← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

روى عن أبيه، وابن لعمّار بن يسار. وعنه ابناه سعيد، ومحمد، ويعلى ابن الحارث، وغيرهم. قال ابن معين، والعجليّ، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: توفي بالمدينة سنة (١١٩) وهو ابن (٧٧) سنة، وكان ثقة، وله أحاديث كثيرة. وهكذا قال ابن المديني في تاريخ وفاته. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط ٥ - (سلمة) بن عمرو بن الأكوع، يُنسب إلى جده، الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابي رضي الله تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤) تقدم ١٥/ ٧٦٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، سوى شيخه، فإنه من أفرده، وهو ثقة، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه أنه (قَالَ: كُنا نصلّي مَعَ رسول الله ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجعُ) أي إلى منازلهم (وَلَيْسَ للْحيطَان) -بالكسر- جمع حائط (فيْىءٌ) -بفتح، فسكون- يقال: فاء الظلّ يفيء فَيْئًا: رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والجمع فُيُوءٌ، وأَفْيَاءٌ، مثل بيت، وبُيُوت، وأَبْيَات، وتقدّم أنه لا يكون إلا بعد الزوال (يُسْتَظَلُّ به) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ رفع صفة لـ"فيء"، وإنما وصفه به إشارة إلى أن هناك ظلًّا، لكن لا يمكن الاستظلال به لقصره، فلا يكون الحديث دليلًا لمن أجاز صلاة الجمعة قبل الزوال. وأصرح منه ما في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق وكيع، عن يعلي بن الحارث: "كنا نُجمّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبّع الفيء". قال النووي رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يُخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّازها قبل الزوال. قال القاضي: وروى في هذا أشياء عن الصحابة، لا يصحّ منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجليها، وأنهم كانوا

стр. 9452

يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها. وقوله: "نتتبع الفيء" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه. وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير. وقوله: "وليس للحيطان فيء يُستظلّ به" موافق لهذا، فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يُستظلّ به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما تقدّم أن أكثر هذه التأويلات فيها تكلّف ظاهر، لا حاجة إليه، فبعض الأحاديث يدل على صحة الجمعة قبل الزوال. وأما ما قاله القاضي عياض، من أنه لم يصحّ عن الصحابة شيء، فغير صحيح، فقد تقدم في المسألة الثانية من شرح حديث أبي هريرة ﵁ المذكور أول الباب إثباته عن كثير من السلف. فتنبّه. والحاصل أن الراجح صحتها قبل الزوال، وإن كان الأولى كونها بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذاالحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٤/ ١٣٩١ - وفي "الكبرى" -١٤/ ١٦٩٨ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٥/ ١٥٩ (م) ٣/ ٩ (د) ١٥٨٥ (ق) ١١٠٠ (أحمد) ٤/ ٤٦ و٤/ ٥٤ (الدارمي) ١٥٥٤ (ابن خزيمة) ١٨٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توِفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١٥ - (بَابُ الأذَانِ للْجُمُعَةِ) ١٣٩٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ

стр. 9453

شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ الأَذَانَ كَانَ أَوَّلُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةَ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَثُرَ النَّاسُ، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله تقدم في الباب الماضي. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلىّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) الزهري، تقدم قبل باب. ٥ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمَامة بن الأسود الكنديّ، ويقال: الأسديّ، أو الليثيّ، أو الْهذَليّ. وقال الزهريّ: هو من الأزد، عداده في كنانة، وهو ابن أخت النمر، لا يُعْرَفون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة. قال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد: حجّ أبي مع النبي ﷺ ، وأنا ابن سبع سنين. روى عن النبي ﷺ وعن حُويطب بن عبد العزّى، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن السعدي، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، والزهريّ، والجعد بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال الواقديّ: توفي بالمدينة سنة (٩١) وقال غيره: سنة (٦)، وقيل: سنة (٨٨)، وقال ابن عبد البرّ: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة. وقال أبو نعيم: توفي سنة (٨٢)، وذكره البخاري في "فصل" من مات ما بين التسعين إلى المائة. وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيان. ومنها: أن السائب هذا أول محل ذكره من الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) ﵄ (أَنَّ الأَذَانَ) أراد به النداء الشامل للإقامة. وفي رواية للبخاري: "كان النداء يوم الجمعة"، وعند ابن خزيمة من

стр. 9454

طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري: "كان ابتداء النداء الذي ذكره الله في القرآن يوم الجمعة". وله في رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر أذانين يوم الجمعة". قال ابن خُزيمة: قوله: "أذانين" يريد الأذان والإقامة. يعني تغليبًا، أو لاشتراكهما في الإعلام، كما تقدّم في أبواب الأذان. (كَانَ أَوَّلُ) يحتمل أن يكون مرفوعًا على أنه اسم "كان"، والمضاف إليه مقدرٌ لفظًا، أي أولُهُ، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أبي داود، فقد أخرجه من طريق المصنف، ولفظه: "أنّ الأذان كان أولُهُ حين يجلس الإِمام على المنبر … ". ويحتمل أن يكون مبنياً على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، ونية معناها، فإن للفظ "أول" أربعةَ أحوال، أن يضاف لفظًا، أو يُحذف المضاف إليه، ويُنوى لفظه، أو يُقطع لفظًا ومعنًى، ففي هذه الأحوال الثلاثة يُعرب، والحالة الرابعة أن يقطع لفظه عن الإضافة، وينوى معناها، ففي هذه الحالة يُبنى على الضمّ، ونظيره "غير"، و"قبل" و"بعد"، و"حسبُ"، و"دونُ"، وأسماء الجهات الست، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا إنْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا … قَبْلًا وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَد ذُكِرَا ويحتمل أن يكون منصوبا على الظرفية بتقدير لفظ المضاف إليه، أي أوّلَ الأمر، وهو متعلق بـ"كان"؛ لأنها -وإن كانت ناقصة- تُعلّق الظرف، والجارّ والمجرور على الأصح، ويؤيد هذا الوجه أنه وقع في "الكبرى" بلفظ "كان أوّلًا". (حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) بكسر الميم، سمي به لارتفاعه، وكُسرت ميمه تشبيهًا له بالآلة. قاله الفيومي رحمه الله تعالى. وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي عامر، عن ابن أبي ذئب: "إذا خرج الإِمام، وإذا أقييت الصلاة"، وكذا للبيهقي من طريق ابن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئب. وفي رواية المصنف الآتية بعد حديث، من طريق سليمان التيمي، عن الزهري: "كان بلال يؤذّن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل أقام". قال المهلّب رحمه الله تعالى: الحكمة في جعل الأذان في هذا المحلّ ليَعرف الناسُ بجلوس الإِمام على المنبر، فينصتوا له إذا خطب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه نظر، فإن في سياق ابن إسحاق عند الطبراني وغيره عن الزهريّ في هذا الحديث: إن بلالًا كان يؤذن على باب المسجد"، فالظاهر

стр. 9455

أنه كان لمطلق الإعلام، لا لخصوص الإنصات، نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات انتهى (١). (يَومَ الْجُمُعَة) منصوب على الظرفية متعلق بـ"يجلس" (في عَهْد رَسُول الله ﷺ ) متعلّق بـ"يجلس" أيضًا، أو بخبر مبتدإ محذوف، أي ذلك كائن في زمنه ﷺ (وَأَبي بَكْر، وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (فَلَمَّا كَانَ في خلَافَة عُثْمَانَ) اسم "كان" ضمير يعود إلى "عهد"، والجارّ والمجرور خبرها، أي فلما كان هو أي العهد في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وفي نسخة بإسقاط لفظة "في"، وعليه فـ"كان" تامّة، و"خلافة" فاعلها، أي فلما جاء خلافة عثمان (وَكَثُرَ النَّاسُ) أي بالمدينة، وصُرّح به في رواية عند البخاريّ، وظاهره أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في رواية أبي ضمرة، عن يونس عند أبي نعيم في "المستخرج" أن ذلك كان بعد مضيّ مدة من خلافته. والجملة في محلّ نصب على الحال بتقدير "قد"، أي والحال أن الناس قد كثروا، ولم يكفهم الأذان المعهود (أَمَرَ عُثْمَانُ) رضي الله تعالى عنه (يَوْمَ الْجُمُعَة) فيه بيانُ أن أمره صدر في يوم الجمعة (بِالأذَان الثَّالث) وفي رواية وكيع، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة: "فأمر عثمان بالأذان الأول"، ونحوه للشافعي ﵀، ولا تنافى بين الروايتين، لأنه باعتبار كونه مزيدًا على الأذان والإقامة يسمّى ثالثًا وباعتبار كونه جُعل مقدّمًا عليهما في الفعل يسمّى أوّلًا، فهو أول في الفعل، ثالث في المشروعية، ووصف بالثاني في رواية للبخاري من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، نظرًا للأذان دون الإقامة. (فَأُذِّنَ به) ببناء الفعل للمفعول، وفي نسخة "يؤذن به" (عَلَى الزَّوْاء) -بفتح الزاي، وسكون الواو بعدها راء ممدودة- موضع بالسوق بالمدينة. هكذا فسره البخاري ﵀ في "صحيحه"، قال الحافظ: وهو المعتمد، وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد، وفيه نظر، لما في رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ، عند ابن خزيمة، وابن ماجه بلفظ "زاد النداء الثالث على دار في السوق، يقال لها: الزوراء"، وفي روايته عند الطبراني: "فأمر بالنداء الأول على دار له، يقال لها: الزوراء، فكان يُؤذّن له عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة". وفي رواية له من هذا الوجه: "فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت". ونحوه في مرسل مكحول. وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس ﵁: "أن نبي الله ﷺ وأصحابه كانوا

