← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

ومنها: كون الشمس والقمر آيتين دالتين على عظيم قدرة اللَّه تعالى. ومنها: أن تغيرهما بالانكساف ليس لموت أحد من العظماء، كما هو زعم الجاهلية، بل بتقدير اللَّه تعالى، وحكمته البابغة. ومنها: أن اللَّه إنما يغير بعض مخلوقاته تخويفا لعباده، حتي يرتدعوا عن معاصيهم، ويتوبوا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٢ - (التَّسْيِيحّ، والتَّكْبيرُ، والدُّعَاءُ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ) ١٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ -هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الْجُرَيْرِيُّ, عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ, قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَتَرَامَى بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ, إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَجَمَعْتُ أَسْهُمِي, وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ مَا أَحْدَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ, فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِى ظَهْرَهُ, وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ, فَجَعَلَ يُسَبِّحُ, وَيُكَبِّرُ, وَيَدْعُو, حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا, قَالَ: ثُمَّ قَامَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ٤٣/ ٥٠. ٢ - (أبو هشام المغيرة بن سَلَمَة) البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] تقدم ٢٨/ ٨١٥. ٣ - (وُهَيب) بن خالد، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغير قليلًا بآخره [٧] تقدم ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (أبو مسعود الْجُريريّ) سعيد بن إياس البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] تقدم ٣٢/ ٦٧٢. ٥ - (حيّان بن عُمَير) القَيسيّ الجُريريّ، أبو العلاء البصريّ، ثقة [٣].

стр. 9662

روى عن عبد الرحمن بن سَمُرة، وابن عباس، وسمرة بن جُندب، وغيرهم. وعنه سعيد الجريري، وسليمان التيميّ، وقتادة، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال النسائي: في "الكنى": بصريّ ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره البخاريّ في "فصل من مات بين التسعين والمائة". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (عبد الرحمن بن سمرة) بن حَبيب بن عبد شمس العَبْشميّ، أبو سعيد، أسلم يوم الفتح، يقال: كان اسمه عبد كُلال، وقيل: غير ذلك، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، سكن البصرة، وهو الذي افتتح سجستان، وكابُل، وغيرهما، وشهد غزوة مُؤتة. روى عن النبي ﷺ ، وعن معاذ بن جبل. وعنه حيان بن عُمير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن البصريّ، وغيرهم. قال ابن سعد: استعمله عبد اللَّه بن عامر على سجستان، وغزا خُرَاسان، ففتح بها فتوحًا، ثم رجع إلى البصرة، فمات بها سنة (٥٠)، وكذا أرخه بها أبو موسى وغيره، وقال ابن عُفير: مات سنة خمسين، ويقال: سنة إحدى وخمسين. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ. ومنها: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ) القيسي، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَا) وفي نسخةْ "بينما" (أَنَا أَتَرَامَى) أي أرمي، وفي رواية لمسلم: "أرمي"، وفي أخرى له. "أتَرَمَّى"، قال ابن منظور: وخَرَجْتُ أَتَرَمَّى، وَخَرَج يَتَرَمَّى: إذا خرج يَرْمِي في الأغراض، وأصول الشجر. وفي حديث الكسوف: "خرجت أرتمي بأسهمي"، وفي رواية: "أترامَى"، يقال: رميتُ بالسهم رَمْيًا، وأرتميتُ، وتَرَاميتُ تَرَاميًا، ورَامَيتُ مُرَاماةً: إذا رميت بالسهام الْقِسِيَّ، وقيل: خرجتُ أرتَمِي: إذا رميت الْقَنَصَ، وأترمَّى: إذا خرجت تَرمي في الأهداف، ونحوها انتهى (١).

стр. 9663

وكان يتعلم الرمي، امتثالًا للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]؛ إذ القوة معناها الرمي، كما فسرها النبي ﷺ ، فقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". وأخرج أحمد، وأصحاب السنن عنه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا". (بِأَسْهُم لي) جمع سَهْم: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْل، ويجمع على سهام (بِالْمًدِينَةِ) النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام (إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَجَمَعْتُ أَسْهُمِي) أي لئلا تَضيع عليه لو تركها مفرّقةَ، وفي رواية مسلم: "فنبذتها"، أي طرحتها، وترك الاشتغال بها (وَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ مَا أَحْدَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) ظنّ عبد الرحمن أنه لا بُدّ أن يتجدّد للنبي ﷺ في الكسوف شيء من السنن, فأراد أن ينظر إليه. (فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ) أي من ورائه (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة في محل نصب على الحالية (فَجَعَل) أي شرع، وأخذ (يُسَبِّحُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو) اللَّه ، وفي رواية مسلم: "فأتيته، وهو قائم في الصلاة، رافع يديه … " قال النووي ﵀: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، وردٌّ على من يقول لا تُرفع الأيدي في دعوات الصلاة انتهى. فبينت رواية مسلم أن التسبيح، والتكبير، والدعاء المذكور كان في الصلاة. وفيه استحباب التسبيح، والتكبير، والدعاء في صلاة الكسوف (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) بالبناء للمفعول، أي أزيل الانكساف عن الشمس، فنائب الفاعل ضمير يعود إلى الانكساف المفهوم من "انكسفت"، ويحتمل أن لا يكون في "حُسر" ضمير، فيكون مسندًا إلى الجارّ والمجرور، أي أزيل، وكشف عن الشمس ما بها من الانكساف (قَالَ: ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) ظاهره أنه صلى بعد إنجلاء الشمس، وهو مخالف لسائر الأحاديث. قال النووي في "شرح مسلم": هذا مما يُستشكل، ويُظنُّ أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد إنجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنه وجده في الصلاة، كما صرح به في الرواية الثانية، ثم جمع الراوي جميع ما جرى في الصلاة، من دعاء، وتكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء

стр. 9664

تتميمًا للصلاة، فتمت جملة الصلاة ركعتين، أولاهما في حال الكسوف، وأخراهما بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من التقدير لا بُدّ منه, لأنه مطابق للرواية الثانية، ولقواعد الفقه، ولروايات باقي الصحابة، والروايةُ الأولى (١) محمولة عليه أيضًا لتتفق الروايتان. ونقل القاضي عن المازريّ أنه تأوله على صلاة ركعتين تطوّعًا مستقلًا بعد انجلاء الكسوف، لا أنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر الرواية الثانية. واللَّه أعلم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما أول به المازري -رحمه اللهُ تعالى- هو الصواب، وأما تأويل النووي فتكلّفٌ بعيد، ترده رواية المصنف، بلفظ: "ثم قام، فصلى ركعتين، وأربع سجدات"، فقول: "وأربع سجدات" صريح في ردّ تأويله بأن معناه تيمم الركعة الثانية، إذ ليس فيها إلا سجدتان، فظهر بهذا أنه إنما صلى بعد الانجلاء ركعتين كاملتين، فيهما ركوعان، وأربع سجدات، شكرًا للَّه تعالى في إزالته كسوف الشمس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٢/ ١٤٦٠ - وفي "الكبرى"-٢/ ١٨٤١ - بالسند المذكور. وأخرجه (م) ٣/ ٣٥ و ٣/ ٣٦ (د) ١١٩٥ (أحمد) ٥/ ٦١ (ابن خزيمة) ١٣٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * *

стр. 9665

٣ - (الأَمْرُ بالصَّلَاةِ عَنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ) ١٤٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ (١) مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا, فَصَلُّوا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصريّ، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الحافظ المثبت [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٣/ ٧٩. ٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) التيمي أبو محمد المدني، ثقة ثبت [٦] تقدم ١٢٠/ ١٦٦ ٥ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت، من كبار [٣] تقدم ١٢٠/، ١٦٦ والصحابي تقدم قريبًا، وكذا شرح الحديث سبق في حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه - في الباب الأول. وقوله: "لا يخسفان" بفتح أوله، ويجوز الضمّ، وحكى ابن الصلاح منعه. وروى ابن خزيمة، والبزار من طريق نافع عن ابن عمر، قال: "خسفت الشمس يوم مات إبراهيم "الحديث، وفيه: "فافزعوا إلى الصلاة، وإلى ذكر اللَّه، وادعوا، وتصدَّقوا". قاله في "الفتح". [تنبيه]: ذكر المصنف -رحمه اللَّه تعالى- ثلاثة أبواب متتالية في الأمر بصلاة الكسوف، وفيها الأمر بمطلق الصلاة، وكذا فعل البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فإنه أورد في أول الباب أربعة أحاديث، وفيها الأمر بمطلق الصلاة، فقال في "الفتح": ابتدأ البخاريّ أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة، إشارة منه إلى أن ذلك يُعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعية، كالبندنيجي أن صلاتها ركعتين كالنافلة، لا يُجزىء. واللَّه أعلم انتهى (٢).

стр. 9666

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا الاستنباط بعيد، بل الظاهر من عمل البخاري، والمصنف في هذا أنهما أوردا أحاديث الإطلاق، ثم أتبعاها بأحاديث التقييد بيانا لكون المراد بالصلاة في أحاديث الإطلاق هو الصلاةَ الموصوفةَ في أحاديث التقييد، فكأنهما أجملا، ثم فصلا. ثم إن ما قاله بعض الشافعية هو الظاهر, لأنه ﷺ أمر بالصلاة، ثم بين كيفية تلك الصلاة بفعله، فكيف يوجد الامتثال بصلاة مخالفة لفعله المبين لأمره. فليُتَأَمَّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣/ ١٤٦١ - وفي "الكبرى"-٣/ ١٨٤٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢/ ٤٢ و٤/ ١٣١ (م) ٣/ ٣٦ (أحمد) ٢/ ١٠٩ أو ٢/ ١١٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف: قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": (واعلم): أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة، ذكر مسلم منها جملة، وأبو داود أخرى، وغيرهما أخرى، وأجمع العلماء على أنها سنة، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء أنه يُسنّ فعلها جماعة، وقال العراقيون فرادى، وحجة إلى جمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره. واختلفوا في صفتها، فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وأما السجود فسجدتان كغيرهما، وسواء تمادى الكسوف، أم لا، وبهذا قال مالك، والليث، وأحمد، أبو ثور، وجمهور علماء الحجاز، وغيرهم. وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، عملًا بظاهر حديث جابر بن سمرة، وأبي بكرة: أن النبي ﷺ صلى ركعتين. وحجة الجمهور حديث عائشة، من رواية عروة، وعمرة، وحديث جابر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص ﵃ أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، وسجدتان. قال ابن عبد البرّ: وهذا أصح ما في هذا الباب، قال: وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة.

стр. 9667

وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلق، وهذه الأحاديث تُبيّن المراد به. وذكر مسلم في رواية عن عائشة، وعن ابن عباس، وعن جابر ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركعات، ومن رواية ابن عباس، وعلي ركعتين في كل ركعة أربع ركعات، قال الحفاظ: الروايات الأُوَل أصحّ، ورواتها أحفظ وأضبط. وفي رواية لأبي داود من رواية أُبيّ بن كعب ركعتين في كلّ ركعة خمس ركعات، وقد قال بكل نوع بعض الصحابة. وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين، وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف، فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء، فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر، فتوسط في عدده. واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يُعلَم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على أنه مقصود في نفسه منويّ من أول الحال. وقال جماعة من العلماء، منهم إسحاق بن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلافُ صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك، فتجور صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهذا قويّ، واللَّه أعلم انتهى (١). وقال في "الفتح" عند شرح حديث عائشة ﵂ الآتي - ١١/ ١٤٧٤ - : واستدلّ به على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل وكعة. وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ اللَّه بن عباس، وعبدُ اللَّه بن عمرو، متفق عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، وعن جابر عند مسلم، وعن عليّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة، رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا. وقد وردت الزيادات في ذلك من طرق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبىّ بن كعب، والبزار من حديث

