طريق محمد بن سلمة الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، مرفوعاً بلفظ: "وهي بعد العصر"، ورواه ابن المنذر، عن مجاهد مثله، ورواه ابن جريج (١) من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن رجل، أرسله عمرو بن أويس إلى أبي هريرة، فذكر مثله، قال: وسمعته عن الحكم، عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المرّوذيّ من طريق الثوريّ، وشعبة جميعًا، عن يونس بن خبّاب، قال الثّوريّ: عن عطاء، وقال شعبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يتحرّاها بعد العصر، وعن ابن جريج، عن بعض أهل العلم، قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، فقال: بلى، لكن من كان في مصلاه لم يقم منه، فهو في صلاة.
التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة.
الأربعون: من حين تصفرّ الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كيسان، عن طاوس قولَه، وهو قريب من الذي قبله.
الحادى والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم بإسناد حسن عن أبى سلمة، عن جابر مرفوعاً، وفي أوله: "إن النهار اثنتا عشرة ساعة"، ورواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام، قولَه، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة.
وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، ولم يذكر عبد الله بن سلام قوله، ولا القصّة. ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قولَه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد الله بن عامر، فذكر مثله.
وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام مثله.
وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام، فذكرت
стр. 9592
ذلك له، فلم يُعرّض بذكر النبي ﷺ ، بل قال: "النهار اثنتا عشرة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار".
ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة, عن عبد الله بن سلام, قال: قلت -ورسول الله ﷺ جالس-: إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة، فقال رسول الله ﷺ : "أو بعض ساعة"، قلت: نعم، أو بعض ساعة … الحديث، وفيه: فقلت أي ساعة؟ فذكره.
وهذا يحتمل أن يكون القائل: "قلت" عبدَ الله بنَ سلام، فيكون مرفوعاً، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفاً، وهو الأرجح، لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد الله عن سلام لم يذكر النبى ﷺ في الجواب.
الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تَدَلَّي الشمسُ للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط"، والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب"، و"فضائل الأوقات" من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي، حدثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: حدثتنى فاطمة ﵍, عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قلت للنبي ﷺ : أيّ ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى نصف الشمس للغروب"، فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة، أرسلت غلاماً لها, يقال له: زيد، ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب. وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يُعرف حاله.
وقد أخرج إسحاق بن راهويه في "مسنده" من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي، عن فاطمة، لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب، وقال فيه: تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي يعني المغرب.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما اتصل إليّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ لبعضها, وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره.
ثم ظفرت بعد كتابة هذا يقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول، استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجَزَريّ، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى "الحصين الحصين" في الأدعية لَمَّا ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال: ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإِمام الفاتحة في صلاة
стр. 9593
الجمعة إلى أن يقول آمين، جمعاً بين الأحاديث التي صحت، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوّت على الداعي حينئذ الإنصاف لقراءة الإِمام، فليُتأمل.
قال الزين ابن المنيّر: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعاً لابن بطال، قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، والله المستعان.
وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عُيّن، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، لقوله فيما مضى: "يقللَّها"، وقوله: "وهي ساعة خفيفة".
وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً، وانتهاؤها انتهاء الصلاة.
وكأن كثيراً من القائلين عَيَّنَ ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة. فيهذا التقرير يقل الانتشار جداً.
ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم.
قال المحب الطبريّ: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام انتهى.
وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه ﷺ أُنسيها بعد أن أُعلمها, لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره.
وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوريّ أن مسلما قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحّه، وبذلك قال البيهقي، وابن العربيّ، وجماعة. وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره. وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً، وفي أحد "الصحيحين".
وذهب آخرون إلى ترجيح قوله عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البرّ: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناساً من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الأئمة أيضاً، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية
стр. 9594
الطرطوشيّ. وحكى العلائيّ أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي.
وأجابوا عن كونه ليس في أحد "الصحيحين" بأن الترجيح بما في "الصحيحين"، أو أحدهما إنما هو من حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعلّ بالانقطاع والاضطراب:
أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بُكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي بن المدينيّ: لم أسمع أحدا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي, ولا يُقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا, لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع.
وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم عن أبي بُردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ، فهم أعلم بحديثه من بُكير المدنيّ، وهم عدد، وهو واحد، وأيضاً فلو كان عند أبي بُردة مرفوعاً لم يُفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.
وسلك صاحب "الهدي" مسلكاً آخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يُعارض الآخر، لاحتمال أن يكون ﷺ دلّ على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البرّ: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإِمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع.
وقال ابن المنير في الحاشية: إذا عُلم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة، ولليلة القدر بَعْث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتكل الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر أن الأصح هو ما عليه أكثر الأئمة، وهو ترجيح قول عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنها بعد العصر؛ لقوته، هذا من حيث الترجيح.
وأما من حيث المعنى، فعدم التحديد بهذا -كما قال ابن المنيّر- أولى، لمخالفته لحكمة إخفاء الله تعالى لها، حتى يجتهد عبادُه في التضرع إليه كثيراً، فينبغي أن يجتهد
стр. 9595
في الدعاء، ولا سيما في هذين الوقتين اللذين نُصّ عليهما في حديث عبد الله بن سلام، وحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنهما -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ رَبَاحٍ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمَّد بن يحيى بن عبد الله) الذُّهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل [١١] تقدم ١٩٦/ ٣١٤.
٢ - (أحمد حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل الإِمام الحافظ الحجة المجتهد إمام أهل السنة والجماعة [١٠] تقدّم ٤٩/ ٩٥٨.
٣ - (إبراهيم بن خالد) الصنعاني المؤذن، ثقة [٩] تقدم ٤٩/ ٩٥٨.
٤ - (رَباح) بن زيد القرشيّ مولاهم الصنعاني, ثقة فاضل [٩] تقدم ٤٩/ ٩٥٨.
٥ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ١٠/ ١٠.
٦ - (الزهري) المذكور في الباب الماضي.
٧ - (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب المدني، الإِمام الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩
والصحابي، وشرح الحديث تقدم الكلام عليهما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - هذا حديث صحيح، وهو من أفرد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا - ٤٥/ ١٤٣١ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ١٧٤٩ - وفي "عمل اليوم والليلة" ٤٧٢ - عن محمد ابن يحيى، عن أحمد بن حنبل، عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عنه. وفي "عمل اليوم والليلة" ٤٧١ - عن عمرو بن عثمان، عن شريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن سعيد، عنه.
وأخرجه (أحمد) ٢/ ٢٨٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ
стр. 9596
أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً, لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ (١) مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي, يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا, يُزَهِّدُهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن زُرارة) بن واقد الكلابي، أبو محمد النيسابوري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٧/ ٣٦٨.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن عُلَية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تَميمة السختياني تقدم في الباب الماضي.
٤ - (محمد) بن سيرين الإِمام الحجة المشهور [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧.
والصحابي تقدّم أوّل الباب، وكذا شرح الحديث.
