جفا … " الحديث.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن البصري الإِمام الحجة الفقيه الفاضل [٣] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٥ - (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمكيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عُيينة، أنه قال (حدثنا أَبُو مُوسَى إِسْرَائِيل بْنُ مُوسَى) هو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، فيؤمن فيه من التصحيف، وهو بصريّ كان يُسافر إلى الهند، وأقام بها مدّة. قاله في "الفتح".
(قَالَ: سَمعْتُ الْحَسَنُ) يعني البصريّ.
قال البزّار في "مسنده" بعد أن أخرج هذا الحديث عن خَلَف بن خَليفة، عن سفيان ابن عُيينة: لا نعلم أحداً رواه عن إسرائيل غير سفيان.
وتعقّبه مغلطاي بأن البخاريّ أخرجه في "علامات النبوّة" من طريق حسين بن عليّ الْجُعفيّ, عن أبي موسى، وهو إسرائيل هذا.
قال الحافظ: وهو تعقب جيّد، ولكن لم أر فيه القصة، وإنما أخرج فيه الحديث المرفوع فقط انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القصة التي أشار إليها الحافظ قد ساقها البخاري في "صحيحه" عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسرائيل أبو موسى، ولقيته بالكوفة، جاء إلى ابن شُبرُمة (١)، فقال: أدخلني على عيسى (٢)، فأعظه، فكأنّ ابن شُبرُمة خاف عليه، فلم يفعل، قال: حدثنا الحسن، قال: لما سار الحسن بن عليّ ﵄ إلى معاوية بالكتائب، قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كَتيبة، لا تولي حتى
стр. 9522
تُدبر أخراها، قال معاوية: مَن لذراريّ المسلمين؟ فقال: أنا، فقال عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة نلقاه، فنقول له: الصلح، قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة, قال: بينا النبي ﷺ يخطُبُ جاء الحسن، فقال النبيّ ﷺ : "ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" انتهى.
وقال في "الفتح" عند قوله: "لما سار معاوية الخ": ما نصه:
وأشار الحسن البصريّ بهذه القصّة إلى ما اتفق بعد قتل عليّ ﵁، وكان عليّ لمّا انقضى أمرُ التحكيم، ورجع إلى الكوفة تجهّز لقتال أهل الشام مرّة بعد أخرى، فشغله أمر الخوارج بالنَّهْروان، وذلك في سنة (٣٨) ثم تجهّز في سنة (٣٩)، فلم يتهيأ ذلك لافتراق أهل العراق عليه، ثم وقع الجدّ منه في ذلك في سنة (٤٠)، فأخرج إسحاقُ من طريق عبد العزيز بن سياه -بكسر المهملة، وتخفيف الياء- قال: لما خرج الخوارج قام عليّ: فقال: أتسيرون إلى الشام، أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم؟ قالوا: بل نرجع إليهم، فذكر قصة الخوارج، قال: فرجع علي إلى الكوفة، فلما قُتل، واستُخلف الحسنُ، وصالح معاوية كتب إلى قيس بن سعد بذلك، فرجع عن قتال معاوية.
وأخرج الطبريّ بسند صحيح عن يونس بن يزيد, عن الزهريّ, قال: جعل علي على مقدّمة أهل العراق قيس بن سعد بن عُبَادة، وكانوا أربعين ألفاً بايعوه على الموت، فقُتل عليّ، فبايعوا الحسن بن عليّ بالخلافة، وكان لا يُحبّ القتال، ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه، فعرف أن قيس بن سعد لا يُطاوعه على الصلح، فنزعه، وأمّر عبد الله بن عباس، فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن.
وأخرج الطبريّ، والطبرانيّ من طريق إسماعيل بن راشد، قال: بعث الحسن قيس ابن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفاً -يعني من الأربعين- فسار قيس إلى جهة الشام، وكان معاوية لمّا بلغه قتل عليّ خرج في عساكر من الشام، وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن، فوصل معاوية إلى مسكن.
وقال ابن بطّال: ذكر أهل العلم بالأخبار أن علياً لما قُتل سار معاوية يريد العراق، وسار الحسن يريد الشام، فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه، فنادى يا معاوية إني اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك، فلا ينبغي لي أن أُنازعك فيه، وإن يكن لي، فقد تركته لك، فكبّر أصحاب معاوية، وقال المغيرة عمد ذلك: أشهد أني سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن ابني هذا سيد … " الحديث، وقال في آخره: فجزاك الله عن المسلمين خيراً انتهى.
стр. 9523
وفي صحة هذا نظر من أوجه:
الأول: أن المحفوظ أن معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح.
الثاني: أن الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن أن يتخاطبا، وإنما تراسلَا. فيحمل قوله: "فنادى يا معاوية" على المراسلة، ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك سراً، فراسله معاوية جهراً.
والمحفوظ أن كلام الحسن الأخير إنما وقع بعد الصلح، والاجتماع، كما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ في "الدلائل" من طريقه، ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبيّ، قال: لما صالح الحسن بن عليّ معاوية، قال له معاوية: قم، فتكلّم، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإن أكيس الكيس التقى، وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي أختلفت فيه أنا ومعاوية حَقّ لامرىء كان أحقّ به منّي، أو حق لي تركته لإرادة إصلاح المسلمين، وحَقْن دمائهم، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، ثم استغفر، ونزل.
وأخرج يعقوب بن سفيان، ومن طريقه البيهقيّ في "الدلائل" من طريق الزهري، فذكر القصّة، وفيها: فخطب معاوية، ثمّ قال: قم يا حسن، فكلّم الناس، فتشهد، ثم قال: أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا، وحقَنَ دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدّةً، والدنيا دول، وذكر بقية الحديث.
والثالث: أن الحديث لأبي بكرة، لا للمغيرة، لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيره حدّث به عندما سمع مُراسلة الحسن بالصلح، وحدّث به أبو بكرة بعد ذلك.
وقد روى أصلَ الحديث جابر، أورده الطبراني، والبيهقيّ في "الدلائل" من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر، وأورده أيضاً الضياء في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين".
قال الحافظ: وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدّة حرصه على مثله.
قال ابن بطال: سلّم الحسن لمعاوية الأمر، وبايعه على إقامة كتاب الله، وسنة نبيّه ﷺ ، ودخل معاوية الكوفة، وبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة، لاجتماع الناس، وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كلُّ من كان معتزلاً للقتال، كابن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، ومحمد بن مسلمة، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف، وألف ثوب، وثلاثين عبداً، ومائة جمل، وانصرف إلى المدينة، وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شُعبة، والبصرة عبد الله بن عامر، ورجع إلى دمشق انتهى (١).
стр. 9524
(يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) ﵁.
قال البزار رحمه الله تعالى: رُوي هذا الحديث عن أبي بكرة، وعن جابر، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسناداً، وحديث جابر غريبٌ.
وقال الدارقطنيّ: اختُلف على الحسن، فقيل: عنه, عن أم سلمة، وقيل: عن ابن عُيينة، عن أيوب، عن الحسن، وكلّ منهما وَهَم. ورواه داود بن أبي هند، وعوف الأعرابيّ عن الحسن مرسلاً انتهى (١).
(يَقول: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ مَعَهُ) جملة في محل نصب على الحال، من المفعول.
وهو الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشميّ، سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنّة.
روى عن جدّه رسول الله ﷺ ، وأبيه علي، وأخيه الحسين، وخاله هند بن أبي هالة. وعنه ابنه الحسن، وعائشة أم المؤمنين، وأبو الْحَوْرَاء، وغيرهم.
قال خليفة، وغيره: وُلد للنصف من رمضان سنة ثلاث، وقال قتادة: وَلَدت فاطمة الحسن لأربع سنين وتسعة أشهر ونصف من الهجرة.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانىء بن هانىء، عن علي ﵁: لمّا ولد الحسنُ جاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أروني ابني، ما سمّيتموه؟ قلت: سميته حرباً، قال: "بل هو حسن … " الحديث.
وبه عن عليّ، قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ من وجهه إلى سرّته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك.
وقال ابن أبي مليكة: أخبرني عقبة بن الحارث، قال خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة النبي ﷺ بليال، وعلي يمشي إلى جنبه، فمرّ بحسن بن عليّ يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته، وهو يقول:
بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِي … لَيْسَ شَبِيهاً بِعَلِي
قال: وعليّ يضحك.
وقال ابن الزبير: أشبه الناس برسول الله ﷺ الحسن بن عليّ، قد رأيته يأتي النبي ﷺ ، وهو ساجد، فيركب ظهره، فما يُنزله حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي، وهو راكع، فيُفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
стр. 9525
وقال معمر، عن الزهريّ، عن أنس: كان الحسن بن عليّ أشبههم وجهاً برسول الله ﷺ . وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جُحيفة: رأيت النبي ﷺ ، وكان الحسن بن عليّ يُشبهه. وقال نافع بن جُبير، عن أبي هريرة رفعه، أنه قال للحسن: "اللَّهمّ إني أحبه، فأحبه، وأحبَّ من يُحبّه".