стр. 9668

عليّ أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقيّ، وابن عبد البرّ. ونقل صاحب "الهدي" عن الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ﵇، وإذا اتحدت القصة تعيّن الأخذ بالراجح. وجمع بعضهم بين الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارًا، فيكون كلّ من هذه الأوجه جائزًا، وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات. وقال ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابيّ، وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النوويّ في شرح مسلم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع، والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك. وتعقبه النووي وغيره بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يُعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على أنه مقصود في نفسه مَنْويّ من أول الحال. وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأما الثانية، فهي تبع لها، فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما، ومن ثَمَّ قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يصلي الثانية كالعادة. وعلى هذا فيدخل المصلي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك. وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس، هل انجلت، أم لا، فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه، ففعل ذلك مرة، أو مرارًا، فظنّ بعض من رآه يفعل ذلك ركوعًا زائدًا. وتُعُقّب بالأحاديث الصحيحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولا سيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال، ثم شرع في القراءة، فكلّ ذلك يردّ هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرسول ﷺ عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة، لا

стр. 9669

عَهدَ بها، وهو ما فرّ منه انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما سبق من بيان الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور من أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، هو الراجح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف في أوقات الكراهة على أقوال: الأول: لا صلاة فيها، بل يذكرون اللَّه، ويدعون، هذا مذهب الحسن البصري، والزهريّ، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وابن أبي مُليكة، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقتادة، وأبي بكر بن عمرو بن حزم. وقال مالك: لا يُصَلِّي إلا في حين صلاة. وقال الثوري: لا يُصلي في الكسوف في غير وقت صلاة، وقال يعقوب: إذا انكسفت الشمس بعد العصر، فليس بساعة صلاة التطوع، ولكن الدعاء، والتضرع حتى تنجلي. والثاني: متى انكسفت الشمس، نصفَ النهار، أو بعد العصر، أو قبل ذلك صلى الإمام بالناس صلاة الكسوف, لأن رسول اللَّه ﷺ أمر بالصلاة لكسوف الشمس، فلا وقت يحرم فيه صلاة أمر بها رسول اللَّه ﷺ ، وهذا قول الشافعي ومن تبعه، وبه قال أبو ثور. والثالث: إن انكسفت الشمس بعد العصر، فإنهم يُصلون كذلك مالم تدن للغروب، وكذلك بعد الفجر مالم يطلع حاجب الشمس إلى أن يكون قيد رمح، أو رمحين، لأنهما وقتان تُصلى فيهما الفوائت، والمكتوبات. وهذا قول إسحاق بن راهويه. والرابع: يصلي للكسوف إلا في الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها، وهي وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ووقت الزوال. وبه قال ابن المنذر (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، ومن تبعه أنها تصلى وقت ما حصل الانكساف من ليل أو نهار؛ لظاهر قوله ﷺ : "فإذا رأيتموهما فصلوا"، فقد أمر بالصلاة في أيّ وقت رأينا الانكساف ولم يخص وقتًا دون وقت، وقد سبق في أبواب الأوقات ترجيح القول بأن ذوات الأسباب تجوز في أوقات الكراهة. ويُرَجَّح أيضًا - كما قال في "الفتح"-: بإن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل

стр. 9670

الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تُقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه ﷺ صلاها إلاَّ ضُحًى (١)، لكن ذلك وقع اتفافًا, ولا يدلّ على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٤ - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفِ الْقَمَرِ) ١٤٦٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ, عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ , فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا, فَصَلُّوا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام المشهور، تقدم قريبًا. ٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١٣/ ٤٧١. ٤ - (قيس) بن أبي حازم الكوفي، ثقة [٢] تقدم ٤٦/ ٩٥٤. ٥ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدم ٦/ ٤٩٤. وشرح هذا الحديث تقدم في حديث أبي بكرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. وقوله: "فإذا رأيتموهما" بالتثنية، وفي نسخة: "فإذا رأيتموها" بالإفراد، والضمير يعود إلى الآية.

стр. 9671

والمعنى إذا رأيتم كلاًّ منهما بانفراده، لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة عادة، وإن كان ذلك جائزًا في القدرة الإلهية. واستدلّ به المصنف -رحمه اللَّه تعالى- على مشروعية الصلاة في كسوف القمر، وسيأتي بيان الخلاف فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: "فصلوا"، استدلّ به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معينٌ؛ لأن الصلاة عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كل وقت من ليل أو نهار، وتقدم بيان الخلاف في المسألة الرابعة من الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنف هنا ٤/ ١٤٦٢ - وفي "الكبرى" -٤/ ١٨٥٤ - بهذا السند. وأخرجه (خ) ٢/ ٤٢ و٢/ ٤٨ و٤/ ١٣٢ (م) ٣/ ٣٥ (ق) ١٢٦١ (الحميدي) ٤٥٥ أحمد ٤/ ١٢٢ (الدارمي) ١٥٣٣ (ابن خزيمة) ١٣٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في صلاة الكسوف للقمر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في الصلاة عند كسوف القمر، فرأت طائفة أن يُصلَّى عند كسوف القمر، روينا ذلك عن ابن عباس أنه فعل ذلك. وبه قال عطاء، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: والأخبار دالّة على هذا القول, لأنه سُوِّي بينهما، وأُمِر بالصلاة عند كسوفهما، بُيَّنَ ذلك في الأخبار الثابتة عن نبي اللَّه ﷺ . واستدلّ بحديث أبي مسعود المذكور في الباب، وبحديث ابن مسعود ﵁، الذي أخرجه هو، وابن خزيمة في "صحيحه"، وفي سنده ضعف، وفيه: "فإذا رأيتم ذلك، فاحمدوا اللَّه، وكبروا، وسبحوا، وصلوا حتى ينجلي أيهما انكسف … ". قال: وفي هذا من البيان ما لا يُشكل على من سمعه أن يصلى لكسوف القمر. قال: والذي ذكرته قول جلّ أهل العلم، غير مالك، فإن ابن نافع حكى عنه أنه قال: ليس لكسوف القمر صلاة معروفة محدودة، ولا أرى بأسًا أن يصلي القوم فُرادى، كل رجل منهم لنفسه ركعتين ركعتين، مثل صلاة النافلة.

