← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرمل، وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر، لحديث يعلى بن أمية في سؤاله عمر ﵄. وقد تقدم أول "كتاب تقصير الصلاة" ١/ ١٤٣٣ - فإنه ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصّةً، وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني، أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث حارثة بن وهب الخزاعي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ١٤٤٥ - وفي "الكبرى"-٣/ ١٩٠٣ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عنه. وفي-٣/ ١٤٤٦ - و"الكبرى"-٣/ ١٩٠٤ - عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، وسفيان، كلاهما عن أبي إسحاق به. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ و ٢/ ١٩٧ (م) ٢/ ١٤٧ (د) ١٩٦٥ (ت) ٨٨٢ (أحمد) ٤/ ٣٠٦ (ابن خزيمة) ١٧٠٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بمنى: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف السلف في المقيم بمنى، هل يقصر، أو يتمّ، بناء على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك. وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل مني يُتمون، ولا قائل بذلك. وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي ﷺ : أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا للنسك. وأجيب بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين ﵁: أنه ﷺ كان يصلي بمكة ركعتين، ويقول: "يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر"، وكأنه ترك إعلامهم بذلك

стр. 9627

بمنى استغناء بما تقدم بمكة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث مبنيّ على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقصر فيها، وهو من محالّ الخلاف. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي ما ذهب إليه مالك -رحمه اللَّه تعالى-، من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في محله من "كتاب الحج"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ (٢): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ, عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ, قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى أَكْثَرَ مَا كَانَ النَّاسُ, وَآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ). قال الجامع عما اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تَمَّام البحث فيه في الذي قبله. و"عمرو بن عليّ"، هو الفلاس، و"يحيى بن سعد" هو القطان، و"سفيان" هو الثوري. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى, وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ, وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ عُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة المصري [٧]، تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (بُكير) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدني نزيل مصر، ثقة (٥) تقدم ١٣٥/ ٢١١. ٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليمان) المدني، صدوق [٥].

стр. 9628

روى عن أنس بن مالك. وعنه بُكير بن عبد اللَّه بن الأشج قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعرف، وقال في "الكاشف": وُثّق. انفرد به المصنف، أخرج له حديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليمان"، والذي في "الكبرى" "محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليم"، وهو الصوأب، كما هو في "تحفة الأشراف" ١/ ٣٧٤، وكذا في كتب الرجال، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه، فإنه من أفراده، وهو صدوق. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلاني، ثم مصري، والليث، فمصري. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، بكير عن محمد بن عبد اللَّه، وهو من رواية الأقران. ومنها: أن صحابيه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنى) أي الصلاة الرباعية، إذ هي التي تتغير، فأما المغرب، فلا تُقصَر، وأما الصبح، فلا يختلف الحكم فيها، في منى، وغيره حتى يُخبر عنه أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَمَعَ أَبِي بَكْرِ، وَعُمَرَ) ﵄ (رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ) ﵁ (رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) أي في أوائل خلافته، وذلك ثمان سنين، أو ست، كما في "صحيح مسلم" من حديث ابن عمر ﵄ ولفظه من رواية نافع، عنه: "صلى رسول اللَّه ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعُمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدُ أربعًا"، وفي رواية حفص بن عاصم، عنه: "صلى النبي ﷺ بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين". واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، انفرد به المصنف ﵀،

стр. 9629

أخرجه هنا-٣/ ١٤٤٧ - وفي "الكبرى" -٣/ ١٩٠٥ - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١٤٤ و ٣/ ١٦٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: دلّ حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أن عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - أتمّ في مني في أواخر إمارته، وكذا ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تتم فيه: فقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرّت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر"، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال: تأولت ما تأول عثمان انتهى. فاختُلف في سبب إتمامهما - رضي اللَّه تعالى عنهما -: فأما عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقيل: سبب إتمامه لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلّ موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجدّ له أرضا بمنى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة. قال الحافظ: يردّ هذا كله قول عروة: "تأولت ما تأول عثمان", لأن جميع ذلك منتف في حق عائشة ﵂، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها، ويردّ الأول أن النبي ﷺ كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني أن النبي ﷺ كان أولى بذلك، والثالث أن الإقامة بمكة على المهاجر حرام، والرابع والخامس لم يُنقلا، فلا يكفي التخرّص في ذلك، والأول، وإن كان نُقل، وأخرجه أحمد، والبيهقي من حديث عثمان، وأنه لما صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمَّا قدمتُ، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم" فهذا الحديث لا يصحّ؛ لأنه منقطع، وفي رُواته من لا يُحتجّ به، ويردّه قول عروة: إن عائشة تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْن ذلك الخبر. قال الحافظ: ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: "كما تأول عثمان" التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأوليهما، ويقوّيه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة. وقد أخرج ابن جرير في "تفسير سورة النساء" أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا، فإذا احتجّوا عليها، تقول: "إن النبي ﷺ كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم؟ ". وقد قيل في تأويل عائشة إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال علي، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة. وهذا القولان باطلان، لا سيما الثاني.

стр. 9630

والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم، فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: لما قدم معاوية حاجًا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم إنصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمّك؛ لأنه كان قد أتمّ الصلاة قال: وكان عثمان حيث أتمّ الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أتمّ الصلاة. وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدّة اهـ. قال الحافظ: وهذا رجحه جماعة، من آخرهم القرطبي. لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب. وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، أن عثمان إنما أتمّ الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظر, لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، وصح عن عثمان أنه كان لا يودّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج، خشية أن يرجع في هجرته, وثبت عن عثمان أنه قال لما حاصروه -وقال له المغيرة: اركب راحلتك إلى مكة- قال: لن أفارق دار هجرتي، ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهري، فقد روى أيوب، عن الزهري ما يُخالفه: فروى الطحاوي وغيره من هذا الوجه عن الزهري، قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا, لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحبّ أن يُعلمهم أن الصلاة أربع. وروى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان، أنه أتمّ بمنى، ثمّ خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه ﷺ وصاحييه، ولكنه حدث طَغَام -بفتح الطاء والمعجمة- فخفتُ أن يستنّوا. وعن ابن جُريج أن أعرابيا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أُصليها منذ رأيتك عام أول ركعتبن. قال الحافظ: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا, ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يُقوّيه، من حيث إن الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه أجتهاد عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -. وأما عائشة ﵂، فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما رواه البيهقي من

стр. 9631

طريق هشام بن عروة، عن أبيه: أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: "يا ابن أختي إنه لا يشقّ عليّ"، وإسناده صحيح، وهو دالّ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشقّ عليه أفضل انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ثبت عن عثمان، وعائشة ﵂ من اختيار الإتمام على القصر هو اجتهاد منهما، لا يتابعان عليه؛ لأن المختار والأفضل هو الذي كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ من القصر في السفر مطلقا. هذا من حيث الأفضلية، وأما من حيث الجواز فالمختار جواز الإتمام، كما تقدّم تحقيقه في المسألة الرابعة في أول "كتاب القصر" - ١/ ١٤٣٣ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ, عَنِ الأَعْمَشِ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ح وَأَنْبَأَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁, قَالَ: صَلَّيْتُ بِمِنًى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (قتيبة) المذكور قبله. ٢ - (عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم، أبو بشر، وقيل: أبو عُبيدة البصري، أحد الأعلام، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش، وحده مقال [٨]. روى عن أبي إسحاق، وعاصم الأحول، والأعمش، وغيرهم. وعنه: ابن مهديّ، وصفان، وعارم، وقتيبة، وغيرهم. قال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: مَنْ أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: بعد شعبة، وسفيان، أبو معاوية، وبعده عبد الواحد. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: عبدُ الواحد أحبّ إليك، أو أبو عوانة؟ قال: أبو عوانة أحبّ إليّ، وعبد الواحد ثقة. وقال صالح بن أحمد، عن علي بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثًا قطّ بالبصرهْ، ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أُذاكره حديث الأعمش، فلا يعرف منه حرفًا. وقال ابن سعد: كان يُعرَف بالثقفيّ، وهو مولى لعبد القيس، وكان ثقةً كثير الحديث. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: ثقة عَمَدَ إلى أحاديث كان