стр. 9456

بالزوراء -والزوراء بالمدينة عند السوق- … " الحديث. (فَثَبَتَ) وفي نسخة "وثبت" بالواو (الأَمْرُ عَلَى ذَلكَ) أي استمرّ أمر الأذان على ما أحدثه عثمان ﵁. وفي رواية أبي عامر، عن ابن أبي ذئب، عند ابن خزيمة: "فثبت ذلك حتى الساعةَ". قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد، إذ ذاك، لكونه خليفةَ مُطاعَ الأمر، لكن ذكر الفاكهانيّ أن أول من أحدث الأذان الأول بمكّة الْحَجّاج، وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. ورى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر، قال: "الأذان الأول يوم الجمعة بدعة"، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وكلّ ما لم يكن في زمنه يُسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك. وتبيّن بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله. وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر، والصلاة على النبي ﷺ ، فهو في بعض البلاد، دون بعض، واتباع السلف الصالح أولى انتهى. [تنبيهان] ذكرهما الحافظ رحمه الله تعالى: [الأول]: ورد ما يخالف هذا الخبر أن عمر ﵁ هو الذي زاد الأذان، ففي تفسير جُويبر، عن الضحّاك، من زيادة الراوي، عن بُرد بن سنان، عن مكحول، عن معاذ ﵁: "أن عمر أمر مؤذّنَين أن يؤذنا للناس الجمعة (١) خارجا من المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه، كما كان في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين انتهى. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت؛ لأن معاذا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام، واستمرّ إلى أن مات بها في طاعون عمواس. وقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده، فهو المعتمد. قال: ثم وجدت لهذا الأثر ما يُقوّيه (٢)، فقد أخرج عبد الرزّاق، عن ابن جريج،

стр. 9457

قال: قال سليمان بن موسى: "أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلّا، إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد انتهى. وعطاء لم يدرك عثمان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي ذكره عطاء هو الذي كان في زمن عمر، واستمرّ على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانًا، وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه، لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان فعله عمر، لكونه مجرّد إعلام. [الثاني]: تواردت الشُّرّاح على أن معنى قوله: "الأذان الثالث" أن الأولين الأذانُ والإِقامةُ، لكن نقل الداوديّ أن الأذان أوّلًا كان في سُفل المسجد، فلما كان عثمان جَعَل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام -يعني ابن عبد الملك- جعل من يؤذن بين يديه، فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك. انتهى وهذا الذي ذكره يُغني ذكره عن تكلف ردّه، فليس له فيما قاله سلف، ثم هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثًا يستدعي سبق اثنين قبله، وهشام إنما كان بعد عثمان بثمانين سنة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٥/ ١٣٩٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ١٧٠٠ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عنه. وفي ١٥/ ١٣٩٣ - و"الكبرى" -١٥/ ١٧٠٢ - عن محمد بن يحيى الذُّهْلي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به. وفي -١٥/ ١٣٩٤ - و"الكبرى" ١٧٠١ - (٢) عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الزهريّ به. وأخرجه (خ) ٢/ ١٠ و٢/ ١١ (د) ١٠٨٧ و١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠ (ت) ٥١٦ (ق) ١١٣٥ (أحمد) ٣/ ٤٤٩ و٣/ ٤٥٠ (ابن خزيمة) ١٧٧٣ و١٧٧٤ و١٨٣٧. والله تعالى أعلم.

стр. 9458

المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الأذان للجمعة. ومنها: استحباب جلوس الإِمام على المنبر، خلافا لبعض الحنفية، واختُلف هل هو للأذان، أو لراحة الخطيب؟ فعلى الأول لا يسنّ في العيد، إذ لا أذان هناك. قاله في "الفتح". ومنها: أن التأذين يكونْ قُبيل الخطبة. ومنها: عدم مشروعية تأذين اثنين معًا، لقوله في الرواية التالية: "ولم يكن لرسول الله ﷺ غير مؤذن واحد". ومنها: أن الخطبة يوم الجمعة سابقة على الصلاة، ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإِمام على المنبر دلّ على سبق الخطبة على الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في حكم الأذان للجمعة: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دلّ الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، هو النداء الذي بين يدي الإِمام عند جلوسه على المنبر. وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء، ولهذا قال أكثرهم: إنه هو الأذان الذي يمنع البيع، ويوجب السعي إلى الجمعة، حيث لم يكن على عهد النبي ﷺ سواه. وما ذكره ابن عبد البرّ عن طائفة من أصحابهم: أن هذا الأذان الذي يمنع البيع لم يكن على عهد النبي ﷺ ، وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك، فقد بيّن ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله، لعدم معرفته بالسنة والآثار، فإن قال هذا الجاهل: إنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة، فقد باهتَ، ويكذّبه قول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، وإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإِمام، فقد أبطل، ويكذبه هذا الحديث، وإجماع العلماء على ذلك. وقد أنكر عطاء الأذان الأول، وقال: إنما زاده الحجاج، قال: وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاءً. أخرجه عبد الرزاق. وقال عمرو بن دينار: إنما أراد عثمان الأذان بالمدينة، وأما مكة، فأول من زاده الحجاج، قال: ورأيت ابن الزبير لا يُؤَذَّنُ له حتى يجلس على المنبر، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة. أخرجه عبد الرزاق أيضًا.

стр. 9459

وروى مصعب بن سَلّام، عن هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إنما كان رسول الله ﷺ إذا قعد على المنبر أذّن بلال، فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة. وروى وكيع في "كتابه"، عن هشام راد الغاز، قال: سألت نافعًا عن الأذان يوم الجمعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسنًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يكن في زمان النبي ﷺ إلا أذانان، أذان حين يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة، قال: وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعدُ. أخرجه ابن أبي حاتم. وقال سفيان الثوري: لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس، وإذا أذن المؤذن قام الإِمام على المنبر، فخطب، وإذا نزل أقام الصلاة، قال: والأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر أذان وإقامة، وهذا الأذان الذي زادوه محدث. وقال الشافعي -فيما حكاه ابن عبد البرّ- أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر بين يفيه، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان، فإذا فرغ، قام، فخطب، قال: وكان عطاء يُنكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني، وقال: إنما أحدثه معاوية. قال الشافعي: وأيهما كان فالأذان الذي كان على عهد النبي ﷺ ، هو الذي يُنهَى الناسُ عنده عن البيع (١). ونقل حرب، عن إسحاق بن راهويه أن الأذان الأول للجمعة مُحدث، أحدثه عثمان، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين ليُعلِمَ الأبعدين ذلك، فصار سنة، لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناس. قال الحافظ ابن رجب: وهذا يُفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإِمام، فإن احتاج إليه لكثرة الناس فعله، وإلا فلا حاجة إليه انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما سبق أن ما زاده عثمان رضي الله من الأذان ليس محل إجماع، فقد ثبت إنكاره عن ابن عمر ﵄ وغيره، فما اقتضاه كلام ابن المنذر ﵀ من دعوى اتفاق الأمة عليه، غير صحيح (٣). والحاصل أن الأولى اتباع ما كان عدى عهد رسول الله ﷺ ، كما قال الشافعي رحمه