وقوله: "قلنا: يقلّلها، يزهّدها" الجملة الثانية بدل من الأولى.
وهكذا بإبهام القائلين، وكذا في رواية البخاريّ في "الطلاق" من طريق سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين.
وفي رواية البخاري في "الصلاة" من رواية الأعرج عن أبي هريرة ﵁: "وأشار بيده يقللَّها"، قال في "الفتح": هكذا هنا بإبهام الفاعل، وفي رواية أبي مصعب عن مالك: "وأشار رسول الله ﷺ "، وفي رواية سلمة بن علقمة، عند البخاري في "الطلاق": "ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يزهدها"، وبَيَّنَ أبو مسلم الكجيّ أن الذي وضع هو بشر بن المفضل راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنه فسر الإشارة بذلك، وأنها ساعة لطيفة تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره.
وبهذا يحصل الجمع (٢) بينه، وبين قوله: "يزهّدها"، أي يقللها, ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة: "وهي ساعة خفيفة"، وللطبراني في "الأوسط" في حديث أنس ﵁: "وهي قدر هذا، يعني قبضة". قال الزين ابن المنيّر: الإشارة لتقليلها هو الترغيب فيها، والحضّ عليها, ليَسَارَة وقتها، وغَزَارَة فضلها انتهى (٣). والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ رَبَاحِ، عَنْ مَعْمَرِ، عَنِ
الزُّهْرِيُّ، إِلَّا أَيُّوبَ بْنَ سُوَيْد، فَإِنَّهُ حَدَّثَ بهِ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ، وَأَبِي
سَلَمَةَ، وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ) (٤).
стр. 9597
قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: هكذا ذُكِرَ في نسخ "المجتبى" التي بين يديّ هذا الكلامُ هنا عَقِبَ حديث أيوب، عن ابن سرين، والظاهر أنه متعلق بحديث الزهري، عن ابن المسيّب، الذي قبل هذا، فكان الأولى ذكره هناك، فلعلّه من تصرف النُّسَّاخ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لم أر من أخرج رواية سويد التي أشار إليها المصنف --رحمه الله تعالى-- هنا. فالله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: "أيوب بن سُويد" هذا هو الرَّمْليّ، أبو مسعود الْحِمْيَريّ، السَّيباني- بمهملة مفتوحة، ثم تحتانية ساكنة، ثم موحدة- من رجال أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه فقط، وهذا الذي قاله المصنف ﵀ من أنه متروك قاله غيره أيضًا:
فعن أحمد أنه قال: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء يسرق الأحاديث. وذكر الترمذي أن ابن المبارك ترك حديثه. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال الخليلي: لم يرضوا حفظه، وقال الساجي: ضعيف ارم به. وقال الآجريُّ، عن أبي داود: ضعيف. وقال الْجُوزجاني: واهي الحديث. وقد طول الكلام فيه في "تت" جـ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥ (١) فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت, وإليه أنيب".
…
١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ)
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالّة على مشروعية تقصير الصلاة في حال السفر. قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: "التقصير" مصدر قصّر، يقال: قصرت الصلاة -بفتحتين- مخففا قَصْرًا، وقصّرتها تقصيرًا، وأقصرتها إقصارًا، والأول أشهر في الاستعمال، والمراد به هنا تخفيف الرباعية إلى ركعتين.
والسَّفَر -بفتحتين-: قطع المسافة، قال الفيّومي: سَفَر الرجل، سَفْرًا، من باب ضرب، فهو سافر، والجمع سَفْر، مثلُ راكب ورَكْب، وصاحب وصَحْب، وهو مصدر
стр. 9598
في الأصل، والاسم السَّفَر بفتحتين، وهو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَدْوَى (١) , لأن العرب لا يُسمّون مسافة العَدْوى سفَرًا. انتهى (٢).
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح، ولا في صلاة المغرب. وقال النوويّ: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يُشترط في القصر الخوفُ في السفر، وبعضهم كونه سفر حج، أو عمرة، أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة، والثوريّ في كلّ سفر، سواء كان طاعة، أو معصية. قاله في "الفتح" (٣).
قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: سيأتي ترجيح ما قاله أبو حنيفة، والثوري - رحمهما الله تعالى-؛ لإطلاق النصوص، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٣٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ, عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ (٤) عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] , فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ, فَقَالَ عُمَرُ ﵁: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ, فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين.
٢ - (عبد الله بن إدريس) الأودي أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد [٨] تقدم ٨٥/ ١٠٢.
٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل نسب لجده [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن أبي عَمّار) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشيّ المكيّ، حليف بني الْجُمَح، الملقب بـ"القَسّ" بفتح القاف، -وتشديد السين المهملة- لعبادته، ثقة عابد [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير،، وجابر، وشدّاد بن الهاد، وعبد اللَّه
стр. 9599
ابن بابيه. وعنه عبد الملك بن عبيد بن عُمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، ويوسف ابن ماهك، وعكرمة بن خالد.
قال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني. روى له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و (١٩٥٣) حديث. "إن تَصْدُق اللَّه يصدُقْك … " الحديث، و (٢٨٣٦) حديث: "فأمرني بأكلها، قلت: أصيد هو؟ … " الحديث، وأعاده برقم (٤٣٢٥).
٥ - (عبد اللَّه بن بابيه) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل حُجير بن أبي
إهاب، ويقال: مولى يعلي بن أمية، المكي، ثقة [٤] تقدم في ٤١/ ٥٨٥.
٦ - (يعلى بن أمية) بن أبي عُبيدة بن همام التميمي حليف قُريش، وهو يعلى ابن مُنية، وهي أمه، صحابي مشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة بضع وأربعين، تقدم في ٧/ ٤٠٦.
٧ - (عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، وتابعي، عن تابعي، وهو سند مكي، غير شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، وشيخ شيخه، فكوفي. ومنها: أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين إلى الإِسلام. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَعْلَى بْنِ أمَيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب) - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولفظ أبي داود: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناسَ الصلاة، وإنما قال اللَّه : ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب اليوم … " ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي وزر وحرج ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ بضم الصاد، أي في القصر، وهو خلاف المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء: أي جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ينبغي أن يكون مفعولا لـ"تقصروا" على زيادة "من" حسب ما رآه الأخفش، وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون المقصور بعضًا منها، وهو الرباعيات. قاله أبو السعود في "تفسيره"
стр. 9600
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ينالوكم بمكروه (فقَدْ أَمِنَ النَّاسُ) أي ذهب خوفهم الذي كان سببًا لمشروعية القصر، فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال السبب؟ (فَقَالَ عُمَرُ ﵁: عَجبْت) أنا (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْه) أنت (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن قصر الصلاة مع زوال الخوف، وحصول الأمن (فَقَالَ) ﷺ (صدَقَةٌ) خبر لحذوف، أي قصر الصلاة صدقة.
قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: أي شرع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة عنكم، نظرًا إلى ضعفكم، وفقركم. وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من القيد، فهو اتفاقيّ ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا مفهوم له، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبي ﷺ قرّرهم على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب.
