← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

روى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الْخُزَاعي، وزيد بن عقبهَ الفَزَاريّ، وغيرهم. وعنه الأعمش، وشعبة، والثوريّ، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: قالوا: كان ثقة، إن شاء الله، قليل الحديث. وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ. ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعيّ ثقة. وقال أبو حاتم. صدوق. وذكره يعقوب بن سفيان مع جماعة، وقال: كلّ هؤلاء كوفيون ثقات. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان عابداً صابرًا على التهجّد، يصلي الغداة والعشاء بوضوء واحد. وقال ابن معين: هو من أقدم شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لمّا قدم الكوفة بعد قتل مُصعب بن الزبير جلس يَعرض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد الْجَدَليّ، وكان قصيراً دَميماً، فذكر قصة له مع عبد الملك دالّة على معرفته وفهمه. قال محمد بن سعد، وأحمد بن حنبل، عن طلق بن غنّام: مات في ولاية خالد على العراق، زاد ابن سعد: سنة (١١٨). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط. ٢ - (زيد بن عُقبة) الفَزَاري الكوفي، ثقة [٣]. روى عن سمرة بن جندب. وعنه ابنه سعيد، وعبد الملك بن عُمير، ومعبد بن خالد. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط. ٣ - (سمرة) بن جُندب بن هلال الفَزَاري حليف الأنصار، صحابي مشهور ﵁، تقدم ٢٥/ ٣٩٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة رضي الله تعالى عنه هذا شرحه واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا -٣٩/ ١٤٢٢ - وفي "الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عُقبة، عنه. وعن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، كلاهما عن معبد به (١). وأخرجه (د) ١١٢٥ (أحمد) ٥/ ١٣ و٥/ ١٤ (ابن خزيمة) ١٨٤٧. والله تعالى أعلم.

стр. 9557

والحديث يدلّ على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، ولا تعارض بينه وبين حديث الباب السابق، لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فكان النبي ﷺ يقول في بعض الأوقات بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وفي بعضها بسورة الجمعة، وسورة المنافقين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٠ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب بيان اختلاف الرواة على النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما في الحديث الذي رواه في قراءة النبي ﷺ في صلاة الجمعة. وذلك أنه في رواية عبيد الله بن عبد الله عنه لما سأله الضحّاك ذكر أنه ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الركعة الثانية سورة الغاشية. وفي رواية حبيب بن سالم عنه ذكر أنه كان يقول في الركعة الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، فاختلف الراويان عنه في تعيين السور. لكن هذا الاختلاف لا يؤثّر في صحة الحديث، ولذا أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" بالوجهين. وذلك لأنه يُحمل على أنه ﷺ كان يقول بهذا وبهذا في أوقات مختلفة، كما تقدّم بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المثبت المدني [٧] تقدم ٧/ ٧.

стр. 9558

٣ - (ضمرة بن سعيد) بن أبي حَنَّة الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤] تقدم ٣٥/ ٥٦٦. ٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عُتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة ثبت فقيه (٣) تقدم ٤٥/ ٥٦. ٥ - (النعمان بن بشير) بن سَعْد بن ثعلبة صحابي، ووالداه صحابيان ﵃، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، تقدم ١٩/ ٥٢٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (أَنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبو أُنيس الأمير المشهور، صحابي صغير، قُتل رضي الله تعالى عنه في وَقْعة مَرْج راهط، سنة (٦٦) (سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) ﵄، وفي رواية مسلم: "كتب الضحّاك بن قيس إلى النعمان بن بشير، يسأله أيّ شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة … " (مَاذَا) "ما" اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و"ذا" اسم موصول بمعنى "الذي" خبرها، وجملة "كان يقرأ" صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير ما الذى كان يقرؤه؟،، ويحتمل أن تكون "ماذا" اسما مركباً للاستفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة "كان" خبرها، أي أيُّ شيء كان يقرؤه؟، أو اسم الاستفهام في محل نصب مفعول مقدم لـ"يقرأ"، والتقدير أيَّ شيء كان يقرأ؟. [فائدة]: "ذا" إذا وقعت بعد "ما"، أو "من" الاستفهاميتين، يجوز أن تكون اسماً موصولًا، نحو "ماذا فعلتَ"، أو "من ذا جاءك"، ويجوز أن تكون مركبة مع "ما"، أو "من" كلمة واحدة للاستفهام، نحو "ماذا عندك؟ "، أو "من ذا عندك؟ "، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في "خلاصته"، حيث قال: وَمِثْلُ "مَا" "ذَا" بَعْدَ "مَا" اسْتِفْهَامِ … أَوْ "مَنْ" إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ (كان رسول الله ﷺ يقرأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) المراد القراءة في صلاة الجمعة، لا في مطلق يوم الجمعة (عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ) بكسر، فسكون، أو بفتحتين، أي عقب قراءة سورة الجمعة، يعني في الركعة الثانية، وفيه إشارة إلى أن قراءتها في صلاة الجمعة كانت

стр. 9559

مشهورة عندهم، فلذلك سأل عن السورة الأخرى (قَالَ) أي النعمان ﵁ (كانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فيه استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، كما تقدم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٠/ ١٤٢٣ - وفي "الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٧ - عن قتيبة، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد، عن عُبيد الله بن عبد الله، عنه. وفي ١٤٢٤ - و"الكبرى" -٣٧/ ١٧٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عنه به. وفي -١٣/ ١٥٦٨ - و"الكبرى" -١٢/ ٣٧/ ١٧٣٨ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد به. وفي -٣١/ ١٥٩٠ - و"الكبرى" -١٢/ ١٧٧٥ - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن إبراهيم به. وأخرجه (م) ٣/ ١٦ و٣/ ١٥ و٣/ ١٦ (د) ١١٢٢ و١١٢٣ (ت) ٥٣٣ (ق) ١١١٩ و١٢٨١ (مالك في الموطإ) ص ٨٩ (الحميدي) ٩٢١ و٩٢٠ (أحمد) ٤/ ٢٧٠ و٤/ ٢٧١ و٤/ ٢٧٣ و٤/ ٢٧٦ و٤/ ٢٧٧ (الدارمي) ١٥٧٤ و١٦١٥ و١٥٧٦ (ابن خزيمة) ١٨٤٥ و١٤٦٣ و١٤٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ، بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فَيَقْرَأُ بِهِمَا فِيهِمَا جَمِيعًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إبراهيم بن محمد بن المنتشر) الهمدانيّ الكوفي، ثقة [٥] تقدم ١٢/ ٤١٧. ٢ - (محمد بن المنتشر) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة [٤] تقدم ١٢/ ٤١٧. ٣ - (حبيب بن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، وكاتبه، لا بأس به [٣] ١٩/ ٥٢٨.

стр. 9560

والباقون تقدموا قريباً، فالثلاثة الأولون تقدموا في الباب الماضي، والصحابي في السند الماضي. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الباب الماضي. [تنبيه]: قوله: "وربما اجتمع العيد الخ … " سيأتي البحث عنه مستوفى في "كتاب صلاة العيدين" برقم (٣١/ ١٥٩٠) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤١ - (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون "من" شرطية، جوابها محذوف، تقديره: "فقد أدركها"، ويحتمل أن تكون موصولة على حذف مضاف، أي باب حكم الشخص الذي أدرك ركعة من صلاة الجمعة. ثم إن حديث الباب لا يصح بلفظ: "من أدرك من صلاة الجمعة … "، وإنما يصحّ بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة … "، كما يأتي تحقيقه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى، لكن حكم الترجمة واضح منه, لأن الجمعة من جملة الصلاة، فمن أدرك منها ركعة مع الإِمام، فقد أدرك حكمها، فليُضف إليها ركعة. وهذا هو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.

