا إنما وفد سنة تسع، ولم يبق بمكة بعد الفتح مشرك. وأجيب بأنه لا يلزم من كون وفادة: عطارد ستة تسع أن تكون قصة الحلّة كانت حينئذ، بل جاز أن تكون قبل ذلك، وما زال المشركون يقدمون المدينة، ويُعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود، فيحتمل أن يكون في المدّة التي كانت بين الفتح، وحج أبي بكر ﵁، فإن منع المشركين من مكة إنما كان من حجة أبي بكر ﵁ سنة تسع، ففيها وقع النهي أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومنه: أنه استدلّ به من قال: إن الكافر ليس مخاطبًا الفروع، لأن عمر ﵁ لما مُنع من لبس الحلة أهداها لأخيه المشرك، ولم يُنكر عليه. وتُعُقّب بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فيحتمل أن يكون وقع الحكم في حقّه كما وقع في حق عمر ﵁، فينتفع بها بالبيع، أو كسوة النساء، ولا يلبس هو. وأجيب بأن المسلم عنده من الوازع الشرعي ما يحمله بعد العلم بالنهي على الكفّ، بخلاف الكافر، فإن كفره يحمله على عدم الكف عن تعاطي المحرّم، فلولا أنه مباح له لبسه لما أهدى له، لما في تمكينه من الإعانة على المعصية، ومن ثَمَّ يَحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خمرًا، وإن احتمل أنه قد يشربه عصيرًا، وكذا بيع الغلام الجميل ممن يشتهر بالمعصية، لكن يحتمل أن يكون ذلك على أصل الإباحة، وتكون مشروعيّة خطاب الكافر بالفروع تراخت عن هذه الواقعة. والله أعلم. ذكره في "الفتح" (١) والله تعالى ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٨٣ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكَ، وَأَنْ يَمَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (هارون بن عبد الله) أبو موسى الْحَمّال البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٥٠/ ٦٢. ٢ - (الحسن بن سَوّار) البغوي، أبو العلاء المروزي، صدوق [٩] تقدم ١٦٣/ ١١٣٢. ٣ - (الليث) بن سعد الإِمام الحجة المجتهد المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.

стр. 9421

٤ - (خالد) بن يزيد السكسكي، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. والباقون تقدموأ قبل أربعة أبواب -٦/ ١٣٧٥ - وسعيد هو ابن أبي هلال. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله بالرقم المذكور آنفًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به لما ترجم له واضح، إذ فيه بيان مشروعية الغسل، والسواك، والطيب للجمعة، وهذه هي الهيئة المطلوبة لها، فينبغي لمن يحضر الجمعة أن يحسن هيئته بالغسل، واستعمال السواك، والطيب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (فَضْلِ الْمَشْي إِلَى الْجُمُعَةِ) ١٣٨٤ - (أَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الأَشْعَثِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَوْسَ بْنَ أَوْسٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَغَسَّلَ، وَغَدَا، وَابْتَكَرَ، وَمَشَى، وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَأَنْصَتَ، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (الوليد) بن مسلم الدمشقي، ثقة كثير التدليس [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤. ٣ - (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الدمشقي، ثقة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٩٥. والباقيان تقدما قبل باب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله قبل باب، واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على ما بوّب له واضح، إذ هو

стр. 9422

صريح في فضل المشي إلى الجمعة، لكن إذا كان على الأوصاف المذكورة فيه، بأن يغتسل، ويبكر، ويمشي، ولا يركب، ويدنو من الإِمام، وينصت، بلا لغو، فعلى هذا لابدّ من تقييد إطلاق الترجمة بهذه الأوصاف المذكورة في الحديث، فكأن المصنف أطلق اتكالًا على ما يُفهم من الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣ - (باب التَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ) ١٣٨٥ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الأَغَرِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، قَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ، طَوَتِ الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ". قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي شَاةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - نصر بن بن عليّ بن نصر) بن علي الجَهْضَميّ البصريّ، ثقة ثبت، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] تقدّم ٢٠/ ٣٨٦. ٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصري، ثقة [٨] تقدم ٢٠/ ٣٨٦. ٣ - (معمر) بن راشد اليمني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإِمام الحجة المشهوو [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (الأغَرّ أبو عبد الله) سلمان الجُهنيّ مولاهم المدني أصبهاني الأصل، ثقة، من كبار [٣] تقدّم ٥٩/ ٨٦٤. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال

стр. 9423

الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين إلى الزهري، ومنه بالمدنيين، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) يحتمل أن تكون "كان" ناقصة، وأسمها محذوف، و"يوم" خبرها، أي إذا كان الوقت يوم الجمعة، ويحتمل أن تكون تامّة، و"يوم" فاعلها، أي إذا جاء يومُ الجمعة. (قَعَدَت) ولفظ البخاري: "وقفت" (الْمَلَائكَةُ) هم غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة خاصّة، فقد أخرج أبو نعيم في "الحلية" من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور، وأقلام من نور … " الحديث. قال الحافظ: وهو دالّ على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة انتهى. والمعنى أنهم يستمرّون من طلوع الفجر، وهو أول اليوم الشرعيّ، أو من طلوع الشمس، وهو أول النهار العرفيّ، أو من ارتفاع النهار، أو من حين الزوال، قال القاري: وهو أقرب، ورجّحه الشاه وفي الدهلويّ في "المسوى شرح الموطإ" جـ ١ ص ١٥٠، وإليه مال الشوكاني، وبه قالت المالكية، وهو وجه للشافعية، والأول ظاهر كلام الشافعي، وصححه النوويّ، والرافعيّ، وغيرهما، والثاني أيضًا وجه للشافعية، واختار الثالثَ ابنُ رُشد في "بداية المجتهد" (١)، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (عَلَى أَبْوَاب الْمَسْجد) وفي الرواية التالية: "على كل باب من أبواب المسجد"، وفي رواية البخاريّ: "على باب المسجد"، وعند ابن خزيمة: "على كل باب من أبواب المسجد ملكان، يكتبان الأول، فالأول"، قال الحافظ: فكأن المراد بقوله: "على باب المسجد" جنس الباب، ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع، فلا حُجّة فيه لمن أجاز التعبير عن الاثنين بلفظ الجمع. (فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ) وفي الرواية التالية: "يكتبون الناس على منازلهم، الأول، فالأول" (فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ) أي من مكانه ليصعد المنبر، أو المراد الخروج ظهوره بصعوده المنبر، وجلوسه عليه. والله تعالى أعلم (طَوَتِ الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ) أي التي كانوا يكتبون فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، وتقدم في حديث

стр. 9424

ابن عمر ﵄ صفة تلك الصحف، بأنها صحف من نور، وأقلام من نور. والمراد من طيّ الصحف طيّ صحف الفضائل المتعلّقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة، وإدراك الصلاة، والذكر، والدعاء، والخشوع، ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعًا. ووقع في آخر الحديث عند ابن ماجه: "فمن جاء بعد ذلك، فإنما يجيء لحق الصلاة"، يعني فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الزيادة في الأجر. فإن قلت؟ وقع في رواية الشيخين: "فإذا جلس الإِمام، طووا الصحف … " فكيف التوفيق بين الروايتين؟ أجيب: بأنهم بخروج الإِمام يحضرون إلى المنبر من غير طيّ، فإذا جلس الإِمام على المنبر طووا الصحف، أو يقال: ابتداء طيهم الصحف عند ابتداء خروج الإِمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول سماعهم الذكر. والله تعالى أعلم. وفي الرواية التالية: "فإذا خرج الإِمام طُويت الصحفُ، واستمعوا الخطبة". (قَالَ) أي أبو هريرة ﵁ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ) -بضم الميم، وتشديد الجيم- اسم فاعل، من التهجير، قيل: والمراد به والمبادرة إلى الجمعة بعد الصبح، وقيل: المراد الذي يأتي في الهاجرة، أي عند شدّة الحرّ، قُربَ نصف النهار، فيكون دليلًا للمالكية في قولهم: إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى الجمعة بعد الزوال، لا قبله؛ لأن التهجير هو السير في الهاجرة. أي نصف النهار. قال الحافظ: وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدّم نقله عن الخليل في "المواقيت". وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير في وقت الحَرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حُجّة فيه لمالك. وقال التوربشتيّ: مَنْ ذهب في معناه إلى التبكير، فإنه أصاب، وسلك طريقًا حسنًا من طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة، تغليبًا، بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحرّ يأخذ في الانحطاط، وهذا كما يُسمّى النصف الأول من النهار غَدْوةً، والآخر عَشيّةً. وقال ابن منظور بعد أن أورد حديث الباب، وحديث "لو يَعلمُ الناسُ ما في التهجير لاستبقوا إليه": ما نصه: قال الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من الْمُهاجَرَة وقتَ الزوال، قال: وهو غلَطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا

стр. 9425

الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد: رَاحَ الْقَطِينُ بَهجْرٍ بَعْدَمَا ابْتَكَرُوا فقرن الْهَجْر بالابتكار. والرواح عندهم: الذهاب والمضيّ، يقال راح القوم: أي خَفُّوا، ومَرُّوا، أيّ وقت كان، وقوله ﷺ : "لو يَعلمُ الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه"، أراد التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجلُ: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالهَجْر. وأنشد الأزهري عن ابن الأعرابي في "نوادره"، قول الشاعر: يَهُجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ قال الأزهري: أي يبكّرون بوقت الفجر انتهى ما ذكره ابن منظور باختصار (١). (كَالْمُهْدي) اسم فاعل من أهدى، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بَعَثْتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهَدْيَ إلى الحرم: سُقْتُهُ (٢) والجارّ والمجرور خبر "المهجّرُ" (بَدَنَةَ) بفتحتين، جمعها بَدَنات، مثل قصبة وقَصَبَات، وبُدُن أيضًا بضمتين، وتسكن داله تخفيفًا، وسيأتي قريبًا تحقيق معناها. أي كالمتصدّق بها متقرّبًا إلى الله تعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظيرُ ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له القربانُ؛ لأن القربان لم يُشرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم السالفة. وفي رواية ابن جُريج: "فله من الأجر مثل الجزور"، وظاهره أن المراد أن الثواب لو تجسّد لكان قدر الجزور (٣). وقيل: ليس المراد بالحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلًا، ويدل عليه أن في مرسل طاوس عند عبد الرزّاق: "كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة". قال الطيبيّ: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن المبادر إليها كمن

стр. 9426

ساق الهدي. والمراد بالبدنة البعيرُ، ذكرًا كان أو أنثى، والتاء فيها للوحدة، لا للتأنيث، وكذا في باقي ما ذُكر. وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجّب ممن يخصّ البدنة بالأنثى. وقال الأزهري في "شرح ألفاظ المختصر": البدنة لا تكون إلا من الإبل، وصحّ ذلك عن عطاء، وأما الهدي، فمن الإبل والبقر والغنم. هذا لفظه. وحكى النوويّ عنه أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه خطأ نشأ عن سقط. وفي "الصحاح": البدنة ناقة، أو بقرة تُنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يُسَمِّنُونها انتهى. والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، واستدلّوا به على أن البدنة تختص بالإبل؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد. وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة، وسَبْعًا من الغنم، وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: لله علي بدنة، وفيه خلاف، والأصحّ تَعَيُّن الإبل، إن وُجدت، وإلا فالبقرة، أو سَبْع من الغنم. وقيل: تتعين الإبل مطلقًا. وقيل: يتخير مطلقًا (١). وقال الحافظ ولي الدين ﵀: ذكر في "الصحاح" و"المحكم" أن البدنة من الإبل والبقر ما أُهدي إلى مكة، وكذا قال في "النهاية": إنها تطلق عليهما، قال: وهي بالإبل أشبه. وذكر القاضي عياض أنها تختص بالإبل. وقال النووي: قال جمهور أهل اللغة، وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق، لتصريح الحديث بذلك انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: والبَدَنَةُ قالوا: هي ناقة، أو بقرة، وزاد الأزهريّ: أو بعير ذكر، قال: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّةً، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحج: ٣٦]، سميت بذلك لعظم بَدَنهِا، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة، وهو قوله ﷺ : "تُجزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة"، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لما ساغ

стр. 9427

عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: "اشتركنا مع رسول الله ﷺ في الحجّ والعمرة سبعة منّا في بدنة"، فقال رجل لجابر ﵁: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البُدْن، والمعنى: في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البُدْن لما جهلها أهل اللسان، ولفُهمت عند الإطلاق أيضًا انتهى (١). وقيل: المراد كالذي يُهدي البدنة إلى مكة، وفيه أنه لا يناسبه ذكر الدجاجة، والبيضة. (ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً) ذكرًا أو أنثى، والتاء للوحدة، لا للتأنيث، كما تقدم في "البدنة" سميت بقرة لأنها تبقر الأرض، أي تشقها بالحراثة، والبَقْرُ الشق (٢). وفيه دليل على أن البَدَنَة لا تشمل البقرة لتقابلها بها، وإليه ذهب الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: البدنة تطلق على البقر أيضًا، وإنما أُريد هنا البعير خاصّةً لقرينة المقابلة، وهذا لا ينفي عموم الإطلاق. (ثُمَّ كَالْمُهْدي شَاةً، ثُمَّ كَالْمُهْدي بَطَّةً) بفتح الموحدة، وتشديد الطاء المهملة: نوع من طيور الماء، والتاء أيضًا للوحدة، مثل تمر وتمرة، ويقع على الذكر والأنثى، أفاده الفيومي. [تنبيه]: زيادة البطّة بين الشاة والدجاجة، في هذه الرواية تفرّد بها عبد الأعلى، عن معمر، وقد خالفه عبد الرزّاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها. أفاده في "الفتح" (٣). وقال النووي في "الخلاصة": هاتان الروايتان -يعني زيادة البطة في هذه الرواية، والعصفور في رواية ابن عجلان الآتية -وإن صح إسنادهما، فقد يقال: هما شاذتان، لمخالفتهما الروايات المشهورة انتهى. وقال أبو بكر بن العربي ﵀: وفائدة ذكر البطة أنه حيوان متوحّش لا يوصل إليه إلا بصيد وكُلْفة، فكان أفضل من الدجاجة في التقرّب به انتهى. واعترضه ولي الدين العراقي ﵀، فقال: الظاهر أنه لم يفضّل بالكلفة في صيده، بل بكونه أكبر، وأكثر لحمًا انتهى (٤).

стр. 9428

(ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً) بفتح الدّال على الأفصح، ويجوز الكسر، وحكى الليث الضم أيضًا، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس (١) والجمع دَجاج -بفتح الدال، وكسرها، ودَجائج، قال في "المحكم": سميت بذلك لإقبالها وإدبارها (٢). واستُشكل التعبير في الدجاجة، والبيضة بقوله: "ثم كالمهدي"؛ لأن الهدي لا يكون منهما. وأجاب القاضي عياض تبعًا لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ، فيكون من الإتباع، كقوله: "متقلِّدًا سيفا ورُمحَا". وتعقّبه ابن المنير في "الحاشية" بان شرط الإتباع أن لا يصرّح باللفظ في الثاني، فلا يسوغ أن يقال: متقلّدًا سيفًا، ومتقلّدًا رُمحًا. والذي يظهر أنه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: هو من تسمية الشيء باسم قرينه. وقال ابن دقيق العيد: قوله: "قرّب بيضة"، وفي الرواية الأخرى "كالذي يهُدي" يدل على أن المراد بالتقريب الهدي، وينشأ منه أن الهدي يُطلق على مثل هذا، حتى لو التزم هديًا، هل يكفيه ذلك، أو لا انتهى. والصحيح عند الشافعية الثاني، وكذا عند الحنفية والحنابلة، وهذا ينبني على أن النذر هل يُسلك به مسلك جائز الشرع، أو واجبه؟ فعلى الأول يكفي أقلّ ما يُتقرّب به، وعلى الثاني يُحمل على أقلّ ما يُتقرّب به من ذلك الجنس، ويقوى الصحيح أيضًا أن المراد بالهدى هنا التصدّق، كما يدلّ عليه لفظ التقرّب، والله أعلم. قاله في "الفتح". (ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً) بفتح، فسكون واحدة البيض، بفتح، فسكون أيضًا. قال الفيّومي ﵀: البيض للطائر بمنزلة: الولد للدوابّ، وجمع البيض بيُوض، -أي بالضم- والواحدة بيضة، والجمع بيضات -بسكون الياء، وهُذَيل تفتح على القياس. ويُحكَى عن الجاحظ أنه صنّف كتابًا فيما يَبيض، ويَلد من الحيوانات، فأوسع في ذلك، فقال له عربيّ: يَجمع ذلك كله كلمتان: كلّ أَذُون وَلُودٌ، وكُلُّ صَمُوخٍ بَيُوضٌ (٣) انتهى (٤). والمراد هنا بيض الدجاج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9429