ومناقبه ﵁ جمة، توفي سنة (٤٩) وقيل: سنة (٥٥) وقيل: غير ذاك. علق عنه البخاري، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث بالتكرار.
(وَهُوَ يُقْبِلُ) بضم حرف المضارعة، من الإقبال (عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) وفي رواية للبخاريّ: "ابني هذا سيد". وهو مشتقّ من السؤدد، وهو الشرف، وقيل: من السواد، لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس، أي الأشخاص الكثيرة.
وقال المهلّب: الحديث دالّ على أن السيادة إنما يستحقّها من ينتفع به الناس، لكونه علّق السيادة بالإصلاح انتهى.
(وَلَعَلَّ الله أَنْ يُصْلِحَ بِه) كذا استعمل "لعلّ" استعمال "عسى"، لاشتراكهما في الرجاء، والأشهر في خبر "لعلّ" التجرّد من "أن"، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
وعند البيهقي من طريق أشعث بن عبد الملك، عن الحسن: "وإني لأرجو أن يُصلح الله به". ووقع بالجزم في حديث جابر، ولفظه عند الطبراني، والبيهقيّ: "إن ابني هذا سيّدٌ، يُصلح الله به بين فئتين من المسلمين" (بَيْنَ فِئَتَيْن) تثنية "فئة" بالكسر، وهي الجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وجمعها فئات، وقد تجمع بالواو والنون، جبراً لما نقص. قاله الفيّوميّ (مَنَ الْمُسْلِمِينَ عَظيِمَتَيْنِ) صفة لـ"فئة" بعد وصفه بالجارّ والمجرور.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٧/ ١٤١٠ - وفي "الكبرى" -٢٦/ ١٧١٨ - وفي "عمل اليوم والليلة" -٢٥٢ - عن محمد بن منصور، عن ابن عُيينة، عن إسرائيل بن موسى، عن الحسن، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" ٢٥١ - عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الحسن به.
стр. 9526
وفي "فضائل الصحابة" -٦٣ - عن عُبيد الله بن سعيد، عن سفيان به.
وفيه ٢٥٤ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال للحسن بن عليّ نحوه (مرسل).
وفي -٢٥٥ - عن أحمد بن سليمان. عن أبي داود الْحَفَريّ، عن سفيان، عن داود، عن الحسن به، وفي -٢٥٦ - عن محمد بن العلاء، عن ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره (مرسل).
وأخرجه (خ) ٣/ ٢٤٣ و٤/ ٢٤٩ و٥/ ٣٢ و٩/ ٧١ (د) ٤٦٦٢ (ت) ٣٧٧٣ (الحميدي) ٧٩٣ (أحمد) ٥/ ٣٧ و٥/ ٤٤ و٥/ ٤٩ و٥/ ٥١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده (١):
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز مخاطبة الإِمام الناس، وهو يخطب.
ومنها: أنه علم من أعلام النبوّة، ومنقبة عظيمة للحسن بن علي ﵄، حيث ترك الملك، لا لقلّة، ولا لذلّة، بل لرغبته فيما عند الله تعالى، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين، ومصلحة الأمّة على حظّ نفسه.
ومنها: أن فيه الردّ على الخوارج الذين يكفّرون عليا، ومن معه، ومعاوية ومن معه بشهادة النبي ﷺ للطائفتين بأنهم من المسلمين.
ومن ثَمّ كان سفيان بن عُيينة يقول عقب هذا الحديث: قوله: "من المسلمين" يُعجبنا جدًّا. أخرجه يعقوب بن سُفيان في "تاريخه" عن الحُميديّ، وسعيد بن منصور عنه.
ومنها: أن فيه فضيلةَ الإصلاح بين الناس، ولاسيما في حقن دماء المسلمين.
ومنها: أن فيه دلالة على رأفة معاوية بالرعيّة، وشفقته على المسلمين، وقوّة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب، حيث طلب الصلح.
ومنها: أن فيه جواز ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل, لأن الحسن ومعاوية ولي كلّ منهما الخلافة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد ابن زيد في الحياة، وهما بدريّان. قاله ابن التين.
ومنها: أن فيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك مصلحة للمسلمين، والنزول عن الوظائف الدينيّة والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك، وإعطاؤه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل، وأن يكون المبذول من مال
стр. 9527
الباذل، فإن كان في ولاية عامّة، وكان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامّة، أشار إلى ذلك ابن بطّال، قال: يشترط أن يكون لكلّ من الباذل والمبذول له سبب في الولاية يستند إليه، وعقد من الأمور يعوّل عليه.
ومنها: إطلاق الابن علي ابن البنت، وقد انعقد الإجماع على أن امرأة الجدّ والد الأم محرمة على ابن بنته، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جدّه، وان اختلفوا في الميراث.
ومنها: أنه استدلّ به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع علي، ومعاوية ﵄ وإن كان عليّ أحقّ بالخلافة، وأقرب إلى الحقّ، وهو قول سعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسائر من اعتزل تلك الحروب.
وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع عليّ، لامتثال قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل عليّاً بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يُذمّ واحد من هؤلاء، بل يقولون: اجتهدوا، فأخطأوا.
وذهبت طائفة قليلة من أهل السنة -وهو قول كثير من المعتزلة- إلى أن كلّا من الطائفتين مصيب، وطائفة إلى أن المصيب طائفة لا بعينها. ذكره في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٨ - (بَابُ (٢) الْقِرَاءَةِ في الْخُطْبَةِ)
١٤١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- عَنْ (٣) يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنَةِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: حَفِظْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ).
стр. 9528
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٢ - (هارون بن إسماعيل) الخزّاز -بمعجمات- أبو الحسن البصريّ، ثقة، من صغار [٩] تقدم ٥/ ٤٦٥.
٣ - (علي بن المبارك) الْهُنَائيّ -بضم الهاء، وتخفيف النون ممدوداً- البصريّ، ثقة، وحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧].
روى عن عبد العزيز بن صُهَيب، وأيوب، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وعنه وكيع، والقطان، وابن المبارك، وهارون الْخَزّاز، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة، كانت عنده كُتُبٌ عن يحيى بن أبي كثير, بعضها سمعها، وبعضها عَرْضٌ. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: قال بعض البصريين: عَوَضَ عليُّ بن المبارك على يحيى بن أبي كثير عرضاً، وهو ثقة، وليس أحد في يحيى مثلَ هشام الدستوائيّ، والأوزاعيّ، وهو بعدهما. وقال يعقوب بن شيبة: عليّ، والأوزاعيّ، ثقتان، والأوزاعيّ أثبتهما، ورواية الأوزاعيّ عن الزهريّ خاصّةً فيها شيء، ورواية عليّ عن يحيى بن أبي كثير فيها وَهَاء. وقال ابن المدينيّ: قال يحيى -يعني القطان-: كان عنده كتاب واحد سمعه من يحيى، والآخر تركه عنده، قيل له: فرواية يحيى بن سعيد عنه؟ قال: لم يسمع منه يحيى إلا ما سمعه من يحيى. وقال يعقوب بن شيبة: وسمعت علي بن عبد الله يقول: علي بن المبارك أحبّ إليّ من أبان. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وقال أيضاً: كان عنده كتابان: كتاب سماع، وكتاب إرسال، قلت لعباس العنبريّ: كيف يُعرف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه، عن عكرمة من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ضابطاً متقناً. وقال ابن عمّار، عن يحيى بن سعيد: أمّا ما رويناه نحن عنه فمما سمع، وأمّا ما روى الكوفيّون عنه فمن الذي لم يسمعه. وقال ابن عديّ: ولعلي أحاديث، وهو ثبت في يحيى، متقدّم فيه، وهو عندي لا بأس به. ووثقه ابن المدينيّ، وابنُ نُمير، والعجليّ. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً.
٤ - (يحيى) بن أبي كثير اليمامي البصري، ثقة ثبت مدلس [٥] تقدم ٢٣/ ٢٤.
٥ - (محمد بن عبد الرحمن) بن سَعْد بن زُرَارة الأنصاريّ، ثقة [٦] تقدم ٤٠/ ٩٤٦.
٦ - (ابنة حارثة بن النعمان) هي أم هشام الأنصارية، صحابية مشهورة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن، تقدمت ٤٣/ ٩٤٩.
стр. 9529
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابنة الحارث بن النعمان رضي الله تعالى عنها قد تقدم للمصنف في باب "القراءة في الصبح" ٤٣/ ٩٤٩ من رواية عمرة بنت عبد الرحمن، عن أختها أم هشام بنت حارثة بن النعمان، وهي ابنة حارثة المذكورة هنا، ولفظه: "قالت: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من وراء رسول الله ﷺ ، كان يصلي بها في الصبح"، وقدمنا هناك أن ذكر الصبح منكر، والمحقوظ ما هنا، وهو أن النبي ﷺ كان يقرأ بها في كل جمعة.
وفيه استحباب قراءة الخطيب بهذه السورة.