стр. 9561

٢ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٣ - (سفيان) بن عُيينة الإِمام الحجة [٨] تقدم ١/ ١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة المشهور [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١ ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن منصور، فمن أفراده. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهري، وقتيبة بغلاني، والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: مَنْ) شرطية في محلّ رفع مبتدأ (أَدْركَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ركْعَةً، فَقَدْ أَدْركَ") ليس المراد على ظاهره بالإجماع، لأنه لا يكون بإدراك الركعة الواحدة مدركاً لجميع الصلاة بحيث يسلم مع الإِمام، فلابد من التقدير، أي أدرك حكم الجمعة، فيضم إليها ركعة أخرى، وقد تقدّم تحقيق هذا في ٣٠/ ٥٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب, وهو المستعان, وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، وقد تقدم البحث فيه مستوفًى في -٣٠/ ٥٥٣ - ٣٠/ ٥٥٨. وقد أشار الإِمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري بلفظ: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فقد أدرك الصلاة": ما نصه: قال أبو بكر: هذا خبر روي على المعنى، لم يُؤدَّ على لفظ الخبر، ولفظ الخبر: "من أدرك من الصلاة ركعة"، فالجمعة من الصلاة أيضاً، كما قاله الزهري، فإذا روي الخبر على المعنى، لا على اللفظ جاز أن يقال: من أدرك ركعة، إذ الجمعة من

стр. 9562

الصلاة، فإذا قال النبي ﷺ : "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة" كانت الصلوات كلها داخلة في هذا الخبر، الجمعة وغيرها من الصلوات. وقد رَوَى هذا الخبرَ أيضاً بمثل هذا اللفظ أسامةُ بن زيد الليثيُّ عن ابن شهاب. ثناه أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقيّ، ثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب،، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى". قال أسامة: وسمعت من أهل المجلس القاسمَ بن محمد، وسالماً يقولان: بلغنا ذلك انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث بذكر الجمعة لا يصحّ مرفوعًا، وإنما هو من الرواية بالمعنى، إذ الجمعة من جملة الصلاة. ومن أقوى دليل على ذلك أنه صحّ عن الزهري قولُهُ بعد رواية الحديث بلفظ "من أدرك ركعة من الصلاة … ": والجمعة من الصلاة، فاستنباطه كونَ الجمعة من الصلاة دليل واضح على عدم صحة الحديث عنه مرفوعاً بلفظ "من أدرك من صلاة الجمعة … ". والحاصل أن الحديث صحيح متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ من طريق الزهري بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٤١/ ١٤٢٥ - وفي "الكبرى" (٢) -٢٨/ ١٧٤١ - عن قتيبة، ومحمد بن منصور، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة عنه. وفي "الكبرى" -٢٨/ ١٧٤٢ - عن عبد الله بن عبد الصمد، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله -وعن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن عبيد الله، عن الزهريّ به بلفظ: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها" (٣). وأما بيان من أخرج الحديث معه من الأئمة، فقد تقدم بالرقم المذكور, وبالله تعالى التوفيق.

стр. 9563

المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء فيما تدرك به صلاة الجمعة: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيمن أدرك من الجمعة ركعة مع الإِمام: فقالت طائفة: من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً، رُوي هذا القولُ عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول. وقالت طائفة: إذا أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإن أدركهم جلوساً صلى أربعاً، كذلك قال عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وسعيد ابن المسيب، والحسن، والشعبي، وعلقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، والنخعيّ، والزهري. وبه قال مالك فيمن تبعه من أهل المدينة، قال: وعلى هذا أدركت أهل العلم ببلدنا، وكذلك قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الأوزاعيّ: إذا أدرك التشهد صلى أربعاً. وقالت طائفة. من أدرك التشهد يوم الجمعة مع الإِمام صلى ركعتين، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وبه قال الحكم، وحماد، وري ذلك عن الضحّاك، وبه قال النعمان. قال ابن المنذر ﵀: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". ثم أخرج بسنده عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة". قال الزهريّ: والجمعة من الصلاة. قال ابن المنذر: وقد روينا عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فيصلّ إليها أخرى". وقد تُكُلِّمَ في أسانيدها، ولو كان عند الزهريّ فيه خبر ثابت لم يَحتجْ إلى أن يستدل لَمَّا ذَكر قوله النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، بأن الجمعة من الصلاة, إذ لو كان عنده في المسألة خبر ثابت لاستغنى به، غير أن يستدلّ عليه بغيره. ومن أحسنها إسناداً حديث ابن أيوب: حدثنا علان، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى".

стр. 9564

قال ابن المنذر: وقولنا موافق للثابت عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسائر التابعين. وقد اختُلف فيه عن النخعي، وروينا عن حماد بن أبي سليمان أنه رجع عن قوله: يصلي ركعتين. وقد احتجّ بعض من قال كما قلنا بأن في إجماعهم على أن من لم يدرك الركوع لم يعتدّ بالسجود، مع إجماعهم على أن المنفرد لا يصلي جمعة، دليل بيّنٌ على أن من أدرك ركعة الناس (١) جلوساً في صلاة الجمعة أن يصلي أربعاً، وذلك أن حكم من أدرك من الجمعة سجدةً، وأدرك التشهد حُكمُ من لم يدرك من الصلاة شيئًا, لأن عليه في قول غيرنا أن يصلي ركعتين كاملتين، وهو منفرد في غير جماعة، إذ لا حكم لما أدرك مع الإِمام، وليس للمنفرد أن يصلي عندهم وعند غيرهم جمعة، فغير جائز أن يكون مدركاً لبعض الصلاة في حال، غير مدرك لشيء منها في تلك الحال انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدّاً. وحاصله ترجيح قول من قال: إن من أردك ركعة من الجمعة مع الإِمام، فليضف إليها ركعة أخرى، فتكون له جمعة، ومن لم يدرك الركعة، بأن أدرك الإِمام في التشهد مثلاً، فليصل أربعاً؛ لأنه لم يدرك الجمعة، فالواجب عليه الظهر، وذلك لحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها"، متفق عليه. والجمعة صلاة من الصلوات، كما قال الزهريّ رحمه الله تعالى. وأما قول من قال: إن من لم يدرك الخطبة، فليست له جمعة، وكذا من قال: من أدرك الإِمام في التشهد، فليتم الجمعة، فمما لا دليل عليه، ولا برهان له من النصوص الصحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 9565

٤٢ - (عَدَدُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ في الْمَسْجِدِ) ١٤٢٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإِمام الحجة الثبت [١٠] تقدم ٢/ ٢ ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢. ٣ - (سهيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدني، صدوق تغير بآخره [٦] تقدم ٣٢/ ٨٢٠. ٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيّات المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٣٦/ ٤٠. والصحابي ذكر في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، من سهيل، وشيخه مروزي، ثم نيسابوري، وجرير كوفي، ثم رازي، والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعَاً) ولفظ "الكبرى" من طريق سفيان، عن سهيل -وهو أحد ألفاظ مسلم-: "من كان مصلياً بعد الجمعة، فليصلّ أربعاً". وفيه إشارة إلى أن الأربع سنة، وليست بواجبة. وقد أخذ المصنف رحمه الله تعالى من إطلاق حديث الباب حكم ما ترجم له, لأنه يدلّ على جواز الصلاة في المسجد. وأما ما جاء من أنه ﷺ صلى ركعتين في بيته فيرى المصنف ﵀ أنه للإمام، ولذلك ترجم بعد هذا بباب "صلاةُ الإِمام بعد الجمعة" إشارة إلى أنه لا تعارض بين الحديثين، لإمكان الجمع يحمل ذلك على الإِمام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 9566

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٢/ ١٤٢٦ - وفي "الكبرى" -٣٩/ ١٧٤٣ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن سهيل، عن أبيه، عنه. وفي "الكبرى" -٧٤/ ٤٩٦ - عن علي بن حُجر عن علي بن مسهر عن سفيان، عن سهيل به، بلفظ: "من كان مصلياً بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا". وأخرجه (م) ٣/ ١٦ و١٧ (د) ١١٣١ (ت) ٥٢٣ (ق) ١١٣٢ (الحميدي) ٩٧٦ (أحمد) ٢/ ٢٤٩ و٤٤٢ و٢/ ٤٩٩ (الدارمي) ١٥٨٣ (ابن خزيمة) ١٨٧٣ و١٨٧٤. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في التطوّع بعد الجمعة: قال الإِمام ابن المنذر ﵀: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب: فرأت طائفة أن يصلي بعدها أربعًا، هذا قول عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، روي هذا القول عن علي، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، ومجاهد، وعطاء، وحُميد بن عبد الرحمن، وبه قال سفيان الثوريّ، وقال أحمد: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعاً. وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين، هكذا فعل ابن عمر، وروي عن النخعي. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعاً، ويصلي أربعًا يفصل بين كل ركعتين بتسليم أحبّ إليّ انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرف (١). وقال الإمام الترمذي ﵀ في "جامعه" بعد رواية حديث ابن عمر ﵄: "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد، ثم قال بعد رواية حديث أبي هريرة ﵁: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة، فليصلّ أربعاً": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً، وبعدها أربعًا، وروي عن علي بن