стр. 9460

الله تعالى، فلا ينبغي زيادة الأذان الثالث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأْذِينِ الثَّالِثِ عُثْمَانُ، حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُؤَذِّنٍ (١) وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ). رجال هذا الإسناد ستة: ١ - (محمد بن يحيى بن عبد الله) الذُّهْلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل [١١] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. ٢ - (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. ٣ - (ابراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (صالح) بن كيسان أبو محمد المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه والكلام على مسائله، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "غير مؤذن واحد" زاد أبو داود في روايته: "بلال". والمراد أن بلالاً هو المؤذن الذي كان يؤذن لرسول الله ﷺ يوم الجمعة، كما بينته الرواية التالية. أو المراد -كما قال في "الفتح"- أن المؤذن الذي كان يؤذن هو الذي كان يقيم. وأما أبو محذورة، وسعد القَرَظ، فكان كل منهما بمسجده الذي رُتِّبَ فيه، وأما ابن أم مكتوم، فلم يرد أنه كان يؤذن إلا في الصبح، كما تقدم في الأذان. وعُرف بهذا -كما قال الحافظ- الردّ على ما ذكره ابن حبيب أنه ﷺ كان إذا رقي المنبر، وجلس أذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة، واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام، فخطب، فإنه دعوى تحتاج لدليل، ولم يرد صريحًا من طريق متصلة يثبت مثلها. قال: ثم وجدته في مختصر البويطي عن الشافعي انتهى (٢). وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: فيه أنه اشتهر أنه كان للنبي ﷺ جماعة من

стр. 9461

المؤذنين، منهم بلال، وابن أم مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة. وأجيب بأنه أراد الجمعة، وفي مسجد المدينة، ولم يُنقل أن ابن أم مكتوم كان يؤذن يوم الجمعة، بل الذي ورد عنه التأذين يوم الجمعة بلال، وأبو محذورة جعله ﷺ مؤذنًا بمكة، وسعد جعله بقباء (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ، ثُمَّ كَانَ كَذَلِكَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (المعتمر) بن سليمان البصري، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠/ ١٠. ٣ - (سليمان) بن طَرْخان التيمي البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٨٧/ ١٠٧. والباقيان تقدما قريبًا، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وهو متفق عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ) ١٣٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ، وَقَدْ خَرَجَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" -قَالَ شُعْبَةُ-: "يَوْمَ الْجُمُعَةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) المذكور في السند الماضي. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصريّ، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.

стр. 9462

٣ - (شعبة) بن الحجاج الإِمام الحجة الناقد البصري [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عمرو بن دينار) الجُمَحي مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (جابر بن عبد الله) ﵄ تقدم قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وعمرو مكي، وجابر مدني. ومنها: أن فيه جابرا من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (يَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ) أي إلى المسجد يوم الجمعة. ورواية المصنف رحمه الله تعالى مختصرة، ففي أوله قصة، وقد ساقه بتمامه مسلم في "صحيحه" من رواية أبي الزبير، عن جابر ﵁، أنه قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يُصلي، فقال له النبي ﷺ : "أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: "قم، فاركعهما". وفي رواية أبي سفيان، عن جابر ﵁، قال: جاء سُليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: "يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما". (وَقَدْ خَرَجَ الإمَامُ) أي صعد المنبر للخطبة، سواء شرع في الخطبة، أم لا. وفي رواية لمسلم: "والإمام يخطب"، وموضع الجملة نصب على الحال من "أحدكم"، والرابط الواو (فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية مسلم المذكورة: "وليتجوز فيهما"، أي ليخفف الركعتين، حتى يتفرغ لاستماع الخطبة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأمر فيه للندب، لا للوجوب للنصوص الدالّة على أنه لا يجب ما عدا الصلوات الخمس، كما مرّ تحقيقه في محله في "باب كم فُرضت الصلاة في اليوم والليلة" -٤/ ٤٥٨ و٤٥٩. وفيه دليل على مشروعية تحية المسجد بركعتين خفيفتين، واستحبابها حال الخطبة للداخل في تلك الحالة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وهو

стр. 9463

الحق، وخالف في ذلك بعضهم، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. (قَالَ شُعْبَةَ: يَوْمَ الْجُمُعَة) يعني أن شعبة الراوي عن عمرو بن دينار بَيّن أن المراد بالمجيء المذكور في هذا الحديث هو المجيء يوم الجمعة. وظاهر هذه الرواية أن قوله: "يوم الجمعة" من كلام شعبة، وليس مرفوعاً، لكن رواية مسلم صريحة في كونه مرفوعاً, ولفظه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليُصلّ ركعتين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ١٣٩٥ - وفي "الكبرى" -١٦/ ١٧٠٣ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢/ ٧١ (م) ٣/ ١٤ (أحمد) ٣٦٩. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، وقد خرج الإِمام، وذلك أنه يستحبّ له أن يركع ركعتين. ومنها: جواز صلاة تحية المسجد في الأوقات المكروهة, لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها، فغيرها أولى. ومنها: أن التحية لا تفوت بالقعود, لأنه ثبت أن سُليكاً دخل المسجد، فقعد، فقاله النبي ﷺ : "قم، فاركع ركعتين"، لكن الظاهر أن هذا مقيد بالجاهل، والناسي، كما قاله بعضهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لكن الظاهر إلخ" فيه نظر، بل عدم التقييد هو الظاهر؛ لأنه لو كان مقيداً لبينه النبي ﷺ , ولم يثبت ذلك منه. والحاصل أن الجلوس لا يقطع مشروعية ركعتي تحية المسجد؛ إذ لا دليل عليه. والله تعالى أعلم. ومنها: أن للخطيب أن يأمر وينهى، ويُبَيّن الأحكام في أثناء خطبته، ولا يقطع ذلك توالي الخطبة، بل إن ذلك من جملة الخطبة. ومنها: ما قاله بعضهم: أنه يدلّ على أن المسجد شرط للجمعة، للاتفاق على أنه لا

стр. 9464

تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر (١). ومنها: أنه يدلّ على جواز ردّ السلام، وتشميت العاطس في حال الخطبة, لأن أمرهما أخفّ، وزمنهما أقصر، ولاسيما رد السلام، فإنه واجب. قاله في "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في المرء يدخل المسجد يوم الجمعة، والإمام على المنبر، فقالت طائفة: يركع ركعتين، ويجلس، كذلك قال الحسن البصري، وفعل ذلك مكحول، وهو قول ابن عيينة، و-عبد الله بن يزيد- المقرىء، والشافعي، والحميديّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، ونفر (٣) من أهل الحديث. وقالت طائفة: يجلس، ولا يصلي، هذا قول محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وشُريح، وقتادة، والنخعيّ، ومالك، والليث بن سعد، والثوريّ، وسعيد بن عبد العزيز، والنعمان. وفيه قول ثالث، قاله أبو مِجْلَز، قال: إن شئت ركعت، وإن شئت جلست. وفيه قول رابع، قاله الأوزاعيّ، قال: كان من هدي الناس أن يركع الرجل في منزله ركعتين عند خروجه إلى الجمعة، فمتى ركعهما، ثم جاء المسجد، فوجد الإِمام يخطب قعد، ولم يركع، وإن لم يكن ركع قبل خروجه، فلا يجلس حين يدخل المسجد حتى يركع. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يصلي إذا دخل، والإمام يخطب ركعتين خفيفتين، صلى في منزله، أو لم يصلّ, لأن النبي ﷺ أمر بذلك الداخل في المسجد، وأَمْرُهُ على العموم، ويؤكد ذلك حديث أبي قتادة ﵁ (٤). ولا يقولنّ قائل: إن النبي ﷺ خَصَّ بهما سُليكاً, لأن في حديث جابر ﵁ جاء سُليكٌ الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له النبي ﷺ :