стр. 9632

يُرسلها الأعمش، فوصلها. وقال العجلي: بصريّ ثقة حسن الحديث. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عبد البر: أجمعوا أنه لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقة ثبت. وقال ابن القطان الفاسيّ ثقة لم يعتلّ عليه بقادح. قال عمرو بن علي، وغيره: مات سنة (١٧٦) وقال أحمد: (٧٧) وقال البخاري، عن محمد بن محبوب: مات سنة (٧٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط. ٣ - (محمود بن غَيلان) المرزوي، ثقة [١٠]، تقدم ٣٣/ ٣٧. ٤ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. ٥ - (سفيان) بن سعيد الثوري، تقدم قريبًا. ٦ - (الأعمش) سليمان بن مهران تقدم قريبًا. ٧ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الثقة الفقيه [٥]، تقدم ٢٩/ ٣٣. ٨ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم ٣٧/ ٤١. ٩ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة إلى السند الأول، ومن سباعياته بالنسبة إلى الثاني، فالأول أعلى بدرجتين. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه، فلأول بغلاني، والثاني مروزي، وغير عبد الواحد، فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ بِمِنَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ) هذا الكلام ذكره عبد اللَّه ﵁ لما ذكر له أن عثمان ﵁ أتم في منى، ففي الرواية الآتية: "صلى عثمان بمنى أربعًا حتى بلغ ذلك عبدَ اللَّه، فقال: لقد صليت مع رسول اللَّه ﷺ ركعتين". وفي رواية مسلم بسند المصنف عن إبراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: "صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللَّه بن

стр. 9633

مسعود، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصدّيق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان". قال النووي ﵀: معناه ليت عثمان صلى ركعتين، بدل الأربع، كما كان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمرُ، وعثمان رضوان اللَّه عليهم أجمعين في صدر خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود ﵁ موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان يُصلي وراء عثمان ﵁ مُتمًا ولو كان القصر عنده واجبًا لما استجاز تركه وراء أحد انتهى (١). وقال في "الفتح": "من" -أي في قوله: "من أربع ركعات"- للبدلية، مثل قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية [التوبة: ٣٨] وهذا يدلّ على أنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلا لما كان له حظّ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأولى، ويؤيده ما روى أبو داود: "أن ابن مسعود ﵁ صلى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرّ"، وفي رواية البيهقي: "إني لأكره الخلاف"، ولأحمد من حديث أبي ذرّ ﵁ مثل الأول، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يعتقد أنّ القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية، وهي رواية عن مالك، وعن أحمد، قال ابن قُدامة: المشهور عن أحمد أنه الاختيار، والقصر عنده الأفضل، وهو قول جمهور الصحابة، والتابعين (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي، وقد تقدم بيان ذلك، في المسالةْ الرابعة في أول "كتاب القصر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣/ ١٤٤٨ - وفي "الكبرى" -٣/ ١٩٠٦ - عن قتيبة، عن عبد الواحد- ح

стр. 9634

وعن محمود بن غيلان، عن يحيى بن آدم، سفيان- كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد عنه. وفي ٣/ ١٤٤٩ - و"الكبرى" -٣/ ١٩٠٧ - عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به، بنحوه. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ و ٢/ ١٩٧ (م) ٢/ ١٤٦ (د) ١٩٦٠ (أحمد) ١/ ٣٧٨ و ١/ ٤١٦ و ١/ ٤٦٤ و١/ ٤٢٢ و١/ ٤٢٥ (الدارمي) ١٨٨١ (ابن خزيمة) ٢٩٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا, حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ, فَقَالَ: "لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه مستوفىً في الحديث الذي قبله. وعلي بن خشرم، المروزي، ثقة من صغار [١٠] تقدم ٨/ ٨. وعيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة مأمون [٨] تقدم ٨/ ٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَكْعَتَيْنِ, وَمَعَ عُمَرَ ﵁ رَكْعَتَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - عبيد اللَّه بن سعيد) السرخسي، ثقة مأمون [١٠] تقدم ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان تقدم قريبًا. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - تقدم ١٢/ ١٢. وشرح الحديث يعلم مما تقدم، وهو حديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا- ٣/ ١٤٥٠ - وفي "الكبرى" -١٩٠٨٣ - عن عُبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى القطان، عن عُبيد اللَّه العمري، عن نافع، عنه. وفي ٣/ ١٤٥١ - و"الكبرى" -٣/ ١٩٠٩ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عمر، عن أبيه.

стр. 9635

وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ (م) ٢/ ١٤٦ (أحمد) ٢/ ١٦ و ٢/ ٥٥ و ٢/ ٥٧ (ابن خزيمة) ٢٩٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ, وَصَلاَّهَا أَبُو بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ, وَصَلاَّهَا عُمَرُ رَكْعَتَيْنِ, وَصَلاَّهَا عُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلى، ثقة [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) الزهري، تقدم قريبًا. ٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو بكر المدني، شقيق سالة، ثقة [٣] في ٢/ ٣٢٨. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في السند الماضي، والحديث متفق عليِه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن إريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤ - (بَابُ الْمُقَامِ الَّذِي يُقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاةُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "المُقام" هنا بضم الميم مصدر ميميّ لأقام، رباعيًّا، بمعنى الإقامة، لا بفتحها، من قام ثلاثيّا، بمعنى انتصب، إذ لا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٤٥٢ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي

стр. 9636

إِسْحَاقَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ, فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا رَكْعَتَيْنِ, حَتَّى رَجَعْنَا. قُلْتُ (١): هَلْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ, أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم قبل بابين -١/ ١٤٣٨ - وتقدم تمام البحث فيه، وبيان مسائله هناك، وبالله تعالى التوفيق. و"حميد بن مسعدة" هو الباهلي البصري. و"يزيد" هو ابن زريع البصري. [تنبيه]: قوله: "أقام بها عشرا" لا يعارض هذا حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتي أنه ﷺ أقام بمكة خمسة عشر يومًا؛ لأن هذا في حجة الوداع، وحديث ابن عباس في فتح مكة، وقد ثبت من حديث ابن عباس: "قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة … " الحديث، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة إقامته بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر بمنى. أفاده في "الفتح" (٢). [مسألة]: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة: فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، ورينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتم الصلاة، هذا قول عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي. وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن ابن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ. وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد ابن جُبير، وعبد اللَّه بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد. الخامس: أن من أقام أربعًا صلى أربعَا هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف. السادس: قول ابن عباس ﵄: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة. السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاةً مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن

стр. 9637

يُقيم أكثر من ذلك أتمّ (١). واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ قدم لصبح رابعة، قال: فأقام النبي ﷺ الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. الثامن: قوله سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة. التاسع: قولهه أيضًا: إن المسافر إذا أقام ثلاثًا أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان: لا نعلم أحدًا قال بهما. وله قوله آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك. العاشر: ذكره إسحاق بن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبي ﷺ إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع. وعن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم - أن رجلًا قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخراسان، فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، وأقام عبد الرحمن بن سمرة ببعصْ بلاد فارس، فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وال -أحسبه قال: بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مجلز: كنت جالسًا عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة. الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار،