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ١٣٨٥ - وفي "الكبرى" -١١٣/ ٦٩٣ - عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي عبد الله الأغرّ، عنه. وفي "الكبرى" عن أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، وعَمرو بن سوّاد فرّقهم، ثلاثتهم عن ابن وهب، عن يونس -وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس- وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، كلاهما عن الزهري به. وفي -٥٩/ ٨٦٤ - و"الكبرى" -٥٩/ ٥٣٦ - عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان، عن شُعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغرّ كلاهما عنه. وفي "الكبرى" عن محمد بن خالد بن خَليّ، عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، عن الأغرّ، وأبي سلمة به. وفي ١٣/ ١٣٨٦ - وفي "الكبرى" -١٣/ ١٦٩٤ - عن محمد بن منصور، عن ابن عُيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عنه. وفي -١٣/ ١٣٨٧ - و"الكبرى" -٣/ ١٦٩٥ - عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عنه. وفي "الكبرى" -عن سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان، عن جده، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة به. وأخرجه (خ) ٢/ ١٤ و٤/ ١٣٥ (م) ٣/ ٧ (أحمد) ٢/ ٢٦٣ و٢/ ٢٦٤ و٢/ ٢٨٠ و٥٠٥ (الدارمي) ١٥٥١ و١٥٥٢ (ابن خزيمة) ١٧٦٨. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل التبكير إلى الجمعة. ومنها: أن مراتب الناس في الفضيلة في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. وأخرج ابن ماجه بسنده عن علقمة، قال: خرجت مع عبد الله إلى الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول ﷺ يقول: "إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة، الأوّل،

стр. 9430

والثاني، والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد" (١). ومنها: أن القليل من الصدقة غير مُحَقّر في الشرع. ومنها: أنه استدلّ به على أن الأفضل في الهدى والأضحية الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لكونه ﷺ قدم الإبل، وجعل البقر في الدرجة الثانية، والغنم في الدرجة الثالثة، وهذا مجمع عليه في الهدي، وقال به في الأضحية أيضا أبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وقال مالك: الأفضل في الأضحيّة الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، ومنهم أراد قدّم الإبل على البقر، حكاه القاضي عياض، قالوا: والمقصود في الأضاحي طيب اللحم، وفي الهدايا كثرة اللحم. واحتجّوا بأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، وكان كبشًا، قال بعضهم لو علم الله حيوانًا أفضل من الكبش لفدى به إسماعيل، وورد في حديث رواه البزّار، وابن عبد البرّ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، عن جبريل ﵇، في أثناء حديث: "اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من السيد (٢) من المعز، ومن البقر، والإبل، ولو علم الله ذبحًا خيرًا منه لفَدَى به إبراهيم ابنَهُ"، قال ابن عبد البرّ: وهذا الحديث لا أعلم له إسنادًا غير هذا، انفرد به الحُنينيّ (٣)، وليس ممن يُحتجّ به. ثانيها: أنه ﷺ ضحّى بكبشين، فلو كان الإبل والبقر أفضل لما عدل عنهما إلى الغنم. ثالثها: أنه ﷺ قال: "خير الأضحية الكبش الأقرن". رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ﵁ بإسناد صحيح. والجواب عن الأول من وجهين: الأول: أنه لا يلزم من كون الكبش عظيمًا أن لا يكون غيره من الأنعام وغيرها أعظم منه. الثاني: لو سُلّم ذلك فهذا خاصّ بذلك الكبش؛ لأنه ذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه

стр. 9431

رَعَى في الجنة أربعين خريفًا، وأنه قرّبه ابن آدم، فتُقُبّل منه، ورُفع إلى الجنة (١)، فلذلك قيل فيه عظيم. والجواب عن الثاني أنه لا يلزم من تضحيته ﷺ ترجيح الغنم، لأمرين: أحدهما: أنه قد ثبت في الصحيح أنه ﷺ ضحّى عن نسائه بالبقر، فلو دلّ تضحيته بالغنم على أفضليتها لدلّت تضحيته بالبقر على أفضليتها، ويتعارض الخبران. ثانيهما: أنه ثبت في الصحيح أنه ﷺ أهدى غنمًا، فلو دلت تضحيته بالغنم على أفضليتها في الأضحيّة لدلّ إهداوه لها على أفضليتها في الهدايا، وليس كذلك بالاتفاق، كما تقدّم. وقول القاضي عياض: إن النبي ﷺ إنما ضحّى بالضأن، وما كان ليترك الأفضل، كما لم يتركه في الهدايا، فيه نظر، لما قدّمناه أنه ضحّى بغير الضأن، وأنه تَرَكَ الأفضلَ في حقنا في الهدايا، فأهدى الغنم، وكان ﷺ إذا فعل العبادة المفضولة، كانت في حقِّه فاضلة، لكونه يُبيّن بذلك شرعيتها. وقد تُحملُ تضحيته ﷺ بالكبشين على أنه لم يجد في ذلك الوقت إلا الغنم، أو أنه فعله لبيان الجواز، والله أعلم. والجواب عن الثالث، وهو أقوى ما استدلّوا به أنه محمول على تفضيل الكبش على مُساويه من الإبل والبقر، فإن البدنة والبقرة كلّ منهما يُجزىء عن سبعة، فيكون المراد تفضيلَ الكبش على سُبُع بدنة، وسُبُع بقرة، أو تفضيل سَبْع من الغنم على البدنة والبقرة، لتتفق الأحاديث، فإن ظاهر الحديث الذي نحن في شرحه موافق للجمهور. قال الحافظ العراقي ﵀: وقد يُجاب بأن المراد خير الأضحية بالغنم الكبشُ، قال: وفيه تعسّف انتهى. واحتجّ الجمهور أيضًا بقياس الضحايا على الهدايا، وأيضًا فقيل في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أن المراد شاة، وذلك يدل على نقصان مرتبتها عن غيرها من النَّعَم، وأيضًا فإن النبي ﷺ سُئل عن أفضل الرقاب، فقال: "أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها"، ولا شكّ في أن الإبل والبقر أنفس عند الناس، وأغلى ثمنًا من الغنم. ذكره ولي الدين رحمه الله تعالى. ومنها: أنه استُدلّ به على أن مَن التزم هديًا يكفيه أن يخرج ناقة، أو بقرة، أو شاة؛

стр. 9432

لأنه ﷺ أطلق لفظ الهدي على الثلاثة، وقد اتفق العلماء على ذلك في الإبل، والبقر، واتفق الشافعية في الغنم أيضًا، وعن مالك أنه أجاز الشاة مرّة، ومرّة لم يُجزها. والله تعالى أعلم. ومنها: أنه قد يُستدلّ بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضًا، لكن ينافيه قوله في آخره: "فإذا خرج الإِمام طوت الملائكة الصحف"، فدلّ على أنه لا يخرج إلا بعد انقضاء وقت التبكير المستحبّ في حقّ غيره. قال الماورديّ ﵀ من الشافعية: يُختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تُقام فيه الصلاةُ، ولا يبكّر، اتباعًا لفعل النبي ﷺ ، واقتداء الخلفاء الراشدين، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر انتهى (١). ومنها: أنه أطلق في هذه الرواية أن المهجّر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وقَيَّد في الرواية الآتية في الباب التالي، فقال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح … " الحديث، فاقتضى هذا أن التهحير إلى الجيعة إنما يكون كإهداء البدنة، وكذا ما بعدها بشرط تقدّم الاغتسال عليه في ذلك اليوم، والقاعدة حمل المطلق على المقيّد. قاله ولي الدين رحمه الله تعالى. ومنها: أنه استُدلّ به على أن الجمعة تصحّ قبل الزوال، كما سيأتي نقل الخلاف فيه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ووجه الدلالة منه تقسيم الساعة إلى خمس (٢)، ثم تعقيبه بخروج الإِمام، وخروجُهُ عند أول وقت الجمعة، فيقتضي أنه يخرج في أول الساعة السادسة، وهي قبل الزوال. والجواب أنه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعلّ الساعة الأولى منه جُعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجيء من أول الثانية، فهي أُولى بالنسبة للمجيء، ثانيةٌ بالنسبة للنهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أول الزوال، فيرتفع الإشكال. وإلى هذا أشار الصيلانيّ شارح "المختصر"، حيث قال: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وهو أول الضحى، وهو أو الهاجرة، ويؤيده الحث على التهجير إلى الجمعة، ولغيره من الشافعية في ذلك وجهان، اختَلَفَ فيهما الترجيح، فقيل: أول التبكير طلوع الشمس، وقيل: طلوع الفجر، ورجحه جمع، وفيه