стр. 9465

"قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما"، ثم قال: "إذا دخل أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ويتجوّز فيهما". قال: ومما يزيد ذلك ثباتًا فعل أبي سعيد الخدريّ ﵁ ذلك، وهو الراوي بهذه (١) القصة، دخل، ومروان يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، وقال: ما كنت أدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث. قال ابن المنذر ﵀: وفي قوله: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين" بعد أن علّم سُليكاً أبينُ البيان بأن ذلك عامّ للناس انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى في هذه المسألة، ورجحه حسنٌ جدًّا. وقد حقق البحث في هذه المسألة الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح"، فذكر أدلّة الفريقين، وناقشها بما لا يوجد في غيره، فقال: واستُدلّ به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. وتُعُقّب بأنها واقعة عين لا عُموم لها، فيحتمل اختصاصها بسُليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: "جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب، والرجل في هيئة بذَّة، فقال له: "أصليت؟ "، قال: لا، قال: "صلّ ركعتين، وحَضَّ الناس على الصدقة … " الحديث، فأَمَرَهُ أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم، فيُتَصدَّق عليه. ويؤيِّده أن في الحديث عند أحمد أن النبي ﷺ قال: "إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذّة، فأمرته أن يُصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يَفطن له رجل، فيُتَصدَّقَ عليه". وعُرف بهذه الرواية الردّ على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بَذَّةٍ، فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذّة، فليقم، فليركع حتى يتصدّق الناس عليه. والذي يظهر أنه ﷺ كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند المعاتبة. ومما يُضعف الاستدلال به أيضاً على جواز التحية في تلك الحال أنهم أطلقوا أن

стр. 9466

التحية تفوت بالجلوس. وورد أيضاً ما يُؤكّد الخصوصية، وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "ولا تعودنّ لمثل هذا". أخرجه ابن حبان. انتهى ما اعتلّ به من طعن في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التحيّة. وكله مردود, لأن الأصل عدم الخصوصيّة، والتعليل بكونه ﷺ قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يُجيزون التطوّع لعلة التصدّق. قال ابن المنيّر في "الحاشية": لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوّع عند طلوع الشمس، وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به. ومما يدلّ على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدّق معاودته ﷺ بأمره بالصلاة أيضًا في الجمعة الثانية بعد أن حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدّق بأحدهما، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، أخرجه النسائي (١) , وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضاً، ولأحمد، وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرّات في ثلاث جمع، فدلّ على أن قصد التصدّق عليه جزء علّة، لا علّة كاملة. وأما إطلاق من أطلق أن التحيّة تفوت بالجلوس، فقد حَكَى النووي في "شرح مسلم" عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم (٢)، أما الجاهل، أو الناسي فلا، وحالُ هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرّتين الأخريين على النسيان. والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات، والاستماع للخطبة. قال ابن العربي: عارض قصّةَ سُليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله ﷺ : "إذا قلتَ لصاحبك: أنصتْ، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت"، متفق عليه. قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه, فمنع التشاغل بالتحيّة مع طول زمنها أولى. وعارضوا أيضًا بقوله ﷺ ، وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: "اجلس، فقد آذيت"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ (٣)، وصححه ابن خزيمة، وغيره من حديث

стр. 9467

عبد الله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحيّة. وروى الطبرانيّ من حديث ابن عمر, رفعه: "إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة, ولا كلام، حتى يفرُغ الإِمام". والجواب عن ذلك كلّه أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يُعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن: أما الآية، فليست الخطبة كلها قرآناً، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل. وأيضاً فمصلي التحيّة يجوز أن يُطلق عليه أنه منصت، فقد تقدّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: "يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ " فأطلق على القول سراً السكوتَ. وأما حديث ابن بُسْر ﵁، فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحيّة قبل مشروعيتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سُليك بمثل ذلك. ويحتمل أن يُجمَعَ بينهما بأن يكون قوله له: "اجلس" أجب بشرطه, وقد عرف قوله للداخل: "فلا تجلس حتى تصلي ركعتين"، فمعنى قوله: "اجلس"، أي لا تتخطّ، أو ترك أمره بالتحيّة لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحيّة، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة. ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة, فوقع منه التخطي, فأنكر عليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الوجه هو الأولى والأقرب في الجواب من جميع الاحتمالات المذكورة. والله تعالى أعلم. قال: والجواب عن حديث ابن عمر ﵁ بأنه ضعيف، فيه أيوب ابن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثله. وأما قصّة سُليك، فقد ذكر الترمذيّ أنها أصح شيء رُوي في هذا الباب، وأقوى. وإجاب المانعون أيضاً بأجوبة غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة، أوردتها مُلخّصةً مع الجواب عنها, لتُستَفاد: الأول: قالوا: إنه ﷺ لما خاطب سُليكاً سكت عن خطبته حتى فرغ سُليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع سُليك بين سماع الخطبة، وصلاة التحية، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية، والخطيب يخطب. والجواب أن الدارقطني الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه، وقال: إن الصواب

стр. 9468

أنه من رواية سليمان التيميّ مرسلاً, أو معضَلاً. وقد تعقبه ابن المنير في "الحاشية" بأنه لو ثبت لم يسغ على قاعدتهم, لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل, والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه، لا سيما إذا كان واجباً. الثاني: لما تشاغل النبي ﷺ بمخاطبة سُليك سقط فرض الاستماع عنه، إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة. قاله ابن العربي، وادعى أنه أقوى الأجوبة. وتُعُقّب بأنه من أضعفها, لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول الله ﷺ إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أَمَره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى في حال الخطبة. الثالث: قيل: كانت هذه القصة قبل شروعه ﷺ في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم: "والنبي ﷺ قاعد على المنبر". وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضاً، فيكون كلمه بذلك، وهو قاعد، فلما قام يصلي قام النبي ﷺ للخطبة, لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول. ويحتمل أيضاً أن يكون الراوي تجوّز في قوله: "قاعد"، لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل، والنبي ﷺ يخطب. الرابع قيل: كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصلاة. وتُعقّب بأن سُليكاً متأخر الإِسلام جداً، وتحريم الكلام متقدِّم، كما مرّ في موضعه، فكيف يُدّعَى نسخ المتأخر بالمتقدّم، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه، وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به، وهو ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر ﵂: "إذا خرج الإمام، فلا صلاة، ولا كلام"، لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحيّة، والأولى في هذا أن يُقال على تقدير تسليم ثبوت رفعه يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة، كما تقدَّم. الخامس: قيل: اتفقوا على أنّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفّل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك. قاله الطحاويّ. وتُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النَّصَّ، فهو فاسد. وما نقله من الاتفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره. وقد شذّ بعض الشافعية، فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع

стр. 9469

التنفّل، وإلا فلا. السادس. قيل: اتفقوا على أن الداخل، والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شكّ أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضاً. وتُعُقّب بأن الخطبة ليست صلاةً من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: "إذا أقيصت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة", وقد وقع في بعض طرقه: "فلا صلاة إلا التي أُقيمت"، ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة. السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى. وتُعُقّب بأنه أيضاً قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّداً بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب. وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة. الثامن: قيل: لا نُسلم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحية المسجد, بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة, كالصبح مثلاً، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في "الحاشية"، وقال: لعله ﷺ كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةَ لم يحتج إلى استفهامه, لأنه قد رآه لمّا دخل. وقد تولّى رده ابن حبان في "صحيحه"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرة أخرى، ومن هذه المادّة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ماجه: "أصليت قبل أن تجيء"؛ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقاً. ويحتمل أن يكون معنى: "قبل أن تجيء" أي إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم: "أصليت الركعتين" بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سيأتي في بابه.

стр. 9470

التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: "أصليت"، لأن وقت الصلاة لم يكن دخل. وهذا ينبنى على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب (١)، وفي الذي يعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة. قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقاً. وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدري، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضاً. فروى الترمذي، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح: "أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما" انتهى. ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحاً ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر, وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقاً، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة ابن أبي مالك: "أدركت عمر، وعثمان -وكان الإِمام- إذا خرج تركنا الصلاة". ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصّة. قال الحافظ العراقي في "شرح الترمذيّ": كلّ من نقل عنه -يعني من الصحابة- منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد, لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال انتهى. قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحاً عن أحد من الصحابة. وأما ما رواه الطحاويّ عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع. وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن الزبير صحابيان صغيران، فقد استدلّ به

стр. 9471

الطحاويّ، فقال: لما لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحية دلّ على صحة ما قلناه. وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم. وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام, لأن تحيته الطواف؟ فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط. وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين". متفق عليه. وقد تقدّم الكلام عليه. وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة, عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ ، وهو يخطب: "إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب -أو قد خرج- فليُصلّ ركعتين" متفق عليه أيضاً، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله: "فاركعهما، وتَجَوَّزْ فيهما" ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة, والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما". قال النووي: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالماً يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحاً، فيخالفه. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل. وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره. وكأنه يُشير الى بعض ما تقدّم من إدعاء النسخ, أو التخصيص. وقد عارض بعض الحنفية الشافعيّةَ بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك, لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه. وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد ﵁ رفعه: "لا تصلّوا، والإمام يخطب". وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة. وبعضهم بأن عمر ﵁ لم يأمر عثمان ﵁ بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما.