стр. 9672

وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: وليس في صلاة خسوف القمر سنة، ولا صلاة كصلاة كسوف الشمس. قال ابن المنذر: وهذه غفلة منه، والسنة دالّة على القول الأول انتهى كلام ابن المنذر ببعض تصرف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- من مشروعية الصلاة لخسوف القمر هو الراجح عندي؛ لظهور أدلته، كحديت الباب، وكحديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره آنفًا، فإنه، وإن كان في سنده ضعف، إلا أن الأحاديث الصحاح تشهد له، وكحديث أبي بكرة عند ابن حبان بلفظ: "فإذا رأيتم شيئًا من ذلك … "، وعنده من حديث عبد اللَّه بن عمرو: "فإذا انكسف أحدهما، فافزعوا إلى المساجد". فهذه النصوص صريحة في استحباب الصلاة جماعة في خسوف القمر، فما قاله الجمهور هو الحق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٥ - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الْكُسُوفِ حَتَّى تَنْجِلِيَ) ١٤٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ الْمَرْوَزِيُّ, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ, مِنْ آيَاتِ اللَّهِ , وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدم الكلام عليه سندًا ومتنًا في -١/ ١٤٥٩ - وممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده: ١ - (محمد بن كامل المروزي) ثقة، من صغار [١٠] تقدم ١٨٨/ ٣٠١. ٢ - (هُشيم) بن بشير الواسطي، ثقة ثبت يرسل ويدلس كثيرًا [٧] تقدم ٨٨/ ١٠٩.

стр. 9673

وقوله: "حتى تنجلي" بإفراد الضمير، باعتبار الآية، أي حتى تنجلي الآية التي وقعت بكم. واستدلّ به المصنف -رحمه اللَّه تعالى- على مشروعية إطالة الصلاة حتى يقع الانجلاء، وهو أيضًا ظاهر فعله ﷺ الآتي في الحديث التالي، "فصلى ركعتين حتى انجلت". لكن قال الطحاوي: إن قوله في الرواية الأخرى-٢٤/ ١٥٠٢ - : "فصلوا، وادعوا" يدل على أنه إن سلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي. وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتدًّا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة، فيصير غايةً للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة، ولا تكريرها انتهى (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٦٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ (٢) النَّبِيِّ ﷺ فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَوَثَبَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث هو الحديث الذي قبله. ورجال إسناده: ستة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٣ - (خالد) بن الحارث الهجيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٤ - (أشعث) بن عبد الملك الْحُمْراني، أبو هانئ البصري، ثقة فقيه [٦] تقدم ٩٧/ ١٠٤٠. والباقيان تقدما بالرقم المذكور. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "فكسفت الشمس" بفتح الكاف والسين، مبنيّا للفاعل، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول, لأنه كما تقدم يكون لازما، ومتعديًا، يقال: كَسَفَت الشمسُ، وكسَفَها اللَّه. وقوله: "فوَثَبَ" من باب وعد، وثوبًا، ووَثيبًا: قَفَزَ، وهو كناية عن إسراعه. وقوله: "يجُرُّ رداءه" جملة في محل نصب على الحال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 9674

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٦ - (بَابُ الأَمْرِ بِالنِّدَاءِ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ) ١٤٦٥ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنَادِيًا, يُنَادِي أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً, فَاجْتَمَعُوا, وَاصْطَفُّوا, فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد) الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥ ٢ - (الوليد) بن مسلم الدمشقي، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤. ٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الإمام الحجة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهري) الإمام الشهير تقدم قريبًا. ٥ - (عروة) بن الزبير المدني الفقيه [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تقدمت ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل بالشاميين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة عروة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) فيه إطلاق الخسوف بالخاء للشمس، وقد تقدم الكلام عليه أول الكتاب (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي في زمنه (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنَادِيًا، يُنَادِي) وفي نسخة: "فنادى" (أَنِ) بفتح الهمزة،