стр. 9433

نظر، إذ يلزم منه أن يكون التأهب قبل طلوع الشمس، وقد قال الشافعيّ: يُجزىء الغسل إذا كان بعد الفجر، فأشعر بأن الأولى أن يقع بعد ذلك. ويحتمل أن يكون ذكر الساعة السادسة لم يذكره الرواي. وقد وقع في روارة ابن عجلان، عن سُميّ، عند النسائيّ، من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي العصفور. وتابعه صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، أخرجه محمد بن عبد السلام الخشنيّ. وله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه حُميد بن زنجويه في "الترغيب" له بلفظ: "فكمهدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى عليّة الطير، إلى العصفور … " الحديث. ونحوه في مرسل طاوس، عند سعيد منصور. ووقع عند النسائي أيضًا في حديث الزهريّ، من رواية عبد الأعلى، عن معمر زيادة "البَطَّة" بين الكبش والدجاجة، لكن خالفه عبد الرزاق، وهو أثبت منه في معمر، فلم يذكرها. وعلى هذا فخروج الإِمام يكون عند انتهاء السادسة. وهذا كله مبنيّ على أن المراد بالساعات ما يتبادر الذهن إليه من العرف فيها. وفيه نظر، إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصائف؛ لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي الطول إلى أربع عشرة، وهذا الإشكال للقفّال. وأجاب عنه القاضي حسين بأن المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، لكن يزيد كل منها، وينقص والليل كذلك. وهذه تسمى الساعات الآفاقية، عند أهل الميقات، وتلك التعديلية. وقد روى أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "يومُ الجمعة اثنتا عشرة ساعة". وهذا، وإن لم يَرد في حديث التبكير، فيُستأنس به في المراد بالساعات. وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكّرين من أول النهار إلى الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس. وتجاسر الغزالي، فقسمها برأيه، فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية: إلى ارتفاعها. والثالثة: إلى انبساطها، والرابعة: إلى أن ترمض الأقدام، والخامسة: إلى الزوال.

стр. 9434

واعترضه ابن دقيق العيد بأن الردّ إلى الساعة المعروفة أولى، وإلا لم يكن لتخصيص هذا العدد بالذكر معنى؛ لأن المراتب متفاوتة جدًّا. وأولى الأجوبة الأول، إن لم تكن زيادة ابن عجلان محفوظة، وإلا فهي المعتمدة انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول بدلالة الحديث على جواز صحة صلاة الجمعة قبل الزوال، إذ هذه التأويلات كلها فيها تكلف وتعسّف، كما لا يخفى على من تأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ (٢)، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمُ الأَوَّلَ، فَالأَوَّلَ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَاسْتَمَعُوا (٣) الْخُطْبَةَ فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الصَّلَاةِ (٤) كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ، وَالْبَيْضَةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) الجَوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عُيينة الإِمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (سعيد) بن المسيب الإِمام الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩. والباقيان تقدما في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله وهو حديث صحيح. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "على منازلهم"، أي: على حسب درجاتهم التي ينالونها بالتقدّم إلى الجمعة. وقوله: "الأول، فالأول" بدل من الناس، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، وإن كان جامدًا معرفة، لتأوّله بالمشتق النكرة، أي: مترتبين، كما قال في "الخلاصة". وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي … مُبْدِ تأوُّلٍ بِلَا تَكَلُّفِ وقال أيضًا:

стр. 9435

وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ وقال الطيبيّ ﵀: أي الداخلَ الأولَ، والفاء فيه، و"ثُمَّ" في قوله: "ثم كالمهدي" كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، لكن في الثانية تراخ ليس في الأولى انتهى (١). وقوله: "كبشًا" بفتح الكاف، وسكون الموحّدة: هو الفحل الذي يُناطح، قاله في "المجمع"، وقال في "ق": الكبش الحَمَلُ إذا اثْنَى، أو إذا خرجت رَبَاعيته. وفي ذكر الكبش، وهو الذكر إشارةٌ إلى أنه أفضل من الأنثى. وفي رواية "كبشا أقرن". قال النووي ﵀: وصفه به لأنه أكمل، وأحسن صورة، ولأن قرنه يُنتفع به انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٨٧ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (٢) ﷺ ، قَالَ: تَقْعُدُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَالنَّاسُ فِيهِ كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ دَجَاجَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورًا، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الربيع بن سليمان) المرادي المصري، ثقة [١١]، تقدم ١٩٥/ ٣١١. ٢ - (شعيب بن الليث) أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نَبيل، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد الإِمام الفقيه الحجة المصري [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٤ - (ابن عَجْلان) هو محمد المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة [٥] تقدم ٣٦/ ٤٠. ٥ - (سُميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المدني، ثقة [٦] تقدم ٢٢/ ٥٤٠. ٦ - (أبو صالح) ذكوان السمّال الزيات المدني، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، ثقة ثبت [٣] تقدم ٣٦/ ٤٠.

стр. 9436

والصحابي ذُكر في السنة الذي قبله. [تنبيه]: قوله: "كرجل قدّم بدنة، وكرجل قدّم بدنة إلخ" هكذا وقع في "الهندية" الجميع مكرّرًا، وكذا هو في "الكبرى"، ووقع في النسختين المطبوعتين بدون تكرار. قال السيوطي ﵀ في "شرحه": كُرّر المتقرّب به مرتين في الجميع للإشارة إلى أن الآتي في أول ساعة، وفي آخرها يشتركان في مسمّى البدنة مثلاً، ويتفاوتان في صفاتها انتهى (١). وقال السندي ﵀ في "شرحه": التكرار في الجميع للإشارة إلى أن الأجر المذكور مُوَزّعٌ على ساعات، فالآتي في أول كلّ ساعة وآخرها يشتركان في نوع ذلك الأجر، كالمتصدّق بالبدنة مثلًا، وإن تفاوتا من حيثُ الصفات، فالآتي في أول تلك الساعة كالمعطي للبدنة السمينة، ومَنْ بعدَه كالمتصدّق بما دون ذلك. والله تعالى أعلم انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن يُشكل على هذا ما أخرجه عبد الرزّاق في "مصنّفه" عن ابن جريج، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة، فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة، ثم غدا في أول ساعة، فله من الأجر مثل الجَزُور، وأول الساعة وآخرها سواء، ثم الساعة الثانية مثل الثور، وأولها وآخرها سواء، ثم الثالثة مثل الكبش الأقرن، أولها وأخرها سواء، ثم الساعة الرابعة مثل الدجاجة، وأولها وآخرها سواء، ثم مثل البيضة، فإذا جلس الإِمام طُويت الصحفُ، وجاءت الملائكة تستمع الذكر، ثم غُفر له إذا استمع، وأنصت ما بين الجمعتين، وزيادة ثلاثة أيام" (٣). ويمكن أن يُجاب عنه بأن تساوي أول الساعة وآخرها إنما هو في مطلق كونه مثل الجزور، والثور، وهكذا، ولا يلزم من ذلك التساوي في الصفات، فتكون مثلًا جزور الآتي في أولها كاملة الأوصاف من السمن وغيره، والآتي بعده دون ذلك، وهكذا، والله تعالى أعلم. وقوله: "قدم عصفورًا" هكذا وقع في رواية ابن عجلان، عن سُميّ زيادة "عصفور" بين الدجاجة والبيضة، وهي زيادة شاذّة، لمخالفة محمد بن عجلان فيها الحفّاظ الذين تقدمت رواياتهم.

стр. 9437

وقول الحافظ في "الفتح": تابعه عيسى بن صفوان، عن ابن عجلان، أخرجه محمد ابن عبد السلام الخشنيّ، لا يؤيده؛ لأن المتابعة لليث، لا لابن عجلان، وكلامنا فيه، وذكر له شاهدًا من حديث أبي سعيد، أخرجه حُمَيد بن زنجويه في "الترغيب" له بلفظ: "فكمهدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى علية الطير، إلى العصفور … " الحديث. ولكن لم يَذكر سنده حتى يُنظر فيه، ولا تكلم على درجته. وكذا قوله: ونحوه في مرسل طاوس، عند سعيد بن منصور (١). وقد تقدّم عن النووي رحمه الله تعالى أنه قال: هاتان الروايتان -يعني زيادة "بطة"، و"عصفور"- وإن صحّ إسنادهما، فقد يقال: هما شاذتان، لمخالتفهما الروايات المشهورة انتهى. والله تعالى أعلم. وبقية شرح الحديث يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه (٢). المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ٧٨٣١ - وفي "الكبرى" -١٣/ ١٦٩٦ - عن الربيع بن سليمان، عن شُعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن عجلان، عن سُميّ، عن أبي صالح، عنه. وفي ١٤/ ١٣٨٨ - و"الكبرى" -١٤/ ١٦٩٧ - عن قُتيبة، عن مالك، عن سُميّ به. وفي "الكبرى" (٣) عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك به. وفيه عن قُتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل، عن أبي صالح به. وأخرج (خ) ٢/ ٣ (م) ٣/ ٤، ٣/ ٨ (د) ٣٥١ (ت) ٤٩٩ (مالك في الموطإ) ٨٤ (أحمد) ٢/ ٤٦٠. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 9438