стр. 9567

أبي طالب أنه أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعاً، وذهب سفيان الثوري، وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين، واحتجّ بأن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وبحديث النبي ﷺ : "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا". قال الترمذي: وابن عمر هو الذي روى عن النبي ﷺ أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وابن عمر بعد النبي ﷺ صلى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلى بعد الركعتين أربعاً، ثم رواه كذلك. وروى أبو داود في "سننه" عن ابن عمر ﵄، أنه كان إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدّم، فصلى ركعتين، ثم تقدم، فصلى أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ولم يصل في المسجد، فقيل له؟ فقال: "كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك". قال الحافظ العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ": والظاهر أن المرفوع منه آخر الحديث فقط، وهو ما كان يفعله بالمدينة، دون ما كان يفعله بمكة، فإن النبي ﷺ لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وكان ابن عمر في زمنه بمكة قبل الهجرة صغيراً، فإن أريد رفع فعله بمكة أيضاً، وهو بعيد، فيحتمل أنه رآه يصلي بمكة بعد الظهر في المسجد، أو أنه صلى الجمعة بمكة بعد الفتح، ولم يُنقل ذلك. ثم قال بعد ذلك: قد يسأل عن الحكمة في كون ابن عمر كان يصليها بمكة في المسجد، وفي المدينة بمنزله. وقد يجاب بأنه لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزله لصلاة سنة الجمعة زمن مما يغتنمه في الطواف، أو أنه يشقّ عليه الذهاب إلى منزله، ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أو أنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة، دون بقية مكة، فكان يتنفّل في المسجد لذلك، أو كان له أمر يتعلّق به في المسجد من الاجتماع بأحد، أو غير ذلك مما يقتضي أولوية صلاته في المسجد انتهى. قال ولي الدين ﵀: وهو مبنيّ على ما ذكره أوّلاً من أن المرفوع آخر الحديث فقط. لكن ظاهر اللفظ أن تفريق ابن عمر بين البلدين في ذلك فعله لمجرّد الاتباع، والله أعلم. وقال ابن عبد البرّ ﵀: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعًا، وقال في موضع

стр. 9568

آخر: ستاً، وقال الثوريّ: إن صليت أربعًا، أو ستاً، فحسن. وقال الحسن بن حيّ: يصلي أربعاً. وقال أحمد بن حنبل: أحبّ إليّ أن يصلي بعد الجمعة ستًّا، وإن صلى أربعاً فحسن، لا بأس به. قال ابن عبد البرّ: وكل هذه الأقوال مروية عن الصحابة، قولاً، وعملاً، ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار. وقال ابن بطال ﵀: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، روي ذلك عن ابن عمر، وعمران بن حصين, والنخعي. وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعاً، روي عن علي، وابن عمر, وأبي موسى، وهو قول عطاء، والثّوريّ، وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين. وقالت طائفة: يصلي أربعاً لا يفصل بينهنّ بسلام، روي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق انتهى. وفي مصنَّف ابن أبي شيبة وغيره عن أبي عبد الرحمن، وهو السُّلَميّ، قال: قدم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعاً، فلما قدم علينا عليّ أمرنا أن نصلي ستاً، فأخذنا بقول عليّ، وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين، ثمّ أربعًا. وذكر ابن العربيّ أن أمره ﷺ بالأربع لئلا يُتوهّم من الركعتين أنهما تكملة الركعتين المتقدّمتين، فيكون ظهراً، وسبقه إلى ذلك المازريّ، فقال: وكلّ هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين، لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهراً أربعاً. وقال النووي في "شرح مسلم": نبه بقوله: "من كان منكم مصلياً" على أنها سنة، ليست بواجبة، وذَكَرَ الأربعَ لفضلها، وفعل الركعتين في أوقات، بياناً, لأن أقلها ركعتان، قال: ومعلوم أنه ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً, لأنه أمرنا بهنّ، وحثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به انتهى (١). قال العراقي ﵀: وما ادعاه من أنه معلوم أنه كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً فيه نظر، فليس ذلك بمعلوم، ولا مظنون, لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته، ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله.

стр. 9569

وكون ابن عمر كان يصلي بمكة بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى بعدها ركعتين في بيته، فقيل له؟ فقال: "كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك". فليس في ذلك علم، ولا ظنّ أنه ﷺ كان يفعل بمكّة ذلك، وإنما أراد رفع فعله بالمدينة، فحسب, لأنه لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه، فليس ذلك في أكثر الأوقات، بل نادرٌ. وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات، فإنه ﷺ "كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم، ومسّاكم … " الحديث، رواه مسلم. فربما لحقه تعب من ذلك، فاقتصر على الركعتين في بيته، وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي، "وأفضل الصلاة طول القنوت"، أي القيام، فلعلها كانت أطول من أربع ركعات خفاف، أو متوسطات، وكما ترك قيام الليل ليلة المزدلفة في حجة الوداع، ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من وقوفه من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، فاقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصراً، ورقد بقية ليله، مع كونه كان يقوم في الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه لما تقدّم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده ثلاثاً وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في قبلية الجمعة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: قد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في إنكاره، وجعلوه بدعة، وذلك لأنه ﷺ لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه، وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة ﵃، لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة. وممن أنكر ذلك ممن متأخري الشافعية، وجعله من البدع، والحوادث الإِمام شهاب الدين أبو شامة. قال: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة استحباب سنة للجمعة قبلها. وذهب آخرون إلى أن لها سنة قبلها، منهم النوويّ، فقال: يسنّ قبلها ما قبل

стр. 9570

الظهر، وقال: العمدة فيه القياس على الظهر، ويُستأنس بحديث سنن ابن ماجه أن النبي ﷺ كان يصلي قبلها أربعًا، وإسناده ضعيف جداً، بل قال النووي في "الخلاصة": هو حديث باطل. في سنده مبشر بن عُبيد متروك، بل رماه أحمد بالوضع. واستدلّوا أيضاً بما رواه ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء سُليك الغَطَفانيّ، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : "أصليت قبل أن تجيء؟ " قال: لا، قال: "فصل ركعتين، وتجوز فيهما". قال المجد ابن تيمية في "الأحكام": رجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث جابر ﵁، قال العراقي ﵀: وإسناده صحيح. قالوا: فقوله: "قبل أن تجيء" يدلّ على أن الصلاة المأمور بها ليست تحية المسجد، لأن فعلها في البيت لا يقوم مقام فعلها في المسجد، فتعيّن أنها سنة الجمعة. وفيه نظر فلم يتعين ذلك (١) فلا يجوز إثبات سنة الجمعة لمجرد هذا، إذ يحتمل أن معناه قبل أن تقترب مني لسماع الخطبة، وليس المراد قبل أن يجيء إلى المسجد؛ لأن صلاته قبل مجيء المسجد غير مشروعة، فكيف يسأله عنها، إذ المأمور به بعد دخول وقت الجمعة السعي إلى مكان الجمعة، وقبله لا يصحّ فعلها بتقدير ثبوتها. واستدلوا أيضاً بما رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن نافع، قال: "كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك". قال العراقي رحمه الله تعالى: وفي الاستدلال به نظر من وجهين: (أحدهما): أنه لا يلزم من إطالته الصلاة قبل الجمعة أن يكون ذلك سنة للجمعة، بل قد يكون قبل الزوال انتظاره. (والوجه الثاني): أن الظاهر أن المراد بالمرفوع منه صلاة ركعتين بعدها في بيته على وفق حديثه المتفق عليه في "الصحيحين"، فأما إطالة الصلاة قبلها، فلم يُنقل عنه فعله، لأنه كان يخرج إلى صلاة الجمعة، فيؤذن بين يديه، ثم يخطب انتهى. واستدلوا أيضاً بما ثبت في "الصحيحين" عن عبد الله بن مغفّل ﵁، عن النبي ﷺ : "بين كلّ أذانين صلاة". قال العراقي رحمه الله تعالى: ولقائل أن يعترض على الاستدلال به بأن ذلك كان متعذراً في حياته ﷺ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم

стр. 9571

بعد أن جدد عثمان الأذان على الزوراء يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإِمام للخطبة. والله تعالي أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ إن الكلام في مشروعية سنة الجمعة القبلية، هل لها دليل تثبت به من قوله ﷺ ، أو فعله، أم لا؟، لا عما أحدث بعده ﷺ ، وأيضاً الثابت عن عثمان رضي الله تعالى عنه هو الأمر بالأذان، ولم يثبت عنه أنه أمر بسنة الجمعة القبليّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم. واستدلوا أيضاً بما رواه ابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني في "سننه"، وغيرهما عن عبد الله بن الزبير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها ركعتان"، وهذا يتناول الجمعة وغيرها. لكن يُضَعَّفُ الاستدلالُ به من جهة أنه عموم يقبل التخصيص، فيقدم عليه ما هو الظاهر من حال النبي ﷺ ، والصحابة أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك. قال العراقي رحمه الله تعالى: واستدلّ بعضهم بحديث عبد الله السائب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وثوبان ﵃ في صلاة أربع ركعات بعد الزوال، وقوله ﷺ : "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء". ولقائل أن يقول: هذه سنة الزوال، ففي حديث علي ﵁ أنه كان يصلي بعدها أربعاً قبل الظهر. وقد يجاب عنه بأنه حصل في الجملة استحباب أربع بعد الزوال كل يوم، سواء الجمعة وغيرها، وهو المقصود انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب عن هذا كالجواب عن سابقه، فيقال: هذا عام خُصّ منه يوم الجمعة بما ثبت عن النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃ أنهم ما كانوا يصلون قبل الجمعة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. وقال ولي الدين رحمه الله تعالى: وهذه الأمور التي استدل بها على سنة الجمعة قبلها وإن كان في كلّ منها على انفراده نظر، فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها. وأقوى ما يُعارض ذلك أنه ﷺ لم يكن يؤذن في زمنه يوم الجمعة غير أذان واحد في أول الوقت، وهو على المنبر، وذلك الأذان يعقبه الخطبة، ثم الصلاة، فلا يمكن مع ذلك أن يفعلها النبي ﷺ ، ولا أحد من أصحابه. وبالجملة فالمسألة مشكلة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام ولي الدين رحمه الله تعالى هذا نظر لا يخفى:

стр. 9572

أما قوله: "فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها"، فقد كفانا الجواب عنه هو بنفسه، حيث قال: وأقوى ما يعارض ذلك الخ، فأيّ قوة من هذه الأمور المعترَضَة بما سبق مع هذا الصريح الصحيح الثابت عن النبي ﷺ ، وأصحابه ﵃، أنهم ما كانوا يصلون سنة الجمعة القبلية المزعومة؟. وكيف لا يُنكر على من ادعى شرعية ما لم يشرعه الله تعالى على لسان نبيه ﷺ ، ولا ثبت من فعله، ولا فُعل بمحضره ﷺ ؟ أليس هذا هو الابتداع الذي ينبغي إنكاره؟ إن هذا لشيء عجيب!!. وأما قوله: "وبالجملة فالمسألة مشكلة"، فجوابه أنه لا إشكال -بحمد الله تعالى- في هذه المسألة عند من لم يتقيد برأي فلان، أو فلان، ويتجمّد عليه، إذ حكمها واضح وضوحَ الشمس في رابعة النهار، إذ من ادعى سنية قبلية الجمعة ما أتى بدليل يُستند إليه، إلا القياس على الظهر، فهذا أقوى دليل عندهم، كما تقدم في كلام النووي ﵀، وأما مستندهم من الأحاديث، فقد عرفت ضعفه فيما سبق، وقد صحّ لدينا أنه ﷺ ما صلى قبلية الجمعة، ولا أمر بها, ولا فعلها أصحابه بحضرته، بل كان يؤذن بين يديه ﷺ ، فيقوم، فيخطب، ثم ينزل، فيصلي، فإذا ثبت هذا بطل القياس؛ إذ هو في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: إِذَا جَالَتْ خُيُول النَّصِّ يَوْمَا … تُجارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ وبالجملة فمسألتنا واضحة لا إشكال فيها, ولله الحمد والمنة. والحاصل أن قبلية الجمعة مما لا أثارة عليه من علم، بل هي من الأمور المحدثة التي ينبغي إنكارها. ومن أغرب ما نراه ممن لا يبالي بالسنة أن كثيراً منهم يواظب على صلاة ركعتين، أو أربع بزعم أنها سنة قبلية للجمعة، ولا يترك ذلك، ولو رأى الإِمام جالساً على المنبر، أو شارعاً في الخطبة، ثم يتساهل فيما ثبت عنه ﷺ من قوله: "إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصل بعدها أربعاً"، فلا يلتفت لهذا الأمر، بل إن صلى يصلي ركعتين فقط، أو يترك الصلاة بالكلية يذهب لحاجته، وهذا هو نتيجة التساهل في التمسك بالسنة، ومن تقديم البدعة عليها. نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الحرمان والخذلان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ينبغي أن يُتنبه إلى شيء مُهمّ جداً، وهو أن إنكار الصلاة قبل الجمعة إنما هو لمن يعتقد أنها سنة قبلية ثابتة كسنة الظهر، وأما مطلق الصلاة لمن حضر قبل حضور الإِمام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة.

стр. 9573

فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدّر له، ثم أفصت حتى يفرغ الإِمام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام". فينبغي أن يَشتغل من أتى إلى الجمعة بالصلاة إلى أن يجلس الإِمام على المنبر، لينال هذا الفضل العظيم. وكذا من دخل المسجد بعد خروج الإِمام، ولو في حال الخطبة يستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين كما تقدم في -١٦/ ١٣٩٥ - : حديث "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليصل ركعتين"، وفي لفظ لمسلم وغيره: "إذا جاء أحدكم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما". وإنما نبهت على هذا، وإن كان واضحاً، لئلا يعتقد القاصر إذا سمع إنكار قبلية الجمعة، أن الصلاة قبلها غير مشروعة مطلقاً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٣ - (صَلَاةُ الإِمَامِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى من الباب بيان الفرق بين صلاة الإِمام وصلاة المأمومين، فصلاة الإِمام الأَولى كونها في البيت، كما دلّ عليه حديثا الباب، وصلاة المأمومين تؤدى في المسجد، أو في البيت، كما دلّ عليه إطلاق حديث الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ"). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم برقم -٦٤/ ٨٧٣ - سنداً ومتناً، ونقدم البحث فيه مستوفًى هناك. والسند من رباعيات المصنف، وهو (٨٥) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ

стр. 9574

الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعاني، ثقة حافظ [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) تقدم قبل باب. ٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العَدَويّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف هنا -٤٣/ ١٤٢٨ - بالسند المذكور، وأخرجه (د) رقم ١١٣٢. ودلالته على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى واضحة، إذ فيه بيان أنه ﷺ كانت صلاته بعد الجمعة في بيته، فيستحبّ للإمام أن يصليهما في بيته. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: الحكمة في صلاته ﷺ الركعتين بعد الجمعة في بيته أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على الركعتين، ترك التنفّل في المسجد، خشيةَ أن يُظَنَّ أنها التي حُذفت انتهى. قال في "الفتح": وعلى هذا فلا يتنفّل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". ٤٤ - (بَاب إِطَالَةِ الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) ١٤٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، يُطِيلُ فِيهِمَا،