فإن قلت: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضا، بناء على أن الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، جاءت مقيدةً لضرورة، فعنوإنتفاء القيد مُقتَضَى الأدلّة هو الأخذ بالأصل.
قلت: هذا الأصل إنما يُعمل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل النبي ﷺ بخلاف، فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل انتهى كلام السندي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الإِمام ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللَّه ﷺ ، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللَّه، وشَرْعٌ شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له انتهى.
(تَصَدَّقَ اللَّهُ) أي تفضل اللَّه تعالى (بَها عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) أي سواء حصل الخوف أم لا، وإنما قال في الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ , لأنه قد خرج مخرج الأغلب، لكون أغلب أسفار النبي ﷺ وأصحابه لم تخل من خوف، لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ لا تدلّ الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف, لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له.
قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضا العبد فقير، فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحًا، ويكون من قبيل ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]، وفي ردّ صدق أحد عليه من التأذي عادةً ما لا يخفى، فهذه من أمارات الوجوب، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
стр. 9601
وسيأتي اختلاف أهل العلم في حكم القصر في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى في درجته:
حديث عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١/ ١٤٣٣ - وفي "الكبرى" -١/ ١٨٩١ عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلي بن أمية, عنه. وفي "الكبرى" في "التفسير" -١١١٢٠ - عن شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج به.
وأخرجه (م) ٢/ ١٤٣ (د) ١١٩٩ - و١٢٠٠ (ت) ٣٠٣٤ (ق) ١٠٦٥ (أحمد) ١/ ٢٥ و١/ ٣٦ (الدارمي) ١٥١٣ (ابن خزيمة) ٩٤٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر.
ومنها: بيان رحمة اللَّه تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شرع لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٨٧].
ومنها: جواز القصر في السفر من غير الخوف.
ومنها: جواز قول: "تصدق اللَّه علينا"، و"اللهم تصدق علينا"، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: وهو غلط ظاهر.
ومنها: أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه.
ومنها: أن المفاهيم معتبرة في الشرع, حيث إن عمر ﵁ فهم من قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبي ﷺ على ذلك، ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقة غير مقيدة بالخوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم القصر في السفر:
قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في إتمام الصلاة في السفر، فروينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وروينا عن
стр. 9602
جابر بن عبد اللَّه ﵄ أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر ﵄: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر, وسئل ابن عمر عن صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف الحسنة، فقد كفر (١). وروينا عن ابن عباس ﵄، قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين (٢). وقالت عائشة ﵄: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت الركعتان على هيئتها في السفر.
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما. وكان حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا. وقال قتادة: يصلي المسافر ركعتين حتى يرجع، إلا أن يدخل مصرًا من الأمصار، فيتمّ. وقال الحسن: لا أبا لك أتُرى أصحاب رسول اللَّه ﷺ تركوها لأنها ثقلت عليهم؟.
وسئل مالك عن مسافر أم مقيمًا، فأتمّ لهم الصلاة جاهلاً، ويتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه.
واختلف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنة ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا شيء عليه.
وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين الأولبين قدر التشهد، فصلاته فاسدة, وعليه أن يعيد, لأن صلاة المسافر ركعتان، فما زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلاً لما بينهما.
وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر أربعًا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر انتهى كلام ابن المنذر باختصار (٣).
стр. 9603
وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الاختلاف: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج:
الأولى: ملازمة النبي ﷺ للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر ﵁ الآتي ٥/ ١٤٥٨ - ولم يثبت عنه ﷺ أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيم. وأما حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: "كان يقصر في السفر، ويُتمّ"، فلم يصح. ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
والحجة الثانية: حديث عائشة ﵂ المتفق عليه بألفاظ:
منها: "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر"، وهو دليل ناهض على الوجوب, لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة:
منها: أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتاً لنُقل تواترًا. وقد تقدم عن هذه الأجوبة في أوائل كتاب الصلاة ٣/ ٤٥٥.
ومنها: أن المراد بقولها: "فرضت" أي قدّرت، وهو خلاف الظاهر.
ومنها: ما قاله النووي: إن المراد بـ"فرضت" أي لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل ما قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى- تأويل صحيح، لا تعسف فيه، كما يأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها: المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها.
والحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄، أنه قال: "إن اللَّه فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، والخوف ركعة"، فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن اللَّه أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للَّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان.
والحجة الرابعة: حديث عمر ﵁ عند النسائي-٣٧/ ١٤٢٠ - وغيره: "صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان،، تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ ".
стр. 9604
وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا، ثم قُصرت، وقوله: "على لسان محمد ص" تصريح بثبوت ذلك من قوله ﷺ .
والحجة الخامسة: حديث ابن عمر ﵄ المتقدم للمصنف -٣/ ٤٥٧ - : "إن رسول اللَّه ﷺ أتانا، ونحن ضُلّال، فعلمنا، فكان فيما علمنا أن اللَّه أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر".
واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحجج:
الأولى: منها قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية، ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه.
وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم لقرعية قصر العدد. قال في "الهدي" -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن, وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية انتهى (١).
الحجة الثانية: قوله ﷺ : في حديث الباب: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم"، فإن الظاهر من قوله: "صدقة" أن القصر رخصة فقط.
وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب.
الحجة الثالثة: ما في "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه ﷺ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يحيب بعضهم على بعض، كذا قال النووي في "شرح مسلم"، ولم نجد في "صحيح مسلم" قوله: "فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ"، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا
стр. 9605
ثبت ذلك، فليس فيه أن النبي ﷺ اطلع على ذلك، وقرّرهم عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره ﷺ ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات.
قال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: أحسنها (١) أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم"، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في "مسنده"، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه.
الحجة الرابعة: حديث عائشة ﵂: "كان يقصر في السفر، ويتمّ"، وقد تقدم أنه لا يصحّ (٢).
وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب.
وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمدفوعة بملازمته ﷺ للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، كما تقدم، ويبعد أن يلازم ﷺ طول عمره المفضول، ويدع الفاضل انتهى كلام الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح قول من قال بجواز الإتمام مع أفضلية القصر, لأن الأدلة التي ذكرها القائلون بعدم جواز الإتمام ليست صريحة قطعية في الدلالة عليه، حيث إنها تقبل التأويل، كما تقدم في كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى-، وإنما حملني على ترجيح هذا القول بعد طول التوقف فيه اتفاق الصحابة الذين حجوا مع عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهم - على صحة صلاة عثمان، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلوا معه، واعتدوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يصلوا معه، وأما إنكارهم فلمخالفته ما كان عليه النبي ﷺ من ملازمة القصر، لا لعدم
стр. 9606
جواز الإتمام.
وأما القول بأفضلية الإتمام فلا وجه له؛ لمخالفته لما لازمه رسول اللَّه ﷺ مدة حياته، فالأفضل هو الذي داوم عليه، وإنما الكلام في الجواز فقط. هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر:
قال الإِمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرا يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر الصلاة ما دام مسافرًا.
واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه، فقال أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أنا يقصر الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار.
وفيه قول ثان: قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: لا يقصر إلا في حج، أو جهاد، وروينا عن عمران بن حصين ﵄ قال: إنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً (١) , أو يحضره العدو.
ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلب، أن عثمان بن عفان ﵁، كتب أنه بلغني أن رجالاً يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر (٢)، ثم لا يُتمون الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ.
وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول: يقصر في كل ذلك.
واختلفوا فيمن سافر في معصية اللَّه، ففي قول للشافعي، وأحمد عليه أن يُتمّ، وليس له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغيًا على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقًا، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافرًا في معصية.
стр. 9607
وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة، ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية.
وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال العلامة صديق حسن القنّوجي -رحمه اللَّه تعالى-: والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر، لأن صلاة المسافر شرعها اللَّه كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعًا، ومن كان عاصيًا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولاً زائدا على تناول أدلة الإفطار له, لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامة، وإنما المراد بطلان القياس انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل مسافر، مطيعاً كان، أو عاصيًا؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجي -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ, أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ, وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِى إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ , وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَفْعَلُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قريبًا.
٢ - (الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة [٧] تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) تقدم قريبًا.
٤ - (عبد اللَّه بن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، صدوق [٦] تقدم ٣/ ٤٥٧.
стр. 9608
٥ - (أمية بن عبد اللَّه بن خالد) الأموي المكي، ثقة [٣] تقدم ٣/ ٤٥٧.
٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب ﵄ تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، تقدم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- برقم -٣/ ٤٥٧ - رواه هناك عن يوسف بن سعيد، عن حجاج ابن محمد، عن محمد بن عبد اللَّه الشُّعَيثيّ، عن عبد اللَّه بن أبي بكر به، بلفظ: "قال لابن عمر: كيف تقصر الصلاة، وإنما قال اللَّه : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: يا ابن أخي إن رسول اللَّه ﷺ أتانا، ونحن ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن اللَّه أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر". وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك.
ودلالته على ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية تقصير الصلاة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ, عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ, لَا يَخَافُ إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ, يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) المذكور قبله.
٢ - (هُشيم) بن بَشير الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي [٧] تقدم ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، ثقة ثبت عابد [٦] تقدم ٥/ ٤٧٥.
٤ - (ابن سيرين) تقدم قريبًا.
٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9609
شرح الحديث
(عَنٍ ابْن عَبَاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَن رَسُول اللهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ مَكَةَ إِلَى الْمَدينَةِ) أي بعد فتح مكة، والظاهر أنه أراد خروجه بعد فراغه من حجة الوداع، واللَّه تعالى أعلم (لَا يَخَافُ إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي لدخول الناس في دين اللَّه تعالى، فليس هناك عدوّ يُخاف مهاجمته للمسلمين، وهم في الصلاة (يُصَلِّي رَكعَتَيْنِ) أراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنه - بهذا الردّ على من كان يرى أن مشروعية القصر في السفر مشروطة بالخوف، متمسكًا يقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الآية، فبين أن النبي ﷺ قصر مع زوال السبب الذي ذُكر في الآية.
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه-١/ ١٤٣٥ - وفي "الكبرى" -١/ ١٨٩٣ - عن قتيبة، عن هُشيم، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين عنه. وفي -١/ ١٤٣٦ - و"الكبرى" عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون, عن ابن سيرين, به.
وأخرجه (ت) ٥٤٧ (أحمد) ١/ ٢١٥ و٢٢٦ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٦٢ و٣٦٩ (عبد بن حميد) ٦٦٢ و٦٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (١) ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَا نَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.
стр. 9610
٣ - (ابن عون) عبد اللَّه بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت [٥ (١)] تقدم ٢٥/ ٣٣ والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) شُعْبَةُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ عُبَيْدٍ, يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ, عَنِ ابْنِ السِّمْطِ, قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, يُصَلِّي بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ, فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) تقدم أول الباب.
٢ - (النضر بن شُميل) النحويّ، أبو الحسن البصري نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] تقدم ٤١/ ٤٥.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (يزيد بن خُمير) -مصغّرا- الرَّحْبيّ -بمهملة ساكنة- الهمداني، أبو عمرو الحمصي الزياديْ، صدوق [٥].
روى عن عبد اللَّه بن بُسر، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن جُبير، وحبيب بن عبيد، وغيرهم. وعنه صفوان بن عمرو، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم.
وثقه شعبة، وابن معين، والنسائي، وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، وقال حرب عن أحمد: كان كيّسًا، وحديثه حسنٌ، وقال الخضر بن داود عن أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحّه، ورفع أمره. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال العُقيلي: قال الفلاّس: سمعت يحيى بن سعيد يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي بكر مرسلاً أحب إليّ من يزيد بن خُمير، عن سُليم بن عامر، عن أوسط (٣)، عن أبي بكر. يعني أن ذاك المنقطع أحب إليه من هذا المتصل، قال: وسئل وكيع عن أحاديث أبى بكر، فجعل لا يُصحح منها شيئًا، فذكر له حديث يزيد بن خُمير؟، فقال: ذاك شامي. وقال أبو رزعة الدمشقي: رَوَى عنه حَريز بن عثمان، فقلب اسمه. وقال الهيثم بن عديّ: قلت لشعبة: رويتَ عن يزيد بن خُمير، وكان شُرْطيّا
стр. 9611
لهشام؟ قال: ويحك كان صدوقًا. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (حَبيب بن عُبيد) الرَّحَبي، أبو حفص الحمصي، ثقة [٣]. تقدم ٥٠/ ٦٢.
٦ - (جُبَير بن نُفير) الحضرمي الحمصيّ، ثقة مخضرم جليل [٢] تقدم ٥٠/ ٢٥٠.
٧ - (ابن السِّمْط) هو شُرَحبيل بن السِّمْط -بكسر السين المهملة، وسكون الميم- ابن الأسود بن جَبَلَة بن عديّ بن رَبيعة بن مُعاوية، الكنديّ، أبو معاوية، ويقال: أبو السمط الشاميّ، مختلف في صحبته.
روى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وسلمان، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. وعنه جُبير ابن نُفير، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن زيد، وغيرهم.
قال ابن سعد: جاهلي إسلامي، وفد على النبي ﷺ ، وشهد القادسية، وافتتح حمص. وقال النسائي: ثقة. وجزم البخاري في "تاريخه" بأن له صحبة. وذكره ابن حبّان في الصحابة، فقال: كان عاملا على حمص، ومات بها، ثم أعاده في ثقات التابعين. وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبة. وذكر خليفة أنه كان عاملاً لمعاوية على حمص نحوًا من عشرين سنة. وقال ابن عبد البرّ: شهد صفّين مع معاوية. وقال أبو عامر الْهَوْزَني: حضرت مع حبيب بن مسلمة جنازة شُرَحبيل. وقال صاحب "تاريخ حيص": توفي بسَلَميّةَ سنة (٣٦) بلغني أنه هاجر إلى المدينة زمن عمر. وقال أبو داود: مات شُرحبيلُ بصفّين. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (٤٠). روى له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث.