قال النووي ﵀: فيه القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عند الشافعية وجوبها، وأقلها آية.
وقال أيضاً: قال العلماء: سبب اختيار ﴿ق﴾ أنها مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة.
وفيه استحباب قراءة ﴿ق﴾، أو بعضها في كل خطبة انتهى (١).
والحديث أخرجه مسلم، وتمام البحت فيه قد تقدم في ٤٣/ ٩٤٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٩ - (بَابُ الإِشَارَةِ في الْخُطْبَةِ)
١٤١٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، أَنَّ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ رَفَعَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَسَبَّهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيُّ، وَقَالَ: مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمود بن غيلان) المروزي، ثقة [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الإِمام الحجة الكوفي [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥.
٣ - (سفيان) سعيد الثوري الإِمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
стр. 9530
٤ - (حُصين) بن عبد الرحمن، أبو الهذيل الكوفي، ثقة تغير حفظه في آخره [٥] تقدم ٤٧/ ٨٤٦.
٥ - (عُمَارة بن رُويبة الثقفي) أبو زُهير، صحابي نزل الكوفة رضي الله تعالى عنه، تقدم ١٣/ ٤٧١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا السند:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حُصَيْنٍ) بن عبد الرحمن (أَنَّ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ) بن الحكم بن العاص بن أُمية بن عبد مناف القرشي، تولى الكوفة سنة إحدى وسبعين بعد قتل مصعب بن الزبير، وأضيف إليه البصرة سنة ثلاث وسبعين بعد أن عُزل عنها خالد بن عبد الله، فرحل إليها، واستخلف على الكوفة عمرو بن حُريث.
(رَفَعَ يَدَيْهِ) وفي نسخة "يده" (يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ) أي في حال الدعاء، ففي رواية أحمد جـ ٤ ص ١٣٦ - عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: كنت إلى جنب عُمارة بن رُويبة، وبشر يخطبنا، فلما دعا رفع يديه، فقال عُمارة -يعني قبح الله هاتين اليدين، أو هاتين اليُدَيّتين رأيت رسول الله ﷺ ، وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبّابة وحدها".
(فَسَبَّهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيُّ) وفي رواية مسلم: "فقال: قَبَّحَ الله هاتين اليدين .... " وفي رواية أحمد: "لعن الله هاتين اليُديّتين".
وإنما دعا عليه لمخالفته ما ثبت عن النبي ﷺ ، فالجملة خبرية لفظاً، إنشائية معنًى، وفيها إطلاق اسم الجزء على الكلّ، ويحتمل أن تكون خبرية لفظاً ومعنى، فيكون إخباراً عن قبح صنيعه (وَقَالَ) أي عُمارة (مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ بإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ) أي كما يرفعها في التشهد. وفي رواية أبي داود: "لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر، ما يزيد على هذه -يعني السبابة التي تلي الإبهام-. وفي رواية أحمد: "رأيت رسول الله ﷺ على المنبر يدعو، وهو يُشير بأصبع". وفيه دليل على عدم مشروعية رفع اليدين على المنبر حال الدعاء في الخطبة.
وفي معنى حديث عمارة بن رويبة حديث سهل بن سعد ﵁، قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ شاهراً يديه قط يدعو على منبر، ولا غيره، ما كان يدعو إلا يضع يده حذو منكبيه، ويشير بإصبعه إشارةٌ". أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال فيه: "لكن رأيته
стр. 9531
يقول هكذا، وأشار بالسبّابة، وعقد الوسطى بالإبهام". وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق القرشى، ويقال له: عَبّاد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن معاوية، وفيهما مقال.
وعن غُضيف بن الحارث، قال: بعث إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة خير من إحداث بدعة". وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف، وبقية، وهو مدلس، وقد عنعنه.
قال النووي رحمه الله تعالى: فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك، وأصحابنا، وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف، وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عُمَارة بن رويبة الثقفيّ رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩/ ١٤١٢ - وفي "الكبرى" -٢٤/ ١٧١٥ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن حُصين بن عبد الرحمن، عنه. وفي "الكبرى" -٢٤/ ١٧١٤ - عن قُتيبة، عن أبي عوانة، عن حُصين به.
وأخرجه (م) ١٣/ ٣ (د) ١١٠٤ (ت) ٥١٥ (أحمد) ٤/ ١٣٥ و٤/ ١٣٦ و٤/ ٢٦١ (الدارمي) ١٥٦٨ و١٥٦٩ (ابن خزيمة) ١٧٩٣ و١٧٩٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز الإشارة بالسبّابة في الدعاء حال الخطبة.
ومنها: عدم مشروعية رفع اليدين في الدعاء حال الخطبة، وأن ما يفعله كثير من الخطباء من رفع أيديهم عند الخطبة بدعة، وإنما الثابت الإشارة بالإصبع.
стр. 9532
ومنها: مشروعية الدعاء في الخطبة.
ومنها: إنكار المنكر، ولو كان فاعله ذا وجاهة، فإن من واجب المسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (بَابُ نُزُولِ الإِمَامِ عَنِ المِنْبَر قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ، وَقَطْعِهِ كلَامَهُ، وَرُجُوعِهِ إِلَيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "نزول الإِمام إلخ" أي لحاجة تنزل به. وقوله: "وقطعه" بالجرّ عطف على "نزول"، ومثله "ورجوعه".
والمراد بقطع كلامه قطع خطبته.
وقوله "يوم الجمعة" منصوب على الظرفية تنازعاه كل من "نزول"، و"قطعه"، و"رجوعه"، أو متعلق بمحذوف خبر لمبتدإ مقدّر، أي ذلك كائن يوم الجمعة. والله تعالى أعلم يالصواب.
١٤١٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄، وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ، يَعْثُرَانِ فِيهِمَا، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَطَعَ كَلَامَهُ، فَحَمَلَهُمَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: "صَدَقَ اللَّهُ، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلَامِي، فَحَمَلْتُهُمَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد العزيز) بن أبي رِزْمَة/ غَزوَان، أبو عمرو المروزيّ، ثقة [١٠] تقدم ٤٧/ ٦٠٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السِّيناني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، من كبار [٩] تقدّم ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (حسين بن واقد) أبو عبد الله القاضي المروزيّ، ثقة، له أوهام [٧] تقدم ٥/ ٤٦٣.
стр. 9533
٤ - (عبد الله بن بُريدة) بن الْحُصيب، أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة [٣] تقدّم ٢٥/ ٣٩٣.
٥ - (بُريدة) بن الْحُصيب، أبو سهل الأسلميّ، صحابي أسلم قبل بدر، تقدّم ١٠١/ ١٣٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمراوزة، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، أنه (قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ) ابنا علي بن أبي طالب (﵄) وعن والديهما (وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ) جملة في محل نصب على الحال.
(يَعْثُرَانِ فِيهِمَا) مضارع عَثَرَ، يقال: عَثَرَ يعثُرُ، من باب ضرب، ونصر، وعلم، وكرم. عَثْراً، وعَثيراً، وعِثَاراً، وتَعَثَّرَ: كَبَا (١)، أي سقط.
وفي الرواية الآتية -٢٧/ ١٥٨٥ - من طريق أبي تُمَيلة يحيى بن واضح عن حسين بن واقد: "يمشيان، ويعثران"، وفي رواية أبي داود: "يعثران، ويقومان"، أي يسقطان تارةً، ويقومان أخرى.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: تَعَثُّرُهما في المشي يحتمل أن يكون سببه الإسراع، ويحتمل أن يكون سببه ضعف البدن لصغرهما، وعدم استحكام قوّتهما، ويحتمل أن يكون سببه طول الثياب، وهو بعيد، غير لائق بأهل ذلك الزمان، ولا يدلّ على ذلك قوله في رواية النسائي: "عليهما قميصان أحمران، يعثران فيهما"، ولا قوله عند النسائي أيضاً: "رأيت هذين يعثران في قميصيهما", لأن هذا اللفظ يصدُقُ، وإن لم يكن سبب العثار طول الثياب انتهى (٢).
(فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي عن منبره (فَقَطَعَ كلَامَهُ) أي خطبته.
وهذا محلّ الترجمة، ففيه جواز قطع الخطيب خطبته لأمر ينزل به.
وقد أخرج أحمد، ومسلم، وابن خزيمة عن حُميد بن هلال، عن أبي رفاعة العَدَوي -واسمه تميم بن أسد-، قال: انتهيت إلى النبي ﷺ ، وهو يخطب، قال: فقلت: يا
стр. 9534
رسول الله رجل غريبٌ، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، قال: فأقبل عليّ رسول الله ﷺ ، وترك خطبته، حتى انتهى إليّ، فأُتي بكرسيّ، حسبت قوائمه حديداً، قال فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يُعلّمني مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتمّ آخرها".
ففيه قطع النبي ﷺ خطبته لتعليم هذا الرجل، وهو قطع طويل، فالحق أن القطع للحاجة جائز، ولا يلزمه بذلك استئنافه، بل يستمر من حيث وصل إليه، والله تعالى أعلم.