стр. 9472

[فائدة]: قيل: يُخصّ عموم حديث الباب بالداخل في آخر الخطبة، كما تقدّم. قال الشافعي ﵀: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يُمكنُهُ الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإن لم يفعل كرهت ذلك. وحكى النوويّ عن المحققين أن المختار إن لم يفعل أن يقف حتى تقام الصلاة، لئلا يكون جالساً بغير تحيّة، أو متنفّلاً حال إقامة الصلاة. واستثنى المحاملي المسجد الحرام, لأن تحيّته الطواف. قال الحافظ ﵀: وفيه نظر، لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين. والذي يظهر من قولهم: إن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حقّ القادم, ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم، فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف، لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالباً، وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطواف. والله تعالى أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما تقدم أن المذهب الراحج في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المجوّزون لأداء ركعتي التحية لمن دخل المسجد, والإمام يخطب؛ لوضوح أدلته، وضعف ما عارضه مما ذكره المانعون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (مَقَامُ الإِمَامِ في الْخُطْبَةِ) بفتح الميم: أي موضع قيامه. ١٣٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ (٢)، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ، يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ، مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ، وَاسْتَوَى عَلَيْهِ،

стр. 9473

اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ، كَحَنِينِ النَّاقَةِ، حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاعْتَنَقَهَا، فَسَكَتَتْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦] تقدّم ٢٨/ ٣٢. ٢ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، صدوق، يدلس [٤] تقدم ٣١/ ٣٥. والباقون تقدّموا قريباً، فشيخه، وابن وهب، تقدما قبل بابين، والصحابي في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خمسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمكيين, فقد سكن جابر مكة, غير شيخه، وشيخ شيخه, فمصريان. ومنها: أن فيه جابراً رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن جابر ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ) بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة، أي ساقها، قال الفيومى ﵀: "الجذع" بالكسر: ساق النخلة، ويُسمّى سَهْم السقف جذعاً، والجمع جُذُوع، وأجذاع انتهى (مِن سَوَاري الْمَسْجِد) متعلق بصفة محذوف لـ"جذوع"، أو حال منه. و"السواري" جمع سارية، كجارية وجواري، وهي الأُسطوانة (فَلَمَا صُنعَ الْمنْبَرُ) بكسر الميم: مرقاة الخطيب، سمي منبراً لارتفاعه، وعُلُوِّه، ويقال: انتبر الأميرُ: ارتفع فوقا المنبر. أفاده في "اللسان". وهذا المنبر صنعه له ﷺ غلام امرأة من الأنصار، فقد أخرج البخاري عن أبي حازم، أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعديّ ﵁، وقد امْتَرَوا في المنبر ممَّ عُودُه، فسألوه عن ذلك؟ فقال: والله إني لأعرف مما هو؟، ولقد رأيته أول يوم وُضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار، قد سماها سهل، مُري غلامك النجّار أن يعمل لي أعواداً، أجلس عليهن، إذا كلمت الناس، فأمرته، فعملها من طَرْفاء الغابة، ثم جاء بها، فأَرسَلَتْ إلى رسول الله ﷺ ،

стр. 9474

فأمر بها، فوُضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبّر، وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر, ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعَلَّموا صلاتي" (١). (وَاسْتَوَى عَلَيْه) أي ارتفع على ذلك المنبر (اضْطَرَبَت تِلْكَ السَّاريَةُ) أي تحركت (كَحَنين النَّاقَة، حَتَّى سَمعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِد) الظاهر أن قوله "كحنين الناقة" متعلق بمحذوف، أي وحَنَّتْ حَنيناً كحنين الناقة، أي كاشتياقها إلى ولدها، يقال: حنّت المرأة حَنيناً: اشتاقت إلى ولدها. قاله في "المصباح". وفي رواية في "الكبرى": "اضطربت السارية كحنين الناقة الخَلُوج". والخَلُوج بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة، آخره جيم: الناقة التي انتُزع منها ولدُها. وفي رواية للبخاري من طريق أيمن، عن جابر ﵁: "فصاحت النخلة صياح الصبيّ"، وفي رواية له: "فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار". والعشار بكسر المهملة, بعدها معجمة خفيفة، جمع عُشَراء بضم، ففتح، وهي الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر. وفي حديث أنس ﵁ عند ابن خزيمة: "فحنّت الخشبة حنين الولد". وفي روايته الأخرى عند الدارميّ: "خَارَ ذلك الجذع كخُوَار الثور". وفي حديث أبيّ بن كعب ﵁ عند أحمد، والدارميّ، وابن ماجه: "فلمّا جاوزه خار الجذع حتى تصدّع، وانشقّ". (حَتَّى نَزَل إلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ ) أي من منبره (فَاعْتَنَقَها، فَسَكَتَتْ) وفي نسخة: "فسكنت". وفي رواية للبخاري: "ثم نزل النبي ﷺ ، فضمها إليه, تئنّ أنين الصبي الذي يُسكّن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها". وفي رواية الإسماعيلي، من طريق يحيى بن السكن، عن معاذ: فأتاه، فاحتضنه، فسكن، فقال: "لو لم أفعل لما سكن"، ونحوه في حديث ابن عباس عند الدارمي بلفظ: "لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة"، ولأبى عوانة، وابن خُزيمة، وأبي نعيم في حديث أنس: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة، حزناً على رسول الله ﷺ ، ثم أمر به، فدفن"، وأصله في الترمذيّ، دون الزيادة. ووقع في رواية الحسن، عن أنس ﷺ : "كان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقاً إلى لقائه، فأنتم أحقّ أن

стр. 9475

تشتاقوا إليه". وفي حديث أبي سعيد عند الدارمي: "فأمر به أن يحفر له، ويدفن". ولا تنافي بين رواية دفنه وبين ما رُوي أنّ أبي بن كعب ﵁ أخذ ذلك الجذع لمّا هُدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي، وعاد رُفَاتًا. لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أبي بن كعب ﵁. قاله في "الفتح". وفي حديث سهل بن سعد ﵁ عند أبي نعيم. "فقال: ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة؟ فأقبل الناس عليها، فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم". وفي حديث بريدة ﵁ عند الدارميّ أن النبي ﷺ قال له: "اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه، فتكون كما كنت -يعني قبل أن تصير جذعاً- وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك، وتثمر، فيأكل منك أولياء الله"، فقال النبي ﷺ : "اختار أن أغرسه في الجنة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب, وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ١٣٩٦ - وفي "الكبرى" -٢١/ ١٧١٠ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١/ ١٢٢ و٢/ ١١ و٣/ ٨٠ و٤/ ٢٣٧. (ق) ١٤١٧ (أحمد) ٣/ ٢٩٣ و٣/ ٢٩٥ و٣/ ٣٠٠ و٣/ ٣٠٦ و٣/ ٣٢٤. (الدارمي) ٣٣ و٣٤ و٣٥ و١٥٧٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقام الإِمام في حال خطبته، ففيه بيان استحباب قيام الإِمام على المنبر، أو على محلّ مرتفع، حتى يسمع الناس خطبته. ومنها: أن فيه آيةَ بينةً، ومعجزة باهرةً للنبي ﷺ ، حيث حنّت إليه الجمادات، بينما يكذبه الذين يزعمون أنهم عقلاء، ويبغضونه، وهذا من العجب العُجَاب، ولقد أحسن من قال، وأجاب في المقال: وَالْجَمَادَاتُ أَفْصَحَتْ بِالذِي أُخْـ .... ـرِسَ عَنْهُ لأَحْمَدَ الْفُصَحَاءُ وَيْحَ قَوْمٍ جَفَوَا نَبِيًّا بِأَرْضٍ .... أَلِفَتْهُ ضِبَابَهُا وَالظِّبَاءُ