١٤ - وَقْتُ الْجُمُعَةِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن مذهب المصنف رحمه الله تعالى أنه يرى أن وقت الجمعة بعد الزوال، وهو مذهب الإِمام البخاري، وجمهور أهل العلم، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. لكن استدلاله على هذا بحديث أبي هريرة ﵁ شكله فيه بعد؛ لأن ظاهره يدلّ لمن قال بجواز الجمعة قبل الزوال؛ لأنه ظاهر في أن خروج الإِمام في أول الساعة السادسة. اللهم إلا إذا حمل معنى الحديث على أن هذه الساعات الخمس تكون من الساعة الثانية، كما تقدّم؛ لأن الساعة الأولى تكون للتأهب بالاغتسال، وغيره من أنواع النظافة، فتكون الثانية بداية للرواح إلى الجمعة، وتكون الساعة الخامسة هي السادسة، ويكون خروج الإِمام في السابعة وهي بعد الزوال، فيكون الحديث دليلًا على أن وقت صلاة الجمعة بعد الزوال. وهذا إن لم تكن زيادة البطة في رواية عبد الأعلى، عن معمر، وزيادة العصفور في رواية ابن عجلان، عن سميّ، صحيحةً، وهو الصحيح، وإلا فلا إشكال، ولعله أراد ذلك، حيث أورد هذا الباب بعد ذكر الباب المشتمل على الروايتين المشتملتين على الزيادة. والله تعالى أعلم. وأما استدلاله بحديث جابر ﵁ الأول ففيه بُعْدٌ؛ لأن الحديث فيه بيان وقت ساعة الإجادة بأنها آخر ساعة بعد العصر، وليس فيه تعرض لوقت صلاة الجمعة. لكن يُستفاد منه أن المراد بالساعات الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هي الساعات المنقسمة إلى اثنتي عشرة ساعةً، ففيه الردّ على من فسر الساعات الخمس بأنها لحظات بعد الزوال، فقال: إن الرواح بعد الزوال، لا قبله، كما هو مذهب الإِمام مالك رحمه الله تعالى. وأما استدلاله بحديث جابر الثاني، فظاهر على أن السؤال والجواب في قوله: "أيّة ساعة؟، قال: زوالُ الشمس" محمولان على الصلاة، وأما إذا حمل على الرجوع، فيكون الحديث دليلًا لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وأما استدلاله بحديث سلمة بن الأكوع ﵁، فظاهر؛ لأن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال، كما بينه أهل اللغة، فالظاهر أنهم صلوا بعد الزوال مبكّرين، ثم رجعوا قبل أن

стр. 9439

يكون للحيطان فيء يُستظلّ به. ويؤيده قوله: "فيء يُستظلّ به"؛ لأن فيه إثبات الفيء، وإنما المنفي الاستظلال به، فيدلّ على أنهم صلّوا بعد الزوال. ويحتمل أن يكون مذهبه جواز صلاة الجمعة قبل الزوال -كما هو مذهب الإِمام أحمد، وطائفة من السلف، كما سنذكره- فيكون الحديث الأول دليلًا لجوازها قبل الزوال، وكذلك حديث جابر الأول، على جعل قوله: "زوال الشمس" للرجوع، وأما على جعله للصلاة فيكون دليلًا لجوازها وقت الزوال، أو قريبًا منه، وكذا حديث سلمة ﵁ دليل لما بعد الزوال، فيكون المصنف رحمه الله تعالى أورد أدلة جوازها قبل الزوال وبعده. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلهم تقدّموا قريباً، فقتيبة، ومالك تقدما قبل بابين، والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا تقدم شرح الحديث، والكلام على مسائله، وهو متفق عليه، ولْنُوَضّح ما لم يُذكَر إيضاحه فيما سبق. فقوله: "غسل الجنابة" منصوب على أن مفعول مطلق على النيابة، والأصل: غسلًا كغسل الجنابة. وذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاري" أنّ للعلماء في تأويله قولين: أحدهما: أن المراد به تعميم الجسد بالغسل كما يُعمّمه بغسل الجنابة، ويشهد لذلك الحديث الآخر الذي فيه: "فيغسل رأسه، وجسده"، فيكون المعنى: اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة في المبالغة، وتعميم البدن بالماء، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية، وغيرهم. الثاني: أن المراد به غسل الجنابة حقيقةً، وأنه يستحب لمن له زوجة، أو أمة أن يطأها يوم الجمعة، ثم يغتسل، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وحكاه عن غير واحد من التابعين، منهم هلال بن يساف، وعبد الرحمن بن الأسود، وغيرهما،

стр. 9440

ورُوي عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كان يُعجبهم أن يُواقعوا النساء يوم الجمعة؛ لأنهم قد أُمروا أن يغتسلوا، وأن يُغَسِّلُوا. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (١). وقوله: "ثم راح": أي في الساعة الأولى، بدليل قوله: "ومن راح في الساعة الثانية"، وقد أخرجه مالك في "الموطإ" ص ٨٤ عن سُميّ بهذا الإسناد، وفيه التصريح بذكر الساعة الأولى. وقوله: "قرّب بدنةً" بتشديد الراء، أي. أهداها تقرّبًا إلى الله تعالى. قال السندي ﵀ في شرحه: والساعات محمولة على لحظات قُرب الزوال عند مالك، وعلى الساعات النجومية عند غيره، وعليه بني المصنف استدلاله على الوقت، وأيده بالحديث الذي بعده، إذ الساعة فيه محمولة على الساعة النجومية قطعًا، وعلى هذا فوقت خروج الإِمام يكون في الساعة السادسة، قيل: وفيها تزول الشمس، ولا يخفى أن زوال الشمس في آخر الساعة السادسة، وأول الساعة السابعة، ومقتضى الحديث أن الإِمام يخرج عند أول الساعة السادسة، ويلزم منه أن يكون خروج الإِمام قبل الزوال، فليتأمل. والله تعالى أعلم انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: أنه رتب في هذا الحديث السابقين إلى الجمعة على خمس مراتب، أولها كمقرّب البدنة، والثاني كمقرّب البقرة، والثالث كمقرّب الكبش، والرابع كمقرّب الدجاجة، والخامس كمقرّب البيضة، ورتّب هذه المراتب على خمس ساعات، فقال الجمهور: المراد بهذه الساعات الأجزاء الزمانية التي ينقسم النهار منها على اثني عشر جزءًا. واختلف أصحاب الشافعي، هل يكون ابتداؤها من طلوع الفجر، أو الشمس، والصحيح عندهم من طلوع الفجر، وفيه -كما قال العراقي- أنه ليس العمل عليه في أمصار الإِسلام قديمًا وحديثًا، أن يبكر للجمعة من طلوع الفجر. وقال المالكية: المراد لحظات لطيفة بعد الزوال، وهو خلاف ظاهر اللفظ، والمتبادر إلى الفهم منه، فإن المفهوم منه إنما هو الساعات المعروفة، وقد ورد التصريح

стр. 9441

بذلك في حديث جابر الآتى بعد هذا: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة … " الحديث، فهو وإن كان في معرض ساعة الإجابة، لكنه يستآنس به في التبكير أيضًا، والله تعالى أعلم. قال ولي الدين ﵀: ومما يردّ على المالكية في ذلك أنّا إذا خرجنا عن الساعة الزمانية لم يبقَ لنا مرَدّ ينقسم فيه الحال إلى خمس مراتب، بل قد يكون مقتضاه الفضل بحسب تفاوت السبق، ويأتي من هذا مراتب كثيرة جدًّا. ذكره الشيخ تقيّ الدين في "شرح العمدة" بمعناه، ثم قال: فإن قلت: يُجعل الوقت من التهجير مقسمًا على خمسة أجزاء، ويكون ذلك مُرادًا. قلت: يُشكل ذلك لوجهين: أحدهما: أن الرجوع إلى ما تقرّر من تقسيم الساعات إلى اثني عشر أولى. الثاني: أن القائلين بأن التهجير أفضل، لا يقولون بذلك على هذه القسمة، فإن القائل قائلان، قائل يقول بترتيب منازل السابقين على غير بتقسيم الأجزاء الخمسة، وقائل يقول بتقسيم الأجزاء ستة إلى الزوال، فالقول بتقسم هذا قالوقت إلى خمس إلى الزوال مخالف للكلّ، وإن كان قد قال به قائل، فليكتف بالوجه الأول انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة الجمعة: (اعلم): أنه قد اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة، فذهب الجمهور، إلى أن وقتها بعد الزوال، فلا تصحّ قبله. وذهب الإِمام أحمد، وطائفة من السلف إلى أنها تجوز قبل الزوال. قال الإِمام البخاري ﵀: "بابٌ وقتُ الجمعة إذا زالت الشمس"، وكذلك يُروى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حُريث. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وهو قول أكثر الفقهاء، منهم الحسن، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي. وذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال. قال: وحكى الماوردي في كتابه "الحاوي" عن ابن عباس ﵄ أنه تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، نقله عنهما ابن منصور، وهو