(فَحَمَلَهُمَا) أي لما وضع الله تعالى فيه من الرأفة وشدة الرحمة.
(ثُمَّ عَاد) أي رجع (إِلَى الِمنْبَر، ثُمِّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ) ولفظ أحمد، وابن خزيمة: "صدق الله ورسوله" (﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾) أي شاغلة لكم عن أمور الآخرة. ومحلّ "إنما أموالكم الخ" نصب بالقول المقدر، أي صدق الله حيث قال: إنما أموالكم الخ.
وإنما كانت فتنة لأنها اختبار من الله تعالى لعباده، ليظهر من يشغله ذلك عن الطاعة، فتكون نقمة عليه، ومن لا تشغله، فتكون نعمة عليه، فمن رجع إلى الله تعالى، ولم يشتغل بماله وولده، وجاهد نفسه، فقد فاز، ومن اشتغل بهما فقد هلك.
ولكن النبي ﷺ معصوم من الاشتغال بغير الله تعالى، فيكون المراد بالفتنة هنا مجرّد ميل لا يشغله عن الله تعالى.
(رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ في قَمِيصَيْهِمَا، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلَامِي، فَحَمَلْتُهُمَا) زاد ابن خزيمة من طريق زيد بن الحُبَاب، عن حسين بن واقد: "ثم أخذ في خطبته". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث بريدة بن الْحُصيب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٠/ ١٤١٣ - وفي "الكبرى" -٣٤/ ١٧٣١ - عن محمد بن عبد العزيز، عن الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. وفي -٢٧/ ١٥٨٥ - و"الكبرى" -٢٥/ ١٧٩٠ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبي تُميلة يحيى ابن واضح، عن حسين بن واقد به.
وأخرجه (د) -١١٥٩ (ت) ٣٧٧٤ (ق) ٣٦٠٠ - (أحمد) ٥/ ٣٥٤ (ابن خزيمة)
стр. 9535
١٤٥٦ و١٨٠١ و١٨٠٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز نزول الإِمام عن منبره، وقطع خطبته لأمر ينزل به، ثم رجوعه إليه، وإتمام خطبته.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: قد يَستدلّ بهذه القصَّة من لا يوجب الموالاة في الخطبة، لكنه زمن يسير، لا يقطع الموالاة عند من يشترطها، فليست هذه الصورة في موضع النزاع، وللشافعي في المسألة قولان: أصحهما عند أصحابه اشتراطها، وبه قالت الحنابلة، وكذلك الخلاف في اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة، والمرجع فيما يقطع الموالاة من كلام، أو فعل إلى العرف، وحيث انقطعت الموالاة استأنف الأركان، وقد يقال: لم تكن هذه الخطبة خطبة الجمعة، لكن النسائيّ بوّب عليه: "نزول الإِمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة يوم الجمعة"، وقال الحاكم هو أصل في قطع الخطبة، والنزول من المنبر عند الحاجة انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال بجواز قطع الخطبة للحاجة هو الذي يترجّح عندي, لأنه تؤيده الأدلة المذكورة، ومن قال بعدم الجواز فليس له حجة في ذلك. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن فيه منقبة عظيمة للحسن والحسين ﵄، وقد أورده الترمذي في مناقبهما, ولولا شدّة محبته ﷺ لما فعل معهما مثل ذلك، وفي رواية الحاكم: "رأيت ولدَيَّ هذين".
ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من كمال الشفقة، وشدة الرأفة، كما وصفه الله تعالى بذلك في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: وفيه بيان رحمته ﷺ للعيال، وشفقته عليهم، ورفقه بهم، والظاهر أن مبادرته ﷺ إلى أخذهما لإعيائهما بالمشي، وحصول المشقّة لهما بالعثار، فرفع تلك المشقّة عنهما بحملهما انتهى.
ومنها: جواز لبس الثوب الأحمر، وفيه خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه في موضعه من "كتاب الزينة"، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الأموال والأولاد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده، فمن آثرهما على الطاعة،
стр. 9536
فقد خسر، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: فإن قلت: ظاهر الحديث أن قطع الخطبة، والنزول لأخذهما -يعني الحسن والحسين- فتنة دَعَى إليها محبة الأولاد، وكان الأرجح تركه، والاستمرار في الخطبة، وهذا لا يليق بحال النبي ﷺ ، فإنه لا يقطعه عن العبادة أمر دنيويّ، ولا يفعل إلا ما هو الأرجح والأكمل.
قلت: قد بيّن النبي ﷺ جواز مثل ذلك بفعله، فكان راجحاً في حقه، لتضمنه بيان الشريعة التي أرسل بها، وإن كان مرجوحاً في حقّ غيره، لخلوّه عن البيان، وكونه ناشئاً عن إيثار مصلحة الأولاد على القيام بحقّ العبادة، ونبّه ﷺ بما ذكره في ذلك على حال غيره في ذلك لا على حال نفسه، فإنه ﷺ لا يفعل ذلك إلا لمصلحة راجحة على مصلحة الخطبة، وبتقدير أن يكون لمصلحة مرجوحة، فذلك الفعل في حقه راجح على الترك، لكونه بيّن به جواز تقديم المصلحة المرجوحة على الأمر الراجح الذي هو فيه. والله أعلم انتهى.
ومنها: أن فيه استحبابَ الخطبة على المنبر، قال العلماء ﵏: فإن لم يكن منبر، فعلى موضع مرتفع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
********
٣١ - (بَابُ مَا يسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِير الْخُطْبَةِ)
١٤١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ غَزْوَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ، فَيَقْضِىَ لَهُ الْحَاجَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا في الباب الماضي، إلا:
١ - (يحيى بن عُقَيل) -بالتَّصغير- البصريّ، نزيل مرو، صدوق [٣].
стр. 9537
روى عن عمران بن حُصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، ويحيى بن يعمر، وغيرهم.
وعنه سليمان التيميّ، وعَزْرة بن ثابت، وحسين بن واقد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات".
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد، الصحابي الشهير، آخر من مات من الصحابة بالكوفة، مات سنة (٨٧) تقدم ٣/ ٤٠٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمراوزة، غير الصحابي، فكوفي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن عُقيل رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ) أي ذكر الله (وَيُقِلُّ اللَّغْوَ) بضم حرف المضارعة، من الإقلال، وفي بعض النسخ: "ويقصر اللغو".
قال المجد اللغويّ ﵀: "اللغو"، و"اللَّغَا"، كالفتى: السَّقَط، وما لا يُعتدّ به من الكلام وغيره، كـ"اللَّغْوَى" كسكرى انتهى (١).
وقال الفيّومي ﵀: لغَا الشيءُ يلغُو لَغْواً، من باب قال: بطل، ولغا الرجل: تكلّم باللغو، وهو أَخْلاطُ الكلام، ولغا به: تكلم به، وألغيته: أبطلته، وألغيته من العدد. أسقطته، واللَّغَى مقصور: مثل اللغو، واللاغية: الكلمة ذات لغو.
قال: ومن الفرق اللطيف قول الخليل: اللغَطُ كلام لشيء ليس من شأنك، والكذب كلام لشيء تَغُرُّ به، والْمُحالُ كلام لغير شيء، والمستقيم كلام لشيء منتظم، واللغو كلام لشيء لم ترده انتهى باختصار (٢).
وقال السيوطي ﵀: القلّة هنا بمعنى العدم، كقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ انتهى (٣).
стр. 9538
وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "ويُقلّ اللغو" أي الكلامَ القليلَ الْجَدْوَى، أي غالب كلامه جامع ليطالبَ جَمَّة، وأما الكلام القاصر عن ذلك، فكان قليلاً، وقيل: القلّة بمعنى العدم، فاللغو ما لا فائدة فيه انتهى (١).
(وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة. من الإطالة (وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ) بفتح حرف المضارعة، ويحتمل ضمها، من الإقصار، أو التقصير.
قال الفيومي ﵀: قَصَرتُ الصلَاةَ، ومنها، قَصْراً، من باب قتل، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وقُصِرَتِ الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي الحديث: "أقُصِرَتِ الصلاةُ"، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أَقْصَرْتُها، وقَصّرتُها انتهى.
والمعنى أن صلاته ﷺ كانت طويلة، وخطبته بالعكس، خلافَ ما عليه كثير من الناس، فإنهم يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة.
ولكن كان كلّ من الصلاة والخطبة متوسطًا، كما يدل عليه حديث جابر بن سمرة رضي الله الآتي في -٣٥/ ١٤١٨ - : "وكانت خطبته قصداً، وصلاته قصداً".
قال النووي رحمه الله تعالى: ليس هذا مخالفاً للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولقوله في الرواية الأخرى: "وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصداً"، لأن المراد بالحديث الأول أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشقّ على المأمومين، وهي حينئذ قصدٌ، أي معتدلةٌ، والخطبة قصدٌ بالنسبة إلى وضعها انتهى (٢).