стр. 9476

وَسَلَوْهُ وَحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ … وَقَلَوْهُ وَوَدَّهُ الْغُرَبَاءُ قال البيهقي ﵀: قصّة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصّة فيها كالتكلّف. ومنها: أن فيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكاً، كالحيوان، بل كأشرف الحيوان. ومنها: أن فيه تأييداً لقول من يحمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] على ظاهره. [فائدة]: نقل ابن أبي حاتم ﵀ في "مناقب الشافعي"، عن أبيه، عن عمرو بن سوّاد، عن الشافعي ﵀، قال: ما أعطى الله نبيّاً ما أعطى محمداً ﷺ ، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدًا ﷺ حنين الجذع حتى سُمِع صوته، فهذا أكبر من ذلك انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم الخطبة للجمعة: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الجمعة تُصلى، ولم يُخطب لها، فقالت طائفة: تجزيهم جمعتهم، خطب الإِمام, أو لم يخطب، هكذا قال الحسن البصريّ. قال ابن المنذر: ولعل من حجة قائل هذا القول حديث عمر ﵁: "صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي ﷺ ". وقالت طائفة: إذا لم يخطب الإِمام صلى أربعاً، كذلك قال عطاء، والنخعي، وقتادة، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمَّد. وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: كانت الجمعة أربعاً، فجعلت الخطبة مكان الركعتين. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). وقال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى ردّاً على القائلين بالفرضية: فأما أبو حنيفة، ومالك فقالا: الخطبة فرض، لا تجزىء صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجّا بفعل رسول الله ﷺ ، ثم تناقضا، فقالا: إن خطب جالساً أجزأه، وإن خطب خطبة واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم يجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله ﷺ فرضاً، وبعضه غير فرض. وقال الشافعي:

стр. 9477

إن خطب خطبة واحدة لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعداً، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحدة، ولا فرق. قال: فإن ادعوا إجماعاً أكذَبهم ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كلّ حال. وقد قاله أيضاً ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلّها ﷺ قط إلا بخطبة. قلنا: ولا صلاها ﷺ قط إلا بخطبتين قائماً يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضاً لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى ﷺ قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنّ ما ذهب إليه من قال بعدم وجوب الخطبتين هو الحقّ, لأنه لا دليل على الوجوب إلا مجرّد فعل النبى ﷺ ، وهو لا يكفى في إثبات الوجوب، كما هو مقرر في محله من كتب الأصول، وسيأتي تمام البحث في ذلك في "باب كم الخطبة" ٣٣/ ١٤١٥ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب, وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (قِيَامُ الإِمَامِ في الْخُطْبَةِ) ١٣٩٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ، يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا، يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]). رجال هذا الإسناد: سبعة: (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ) أبو الحسين البصري، ثقة [١٠] تقدم ٣٩/ ٥٨٣.

стр. 9478

٢ - (مُحَمَّد بْنُ جَعْفَر) المعروف بغندر البصري، ثقة [٩] تقدم ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قبل باب. ٤ - (منصور) بن المعتمر الكوفي الحجة المثبت المشهور [٦] تقدم ٢/ ٢. ٥ - (عمرو بن مُرّة) الْجَمَليّ الكوفي، ثقة عابد [٥] تقدم ١٧١/ ٢٦٥. ٦ - (أبو عُبيدة) بن عبد الله بن مسعود الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم ٥٥/ ٦٢٢. ٧ - (كعب بن عُجرة) الأنصاريّ المدني الصحابي ﵁، تقدم ٨٦/ ١٠٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها أن رجاله رجال الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة, وبالكوفيين بعده. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أي عن قصته (قَالَ) الفاعل ضمير أبي عبيدة، وليس ضميرَ كعب ﵁، أي قال أبو عبيدة (دَخَلَ الْمَسْجدَ) الفاعل ضمير كعب ﵁، يعني أن كعب بن عُجرة دخل المسجد، وهو مسجد الكوفة (وَعَبْدُ الرحْمَن ابْنُ أُمِّ الْحَكَم) -بفتح المهملة، والكاف- هكذا هو عند المصنف، وصحيح مسلم "ابن أم الحكم"، ووقع في "سنن الكبرى" للبيهقي "ابن الحكم" بدون "أم". وعبد الرحمن بن أم الحكم: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عثمان الثقفي، المعروف بابن أم الحكم، وهو ابن أخت معاوية بن أبي سفيان بن حرب، استعمله معاوية ﵁ أميراً على الكوفة في سنة (٥٨)، وبعد سنة، أو أكثر عُزل عنها، توفي بعد معاوية سنة (٨٣) (١). فـ"عبد الرحمن" مبتدأ، خبره جملة (يخطب) وقوله (قاعداً) حال من فاعل "يخطب"، وجملة المبتدإ والخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل "دخل"، فالحالان متداخلان. يعني أن كعب بن عجرة رضي الله دخل المسجد، والحال أن عبد الرحمن ابن أم

стр. 9479

الحكم يخطب الناس قاعداً، مخالفاً للسنة. (فَقَالَ) أي كعب منكراً عليه (انظُرُوا إلى هَذَا) وفي رواية مسلم: "انظروا إلى هذا الخبيث"، وهذا من غاية غضب هذا الصحابي الجليل على مخالفة سنة رسول الله ﷺ (يَخْطُبُ قَاعداً) مع كونه السنة أن يخطب قائماً. وفي رواية ابن خزيمة (١): "ما رأيت كاليوم قطّ إماماً يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين". (وَقَدْ قَالَ اللهُ جملة في محل نصب على الحال من فاعل "يخطب"، والرابط الواو (وَإذَا رَأَوْا) أي أبصروا، أو عرفوا (تجَارَةً) أي بيعاً وشراءاً (أَوْ لَهْواً) قيل: المراد الطبل الذي كان يُضرب عند قدوم التُّجَّار (انْفَضُّوا) أي تفرّقوا (إليها) أي إلى تلك التجارة، وما ذكر معها، فيكون من باب الاكتفاء، ومراعاة أقرب المذكورَين، أو اختصّت بالذكر, لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء أسباب التجارة (وَتَرَكُوكَ قَائماً) أي حال كونك قائماً على المنبر، تخطب الناس. وقال الطيبي ﵀: قوله: "وقد قال الله" حال مقَرِّرة لجهة الإنكار, أي كيف يخطب قاعداً، ورسول الله ﷺ كان يخطب قائماً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقدم تجارة من زيت الشام, والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فتركوه قائماً، وما بقي معه إلا نفر يسير انتهى. وقال النووي ﵀: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر، والإنكار على ولاة الأمور، إذا خالفوا السنة. ووجه استدلاله بالآية أن الله أخبر أن النبي ﷺ -كان يخطب قائماً، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، مع قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" انتهى (٢). وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه الشيخان من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير، تحمل طعاماً، فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. وفي رواية لمسلم: "إلا اثنا عشر رجلاً، فيهم أبو بكر، وعمر"، وفي رواية أخرى: "أنا فيهم".

