خزيمة: "فقد آذيت، وآنيت"، أي أبطأت عن المجيء في أوائل الناس، فوقعت في إيذائهم.
والحديث يدلّ على تحريم إيذاء الناس بتخطي رقابهم، وليس هذا خاصاً بيوم الجمعة لعموم العلة، كما سبقت الإشارة إليه أولى الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن بُسر ﵄ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠/ ١٣٩٩ - وفي "الكبرى" -١٨/ ١٧٠٦ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١١١٨ (أحمد) ٤/ ١٨٨ و٤/ ١٩٠ (ابن خزيمة) ١٨١١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم التخطي يوم الجمعة:
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى:
قد اختلف أهل العلم في تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، فنهت طائفة عن ذلك، وكرهته, وممن روينا عنه أنه كره ذلك أبو هريرة، وسلمان الفارسيّ, وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وقال أحمد، وسئل عن التخطي إلى الصفّ الأول, قال: لا يتخطى رقاب الناس.
وجوَّزت طائفة ذلك، كان قتادة يقول: لا بأس أن يتخطى رقاب الناس إلى مجلسه. وقال الأوزاعيّ في قوم جُلُوس على باب المسجد، وخلفهم مُتسعٌ، لا بأس أن يتخطاهم إلى السعة.
وفيه قول ثالث: وهو أن التخطى إذا خرج الإِمام، وقعد على المنبر، فمن تخطى حينئذ، فهو الذي فيه الحديث، فأما قبل ذلك فلا بأس به إذا كانت بين يديه فرَج، وليَرْفُقْ في ذلك، هذا قول مالك، وقد روينا عن قتادة أنه رخّص أن يتخطى إلى مجلسه، إن كان له قبل أن يخرج الإِمام، فإذا خرج، فليجلس في أدنى مجلس.
وفيه قول رابع: قال الشافعي: أكره تخطى رقاب الناس يوم الجمعة قبل دخول الإِمام وبعده، لما فيه من الأذى لهم، وسوء الأدب، فإن كان تخطيه إلى الفرجة بواحد، أو اثنين رجوت أن يسعه التخطي، وإن كثر كرهته له، إلا أن لا يجد السبيل إلى مُصَلَّى يُصلي فيه الجمعة، إلا أن يتخطى، فيسعه التخطي إن شاء الله.
стр. 9487
وفيه قول خامس: وهو أن يتخطى بإذن القوم الذين يتخطاهم، روينا عن أبي نضرة أنه كان يجيء يوم الجمعة، وقد اجتمعوا، فيقول: أتأذنون لي أن أتخطاكم، فيتخطَّى إلى مجلسه.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: تخطي رقاب الناس غير جائز؛ لحديث عبد الله بن بسر ﵄, ولا فرق بين القليل والكثير منه, لأن الأذى لا يجوز منه شيء أصلاً، وإذا جاء فوسعوا له، فتخللَّهم، ولم يتخطاهم، فهو غير داخل فيما نهُي عنه، والله أعلم انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدّاً.
وحاصله أن التخطي مطلقاً غير جائز لتحريم أذى المسلمين، فإن أذنوا له جاز؛ لانعدام العلة، وهي الأذى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢١ - (بَابُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ جَاءَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم للمصنف رحمه الله تعالى قبل أربعة أبواب "باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، وقد خرج الإِمام"، وأورد فيه حديث جابر ﵁: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليصلّ ركعتين"، وحديثا البابين واحد، ولذلك ساقه مسلم من رواية أبي سفيان عن جابر ﵁ مساقاً واحداً, ولفظه: "جاء سُليك الغَطَفَاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: "يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما". ومعنى الترجمتين متقارب، فكان الأولى له أن يكتفي بإحدى الترجمتين، ويورد الحديثين تحتها. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا
стр. 9488
حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: "أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَارْكَعْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن الحسن) المصّيصيّ، ثقة [١] تقدم ٥١/ ٦٤.
٢ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ١٣١/ ١٩٨. وهو من أفراد المصنف.
٣ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصيصي، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢.
والباقيان تقدّما قريباً في -١٦/ ١٣٩٥ - وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به، فراجعها هناك، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٢ - (بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٤٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الفقيه الحجة المثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (عُقيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (سعيد بن المسيب) المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩.
стр. 9489
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن نصفه الأولى مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية, روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وعند البخاري تصريح كل من الزهري، وسعيد بالإخبار، ولفظه: "عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله ﷺ قال".
قال في "الفتح": هكذا رواه يحيى بن بُكير، عن الليث، ورواه شعيب بن الليث، عن أبيه، فقال: "عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُمر بن عبد العزيز, عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة" أخرجه مسلم، والنسائي -يعني الإسناد التالي- والطريقان معاً صحيحان، وقد رواه أبو صالح، عن الليث بالإسنادين معاً، أخرجه الطحاويّ، وكذا رواه ابن جُريج وغيره عن الزهريّ بهما, أخرجه عبد الرزّاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود، وابن أبي ذئب عند ابن ماجه، كلاهما عن الزهريّ بالإسناد الأول انتهى.
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ) "من" شرطية مبتدأ، ولفظ الرواية التالية: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت".
والمراد بصاحبه هو الذي يخاطبه إذ ذاك، أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب.
(يَوْمَ الْجُمُعَة) متعلق بـ"قال"، وفي هذا التقييد دلالة على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصاف لها, ولا يحرم الكلام فيها، واستماعها مستحبّ فقط, لأنها غير واجبة، وقد صرّح بذلك أصحاب الشافعي، وحكى ابن عبد البرّ عن عطاء، قال: يحرم الكلام ما كان الإِمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة انتهى (١).
стр. 9490
قال الجامع عما الله تعالى عنه: لكن مذهب المصنّف ﵀ أنه يرى أن خطبة العيد كخطبة الجمعة يجب الإنصاف لها، فسيأتي له في "كتاب العيد" ترجمة بلفظ: "الإنصاتُ للخطبة"، ثم ساق حديث أبي هريرة المذكور بلفظ: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت". فأخذ من إطلاقه شمول الحديث لخطبة العيد. وفيه بحث، سيأتي هناك إن شاء الله تعالى.
(وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة حالية من فاعل "قال"، والرابط الواو. وفيه دلالة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، وأن النهي من الكلام يختص بحال الخطبة، وردٌّ على من جعل وجوب الإنصات، والنهي عن الكلام من خروج الإِمام، نعم الأولى والأحسن الإنصات منه.
قال الجامع عفا الله عنه: كذا قيل: لكن ما تقدّم في رواية المصنف: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليُصلّ ركعتين" يدلّ لمن قال بأن الإنصات من خروج الإمام، فقولهم أولى بالصواب. فليُتَنبَّه. والله تعالى أعلم.
(أَنْصتْ) قال في "الصحاح": الإنصاف السكوت، والاستماع للحديث. وقال في "المشارق": السكوت والاستماع لما يقال. وقال في "النهاية": أنصت: سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِع.
وهذه العبارة متفقة في المعنى، واقتصر في "المحكم" على أنه السكوت، ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.
قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: وكذا قال أصحابنا الفقهاء: الإنصات هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع.
ويستعمل رباعيّاً، وهو أفصح، وثلاثيّاً، فيقال: أنصت، ونَصَتَ، فيجوز في قوله هنا: "انصت" قطع الهمزة، ووصلها، والأول أفصح، وأشهر، والصاد مكسورة على كلّ حال انتهى (١).
(فَقَدْ لَغَا)، وفي رواية لمسلم: "إذا قلت لصاحبك أنصت، فقد لغيت" بالياء، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة. وفي رواية هَمّام عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا قلت للناس أنصتوا، وهم يتكلّمون، فقد ألغيت على نفسك" (٢).
قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الإثم، كقوله تعالى:
стр. 9491
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
وقال الزين ابن المنيّر: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام. وأغرب أبو عُبيد الهروي في "الغريب"، فقال: معنى لغا: تكلّم، كذا أطلق، والصواب التقييد.
وقال النضر بن شُميل: معنى لغوتَ خبتَ من الأجر. وقل: بطلت فضيلة جمعتك. وقيل: صارت جمعتك ظهراً.
قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود, وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: "ومن لغا، وتخطّي رقاب الناس كانت له ظهراً". قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحُرم فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث عليّ مرفوعاً: "من قال: صَهْ، فقد تكلم، ومن تكلّم، فلا جمعة له"، ولأبي داود نحوه، ولأحمد، والبزّار من حديث ابن عباس مرفوعاً: "من تكلّم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة"، وله شاهد قويّ في "جامع حماد بن سلمة"، عن ابن عمر موقوفاً.
قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه.
وحكى ابن التين عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله: "فقد لغوت"، أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، وهو جمود شديد، لأن الإنصات لم يُختَلَف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغياً، بل النهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة, لأنه إذا جُعل قوله: "أنصت" مع كونه أمراً بمعروف لغواً، فغيره من الكلام أولى أن يُسمّى لغواً.
وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ في آخر هذا الحديث بعد قوله: "فقد لغوت" "عليك بنفسك" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 9492
أخرجه هنا -٢٢/ ١٤٠١ - وفي "الكبرى" -٣١/ ١٧٢٨ - عن قتيبة، عن الليث، عن عُقيل, عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. وفي ٢٢/ ١٤٠٢ - و"الكبرى" -٣١/ ١٧٢٧ - عن عبد الملك بن شُعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب، كلاهما عنه. وفي -٢١/ ١٥٧٧ - و"الكبرى" -١٥/ ١٧٨٠ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب به. وفي "الكبرى" -٣١/ ١٧٢٦ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن مالك به.
وأخرجه (خ) ٢/ ١٦ (م) ٣/ ٤ و٥ (د) ١١١٢ (ت) ٥١٢ (ق) ١١١٠ (مالك في الموطأ) ٨٥ (الحميدي) ٩٦٦ (أحمد) ٢/ ٢٤٤ و٢/ ٢٧٢ و٢/ ٢٨٠ و٢/ ٣٩٣ و٢/ ٣٩٦ و٢/ ٤٧٤ و٢/ ٤٨٥ و٢/ ٥١٨ و٢/ ٥٣٢ (الدارمي) ١٥٥٦ و١٥٥٧ و١٥٥٨ (ابن خزيمة) ١٨٠٥ و١٨٠٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام حال الخطبة:
قال الحافظ وهي الدين العراقي ﵀: ما حاصل: استُدلّ بحديث الباب على وجوب الإنصات للخطبة، وتحريم الكلام فيها, لأنه إذا لم تغتفر هذه الكلمة -يعني "أنصت"- مع خفتها، وكونها أمراً بمعروف محتاج إلبه في تلك الحالة، فما عداها أولى بالمنع.
وهذا أحد قولي الشافعي، نصّ عليه في "القديم"، و"الإملاء", وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد.
وقال ابن المنذر: نَهَى عثمان، وابن عمر عن الكلام، والإمام يخطب، وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم، والإمام يخطب فاقرَع رأسه بالعصا، وكره مالك ذلك، وابن عباس، والشافعي، وعوامّ أهل العلم.
وقال الترمذي في "جامعه" بعد رواية هذا الحديث: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا للرجل أن يتكلّم، والإمام يخطب.
قال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي": والمتقدّمون يُطلقون كثيراً الكراهة، ويريدون التحريم انتهى.
وقال ابن بطّال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات.
وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها انتهى.
стр. 9493
والقول الثاني للشافعي أن الإنصات سنة، والكلام ليس بحرام، وهو نصّه في "الجديد"، وهو رواية عن أحمد، حكاها ابن قُدَامة.
وقال ابن المنذر: كان النخعي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن مُهاجر، والشعبيّ، وأبو بردة يتكلمون، والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنّا لم نُؤمر أن ننصت لهذا. قال ابن المنذر: وأتباع السنة أولى انتهى.
قال العراقي ﵀: فيحتمل أن يراد بـ"هذا" الإشارةُ للحجاج، لما كان فيه من الظلم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد لهذا الأمر.
قال وليّ الدين: ويحتمل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحجاج، لا ينبغي سماعه، لما فيه من لسب الصحابة ﵃، أو الأمر بالظلم، وما لا يجب امتثاله، أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة، فيها ما لا ينبغي فعله.
وقد قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان الثوريّ، عن مُجالد، قال: رأيت الشعبي، وأبا بردة بن أبي موسى الأشعريّ يتكلمان، والحجاج يخطب، حين قال: لعن الله، ولعن الله, فقلت: تتكلمان في الخطبة؟ فقالا: لم نؤمر بأن ننصت لهذا.
وعن إبراهيم النخعيّ: أنه كان يتكلم، والإمام يخطب زمن الحجاج.
قال ابن حزم: كان الحجاج، وخطباؤه يلعنون علياً، وابن الزبير ﵃. وذكر ابن عبد البرّ أن عبد الله بن عروة كان يُنصت للخطيب، فإذا شتم عليًّا تكلّم، ويقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن الشعبيّ، ومحمد بن عليّ بن الحسين أنه لا بأس بالكلام، والصحف تقرأ يوم الجمعة. وعن أبي بردة، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة. وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب الله، وقالوا فيه، فنسكت لصحفهم هذه؟. وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام، والصحف تقرأ. وعن إبراهيم النخعيّ أنه قيل له: إن الكتب تجيء من قبل قُتيبة، فيها الباطل والكذب، فأكلّم صاحبي، أو أنصت؟ قال: لا، بل أنصت -يعني في الجمعة- فطرد النخعيُّ والحسن منع الكلام في الخطبة، وسَدَّا البَابَ في ذلك.
قال ابن بطال: ورى ابن وهب، وابن قانع، وعليّ بن زياد، عن مالك أن الإِمام إذا لغى، وشتم الناس، فعلى الناس الإنصات، ولا يتكلّمون.
ورُويَ عنه: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه، أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصاف.
ورأى الليث إذا أخذ الإِمام في غير ذكر الله، والموعظة أن يتكلّم، ولا يُنصت انتهى.
стр. 9494
وقال ابن حزم: فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى, ولا من الدعاء المأمور به، فالكلام مباح حينئذ، فهذان مذهبان آخران مفصّلان، إما بين أئمة الجور وغيرهم، وإما بين الوعظ وغيره.
وحكى ابنُ عبد البرّ قولاً خامساً أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصّة، قال: روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعيّ، وأبي بُردة، قال: وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنّة الثابتة، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك، لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به.
وقال ابن بطال: استماع الخطبة واجب وجوبَ سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضةً انتهى.
وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن، ومعناه أنه سنة مؤكدة، وهو قول الشافعيّ في الجديد، فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين، فمن أوجب الإنصات أخذ بقول من قال: إن اللغوَ الباطلُ، ومن استحبّه أخذ بقول من قال: إنه السقط، وما لا يُعتدّ به، ولغط الكلام، وما لا محصول له، أو الْمُطَّرَح من القول، وما لا يُعْنَى، فإن هذه العبارات متقاربة المعنى، ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب حراماً.
وقد قال الشافعي ﵀ في قوله: "لغوت": تكلّمت في موضع الأدبُ فيه أن لا تتكلّم.
واحتجّ الشافعيّ في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس ﵁ في الرجل الذي قام إلى رسول الله ﷺ في يوم الجمعة، وهو يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله … "، وهو في "الصحيحين".
وبحديث عثمان ﵁ حيث دخل يوم الجمعة، وعمر ﵁ يخطب، فكلّمه، وأجابه.
واحتجّ على ذلك في الجديد بالحديث المتقدِّم قبل هذا في سؤال النبي ﷺ الداخل، وهو يخطب عن كونه صلى، وإجابته له بقوله: "لا"، وقوله له: "صلّ ركعتين". وبكونه ﷺ كلّم الذين قَتَلوا ابن أبي الْحُقَيق على المنبر، وكلموه، وتداعوا قتله، وقد رواه الشافعي مرسلاً، قال البيهقيّ، وهذا، وإن كان مرسلاً، فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي. وروي من وجه آخر موصولاً عن عبد الله بن أنيس انتهى.
ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإِمام، أو معه، فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة، بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض
стр. 9495
انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أن المذهب الراجح هو تحريم الكلام مطلقاً على حاضري الخطبة؛ لوضوح أدلته، وأما من كلمه الإِمام، أو كلم الإمامَ فلا يحرم ذلك عليه, لأنه مستثنى بالنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم فيمن لا يسمع الخطبة، هل يجب عليه الإنصات أم لا؟:
ذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية، إلى أنه لا فرق في وجوب الإنصات بين من يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها. وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر العلماء، وحكاه ابن عبد البرّ عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وهو الأصحّ عند الشافعية، واختلف الحنفية في هذه المسألة.
وروى ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأساً بالكلام إذا لم يسمع الخطبة.
والمختلف فيه هو كلام الآدميين، أما الذكر، والتلاوة سرّا، فليس ممنوعاً منهما قطعاً.
قال ابن قُدامة: وهل ذلك أفضل، أو الإنصات؟ يحتمل الوجهين: أحدهما الإنصات أفضل، لحديث عبد الله بن عمرو، مرفوعاً: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفّارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ". رواه أبو داود (٢).
ولقول عثمان: من كان قريباً يسمع، ويُنصت، ومن كان بعيداً يُنصت، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظّ ما للسامع.
والثاني: الذكر أفضل, لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر انتهى.
وقال ابن عقيل من الحنابلة: في صورة البعد له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة، والمشهور عندهم منع ذلك انتهى (٣).
стр. 9496
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ليس لأحد أن يتكلم، والإمام يخطب، على ظاهر هذا الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراحج قول من قال بتحريم الكلام مطلقاً، سواء سمع الخطبة، أم لا؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط السماع حينما حرّم الكلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في رد السلام، وتشميت العاطس حال الخطبة:
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في تشميت العاطس، ورد السلام، والإمام يخطب، فرخصت طائفة في تشميت العاطس، ورد السلام، والإمام يخطب:
وممن رخّص في ذلك الحسن البصريّ، والنخعي، والشعبي، والحَكَم، وحماد، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يردّ السلام، ويُسمعه، وروي ذلك عن القاسم بن محمد.
واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون عاطساً, ولا يردون سلاماً إلا بإيماء، وكان يقول بعدُ بمصر: وإن سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يردّ عليهم بعضهم, لأن ردّ السلام فرض، ولو عطس رجل، فشمّته رجل رجوت أن يَسَعَه, لأن التشميت سنّة.
وكان سعيد بن المسيّب يقول: لا يشمّته, وكذلك قال قتادة، وهذا خلاف قوله في ردّ السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أن ردّ السلام فرض، وليس كذلك تشميت العاطس. وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يستمعوا، ويُنصتوا.
وفرق عطاء بين الحالين، فقال: إذا كنت تسمع الخطبة، فاردد ﵇ في نفسك، وإذا كنت لا تسمعها، فاردد عليه، وأسمعه، وقال أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمّت، وردّ.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت"، فالإنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة ردّ السلام، وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يردّ السلام إشارةً، ويشمّت العاطس إذا فرغ الإِمام من الخطبة انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا؛ لوضوح دليله.
стр. 9497
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الكلام بعد الفراغ من الخطبة:
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في الكلام بعد فراغ الإِمام من الخطبة قبل أن يدخل في الصلاة، فرخّصت طائفة في ذلك:
وممن كان لا يرى به بأساً طاوس, وعطاء, والزهريّ، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق،، وأبي ثور, ويعقوب، ومحمد، وروينا عن ابن عمر أنه قال: لا بأس بالكلام إذا نزل الإِمام من المنبر يوم الجمعة حتى يكبّر.
وكان الحكم بن عُتيبة يكره ذلك، وروي عن طاوس رواية توافق قول الحكم، خلاف الرواية الأولى.
وكذا اختلفوا في الكلام بين الخطبتين، فكرهته طائفة، منهم مالك، والأوزاعيّ، والشافعي، وإسحاق، وقال الحسن البصريّ: لا بأس بالكلام بين الخطبتين، وإذا نزل الإِمام عن المنبر.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد كان الكلام مباحاً قبل خطبة الإِمام، وقد أمر الناس بالإنصات لإمامهم إذا خطب، فإذا انقضت الخطبة رجعت الإباحة، والأخبار دالّة على ذلك انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى بتصرّف (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الإنصات يكون من خروج الإِمام إلى أن ينتهي من الصلاة، لما تقدم -١٦/ ١٣٩٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ مرفوعاً: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام … "، فقد جعل خروج الإِمام مبدأ الإنصات، فلا يتشاغل عنه إلا من يصلي تحيّة المسجد.
ولما يأتي -٢٣/ ١٤٠٣ - من حديث سلمان ﵁ مرفوعاً: "ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة … " وفيه: "ثم يُنصت حتى يقضي صلاته … "، ففيه أن الإنصات يكون إلى انقضاء الصلاة.
والحاصل أن الإنصات يكون من أوّل ما خرج الإِمام إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا يتكلم في خلال ذلك سواء كان في حال الخطبة، أو بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة، لما ذكرناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 9498
١٤٠٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ (١): حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد) الفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة [١١].
روى عن أبيه، وأسد بن موسى، وابن وهب، وغيرهم.
وعنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي في ذي الحجة سنة (٢٤٨)، قال كان حديثيًّا فقيهاً عسراً في الحديث، ممتنعًا. وفي "الزهرة" روى عنه مسلم خمسين حديثًا, وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث.
٢ - (أبوه) شعيب بن الليث بن سعد الفَهْمي، أبو عبد الملك المصريّ: ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم الأموي، الخليفة الراشد الثقة الحجة [٤] تقدم ١٢٢/ ١٧١.
٤ - (عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) هو إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ووهم من زعم أنهما اثنان، صدوق [٣] تقدم ١٢٢/ ١٧١.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9499
٢٣ - (بَابُ فَضْلِ الإِنْصَاتِ، وَتَرْكِ اللَّغْوِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
١٤٠٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ الْقَرْثَعِ الضَّبِّيِّ -وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ الأَوَّلِينَ- عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ، وَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِىَ صَلَاتَهُ، إِلاَّ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإِمام المثبت الحجة [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، نزيل الري، وقاضيها، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر الكوفي المثبت الحجة [٦] تقدم ٢/ ٢.
٤ - (أبو معشر زياد بن كُليب) الحنظلي الكوفيّ، ثقة [٦] تقدم ١٨٨/ ٣٠٠.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه الحجة [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣.
٦ - (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٢] تقدم ٦١/ ٧٧.
٧ - (القَرْثع الضّبّيّ) -بالثاء المثلثة، وزان أحمد- الكوفي, مخضرم صدوق [٢].
روى عن سلمان الفارسي، وأبي أيوب الأنصاريّ, وأبى موسى الأشعريّ, وغيرهم. وعنه علقمة بن قيس، والمسيب بن رافع، وقَزَعَة بن يحيى، وسَهْم بن منجاب.
قال أبو معشر: حدثنا إبراهيم، عن علقمة، عن القرثَع الضبيّ، وكان من القرّاء الأولين.
قال الحاكم عقيب حديث له: سمعت أبا علي الحافظ يقول: أردت أن أجمع مسانيد قرثع الضبّيّ، فإنه من زُهَّاد التابعين، فوجدته لم يُسند تمام العشرة. وقال الخطيب: كان مخضرماً أدرك الجاهلية والإِسلام، وقُتل في خلافة عثمان شهيداً.
روى له أبو داود، والترمذي في "الشمائل"، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا
стр. 9500
الكتاب هذا الحديث، وحديث رقم (١٨٦٧) فقط.
٨ - (سلمان) الفارسي الصحابي الشهير رضي الله تعالى، عنه، تقدم ٣٧/ ٤١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. غير القرثع. ومنها: أنه مسلسل بالكوفين، غير شيخه، فنيسابوري، وسلمان فمدني. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: إبراهيم، وعلقمة، والقرثع. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْقَرْثَع) بفتح القاف، وسكون الراء، بعدها مهملة (الضَّبِّيِّ) منسوب إلى ضَبَّة أبي قبيلة (وَكَاَنَ مِنَ الْقُرَّاءِ الأَوَّلِينَ) يحتمل أن يكون هذا من كلام علقمة، ويحتمل أن يكون ممن دونه.
يعني أنّ قرثعاً كان من التابعين الأولين الذين اشتهروا بقراءة القرآن، أو بالعبادة، فإن القارىء يُطلق على قارىء القرآن، وعلى الناسك المتعبّد.
والظاهر أن "القراء" هنا جمع قارىء، كما قال ابن مالك:
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلِ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثلُهُ الْفعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامّا نَدَرَا
لكن في "اللسان" ما يفيد أن القُرّاء بالضم يكون مفرداً، حيث قال: والقارىء، والمقترىء، والقُرّاءُ كله: الناسك، مثل حَسّان، وجُمَّال انتهى.
والحاصل أن القُرّاء بالضم يكون جمع قارىء، وهو المناسب هنا، أو مفرد كرُمّان، أو هو بالفتح كحسّان، ولكن معنى المفرد لا يناسب هنا لوصفه بـ"الأوّلين". والله تعالى أعلم.
(عَنْ سَلْمَانَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ ) ولفظ "الكبرى" من طريق المغيرة، عن أبي معشر: "قال رسول الله ﷺ : "أتدري ما يومُ الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "لكني أنا أحدثك عن يوم الجمعة، لا يتطهّر رجل، ثم يمشي إلى الجمعة، ثم ينصتُ حتى يقضي الإِمام صلاته، إلا كانت كفّارةً لما بينها وبين الجمعة التي قبلها، ما اجتنبت المَقْتَلَة".
ولفظ ابن خزيمة: "يا سلمان، ما يوم الجمعة؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال:
стр. 9501
"يا سلمان، ما يوم الجمعة؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "يا سليمان، ما يوم الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "يا سلمان، يوم الجمعة به جمُع أبوك -أو أبوكم- أنا أحدّثك عن يوم الجمعة، ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة، كما أُمر، ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، فيقعد، فينصت حتى يقضي صلاته، إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة".
(مَا) نافية (منْ) زائدة (رَجُل) مبتدأ خبره جملة "إلا غُفر له"، وجملة قوله (يَتَطَهَّرُ) صفة له "رجل" (يَوْمَ الْجُمُعَة كَمَا أُمِرَ) أي تطهيراً مماثلاً لما أمره الله تعالى به، وهو تعميم جسده بالغسل، إن اغتسل، أو الوضوء، إن لم يتسير له الاغتسال، أو التيمم، إن كان من أهله.
أو المراد بالطهارة ما يعمّ ما ذكر، وغيره من أنواع النظافة، كأخذ الشارب، والظفر، والعانة مثلاً.
وفي رواية البخاريّ من طريق عبد الله بن وديعة, عن سلمان: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدّهن, من دهنه، أو يمسّ من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرْق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".
وفي رواية عبد الله بن عمرو عند أبي داود من الزيادة: "ويلبس من صالح ثيابه".
(ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَيْته) زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة: "إلى المسجد"، ولأحمد من حديث أبي الدرداء: "ثم يمشي، وعليه السكينة"، وللبخاري من رواية ابن وديعة المذكورة: "فلا يفرّق بين اثنين"، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: "ثم لم يتخط رقاب الناس"، وفي حديث أبي الدرداء: "ولم يتخطّ أحداً، ولم يؤذه" (حَتَّى يَأْتيَ الْجُمُعَةَ) "حتى" هنا تعليليّة، أي كان خروجه لكي يأتي صلاة الجمعة فقط، يعني أنه ما خرج لحاجة غير الجمعة، زاد في رواية ابن وديعة: "ثم يصلي ما كتب له" (وَينْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتهُ) وفي رواية ابن وديعة المذكورة: "ثم ينصت إذا تكلم الإمام".
ورواية المصنف تؤيد قول من قال: لا يتكلم بين الخطبتين، ولا بعد الفراغ منهما، وقد تقدّم الكلام عليه في الباب الماضي (إلَّا كَانَ) أي هذا العملُ، فاسم "كان" ضمير يعود إلى ما ذُكر من الطهارة، وغيرها (كَفَّارَةً لمَا قَبْلَهُ) أي للذنب الذي حصل قبل هذا اليوم (منَ الْجُمُعَة) أي ابتداء من يوم الجمعة الماضية، فـ"من" ابتدائية، أو المراد بـ"الجمعة" الأسبوعُ -كما قاله السندي- فتكون "من" بياناً لـ"ما". والله أعلم.
стр. 9502
وعند البخاري: "غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". وعند ابن خزيمة "غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها". ولابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام من التي بعدها" وفي رواية المصنف في "الكبرى" كما تقدم "ما أجتُنبت المقتلة". وزاد ابن ماجه في رواية أخرى عن أبي هريرة: "ما لم يَغْشَ الكبائر"، ونحوه لمسلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر -والله أعلم- أن المراد بـ"المقتلة" أسباب القتل, فيكون بمعنى الرواية الأخرى "ما اجتنبت الكبائر"، وذلك لأن كثيراً من الكبائر سببا لقتل صاحبه، فإذا اجتنب الكبائر اجتنب أسباب القتل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولي: في بيان درجته:
حديث سلمان رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٣/ ١٤٠٣ - وفي "الكبرى" -٣١/ ١٧٢٤ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير بن عبد الحميد, عن منصور بن المعتمر، عن أبي معشر زياد بن كُليب، عن إبراهيم، عن علقمة، عن القَرْثَع الضبّيّ، عنه. وفي "الكبرى" -٣١/ ١٧٢٥ - عن إبراهيم بن يعقوب, عن عفّان بن مسلم، ويحيى بن حماد -والنسق لعفّان- كلاهما عن أبي عوانة، عن المغيرة، عن أبي معشر به.
وأخرجه (خ) ٢/ ٤ و٢/ ٩ وتقدم لفظه قريباً (أحمد) ٥/ ٤٤٠ و٥/ ٤٣٨ و٥/ ٤٣٩ (الدارمي) ١٥٤٩ (ابن خزيمة)، ١٧٣٢ والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده (١):
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان فضل الإنصات، وترك اللغو في حال خطبة الجمعة.
ومنها: كراهة التخطي يوم الجمعة، لقوله: "ثم لم يتخطّ رقاب الناس"، وقد تقدم تمام البحث فيه قبل بابين.
ومنها: استحباب المشي، وعدم الركوب في السعي إلى الجمعة.
ومنها: مشروعية النافلة قبل خطبة الجمعة، لقوله: "ثم صلى ما كتب له"، ثم قال:
стр. 9503
"ثم ينصت" فدلّ على تقدم ذلك على الخطبة، وقد بينه أحمد من حديث نُبيشة الهذلي بلفظ: "فإن لم يجد الإِمام خرج صلى ما بدا له".
ومنها: جواز النافلة نصف النهار يوم الجمعة، كذا قيل، وفيه نظر.
ومنها: أن التبكير ليس من ابتداء الزوال, لأن خروج الإمام يعقب الزوال، فلا يسع وقتاً يتنفّل فيه.
ومنها: أنه قد تبين بمجموع ما ذكر من الروايات أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدّم، من غسل، وتنظيف، وتطّيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفّل، والإنصات، وترك اللغو.
ووقع في حديث عبد الله بن عمرو: "فمن تخطّى، أو لغا كانت له ظهراً".
ودلّ التقييد بعدم غشيان الكبائر على أن الذي يُكفَّر من الذنوب هو الصغائر، فتحمل الروايات المطلقة كلها على هذا المقيّد، وذلك أن معنى قوله: "ما لم تُغْشَ الكبائر"، أي فإنها إذا غُشيت لا تُكفّر، وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر، إذ اجتناب الكبائر بمجرّده يكفّرها، كما نطق به القرآن, ولا يلزم من ذلك أن لا يكفّرها إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن للمرء صغائر تُكفّر رُجي له أن يُكفّر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، وإلا أُعطي من الثواب بمقدار ذلك، وهو جارٍ في جميع ما ورد في نظائر ذلك. قال في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٤ - (بَابُ كيفِيَّةِ الْخُطْبَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقع في نسخة "بَابٌ كيف الخطبةُ"، فعلى الأول فـ"باب" مضاف إلى "كيفية"، وعلى الثاني يحتمل أن يكون مضافاً إلى جملة "كيف الخطبة"، ويحتمل أن يكون منوّناً، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
стр. 9504
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "عَلَّمَنَا خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، شَيْئًا وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ).
رجال هذا الإسناد. سبعة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدّم ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر المعروف بـ"بُندَار" البصريّ، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٣ - (محمد بن جعفر) غُندر تقدم قبل خمسة أبواب.
٤ - (شعبة) بن الحجاج، تقدم قبل خمسة أبواب أيضاً.
٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفي، ثقة عابد اختلط في آخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٦ - (أبو عُبيدة) بن عبد الله بن مسعود الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة، لا يعرف اسمه، تقدم ٥٥/ ٦٢٢.
٧ - (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) الضمير يعود إلى عبد الله، أي قال عبد الله بن مسعود، حال كونه راويًا عن النبي ﷺ (عَلَّمَنَا) الضمير الفاعل يعود إلى النبي- ﷺ ، والجملة مقول القول (خُطْبَةَ الْحَاجَةِ) أي الخطبة التي تقال عند افتتاح الكلام لقضاء الحاجة، من النكاح وغيره.
قال السنديّ ﵀: الظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره، فينبغىِ للإنسان أن يأتي بهذا ليستعين به على قضائها وتمامها، ولذلك قال الشافعي ﵀: الخطبة سنة في أول
стр. 9505
العقود كلها، مثل البيع، والنكاح، وغيرهما، والحاجة إشارة إليها.
ويحتمل أن المراد بالحاجة النكاح، إذ هو الذي تعارف فيه الخطبة، دون سائر الحاجات، وعلى كلّ تقدير فوجه ذكر المصنف الحديث في هذا الباب, لأن الأصل اتحاد الخطبة، فما جاز، أو جاء في موضع جاز في موضع آخر أيضاً، وكأنه جاء فيه، والله تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: بل الاحتمال الأول هو الصواب, لأن في سنن أبي داود التصريح بذلك، فقد أخرجه من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود: "في خطبة الحاجة، في النكاح وغيره"، والله تعالى أعلم.
(الْحَمْدُ للهِ) وفي رواية "عمل اليوم والليلة" من طريق إسماعيل بن حمّاد بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق: "ان الحمد لله، نحمده"، قال الجزري في "تصحيح المصابيح": يجوز تخفيف "أن"، وتشديدها، ومع التشديد يجوز رفع "الحمد"، ونصبه، ورويناه بذلك انتهى.
وقال الطيبي: "أن" مخفّفة من الثقيلة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
والحمد هنا يجب أن يُحمل على الثناء الجميل (٢) من نعمة، أو غيرها، من أوصاف الكمال والجلال والجمال، والإكرام، والأفعال العظام، والتعريفُ على استغراق الجنس، فيفيد أن كلّ نعمة من النعم الدنيوية والأخروية ليست إلا منه، وكلّ صفة من صفات الكمال، وفضائل الأعمال له، ومنه، وإليه، لتترتب عليه الأفعال المتناسقة بعده، من الاستعانة، والاستغفار، والاستعاذة. أفاده القاري (٣).
(نَسْتَعِينُهُ) أي في جميع الأمور، قال القاري ﵀: أي في حمده، وغيره، وهو، وما بعده جُملٌ مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين انتهى.
(وَنَسْتَغْفِرُهُ) أي من تقصير عبادته، وتأخير طاعته (وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) أي نعتصم بالله من ظهور شرور أخلاق أنفسنا الرديّة، وأحوال طَباع أهوائنا الدَّنية (وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) وفي رواية بزيادة "من"، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي من أعمالنا السيّئة (مَنْ يَهْدِهِ الله) بإثبات الضمير، وفي رواية بحذفه، أي من يُوفّقهُ الله لاتباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أي من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) بحذف الضمير
стр. 9506
المنصوب، أي من يُزغه عن اتباع الحقّ، يقال: ضلّ الرجلُ الطريقَ، وضلّ عنه يَضلّ من باب ضرب، ضَلَالاً، وضلالةً: زلْ عنه، فلم يهتد إليه، وأضله الله يتعدى بالهمزة (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي لا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة العقل، ولا من جهة النقل، ومن جهة أحد من الخلق.