стр. 9575

وَيَقُولُ: "كَانَ رسُول اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبدة بن عبد الله) الصفّار الْخُزاعي، أبو سهل البصريّ، كوفي الأصل، ثقة [١١] تقدم ١٨/ ٨٠٠. ٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج، المذكور قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: قوله: "شعبة" هكذا وقع في نسخ "المجتبى" المطبوعتين، و"الهندية"، وهو الذي في "الكبرى", و"تحفة الأشراف" جـ ٦ ص ٧٤. وأشار في هامش "الهندية" إلى أن في بعض النسخ "سعيد" بدل "شعبة"، والظاهر أنه غلط. والله تعالى أعلم. ٤ - (أيوب) بن أبي تيمية السختياني، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٤٢/ ٤٨. والباقون تقدموا قريباً. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه هنا -٤٤/ ١٤٢٩ - وفي "الكبرى" -٣٩/ ١٧٤٧ - بالسند المذكور. [تنبيه]: ضعف الشيخ الألباني حديث الباب، وقال: شاذ بذكر إطالتهما، انظر ضعيف النسائي ص ٥٠. وقال في "الإرواء": وسنده صحيح، لكن خالفه وُهيب، فقال: حدثنا: أيوب به بلفظ: "كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات، يطيل فيهنّ القيام، فإذا انصرف الإِمام رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، وقال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ ". أخرجه أحمد ٢/ ١٠٣ وسنده على شرطهما. ووجه المخالفة أنه وصف بإطالة الصلاة قبل الجمعة، لا الركعتين، وهذا هو الصواب، فقد تابعه على ذلك إسماعيل، وهو ابن علية عند أبي داود -١١٢٨ - انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن شعبة إمام حجة، لا تضره مخالفة غيره له، وأيضاً لا تعارض بين روايتيهما، فرواية وهيب بَيّن فيها فعل ابن عمر ﵄ أنه كان يطيل الصلاة في المسجد قبل الجمعة، وليس هو بياناً لفعل النبي ﷺ ، بدليل أنه ﷺ ما كان يدخل المسجد إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عنه أنه صلى في المسجد وقت دخوله، فضلاً

стр. 9576

عن الإطالة، ورواية شعبة بَيّن فيها فعل النبي ﷺ ، وهو أنه كان يطيل الركعتين اللتين يصليهما بعد الجمعة، فلا تخالف بين الروايتين، فالحديثان صحيحان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٥ - (ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٤٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ -يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الطُّورَ، فَوَجَدْتُ ثَمَّ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِىَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُصِيخَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". فَقَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَقُلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَخَرَجْتُ، فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، قَالَ: لَوْ لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ". فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ

стр. 9577

وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيخَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، قُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، هُوَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَدَقَ كَعْبٌ، إِنِّي لأَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَخِى حَدِّثْنِي بِهَا، قَالَ، هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ"، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ صَلَاةٌ؟، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ الصَّلَاةُ الَّتِي تَلِيهَا؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، تقدم ١/ ١. ٢ - (بكر بن مُضر) المصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢٢٣/ ١٧٣. ٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣/ ٩٠. ٤ - (محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد [٤] تقدم ٦٠/ ٧٥. ٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبَغْلَانيّ، وبكرٍ، فمصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن الهاد، ومحمد بن إبراهيم، وأبو سلمة، وكلهم مدنيون، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رأس المكثرين من الرواية، رَوَى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ الطُّورَ) بضم الطاء، قال المجد ﵀: الطُّور: الجبل، وفناء الدار، وجبل قُرب أَيلةَ، يُضاف إلى سيناء، وسينين، وجبلٌ بالشام، وقيل: هو المضاف إلى سيناء، وجبلٌ بالقدس عن يمين

стр. 9578

المسجد، وآخر عن قبليه به قبر هارون ﵇، وجبل برأس العين، وآخر مُطلّ على طَبَريّةَ، وكورة بمصر من القبلية، وبلد بنواحي نَصيبين انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه أراد أبو هريرة ﵁ الطور الذي ناجى موسى ﵇ ربه فيه. والله تعالى أعلم. (فَوَجَدْتُ ثَمَّ) بفتح المثلّثة: اسم إشارة للمكان البعيد، أي هنالك (كَعْبًا) هو كعب بن ماتع الحميريّ المعروف بكعب الأحبار، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، ومات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وقد زاد على المائة، وتقدمت ترجمته في ٨٩/ ١٣٤٦ (فَمَكَثْتُ أَنَا) ضمير منفصل جيء به للفصل عند العطف على الضمير المرفوع المتصل، كما قال في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعِ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِل مَا وَبِلَا فَصْلِ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَهُوَ) عطف على الضمير الفاعل (يَوْمًا) متعلق بـ"مكثت" (أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) أي أفضل الأيام يوم الجمعة، فخير أفعل تفضيل، حذفت منه الهمزة لكثرة الاستعمال، وهو لا ينافي ما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن عبد الله بن قُرط، أنه ﷺ قال: "أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر"، وما رواه جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة", لأن تفضيل يوم الجمعة بالنسبة الأيام الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة، أو يوم النحر بالنسبة لأيام السنة، وقد صرح العراقي بأن حديث أفضلية يوم الجمعة أصح، وصرح الشوكاني بأن دلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوى من دلالة حديث عبد الله بن قُرط على أفضلية يوم النحر (٢). (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) بيان لبعض فضائل يوم الجمعة (وَفِيهِ أُهْبِطَ) أي أُنزل من الجنة إلى الأرض، قيل: إنه نزل في مكان بالهند، يقال له: سرنديب، وكان هبوطه من مزايا يوم الجمعة، لما ترتب عليه من الخير الكثير، من وجود الذرية الطيبة، من الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين (وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ) أي قبل الله تعالى توبته في يوم الجمعة، مما وقع منه من الأكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها، وكون

стр. 9579

هذه الخصلة من مزايا يوم الجمعة ظاهر (وَفِيهِ قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي مات في يوم الجمعة، قيل: دفن بالهند، وقيل: بمكة في غار أبي قبيس، وقيل: ببيت المقدس، وكان موته من مزايا يوم الجمعة, لأن الموت به دخوله الجنة (وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ) أي القيامة، وكان قيامها من مزايا يوم الجمعة, لأن فيه نعمتين عظيمتين للمؤمنين، وصولهم إلى النعيم المقيم, وإدخال أعدائهم في نار الجحيم. [تنبيه]: قال الإِمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في "صحيحه": قد اختلفوا في هذه اللفظة في قوله: "فيه خلق آدم" إلى قوله: "وفيه تقوم الساعة"، أهو عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أو عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار؟. قال: والقلب إلى رواية من جعل هذا الكلام عن أبي هريرة، عن كعب أميل, لأن محمد بن يحيى حدثنا، قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة, عن أبي هريرة ﵁: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة, فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه تقوم الساعة"، قال: قلت له: أشيءٌ سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: بل شيء حدثناه كعب. وهكذا رواه أبان بن يزيد العطار، وشيبان بن عبد الرحمن النحويّ، عن يحيى بن أبي كثير. قال: وأما قوله: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، فهو عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، لا شكّ، ولا مرية فيه، والزيادة التي بعدها: "فيه خُلق آدم" إلى آخره هذا الذي اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عن النبي ﷺ ، وقال بعضهم: عن كعب انتهى (١). قال الشيخ الألباني حفظه الله في تعليقه: الحديث كله صحيح مرفوعاً بلا ريب، ويكفي أن مسلماً أخرجه من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه المصنف -يعني ابن خزيمة- من طريقين آخرين عنه، فلعل العلة من يحيى، فإنه مدلس، وللمرفوع شاهد من حديثا أوس. -يعني حديث أوس بن أوس الذي تقدم للمصنف في ٥/ ١٣٧٤ - "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم … " الحديث-. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ الألباني حفظه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث كله مرفوع. والله تعالى أعلم.