стр. 9480

وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي: "أن سالماً مولى أبي حذيفة منهم". وروى العقيلي عن ابن عباس: "أن منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأُناساً من الأنصار". وحكى السهيليّ أن أسد بن عمرو روى بسند منقطع: أن الاثني عشر هم العشرة المبشرة, وبلال، وابن مسعود. قال: وفي رواية "عمار" بدل ابن مسعود انتهى. قال الحافظ: ورواية العقيلي أقوى، وأشبه بالصواب. قال: ثم وجدت رواية أسد بن عمرو عند العقيلي بسند متصل، لا كما قال السهيليّ: إنه منقطع، أخرجه من رواية أسد، عن حُصين، عن سالم -يعني ابن أبي الجعد- عن جابر ﵁ انتهى. ومعنى قوله: "نصلي" أي ننتظر الصلاة، لما في رواية مسلم: "كان يخطب قائماً" من تسمية الشيء بما قاربه. قال في "الفتح" عند قوله: "فنزلت هذه الآية": ظاهر في أنها نزلت بسب قدوم العير المذكورة، والمراد باللَّهو على هذا ما ينشأ من رؤية القادمين، وما معهم. ووقع عند الشافعي من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً: "كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق كانت بنو سُليم يجلبون إليها الخيل, والإبل، والسمن، فقدموا، فخرج إليهم الناس، وتركوه، وكان لهم لهو يضربونه، فنزلت". ووصله أبو عوانة في "صحيحه"، والطبري بذكر جابر فيه: "أنهم كانوا إذا نكحوا تضرب الجواري بالمزامير، فيشتدّ الناس إليهم، ويَدَعُون رسولَ الله ﷺ قائماً، فنزلت هذه الآية". وفي مرسل مجاهد عند عَبْد بن حُمَيد: "كان رجال يقومون إلى نواضحهم، وإلى السَّفر يَقدَمُون، يبتغون التجارة، واللَّهوَ، فنزلت". ولا بُعد في أن تنزل في الأمرين معاً وأكثر. قال: والنكتة في قوله: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ دون قوله: إليهما، أو إليه أن اللَّهو لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما كان تبعاً للتجارة، أو حُذف لدلالة أحدهما على الآخر. وقال الزجّاج: أعيد الضمير إلى المعنى، أي انفضّوا إلى الرؤية، أي ليروا ما سمعوه. قال: وقد استشكل الأصيلي ﵀ هذا الحديث، فقال: إن الله تعالى قد وصف أصحاب محمد ﷺ بأنهم: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ثم أجاب باحتمال أن هذا الحديث كان قبل نزول الآية انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا الذي قاله هو الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك، فلم يكن تقدّم لهم نهي عن

стр. 9481

ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذمّ ذلك اجتنبوه، فوُصفوا بعد ذلك بما في آية النور. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن عُجرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: فى بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨/ ١٣٩٧ - وفي "الكبرى" -٢٢/ ١٧١٢ - بالإسناد المذكور. وأخرجه (م) ٣/ ١٠ (البيهقي) ٣/ ١٩٦و١٩٧. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية قيام الإِمام على المنبر في حال الخطبة. ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الغضب على من خالف السنة, ولو كان ممن تجب طاعته، واحترامه من ولاة الأمور, لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. ومنها: ذمّ الاشتغال بالتجارة، واللهو، وإيثار ذلك عن ذكر الله وطاعته، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم القيام للخطبة: قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة، وهو جلوس الإِمام على المنبر أولَ ما يرقى إليه، ويؤذّن المؤذن، والإمام جالس، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإِمام، فخطب خطبةً، ثم جلس، وهو في حال جلوسه غير خاطب، ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل عند فراغه انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٢). ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة، وليس بواجب، وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة.

стр. 9482

واستُدلّ للأول بحديث أبي سعيد ﵁ عند البخاري: "إن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله". وبحديث سهل ﵁ عند البخاري أيضاً: "مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليهن … ". وأجيب عن الأول بأنه كان في غير خطبة الجمعة. وعن الثاني باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد، وبين الخطبتين. واستُدلّ للجهور بحديث جابر بن سمرة ﵁ عند مسلم: "أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالساً، فقد كذب". وبحديث كعب بن عُجرة ﵁ المذكور في الباب. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: "خطب رسول الله ﷺ على القيام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية". وبمواظبة النبي ﷺ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس, ولأن الذي نُقل عنه القعود كان معذوراً. فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه. وروى سعيد بن منصور عن الحسن، قال: "أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيى جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالساً معاوية". وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: "أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يخطبون يوم، الجمعة قياماً، حتي شقّ على عثمان القيام، فكان يخطب قائماً، ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً، والأخرى قائماً". ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعداً؛ لأنه تبين أن ذلك للضرورة. وأما من احتجّ بأنه لو كان شرطاً ما صلى من أنكر ذلك مع القاعد. فجوابه أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه، فأتمّ معه، واعتذر بأن الخلاف شرّ. ذكره في "الفتح". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن القول بعدم وجوب القيام للخطبة هو الحقّ, لأن من أوجبه ما استدلّ إلا بفعل النبي ﷺ ، وهو بمجرده لا يكفي في إثبات الوجوب، فالمستحب أن يخطب قائماً، اقتداء برسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدين، إلا

стр. 9483

عثمان، فكان يخطب قائماً، ثم يجلس، لما شقّ عليه، وأما الاحتجاج بقوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي" فقد اتفقوا على عدم الاحتجاج به في بعض المواضع، كالجلوس على المنبر قبل الخطبة، والأذان بين يدي الخطيب، وقراءة سورة ﴿ق﴾، فكان يقرأ بها في كل جمعة، وغير ذلك، فلم يقولوا بوجوبها، فكذلك هنا، إذ لا فرق بينها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩ - (بَابُ الْفَضْلِ في الدُّنُوِّ مِنَ الإِمَامِ) ١٣٩٨ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ غَسَّلَ، وَاغْتَسَلَ، وَابْتَكَرَ، وَغَدَا، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَأَنْصَتَ، ثُمَّ لَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَأَجْرِ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وَقِيَامِهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمود بن خالد) أبو علي الدمشقي، ثقة، من صغار [١٠] تقدم ٤٥/ ٥٩٥. ٢ - (عمر بن عبد الواحد) بن قيس السلمي الدمشقي، ثقة [٩] تقدم ٤٥/ ٥٦. والباقون تقدّموا في ١٠/ ١٣٨١ - والحديث صحيح، وقد استوفيتُ شرحه وبيان مسائله بالرقم المذكور، وبالله تعالى التوفيق. ودلالة الحديث على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ***

стр. 9484

٢٠ - (النَّهْيُ عَنْ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ وَالإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن التقييد يكون الإِمام على المنبر، وبيوم الجمعة خرج مخرج الغالب، لكثرة الناس في ذلك الوقت، فلا يُفهم منه جواز التخطي في سائر الصلوات، وكذا حلق الذكر، والعلم، لوجود العلة، وهي الأذى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٩٩ - (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِلَى جَانِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: جَاءَ رَجُلٌ، يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيِ اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وهب بن بَيَان) بن حَيّان الواسطيّ، أبو عبد الله نزيل مصر, ثقة عابد [١٠]. روى عن ابن عُيينة، وابن وهب, وعَبيدة بن حُميد، وغيرهم. وعنه أبو داود, والنسائيّ، وأحمد بن إبراهيم بن فيل, وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة: ثقة رجل صالح. وقال أبو داود: وأهل مصر يقولون: إنه بدل من الأبدال. قال ابن يونس: توفي في ربيع الآخر سنة (٢٤٦). انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٢ - (ابن وهب) تقدم قبل بابين. ٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدير الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام [٧] تقدم ٥٠/ ٦٢. ٤ - (أبو الزاهريّة) حُدير بن كُريب الحضرميّ الحمصيّ، صدوق [٣] تقدم ٣١/ ٩٢٣. ٥ - (عبد الله بن بُسر) بن أبي بُسر المازني القيسيّ، أبو بسر، ويقال: أبو صفوان، له ولأبيه صحبة، سكن حمص. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه إن كان محفوظاً، وأخته الصمّاء، وقيل: عمته، وقيل: خالته. وروى عنه أبو الزاهرية، وخالد بن مَعْدان، وسُليم بن عامر، وغيرهم.

стр. 9485

قال ابن سعد وغيره: مات سنة (٨٨) بالشام، وقال بعضهم: بحمص، وهو ابن (٩٤) سنة، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. وقال أبو القاسم عبد الصمد بن سعيد الحمصيّ في الصحابة الذين نزلوا حمص: مات عبد الله بن بُسر سنة (٩٦) وله مائة سنة، وكذا ذكره أبو نعيم في "معرفة الصحابة"، وساق في ترجمته حديث وضع النبي ﷺ يده على رأسه، فقال: "يعيش هذا الغلام قرناً"، فعاش مائة سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به أبو داود، والمصنف. ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصريان. ومنها: أن صحابيه ذكر في هذا الباب فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ) حُدير بن كُريب (عَنْ عَبْد الله بن بُسْر) ﵄ (قَالَ) القائل هو أبو الزاهرية (كُنْتُ جَالساً إلَى جَانبه) أي جانب عبد الله بن بسر (يَوْمَ الْجُمُعَة) زاد في رواية أبي داود: "فجاء وجل يتخطّى رقاب الناس"، ولفظ ابن خزيمة: "كنت جالساً مع عبد الله بن بسر يوم الجمعة، فما زال يحدثنا حتى خرج الإِمام، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال لي: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له: "اجلس، فقد آذيت، وآنيت" (فَقَال) أي عبد الله بن بُسر ﵁ (جَاء رَجُلٌ، يَتَخَطَّى رقَابَ النَّاس) زاد في "الكبرى": "يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب الناس" (فَقَالَ له رَسُولُ الله ﷺ : أَي اجْلِسْ) وفي "الكبرى": "اجلس" بدون "أي"، وهو الذي في أبي داود، وغيره. ولعل "أي" هنا تفسيرية، على أنّ "قال" بمعنى أشار، فإنها تأتي تفسيراً للجملة كما قاله ابن هشام في "مغنيه" (١)، ومنه قولهْ وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبُ … وَتَقْلِينَنِي لَكِنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي (فَقَدْ آذَيْتَ) الفاء للتعليل، أي لأنك قد آذيت الناس. وفي رواية أحمد، وابن