стр. 9638

هذا قول الحسن البصري. الثاني عشر: قول من فرق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف، قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول اللَّه ﷺ من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا، ثم سار، كان غير مقام حرب، ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعًا أحببت أن يتمّ، وإن لم يتم أعاد ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن رسول اللَّه ﷺ أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشر أو ثمان عشرة يقصر، فإذا أقام الرجل ببلد أثناءه ليس ببلد مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركا للمقام به آخذًا في سفره. الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: يفصل بين الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته، وولجته فقد أجمع سفرًا، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم. القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق بن راهويَهْ عن بعضهم قالوا: قد مضت السنة من النبي ﷺ وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعنا، فإذا وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أيامًا لحاجة، أو تجارة، أو نزهة، فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصا من كلام ابن المنذر في كتابه "الأوسط" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن قول الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى - هو الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبي ﷺ ، فمن أجمع إحدى وعشرين صلاةً، قصر، ومن زاد على ذلك أتمّ. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه، لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول اللَّه ﷺ في أيام مقامه بمكة في حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقدارًا يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام انتهى. ونص مختصر الخرقي: "وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتمّ" قال ابن قدامة-﵀ في "المغني": المشهور عن أحمد ﵀ أن المدة التي

стр. 9639

تُلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات: ما نصه: ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة. متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبي ﷺ قدم لصبح رابعة، فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. انتهى (١). والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة النبي ﷺ في مكة أتم، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قصر، كما قصر النبي ﷺ في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عزم على أنه سيقيم بمكة هذه المدة. وهذا هو القول الموافق لفعل النبي ﷺ ، وأما ما عداه من الأقول فليس عليه دليل صريح مرفوع يؤيده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ, يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن المأمول (٢)، مولى بني هاشم، أبو عمرو الورّاق البصريّ، بغدادي الأصل، مقبول [١١]. روى عن عَبِيدَة بن حُميد، ومحمد بن ربيعة الكلابي، ومعمر بن سليمان الرّقّيّ، وعمر بن أيوب المَوْصلي. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن جرير الطبري، وغيرهم. مات بعد (٢٤٠). وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (محمد بن ربيعة) الكلابي الرُّؤاسي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ابن عمّ وكيع، صدوق [٩] تقدم في ٨/ ٤٦٤.

стр. 9640

٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري المدني، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] تقدم ٢٦/ ٩١٤. ٤ - (يزيد بن أبي حبيب) واسم أبيه سُويد المصريّ، ثقة فقيه، يرسل [٥] تقدم ١٣٤/ ٢٠٧. ٥ - (عراك بن مالك) الغفاريّ الكنانيّ المدني، ثقة فاضل [٣] تقدم ١٣٤/ ٢٠٧. ٦ - (عُبيد اللَّه) بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٥/ ٥٤. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وشيخ شيخه، فمن رجال الأربعة. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد، عن عراك، عن عبيد اللَّه. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْن عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ) أي يومًا بليلته، وذلك في عام الفتح، وأما إقامته عشرًا في حديث أنس ﵁ الماضي ففي حجة الوداع، كما تقدم. [تنبيه]: اختلفت الروايات عن ابن عباس ﵄ في مقدار إقامته ﷺ بمكة عام الفتح، فروي تسعة عشر، كما في "صحيح البخاري"، ولفظه من رواية عكرمة، عنه: "أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا". وروي عشرون، أخرجه عبد بن حميد في "مسنده"، وروي سبعة عشر بتقديم السين، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، وروي خمسة عشر، وهي رواية المصنف هنا، ورواها أبو داود أيضًا، وروي ثمانية عشر، رواه أبو داود. قال البيهقي في "السنن": وأصح هذه الروايات في ذلك عندي رواية من روى تسعة عشر -أي بتقديم التاء- وهي الرواية التي أودعها البخاريّ في "الجامع الصحيح"، وجمع أيضًا البيهقي بين روايات تسع عشرة وثمان عشرة، وسبع عشرة بأن من رواها تسع

стр. 9641

عشرة عدّ يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعدّ أحد اليومين، ومن قال: سبع عشرة لم يعدّهما (١). قال الحافظ في "التلخيص الحبير": وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين، وهي صحيحة الإسناد، إلا أنها شاذة أيضًا، اللَّهمّ إلا أن يُحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد (٢)، أي لأنّ في سنده علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف. وقال في "الفتح" بعد ذكر الجمع المذكور: وأما رواية خمسة عشر، فضعفها النوويّ في "الخلاصة"، وليس بجيّد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عُبيد اللَّه كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة، فليُحمل على أن الراوي ظنّ أنّ الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشرة. واقتضى ذلك أن تسع عشرة أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات "الصحيحة" وأخذ الثوريّ، وأهل الكوفة برواية خمس عشرة، لكونها أقلّ ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، وهو ما أخرجه أبو داود بلفظ: "غزوت مع رسول اللَّه ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين". لكن محله عنده فيمن لم يُزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها، أولًا، وحجته حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم أن أرجح المذاهب مذهب الإمام أحمد - رحمه اللَّه تعالى -؛ لموافقته لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -. وحاصله أن من أقام في بلدة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وإلا قصر. واللَّه تعالى أعلم. (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ) جملة في محل نصب على الحال، وكرر "ركعتين" إشارة إلى أن قصره في كل صلاة صلاها في تلك المدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9642

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وتقدم قريبًا أن النووي ضعفه بالشذوذ، وأجاب عنه الحافظ -رحمهما اللَّه تعالى-. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ١٤٥٣ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٩١١ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٢٣١ (ق) ١٠٧٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ, عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ, عَنِ (٢) ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَخْبَرَهُ, أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ, أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الملك بن زَنجَوَيه) البغداديّ، أبو بكر الغَزَّال، ثقة [١١]. روى عن جعفر بن محمد بن حمزة، وزيد بن الحباب، وعبد الرزاق، وغيرهم. وعنه الأربعة، وعبد اللَّه بن أحمد، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وهو صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة: ثقة كثير الخطإ. قال ابن مخلد: مات في جمادى الآخرة سنة (٢٥٨). روى عنه الأربعة، وروى عنه المصنف في هذا الكتاب حديثين فقط، هذا، و (٢٨٩٣) حديث: "خلّ عنه، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد … " الحديث. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني. ثقة ثبت [٩] تقدم ٦١/ ٧٧. ٣ - (اين جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكى، ثقة فاضل فقيه يدلس ويرسل [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢. ٤ - (إسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري أبو محمد المدني، ثقة حجة [٤] تقدم ٩٧/ ١٢٥.

стр. 9643

٥ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة [٢] تقدم ٣٢/ ٧٢٥. ٦ - (الساءب بن يزيد) الكندي الصحابي الصغير - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦٢/ ١٣٠٥. ٧ - (العلاء بن الحَضْرَمي) حليف بني أُميّة، واسم الحضرميّ عبد اللَّه بن عمّار بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُوَيف. وله عدة إخوة، يقال: إنهم أحد عشر، وأخوه عمرو ابن الحضرمي أولى قتيل من المشركين، قتله المسلمون، وكان ماله أول مال خُمّس في الإِسلام وبسببه كانت وقعة بدر. روى عن النبي ﷺ في مُكث المهاجر. وعنه السائب بن يزيد، وأبوهريرة وحيان الأعرج، وسَهْم بن منجاب، وزياد بن حُدَير. وكان يقال: إنه مُجاب الدعوة، وولاه رسول اللَّه ﷺ البحرين، وأقرّه أبو بكر، وعمر، ثم ولاّه عمر البصرة فمات قبل أن يصل إليها سنة (١٤). وقال ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي: إن أباه كتب إلى النبي ﷺ ، فبدأ باسمه. وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٢١) وله مناقب، وفضائل كثيرة. أخرج الجماعة الحديث المتقدم. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث: حديث الباب، "أنه كتب إلى النبي ﷺ ، فبدأ باسمه" عند أبي داود رقم (٥١٣٥)، وأخرجه أحمد أيضا (جـ ٤ ص ٣٣٩)، وحديث "بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى البحرين، أو إلى هجر، فكنت آتي الحائط يكون بين الإخوة، يسلم أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج" عند ابن ماجه رقم ١٨٣١ - وأخرجه أحمد أيضًا جـ ٥/ ٥٢. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن السائب بن يزيد - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَمِعَ العَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَميِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ) جملة في محل نصب على الحال. ولفظ البخاري من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الزهري، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يسأل السائب بن يزيد ابن أخت نمر، قال: ما سمعتَ