قال الطيبي ﵀: أضاف الشرّ إلى الأنفس أوّلاً كسباً، والإضلال إلى الله تعالى ثانياً خلقاً وتقديراً. انتهى.
(وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) زاد في رواية "عمل اليوم والليلة": "وحده لا شريك له" (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدم معنى الشهادتين في "كتاب الأذان".
(ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتِ) قال الطيبيّ: هذا يقتضي معطوفاً عليه، فالتقدير يقول: "الحمد لله"، ثم يقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁، موقوفاً، قال: هو أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.
وقد ذهب سعيد بن جُبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم، والسُّدّيّ، وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ إنها لم تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يُجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم.
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي حافظوا على الإِسلام في حال صحّتكم وسلامتكم، لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى سنته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف ذلك (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هي حواء ﵍، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، قال: "خُلقت المرأة من الرجل، فجُعلت نهمتها في الرجل، وخُلق الرجل من الأرض، فجُعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم".
стр. 9507
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "إن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تُقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج". وفي لفظ لمسلم: "إن المرأة خُلقت من ضلع، لن تستقيم على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها".
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي وذرأ من آدم وحوّاء رجالاً كثيراً ونساء، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.
﴿وَاَتَّقُواْ اَللهَ﴾ بطاعتكم إياه ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين، وبتشديد السين، قرءتان متواترتان (بِه) أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم بالله، كما تقولون: أسألك بالله، قال إبراهيم، ومجاهد، والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي كما يقال: أسألك بالله وبالرحم.
﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عند عامة القرّاء، أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفيه المبالغة في اجتناب قطع الرحم.
وقال الضحّاك: واتقوا الله الذي تعاقدون، وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها, ولكن برّوها، وصلوها.
وقرأ حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجرّ على العطف على الضمير في "به"، أي تساءلون بالله، وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره.
والعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ فصيح على الصحيح، كما قال ابن مالك:
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ علَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِماً قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحيحِ مُثْبَتَا
وفي قراءة شاذة عن ابن مسعود: "وبالأرحام". وقيل: الجرّ للجوار، وقيل: الواو للقسم.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي هو مراقبٌ لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وفي الصحيح: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب.
وإنما ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد، وأمّ واحدة ليُعَطِّفَ بعضهم على بعض، ويَحُثَّهُم على ضعفائهم.
стр. 9508
(﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾) أي مستقيماً لا اعوجاج فيه، ولا انحراف ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هذا وَعْد منه أنهم إن فعلوا ذلك أثابهم عليه، بأن يُصلح لهم أعمالهم، أي يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يُلهمهم التوبة منها. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾: أي بامتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي بأن يُجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم (١).
زاد الطبراني بعد ذكر الآيات: "أما بعد" ثم يذكر حاجته.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي (أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ) عبد الله بن مسعود ﵁.
وغرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان أن هذا السند فيه انقطاع، حيث إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
وهذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى قد ثبت عن أبي عبيدة نفسه، فقد ذكر الترمذيّ عن شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سألت أبا عُبيدة، هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا (٢).
(وَلَا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود) يعني أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وهو أخو أبي عُبيدة لم يسمع من أبيه أيضاً.
وهذا الذي قاله المصنف ﵀، قد اختلف فيه أهل العلم بالآثار، فمنهم من أثبت سماعه، ومنه من نفاه:
قال يعقوب بن شَيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلّموا في روايته عن أبيه، وكان صغيراً. فأما علي بن المديني، فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن، وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد: مات عبد الله، وعبد الرحمن ابن ست سنين، أو نحوها. وقال أحمد، أما سفيان الثوريّ، وشريك، فإنهما يقولان: سمع، وأما إسرائيل، فإنه يقول في حديث الضبّ: سمعت. وقال العجلي: يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفاً واحداً: "محرّم الحلال كمستحلّ الحرام". وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: سمع من أبيه، وعن عليّ.
وروى البخاريّ في "التاريخ الصغير" بإسناد لا بأس به، عن القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: لمّا حَضرَ عبدَ الله الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن:
стр. 9509
يا أبت أوصني، قال: "ابْك من خطيئتك".
وروى البخاريّ أيضاً في "التاريخ الكبير"، وفي "الأوسط" من طريق ابن خُثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: إني مع أبي، فذكر الحديث في تأخير الصلاة، زاد في "الأوسط": قال شعبة: لم يسمع من أبيه. وحديث ابن خُثيم أولى عندي.
وقال ابن المديني في "العلل": سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأسند حديثه: "محرم الحلال" من طريق سماك عنه.
وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة.
وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه انتهى.
قال الحافظ: وهو نقل غير مستقيم.
وقال خليفة: مات مقدم الْحَجَّاج العراق سنة (٧٩)(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر من كلام الأكثرين أنه سمع من أبيه قليلاً، بخلاف أبي عبيدة، فإنه لم يسمع شيئًا. والله تعالى أعلم.
(وَلَا عَبْدُ الْجَبارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْر) يعني أن عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه.
وهذا الذي قاله المصنف ثبت عن غيره أيضاً، فذكر الدُّوريّ عن ابن معين، قال: لم يسمع من أبيه شيئاً. وقال أبو داود، عن ابن معين: مات أبوه، وهو حَمْل. وقال الترمذيّ. سمعت محمداً -يعني البخاريّ- يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولا أدركه. وقال ابن حبان في "الثقات": من زعم أنه سمع أباه، فقد وهم, لأن أباه مات، وأمه حامل به. وقال البخاريّ: لا يصحّ سماعه من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون لم يلقه.
وبمعنى هذا قال أبو حاتم، وابن جرير الطبري، والْجُريري، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، والدارقطنيّ، والحاكم، وقبلهم ابن المدينيّ، وآخرون (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أنهم اتفقوا على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئًا.
وأما ما قاله في "تهذيب الكمال": إنه قد صحّ عنه أنه قال: كنت غلاماً لا أعقل صلاة
стр. 9510
أبي. فقد رَدّه الحافظ بما نص عليه البزّار من أن هذا القول لعلقمة بن وائل، لا لأخيه عبد الجبار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
فإن قيل: كيف يصح، وفيه انقطاع، كما بينه المصنف؟.
أجيب: بأنه موصول من طريق آخر صحيح، فقد أخرجه المصنف ١٩٠/ ١١٦٤ - عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁. وله طريق أخرى عن عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود ﵁، بلفظ: أن رسول الله ﷺ -كان إذا تشهد قال: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره … " الحديث، إلى قوله: "عبده ورسوله"، وزاد: "أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً، بين يدي الساعة، من يُطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا". أخرجه أبو داود، والبيهقيّ، والطبرانيّ في "الكبير". وسنده ضعيف، فأبو عياض مدني مجهول، كما في "ت".
وله شواهد من حديث أبي موسى الأشعريّ، وابن عباس، وجابر، وتُبَيط بن شَريط، وعائشة رضي الله تعالى عنهم.
وقد تكلم على أحاديث هؤلاء الصحابة ﵃ العلامةُ المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى في رسالة نافعة جامعة، فأحسن، وأجاد، وأسهب وأعاد، فجزاه الله عن خدمة كتب السنة، والعناية بها أتمَّ عناية خيرَ الجزاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٤/ ١٤٠٤ - وفي "عمل اليوم والليلة" ٤٩١ - عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" عن زكريا بن يحيى السجزيّ، عن وهب بن بقية، عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي إسحاق به.
قال أبو عبيدة: وسمعت أبا موسى، يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "فإن شئت أن تَصلَ حطبتك بآي من القرآن، فقل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ , ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ , ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
стр. 9511
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد، ثم تكلّم بحاجتك".
وفي ٤٩٣ - عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: علّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد لله نحمده، ونستعينه … ثم ذكر مثله سواءٌ، وقال: قال عبد الله: ثم تصل خطبتك بثلاث آيات، وساق الحديث.
وأخرجه (د) ٢١١٨ و٢١١٩. (الطيالسي) ٣٣٨ (أحمد) رقم ٣٧٢٠ و٤١١٥ (أبو يعلى" والطبراني في "المعجم الكبير"، والبيهقي في "سننه" ٧/ ١٤٦ من طرق. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية الخطبة، فينبغي للخطيب أن يستنّ بهذه السنة التي كادت تموت، فيحييها، فيكون له أجر من أحيى سنة أميتت.
ومنها: أن الحاجة يستحبّ افتتاحها بهذه الخطبة، فإنها سوف تنجح ببركة هذا الذكر.
ومنها: أن الخطبة ينبغي أن تكون مشتملة على الحمد، والشهادتين، وبعض الآيات القرآنية.
وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى في "شرح المهذب" أن فروض الخطبة خمسة: (أحدها): حمد الله تعالى (الثاني): الصلاة على رسول الله ﷺ . (الثالث): الوصيّة بتقوى الله تعالى. (الرابع): قراءة القرآن. (الخامس): الدعاء للمؤمنين. وقد ذكر هذه الأمور مفصلة، فراجعه (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى كون هذه الأمور كلها من فروض الخطبة يحتاج إلى دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9512
٢٥ - (بَابُ حَضِّ الإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحَضُّ" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة-: هو الحثّ على الشيء، والحمل عليه، يقال: حَضَّه على الأمر حَضّاً، من باب قتل: حَمَلَه عليه، والتحضيض منه، لكنه شُدّد مبالغةً.