стр. 9442

مشهور عن أحمد، حتى نُقل عنه أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال، كذا قاله غير واحد من أصحابه. وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في حديث أنس ﵁: "كنا نُبكّر بالجمعة، ونَقيل بعد الجمعة". هذا مما يَستدلّ به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال، لأن التبكير، والقائلة لا يكون إلا قبل الزوال، وقد ثبت أنهم كانوا في عهد عمر يُصلّون معه الجمعة، ثم يرجعون، فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدلّ على أن وقت الضحى كان باقيًا. وكل ما استدل به من قال: تُمنع الجمعة قبل الزوال ليس نصًّا صريحًا في قوله، وإنما يدلّ على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال، أو على استحبابه، أما منع إقامتها قبله فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول لجميع الأدلة، ويَجمع بينها كلِّها، ولا يردّ منها شيئًا. فروى جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبس الله أراد سِيدَان، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصدّيق، فكانت خطبته، وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر. فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: مال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره. أخرجه وكيع في كتابه، عن جعفر به، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتاب، وخرّجه عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن جعفر به، وخرّجه الأثرم، والدارقطنيّ. ورواه الإِمام أحمد في رواية ابنه عبد الله، عن وكيع، عن جعفر، واستدلّ به. وهذا إسناد جيّد، وجعفر حديثه عن غير الزهري حجة يُحتجّ به. قاله الإِمام أحمد، والدارقطني، وغيرهما. وثابت بن الحجاج جزريّ تابعيّ معروف، لا نعلم أحدًا تكلم فيه، وقد خرّج له أبو داود. وعبد الله بن سيدان السلمي المطْرُديّ قيل: إنه من الربَذَة، وقيل: إنه جَزَريّ، يروي عن أبي بكر، وحُذيفة، وأبي ذرَ، وثقه العجليّ، وذكره ابن سعد في طبقة الصحابة، ممن نزل الشام، وقال: ذكروا أنه رأى النبي ﷺ ، وقال القُشيريّ في "تاريخ الرقّة": ذكروا أنه أدرك النبي ﷺ . وأما البخاري، فقال: لا يُتابع على حديثه، كأنه يشير إلى حديثه هذا.

стр. 9443

وقول ابن المنذر: إن هذا الحديث لا يثبت هو متابعة لقول البخاريّ، وأحمد أعرف بالرجال من كلّ من تكلّم في هذا الحديث، وقد استدلّ به، واعتمد عليه. وقد عَضَدَ هذا الحديث أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر، وعثمان، كانت بعد صلاة الجمعة، وصح عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة، وصلى العصر بمَلَل. خرجه مالك في "الموطإ". وبين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا، وقيل: ثمانية عشر، ويبعد أن يلحق هذا السير بعد زوال الشمس. وروى شعبة عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سَلمَة، قال: صلى بنا عبد الله بن مسعود ﵁ الجمعة ضُحًى، وقَال: خشيت عليكم الحرّ. وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد، قال: صلى بنا مُعاوية الجمعة ضحى. وروى إسماعيل بن سميع، عن بلال العَبْسي، أن عمارًا صلى للناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تَزُل. أخرج هذه الآثار كلها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" جـ ٢/ ١٠٧ - ١٠٨. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار وتصرف (١). قال العلّامة الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "السيل الجَرَّار". (اعلم): أن الأحاديث الصحيحة، قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة الجمعة وقت الزوال، كحديث سلمة بن الأكوع ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما، قال: "كنّا نُجَمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس". وبعضها فيه التصريح بإيقاعها قبل الزوال، كما في حديث جابر ﵁ عند مسلم، وغيره: "أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة، ثمّ يذهبون إلى جمالهم، فيريحونها حين تزول الشمس". وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال، وحاله، كما في حديث سهل بن سعد ﵁ في "الصحيحين"، وغيرهما، قال: "ما كنا نَقيلُ، ولا نتغدّي إلا بعد الجمعة". وكما في حديث أنس ﵁ عند البخاريّ، وغيره، قال: "كنّا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثمّ نرجع إلى القائلة، فنَقيل". ومجموع هذه الأحاديث يدلّ على أنّ وقت صلاة الجمعة حال الزوال، وقبله، ولا

стр. 9444

موجب لتأويل بعضها. وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال، وذلك يدلّ على تقرر الأمر لديهم، وثبوته انتهى (١). وقال في "نيل الأوطار" عند شرح حديث سهل بن سعد ﵁: "ما كنا نَقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة": ما حاصله: فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال، ووجه الاستدلال به أن الغداء، والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكوا عن ابن قُتيبة أنه قال: لا يُسمَّى غداء، ولا قائلة إلا بعد الزوال، وأيضًا قد ثبت أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكّر الناس، كما في مسلم من حديث أم هشام بنت حارثة، أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: "ما حفظت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من في رسول الله ﷺ ، وهو يقرؤها على المنبر كلّ جمعة". وعند ابن ماجه من حديث أبيّ بن كعب ﵁: "أن النبي قرأ تبارك يوم الجمعة، وهو قائم يذكّر بأيام الله"، وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث عليّ، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃. ولو كانت خطبته، وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظلّ يُستظلّ به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة. وأصرح من هذا حديث جابر ﵁ المتقدِّم، فإنه صرّح بأن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيُريحونها عند الزوال. ولا مُلجىء إلى التأويلات اللمتعَسَّفَة التي ارتكبها الجمهور انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى هو الحق الذي ينبغي التمسك به؛ لوضوح أدلته. وحاصله أنّ صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال، ولكن الأولى أن تُصَلَّى بعده؛ لأنه غالب فعل النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، وهذا هو الصواب الذي لا يؤدي إلى التكلف بتأويل كثير من النصوص، وإحراجه عن ظواهره، مع أنه لا مُلجىء إلى ذلك بعد أن ثبت عن كثير من السلف العمل بما دلّ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 9445

١٣٨٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْجُلَاحِ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلاَّ آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو) أبو محمد المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤. ٢ - (الحارث بن مسكين) المصري القاضي الفقيه، ثقة [١٠] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (ابن وهب) هو عبد الله المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩. ٥ - (الجُلَاح (١) مولى عبد العزيز) بن مروان الأمويّ مولاهم، أبو كثير المصري، صدوق [٦]. روى عن حَنَش الصنعاني، وأبي سلمة، والمغيرة بن أبي بُردة، وغيرهم. وعنه بُكير ابن الأشجّ، وابن لَهيعة، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. قال الدارقطني: لا بأس به. وقال يزيد بن أبي حبيب: كان رضًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: الْجُلَاح، أبو كثير، يقال: إنه مولى عمر بن عبد العزيز، ويقال: مولى أخيه عبد الرحمن بن عبد العزيز، وهو بصري تابعيّ ثقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقع في سند المصنف ﵀ أنه مولى عبد العزيز، فيحتمل أن يكون مولى عبد العزيز بن مروان بن الحكم والد عمر، وعبد الرحمن، فانتقل إلى أحدهما، فلا تنافي بينه وبين ما قاله ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. قال ابن يونس: توفّي سنة (١٢٠) وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني الفقيه الثقة [٣] تقدم ١/ ١. ٧ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَميّ الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير

стр. 9446

شيخه الحارث، وأنه مسلسل بالمصريين إلى أبي سلمة، وهو وجابر مدنيان، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه جابر رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (عَنْ رَسُول الله ﷺ ) أنه (قَالَ: "يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً) "يوم" مبتدأ، و"اثنتا عشرة" خبره، و"ساعة" منصوب على التمييز، ولفظ أبي داود: "ثنتا عشرة" بدون همزة الوصل، وهي لغة في "اثنتا". قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في "شرح الترمذي": أهل الميقات لهم اصطلاحان في الساعات، فالساعات الزمانية، كل ساعة منها خمس عشرة درجة، والساعات الآفاقية يختلف قدرها باختلاف طول الأيام وقصرها في الصيف والشتاء، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، ومقدار الساعة يزيد وينقص، ويشهد لهذا الاصطلاح الثاني قوله ﷺ : "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة"، كما رواه أبو داود، والنسائي، بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، فلم يفترق بين الصيف والشتاء، فهو دائمًا اثنتا عشرة ساعة انتهى (١). وقال السندي في "شرحه": المراد هاهنا الساعة النجوميّة، والمراد أنها في عدد الساعات كسائر الأيام انتهى. وقال صاحب "المنهل": والمراد بالساعة هنا الجزء من الزمان، فالنهار اثنا عشر جزءا طال أو قصر، ويحتمل أن المراد بها الساعة الفلكية، فيكون التقدير بهذا العدد منظورًا فيه لبعض الأوقات؛ لأن اليوم يزيد وينقص انتهى (٢). (لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ) هذه الجملة صفة لمحذوف، تقديره: فيها ساعة، وقد صرّح به في "الكبرى"، ولفظه: "فيها ساعة، لا يوجد عبد مسلم، يسأل الله شيئًا … " (يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا) أي في تلك الساعة، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو صفة بعد الصفة (إِلاَّ آتَاهُ إِيَّاهُ) "آتاه" كأعطاه وزنًا ومعنًى، وفاعل "آتى" ضمير يعود إلى "الله"، والضمير المنصوب المتصل يعود إلى "عبد"، والمنفصل إلى "شيئًا". أي أعطى الله تعالى ذلك العبد السائلَ الشىءَ الذي سأله. والمراد أن تلك الساعة ساعة إجابة الدعاء، فلا يدعو أحد فيها إلا أُعطي ما سأله.