стр. 9675

وتخفيف النون تفسيرية (الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ) بنصب "الصلاة" على الإغراء، ونصب "جامعة" على الحال. وروي بتشديد "أن"، فـ"الصلاة" اسمها، و"جامعةٌ" خبرها، أو الخبر محذوف، أي حاضرة، و"جامعةٌ" حال. وقال بعض العلماء: يجوز في "الصلاة جامعة" أربعة أوجه: نصبهما على أن الأول مفعول لمحذوف، والثاني منصوب على الحال، أي أحضروا الصلاةَ حال كونها جامعةً، ورفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ورفع الأول مبتدأً خبره محذوف، أي الصلاةُ حاضرةٌ، ونصب الثاني على الحال، ونصب الأول لما تقدم، ورفع الثاني على أنه خبر لمحذوف، أي هي جامعة. وإسناد الجمع إليها مجاز عقليّ من قبيل الإسناد إلى السبب. (فَاجْتَمَعُوا، وَاصْطَفُّوا، فَصَلَّى بهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتِ) أي أربع ركوعات، من تسمية الجزء باسم الكلّ (فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتِ) يعني أنه ركع ركوعين، وسجد سجدتين في كل واحدة من الركعتين. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ ﵀ هذا أصح ما في هذا الباب، وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٦/ ١٤٦٥ - وفي "الكبرى"-٦/ ١٨٤٩ - عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة عنها. وفي ٧/ ١٤٦٦ - و"الكبرى"-٧/ ١٨٥٠ - عن محمد بن خالد بن خليّ، عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه عن الزهريّ به. وفي ١١/ ١٤٧٢ - و"الكبرى" ١١/ ١٨٥٧ - عن محمد ابن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به. وفي ١١/ ١٤٧٣ - و"الكبرى" ١١/ ١٨٥٨ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم به. وفي- ١١/ ١٤٧٤ - و"الكبرى" ١١/ ١٨٥٩ - عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه به. وفي ١٨/ ١٤٩٤ - و"الكبرى" ١٨/ ١٨٧٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد عن عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري به. وفي "الكبرى" أيضًا ١٨/ ١٨٨٠ - عن محمد بن

стр. 9676

يحيى، عن أبي داود، عن سليمان بن كثير، عن الزهري به. وفيه أيضًا ١٨/ ١٨٨١ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن يزيد عن سفيان بن حسين، عن الزهري به. وفي ٢١/ ٤٩٧١ - و"الكبرى" ١٨٨٤٢١ - عن عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر به. وفي ٢٣/ ١٥٠٠ - و"الكبرى"-٢٣/ ١٨٨٧ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة، عن هشام بن عروة به. وأخرجه (خ) ٢/ ٤٢ و ٢/ ٤٣ و ٢/ ٤٤ و ٢/ ٤٩و ٢/ ٨٢ و ٤/ ١٣٢ و ٦/ ٦٩ و ٧/ ٤٥ و ٨/ ١٦٠ (م) ٣/ ٢٧ و ٣/ ٢٨ و ٣/ ٢٩ (د) ١١٨٠و ١١٨٧ و ١١٨٨ و ١١٩٠ (ت) ٥٦١ و٥٦٣ (ق) ١٢٦٣. (مالك في الموطإ) ص ١٣٢ (الحميدي) رقم ١٨٠ (أحمد) ٦/ ٣٢ و ٦/ ٦٥ و ٦/ ٣٢ و ٦/ ١٦٤و٦/ ١٦٨ (الدارمي) ١٥٣٧ (ابن خزيمة) ١٣٧٩ و ١٣٨٧ و ١٣٩٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية النداء بـ "الصلاة جامعة" عند الكسوف، قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك، وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها، ولا يُقام. ومنها: مشروعية الاجتماع لصلاة الكسوف، وصلاتها جماعة. ومنها: بيان كيفية صلاة الكسوف بأنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، وسجدتان، وهذه أرجح الكيفيات، كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٧ - (بَابُ الصُّفُوفِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ) ١٤٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ, فَقَامَ, فَكَبَّرَ (١) ,

стр. 9677

وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ, فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، وممن لم يُذكر من رجاله هناك: ١ - (محمد بن خالد بن خَليّ) بوزن "عَلِيٍّ" الكَلَاعي، أبو الحسين الحمصي، صدوق [١١]. روى عن أبيه، وأحمد بن خالد الوَهْبي، وبشر بن شُعيب، وغيرهم. وعنه: النسائي،، وابنه أبو بكر أحمد بن محمد، وأبو بشر الدُّولابي، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: صدوق. وقال الدارقطني: ليس به بأس. انفرد به المصنف، روى عنه في هذا الكتاب تسعة أحاديث. ٢ - (بشر بن شُعيب) بن أبي حمزة القُرشي مولاهم، أبو القاسم الحمصي، ثقة، من كبار [١٠]. روى عن أبيه، وعنه البخاري في غير "الجامع"، وروى له هو، والترمذي، النسائي بواسطة إسحاق غير منسوب، وكأنه الكَوْسج، والذُّهْليِّ، وأبي بكر بن زنجويه، وصفوان بن عمرو الصغير, ومحمد بن خالد بن خَليّ، وعمران بن بَكّار. قال أبو زرعة: سماعه كأبي اليمان إنما كان إجازة، قال البخاري: تركناه حيا سنة (٢١٢) وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٣). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ذُكر لي أن أحمد بن حنبل قال له: سمعت من أبيك؟ قال: لا، قال: فقرىء عليه، وأنت حاضر؟ قال: لا، قال: فقرأت عليه؟ قال: لا، قال: فأجاز لك؟ قال: نعم، قال: فكتب عنه على معنى الاعتبار، ولم يحدّث عنه. وقال أبو اليمان الحكم بن نافع: كان شُعيب بن أبي حمزة عَسرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاةُ، فقال: هذه كتبي، قد صححتها، فمن أراد أن يأخذها، فليأخذها، ومن أراد أن يَعرض، فليَعْرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني، فليسمعها، فإنه قد سمعها مني. قال الحافظ: فهذا معارض لحكاية أبي حاتم المنقطعة، ومما يؤيده أن أبا حاتم قال في تلك الحكاية: إن أحمد لم يُحدث عن بشر، وليس الأمر كذلك، بل حديثه عنه في "المسند". وأما ابن حبان ففصّل، فقال في "الثقات": كان متقنًا، وبعض سماعه عن أبيه