وحروف التحضيض: "هَلَّا"، و"أَلا" -بالتشديد- و"لولا"، و"لوما".
قال النحاة: دخولها على المستقبل حَثٌّ على الفعل، وطلب له، وعلى الماضي توبيخ على ترك الفعل، نحو "هلّا تنزل عندنا"، و"هلّا نزلت". أفاده في "المصباح".
وإضافة "حضّ" إلى "الإِمام" من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف، أي الناسَ، والجاران، والظرف تتعلق بـ"حضّ". والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلْيَغْتَسِلْ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه سنداً ومتناً في -٧/ ١٣٧٦ - ، فراجعه هناك تستفد.
وممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده: محمد بن بشار، ومحمد بن جعفر، وشعبة، وقد تقدموا في الباب الماضي، والحكم، وهو ابن عتيبة أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس [٥]، تقدم ٨٦/ ١٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: سُنَّةٌ، وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَكَلَّمَ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري تقدم قريباً.
٣ - (إبراهيم بن نَشيط) -بفتح النون، وكسر المعجمة- ابن يوسف الوَعْلانيّ، ويقال: الخَوْلانيّ مولاهم أبو بكر المصري، ثقة [٥].
стр. 9513
دخل على عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيديّ، ورَوَى عن الزهريّ، وبُكير بن الأشجّ، وعبد الله بن أبي حسين، وغيرهم. وعنه الليث، وابن المبارك، وابن وهب.
قال أبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطنيّ ثقة. وقال أحمد: ثقة ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: ثقة. وقال ابن يونس: غزا مع مسلمة بن عبد الملك, وكانت له عبادة وفضل. وقال يحيى بن بُكير: مات سنة إحدى، أو اثنتين، وقيل: سنة (١٦٣). قال ابن يونس: الصواب سنة (٣).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنفّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (ابن شهاب) الزهري، تقدم قريباً.
٥ - (سالم بن عبد الله بن عمر) العدوي المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠.
٦ - (أبوه) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير إبراهيم بن نشيط، ومنها أنه مسلسل بالمصريين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة، وأبوه أحد المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث.
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي عن مشروعيته (فَقَالَ: سُنَّةٌ) خبر لمحذوف، أي هو سنّة، وطريقة أتى بها رسول الله ﷺ ، ثم ذكر مستنده فيما قاله (وَقَدْ حَدَّثَنِي بِه) أي بغسل يوم الجمعة، وذكّر الضمير هنا باعتبار الغسل، وأنثه فيما يأتي باعتبار السنة (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبيهِ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَكَلَّمَ بِهَا) أي بهذه السنة (عَلى الْمِنبرِ) هذا محلّ الترجمة، حيث إن النبي ﷺ حضّ في خطبته على غسل يوم الجمعة، وفي الرواية التالية من رواية عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال، وهو قائم على المنبر: "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 9514
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٤٠٦ - وفي "الكبرى" -٢٣/ ١٧١٣ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن إبراهيم بن نشيط، عن ابن شهاب، عن سالم، عنه.
وفي -٨/ ١٦٧١ - عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيديّ، عن الزهريّ به.
وفي ٨/ ١٦٧٢ - عن علي بن حُجْر، عن سفيان، عن الزهري به.
وفي ٨/ ١٦٧٢ عن إبرهيم بن الحسن، عن حجاج، عن ابن جريج، عن ابن شهاب به.
وأخرجه (خ) ٢/ ٦ و٢/ ١٢ (م) ٣/ ٢ (ت) ٤٩٢ (الحميدي) ٦٠٨ (أحمد) ١/ ٣٣٠ و٢/ ٩ و٢/ ٣٥ و٢/ ١٤٩ (ابن خزيمة) ١٧٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ يَوْمَ الْجُمُعَةَ (١)، فَلْيَغْتَسِلْ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ اللَّيْثَ عَلَى هَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ يَقُولُونَ: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، بَدَلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد: خمسة، أكثرهم تقدموا قريباً، فقتيبة، والليث تقدما قبل بابين، وابن شهاب، وابن عمر ذُكرا في السند الماضي، وأما:
(عبد الله بن عبد الله) فهو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المدني، كان وصيّ أبيه، ثقة [٣] تقدم ٤٤/ ٥٢.
وشرح الحديث تقدم مستوفًى في ٧/ ١٣٧٦ فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي النسائي (مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ اللَّيْثَ عَلَى هَذَا الإِسْنَادِ) أي في جعله شيخ ابن شهاب عبدَ الله بنَ عبد الله بدلاً من سالم بن عبد الله (غَيرَ ابْنِ جُرَيْج) أي فإنه وافقه على ذلك، وروايته أخرجها المصنف في "الكبرى" -٨/ ١٦٧٤ -
стр. 9515
عن إبراهيم بن الحسن المصِّيصيِّ، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جُريج به.
(وَأَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ يَقُولُونَ: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، بَدَلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) يعني أن الليث خالف أصحَاب الزهري فإنهم قالوا: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، فقال هو: عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن أبيه.
وأصحابه الذين أشار إليهم المصنف هم:
إبراهيم بن نشيط، كما في الرواية التي قبل هذه.
ومحمد بن الوليد الزُّبيديّ، وروايته أخرجها في "الكبرى" -١٦٧٠٨ و٨/ ١٦٨١.
وسفيان بن عُيينة، وروايته أخرجها فيه أيضاً -٨/ ١٦٨٢.
وابن جريج أيضاً، وروايته أخرجها فيه أيضاً -٨/ ١٦٧٣ - فعلى هذا فابن جريج له روايتان، يوافق في إحداهما الليث، كما ذكره المصنف هنا، ويوافق الجماعة في روايته الأخرى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف بهذا الكلام بيان الاختلاف الواقع في هذا السند، لا تضعيف رواية الليث، ولذا لم يتبعه بقوله: والصواب كذا، كما هو عادته في كثير من الأسانيد التي يضرّ فيها الاختلاف.
والليث إمام حافظ ثقة ثبت، وقد وافقه ابن جُريج، كما قال المصنف، فروايته صحيحة، ويحمل على أن لابن شهاب في هذا الحديث شيخين، هما سالم، وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، عن أبيهما.
ويدلّ على هذا أن مسلماً رحمه الله تعالى في "صحيحه" بعد أن أخرج رواية ابن شهاب، عن سالم بسند المصنف، أخرج طريق ابن جريج، فجمع بين سالم وعبد الله، ولفظه:
حدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن سالم، وعبد الله ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٤٠٧ - وفي "الكبرى" -٨/ ١٦٧٤ عن قُتيبة بن سعيد، عن
стр. 9516
الليث، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وفي "الكبرى" -٨/ ١٦٧٤ - عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن ابن شهاب به.
وأخرجه (م) ٣/ ٢ (ت) ٤٩٣ (أحمد) ٢/ ١٢٠ و٢/ ١٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - (بَابُ حَثِّ الإِمَام عَلى الصَّدَقَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ في خُطْبَتِهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "الحَثّ" -بفتح المهملة، وتشديد المثلْثة-: التحريض على الشيء، يقال: حثَثْت الإنسانَ على الشيء حَثّاً، من باب قتل: حَرّضته عليه. أفاده في "المصباح".
والإضافة فيه من إضافة المصدر إلى فاعله، وحذف المفعول، أي الناسَ، والجاران والظرف تتعلق بـ"حثّ". والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ"، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَلْقُوا ثِيَابًا، فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ جَاءَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَأَلْقَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "جَاءَ هَذَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَأَمَرْتُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ، فَأَلْقُوا ثِيَابًا، فَأَمَرْتُ لَهُ مِنْهَا بِثَوْبَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ الآنَ، فَأَمَرْتُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ، فَأَلْقَى أَحَدَهُمَا". فَانَتْهَرَهُ، وَقَالَ: "خُذْ ثَوْبَكَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الله (١) بن يزيد) المكي، ثقة [١٠] تقدم ١٧٢/ ١١٤١.
стр. 9517
٢ - (سفيان) بن عُيينة (١) الإِمام الحافظ الحجة [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (ابن عجلان) هو محمد المدني، صدوق [٥] تقدم ٣٦/ ٤٠.
٤ - (عياض بن عبد الله) بن سَعْد بن أبي سَرْح -بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها مهملة- ابن الحارث بن حَبيب بن جَذيمَة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤيّ القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣].
روى عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر. وعنه زيد بن أسلم، ومحمد بن عجلان، وداود بن قيس الفَرّاء، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: وُلد بمكة، ثم قدم مصر مع أبيه، ثم رجع إلى مكة، فلم يزل بها حتى مات.
روى الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً بالتكرار.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) رضي الله تعالى عنه، تقدّم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وأنهم مكيون، سوى ابن عجلان، وأبي سعيد، فمدنيان، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو سعيد رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) يحتمل أن يكون هو سُليك بن عمرو الغفاريّ، كما تقدّم في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، ويحتمل أن يكون غيره.