стр. 9580

(مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُصِيخَةً) بالصاد المهملة، من أصاخ، أي مستمعة مُصْغية، ومترقّبة قيام الساعة بإلهام من الله تعالى. وفي رواية أبي داود: "مُسيخة" بالسين المهملة، وهو بمعنى الأول، فـ"الإساخة" بالسيم المهملة، كـ"الإصاخة" بالصاد المهملة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) بضم اللام، من باب قعد (شَفَقاً مِنَ السَّاعَةِ) انتصاب "شفقا" على أنه مفعول لأجله، أي خوفاً من قيام الساعة فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. (إِلَّا ابْنَ آدَمَ) وفي رواية أبي داود: "إلا الجن والإنس"، أي فإنهم لا يترقبون، ولا يخافون قيام الساعة في هذا اليوم، لكثرة غفلتهم، لا لأنهم لا يعلمون ذلك. (وَفِيهِ) أي في يوم الجمعة، وفي نسخة لأبي داود: "وفيها" أي في الجمعة، أو في ساعاتها (سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا) وفي نسخة "لا يوافقها"، وهو أعمّ من أن يقصد لها، أو يتفق له وقوع الدعاء فيها (مُؤْمِنٌ) ولفظ البخاريّ: "عبد مسلم" (وَهُوَ فِي الصَّلّاة، يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا) جملتان في محل رفع على الوصفية لـ"مؤمن"، أو الأولى صفة، والثانية حال منها. ولفظ البخاريّ: "وهو قائم، يصلي، يسأل الله"، قال في "الفتح": هي صفات لـ"مسلم" أعربت حالاً، ويحتمل أن يكون "يصلي" حالاً منه، لاتصافه بـ"قائم"، و"يسأل" حال منه مترادفة، أو متداخلة. وأفاد ابن عبد البرّ أن قوله: "وهو قائم" سقط من رواية أبي مصعب، وابن أبي أويس، ومطرّف، والتنيسيّ، وقُتيبة، وأثبتها الباقون. قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد، من رواية مالك، وورقاء، وغيرهما عنه. وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكأن السبب في ذلك أنه يُشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهما حديثان: أحدهما: أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة. والثاني: أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس. وقد احتجّ أبو هريرة على عبد الله ابن سلام ﵄ لَمَّا ذكر له القول الثاني بأنها ليست ساعةَ صلاة، وقد ورد النصّ بالصلاة، فأجابه بالنصّ الآخر أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، فلو كان قوله: "وهو قائم" عند أبي هريرة ثابتاً لاحتجّ عليه بها, لكنه سلم له الجواب، وارتضاه، وأفتى به بعده. وأما إشكاله على الحديث الأول، فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كله، وليست

стр. 9581

صلاةً على الحقيقة. وقد أجيب عن هذا الإشكال يحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار، وبحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد، مع أن السجود مظنة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه، فدلّ على أن المراد مجاز القيام، وهو المواظبة، ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٥]، فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم من باب التعبير عن الكلّ بالجزء، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة انتهى (١). (شَيْئاً) أي مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى، وفي رواية سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عند البخاري في "الطلاق": "يسأل الله خيراً"، ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة مثله، وفي حديث أبي لبابة عند ابن ماجه: "ما لم يسأل حراماً"، وفي حديث سعد بن عُبادة، عند أحمد: "ما لم يسأل إثماً، أو قطيعة رحم"، وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصّ على العامّ، للاهتمام به. قاله في "الفتح". (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) أي أعطاه الله تعالى الشيءَ الذي سأله. (فَقَالَ كَعْبٌ) أي كعب الأحبار (ذَلِكَ يَوْمٌ في كُلِّ سَنَةٍ) أي ذلك اليوم الذي أخبر به النبي ﷺ أن فيه ساعةً يُستجاب فيها الدعاء يوم واحد فقط في كل سنة، لا كل جمعة (فَقْلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ) أي الساعة المذكورة تكون في كل يوم جمعة (فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ) أي لينظر، ويتأكد ما قاله آخذاً منها، من أنها في جمعة واحدة من السنة (ثُمَّ) بعد أن نظر في التوراة، ووجد ما قاله النبي ﷺ حقًّا (قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي في قوله: إنها في كل جمعة، كما سمعه منه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فردّ به على كعب، فقوله (هُوَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ) تأكيد لمعنى "صدق رسول الله ﷺ "، يعني أن وقت الإجابة في كل يوم جمعة، فتذكير الضمير باعتبار الوقت، ويحتمل أن يكون الضمير لليوم، و"الجمعة" بمعنى الأسبوع، أي إن ذلك اليوم في كل أسبوع. والله تعالى أعلم. قال أبو هريرة ﵁ (فَخَرَجْتُ) أي من الطور (فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ) -بفتح أوله، وسكون المهملة- جميل بن بَصرة بن وقاص بن غفار الغفاريّ، له ولأبيه صحبة (٢).

стр. 9582

روى عن النبي ﷺ حديثاً واحداً: "لا تُعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد". وروى عنه أبو هريرة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لكن تفرّد يزيد بن الهاد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بذلك. ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بصرة، وكذلك رواه سعيد بن المسيب، وسعيد المقبريّ، وغير واحد عن أبي هريرة، وهو المحفوظ. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) أي بَصْرةُ (مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، قَالَ: لَوْ لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُعْمَلُ) -بضم حرف المضارعة- على بناء المفعول، أي لا تُحثُّ، ولا تُساق (المطيّ) بفتح الميم جمع مطية، وتُجمع على مطايا، كعطية، وعطايا، قال الفيّومي: و"المطا" وزان العَصَا: الظهر، ومنه قيل للبعير: مطيّةٌ، فَعيلة بمعنى مفعولة, لأنه يُركب مَطَاه، ذكراً كان أو أنثى، ويُجمع على مَطيّ، ومَطَايا، ويُثنّى على مَطَوَين انتهى. وقيل: يُمطى بها في السير، أي يُمدّ. وفي "اللسان": المطية: الناقةُ التي يُركب مَطَاها، والمطيّة البعير يُمتطى ظهرُهُ، وجمعه المطايا، يقع على الذكر والأنثى، وقال الجوهري: المطية واحد المطي، والمطايا، والمطيّ واحد وجمع، يذكر، ويؤنث، والمطايا فَعالى، وأصله فعائل، إلا أنه فُعل به ما فُعل بخطايا انتهى. (إِلَّا إِلَى ثَلَاَثة مَسَاجِدَ، الْمَسجِدِ الْحَرَامِ) بالجر على البدلية، ويحتمل قطعه إلى الرفع، والنصب, وكذا ما بعده (وَمَسْجِدِي) أي مسجده ﷺ في المدينة (وَمَسْجِد بَيْتِ الْمَقْدِسِ). قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (فَلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ) بن الحارث الإسرائليّ، أبو يوسف حليف بني عوف بن الخزرج، أسلم عند قُدوم النبي ﷺ المدينة، قيل: كان اسمه الْحُصين، فسمّاه النبي ﷺ عبد الله، وشهد له بالجنّة. روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابناه يوسف، ومحمد، وابن ابنه حمزة بن يوسف، وغيرهم. وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، ومات بالمدينة سنة (٤٣). (فَقُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ،

стр. 9583

وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيخَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ) وفي نسخة: "فقال" بالفاء (عَبْد اللهِ بن سَلَام: كَذَبَ كَعْبٌ) أي أخطأ، يعني أن كعباً أخطأ في قوله: يوم في كلّ سنة، ولا يريد أنه تعمّد الكذب في ذلك (قُلتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ) أي التوراة (فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ الله ﷺ ، هُوَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: صَدَقَ كَعْبٌ، إِنِّي لأَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ) يحتمل أن يكونْ بإخبار النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون مما قرأه في التوراة (فَقُلْتُ: يَا أَخِي حَدِّثْنِي بِهَا، قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ"، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ صَلَاةٌ؟) "تلك" منصوب بنزع الخافض خبر "ليس"، و"الساعة" بدل، أو عطف بيان لاسم الإشارة، و"صلاة" اسم "ليس" مؤخراً عن خبرها، أي ليست الصلاة مشروعة في تلك الساعة (قَالَ) أي عبد الله بن سلام (أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ) وفي نسخة: "لم يزل" (في صَلَاتهِ حَتَّى تَأْتِيَه الصَّلَاة الَّتِي تَلِيهَا؟) وفي نسخة: "تلاقيها"، قال أبو هريرة (قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ كَذَلِكَ) أي الأمر كما سمعته، يعني أن من جلس في تلك الساعة ينتظر صلاة المغرب، فهو في حكم الصلاة، فإذا صادفها، وهو كذلك، استجيب له دعاؤه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٥/ ١٤٣٠ - وفي "الكبرى" -٤٠/ ١٧٥٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٠٤٦ (ت) ٤٩١ (مالك في الموطإ) ٨٨ (أحمد) ٢/ ٤٨٦ و٥/ ٤٥١ و٥/ ٤٥٣ (ابن خزيمة) ١٧٣٨. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، وهي آخر ساعة منه، وسيأتي اختلاف العلماء في تعيينها في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.