стр. 9678

مناولة، وسمع نسخة شعيب سماعًا. وذكره ابن حبان أيضًا في "الضعفاء"، ونقل عن البخاريّ أنه قال: تركناه، وهذا خطأ نشأ عن حذف، فالبخاريّ إنما قال: تركناه حَيّا، كما تقدّم، رقد تعقّب ذلك أبو العباس النَّبَاتيّ على ابن حبان في "الحافل"، فأسهب. روى له البخاري، والترمذي، والمصنف، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٣ - (شعيب بن أبي حمزة) دينار الحمصي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٩/ ٨٥. وقوله: "وصفّ الناس" يحتمل نصب "الناس"، ورفعه, لأن "صفّ" يتعدى، ويلزم، يقال: صففتُ القومَ، من باب قتل، فاصطفّوا، وصَفَفْتهم، فصَفُّوا هم. قاله في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٨ - (بَابٌ كَيْفَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "باب" يحتمل تنوينه، وإضافته إلى جملة "كيف صلاة الكسوف". و"كيف" اسم استفهام في محلّ رفع خبر مقدّم وجوبًا، لكون الاستفهام له صدر الكلام، كما أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: كَذَا إِذَا يَسْتَوْجِبُ التَّصْدِيرَا. . . كَـ "أَيْنَ مَنْ عَلِمْتَهُ نَصِيرَا" و"صلاة الكسوف" مبتدأ مؤخّر. واللَّه تعالى أعلم، بالصواب. ١٤٦٧ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ, ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقيّ المذكور قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (إسماعيل بن عُلَيّة) ابن إبراهيم البصري، ثقة ثبت [٨] تقدّم ١٨/ ١٩. ٣ - (سفيان الثوريّ) الإمام المثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (حبيب بن أبي ثابت) قيس، أو هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى

стр. 9679

الكوفي، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠. ٥ - (طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة ثبت حجة [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، يوضّح معناه الحديثُ الذي بعده. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا اختُلف في تصحيحه, فمنهم من صححه، كالإمامين: مسلم، وابن خزيمة، فقد أخرجاه في "صحيحيهما"، ومنهم من ضعفه, لأن له علّتين: (إحداهما): فيه حبيب بن أبي ثابت، فإنه مدلّس، وقد عنعنه. (والثانية): مخالفته لغيره ممن روى عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" ج ٧ ص ٩٨ - : خبر حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلى في كسوف الشمس ثماني ركعات، وأربع سجدات"، ليس بصحيح، لأن حبيبا لم يسمع من طاوس هذا الخبر. انتهى. وقال الحافظ البيهقيّ ﵀ في "سننه" ج ٣/ ص ٣٢٧: وحبيب، وإن كان من الثقات، فقد كان يدلّس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، ويحتمل أن يكون حمله عن غير موثوق به، عن طاوس، وقد رَوَى سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبّاس من فعله أنه صلاها ست ركعات، في أربع سجدات، فخالفه في الرفع، والعدد جميعًا. انتهى. وفيه علة أخرى، وهي الشذوذ، فقد روى غير واحد، عن ابن عباس أنها أربع ركعات، وأربع سجدات. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي، أن الصحيح من حديث ابن عباس ﵁ هو الآتي في الباب التالي، وهو أنه ﷺ صلى ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات، لاتفاق كثير بن عباس، وعطاء بن يسار في روايته عنه، ولموافقته للأحاديث الصحيحة في هذا الباب. والحاصل أن حديث حبيب بن أبي ثابت هذا غير صحيح، لما ذكر من العلتين. وأما دعوى إمكان الجمع بحمله على تعدد القصّة، كما قال ابن خزيمة، فيبعده أن الصحيح أنه ﷺ صلى صلاة الكسوف مرّة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم ﵁. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9680

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨/ ١٤٦٧ - وفي "الكبرى" ٨/ ١٨٥١ - بالإسناد المذكور، وفي ٨/ ١٤٦٨ - و"الكبرى"-٨/ ١٨٥٢ - عن محمد بن المثنّى، عن يحيى القطان، عن الثوريّ به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٣/ ٣٤ و ٣/ ٣٤ (د) ١١٨٣ (ت) ٥٦٠ (أحمد) ١/ ٢٢٥ و ١/ ٣٤٦ (الدارمي) ١٥٣٤ (ابن خزيمة) ١٣٨٥. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وعن عطاء مثل ذلك" يعني أن حبيب بن أبي ثابت روى عن عطاء بن أبي رباح مثل ما رواه عن طاوس، عن ابن عباس ﵄. وظاهر صنيع الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" أن رواية عطاء مرسلة، حيث أوردها في قسم "المراسيل" ج ١٣ ص ٢٩٩ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ, فَقَرَأَ, ثُمَّ رَكَعَ, ثُمَّ قَرَأَ, ثُمَّ رَكَعَ, ثُمَّ قَرَأَ, ثُمَّ رَكَعَ, ثُمَّ قَرَأَ, ثُمَّ رَكَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, وَالأُخْرَى مِثْلُهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث مختلف في صحته، كما بينته في الحديث الذي قبله، ومحمد بن المثنى، هو أبو موسى العنزي البصري الثقة، و"يحيى" هو ابن سعيد القطان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٩ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ ابْنِ عَباسِ) ١٤٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ ابْنِ نَمِرٍ, وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ ح وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ, عَنْ