[تنبيه]: في هذا الحديث قصة ساقها الترمذي عن محمد بن أبي عُمر، عن سفيان بن عُيينة، بسند المصنف، ولفظه: "أن أبا سعيد الخدريّ دخل يوم الجمعة، ومروان يخطب، فقام يُصلي، فجاء الْحَرَسُ ليُجلسوه، فأبى حتى صلى، فلما انصرف أتيناه، فقلنا: رحمك الله، إن كادوا ليقعوا بك، فقال: ما كنتُ لأتركهما بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، ثم ذكر أن رجلاً جاء يوم الجمعة في هيئة بَذّة … " الحديث.
(وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) جملة في محل نصب على الحال، والرابط الواو (بِهيْئَةٍ بَذَّةٍ)
стр. 9518
متعلّق بـ"جاء"، و"الهيئة" بفتح، فسكون: الحالة الظاهرة، و"البذة" بفتح الموحّدة، فتشديد الذال المعجمة-: الحالة السيّئة، يقال: بَذذتُ كعلمتُ بَذَاذةً، وبَذاذاً بالفتح، وبذاذاً بالكسر وبُذُوذةٌ بالضم: إذا سآءت حالك، وباذُّ الهيئة: رَثُّها. قاله المجد.
والمعنى: أن ذلك الرجل جاء في حالة سيئة، يظهر عليه أثر الفقر.
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ"، وَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ) أي ليعطي منها هذا الرجل الذي جاء بهيئة بَذّة.
وفي الرواية الآتية في ٥٥/ ٢٥٣٦ من طريق يحيى القطان، عن ابن عجلان: "ثم جاء الجمعة الثانية، والنبي ﷺ يخطب، فقال: صلّ ركعتين، ثم جاء الجمعة الثالثة، فقال: صلّ ركعتين، ثم قال: تصدّقوا، فتصدّقوا، فأعطاه ثوبين … " الحديث. (فَأَلْقَوْا ثِيَاباً) أي طرحوها ليُعطَى منها ذلك الرجل. وفي رواية أبي داود: "فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابًا، فطرحوا، فأمر له بثوبين … " (فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ) "كان" هنا تامّة، و"الجمعة" فاعلها، أي لما جاءت الجمعة الثانية التي تلي الجمعة التي ألقى الناس فيها ثيابهم (جَاءَ) ذلك الرجل (وَرَسول الله ﷺ يَخْطُبُ) جملة حالية (فَحَثَّ) أي النبي ﷺ (النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ) لعله رأى محتاجاً مثل ذلك الرجل (قَالَ) أي أبو سعيد (فَألْقَى أَحَدَ ثَوْبَيهِ) أي طرح ذلك الرجل أحد الثوبين الذين تُصُدّق عليه بهما في الجمعة الماضية (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "جَاءَ هَذا يَوْمَ الجُمُعَةِ بَهيْئَةِ بَذَّةٍ) وفي الرواية الآتية -٥٥/ ٢٥٣٦ - : "ألم تروا إلى هذا، إنه دخل المسجد بهيئة بذّة، فرجوت أن تَفطَنوا له، فتتصدّقوا عليه، فلم تفعلوا، فقلت: تصدّقوا، فتصدّقتم، فأعطيته ثوبين … " الحديث.
(فَأَمَرْتُ النَّاسَ بالصَّدَقَةِ، فَألْقَوْا ثِيَاباً، فَأَمَرْتُ لَهُ مِنْهَا بثَوْبَينِ، ثم جَاءَ الآنَ) بالنصب ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولزمه دخولُ الألف واللام، وليس ذلك للتعريف, لأن التعريف تمييز المشتركات، وليس هذا ما يَشْرَكُهُ في معناه. قال ابن السّرّاج: ليس هو آنَ وآنَ حتى يدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل "الثُّرَيّا"، و"الذي"، ونحو ذلك. قاله الفيّومي.
(فَأمَرْتُ النَّاسَ بالصَّدَقَةِ، فَألْقَى أَحَدَهُمَا، فَانْتَهَرَهُ) أي منعه من التصدّق، لكونه محتاجاً، والصدقة إنما هي عن ظهر غنى، لما روى البخاريّ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "خير الصدقة ما تُصدق به عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول"، وفي رواية أحمد: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" (وَقَالَ: خُذْ ثَوْبَكَ) أي لأنك أحقّ به من غيرك، وفيه أن الإنسان المحتاج
стр. 9519
يقدّم نفسه، ويبدأ بها قبل غيرها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٢/ ١٤٠٨ - وفي "الكبرى" -٢٧/ ١٧١٩ - عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن ابن عُيينة، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عنه. وفي -٥٥/ ٢٥٣٦ - وفي "الكبرى" -٥٧/ ٢٣١٦ - عن عمرو بن علي الفلّاس، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان به.
وأخرجه (د) ١٦٧٥ - (ت) ٥١١ (ق) ١١١٣ (الحميدي) ٧٤١ (الدارمي) ١٥٦٠ (البخاري في جزء القراءة) ١٦٢ (ابن خزيمة) ١٧٩٩ و١٨٣٠ و٢٤٨١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة حَثّ الإِمام الناس على الصدقة في خطبته.
ومنها: مشروعية تحية المسجد لمن جاء، والإمام يخطب.
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من شدة الرأفة، والرحمة للمؤمنين، فلا يرى أحداً من أصحابه ظهر عليه أثر الفاقة، إلا أعطاه ما يزيل فاقته، وإن لم يجد ما يعطيه إيّاه حث أصحابه على أن يتصدّقوا عليه، فكان كما وصفه الله تعالى في كتابه، بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يعتني بأحوال الرعية، وأن يقوم على الفقراء والمحتاجين بسد حاجاتهم، وإزالة فاقاتهم.
ومنها: أنه لا ينبغي للشخص أن يتصدق بما هو محتاج إليه، وإن تصدّق ردّت عليه صدقته، وسيأتي للمصنف في "كتاب الزكاة" -٥٥/ ٢٥٣٦ - "باب إذا تصدّق، وهو محتاج إليه، هل يُردّ عليه"، ويستدل بحديث الباب على ذلك، وسيأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموضع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 9520
٢٧ - (مُخَاطَبَةِ الإِمَامِ رَعِيَّتَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ)
١٤٠٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "صَلَّيْتَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ").
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم الكلام عليه سنداً ومتناً في -٢١/ ١٤٠٠ - "باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء، والإمام يخطب"، فراجعه هناك تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وممن لم يتقدّم هناك من رجال الإسناد:
١ - (قتيبة) بن سعيد، ذكر في الباب الماضي.
٢ - (حماد بن زيد) بن درهم البصري، ثقة ثبت حافظ [٨] تقدم ٣/ ٣.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى إِسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ، يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ مَعَهُ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجَوّاز المكي، ثقة (١٠) تقدّم ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الإِمام الحجة الحافظ [٨] تقدم ١/ ١.
٣ - (أبو موسى إسرائيل بن موسى) البصريّ نزيل الهند، ثقة [٦].
روى عن الحسن البصري، وأبي حازم الأشجعيّ، ومحمد بن سيرين، ووهب بن منبّه. وعنه الثوريّ، وابن عُيينة، وحسين الجعفي، ويحيى القطان.
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يُسافر إلى الهند. وقال الأزديّ وحده: فيه لين.
روى له البخاريّ، ومسلم في "المقدمة"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وبرقم (٤٣٠٩) حديث: "من سكن البادية
стр. 9521
جفا … " الحديث.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن البصري الإِمام الحجة الفقيه الفاضل [٣] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٥ - (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمكيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عُيينة، أنه قال (حدثنا أَبُو مُوسَى إِسْرَائِيل بْنُ مُوسَى) هو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، فيؤمن فيه من التصحيف، وهو بصريّ كان يُسافر إلى الهند، وأقام بها مدّة. قاله في "الفتح".
(قَالَ: سَمعْتُ الْحَسَنُ) يعني البصريّ.
قال البزّار في "مسنده" بعد أن أخرج هذا الحديث عن خَلَف بن خَليفة، عن سفيان ابن عُيينة: لا نعلم أحداً رواه عن إسرائيل غير سفيان.
وتعقّبه مغلطاي بأن البخاريّ أخرجه في "علامات النبوّة" من طريق حسين بن عليّ الْجُعفيّ, عن أبي موسى، وهو إسرائيل هذا.
قال الحافظ: وهو تعقب جيّد، ولكن لم أر فيه القصة، وإنما أخرج فيه الحديث المرفوع فقط انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القصة التي أشار إليها الحافظ قد ساقها البخاري في "صحيحه" عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسرائيل أبو موسى، ولقيته بالكوفة، جاء إلى ابن شُبرُمة (١)، فقال: أدخلني على عيسى (٢)، فأعظه، فكأنّ ابن شُبرُمة خاف عليه، فلم يفعل، قال: حدثنا الحسن، قال: لما سار الحسن بن عليّ ﵄ إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كَتيبة، لا تولي حتى
стр. 9522
تُدبر أخراها، قال معاوية: مَن لذراريّ المسلمين؟ فقال: أنا، فقال عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة نلقاه، فنقول له: الصلح، قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة, قال: بينا النبي ﷺ يخطُبُ جاء الحسن، فقال النبيّ ﷺ : "ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" انتهى.