стр. 9486

خزيمة: "فقد آذيت، وآنيت"، أي أبطأت عن المجيء في أوائل الناس، فوقعت في إيذائهم. والحديث يدلّ على تحريم إيذاء الناس بتخطي رقابهم، وليس هذا خاصاً بيوم الجمعة لعموم العلة، كما سبقت الإشارة إليه أولى الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن بُسر ﵄ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠/ ١٣٩٩ - وفي "الكبرى" -١٨/ ١٧٠٦ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١١١٨ (أحمد) ٤/ ١٨٨ و٤/ ١٩٠ (ابن خزيمة) ١٨١١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم التخطي يوم الجمعة: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، فنهت طائفة عن ذلك، وكرهته, وممن روينا عنه أنه كره ذلك أبو هريرة، وسلمان الفارسيّ, وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وقال أحمد، وسئل عن التخطي إلى الصفّ الأول, قال: لا يتخطى رقاب الناس. وجوَّزت طائفة ذلك، كان قتادة يقول: لا بأس أن يتخطى رقاب الناس إلى مجلسه. وقال الأوزاعيّ في قوم جُلُوس على باب المسجد، وخلفهم مُتسعٌ، لا بأس أن يتخطاهم إلى السعة. وفيه قول ثالث: وهو أن التخطى إذا خرج الإِمام، وقعد على المنبر، فمن تخطى حينئذ، فهو الذي فيه الحديث، فأما قبل ذلك فلا بأس به إذا كانت بين يديه فرَج، وليَرْفُقْ في ذلك، هذا قول مالك، وقد روينا عن قتادة أنه رخّص أن يتخطى إلى مجلسه، إن كان له قبل أن يخرج الإِمام، فإذا خرج، فليجلس في أدنى مجلس. وفيه قول رابع: قال الشافعي: أكره تخطى رقاب الناس يوم الجمعة قبل دخول الإِمام وبعده، لما فيه من الأذى لهم، وسوء الأدب، فإن كان تخطيه إلى الفرجة بواحد، أو اثنين رجوت أن يسعه التخطي، وإن كثر كرهته له، إلا أن لا يجد السبيل إلى مُصَلَّى يُصلي فيه الجمعة، إلا أن يتخطى، فيسعه التخطي إن شاء الله.

стр. 9487

وفيه قول خامس: وهو أن يتخطى بإذن القوم الذين يتخطاهم، روينا عن أبي نضرة أنه كان يجيء يوم الجمعة، وقد اجتمعوا، فيقول: أتأذنون لي أن أتخطاكم، فيتخطَّى إلى مجلسه. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: تخطي رقاب الناس غير جائز؛ لحديث عبد الله بن بسر ﵄, ولا فرق بين القليل والكثير منه, لأن الأذى لا يجوز منه شيء أصلاً، وإذا جاء فوسعوا له، فتخللَّهم، ولم يتخطاهم، فهو غير داخل فيما نهُي عنه، والله أعلم انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدّاً. وحاصله أن التخطي مطلقاً غير جائز لتحريم أذى المسلمين، فإن أذنوا له جاز؛ لانعدام العلة، وهي الأذى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم للمصنف رحمه الله تعالى قبل أربعة أبواب "باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، وقد خرج الإِمام"، وأورد فيه حديث جابر ﵁: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليصلّ ركعتين"، وحديثا البابين واحد، ولذلك ساقه مسلم من رواية أبي سفيان عن جابر ﵁ مساقاً واحداً, ولفظه: "جاء سُليك الغَطَفَاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: "يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما". ومعنى الترجمتين متقارب، فكان الأولى له أن يكتفي بإحدى الترجمتين، ويورد الحديثين تحتها. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا

стр. 9488

حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: "أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَارْكَعْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) المصّيصيّ، ثقة [١] تقدم ٥١/ ٦٤. ٢ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ١٣١/ ١٩٨. وهو من أفراد المصنف. ٣ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصيصي، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢. والباقيان تقدّما قريباً في -١٦/ ١٣٩٥ - وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به، فراجعها هناك، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٤٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الفقيه الحجة المثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (عُقيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيب) المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩.

стр. 9489

٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن نصفه الأولى مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية, روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وعند البخاري تصريح كل من الزهري، وسعيد بالإخبار، ولفظه: "عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله ﷺ قال". قال في "الفتح": هكذا رواه يحيى بن بُكير، عن الليث، ورواه شعيب بن الليث، عن أبيه، فقال: "عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُمر بن عبد العزيز, عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة" أخرجه مسلم، والنسائي -يعني الإسناد التالي- والطريقان معاً صحيحان، وقد رواه أبو صالح، عن الليث بالإسنادين معاً، أخرجه الطحاويّ، وكذا رواه ابن جُريج وغيره عن الزهريّ بهما, أخرجه عبد الرزّاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود، وابن أبي ذئب عند ابن ماجه، كلاهما عن الزهريّ بالإسناد الأول انتهى. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ) "من" شرطية مبتدأ، ولفظ الرواية التالية: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت". والمراد بصاحبه هو الذي يخاطبه إذ ذاك، أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب. (يَوْمَ الْجُمُعَة) متعلق بـ"قال"، وفي هذا التقييد دلالة على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصاف لها, ولا يحرم الكلام فيها، واستماعها مستحبّ فقط, لأنها غير واجبة، وقد صرّح بذلك أصحاب الشافعي، وحكى ابن عبد البرّ عن عطاء، قال: يحرم الكلام ما كان الإِمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة انتهى (١).

стр. 9490

قال الجامع عما الله تعالى عنه: لكن مذهب المصنّف ﵀ أنه يرى أن خطبة العيد كخطبة الجمعة يجب الإنصاف لها، فسيأتي له في "كتاب العيد" ترجمة بلفظ: "الإنصاتُ للخطبة"، ثم ساق حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت". فأخذ من إطلاقه شمول الحديث لخطبة العيد. وفيه بحث، سيأتي هناك إن شاء الله تعالى. (وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة حالية من فاعل "قال"، والرابط الواو. وفيه دلالة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، وأن النهي من الكلام يختص بحال الخطبة، وردٌّ على من جعل وجوب الإنصات، والنهي عن الكلام من خروج الإِمام، نعم الأولى والأحسن الإنصات منه. قال الجامع عفا الله عنه: كذا قيل: لكن ما تقدّم في رواية المصنف: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليُصلّ ركعتين" يدلّ لمن قال بأن الإنصات من خروج الإمام، فقولهم أولى بالصواب. فليُتَنبَّه. والله تعالى أعلم. (أَنْصتْ) قال في "الصحاح": الإنصاف السكوت، والاستماع للحديث. وقال في "المشارق": السكوت والاستماع لما يقال. وقال في "النهاية": أنصت: سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِع. وهذه العبارة متفقة في المعنى، واقتصر في "المحكم" على أنه السكوت، ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: وكذا قال أصحابنا الفقهاء: الإنصات هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع. ويستعمل رباعيّاً، وهو أفصح، وثلاثيّاً، فيقال: أنصت، ونَصَتَ، فيجوز في قوله هنا: "انصت" قطع الهمزة، ووصلها، والأول أفصح، وأشهر، والصاد مكسورة على كلّ حال انتهى (١). (فَقَدْ لَغَا)، وفي رواية لمسلم: "إذا قلت لصاحبك أنصت، فقد لغيت" بالياء، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة. وفي رواية هَمّام عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا قلت للناس أنصتوا، وهم يتكلّمون، فقد ألغيت على نفسك" (٢). قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الإثم، كقوله تعالى:
следующие страницы →