стр. 9681

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, فِي رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا قبل بابين، سوى: ١ - (عبد الرحمن بن نَمِر) -بفتح النون، وكسر الميم- اليَحْصُبيّ، أبي عمرو الدمشقي، ثقة، لم يرو عنه غير الوليد [٨] ٣٥/ ٥٦٨. ٢ - (كثير بن عباس) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشمي، أبو تَمَّام، المدني، ابن عمّ المصطفى ﷺ ، أمه أم ولد. روى عن أبيه، وأخيه عبد اللَّه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والحجاج بن عمرو بن غزيّة. وعنه الأعرج، والزهريّ، وأبو الأَصبغ السُّلَمي مولى بني سُليم، قال يعقوب بن شيبة: يُعدّ في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ممن وُلد على عهد النبي ﷺ . وقال مصعب الزبيريّ: كان فقيهًا فاضلًا، لا عَقِب له. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان رجلاً صالحًا فاضلًا فقيهًا، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان. ويُروى أن معاوية سأل رجلاً عن أعبد الناس بالمدينة؟ فقال: كثير بن العبّاس. وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وقال: لم يبلغنا أنه روى عن النبي ﷺ شيئًا، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا، ثقة قليل الحديث. وروى ابن منده، وابن قانع في "معجم الصحابة" حديثًا يدلّ على صحبته، لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد اختُلف عليه فيه. وقال البغويّ: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: كان النبي ﷺ يَصُفّ عبد اللَّه، وعُبيد اللَّه، وكثيرَا بَني العباس، ويقول: "مَن سبق فله كذا … " الحديث، قال الحافظ: وهو مرسل جيّد الإسناد، وقد رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" عن جرير مثله. وقال الدارقطنيّ في كتاب "الإخوة": روى عن النبي ﷺ مراسيل. روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، له عندهم حديث الباب، وعند مسلم، والنسائي حديث العباس في غزوة حنين. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث أخرجه المصنّف ﵀ هنا- ٩/ ١٤٦٩ - وفي "الكبرى" ٩/ ١٨٥٤ بالإسنادين المذكورين. وأخرجه (م) ٣/ ٢٩. (د) ١١٨١. وشرحه يعلم من شرح حديث عائشة ﵂ المتقدّم ٦/ ١٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 9682

١٠ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) ١٤٧٠ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) ابْنُ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ, فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ بِالنَّاسِ قِيَامًا شَدِيدًا, يَقُومُ بِالنَّاسِ, ثُمَّ يَرْكَعُ, ثُمَّ يَقُومُ, ثُمَّ يَرْكَعُ, ثُمَّ يَقُومُ, ثُمَّ يَرْكَعُ, فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ, فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ, رَكَعَ الثَّالِثَةَ, ثُمَّ سَجَدَ, حَتَّى إِنَّ رِجَالاً يَوْمَئِذٍ يُغْشَى عَلَيْهِمْ, حَتَّى إِنَّ سِجَالَ الْمَاءِ لَتُصَبُّ عَلَيْهِمْ, مِمَّا قَامَ بِهِمْ, يَقُولُ إِذَا رَكَعَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ». وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ, فَقَامَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنْ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, يُخَوِّفُكُمْ بِهِمَا, فَإِذَا كَسَفَا, فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ , حَتَّى يَنْجَلِيَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (ابن عليّة) إسماعيل بن إبراهيم البصري، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عطاء) بن أبي رباح المكي الإمام الفقيه الحجة [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (عُبيد بن عُمير) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، ثقة ثبت [٢] ١٢/ ٤١٦. ٦ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9683

شرح الحديث (عَنْ عَطَاءِ) بن أبي رباح، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْر) الليثي (يُحَدِّثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ) أي قال عبيد بن عمير: حدثني الشخص الذي أصدّق قولَه، لكونه ثقة (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ) أي قال عطاء: فظننتُ أن عبيد بن عمير يريد بالمبهم في قوله: من أُصدّق عائشةَ ﵂. ولا يقال: إن الحديث له حكم المرسل، جريًا على قول من يقول: إن قوله: حدثني الثقة، وحدثني من أصدّق ليس بحجة, لأن الحديث التالي فيه تصريح عبيد بن عمير بأنها عائشة، فزال الإبهام (أَنَّهَا قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الكاف، والسين، من باب ضرب: أي ذهب ضوؤها، واسودّت (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي في وقته بالمدينة، في السنة العاشرة من الهجرة، كما عليه جمهور أهل السير، في ربيع الأول، أو في رمضان، أو ذي الحجة، في عاشر الشهر، وعليه الأكثر (١) (فَقَامَ بِالنَّاسِ قِيَامًا شَدِيدًا) أي على النفوس، والمراد بهذا القيام الصلاة بتمامها (يَقُومُ بِالنَّاسِ) بيان للقيام الشديد، وهذا من قبيل إحضار هيئة القيام في الحال، فلذلك أتى بصيغة المضارع، وكذا ما بعده، قاله السنديّ (ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَين، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتِ) أراد بالركعات هنا الركوع، كما تقدّم مثله، وهذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على كيفية أخرى لصلاة الكسوف غير ما تقدّم في حديث عائشة ﵂، فقد تقدّم عنها ركوعان في كلّ ركعة (رَكَعَ الثَّالِثَةَ، ثمَّ سَجَدَ) ولفظ أبي داود: "يركع الثالثة، ثم يسجد" (حَتَّى إِنَ رِجَالاً يَوْمَئِذِ يُغْشَى عَلَيْهِمْ) غاية لشِدة طول القيام، يعني أنه ﷺ أطال القيام حتى يُغشى على بعضهم (حَتَّى إِن سِجَالَ المْاءِ) بكسر السين المهملة، وفتح الجيم: جمع سَجْل، بفتح، فسكون، وهو الدلو العظيمة، وبعضهم يزيد: "إذا كانت مملوءةً" (٢)، وهو المناسب هنا، والإضافة بمعنى اللام (لَتُصَبُّ عَلَيْهِمْ، ممِّا قَامَ بهِمْ) يعني أن الماء الذي في الدلو يُصبّ على الذين يُغشى عليهم من طول قيامه ﷺ ، ليزول عنهم الغَشَيان (يَقُولُ إِذَا رَكَعَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ: "سَمِعَ اللَّهُ لمِنْ حَمِدَهُ") أي "مع ربنا ولك الحمد"، لما يأتي في الباب التالي بلفظ: "فقال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد" (فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) أي انكشفت، وظهر ضوؤها (فَقَامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ،