(وَلَا يَأْنْفُ) مضارع أَنف من الشيء أَنَفاً، من باب تعب، والاسم الأَنَفَة، مثل قَصَبَة: أي استكف، وهو الاستكبار، وأنِفَ منه: تنزّه عنه، قال أبو زيد: أنفتُ من قوله أشدَّ الأَنَف: إذا كرهت ما قال. قاله الفيّومي.
والمعنى أن من أخلاقه ﷺ الكريمة، وشمائله العظيمة أنه لا يتكبّر، ولا يكره (أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأرْمَلَةِ) أي المرأة الفقيرة التي لا زوج لها.
قال المجد رحمه الله تعالى: رجلٌ أرملُ، وامرأة أرمَلَةٌ: محتاجة، أو مسكينة، والجمع أرامل، وأراملةٌ، والأرمَلُ الْعَزَبُ، وهي بهاء، ولا يقال للعَزَبَة الموسرة أرملة انتهى.
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ورجلٌ أرمَلٌ، وامرأةٌ أرملةٌ: محتاجة، وهم
стр. 9539
الأرملة، والأراملُ، والأراملةُ، كسّروه تكسير الأسماء لقلّته، وكل جماعة من رجال ونساء، أو رجال دون نساء، أو نساء دون رجال أرملةٌ، بعد أن يكونوا محتاجين، ويقال للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل، أو امرأة: أرملةٌ، ولا يقال للمرأة الموسرة أرملةٌ، والأرامل المساكينُ.
ويقال: جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، ويقال للرجال المحتاجين الضعفاء: أرملة، وإن لم يكن فيهم نساء.
وحكى ابن بَرِّيّ عن ابن قُتيبة، قال: إذا قال الرجل: هذا المال لأرامل بني فلان، فهو للرجال والنساء, لأن الأرامل يقع على الذكور والنساء.
قال: وقال ابن الأنباريّ: يُدفع للنساء دون الرجال, لأن الغالب على الأرامل أنهنّ النساء، وإن كانوا يقولون: رجل أرمل، كما أن الغالب على الرجال أنهم الذكور دون الإناث، وإن كانوا يقولون: رَجُلَةٌ. وفي شعر أبي طالب يمدح النبيّ ﷺ :
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ
قال: الأرامل: المساكين من نساء ورجال، قال: ويقال: لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرامل، وهو بالنساء أخصّ، وأكثر استعمالاً.
والأرمل الذي ماتت زوجته، والأرملة التي مات زوجها، وسواء كانا غنيين، أو فقيرين انتهى ببعض تصرف (١).
(وَالْمِسْكِين، فَيَقْضِيَ) بالنصب عطفاً على "يمشي" (لَهُ الْحَاجَةَ) الضمير للمسكين، وحذف نظيره لـ"أرملة"، ويحتمل أن يعود الضمير إلى "الأرملة"، و"المسكين" باعتبار المذكور. ورمز في هامش "الكبرى" إلى أنه وقع في بعض النسخ: "لهم حاجتهم"، وهو واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٣١/ ١٤١٤ - وفي "الكبرى" -٢٥/ ١٧١٦ - بالسند المذكور، وهو من أفراده رحمه الله تعالى.
стр. 9540
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب تقصير الخطبة، هذا هو الذي صرح به المصنف رحمه الله تعالى.
لكن جاء ما يدلّ على وجوبه، حيث ورد بصيغة الأمر، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي وائل، قال: خطبنا عمّار، فأوجز، وأبلغ، فلما نزل، قلنا: يا أبا القظان، لقد أبلغت، وأوجزت، فلو كنت تنفّستَ (١)، فقال: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مَئِنّةٌ (٢) من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصُرُوا الخطبة، وإن من البيان لسحراً".
وأخرجه أبو داود، والبيهقي بسند حسن في المتابعات مختصراً بلفظ: "أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطبة". ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: "خطبنا عمار، فتجوّز في الخطبة، فقال رجل: قد قلتَ قولاً شفاءً، لو أنك أطلت، فقال: إن رسول الله ﷺ نهى أن نُطيل الخطبة".
فالظاهر وجوب تطويل الصلاة، وتقصير الخطبة، والله تعالى أعلم.
ومنها: استحباب الإكثار من ذكر الله تعالى، والتقليل من الكلام الذي لا فائدة فيه.
ومنها: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع، وعدم التكبر على أحد من الخلق، فكان لين الجانب، يمشي مع الأرملة، والفقير لقضاء حاجتهما، ولقد صدق الله تعالى حيث قال سبحانه في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وصدق رسول الله ﷺ ، حيث قال: "بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في حكم الخطبة:
ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد إلى أن الخطبتين من شروط صحة الجمعة. وذهب أبو حنيفة إلى أنها شرط، ولكن تجزىء خطبة واحدة، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة. وبه قال داود، وعبد الملك من أصحاب مالك. قال القاضي عياض: وروي عن مالك. أفاده النووي في "المجموع" ٤/ ٣٨٣٠.
стр. 9541
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بصحة الجمعة بلا خطبة هو الحقّ عندي؛ لعدم دليل يَدُلُّ على الاشتراط. ولقد حققّ هذا الموضوع ابن حزم ﵀، فقال في الردّ على من اشترط ذلك: ما نصه: فأما أبو حنيفة ومالك فقالا: الخطبة فرض لا تجزىء صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجا بفعل رسول الله ﷺ ، ثم تناقضاً، فقالا: إن خطب جالساً أجزأه، وإن خطب واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم يجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله ﷺ فرضاً وبعضه غير فرض. وقال الشافعي: إن خطب خطبة واحد لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعداً، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحد ولا فرق. قال: فإن ادعوا إجماعاً أكْذَبَهُمْ ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصري: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كل حال. وقد قاله أيضاً ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلها ﷺ قط إلا بخطبة، قلنا: ولا صلاها قط إلا بخطبتين قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضاً لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن القول الراجح هو عدم اشتراط الخطبة لصحة الجمعة، لعدم دليل يَدُلُّ على ذلك، فالذين قالوا بالاشتراط ما جاءوا بدليل إلا مجرد فعله ﷺ ، وهو بمجرده لا يكفي، وأيضاً قد تناقضوا في ذلك، فإن فعله مشتمل على أمور من القيام والجلوس بين الخطبتين، وغير ذلك، وهم لا يقولون باشتراطها.
والحاصل أن الحقّ صحة الجمعة بلا خطبة، ولكن السنة أن لا تُصَلَّى إلا بها؛ اقتداء بفعل النبي ﷺ والله تعالى اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 9542
٣٢ - (بَابٌ كَمْ يَخْطُبُ؟)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "باب" يحتمل أن يكون منوّناً، ويحتمل أن يكون مضافاً إلى جملة "كم يخطب"، و"كم" استفهاميّة، في محل نصب مفعول مقدّم لـ"يخطب"، وحذف تمييزها، أي كم خُطبةً يخطب. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤١٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُهُ يَخْطُبُ، إِلاَّ قَائِمًا، وَيَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الآخِرَةَ).
رجال هذا الإسناد أربعة:
١ - (علي بن حُجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطىء كثيراً، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع [٨] تقدم ٢٥/ ٢٩.
[تنبيه]: هكذا وقع في النسخة الهندية "شريك"، وهو الذي في "الكبرى"، و"تحفة الأشراف" جـ ٢ ص ١٥٦ ووقع في النسخ المطبوعة "إسرائيل" بدل شريك، وهو تصحيف بلا شكّ, لأن علي بن حُجر ولد سنة (١٥٤) على ما ذكر الباشاني، ومات إسرائيل سنة (١٦٠) أو بعدها، فيبعد جدًّا أن يكون علي بن حجر ممن يروي عنه, لأنه يكون وقت موت إسرائيل ابن ست سنين، أو سبع، وهو مروزي المولد، وإسرائيل كوفي. والله تعالى أعلم.
٣ - (سماك) بن حَرْب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٤] تقدم ٢/ ٣٢٥.
٤ - (جابر بن سمرة) بن جُنادة الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدّم ٢٨/ ٨١٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو الرابع والثمانون من رباعيات الكتاب، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) أي عشت
стр. 9543
معه (فَمَا رَأَيْتُهُ يَخْطُبُ، إِلَّا قَائِماً) فيه أنه ﷺ كان يخطب دائماً بالقيام، واستدلّ به الشافعي، ومالك، ومن وافقهما على وجوب القيام في الخطبة، لكن الراجح عدم الوجوب؛ لعدم ما يدل عليه، وقد تقدم البحث فيه في ١٨/ ١٣٩٧ مستوفًى (وَيَجْلسُ) أي على المنبر بعد الخطبة الأولى (ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُب) وفي نسخة: "ويخطب" بالواو (الْخطْبَةَ الآخِرَةَ) أي الثانية، وهذا محلّ الترجمة، ففيه بيان عدد خطبة الجمعة.
وفي الرواية الآتية في الباب التالي من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب: "رأيت رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يقعد قعدةً، لا يتكلّم، ثم يقوم، فيخطب خطبة أخرى، فمن حدّثكم أن رسول الله ﷺ كان يخطب قاعداً فقد كذب".