стр. 9644

في سُكنى مكةَ؟ قال: سمعت العلاء بن الحضرميّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث للمهاجر بعد الصدر". و"الصدر" بفتح المهملتين، أي بعد الرجوع من مني. (قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ) من باب قتل: أي يقيم، ويتلَبّثُ، ومَكُث مُكثا، فهو مَكيث، مثلُ قرُب قُربًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ بها السبعة قوله تعالى: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) باللغتين. قاله الفيّومي (بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أي فراغه من أعمال الحجّ، وأصل النسك بضمتين: العبادة، والمراد هنا أفعال الحج، يقال: نسك للَّه ينسُك، من باب قتل: تطوع بقُربة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات. أفاده الفيومي (ثَلَاثًا) أي ثلاثة أيام بلياليها، وذكر العدد، لكون التمييز محذوفا، كما تقدم. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة. وحكَى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة -يعني بعد الفتح- فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه. قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سُكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي ﷺ ، ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين، فيجوز له سُكنى أيّ بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق انتهى كلام القاضي. ويستثنى من ذلك من أذن له النبي ﷺ بالإقامة في غير المدينة. وقال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ ، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها للَّه تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة. قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انفضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها للَّه كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه، ليَسلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك انتهى. قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).

стр. 9645

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي فيما قاله القرطبي نظران: أما أوّلاً، ففي تعميمه المنع لكل من فر بدينه؛ لأن ذلك يحتاج إلى دليل، من نص أو إجماع. وأما ثانيا ففي تفريقه بين من فر بدينه، ومن ترك بلده للَّه، فإنه لا فرق بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث العلاء بن الحضرمي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ١٤٥٤ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٩١٢ - عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن السائب بن يزيد، عنه. وفي -٤/ ١٤٥٥ - و"الكبرى" -٤/ ١٩١٣ - عن الحارث بن مسكين، عن ابن عُيينة، عن عبد الرحمن بن حُميد، عن السائب بن يزيد به. وفي "الكبرى" ٢٧٩/ ٤٢١٢ - عن محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، عن يحيى بن سعيد القطان- ح و ٢٧٩/ ٤٢١٣ - عن عُبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم بن سعد، عن عمه يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان- كلاهما عن عبد الرحمن بن حميد، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن يزيد؟، فقال السائب: سمعت العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثلاث ليال يمكثهنّ المهاجر بمكة بعد الصدر". وفي -٢٧٩/ ٤٢١٤ - عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به. وأخرجه (خ) ٥/ ٨٧ (م) ٤/ ١٠٨ و ٤/ ١٠٩ (د) ٢٠٢٢ (ت) ٩٤٩ (ق) ١٠٧٣. (الحميدي) ٨٤٤ (أحمد) ٤/ ٣٣٩ و٥/ ٥٢ (الدارمي) ١٥٢٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مدة الإقامة التي تُقصر فيها الصلاة، وهذا الذي ذهب إليه -رحمه اللَّه تعالى- هو مذهب الشافعي، ومالك رحمهما اللَّه تعالى، ووجه الدلالة منه أن الترخيص في الثلاث يدلّ على بقاء حكم السفر، بخلاف الأربعة، فالأربع حد الإقامة، وما دونه حد السفر، فتقصر الصلاة فيه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاستدلال عندي غير صحيح, لأنه يرده ما فعله

стр. 9646

النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، مع أصحابه ﵃، حيث أقاموا أربعة أيام بمكة، وقد عزموا قبل ذلك على إقامة تلك المدة, لأنهم يعلمون أن أفعال الحج لا تنتهي إلا بهذا القدر من الزمن، فدلّ على أن الأربعة لها حكم السفر، فلذا تقدم ترجيح ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فكل من أقام مدة إقامة النبي ﷺ بمكة، وهي أربعة أيام قصر، ومن زاد أتم، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن الإقامة بمكة كانت حراما على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام، لا يزيد عليها، وبهذا رثى النبي ﷺ لسعد بن خولة أن مات بمكة. وما ادعاه الداوديّ من اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، رده في "الفتح" بأنه لا معنى لتقييده بالأولين. ومنها: أنه استُدلّ به على أن طواف الوداع عبادة مستقلة، ليست من مناسك الحجّ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعي، لقوله في هذا الحديث: "بعد قضاء نسكه"، لأن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سماه قبله قاضيًا لمناسكه، فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٥ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ, عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ, عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ نُسُكِهِ ثَلَاثًا»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. و"أبو عبد الرحمن" هو النسائي، وقائل أخبرنا هو الراوي عنه، والظاهر أنه أبو بكر ابن السُّنِّيّ راوي الكتاب عن النسائي رحمهما اللَّه تعالى، ويقدّر قبل "قال الحارث بن مسكين لفظة "قال"، وتكون جملة "قال الحارث" مقولّا لذلك القول المقدر، ومقول "قال الحارث" جملة "قال: قال النبي ﷺ الخ". وقوله: "قراءةً" بالنصب على الحالية، وكذا جملة "وأنا أسمع"، وقوله: "في حديثه" متعلق بـ "قال الحارث". وقوله: "عن سفيان" متعلق بـ "حديثه"؛ لأنه مصدر.

стр. 9647

ورجال إسناده: خمسة: ١ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصري الفقيه الثقة [١٠] تقدم ٩/ ٩. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (عبد الرحمن بن حميد) عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة [٥ (١)]. روى عن أبيه، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. وعنه صالح بن كيسان، وسليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم، وأبو داود: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": مات بالعراق في أول خلافة أبي جعفر سنة (١٣٧). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و (٤٣٦٦) حديث: "إذا دخلت العشر، فأرأد أحدكم أن يضحّي … " الحديث. والباقيان تقدما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٦ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ الأَزْدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ, قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَصَرْتَ, وَأَتْمَمْتُ, وَأَفْطَرْتَ, وَصُمْتُ, قَالَ: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ». وَمَا عَابَ عَلَيَّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أحمد بن يحيى الصوفي) أبو جعفر الكوفي العابد، ثقة [١١] تقدم ٣٨/ ١٢٧٤. ٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفي، ثقة ثبت [٩] تقدم ١١/ ٥١٦. ٣ - (العلاء بن زُهير الأزديّ) ابن عبد اللَّه بن زُهير بن سُليمى الأزديّ، أبو زهير الكوفي، ثقة [٦]. روى عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، ووبَرَة بن عبد الرحمن الْمُسْليّ. وعنه وكيع، وأبو نعيم، والفريابي، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال

стр. 9648

ابن حزم: مجهول، وردّ ذلك عليه عبد الحقّ، وقال: بل هو ثقة مشهور، والحديث الذي الذي رواه في القصر صحيح. وتناقض فيه قول ابن حبان، فقال في "الضعفاء". يروي عن الثقات ما لا يُشبه الأثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الثقات. ورده الذهبي بأن العبرة بتوثيق يحيى. انفرد به المصنف، فروى له حديثين: أحدهما حديث الباب، والثاني حديث ابن عمر ﵄ الآتي في الباب التالي. ٤ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد النخعي أبو بكر الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم ٣٧/ ٤١. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تقدمت ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين. ومنها: أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عَائِشَةَ) ﵂ (أَنها اعْتَمَرَتْ) وفي رواية الدارقطني: "عمرة في رمضان"، واستنكر ذلك، فإنه ﷺ لم يعتمر في رمضان (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ) بتاء التأنيث الساكنة (مَكَّةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي) متعلق بمحذوف، أي أفديك بأبي وأمي، أو مَفْديّ أنت بأمي وأمي (قَصَرْتَ) خطاب للنبي ﷺ (وَأَتْمَمْتُ) بتاء المتكلم (وَأَفْطَرْتَ) بتاء الخطاب (وَصُمْتُ) بضمير المتكلم (قَالَ) ﷺ (أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ"، وَمَا عَابَ عَلَيَّ) أي فيما فعلتْ من الإتمام واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث صحيح، كما مرّ تصحيحه آنفّا عن عبد الحقّ، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا فقط، وقد اختلف في اتصاله، قال الدارقطني: عبد الرحمن أدرك عائشة، ودخل عليها، وهو مراهق. وقال أبو حاتم: دخل عليها، وهو صغير، ولم يسمع منها. وعند ابن أبي شيبة، والطحاوي ثبوت سماعه منها. وفي رواية للدارقطني: عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة، قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه: عن أبيه أخطأ، وأختلف قول الدارقطني فيه، فقال في "السنن": إسناده حسن، وقال في "العلل": المرسل أشبه.