٨ - (عمر بن الخطاب) ﵁ المذكور في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رواته كلهم رواة الصحيح. ومنها: أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، فيزيد بن خُمير، فمن فوقه تابعيون، وكلهم شاميون، وهذا إن قلنا: إن شُرحبيل تابعي، وإلا فقد تقدم القول بصحبته، فيكون من رواية صحابي، عن صحابي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ السِّمْطِ) هو شُرحبيل (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يُصَلِّي بِذِي الْحُلَيْفَةِ) اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سمي الَموضع به، وهو ميقات أهل المدَينة، نحو مرحلة عنها، ويقال: ستة أميال. قاله الفيّومي (رَكْعَتَينِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ
стр. 9612
ذلِكَ؟) أي عن كونه قصر في هذه المسافة، وفي رواية مسلم: "عن جُبير بن نفير، قال: خرجت مع شُرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلاً، - وفي رواية: إنه أتى أرضا يقال لها دُومِين من حمص على رأس ثمانية عشر ميلا- فصلى ركعتين، فقلت له؟، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحُليفة ركعتين، فقلت له؟ … " (فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ) وفي نسخة: "أنا أفعل" (كَمَا رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ) أي فإنه كان يقصر في مثل ذلك، أو أراد فعله ﷺ في حجة الوداع حيث صلى هناك العصر ركعتين، واللَّه أعلم.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليل لأهل الظاهر،
ولا دلالة فيه بحال, لأن الذي فيه عن النبي ﷺ ، وعمر ﵁ إنما هو القصر بذي الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قصر شُرحبيل على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلاً، فلا حجة فيه, لأنه تابعي، فعل شيئًا يخالف الجمهور، أو يُتأول على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر، ونقله ذلك عن النبي ﷺ ، واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: أو يتأول على أنها الخ" فيه نظر، إذ يُبعد هذا التأويل قوله: أتى أرضا يقال لها دُومين، فإنه ظاهر في أن تلك الأرض كانت غاية سفره، فليُتأمل. وسيأتي تحقيق الخلاف في تحديد مسافة القصر في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١/ ١٤٣٧ - وفي "الكبرى"- ١/ ١٨٩٥ - بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٢/ ١٤٥ (أحمد) ١/ ٢٩ و١/ ٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في المسافة التي تُقصر فيها الصلاة:
قال الإِمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة.
واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار
стр. 9613
التي رويت عن ابن عمر، وأبي عباس.
من ذلك أن ابن عمر ركب إلى ريم (١) فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد، وأن ابن عباس ﵄ سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا, ولكن إلى عُسفان، وإلى جُدّة، وإلى الطائف، وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين، ويُفطران في أربع برد، فما فوق ذلك.
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكى أبو ثور ذلك عن مالك، والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبد الملك الماجشون.
وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال، هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلاً بالهاشميّ، ثم قال بمصر: للمرىء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث، احتياطًا على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي.
وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر كان يقصر في اليوم التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلاً، وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تام، ثلاثون ميلاً، وثابت عن ابن عباس أنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم.
وقالت طائفة: من سافر ثلاثًا قصر، روينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن، قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام.
وفيه قوله خامس: روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه خرج إلى النُّمَيلة (٢)، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم ﷺ . وروينا عن ابن عمر ﵄، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأقصر، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصر بعرفة.
قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول من قال لأهل مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة.
стр. 9614
وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا.
قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن المنذر باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لما لم يوجد نص قاطع في تحديد مسافة القصر، حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة ﵁، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب، حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر شرعًا، فوجدنا النبي ﷺ سمى ثلاثة أيام سفرًا، وسمى اليومين سفرًا، وسمى إليوم سفرًا، وسمى البريد أيضًا سفرًا، فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفرًا هو البريد، فثبت كون البريد سفرًا بالنصّ، لكن لما صح حديث أنس ﵁ في "صحيح مسلم" وغيره، من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الْهُنّائي، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين -شعبة الشاك- ورواه أيضًا أحمد، وأبو داود.
علمنا من هذا النص أن ثلاثة فراسخ في أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعًا، وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها, لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ احتياطًا، فتببن من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ (٢).
قال في "الفتح": وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس … فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه انتهى (٣).
فتبين بما قاله في "الفتح" أن هذا الحديث ذكره أنس - رضي اللَّه تعالى - تحديدا للمسافة التي كان النبي ﷺ إذا خرج إليها قصر الصلاة.
стр. 9615
والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر وغيره، هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب (١)، وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مَدّ البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه, وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت.
وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شَعيرات معترضة معتدلة انتهى.
وهذا الذي قاله: هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب "البيان"، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبد البرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن ذلك بألف خطوة للجمل.
قال الحافظ: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا. وهذه فائدة نفيسة قلّ من نبّه عليها انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ, فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ, فَأَقَامَ بِهَا عَشْرًا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل حديث.
٢ - (أبو عوانة) وَضّاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٤١/ ٤٦.
٣ - (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم البصري النحوي، صدوق ربما أخطأ [٥].
روى عن أنس،، وسالم بن عبد اللَّه، وسلمان الأغرّ، وغيرهم. وعنه محمد بن
стр. 9616
سيرين أكبر منه، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين عن عبد العزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي إسحاق، أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن، وعلم بالعربية والنحو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العقيلي: قال أحمد ابن حنبل: في حديثه نكارة. وقال يحيى بن معين: في حديثه بعض الضعف.
قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٦)، وهو مولى الحضارمة. وقال ابن حبان: مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين. روى له الجماعة، وروى له المصنف في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (٨٦) من رعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى - بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٢)، وقد جاوز مائة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) ولفظ البخاري من طريق عبد الوارث، عن يحيى بن أبي إسحاق: "خرجنا مع النبي ﷺ "، وذلك في حجة الوداع (مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ) ولفظ البخاري: "فكان يصلي ركعتين ركعتين"، وفي رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس: "إلا المغرب" (حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: "حتى رجعنا إلى المدينة" (فَأَقَامَ) وفي نسخة: "وأقام" بالواو (بِهَا) أي بمكة، والمراد إقامته بها، وبحواليها، من مني وعرفة (عَشْرًا) أي عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكر، وهو اليوم, لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث.
قال في "الفتح": لا يُعارض ذلك حديث ابن عباس ﵄: "أقام النبي ﷺ تسعة عشر يومًا يقصر", لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع.
وفي الحديث أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وفيه إطلاق اسم البلد على ما جاورها، وقرب منها, لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم،
стр. 9617
فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة، إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل الحرم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان كذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ١٤٣٨ - وفي "الكبرى"-١/ ١٨٩٦ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عنه. وفي ٤/ ١٤٥٢ - و"الكبرى" ٤/ ١٩١٠ - عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن يحيى به. وفي "الكبرى" عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل ابن عُلية، عن يحيى به.