وفي رواية سفيان الثوريّ، عن سماك: "كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات، ويذكر الله ، وكانت خطبته قصداً، وصلاته قصداً".
والقصد الوسط، أي خطبته ﷺ متوسطة بن القصر والطول، وكذلك صلاته، ولا يلزم مساواتهما، إذ توسط كلّ يُعتبر في بابه، كما تقدّم.
وفي رواية مسلم: "كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائماً، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالساً، فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة".
قال النووي رحمه الله تعالى: المراد الصلوات الخمس، لا الجمعة انتهى. ولابدّ من هذا التأويل, لأن الْجُمَع التي صلاها النبي ﷺ من عند افتراضها إلى موته لا تبلغ ذلك المقدار، ولا نصفه (١).
وفي رواية أبي داود من طريق شيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي، عن سماك: "كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٢/ ١٤١٥ - وفي "الكبرى" -٣٣/ ١٧٣٠ - عن علي بن حجر، عن شريك بن عبد الله، عن سماك بن حرب، عنه. وفي ٣٤/ ١٤١٧ - عن محمد بن
стр. 9544
عبد الله بن بَزيع، عن يزيد بن زُريع، عن إسرائيل، عن سماك به. وفي ٣٥/ ١٤١٨ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن سماك به. وفي ٢٦/ ١٥٧٨٤ - عن محمر بن بشار، عن ابن مهدي به. وفي ١٨/ ١٥٧٤ - عن إسماعيل ابن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن سماك به. وفي ٢٤/ ١٥٧٨٢ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك به. وفي ٢٥/ ١٥٧٨٣ - عن قتيبة, عن أبي عوانة، عن سماك به.
وأخرجه (م) ٣/ ٩ و٣/ ١١ (د) ١١٠١ و١٠٩٥ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١١٠٧ (ت) ٥٠٧ (ق) ١١٠٥ و١١٠٦ (أحمد) ٥/ ٨٦ و٨٧ و٨٨ و٩٠ و٩٢ و٩٣ و٩٨ و١٠٠ و١٠٢ و١٠٦ و١٠٧ (الدارمي) ١٥٦٥ و١٥٦٧ (عبد الله بن أحمد في زوائد المسند) ٥/ ٩٧ و١٠٠ (ابن خزيمة) ١٤٤٧ و١٤٤٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده (١):
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدد الخطبة، فالحديث صريح في مشروعية الخطبتين للجمعة، وسيأتي بيان حكمهما في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: مشروعية القيام حال الخطبة، وأنه لا يجلس فيها، قال ابن المنذر ﵀: هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار اهـ. واختلف في وجوبه، مذهب الجمهور إلى وجوبه، ونقل عن أبي حنفية ﵀ أن القيام سنة، وليس بواجب، وقال به ابن حزم، وهو الرجح، وقد تقدم البحث فيه في ١٨/ ١٣٩٧.
ومنها: مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلا يَصل بينهما في قيام واحد.
ومنها: مشروعية تخفيف الخطبتين، وقد تقدم البحث عنه في الباب الماضي.
ومنها: استحباب عدم التكلّم في حال الجلوس بين الخطبتين.
ومنها: قراءة آيات من القرآن في الخطبة، وتذكير الناس، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعي إلى وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الراجح؛ لعدم دليل للوجوب، سوى مجرّد الفعل، وهو لا يكفي في ذلك، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم فيما يجزىء من الخطبة:
стр. 9545
قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيما يجزىء من الخطبة للجمعة، فقالت طائفة: يجزىء ما يقع عليه اسم خطبة، روينا ذلك عن الشعبي، أنه كان يخطب يوم الجمعة ما قلّ، أو كثر، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبي ﷺ على منبر قطّ (١).
وممن رأى أن خطبةً واحدةَ تجزىء مالكٌ، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو ثور: يجزىء ما يكون كلاماً مجتمعاً، يقع عليه اسم خطبة.
وفي هذا المسألة قولان آخران:
أحدهما قول الشافعيّ، وهو أن الإِمام إن خطب خطبة واحدة، وصلى الجمعة عاد، فخطب ثانيةً، فإن لم يفعل حتى يذهب الوقت أعاد الظهر أربعاً. وقال: فإن جعلها خطبتين، ولم يفصل بينهما بجلوس أعاد خطبته، فإن لم يفعل صلى أربعًا، وأقلّ ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد الله، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ شيئاً القرآن في الأولى، ويحمد الله، ويصلي على النبي ﷺ ، ويوصي بتقوى الله، ويدعو في الآخرة.
والقول الآخر قول النعمان، وهو أن الإِمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه.
قال ابن المنذر: فأما ما قال النعمان، فلا معنى له، ولا أعلم أحداً سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يُقال لمن قال: سبحان الله، قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به.
وأما الذي قاله الشافعي، فلست أجد دلالةً توجب ما قال.
وقد عارض الشافعيَّ غيرُه (٢) من أصحابنا، فقال: يقال لمن قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضاً؟ أبطلت الجمعة بتركها، وقد أتى بالجمعة، والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة, لأن الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر ﵁، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا, ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها, لأنها غير هذا، فإن اعتلّ بجلوس النبي ﷺ بين الخطبتين، فالفعل عنده، وعند غيره لا يوجب فرضاً, ولو ثبت أنه فرض لم يدلّ على إبطال
стр. 9546
الجمعة.
ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى، والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتلّ بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي ﷺ ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي ﷺ ، وذكر كلاماً تركت ذكره هاهنا كراهية التطويل انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إن أقل الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة، ومعلوم أنه لا يقع عليه ذلك إلا إذا اشتمل على الذكر، والموعظة، وذلك هو المقصود من الخطبة، كما يظهر ذلك ممن تتبّع خُطَب النبي ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (بَابُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ)
١٤١٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) أبو مسعود البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضّل) البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢.
٣ - (عبيد الله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥.
٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢.
وشرح الحديث يعلم مما سبق في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9547
مسألتان:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٣/ ١٤١٦ - وفي "الكبرى" -٢٩/ ١٧٢٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن عبيد الله، عن نافع، عنه. وفي "الكبرى" -٢٩/ ١٧٢١ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله به.
وأخرجه (خ) ٢/ ١٢ و٢/ ١٤ (م) ٣/ ٩ (ت) ٥٠٦ (ق) ١١٠٣ (أحمد) ٢/ ٣٥ و٢/ ٩١ و٢/ ٩٨ (الدارمي) ١٥٦٦ (ابن خزيمة) ١٤٤٦ و١٧٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٤ - (بَابُ السُّكُوتِ فِي القَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ)
١٤١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ قِعْدَةً، لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ خُطْبَةً أُخْرَى، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَدْ كَذَبَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم البحث فيه مستوفًى قبل باب، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وممن لم يتقدم هناك من رجاله:
١ - (محمد بن عبد الله بن بَزيع) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٣/ ٥٨٨.
٢ - (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥.
٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي الكوفي، ثقة [٧] تقدم ٧٥/ ١٠٠٦.
стр. 9548
وقوله: "قعدة" بفتح القاف: المرة من القعود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (بَابُ القِرَاءَةِ في الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالذِّكْرِ فِيهَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا أن يبين أن الخطبة الثانية مثل الأولى في مشروعية القراءة، والذكر فيها, لا أنه أراد أن القراءة والذكر في الخطبة الثانية فقط دون الأولى، بدليل أنه تقدم له في "بابٌ كيف الخطبة؟ " أن أورد خطبة الحاجة، وهي شاملة للخطبتين، وفيها القراءة والذكر، وكأنه أراد التنبيه لئلا يُظنّ أن الخطبة الثانية للدعاء فقط. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ قَصْدًا، وَصَلَاتُهُ قَصْدًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قبل بابين.
ودلالته على ما ترجم له واضحة، فإنه يدلّ على استحباب قراءة آيات من القرآن، وذكر الله في الخطبة الثانية. والله تعالى أعلم.
وممن لم يتقدم من رجاله هناك:
١ - (عمرو بن علي) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصري الإِمام المثبت الحجة [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الكوفي الإِمام المثبت الحجة [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
стр. 9549
٣٦ - (الْكَلَامِ وَالْقِيَامِ بَعْدَ النُّزُولِ عَنِ الْمِنْبَرِ)
١٤١٩ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَيَعْرِضُ لَهُ الرَّجُلُ، فَيُكَلِّمُهُ فَيَقُومُ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى مُصَلاَّهُ، فَيُصَلِّي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن علي بن ميمون) الرَّقّيّ، أبو العباس العطّار، ثقة [١١] تقدم ١٤/ ٤١٨.
٢ - (الفريابيّ (٢)) محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبّيّ مولاهم، نزيل قَيْسَارية، من ساحل الشام، ثقة فاضل [٩] تقدم ١٤/ ٤١٨.
٣ - (جرير بن حازم) الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، له أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] تقدم ١٧٢/ ١١٤١.