стр. 9584

ومنها: بيان فضل يوم الجمعة، لاختصاصه بساعة الإجابة. ومنها: فضل الدعاء، واستحباب الإكثار منه. ومنها: ما قيل: إنه استدلّ به على بقاء الإجمال بعد النبي ﷺ . وتعقّب بأنه لا خلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية، لا في الأمور الوجودية، كوقت الساعة، فهذا لاختلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة، وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضليّة يمكن الوصول إليه، والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة، فلم يبق في الحكم الشرعي إجمال. والله تعالى أعلم. وبقية فوائد الحديث تقدمت في "باب ذكر فضل يوم الجمعة" -٤/ ١٣٧٣. [تنبيه]: إن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بالشرط المتقدّم، مع أن الزمن يختلف باختلاف البلاد، والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟. أجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كلّ مصلّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها, وإن كانت هي خفيفة، ويحتمل أن يكون عبر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة، أو الصلاة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم. قاله في "الفتح" (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: الحكمة في إخفاء هذه الساعة في هذا اليوم أن يجتهد الناس فيه، ويستوعبوه بالدعاء، ولو عُرفت لخصّوها بالدعاء، وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، ليُسأل بجميع أسمائه، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك، ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين حتى لا يُخصّ بالإكرام واحد بعينه. وقد ورد فيها ما ورد في ليلة القدر من أنه أُعلم بها، ثم أنسيها، رواه أحمد في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: سألت النبي ﷺ عنها، فقال: "إني كنت أُعلمتها، ثم أنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر". قال ولي الدين: وإسناده صحيح، قال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، ولعل ذلك يكون خيراً للأمة، ليجتهدوا في سائر اليوم، كما قال ﷺ في ليلة القدر حسن أنسيها:

стр. 9585

"وعسى أن يكون خيراً لكم". قال الحافظ العراقي في "شرح الترمذي": وإنّ من كان مطلبه خطيراً عظيماً، كسؤال المغفرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة، ورضي الله تعالى لجدير أن يستوعب جميع عمره بالطلب، والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد، كما قال ابن عمر: إن طلب حاجة في يوم يسير. قال العراقي: ومن لم يتفرغ لاستيعاب اليوم بالدعاء, وأراد حصول ذلك، فطريقه كما قال كعب الأحبار: لو قسم الإنسان جمعةً في جُمع أتى على تلك الساعة. قال العراقي: وهذا الذي قاله: بناء على أنها مستقرّة في وقت واحد من اليوم، لا تنتقل، وهو الصحيح المشهور. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في ساعة الجمعة: لقد حقّق الحافظ رحمه الله تعالى هذا الموضوع، وأجاد فيه في كتابه العديم النظير في بابه، في استقصائه واستيعابه "فتح الباري"، حيث قال: وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعيين، ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية، أو رُفعت؟ وعلى البقاء، هل هي في كلّ جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول، هل هي وقت من اليوم معينٌ، أو مبهم؟ وعلى التعيين، هل تستوعب الوقت، أو تبهم فيه؟، وعلى الإبهام ما ابتداؤه، وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك هل تستمرّ، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟ وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إليّ من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها، والترجيح: فالأول: أنها رُفعت، حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وزيّفه، وقال عياض: رده السلف على قائله، وروي عبد الرزاق، عن ابن جُريج، أخبرني داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن عبس مولى معاوية، قال: قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رُفعت، فقال: كذب من قال ذلك، قلت: فهي في كل جمعة؟ قال: نعم. إسناده قويّ. وقال صاحب "الهدى": إن أراد قائله أنها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمة احْتُمل، وإن أراد حقيقتها، فهو مردود على قائله. القول الثاني: أنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار

стр. 9586

لأبي هريرة، فردّ عليه، فرجع إليه. رواه مالك في "الموطإ"، وأصحاب السنن. القول الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم، كما أخفيت ليلة القدر في العشر. روى ابن خزيمة، والحاكم من طريق سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة: سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة؟ فقال: سألت النبي ﷺ عنها؟ فقال: "قد أُعلمتها، ثم أُنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر". وروى عبد الرزاق، عن معمر، أنه سأل الزهِريّ؟، فقال: لم أسمع فيها شيئاً, إلا أن كعباً كان يقول: لو أن إنساناً قسم جمعةً في جُمع لأتى على تلك الساعة. قال ابن المنذر: معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من الْجُمَع من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدىء من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار، قال: وكعب هذا هو كعب الأحبار، قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: إنّ طلب حاجة في يوم ليسير. قال: معناه أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمرّ بالوقت الذي يُستجاب فيه الدعاء انتهى. والذي قاله ابن عمر يصلح لمن يقوى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كلّ أحد، وقضية ذلك أنهما يريان أنها غير معينة، وهو قضية كلام جمع من العلماء، كالرافعي، وصاحب "المغني"، وغيرهما، حيث قالوا: يستحبّ أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة. ومن حجة هذا القول تشبيههاً بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضياً للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه. الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالاً، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها. الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في "شرح الترمذي"، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في "شرحه على البخاريّ" ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيدها، ورواه ابن المنذر، فقيدها بصلاة الجمعة. والله أعلم. السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو

стр. 9587

الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. السابع: مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب. رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خَليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما ترى. الثامن: مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإِمام من المنبر إلى أن يكبر رواه حميد بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: "التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة"، فذكرها. التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في "شرح التنبيه"، وتبعه المحبّ الطبريّ في "شرحه". العاشر: عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في "الإحياء"، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في "شرحه" بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ. الحادي عشر: أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني"، وهو في "مسند الإِمام أحمد" من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعة منه ساعة من دعا بها الله فيها استجيب له"، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة. قال المحبّ الطبريّ: قوله: "في آخر ثلاث ساعات" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل. ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كلّ ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة. الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في "الأحكام"، وقبله الزكيّ المنذريّ. الثالث عشر: مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعاً، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي. الرابع عشر: بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبد البرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةً سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله.