стр. 9447

(فَالْتَمِسُوهَا) أي اطلبوا تلك الساعة التي يستجيب الله تعالى فيها دعاء الداعين (آخرَ سَاعَة بَعْدَ الْعَصْر) المراد صلاة العصر، فلا يقال: إن ما بعد العصر هو المغرب. والمعنى: في آخر وقت بعد صلاة عصر ذلك اليوم، وعلى هذا التقدير يندفع إشكال من يستشكل، بأنه كيف تُلتمس الساعة في الساعة. وحاصل الجواب أن المراد من ساعة الإجابة لحظات قليلة، كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم … " الحديث، وفيه: "وأشار بيده يُقلّلها"، وفي رواية لمسلم: "وهي ساعة خفيفة"، والمراد من آخر الساعة ساعة من جملة الساعة الاثنتى عشرة المذكورة، فوجود لحظات قليلة في آخر ساعة من الساعة الاثنتي عشرة المذكورة واضح، لا إشكال فيه. والله تعالى أعلم. والكلام على ساعة الإجابة سيأتي في باب مفرد آخر "كتاب الجمعة" إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ١٣٨٩ - وفي "الكبرى" -١٤/ ١٦٩٧ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٠٤٨، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩٠ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا، قُلْتُ: أَيَّةَ سَاعَةٍ؟ قَالَ: زَوَالُ الشَّمْسِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن عبد الله) الحمّال البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٥٠/ ٦٢. ٢ - (يحيى بن آدم) الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. ٣ - (حسن بن عياش) -بتحتانية، ثم معجمة- ابن سالم الأسديّ، أبو محمد الكوفي، أخو أبي بكر المقرىء، صدوق [٨].

стр. 9448

روى عن الأعمش، وابن عجلان، وجعفر الصادق، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، وابن مهديّ، ويحيى بن آدم، وغيرهم. قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وأخوه أبو بكر ثقة، قال عثمان: ليسا بذاك، وهما من أهل الصدق والأمانة. وقال النسائي: ثقة. وقال الطحاويّ: ثقة حجة. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال يحيى الحمّاني: مات سنة (١٧٢). روى له مسلم، والترمذيّ، والنسائي له في "صحيح مسلم" حديث واحد في "الجمعة" (١). وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ١٣٩٠ ورقم ٣٦٢٣. ٤ - (جعفر بن محمد) الهاشميّ المعروف بالصادق، أبو عبد الله المدني، صدوق فقيه إمام [٦] تقدم ١٢٣/ ١٨٢. ٥ - (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمى المعروف بالباقر، أبو جعفر المدني، ثقة فاضل [٤] تقدّم ١٢٣/ ١٨٢. والصحابي تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وهو مسلسل بالمدنيين من جعفر وشيخه بغدادي، ويحيى وحسن كوفيان، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنُرِيحُ) بضم النون، من الإراحة، يقال: راحت الإبل تَرُوح، فهي رائحة: إذا رجعت من المَرْعَى. قال الأزهريّ: وأما راحت الإبل، فهي رائحة، فلا يكون إلا بالعشيّ، إذا أراحها راعيها على أهلها، يُقال: سَرَحَتْ بالغداة إلى الرَّعْي، وراحَت بالعشيّ على أهلها، أي رجعت من المَرْعى إليهم. وقال ابن فارس: الرَّواح رَوَاح العشيّ، وهو من الزوال إلى الليل. قاله الفيوميّ (٢). وقال النووي ﵀: ومعنى "نُريح"، أي نُريحها من العمل، وتعب السقي، فنخلّيها منه، وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي انتهى (٣).

стр. 9449

(نَوَاضحَنَا) جمع ناضح. وهو البعير الذي يحمل الماء لسقي الزرع، يقال: نَضَحَ البعيرُ الماءَ: حمله من نهر، أو بئر لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمّي ناضحًا لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبُلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. قاله الفيّومي (١). وقال النووي ﵀: سمي بذلك لأنه ينضح الماء، أي يصبّه. (قُلْتُ) القائل حسن بن عيّاش، ففي رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق ابن إبراهيم: قال حسنٌ: فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ … "، أي قلت لجعفر مستفهما ضبطَ الوقت (أَيَّةَ سَاعَة؟) بنصب "آية" على الظرفية، وهي متعلقة بفعل مقدر يدلّ عليه ما قبله. والظاهر أنه يقدر "أية ساعة تصلون؟ "، وعلى هذا فالظاهر أنهم صلوها وقت الزوال. ويحتمل أن يقدر "ترجعون"، وعلى هذا فالمتبادر أن الصلاة كانت قبل الزوال، فيكون دليلًا لمن قال بصحتها قبل الزوال، وقد تقدَّم أنه الراجح. ويحتمل أن تكون "أية" بالرفع خبرًا لمحذوف، تقديره: أيةُ ساعة هي. [فائدة]: "أية" لغة في "أيّ" الاستفهامية، والأفصح في استعمالها، وكذا الشرطية أن تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث؛ لأنها اسم، والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة بين المذكر والمؤنث، نحو أيُّ رجل جاء، وأيُّ امرأة قامت، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقال تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد تُطابَقُ في التذكير والتأنيث، نحو أي رجل، وأية امرأة، وقُرىء شاذًّا: "بأية أرض تموت"، ومنه هذا الحديث (٢). (قَالَ) أي جعفر بن محمد (زَوَالُ الشَّمْس) يحتمل النصب على الظرفية لفعل مقدر كسابقه، ويحتمل الردع على أنه خبر لمحذوف، أي هو زوال الشمس، وإنما عرف جعفر ضبط الوقت بإخبار أبيه له، عن جابر ﵁، ففي رواية مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، أنه سأل جابر بن عبد الله، متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي، ثم نذهب إلى جمالنا، فنُريحها، زاد في رواية: "حين تزول الشمس". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9450

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ١٣٩٠ - وفي "الكبرى" -١٤/ ١٦٩٩ - بالسند المذكور. وأخرجه (م) ٣/ ٨. (أحمد) ٣/ ٣٣١. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩١ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ، وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَيىْءٌ، يُسْتَظَلُّ بِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شُعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة صاحب حديث [١٠] من أفراد المصنف، تقدّم ٤٢/ ٤٩. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث [٩] تقدّم ٤٢/ ٤٩. ٣ - (يعلي بن الحارث) بن حرب بن جرير بن الحارث الْمُحَاربي، أبو حرب، ويقال: أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٨]. روى عن إياس بن سلمة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان بن حبيب، وغيرهم. وعنه ابنه يحيى، وابن مهديّ، ووكيع، وغيرهم. قال أبو قُدَامة، عن ابن مهدي: يعلي بن الحارث من ثقات مشيخة الكوفيين. وقال ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري: يقال: مات سنة (١٦٨). وبه جزم ابن حبان. روى له الجماعة سوى الترمذي. وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ١٣٩١ ورقم ٥٠٧٧. ٤ - (إياس بن سلمة بن الأكوع) الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدني، ثقة [٣].