وأخرجه (خ) ٢٥/ ٥٣ و ٥/ ١٩٠ (م) ٢/ ١٤٥ و (د) ١٢٣٣ (ت) ٥٤٨ (ق) ١٠٧٧ (أحمد) ٣/ ١٨٧ و ٣/ ١٩٠ و ٣/ ٢٨٢ (الدارمي) ١٥١٨ (ابن خزيمة) ٩٥٦ و ٢٩٩٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوِكيل.
١٤٣٩ - أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: أَبِي, أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ -وَهُوَ السُّكَّرِىُّ- عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ﵄).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن علي بن الحسن بن شقيق) المروزي، ثقة صاحب حديث [١١] تقدّم ٢٢/ ٢٠٦.
٢ - (علي بن الحسن بن شقيق) أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] تقدم ٢٢/ ٢٠٦.
٣ - (أبو حمزة السكريّ) محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضل [٧] تقدم ٢٢/ ٢٠٦.
٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢/ ٢.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه المثبت الكوفي [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣.
стр. 9618
٦ - (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/ ٧٧.
٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. ومنها: أنه مسلسل بالمراوزة إلى أبي حمزة، وبالكوفيين بعده. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، منصور (١)، وإبراهيم، وعلقمة، وكلهم كوفيون. واللَّه تعالى أعلم.
وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، انفرد به المصنف، أخرجه هنا-١/ ١٤٣٩ - وفي "الكبرى" -١/ ١٨٩٧ - بالسند المذكور.
ودلالته على ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: صَلَاةُ الْجُمُعًةِ رَكْعَتَانِ، وَالْفِطْرِ
رَكْعَتَانِ، وَالنَّحْرِ رَكْعَتَانِ، وَالسَّفَرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ، غَيْرُ قَصْرِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - صلي اللَّه عليه وسلم -).
قال الجامع -عفا اللَّه تعالى عنه-: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- في ٣٧/ ١٤٢٠ - رواه عن علي بن حُجْر، عن شَريك، عن زُبَيد به.
وتقدم الكلام عليه سندا ومتنا، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته هنا.
وممن لم يُذكر هناك من رجال إسناده:
١ - (حُميد بن مَسعدة) الباهلي البصري، صدوق [١٠] تقدم ٥/ ٥.
٢ - (سُفيان بن حُبيب) البصري البزاز، ثقة [٩] تقدم ٦٧/ ٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
و"زبيد" هو ابن الحارث اليامي.
وبقية الكلام تُراجع هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤١ - أَخْبَرَنا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
стр. 9619
عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ, عَنْ أَيُّوبَ -وَهُوَ ابْنُ عَائِذٍ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ, عَنْ مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ أَرْبَعًا, وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ, وَصَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعافَى الحَرّاني، صدوق [١٠] تقدم ١٩١/ ٣٠٦.
٢ - (محمد بن سَلَمة) بن عبد اللَّه الباهلي مولاهم الحرّابي، ثقة [٩]، تقدم ١٩١/ ٣٠٦.
٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد الأموي مولاهم الحرّاني، ثقة [٦]، تقدم ١٩١/ ٣٠٦.
٤ - (زْيد) بن أبي أُنيسة الجزري، الكوفي الأصل، ثم الرُّهَاوي، ثقة له أفراد [٦] تقدم ١٩١/ ٣٠٦.
٥ - (أيوب بن عائذ) بن مُدلج الطائي البُحتُريّ -بضم الموحّدة، وسكون المهملة، وضم المثناة- الكوفي، ثقة رُمي بالإرجاء (٦).
روى عن قيس بن مسلم، وبكير بن الأخنس، والشعبي. وعنه زيد بن أبي أنيسة، والسفيانان، وغيرهم. قال البخاري، عن علي: له نحو عشرة أحاديث. وقال الدُّوريّ: عن يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، صدوق. وقال البخاري: كان يرى الإرجاء، وهو صدوق، وليس له عنده سوى حديث واحد. وقال ابن المبارك: كان صاحب عبادة، ولكنه كان مرجئًا. وقال إين حبان في "الثقات": كان مرجئًا يخطئ. وقال أبو داود: لا بأس به، وفي رواية: ثقة. إلا أنه مرجىء. وقال ابن المديني: حدثنا سفيان، حدثنا أيوب بن عائذ -وكان ثقة-. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. روى له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٦ - (بُكير بن الأخنس) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثي، كوفي ثقة [٤] تقدم ٣/ ٤٥٦.
٧ - (مجاهد أبو الحجّاج) ابن جبر المخزومي المكيّ الإمام الحجة الثبت [٣] تقدم ٢٧/ ٣١.
٨ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح،
стр. 9620
غير شيخه، فإنه من أفراده. ومنها أنه مسلسل بالحرانيين إلى زيد، وبكير كوفيّ، والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: فُرِضَتِ صَلَاةُ الْحَضَرِ) أي الرباعية (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) أي بوحي من اللَّه تعالى، لقوله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] (أَرْبَعًا) منصوب على الحال، أي حال كونها أربع ركعات بعد أن كانت ركعتين، ثم قصرت في السفر، فكانت صلاة السفر كأنها ما زيد فيها، وهذا معنى قوله (وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) فلا يعارض هذا الحديث حديث عائشة ﵂: "فرض اللَّه الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر، والسفر … "، وقد تقدم وجه الجمع مفصلا في أوئل كتاب الصلاة -٣/ ٤٥٣ -
وقوله: "صلاة السفر" بالرفع عطفًا على "صلاة الحضر"، وقوله: "ركعتين" بالنصب عطفَا على "أربعًا"، فيه عطف المعمولين علي معمولي عامل واحد، وهو جائز بلا خلاف، فـ"صلاة" مرفوع بـ "فُرضت"، و"أربعا" منصوب على الحال به، ومثله إعراب قوله (وَصَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةً) أي فرضت ركعة واحدة، وفيه أن اللازم في الخوف ركعة واحدة، وبه قال طائفة من السلف، وهو الراجح، وخالف في ذلك الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه من "كتاب صلاة الخوف"، إن شاء اللَّه تعالى ١٨/ ١٥٣٢.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى-٣/ ٤٥٦ - رواه عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن أبي عوانة، عن بُكير به، وتقدم الكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقوبُ بْنُ مَاهَانَ، قَالَ: حَدَّثنَا الْقَاسِمُ بنُ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الخَوْفِ رَكْعَةَ").
قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، وممن لم يتقدم من رجاله هناك:
١ - (يعقوب بن مَاهَان) البَنَّاء، مولى بني هاشم، أبو يوسف البغدادي، صدوق [١٠].