стр. 9649

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الحديث صحيح متّصل، وأن سماع عبد الرحمن عن عائشة صحيح، قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" ج ٣/ ١٤٢ - ١٤٣ معلّقًا على كلام الدارقطني السابق: ما نصّه: وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه دخل على عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، فلو أطلق الدارقطني دخوله عليها, ولم يقيده بأنه كان وهو مراهق لكان أولى، وذكر صاحب "الكمال" أنه سمع منها. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب". * * * ٥ - (تَرْكُ التَّطَوِّعِ فِي السَّفَرِ) ١٤٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَبَرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ, لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا, وَلَا بَعْدَهَا. فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند تقدم الكلام عليه في الباب الماضي، سوى: ١ - (وَبَرَة بن عبد الرحمن) -بفتح الواو، والموحدة- الّمُسْليّ -بضم أوله، وسكون المهملة، بعدها لام- أبو خُزيمة، أو أبو العباس الكوفي، ثقة [٤]. روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي الطفيل، وغيرهم. وعنه العلاء بن زُهير، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، ومسعر، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: تُوفي في ولاية خالد بن عبد اللَّه القَسْري على الكوفة، وكذا قال الهيثم بن عديّ، وخليفة، وزاد سنة (١١٦). روى له الجماعة، سوى الترمذي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و (٢٩٢٩) حديث: رأينا رسول اللَّه ﷺ أحرم بالحجّ، فطاف بالبيت … " الحديث، و (٥٣١٣) حديث: "لم يرخّص في الديباج إلا موضع أربع أصابع … " الحديث. ٢ - (ابن عمر) عبد اللَّه ﵄، تقدم ١٢/ ١٢. ولطائف الإسناد تقدم في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9650

شرح الحديث عن وبَرَة بن عبد الرحمن أنه (قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه لا يتم في السفر كما كان يُتمّ بعض الصحابة، ويحتمل أن يكون المعنى لا يتطوع زيادة على ركعتي الفريضة، بل يقتصر عليهما، وعلى الأول تكون جملة قوله (لَا يُصَلِّي قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) مستأنفة بَيَّنَ بها أنه لا يصلي الرواتب القبلية، ولا البعدية، وعلى الثاني تكون الجملة تفسيرًا قوله: "لا يزيد في السفر على ركعتين". وأفرد الضمير في قوله: "قبلها، وبعدها" مع أن المرجع مثنى، وهو "ركعتين" باعتبار الصلاة (فَقَيلَ لَهُ: مَا هَذا؟) أي قيل لابن عمر: ما هذا الاقتصار على الركعتين، وترك السنن الرواتب كلها (قَالَ) أي ابن عمر - رضى اللَّه عنهما - (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ) أي من الاقتصار على الركعتين، وترك السنن الرواتب القبلية والبعدية. وإنما قيدنا بالقبلية والبعدية, لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتطوع في السفر على راحلته، وأنه كان يصلي الوتر، وإنما ترك الراتب القبلية والبعدية. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٥/ ١٤٥٧ - وفي "الكبرى" - ٥/ ١٩١٥ - بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب,. وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٨ - (أَخْبَرَنِي نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ, فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ, قَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا, أَوْ بَعْدَهَا لأَتْمَمْتُهَا, صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ, وَأَبَا بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ, وَعُمَرَ, وَعُثْمَانَ ﵃ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نوح بن حَبيب) الْقُومَسيّ، أبو محمد الْبَذَشيّ، ثقة سنيّ [١٠] تقدم ٧٩/ ١٠١٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصري الإمام الحجة المثبت [٩] تقدم ٤/ ٤ ٣ - (عيسى بن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العَدَويّ، أبو زياد المدنيّ، لقبه رَبَاح -بموحدة- ثقة [٦].

стр. 9651

روى عن أبيه، وسعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. وعنه يحيى القطان، وسليمان بن بلال، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. ونقل ابن خلفون أن العجلي وثقه. وقال الحاكم: قال فيه القعنبي: عيسى بن حفص الأنصاريّ، وكانت أمه ميمونة بنت داود الخزرجية، فربّما عرف بقبيلة أخواله. وقال ابن حبان، وابن قانع، والواقدي: مات سنة (١٥٧) زاد الواقدي: في خلافة أبي جعفر. روى له الجماعة، سوى الترمذي، له عندهم حديثان: أحدهما حديث الباب، والآخر حديثه عن نافع، عن ابن عمر في فضل المدينة. ٤ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمري المدني، ثقة [٣] تقدم ٦٠/ ٨٦٧. ٥ - (ابن عمر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في السند السابق. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها. أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عيسى بن حفص. ومنها: أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن حفص بن عاصم ﵀ أنه (قال: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ) ولفظ مسلم: "صحبتُ ابن عمر في طريق مكة … " (فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ركعتين) الظاهر أنه صلاهما جمعًا، وفي نسخة: "أو العصر" بـ "أو"، والظاهر أنه تصحيف, لأن ابن عمر لا يرى جواز النافلة بعد العصر، فلو رآهم يتنفلون بعد العصر لكان إنكاره في ذلك أشدّ. ولفظ مسلم: "فصلى لنا الظهر ركعتين" (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع من محل صلاته (إِلَى طِنْفِسَةٍ لَهُ) مثلّثة الطاء، والفاء، وبكسر الطاء، وفتح الفاء، وبالعكس: واحدة الطنافس للبُسُط، والثياب، والحَصير، من سَعَف، عرضه ذراع. قاله المجد. وقال الفيّومي: "الطنفسة" بكسرتين في اللغة العالية، واقتصر عليها جماعة، منهم ابن السِّكِّيت، وفي لغة بفتحتين، وهي بساط له خَمْلٌ رَقيقٌ، وقيل: هو ما يُجعل تحت الرَّحْل على كتفي البعير، والجمع طَنَافس انتهى (١) (فَرَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ) أي يصلون النافلة، فالسبحة

стр. 9652

معناها النافلة (قَالَ) أي ابن عمر (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) "ما" استفهامية، والاستفهام هنا للإنكار (قُلْتُ) القائل حفص بن عاصم (يُسَبِّحُونَ، قَالَ) أي ابن عمر (لَوْ كُنْتُ مُصَلِّيًا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا) أي قبل الركعتين اللتين صليتهما قصرًا (لأَتْمَمْتُهَا) أي أتممت المكتوبة، وأفرد الضمير في المواضع الثلاث باعتبار الصلاة، كما تقدم في الحديث الذي قبله. يعني أنه لو كان مخيّرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ. قاله في "الفتح". وقال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: لعلّ المعنى: لو كنت صليت النافلة على خلاف السنة لأتممت الفرض على خلافها، أي لو تركت العمل بالسنة لكان تركها لإتمام الفرض أحبّ، وأولى من تركها لإتيان النفل، وليس المعنى: لو كانت النافلة مشروعة لكان الإتمام مشروعًا، حتى يَردَ عليه ما قيل: إن شرع الفرض تامّةً يُفضي إلى الحرج، إذ يلزم حينئذ الإتمام، وأما شرع النفل، فلا يُفضي إلى حرج، لكونها إلى خيرة المصلي انتهى (١). (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيا، وهو ما يقع جوابًا لسؤال مقدّر، فكأنه قال له: لماذا قلت هذا الكلام؟، فأجابه بأنه صحب رسول اللَّه ﷺ (فَكَان لَا يَزِيدُ فِي السفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ) أي في هذه الصلاة التي صلاها لهم في ذلك الوقت، فلا يُعترض على كلامه بالمغرب، حيث لا تُصلى ركعتين إجماعًا. قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل هذا اللفظ -يعني "كان لا يزيد في السفر على ركعتين"- أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض، فيكون كنايةً عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويحتمل أن يريد لا يزيد نفلًا، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويدلّ على هذا الثاني رواية مسلم، ولفظه: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل، وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت"، فذكر المرفوع انتهى (٢). قال النووي ﵀: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة محتّمة، فلو شُرعت تامة لتحتَّم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون

стр. 9653

مشروعة، ويُخيّر فيها انتهى. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن مراد ابن عمر بقوله: "لو كنت مسبحًا لأتممت" يعني أنه لو كان مخيرًا بين الإتمام، وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يُصلي الراتبة، ولا يُتمّ انتهى. (وَأَبَا بَكْرٍ) بالنصب عطفًا على "رسول اللَّه"، أي وصحبت أبا بكر (حَتَّى قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي مات (وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵄ كَذَلِكَ) أي حتى قُبضا, ولفظ مسلم: "يا ابن أخي صحبت رسول اللَّه ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت عمر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، ثم صحبتُ عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] " انتهى (١). وإنما ذكر الموقوف بعد المرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع ليُبيّن أن العمل استمرّ على ذلك، ولم يطرُق إليه نسخٌ، ولا مُعارض، ولا راجحٌ. واستُشكل قوله: "ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه"، لأنه ثبت فيما تقدم من حديث ابن عمر أن عثمان أتمها بعد ثماني سنين، أو ست. وأجيب بأن المراد في هذه الرواية أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه في غير منى، والروايات المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصةً، وقد فسر عمران بن الحصين في روايته أن إتمام عثمان إنما كان بمنى. أفاده النووي ﵀ في "شرح مسلم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ١٤٥٨ - وفي "الكبرى"-٥/ ١٩١٦ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٧ (م) ٢/ ١٤٤ (د) ١٢٢٣ (ق) ١٠٧١ (أحمد) ٢/ ٢٤ ر ٢/ ٥٦ (عبد بن حميد) ٨٢٧ (ابن خزيمة) ١٢٥٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده:

стр. 9654

منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ترك السنن الرواتب في السفر. ومنها: بيان ملازمة النبي ﷺ للقصر في السفر، فلم يثبت عنه أنه أتمّ في السفر حتى توفاه اللَّه تعالى، وكذا الخلفاء ﵃ بعده، ففيه الردّ على من قال: بأن الإتمام أفضل من القصر. ومنها: الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن واجبة. ومنها: فضل ابن عمر ﵄، حيث كان شديد الاتباع للنبي - صلي اللَّه عليه وسلم -، في جميع أفعاله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في التطوع في السفر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في التطوع في السفر، فثبت أن ابن عمر لم يكن يصلي في السفر مع الفريضة شيئًا قبلها, ولا بعدها، إلا من جوف الليل. ورأت طائفة التطوع في السفر، فممن روينا عنه أنه كان يتطوع في السفر عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وابن عباس وأبو ذرّ، وقال الحسن البصريّ: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ -يُسافرون، فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها. وممن رُوي عنه أنه كان يتطوع في السفر: القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد، والحارث بن سُويد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، والشعبي، ومكحول، والحسن البصري، والنخعي، وعروة بن الزبير، وعمرو بن ميمون، وجابر بن زيد، وأبو وائل، وهو قوله مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي -رحمهم اللَّه تعالى-. انتهي (١). وقال الإمام الترمذي -رحمه اللَّه تعالى-: ثم اختلف أهل العلم بعد النبي - صلي اللَّه عليه وسلم -، فرأى بعض أصحاب النبي - صلي اللَّه عليه وسلم - أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد، وإسحاق، ولم ير طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها, ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم، يختارون التطوع في السفر انتهى (٢). وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر، وآخرون، واستحبها

стр. 9655

الشافعي، وأصحابه، والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامّة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته ﷺ الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة، ذكرها أصحاب السنن" والقياس على النوافل المطلقة انتهى. وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: كان من هديه ﷺ الاقتصار على الفرض، ولم يُحفظ عنه ﷺ أنه صلى سنة الصلاة قبلها, ولا بعدها، إلا ما كان من الوتر، وسنة الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حضرًا, ولا سفرًا، قال: وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة، ولا بعدها، إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي ﷺ كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة، ولا بعدها شيئًا, ولم يكن يمنع من التطوع قبلها, ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة، ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يُجعل لها سنة راتبة يُحافظ عليها، وقد خفف الفرض ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر، وإلا كان التمام أولى به. وقال أيضًا:، كان أي النبي ﷺ كل يواظب على سنة الفجر، والوتر أشد من جميع النوافل، دون سائر السنن, ولم ينقل أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما, ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، وسئل عن سنة الظهر في السفر؟ فقال: لو كنت مسبحًا لأتممت، وهذا من فقهه ﵁، فإن اللَّه خفف عن المسافر في الرباعية شطرها، فلو شرع لها الركعتان قبلها، أو بعدها لكان الإتمام أولى به انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين بما ذُكر أن النفل المطلق ثابت عن النبي ﷺ في السفر، وكذا الوتر، ومن السنن الراتبة سنة الصبح، وما عدا ذلك، فأحاديثه متكلم فيها، وإن ثبتت فتحمل على أنه ﷺ فعلها لبيان الجواز، فالأولى للمسافر أن يلازم ما لازمه النبي ﷺ ، وما عداه فعله في بعض الأحيان. هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * *

стр. 9656

١٥ - (كِتَابُ الْكُسُوفِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الكسوف" لغةً: التغير إلى سواد، ومنه كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس: اسودت، وذهب شُعاعها. قال الفيومي ﵀: كَسَفَت الشمسُ. من باب ضرب، كُسُوفًا، وكذلك القمر، قاله ابن فارس، والأزهريّ، وقال ابن الْقُوطيّة أيضًا: كسفَ القمرُ، والشمسُ، والوجهُ: تَغَيَّرَ، وكسَفَها اللَّه، كَسْفًا، من باب ضرب أيضًا، يتعدى، ولا يتعدّى، والمصدر فارق، ونُقل: انكسفت الشمسُ، فبعضهم يجعله مطاوعًا، مثل كسرته، فانكسر، وعليه حديث: "انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ "، وبعضهم يجعله غلطًا، ويقول: كسفتُها، فكَسَفَتْ هي، لا غيرُ، وقيل: الكُسُوف ذَهَاب البعض، والخسوف ذَهَاب الكلّ، وإذا عدَّيتَ الفعلَ، نصبتَ عنه المفعول باسم الفاعل، كما تنصبه بالفعل، قال جَرير [من البسيط]: الشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةِ … تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا في البيت تقديم وتأخيرٌ، والتقديرُ: الشمسُ في حال طُلوعها، وبكائها عليك ليست تَكسف النجومَ والقمرَ، لعدم ضوئها. وقال أبو زيد: كسفت الشمسُ كُسُوفًا: اسودّت بالنهار، وكسفت الشمسُ النجومَ: غَلَبَ ضوءها على النجوم، فلم يبدُ منها شيء انتهى (١). وقال في مادة "خَسَفَ": وخَسَفَه اللَّه -أي من باب ضرب- يتعدى، ولا يتعدى، وخسف القمرُ: ذهب ضوءه، أو نقص، وهو الكسوف أيضًا، وقال ثَعْلَبٌ: أجود الكلام: خسف القمرُ، وكسفت الشمسُ، وقال أبو حاتم في الفَرْق: إذا ذهب بعض الشمس، فهو الكُسُوف، وإذا ذهب جميعه، فهو الخُسُوفُ انتهى. وقال الإمام البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب هل يقول: كسفت الشمس، أو خسفت؟ "، وقال اللَّه تعالى. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]. انتهى. قال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء. قال الحافظ ﵀: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن عروة،