٤ - (ثابت البنانيّ) ابن أسلم البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنسٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ )، وفي نسخة: "كان النبي"، وفي رواية أبي داود: "رأيت رسول الله ﷺ (يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَيَعْرِضُ لَهُ الرَّجُلُ) بفتح الياء، من باب ضرب: أي يظهر له (فَيُكَلِّمُهُ) فيه دلالة على جواز الكلام بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الشروع في الصلاة (٣)، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء شي ذلك في المسألة السادسة -٢٢/ ١٤٠١ - "باب الإنصاف للخطبة يوم الجمعة" (فَيَقُومُ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ) فيه ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، فكان لا يقطع على أحد كلامه حتى يكون هو الذي يقطعه (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى
стр. 9550
مُصَلَّاهُ) بضم الميم بصيغة اسم المفعول: أي محل صلاته، وفي نسخة: "إلى المصلّى" (فَيُصَلِّي) أي صلاة الجمعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف، لشذوذه، والمحفوظ أن هذا في صلاة العشاء، لا الجمعة، كما تقدم في ١٣/ ٧٩١ - "باب الإِمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة".
قال أبو داود في "سننه" بعد أن أخرج الحديث: والحديث ليس بمعروف عن ثابت، وهو مما تفرّد به جرير بن حازم انتهى.
وقال الترمذي في "جامعه" بعد أن أخرج الحديث: قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمداً -يعني البخاريّ- يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما رُوي عن ثابت، عن أنس، قال: "أقيمت الصلاة، فأخذ رجل بيد النبي ﷺ ، فما زال يُكلمه حتى نعس بعض القوم".
قال محمد: "والحديث هو هذا".
وجرير بن حازم ربّما يَهم في الشيء، وهو صدوق انتهى. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٦/ ١٤١٩ - وفي "الكبرى" -٣٥/ ١٧٣٢ - بالسند المذكور.
وأخرجه (د) ١١٢٠ (ت) ٥١٧ (ق) ١١١٧ (أحمد) ٣/ ١١٩ و٣/ ١٢٧ و٣/ ٢١٣ (عبد بن حميد) ١٢٦٠ (ابن خزيمة) ١٨٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٧ - (عَدَدُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
١٤٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ
стр. 9551
الأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ، غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (علي بن حُجْر) المروزي تقدم قبل أربعة أبواب.
٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي تقدم قبل أربعة أبواب أيضاً.
٣ - (زُبيد) -بموحّدة مصغّراً- ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، ويقال: الإياميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت عابد [٦].
روى عن مرّة بن شراحيل، وسعد بن عُبيدة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. وعنه أبناه عبد الله، وعبد الرحمن، وشريك، وغيرهم.
قال القطّان: ثبت. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال ليث، عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة، فيهم زُبيد. وقال ابن شُبرُمة: كان يصلي الليل كله. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة خيار، إلا أنه كان يميل إلى التشيّع. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث. وقال: العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، وكان علوياً. وحكى ابن أبي خيثمة، عن شعبة, قال: ما رأيت بالكوفة شيخاً خيراً من زُبيد. وقال سعيد بن جُبير: لو خُيّرتُ عبداً ألقى الله بمسلاخه اخترت زبيداً اليامي. وقال البخاري في "تاريخه": قال عمرو بن مُرّة: كان زُبيدٌ صدوقاً. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من الْعُبّاد الْخُشُن مع الفقه في الدبن، ولزوم الورع الشديد.
قال أبو نعيم: مات سنة (١٢٢)، وقال ابن نمير: مات سنة (٢٤)، وأرخه الإِمام أحمد، وابن قانع سنة (٢٣). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثاً.
٤ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدني، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (عمر) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العُزّى بن رياح العدوي أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْر) أي صلاة عيد الفطر (رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الأَضْحَى) أي صلاة عيد الأضحى (رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَان)
стр. 9552
أي ما عدا المغرب، أو الصلاة المختلفة حضراً وسفراً في السفر ركعتان، أو الصلاة الرباعية في الحضر تكون في السفر ركعتين، قاله السندي رحمه الله تعالى.
(تَمَامٌ غير قصر) خبر لمبتدإ محذوف، أي هما تمام، و"غير" بالرفع صفة لتمام، ويحتمل النصب على الحال.
يعني أنهما تامان في الثواب، وإن نقصا في عدد الركعات من صلاة الحضر. أو المراد أنهما المشروع في السفر، كما صح في حديث عائشة ﵂: "فُرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فأقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وتقدم للمصنف -٣/ ٤٥٥، وإن أطلق عليها القصر في كتاب الله تعالى.
وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: "تمام غير قصر": أي لا ينبغي الزيادة فيها، فصارت كالتمام، فلا يرد أن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ظاهر في القصر، فكيف يصح القول بأنها تمام غير قصر؟ انتهى (١).
وقال القاري رحمه الله تعالى عند قوله: "سَنَّ رسولُ الله ﷺ صلاةَ السفر ركعتين، وهما تمام غير قصر … " الحديث، رواه أحمد، وابن ماجه: أي تمام المفروض، غير قصر، أي غير نقصان عن أصل الفرض، فإطلاق القصر في الآية مجاز، أو إضافيّ انتهى (٢).
(عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) وفي نسخة "على لسان النبي ﷺ ".
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي رحمه الله تعالى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ) غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان الانقطاع الواقع في هذا السند, لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر رضي الله تعالى عنه.
وهذا الذي قاله ثبت عن غيره أيضاً، فقد روى الدُّوريّ عن ابن معين أنه قال: لم ير عمر، قال: فقلت له: فالحديث الذي يُروى كنّا مع عمر نتراءى الهلال؟ قال: ليس بشيء. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصحّ لابن أبي ليلى سماع من عمر؟ قال: لا. قال أبو حاتم: رُويَ عن عبد الرحمن أنه رأى عمر، وبعض أهل العلم يدخل بينه وبين عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عُجرة. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: رأى عمر، ولا أدري يصحّ، أم لا؟.
وقال أبو خيثمة في "مسنده": حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان الثوريّ، عن زُبيد، وهو الياميّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سمعت عمر يقول: "صلاة الأضحى
стр. 9553
ركعتان، والفطر ركعتان"، الحديث، قال أبو خيثمة: تفرّد به يزيد بن هارون هكذا، ولم يقل أحد: سمعت عمر غيره، ورواه يحيى بن سعيد، وغير واحد عن سفيان، عن زُبيد، عن عبد الرحمن، عن الثقة، عن عمر. ورواه شريك، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن عمر، ولم يقل: سمعت.
وقال ابن أبي خيثمهَ في "تاريخه": وقد روي سماعه من عمر من طرق، وليست بصحيحة.
وقال الخليليّ في "الإرشاد": الحُفّاظ لا يثبتون سماعه من عمر.
وقال ابن المدينيّ: كان شعبة يُنكر أن يكون سمع من عُمر، قال ابن المديني: ولم يسمع من معاذ بن جبل، وكذا قال الترمذيّ في "العلل الكبير"، وابن خُزيمة. وقال يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع من عليّ. وقال ابن معين: لم يسمع من المقداد. وقال العَسْكريّ: روى عن أُسيد بن حُضير مرسلاً. وقال الذهليّ، والترمذيّ في "جامعه": لم يسمع من عبد الله بن زيد بن عبد ربه. ذكر هذه الأقوال في "تت" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن الحفاظ لا يثبتون سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه انقطاع، كما بيّنه المصنف رحمه الله تعالى هنا؟.
قلت: له سند آخر عند المصنف في "الكبرى"، فقد رواه عن محمد بن رافع، عن محمد بن بشر، قال: أنبأنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد (٢)، عن زُبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، عن عمر رضي الله تعالى عنهما، فذكره.
وأخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ١٤٢٠ - وفي "الكبرى" -٣٦/ ١٧٣٣ - عن علي بن حُجْر، عن شريك بن عبد الله، عن زُبيد بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي -
стр. 9554
١/ ١٤٤٠ - و"الكبرى" -١/ ١٨٩٨ - عن حُميد ابن مَسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن زبيد به. وفي ١١/ ١٥٦٦ - و"الكبرى" ١١/ ١٧٧١ - عن عمران بن موسى، عن يزيد بن زُريع، عن سفيان بن سعيد، عن زبيد به. وفي "الكبرى" عن إبراهيم بن محمد، عن يحيى، عن سفيان به.
وأخرجه (ق) ١٠٦٣ و١٠٦٤ (أحمد) ١/ ٣٧ (عبد بن حُميد) ٢٩ (ابن خزيمة) ١٤٢٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان أن صلاة الجمعة ركعتان.
وفيه الردّ على من قال: إن أصل صلاة الجمعة أربع ركعات، وبهذا ترجم ابن حبان في "صحيحه"، فقال: "ذكر الخبر الْمُدْحِض قولَ من زعم أن صلاة الجمعة في الأصل أربع لا ركعتان" انتهى (١).
ومنها: أن صلاة العيدين، والسفر ركعتان.