стр. 9621
روى عن هُشيم، والقاسم بن مالك. وعنه النسائي، وأبو حاتم، ويعقوب بن سُفيان، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: كَتَبَ عنه أبي، وسألته عنه؟ فقال: صدوق، قال: وقال لي حجاج بن الشاعر: ليس ببغداد مثل يعقوب بن ماهان. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب، مات سنة (٢٤٤) وفيها أرّخه السرّاج. انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٢ - (القاسم بن مالك) الْمُزَني، أبو جعفر الكوفي، صدوق، فيه لين، من صغار ﴿٨﴾.
روى عن المختار بن فُلفُل، وابن عون، وأيوب بن عائذ، وغيرهم. وعنه أحمد، وابن المديني، وابن معين، ويعقوب بن ماهان، وغيرهم.
قال أبو داود، عن أحمد: كان صدوقًا، قال: وذُكر أنه كان يلي بعض العمل في السواد. وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ما كان به بأس، صدوق. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ليس له بأس، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وليس بالمتين. وقال إبراهيم بن عبد اللَّه الهَرَوِيُّ، ومحمد ابن عبد اللَّه بن عَمَّار، وأبوه الحسن العجلي: ثقة. وقال الساجيّ: ضعيف، وقد روى عنه علي بن المديني، والناس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره ابن سعد في أهل الكوفة، وقال: كان ثقة، صالح الحديث، بقي إلى بعد التسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، و (٢٥١٩) حديث: "كان الصالح على عهد رسولى اللَّه ﷺ مدّا وثلثًا … ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - (بَابُ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان حكم المسافر بن من الْحُجّاجّ حينما ينزلون مكة لأداء المناسك، وذلك أنهم يقصرون الصلاة، ولا يتمّون؛ لأنهم لا يخرجون عن حكم السفر بسبب إقامتهم بها أيام الحج،
стр. 9622
فقد أقام النبي ﷺ ، وأصحابه ﵄ بها أيام الحج، فقصروا، كيا يأتي في حديث أنس ﵁ واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, فِي حَدِيثِهِ, عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّى بِمَكَّةَ, إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ؟ , قَالَ: رَكْعَتَيْنِ, سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة ﴿١٠﴾ تقدم ٥/ ٥.
وقوله: "في حديثه" متعلق بـ "أخبرنا"، أو بحال محذوف، أي حال كون هذا الحديث كائنًا في جملة ما حدثنا به عن خالد بن الحارث.
٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) هو المذكور في الباب الماضي.
٤ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصري، ثقة ثبت مدلس [٤]، تقدم ٣٠/
٣٤.
٥ - (موسى بن سَلَمَة) بن المحبَّق -بمهملة، وموحّدة بوزن محمد- الهُذَلي البصريّ، ثقة [٤].
روى عن ابن عباس. وعنه ابنه مثنى، وقتادة، وأبو التيّاح.
قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد. كان قليل الحديث. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده، و (٢٦٣٣) حديث: "نعم لو كان على أمها دين، فقضته … " الحديث.
٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ذكر في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. ومنها: أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9623
شرح الحديث
عن موسى بن سَلَمَة أنه (قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ) ﵁ (كَيْفَ أَصَلِّى بمَكَّهَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ؟) وفي الرواية التالية: "قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ ". والبَطحَاء: مَسيل فيه دُقاق الحصى، وقيل: بطحاء الوادي تُراب لين مما جَرّته السيول، والجمع بطحاوات، وبطاح بالكسر (١).
(قَالَ) أي ابن عباس ﵄ (رَكْعَتَيْنِ) أي صل ركعتين قصرًا (سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ص) بالنصب على الحالية، ويحتمل الرفع خبرا لمحذوف، أي هذه سنة أبي القاسم ﷺ .
يعني أن القصر للحاج المسافر أيامَ إقامته بمكة سنةُ النبي ﷺ ، فالأيام التي يقيمها خلال أداء النسك تُعتبر من جملة السفر.
والحاصل أن الحاج أيام أداء المناسك في مكة، وفيما حولها من منى، ومزدلفة، وعرفة، ونحوها، يُعتبر مسافرًا، فيقصر صلاته، سواء صلاها جماعة، أو منفردًا،
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ١٤٤٣ - وفي "الكبرى"-٢/ ١٩٠١ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، عنه. وفي ٢/ ١٤٤٤ - و"الكبرى" ٢/ ١٩٠٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زُرَيع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به.
وأخرجه (م) ٢/ ١٤٣ و ٢/ ١٤٤ (أحمد) ١/ ٢١٦ و١/ ٢٩٠ و١/ ٣٣٧ (ابن خزيمة) ٩٥١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ,, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, أَنَّ مُوسَى بْنَ سَلَمَةَ, حَدَّثَهُمْ, أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ, قُلْتُ: تَفُوتُنِي الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ, وَأَنَا بِالْبَطْحَاءِ, مَا تَرَى أَنْ أُصَلِّيَ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ, سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ).
стр. 9624
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريُّ البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/، ٤٧ من أفراد المصنف.
٢ - (يزيد بن زُريع) البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٥/ ٥
والباقون تقدموا في الذي قبله، وكذا الكلام على الحديث.
وقوله: "قلت" فيه التفات، إذا الظاهر أن يقول: "قال". وقوله: "ما" في "ما ترى" استفهامية. وقوله: "ركعتين" مفعول لمحذوف، أي صلّ ركعتين. وتقدم إعراب "سنة أبي القاسم" في الحديث السابق.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣ - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مِنَى)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "منى" بكسر الميم، وتخفيف النون، مقصورًا: اسم موضع بمكة، والغالب فيه التذكير، فيصرف. وقال ابن السرّاج: ومنى ذَكَرٌ، والشام ذكر، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أنّث مُنع، أي من الصرف، وأمنى الرجلُ بالألف: أتى مني، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسُمي منى لما يُمنى فيه من الدماء، أي يُراق. قاله الفيومي (١).
قال الحريريّ في "ملحته" مبينًا بعض ما يُصرف من البقاع:
وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلاَّ بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنِ وَمِنًى وَبَدْرِ … وَوَاسِطٍ وَدَابِقِ وَحِجْرِ
والصلاة في منى ممْا اختلف فيها أهل العلم، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9625
١٤٤٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ, قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ, وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.
٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفي الكوفي ثقة ثبت [٧] تقدم ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفى، ثقة عابد اختلط بآخره (٣) تقدم ٣٨/ ٤٢.
٤ - (حارثة بن وهب الْخُزَاعي) أخو عُبيد اللَّه بن عمر لأمه، واسمها أم كلثوم بنت جَرْول بن مالك الخزاعية، صحابي نزل الكوفة، - رضي اللَّه تعالى عنه -.
روى عن النبي ﷺ وعن جندب الخير الأزديّ، قاتل الساحر، وحفصة بنت عمر. وعنه معبد بن خالد، وأبو إسحاق السبيعي، والمسيب.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده،
و (٢٥٥٥) حديث: "تصدّقوا، فإنه سيأتي عليكم زمان يمشي الرجل … " الحديث.
واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (٨٧) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبغلاني. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِي ﷺ بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ) قال أبو البقاء: "آمن"، و"أكثر" منصوبان نصبَ الظرف، والتقدير زمنَ آمن ما كان الناس، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، قال: وضمير "أكثره" عائد إلى جنس الناس، وهو مفرد.