стр. 9657

قال: "لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت"، وهذا موقوف صحيح، رواه سعيد بن منصور عنه. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه. لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه، لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلّطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وكأن هذا هو السرّ في استشهاد المؤلف به في الترجمة. وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شكّ أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف, لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان، أو الذلّ، فإذا قيل: في الشمس: كسفت، أو خسفت, لأنها تتغير، ويلحقها النقص، ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء. وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه. وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخص مما ذُكر أن الراجح جواز إطلاق الكسوف، والخسوف لكل من الشمس، والقمر؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ١ - (كُسُوفُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ) ١٤٥٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم قريبًا. ٢ - (حماد) بن زيد، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٣/ ٣. ٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العَبْدي، أبو عُبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥] تقدم ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الإمام الحجة المثبت المشهور [٣] تقدم ٣٢/ ٣٦.

стр. 9658

٥٥ - (أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَةَ الثقفي الصحابي المشهور - رضي اللَّه تعالى - عنه، تقدم ٤١/ ٨٣٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغلانيّ. ومنها: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْحَسَنِ) البصري، والحسن عن أبي بكرة متصل عند البخاري، وهو الراجح، ومنقطع عند أبي حاتم، والدارقطني. وقد علق البخاري عن موسى، عن مبارك، عن الحسن، قال: أخبرني أبو بكرة، فصرح بالإخبار، فهذا يؤيد ما ذهب إليه البخاري (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَمْسَ، وَالْقَمَرَ آيَتَانِ") قال الزركشي -رحمه اللَّه تعالى-: أي كسوفهما آيتان؛ لأنه الذي خرج الحديث بسببه. وقال الكرماني ﵀: أي علامتان لقرب القيامة، أو لعذاب اللَّه، أو لكونهما مسخرين بقدرة اللَّه تعالى، وتحت حكمه. وقال السندي -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر قول الزركشي: قلت: يحتمل أن المراد أنهما ذاتًا وصفةً آيتان، أو أراد أنهما كانا آيتين، فتغيرهما يكون مسندًا إلى تصرفه تعالى، لا دخل فيه لموت، أو حياة، كشأن الآيات. ومعنى كونهما آيتين أنهما علامتان لقرب القيامة، أو لعذاب اللَّه، أو لكونهما مسخرين بقدرة اللَّه تعالى، وتحت حكمه انتهى (١). (مِن آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) الدالة على وحدانية اللَّه، وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس اللَّه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (لَا يَنْكَسِفَانِ) بالتذكير لتغليب القمر، كما في القمرين (لِمَوْتِ أَحَدٍ) قال ذلك لأنها انكسفت يوم مات إبراهيم ابنه ﷺ ، فزعم الناس ذلك، فدفع هذا الزعم بهذا الكلام، وقد جاء بيان هذا السبب في رواية عبد الوارث الآتية ١٦/ ١٤٩١ - ولفظه: "وذلك أن ابنًا للنبي ﷺ ، يقال له: إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك"، وفي رواية مبارك بن فضالة عند ابن حبان: "فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم"، ولأحمد،

стр. 9659

والنسائي-١٦/ ١٤٩٠ - ، وابن ماجه، وصححه ابن خُزيمة، وابن حبان من رواية أبي قلابة، عن النعمان بن بشير ﵄، قال: "انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فخرج فزعًا، يجرّ ثوبه، حتى أتى المسجد، فلم يزل يُصلي حتى انجلت، فلما انجلت قال: إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك … " الحديث. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث الآتي في "الاستسقاء" -١٦/ ١٥٢٥ - : "يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا". قال الخطابي -رحمه اللَّه تعالى-: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت، أو ضرّ، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخّران للَّه، ليس لهما سلطان في غيرهما, ولا قُدرة على الدفع عن أنفسهما، وفيه ما كان عليه النبيّ ﷺ من الشفقة على أمته، وشدة الخوف من ربه، وسيأتي لذلك مزيد بيان، إن شاء اللَّه تعالى. (وَلَا لِحَيَاتِهِ) استشكلت هذه الزيادة؛ لأن السياق إنما ورد في حقّ من ظنّ أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة. وأجيب بأن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي، لدفع هذا التوهم (١). (وَلَكِنَّ اللهَ ، يُخَوِّفُ بِهمَا) أي بكسوفهما (عِبَادَهِ) فيه ردّ على من زعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي، لا يتأخر، ولا يتقدّم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجَزْر والمد في البحر. وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربيّ، وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى ﵁ الآتي-٢٥/ ١٥٠٣ - حيث قال: "فقام فزعًا، يخشى أن تكون الساعة" قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق، والصدقة، والصلاة، والذكر معنى، فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذُكر من أنواع الطاعة يُرجى أن يُدفع به ما يُخشى من أثر ذلك الكسوف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي -كما قال بعض المحققين- أن ما قاله أهل الهيئة لا ينافي ما ذُكر؛ فإن العلم بحصول الكسوف لا ينافي التخويف؛ لأنا لا ندري ما وراء ذلك. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9660

ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يحول القمر بينها، وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين، فقال: هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله، أم كيف يُظلم الكثير بالقليل، ولا سيما، وهو من جنسه؟ وكيف تحجب الأرض نور الشمس، وهي في زاوية منها, لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفًا. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم بلفظ: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، وإن اللَّه إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له". وسيأتي استشكال الغزالي لهذه الزيادة، ودعواه عدم ثبوتها، والردّ عليه في شرح حديث ١٦/ ١٤٨٥ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق يهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ١٤٥٩ - وفي "الكبرى"-١/ ١٨٤٠ - عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عنه. وفي ٥/ ١٤٦٣ - و"الكبرى" -٥/ ١٨٤٦ - عن محمد بن كامل المروزي، عن هشيم، عن يونس، به. وفي ٥/ ١٤٦٤ - و"الكبرى"- ٥/ ١٨٤٧ - عن عمرو بن علي، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عنه. وفي ١٦/ ١٤٩١ - و"الكبرى"-١٦/ ١٨٧٦ - عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن يونس به. وفي ١٦/ ١٤٩٢ - و"الكبرى"١٦/ ١٨٧٧ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد به. وفي ٢٤/ ١٥٠٢ - و"الكبرى" -٢٤/ ١٨٨٩ - عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن يونس به. وأخرجه (خ) ٢/ ٤٢ و ٢/ ٤٤ و ٢/ ٤٩ و ٧/ ١٨٢ (أحمد) ٥/ ٣٧ (ابن خزيمة) ١٣٧٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إثبات الكسوف للشمس والقمر.

стр. 9661

ومنها: كون الشمس والقمر آيتين دالتين على عظيم قدرة اللَّه تعالى. ومنها: أن تغيرهما بالانكساف ليس لموت أحد من العظماء، كما هو زعم الجاهلية، بل بتقدير اللَّه تعالى، وحكمته البابغة. ومنها: أن اللَّه إنما يغير بعض مخلوقاته تخويفا لعباده، حتي يرتدعوا عن معاصيهم، ويتوبوا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٢ - (التَّسْيِيحّ، والتَّكْبيرُ، والدُّعَاءُ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ) ١٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ -هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الْجُرَيْرِيُّ, عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ, قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَتَرَامَى بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ, إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَجَمَعْتُ أَسْهُمِي, وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ مَا أَحْدَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ, فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِى ظَهْرَهُ, وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ, فَجَعَلَ يُسَبِّحُ, وَيُكَبِّرُ, وَيَدْعُو, حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا, قَالَ: ثُمَّ قَامَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ٤٣/ ٥٠. ٢ - (أبو هشام المغيرة بن سَلَمَة) البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] تقدم ٢٨/ ٨١٥. ٣ - (وُهَيب) بن خالد، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغير قليلًا بآخره [٧] تقدم ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (أبو مسعود الْجُريريّ) سعيد بن إياس البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] تقدم ٣٢/ ٦٧٢. ٥ - (حيّان بن عُمَير) القَيسيّ الجُريريّ، أبو العلاء البصريّ، ثقة [٣].