стр. 9451

روى عن أبيه، وابن لعمّار بن يسار. وعنه ابناه سعيد، ومحمد، ويعلى ابن الحارث، وغيرهم. قال ابن معين، والعجليّ، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: توفي بالمدينة سنة (١١٩) وهو ابن (٧٧) سنة، وكان ثقة، وله أحاديث كثيرة. وهكذا قال ابن المديني في تاريخ وفاته. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط ٥ - (سلمة) بن عمرو بن الأكوع، يُنسب إلى جده، الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابي رضي الله تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤) تقدم ١٥/ ٧٦٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، سوى شيخه، فإنه من أفرده، وهو ثقة، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه أنه (قَالَ: كُنا نصلّي مَعَ رسول الله ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجعُ) أي إلى منازلهم (وَلَيْسَ للْحيطَان) -بالكسر- جمع حائط (فيْىءٌ) -بفتح، فسكون- يقال: فاء الظلّ يفيء فَيْئًا: رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والجمع فُيُوءٌ، وأَفْيَاءٌ، مثل بيت، وبُيُوت، وأَبْيَات، وتقدّم أنه لا يكون إلا بعد الزوال (يُسْتَظَلُّ به) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ رفع صفة لـ"فيء"، وإنما وصفه به إشارة إلى أن هناك ظلًّا، لكن لا يمكن الاستظلال به لقصره، فلا يكون الحديث دليلًا لمن أجاز صلاة الجمعة قبل الزوال. وأصرح منه ما في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق وكيع، عن يعلي بن الحارث: "كنا نُجمّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبّع الفيء". قال النووي رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يُخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّازها قبل الزوال. قال القاضي: وروى في هذا أشياء عن الصحابة، لا يصحّ منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجليها، وأنهم كانوا

стр. 9452

يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها. وقوله: "نتتبع الفيء" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه. وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير. وقوله: "وليس للحيطان فيء يُستظلّ به" موافق لهذا، فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يُستظلّ به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما تقدّم أن أكثر هذه التأويلات فيها تكلّف ظاهر، لا حاجة إليه، فبعض الأحاديث يدل على صحة الجمعة قبل الزوال. وأما ما قاله القاضي عياض، من أنه لم يصحّ عن الصحابة شيء، فغير صحيح، فقد تقدم في المسألة الثانية من شرح حديث أبي هريرة ﵁ المذكور أول الباب إثباته عن كثير من السلف. فتنبّه. والحاصل أن الراجح صحتها قبل الزوال، وإن كان الأولى كونها بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذاالحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ١٣٩١ - وفي "الكبرى" -١٤/ ١٦٩٨ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٥/ ١٥٩ (م) ٣/ ٩ (د) ١٥٨٥ (ق) ١١٠٠ (أحمد) ٤/ ٤٦ و٤/ ٥٤ (الدارمي) ١٥٥٤ (ابن خزيمة) ١٨٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توِفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١٥ - (بَابُ الأذَانِ للْجُمُعَةِ) ١٣٩٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ

стр. 9453

شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ الأَذَانَ كَانَ أَوَّلُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةَ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَثُرَ النَّاسُ، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله تقدم في الباب الماضي. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلىّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) الزهري، تقدم قبل باب. ٥ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمَامة بن الأسود الكنديّ، ويقال: الأسديّ، أو الليثيّ، أو الْهذَليّ. وقال الزهريّ: هو من الأزد، عداده في كنانة، وهو ابن أخت النمر، لا يُعْرَفون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة. قال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد: حجّ أبي مع النبي ﷺ ، وأنا ابن سبع سنين. روى عن النبي ﷺ وعن حُويطب بن عبد العزّى، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن السعدي، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، والزهريّ، والجعد بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال الواقديّ: توفي بالمدينة سنة (٩١) وقال غيره: سنة (٦)، وقيل: سنة (٨٨)، وقال ابن عبد البرّ: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة. وقال أبو نعيم: توفي سنة (٨٢)، وذكره البخاري في "فصل" من مات ما بين التسعين إلى المائة. وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيان. ومنها: أن السائب هذا أول محل ذكره من الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) ﵄ (أَنَّ الأَذَانَ) أراد به النداء الشامل للإقامة. وفي رواية للبخاري: "كان النداء يوم الجمعة"، وعند ابن خزيمة من

стр. 9454

طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري: "كان ابتداء النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة". وله في رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر أذانين يوم الجمعة". قال ابن خُزيمة: قوله: "أذانين" يريد الأذان والإقامة. يعني تغليبًا، أو لاشتراكهما في الإعلام، كما تقدّم في أبواب الأذان. (كَانَ أَوَّلُ) يحتمل أن يكون مرفوعًا على أنه اسم "كان"، والمضاف إليه مقدرٌ لفظًا، أي أولُهُ، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أبي داود، فقد أخرجه من طريق المصنف، ولفظه: "أنّ الأذان كان أولُهُ حين يجلس الإِمام على المنبر … ". ويحتمل أن يكون مبنياً على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، ونية معناها، فإن للفظ "أول" أربعةَ أحوال، أن يضاف لفظًا، أو يُحذف المضاف إليه، ويُنوى لفظه، أو يُقطع لفظًا ومعنًى، ففي هذه الأحوال الثلاثة يُعرب، والحالة الرابعة أن يقطع لفظه عن الإضافة، وينوى معناها، ففي هذه الحالة يُبنى على الضمّ، ونظيره "غير"، و"قبل" و"بعد"، و"حسبُ"، و"دونُ"، وأسماء الجهات الست، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا إنْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا … قَبْلًا وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَد ذُكِرَا ويحتمل أن يكون منصوبا على الظرفية بتقدير لفظ المضاف إليه، أي أوّلَ الأمر، وهو متعلق بـ"كان"؛ لأنها -وإن كانت ناقصة- تُعلّق الظرف، والجارّ والمجرور على الأصح، ويؤيد هذا الوجه أنه وقع في "الكبرى" بلفظ "كان أوّلًا". (حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) بكسر الميم، سمي به لارتفاعه، وكُسرت ميمه تشبيهًا له بالآلة. قاله الفيومي رحمه الله تعالى. وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي عامر، عن ابن أبي ذئب: "إذا خرج الإِمام، وإذا أقييت الصلاة"، وكذا للبيهقي من طريق ابن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئب. وفي رواية المصنف الآتية بعد حديث، من طريق سليمان التيمي، عن الزهري: "كان بلال يؤذّن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل أقام". قال المهلّب رحمه الله تعالى: الحكمة في جعل الأذان في هذا المحلّ ليَعرف الناسُ بجلوس الإِمام على المنبر، فينصتوا له إذا خطب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه نظر، فإن في سياق ابن إسحاق عند الطبراني وغيره عن الزهريّ في هذا الحديث: إن بلالًا كان يؤذن على باب المسجد"، فالظاهر

стр. 9455

أنه كان لمطلق الإعلام، لا لخصوص الإنصات، نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات انتهى (١). (يَومَ الْجُمُعَة) منصوب على الظرفية متعلق بـ"يجلس" (في عَهْد رَسُول الله ﷺ ) متعلّق بـ"يجلس" أيضًا، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كائن في زمنه ﷺ (وَأَبي بَكْر، وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (فَلَمَّا كَانَ في خلَافَة عُثْمَانَ) اسم "كان" ضمير يعود إلى "عهد"، والجارّ والمجرور خبرها، أي فلما كان هو أي العهد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وفي نسخة بإسقاط لفظة "في"، وعليه فـ"كان" تامّة، و"خلافة" فاعلها، أي فلما جاء خلافة عثمان (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي بالمدينة، وصُرّح به في رواية عند البخاريّ، وظاهره أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في رواية أبي ضمرة، عن يونس عند أبي نعيم في "المستخرج" أن ذلك كان بعد مضيّ مدة من خلافته. والجملة في محلّ نصب على الحال بتقدير "قد"، أي والحال أن الناس قد كثروا، ولم يكفهم الأذان المعهود (أَمَرَ عُثْمَانُ) رضي الله تعالى عنه (يَوْمَ الْجُمُعَة) فيه بيانُ أن أمره صدر في يوم الجمعة (بِالأذَان الثَّالث) وفي رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة: "فأمر عثمان بالأذان الأول"، ونحوه للشافعي ﵀، ولا تنافى بين الروايتين، لأنه باعتبار كونه مزيدًا على الأذان والإقامة يسمّى ثالثًا وباعتبار كونه جُعل مقدّمًا عليهما في الفعل يسمّى أوّلًا، فهو أول في الفعل، ثالث في المشروعية، ووصف بالثاني في رواية للبخاري من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، نظرًا للأذان دون الإقامة. (فَأُذِّنَ به) ببناء الفعل للمفعول، وفي نسخة "يؤذن به" (عَلَى الزَّوْاء) -بفتح الزاي، وسكون الواو بعدها راء ممدودة- موضع بالسوق بالمدينة. هكذا فسره البخاري ﵀ في "صحيحه"، قال الحافظ: وهو المعتمد، وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر، لما في رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ، عند ابن خزيمة، وابن ماجه بلفظ "زاد النداء الثالث على دار في السوق، يقال لها: الزوراء"، وفي روايته عند الطبراني: "فأمر بالنداء الأول على دار له، يقال لها: الزوراء، فكان يُؤذّن له عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة". وفي رواية له من هذا الوجه: "فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت". ونحوه في مرسل مكحول. وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس ﵁: "أن نبي الله ﷺ وأصحابه كانوا
следующие страницы →