قال السندي: وهذا غلط، وإنما هو عائد إلى ما كان الناس، بناء على أن "ما"
مصدرية، و"كان" تامّة، و"الناس" بالرفع فاعله، ألا ترى أنه كان في الأصل آمن ما كان الناس، وأكثر ما كان الناس، وحاصل المعنى في زمن كان الناس فيه أكثر أمنًا، وعددًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
стр. 9626
وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرمل، وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر، لحديث يعلى بن أمية في سؤاله عمر ﵄. وقد تقدم أول "كتاب تقصير الصلاة" ١/ ١٤٣٣ - فإنه ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصّةً، وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني، أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حارثة بن وهب الخزاعي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ١٤٤٥ - وفي "الكبرى"-٣/ ١٩٠٣ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عنه. وفي-٣/ ١٤٤٦ - و"الكبرى"-٣/ ١٩٠٤ - عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، وسفيان، كلاهما عن أبي إسحاق به.
وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ و ٢/ ١٩٧ (م) ٢/ ١٤٧ (د) ١٩٦٥ (ت) ٨٨٢ (أحمد) ٤/ ٣٠٦ (ابن خزيمة) ١٧٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بمنى:
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف السلف في المقيم بمنى، هل يقصر، أو يتمّ، بناء على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك. وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل مني يُتمون، ولا قائل بذلك. وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي ﷺ : أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا للنسك.
وأجيب بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين ﵁: أنه ﷺ كان يصلي بمكة ركعتين، ويقول: "يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر"، وكأنه ترك إعلامهم بذلك
стр. 9627
بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث مبنيّ على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقصر فيها، وهو من محالّ الخلاف. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي ما ذهب إليه مالك -رحمه اللَّه تعالى-، من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في محله من "كتاب الحج"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ (٢): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ, قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى أَكْثَرَ مَا كَانَ النَّاسُ, وَآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ).
قال الجامع عما اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تَمَّام البحث فيه في الذي قبله.
و"عمرو بن عليّ"، هو الفلاس، و"يحيى بن سعد" هو القطان، و"سفيان" هو الثوري. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى, وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ, وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ عُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة المصري [٧]، تقدم ٣١/ ٣٥.
٣ - (بُكير) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدني نزيل مصر، ثقة (٥) تقدم ١٣٥/ ٢١١.
٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليمان) المدني، صدوق [٥].
стр. 9628
روى عن أنس بن مالك. وعنه بُكير بن عبد اللَّه بن الأشج قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعرف، وقال في "الكاشف": وُثّق. انفرد به المصنف، أخرج له حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليمان"، والذي في "الكبرى" "محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليم"، وهو الصوأب، كما هو في "تحفة الأشراف" ١/ ٣٧٤، وكذا في كتب الرجال، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه، فإنه من أفراده، وهو صدوق. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلاني، ثم مصري، والليث، فمصري. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، بكير عن محمد بن عبد اللَّه، وهو من رواية الأقران. ومنها: أن صحابيه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنى) أي الصلاة الرباعية، إذ هي التي تتغير، فأما المغرب، فلا تُقصَر، وأما الصبح، فلا يختلف الحكم فيها، في منى، وغيره حتى يُخبر عنه أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَمَعَ أَبِي بَكْرِ، وَعُمَرَ) ﵄ (رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ) ﵁ (رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) أي في أوائل خلافته، وذلك ثمان سنين، أو ست، كما في "صحيح مسلم" من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه من رواية نافع، عنه: "صلى رسول اللَّه ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعُمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدُ أربعًا"، وفي رواية حفص بن عاصم، عنه: "صلى النبي ﷺ بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين". واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، انفرد به المصنف ﵀،
стр. 9629
أخرجه هنا-٣/ ١٤٤٧ - وفي "الكبرى" -٣/ ١٩٠٥ - بالسند المذكور.
وأخرجه (أحمد) ٣/ ١٤٤ و ٣/ ١٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: دلّ حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أن عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - أتمّ في مني في أواخر إمارته، وكذا ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تتم فيه:
فقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرّت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر"، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال: تأولت ما تأول عثمان انتهى.
فاختُلف في سبب إتمامهما - رضي اللَّه تعالى عنهما -:
فأما عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقيل: سبب إتمامه لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلّ موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجدّ له أرضا بمنى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة.
قال الحافظ: يردّ هذا كله قول عروة: "تأولت ما تأول عثمان", لأن جميع ذلك منتف في حق عائشة ﵂، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها، ويردّ الأول أن النبي ﷺ كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني أن النبي ﷺ كان أولى بذلك، والثالث أن الإقامة بمكة على المهاجر حرام، والرابع والخامس لم يُنقلا، فلا يكفي التخرّص في ذلك، والأول، وإن كان نُقل، وأخرجه أحمد، والبيهقي من حديث عثمان، وأنه لما صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمَّا قدمتُ، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم" فهذا الحديث لا يصحّ؛ لأنه منقطع، وفي رُواته من لا يُحتجّ به، ويردّه قول عروة: إن عائشة تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْن ذلك الخبر.
قال الحافظ: ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: "كما تأول عثمان" التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأوليهما، ويقوّيه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة.
وقد أخرج ابن جرير في "تفسير سورة النساء" أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا،
فإذا احتجّوا عليها، تقول: "إن النبي ﷺ كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم؟ ".
وقد قيل في تأويل عائشة إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال علي، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة. وهذا القولان باطلان، لا سيما الثاني.
стр. 9630
والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم، فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: لما قدم معاوية حاجًا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم إنصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمّك؛ لأنه كان قد أتمّ الصلاة قال: وكان عثمان حيث أتمّ الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أتمّ الصلاة.
وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدّة اهـ.
قال الحافظ: وهذا رجحه جماعة، من آخرهم القرطبي. لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب.
وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، أن عثمان إنما أتمّ الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظر, لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، وصح عن عثمان أنه كان لا يودّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج، خشية أن يرجع في هجرته, وثبت عن عثمان أنه قال لما حاصروه -وقال له المغيرة: اركب راحلتك إلى مكة- قال: لن أفارق دار هجرتي، ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهري، فقد روى أيوب، عن الزهري ما يُخالفه:
فروى الطحاوي وغيره من هذا الوجه عن الزهري، قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا, لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحبّ أن يُعلمهم أن الصلاة أربع.
وروى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان، أنه أتمّ بمنى، ثمّ خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه ﷺ وصاحييه، ولكنه حدث طَغَام -بفتح الطاء والمعجمة- فخفتُ أن يستنّوا.
وعن ابن جُريج أن أعرابيا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أُصليها منذ رأيتك عام أول ركعتبن.
قال الحافظ: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا, ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يُقوّيه، من حيث إن الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه أجتهاد عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -.
وأما عائشة ﵂، فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما رواه البيهقي من