وقال في "الفتح" عند قوله: "لما سار معاوية الخ": ما نصه:
وأشار الحسن البصريّ بهذه القصّة إلى ما اتفق بعد قتل عليّ ﵁، وكان عليّ لمّا انقضى أمرُ التحكيم، ورجع إلى الكوفة تجهّز لقتال أهل الشام مرّة بعد أخرى، فشغله أمر الخوارج بالنَّهْروان، وذلك في سنة (٣٨) ثم تجهّز في سنة (٣٩)، فلم يتهيأ ذلك لافتراق أهل العراق عليه، ثم وقع الجدّ منه في ذلك في سنة (٤٠)، فأخرج إسحاقُ من طريق عبد العزيز بن سياه -بكسر المهملة، وتخفيف الياء- قال: لما خرج الخوارج قام عليّ: فقال: أتسيرون إلى الشام، أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم؟ قالوا: بل نرجع إليهم، فذكر قصة الخوارج، قال: فرجع علي إلى الكوفة، فلما قُتل، واستُخلف الحسنُ، وصالح معاوية كتب إلى قيس بن سعد بذلك، فرجع عن قتال معاوية.
وأخرج الطبريّ بسند صحيح عن يونس بن يزيد, عن الزهريّ, قال: جعل علي على مقدّمة أهل العراق قيس بن سعد بن عُبَادة، وكانوا أربعين ألفاً بايعوه على الموت، فقُتل عليّ، فبايعوا الحسن بن عليّ بالخلافة، وكان لا يُحبّ القتال، ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه، فعرف أن قيس بن سعد لا يُطاوعه على الصلح، فنزعه، وأمّر عبد الله بن عباس، فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن.
وأخرج الطبريّ، والطبرانيّ من طريق إسماعيل بن راشد، قال: بعث الحسن قيس ابن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفاً -يعني من الأربعين- فسار قيس إلى جهة الشام، وكان معاوية لمّا بلغه قتل عليّ خرج في عساكر من الشام، وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن، فوصل معاوية إلى مسكن.
وقال ابن بطّال: ذكر أهل العلم بالأخبار أن علياً لما قُتل سار معاوية يريد العراق، وسار الحسن يريد الشام، فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه، فنادى يا معاوية إني اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك، فلا ينبغي لي أن أُنازعك فيه، وإن يكن لي، فقد تركته لك، فكبّر أصحاب معاوية، وقال المغيرة عمد ذلك: أشهد أني سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن ابني هذا سيد … " الحديث، وقال في آخره: فجزاك الله عن المسلمين خيراً انتهى.
стр. 9523
وفي صحة هذا نظر من أوجه:
الأول: أن المحفوظ أن معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح.
الثاني: أن الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن أن يتخاطبا، وإنما تراسلَا. فيحمل قوله: "فنادى يا معاوية" على المراسلة، ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك سراً، فراسله معاوية جهراً.
والمحفوظ أن كلام الحسن الأخير إنما وقع بعد الصلح، والاجتماع، كما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ في "الدلائل" من طريقه، ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبيّ، قال: لما صالح الحسن بن عليّ معاوية، قال له معاوية: قم، فتكلّم، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإن أكيس الكيس التقى، وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي أختلفت فيه أنا ومعاوية حَقّ لامرىء كان أحقّ به منّي، أو حق لي تركته لإرادة إصلاح المسلمين، وحَقْن دمائهم، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، ثم استغفر، ونزل.
وأخرج يعقوب بن سفيان، ومن طريقه البيهقيّ في "الدلائل" من طريق الزهري، فذكر القصّة، وفيها: فخطب معاوية، ثمّ قال: قم يا حسن، فكلّم الناس، فتشهد، ثم قال: أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا، وحقَنَ دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدّةً، والدنيا دول، وذكر بقية الحديث.
والثالث: أن الحديث لأبي بكرة، لا للمغيرة، لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيره حدّث به عندما سمع مُراسلة الحسن بالصلح، وحدّث به أبو بكرة بعد ذلك.
وقد روى أصلَ الحديث جابر، أورده الطبراني، والبيهقيّ في "الدلائل" من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر، وأورده أيضاً الضياء في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين".
قال الحافظ: وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدّة حرصه على مثله.
قال ابن بطال: سلّم الحسن لمعاوية الأمر، وبايعه على إقامة كتاب الله، وسنة نبيّه ﷺ ، ودخل معاوية الكوفة، وبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة، لاجتماع الناس، وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كلُّ من كان معتزلاً للقتال، كابن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمد بن مسلمة، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف، وألف ثوب، وثلاثين عبداً، ومائة جمل، وانصرف إلى المدينة، وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شُعبة، والبصرة عبد الله بن عامر، ورجع إلى دمشق انتهى (١).
стр. 9524
(يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) ﵁.
قال البزار رحمه الله تعالى: رُوي هذا الحديث عن أبي بكرة، وعن جابر، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسناداً، وحديث جابر غريبٌ.
وقال الدارقطنيّ: اختُلف على الحسن، فقيل: عنه, عن أم سلمة، وقيل: عن ابن عُيينة، عن أيوب، عن الحسن، وكلّ منهما وَهَم. ورواه داود بن أبي هند، وعوف الأعرابيّ عن الحسن مرسلاً انتهى (١).
(يَقول: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ مَعَهُ) جملة في محل نصب على الحال، من المفعول.
وهو الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنّة.
روى عن جدّه رسول الله ﷺ ، وأبيه علي، وأخيه الحسين، وخاله هند بن أبي هالة. وعنه ابنه الحسن، وعائشة أم المؤمنين، وأبو الْحَوْرَاء، وغيرهم.
قال خليفة، وغيره: وُلد للنصف من رمضان سنة ثلاث، وقال قتادة: وَلَدت فاطمة الحسن لأربع سنين وتسعة أشهر ونصف من الهجرة.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانىء بن هانىء، عن علي ﵁: لمّا ولد الحسنُ جاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أروني ابني، ما سمّيتموه؟ قلت: سميته حرباً، قال: "بل هو حسن … " الحديث.
وبه عن عليّ، قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ من وجهه إلى سرّته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك.
وقال ابن أبي مليكة: أخبرني عقبة بن الحارث، قال خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة النبي ﷺ بليال، وعلي يمشي إلى جنبه، فمرّ بحسن بن عليّ يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته، وهو يقول:
بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِي … لَيْسَ شَبِيهاً بِعَلِي
قال: وعليّ يضحك.
وقال ابن الزبير: أشبه الناس برسول الله ﷺ الحسن بن عليّ، قد رأيته يأتي النبي ﷺ ، وهو ساجد، فيركب ظهره، فما يُنزله حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي، وهو راكع، فيُفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
стр. 9525
وقال معمر، عن الزهريّ، عن أنس: كان الحسن بن عليّ أشبههم وجهاً برسول الله ﷺ . وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جُحيفة: رأيت النبي ﷺ ، وكان الحسن بن عليّ يُشبهه. وقال نافع بن جُبير، عن أبي هريرة رفعه، أنه قال للحسن: "اللَّهمّ إني أحبه، فأحبه، وأحبَّ من يُحبّه".
ومناقبه ﵁ جمة، توفي سنة (٤٩) وقيل: سنة (٥٥) وقيل: غير ذاك. علق عنه البخاري، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث بالتكرار.
(وَهُوَ يُقْبِلُ) بضم حرف المضارعة، من الإقبال (عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) وفي رواية للبخاريّ: "ابني هذا سيد". وهو مشتقّ من السؤدد، وهو الشرف، وقيل: من السواد، لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس، أي الأشخاص الكثيرة.
وقال المهلّب: الحديث دالّ على أن السيادة إنما يستحقّها من ينتفع به الناس، لكونه علّق السيادة بالإصلاح انتهى.
(وَلَعَلَّ الله أَنْ يُصْلِحَ بِه) كذا استعمل "لعلّ" استعمال "عسى"، لاشتراكهما في الرجاء، والأشهر في خبر "لعلّ" التجرّد من "أن"، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
وعند البيهقي من طريق أشعث بن عبد الملك، عن الحسن: "وإني لأرجو أن يُصلح الله به". ووقع بالجزم في حديث جابر، ولفظه عند الطبراني، والبيهقيّ: "إن ابني هذا سيّدٌ، يُصلح الله به بين فئتين من المسلمين" (بَيْنَ فِئَتَيْن) تثنية "فئة" بالكسر، وهي الجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وجمعها فئات، وقد تجمع بالواو والنون، جبراً لما نقص. قاله الفيّوميّ (مَنَ الْمُسْلِمِينَ عَظيِمَتَيْنِ) صفة لـ"فئة" بعد وصفه بالجارّ والمجرور.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٧/ ١٤١٠ - وفي "الكبرى" -٢٦/ ١٧١٨ - وفي "عمل اليوم والليلة" -٢٥٢ - عن محمد بن منصور، عن ابن عُيينة، عن إسرائيل بن موسى، عن الحسن، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" ٢٥١ - عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الحسن به.