стр. 9588

الخامس عشر: إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبد الرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في "الطبقات" عن عُبيد الله بن نوفل نحو القصة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك. السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت: "يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلا أعطاه"، قيل: آية ساعة؟ قالت: "إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة"، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث أن الأذان قد يتأخر عن الزوال, قال الزين ابن المنير: ويتعين حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب. السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصباغ بلفظ: إلى أن يدخل الإِمام. الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإِمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ. التاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في "نكته على التنبيه" عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في "شرح البخاريّ"، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح. العشرون: ما بين خروج الإِمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزي في "كتاب الجمعة" بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله. الحادي والعشرون: عند خروج الإِمام، رواه حُميد بن زنجويه في "كتاب الترغيب" عن الحسن أن رجلاً مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت. الثاني والعشرون: ما بين خروج الإِمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك. الثالث والعشرون: ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قولَه أيضاً، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام

стр. 9589

الجمعة, لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة لأثما, ولم يبطل البيع. الرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في "شرح السنة" عنه الخامس والعشرون: ما بين أن يجلس الإِمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله. السادس والعشرون: عند التأذين، وعند تذكير الإِمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. السابع والعشرون: مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أُمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإِمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة. الثامن والعشرون: من حين يَفتتح الإِمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعاً، وإسناده ضعيف. التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في "الإحياء". الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح "المصابيح". الحادي والثلاثون: أنها عند نزول الإِمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق، عن أبي بردة، قولَه. وحكاه الغزالي قولاً بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة. الثاني والثلاثون: حين تقام الصلاة حتى يقوم الإِمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضاً، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعاً بإسناد ضعيف. الثالث والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعاً، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال: "حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها"، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ

стр. 9590

رواية كثير، ورواه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه بلفظ: "ما بين أن ينزل الإِمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة"، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه. الرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي ﷺ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة, وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية (١). والله تعالى أعلم. الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس موقوفاً، ومن طريق صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: "فالتمسوها بعد العصر"، وذكر ابن عبد البرّ أن قوله: "فالتمسوها الخ" مدرج في الخبر من قول أبي سلمة، ورواه ابن منده من هذا الوجه، وزاد: "أغفل ما يكون الناس"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق الشيباني، عن عون بن عبد الله بن عُتبة، عن أخيه عبيد الله، كقول ابن عباس، ورواه الترمذي من طريق موسى بن وردان، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: "بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"، وإسناده ضعيف. السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق، عن عُمر بن ذَرّ، عن يحيى ابن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبي ﷺ مرسلاً، وفيه قصّة. السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في "الإحياء". الثامن والثلاثون: بعد العصر كما تقدم عن أبي سعيد مطلقاً، ورواه ابن عساكر من

стр. 9591

طريق محمد بن سلمة الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، مرفوعاً بلفظ: "وهي بعد العصر"، ورواه ابن المنذر، عن مجاهد مثله، ورواه ابن جريج (١) من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن رجل، أرسله عمرو بن أويس إلى أبي هريرة، فذكر مثله، قال: وسمعته عن الحكم، عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المرّوذيّ من طريق الثوريّ، وشعبة جميعًا، عن يونس بن خبّاب، قال الثّوريّ: عن عطاء، وقال شعبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يتحرّاها بعد العصر، وعن ابن جريج، عن بعض أهل العلم، قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، فقال: بلى، لكن من كان في مصلاه لم يقم منه، فهو في صلاة. التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة. الأربعون: من حين تصفرّ الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كيسان، عن طاوس قولَه، وهو قريب من الذي قبله. الحادى والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم بإسناد حسن عن أبى سلمة، عن جابر مرفوعاً، وفي أوله: "إن النهار اثنتا عشرة ساعة"، ورواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام، قولَه، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة. وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، ولم يذكر عبد الله بن سلام قوله، ولا القصّة. ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قولَه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد الله بن عامر، فذكر مثله. وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام مثله. وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام، فذكرت

стр. 9592

ذلك له، فلم يُعرّض بذكر النبي ﷺ ، بل قال: "النهار اثنتا عشرة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار". ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة, عن عبد الله بن سلام, قال: قلت -ورسول الله ﷺ جالس-: إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة، فقال رسول الله ﷺ : "أو بعض ساعة"، قلت: نعم، أو بعض ساعة … الحديث، وفيه: فقلت أي ساعة؟ فذكره. وهذا يحتمل أن يكون القائل: "قلت" عبدَ الله بنَ سلام، فيكون مرفوعاً، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفاً، وهو الأرجح، لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد الله عن سلام لم يذكر النبى ﷺ في الجواب. الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تَدَلَّي الشمسُ للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط"، والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب"، و"فضائل الأوقات" من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي، حدثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: حدثتنى فاطمة ﵍, عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قلت للنبي ﷺ : أيّ ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى نصف الشمس للغروب"، فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة، أرسلت غلاماً لها, يقال له: زيد، ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب. وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يُعرف حاله. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في "مسنده" من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي، عن فاطمة، لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب، وقال فيه: تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي يعني المغرب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما اتصل إليّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ لبعضها, وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره. ثم ظفرت بعد كتابة هذا يقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول، استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجَزَريّ، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى "الحصين الحصين" في الأدعية لَمَّا ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال: ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإِمام الفاتحة في صلاة

стр. 9593

الجمعة إلى أن يقول آمين، جمعاً بين الأحاديث التي صحت، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوّت على الداعي حينئذ الإنصاف لقراءة الإِمام، فليُتأمل. قال الزين ابن المنيّر: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعاً لابن بطال، قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، والله المستعان. وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عُيّن، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، لقوله فيما مضى: "يقللَّها"، وقوله: "وهي ساعة خفيفة". وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً، وانتهاؤها انتهاء الصلاة. وكأن كثيراً من القائلين عَيَّنَ ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة. فيهذا التقرير يقل الانتشار جداً. ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم. قال المحب الطبريّ: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام انتهى. وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه ﷺ أُنسيها بعد أن أُعلمها, لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره. وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوريّ أن مسلما قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحّه، وبذلك قال البيهقي، وابن العربيّ، وجماعة. وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره. وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً، وفي أحد "الصحيحين". وذهب آخرون إلى ترجيح قوله عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البرّ: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناساً من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الأئمة أيضاً، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية

стр. 9594

الطرطوشيّ. وحكى العلائيّ أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي. وأجابوا عن كونه ليس في أحد "الصحيحين" بأن الترجيح بما في "الصحيحين"، أو أحدهما إنما هو من حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعلّ بالانقطاع والاضطراب: أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بُكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي بن المدينيّ: لم أسمع أحدا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي, ولا يُقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا, لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع. وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم عن أبي بُردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ، فهم أعلم بحديثه من بُكير المدنيّ، وهم عدد، وهو واحد، وأيضاً فلو كان عند أبي بُردة مرفوعاً لم يُفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب. وسلك صاحب "الهدي" مسلكاً آخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يُعارض الآخر، لاحتمال أن يكون ﷺ دلّ على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البرّ: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإِمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع. وقال ابن المنير في الحاشية: إذا عُلم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة، ولليلة القدر بَعْث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتكل الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر أن الأصح هو ما عليه أكثر الأئمة، وهو ترجيح قول عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنها بعد العصر؛ لقوته، هذا من حيث الترجيح. وأما من حيث المعنى، فعدم التحديد بهذا -كما قال ابن المنيّر- أولى، لمخالفته لحكمة إخفاء الله تعالى لها، حتى يجتهد عبادُه في التضرع إليه كثيراً، فينبغي أن يجتهد

стр. 9595

في الدعاء، ولا سيما في هذين الوقتين اللذين نُصّ عليهما في حديث عبد الله بن سلام، وحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنهما -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ رَبَاحٍ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمَّد بن يحيى بن عبد الله) الذُّهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل [١١] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. ٢ - (أحمد حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل الإِمام الحافظ الحجة المجتهد إمام أهل السنة والجماعة [١٠] تقدّم ٤٩/ ٩٥٨. ٣ - (إبراهيم بن خالد) الصنعاني المؤذن، ثقة [٩] تقدم ٤٩/ ٩٥٨. ٤ - (رَباح) بن زيد القرشيّ مولاهم الصنعاني, ثقة فاضل [٩] تقدم ٤٩/ ٩٥٨. ٥ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ١٠/ ١٠. ٦ - (الزهري) المذكور في الباب الماضي. ٧ - (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب المدني، الإِمام الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩ والصحابي، وشرح الحديث تقدم الكلام عليهما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم. قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - هذا حديث صحيح، وهو من أفرد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا - ٤٥/ ١٤٣١ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ١٧٤٩ - وفي "عمل اليوم والليلة" ٤٧٢ - عن محمد ابن يحيى، عن أحمد بن حنبل، عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" ٤٧١ - عن عمرو بن عثمان، عن شريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن سعيد، عنه. وأخرجه (أحمد) ٢/ ٢٨٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ
следующие страницы →