стр. 9662

روى عن عبد الرحمن بن سَمُرة، وابن عباس، وسمرة بن جُندب، وغيرهم. وعنه سعيد الجريري، وسليمان التيميّ، وقتادة، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال النسائي: في "الكنى": بصريّ ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره البخاريّ في "فصل من مات بين التسعين والمائة". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (عبد الرحمن بن سمرة) بن حَبيب بن عبد شمس العَبْشميّ، أبو سعيد، أسلم يوم الفتح، يقال: كان اسمه عبد كُلال، وقيل: غير ذلك، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، سكن البصرة، وهو الذي افتتح سجستان، وكابُل، وغيرهما، وشهد غزوة مُؤتة. روى عن النبي ﷺ ، وعن معاذ بن جبل. وعنه حيان بن عُمير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن البصريّ، وغيرهم. قال ابن سعد: استعمله عبد اللَّه بن عامر على سجستان، وغزا خُرَاسان، ففتح بها فتوحًا، ثم رجع إلى البصرة، فمات بها سنة (٥٠)، وكذا أرخه بها أبو موسى وغيره، وقال ابن عُفير: مات سنة خمسين، ويقال: سنة إحدى وخمسين. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ. ومنها: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ) القيسي، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَا) وفي نسخةْ "بينما" (أَنَا أَتَرَامَى) أي أرمي، وفي رواية لمسلم: "أرمي"، وفي أخرى له. "أتَرَمَّى"، قال ابن منظور: وخَرَجْتُ أَتَرَمَّى، وَخَرَج يَتَرَمَّى: إذا خرج يَرْمِي في الأغراض، وأصول الشجر. وفي حديث الكسوف: "خرجت أرتمي بأسهمي"، وفي رواية: "أترامَى"، يقال: رميتُ بالسهم رَمْيًا، وأرتميتُ، وتَرَاميتُ تَرَاميًا، ورَامَيتُ مُرَاماةً: إذا رميت بالسهام الْقِسِيَّ، وقيل: خرجتُ أرتَمِي: إذا رميت الْقَنَصَ، وأترمَّى: إذا خرجت تَرمي في الأهداف، ونحوها انتهى (١).

стр. 9663

وكان يتعلم الرمي، امتثالًا للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]؛ إذ القوة معناها الرمي، كما فسرها النبي ﷺ ، فقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". وأخرج أحمد، وأصحاب السنن عنه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا". (بِأَسْهُم لي) جمع سَهْم: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْل، ويجمع على سهام (بِالْمًدِينَةِ) النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام (إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَجَمَعْتُ أَسْهُمِي) أي لئلا تَضيع عليه لو تركها مفرّقةَ، وفي رواية مسلم: "فنبذتها"، أي طرحتها، وترك الاشتغال بها (وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ مَا أَحْدَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) ظنّ عبد الرحمن أنه لا بُدّ أن يتجدّد للنبي ﷺ في الكسوف شيء من السنن, فأراد أن ينظر إليه. (فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ) أي من ورائه (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محل نصب على الحالية (فَجَعَل) أي شرع، وأخذ (يُسَبِّحُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو) اللَّه ، وفي رواية مسلم: "فأتيته، وهو قائم في الصلاة، رافع يديه … " قال النووي ﵀: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، وردٌّ على من يقول لا تُرفع الأيدي في دعوات الصلاة انتهى. فبينت رواية مسلم أن التسبيح، والتكبير، والدعاء المذكور كان في الصلاة. وفيه استحباب التسبيح، والتكبير، والدعاء في صلاة الكسوف (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) بالبناء للمفعول، أي أزيل الانكساف عن الشمس، فنائب الفاعل ضمير يعود إلى الانكساف المفهوم من "انكسفت"، ويحتمل أن لا يكون في "حُسر" ضمير، فيكون مسندًا إلى الجارّ والمجرور، أي أزيل، وكشف عن الشمس ما بها من الانكساف (قَالَ: ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) ظاهره أنه صلى بعد إنجلاء الشمس، وهو مخالف لسائر الأحاديث. قال النووي في "شرح مسلم": هذا مما يُستشكل، ويُظنُّ أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد إنجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنه وجده في الصلاة، كما صرح به في الرواية الثانية، ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة، من دعاء، وتكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء

стр. 9664

تتميمًا للصلاة، فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولاهما في حال الكسوف، وأخراهما بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من التقدير لا بُدّ منه, لأنه مطابق للرواية الثانية، ولقواعد الفقه، ولروايات باقي الصحابة، والروايةُ الأولى (١) محمولة عليه أيضًا لتتفق الروايتان. ونقل القاضي عن المازريّ أنه تأوله على صلاة ركعتين تطوّعًا مستقلًا بعد انجلاء الكسوف، لا أنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر الرواية الثانية. واللَّه أعلم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما أول به المازري -رحمه اللهُ تعالى- هو الصواب، وأما تأويل النووي فتكلّفٌ بعيد، ترده رواية المصنف، بلفظ: "ثم قام، فصلى ركعتين، وأربع سجدات"، فقول: "وأربع سجدات" صريح في ردّ تأويله بأن معناه تيمم الركعة الثانية، إذ ليس فيها إلا سجدتان، فظهر بهذا أنه إنما صلى بعد الانجلاء ركعتين كاملتين، فيهما ركوعان، وأربع سجدات، شكرًا للَّه تعالى في إزالته كسوف الشمس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٢/ ١٤٦٠ - وفي "الكبرى"-٢/ ١٨٤١ - بالسند المذكور. وأخرجه (م) ٣/ ٣٥ و ٣/ ٣٦ (د) ١١٩٥ (أحمد) ٥/ ٦١ (ابن خزيمة) ١٣٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * *

стр. 9665

٣ - (الأَمْرُ بالصَّلَاةِ عَنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ) ١٤٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ (١) مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا, فَصَلُّوا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصريّ، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الحافظ المثبت [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩. ٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) التيمي أبو محمد المدني، ثقة ثبت [٦] تقدم ١٢٠/ ١٦٦ ٥ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت، من كبار [٣] تقدم ١٢٠/، ١٦٦ والصحابي تقدم قريبًا، وكذا شرح الحديث سبق في حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه - في الباب الأول. وقوله: "لا يخسفان" بفتح أوله، ويجوز الضمّ، وحكى ابن الصلاح منعه. وروى ابن خزيمة، والبزار من طريق نافع عن ابن عمر، قال: "خسفت الشمس يوم مات إبراهيم "الحديث، وفيه: "فافزعوا إلى الصلاة، وإلى ذكر اللَّه، وادعوا، وتصدَّقوا". قاله في "الفتح". [تنبيه]: ذكر المصنف -رحمه اللَّه تعالى- ثلاثة أبواب متتالية في الأمر بصلاة الكسوف، وفيها الأمر بمطلق الصلاة، وكذا فعل البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فإنه أورد في أول الباب أربعة أحاديث، وفيها الأمر بمطلق الصلاة، فقال في "الفتح": ابتدأ البخاريّ أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة، إشارة منه إلى أن ذلك يُعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعية، كالبندنيجي أن صلاتها ركعتين كالنافلة، لا يُجزىء. واللَّه أعلم انتهى (٢).
следующие страницы →