ومنها: أن هذه الصلوات تامّة ليست مقصورة من صلوات أخرى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٨ - (الْقِرَاءَةُ في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ)
١٤٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُخَوَّلٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ وَفِى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥.
стр. 9555
٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (مخوّل) بوزن محمّد، وقيل: بوزن منبر ابن راشد، أبو راشد بن أبى مجالد النَّهْديّ مولاهم الكوفي الْحَنَّاط، ثقهَ نُسب إلى التشيع [٦] تقدم ٢٠/ ٤٢٦.
٥ - (مسلم البطين) ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٦] تقدم ٢٦/ ٩١٥.
٦ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدّم ٢٨/ ٤٣٦.
٧ - (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما تقدم ٢٧/ ٣١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في باب "القراءة في الصبح يوم الجمعة" -٤٧/ ٩٥٦ - فراجعه هناك تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٩ - (الْقِرَاءَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾
١٤٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ (١) بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا في السند الماضي، سوى:
١ - (معبد بن خالد) بن مُرير -براء، مصغراً- ويقال: مُرَيّ ابن حارثة بن ناصرة بن عمرو بن سعيد بن عليّ بن رُهم بن رَبَاح بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس عَيْلان ابن مُضَر بن نزار الجَدَليّ القيسيّ (٢) أبو القاسم الكوفي القاصّ، ثقة عابد [٣].
стр. 9556
روى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الْخُزَاعي، وزيد بن عقبهَ الفَزَاريّ، وغيرهم. وعنه الأعمش، وشعبة، والثوريّ، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: قالوا: كان ثقة، إن شاء الله، قليل الحديث. وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ. ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعيّ ثقة. وقال أبو حاتم. صدوق. وذكره يعقوب بن سفيان مع جماعة، وقال: كلّ هؤلاء كوفيون ثقات. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان عابداً صابرًا على التهجّد، يصلي الغداة والعشاء بوضوء واحد. وقال ابن معين: هو من أقدم شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لمّا قدم الكوفة بعد قتل مُصعب بن الزبير جلس يَعرض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد الْجَدَليّ، وكان قصيراً دَميماً، فذكر قصة له مع عبد الملك دالّة على معرفته وفهمه.
قال محمد بن سعد، وأحمد بن حنبل، عن طلق بن غنّام: مات في ولاية خالد على العراق، زاد ابن سعد: سنة (١١٨). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط.
٢ - (زيد بن عُقبة) الفَزَاري الكوفي، ثقة [٣].
روى عن سمرة بن جندب. وعنه ابنه سعيد، وعبد الملك بن عُمير، ومعبد بن خالد.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط.
٣ - (سمرة) بن جُندب بن هلال الفَزَاري حليف الأنصار، صحابي مشهور ﵁، تقدم ٢٥/ ٣٩٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة رضي الله تعالى عنه هذا شرحه واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا -٣٩/ ١٤٢٢ - وفي "الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عُقبة، عنه. وعن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، كلاهما عن معبد به (١).
وأخرجه (د) ١١٢٥ (أحمد) ٥/ ١٣ و٥/ ١٤ (ابن خزيمة) ١٨٤٧. والله تعالى أعلم.
стр. 9557
والحديث يدلّ على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، ولا تعارض بينه وبين حديث الباب السابق، لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فكان النبي ﷺ يقول في بعض الأوقات بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وفي بعضها بسورة الجمعة، وسورة المنافقين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب بيان اختلاف الرواة على النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما في الحديث الذي رواه في قراءة النبي ﷺ في صلاة الجمعة.
وذلك أنه في رواية عبيد الله بن عبد الله عنه لما سأله الضحّاك ذكر أنه ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الركعة الثانية سورة الغاشية.
وفي رواية حبيب بن سالم عنه ذكر أنه كان يقول في الركعة الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، فاختلف الراويان عنه في تعيين السور.
لكن هذا الاختلاف لا يؤثّر في صحة الحديث، ولذا أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" بالوجهين.
وذلك لأنه يُحمل على أنه ﷺ كان يقول بهذا وبهذا في أوقات مختلفة، كما تقدّم بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المثبت المدني [٧] تقدم ٧/ ٧.
стр. 9558
٣ - (ضمرة بن سعيد) بن أبي حَنَّة الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤] تقدم ٣٥/ ٥٦٦.
٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عُتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة ثبت فقيه (٣) تقدم ٤٥/ ٥٦.
٥ - (النعمان بن بشير) بن سَعْد بن ثعلبة صحابي، ووالداه صحابيان ﵃، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، تقدم ١٩/ ٥٢٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (أَنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبو أُنيس الأمير المشهور، صحابي صغير، قُتل رضي الله تعالى عنه في وَقْعة مَرْج راهط، سنة (٦٦) (سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) ﵄، وفي رواية مسلم: "كتب الضحّاك بن قيس إلى النعمان بن بشير، يسأله أيّ شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة … " (مَاذَا) "ما" اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و"ذا" اسم موصول بمعنى "الذي" خبرها، وجملة "كان يقرأ" صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير ما الذى كان يقرؤه؟،، ويحتمل أن تكون "ماذا" اسما مركباً للاستفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة "كان" خبرها، أي أيُّ شيء كان يقرؤه؟، أو اسم الاستفهام في محل نصب مفعول مقدم لـ"يقرأ"، والتقدير أيَّ شيء كان يقرأ؟.
[فائدة]: "ذا" إذا وقعت بعد "ما"، أو "من" الاستفهاميتين، يجوز أن تكون اسماً موصولًا، نحو "ماذا فعلتَ"، أو "من ذا جاءك"، ويجوز أن تكون مركبة مع "ما"، أو "من" كلمة واحدة للاستفهام، نحو "ماذا عندك؟ "، أو "من ذا عندك؟ "، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في "خلاصته"، حيث قال:
وَمِثْلُ "مَا" "ذَا" بَعْدَ "مَا" اسْتِفْهَامِ … أَوْ "مَنْ" إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
(كان رسول الله ﷺ يقرأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) المراد القراءة في صلاة الجمعة، لا في مطلق يوم الجمعة (عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ) بكسر، فسكون، أو بفتحتين، أي عقب قراءة سورة الجمعة، يعني في الركعة الثانية، وفيه إشارة إلى أن قراءتها في صلاة الجمعة كانت
стр. 9559
مشهورة عندهم، فلذلك سأل عن السورة الأخرى (قَالَ) أي النعمان ﵁ (كانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فيه استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، كما تقدم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٠/ ١٤٢٣ - وفي "الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٧ - عن قتيبة، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد، عن عُبيد الله بن عبد الله، عنه. وفي ١٤٢٤ - و"الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عنه به. وفي -١٣/ ١٥٦٨ - و"الكبرى" -١٢/ ٣٧/ ١٧٣٨ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد به. وفي -٣١/ ١٥٩٠ - و"الكبرى" -١٢/ ١٧٧٥ - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن إبراهيم به.
وأخرجه (م) ٣/ ١٦ و٣/ ١٥ و٣/ ١٦ (د) ١١٢٢ و١١٢٣ (ت) ٥٣٣ (ق) ١١١٩ و١٢٨١ (مالك في الموطإ) ص ٨٩ (الحميدي) ٩٢١ و٩٢٠ (أحمد) ٤/ ٢٧٠ و٤/ ٢٧١ و٤/ ٢٧٣ و٤/ ٢٧٦ و٤/ ٢٧٧ (الدارمي) ١٥٧٤ و١٦١٥ و١٥٧٦ (ابن خزيمة) ١٨٤٥ و١٤٦٣ و١٤٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ، بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فَيَقْرَأُ بِهِمَا فِيهِمَا جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إبراهيم بن محمد بن المنتشر) الهمدانيّ الكوفي، ثقة [٥] تقدم ١٢/ ٤١٧.
٢ - (محمد بن المنتشر) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة [٤] تقدم ١٢/ ٤١٧.
٣ - (حبيب بن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، وكاتبه، لا بأس به [٣] ١٩/ ٥٢٨.
стр. 9560
والباقون تقدموا قريباً، فالثلاثة الأولون تقدموا في الباب الماضي، والصحابي في السند الماضي.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الباب الماضي.
[تنبيه]: قوله: "وربما اجتمع العيد الخ … " سيأتي البحث عنه مستوفى في "كتاب صلاة العيدين" برقم (٣١/ ١٥٩٠) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤١ - (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون "من" شرطية، جوابها محذوف، تقديره: "فقد أدركها"، ويحتمل أن تكون موصولة على حذف مضاف، أي باب حكم الشخص الذي أدرك ركعة من صلاة الجمعة.
ثم إن حديث الباب لا يصح بلفظ: "من أدرك من صلاة الجمعة … "، وإنما يصحّ بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة … "، كما يأتي تحقيقه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى، لكن حكم الترجمة واضح منه, لأن الجمعة من جملة الصلاة، فمن أدرك منها ركعة مع الإِمام، فقد أدرك حكمها، فليُضف إليها ركعة.
وهذا هو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.