стр. 9684

لَا يَنْكَسِفَانِ لمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لحِيَاتِهِ) قاله ردًا لما زعمه بعض الناس، من أنّ الشمس انكسفت لموت ابنه إبراهيم، كما تقدّم بيان ذلك (وَلَكِنْ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي علامتان عظيمتان دالّتان على قدرة اللَّه تعالى (يُخَوِّفُكُمْ بِهِمَا، فَإِذَا كَسَفَا) بالبناء للفاعل، وللمفعول، فإن الفعل يتعدّى، ويلزم، كما تقدم في أول "كتاب الكسوف" (فَافْزَعُوا إِلىَ ذِكْرِ اللَّهِ ) وفي رواية أبي داود: "فافزعوا إلى الصلاة" (حَتَّى يَنْجَلِيَا") أي ينكشفا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٠/ ١٤٦٧٠ - وفي "الكبرى" - ١٠/ ١٨٥٤ - بالإسناد المذكور، وفي -١٠/ ١٤٧١ - و"الكبرى" ١٠/ ١٨٥٥ - عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن عطاء به. وفي "الكبرى" ١٠/ ١٨٥٦ - عن إسحاق ابن راهويه، عن وكيع، عن هشام به. واللَّه أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٣/ ٢٩ (د) ١١٧٧ (أحمد) ٦/ ٧٦ (ابن خزيمة) ١٣٨٢ و ١٣٨٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٨٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, فِي صَلَاةِ الآيَاتِ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ, فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ, قُلْتُ لِمُعَاذٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ , قَالَ: لَا شَكَّ, وَلَا مِرْيَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، صدوق ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤. ٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ الحافظ الحجة [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري اللإمام الحافظ الحجة [٤] ٣/ ٣٤. والباقون تقدموا في الذي قبله. وهو طريق آخر لحديث عائشة ﵂ في الكيفية الماضية، وهي ستة ركوعات،

стр. 9685

وأربع سجدات، وهو حديث صحيح، والكلام على مسائله تقدم في الذي قبله. وقوله: "في صلاة الآيات" متعلق بـ"حدثني"، أي حدثني أبي، راويا عن قتادة، في شأن الصلاة المشروعة عند رؤية الآيات الدالة على قدرة اللَّه تعالى، ووحدانيته، والتي يُريها اللَّهُ عباده تخويفا لهم، كالكسوف، والخسوف، ونحوهما. وقوله: "قلت لمعاذ الخ" القائل هو إسحاق، أي قلت لمعاذ بن هشام لَمّا حدث عن أبيه هذا الحديث. أثبت عن النبي ﷺ ذلك مرفوعًا؟، فقوله: "عن النبي ﷺ " بتقدير همزة الاستفهام. والقائل: "لا شكّ، ولا مرية" هو معاذ بن هشام، وعطف المرية على الشك للتأكيد، أي لا شكّ في ثبوت الحديث مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ١١ - (نَوْعٌ آخَرُ مِنْهُ عَنْ عَائِشَةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى" "منه" بضمير المذكّر، أي من حديث صلاة الكسوف، ولفظ "الكبرى" "نوع آخر من صلاة الكسوف". وأراد بذلك مغايرة سياق الحديث لما سبق، وإلّا فنوعية الصلاة لا تختلف مع ما سبق في ٦/ ١٤٦٥ و ٧/ ١٤٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٤٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ, فَكَبَّرَ, وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ, فَاقْتَرَأَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً, ثُمَّ كَبَّرَ, فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثُمَّ قَامَ, فَاقْتَرَأَ (٢) قِرَاءَةً طَوِيلَةً, هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى, ثُمَّ كَبَّرَ, فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثُمَّ سَجَدَ, ثُمَّ

стр. 9686

فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ, فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ, قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ, ثُمَّ قَامَ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ, مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى, لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا, فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا, كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ, لَقَدْ رَأَيْتُمُونِي, أَرَدْتُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ, حِينَ رَأَيْتُمُونِي, جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ, وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ, يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا, حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ, وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ, وَهُوَ الَّذِى سَيَّبَ السَّوَائِبَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سَلَمَة) المراديّ الجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثاقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد. (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، ونصفه الثاني مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) فيه أنه يطلق الخسوف على الشمس، وقد تقدم تحقيق ذلك في أول "كتاب الكسوف" (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ، فَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ) برفع "الناس"، أي اصطفّوا، ويجوز النصب على المفعولية، والفاعل ضمير النبي ﷺ ، إذ الفعل يتعدّى، ويلزم، يقال: صَفّ القومُ: إذا صاروا صفّا، وصفّهم الإمام (فَاقْتَرَأَ) مبالغة في "قرأ"، وفي نسخة "فقرأ" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً) وفي الرواية الآتية ١٣/ ١٤٨١ - : "قالت عائشة: فحَسِبتُ قرأ سورة البقرة" (ثُمّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ") فيه مشروعية الجمع بين التسميع والتحميد للإمام (ثُمَّ

стр. 9687

قَامَ، فَاقْتَرَأَ) وفي نسخة "فقرأ" (قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولىَ) استُدلّ به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيامَ قراءة، لا قيامَ اعتدال، بدليل اتفاق العلماء، ممن قال بزيادة الركوع في كلّ ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكيّ خالف فيه. والجواب أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كلّ ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا، لأنها أصل برأسه، وبهذا المعنى رَدّ الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها. وقد أشار الطحاويّ إلى أنّ قول أصحابه جرى على القياس في صلاة النوافل، لكن اعتدل بأن القياس مع وجود النّصّ يَضْمَحِلّ، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد، ونحوها، مما يُجمَع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة، واستدبار القبلة، فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنصّ، والقياس، بخلاف من لم يعمل به. قاله في "الفتح" (١). (ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوّلِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحْمْدُ"، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) أي من تطويل القراءة، والركوع، والسجود، وتكرار الركوع (فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي ركوعات (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ) أي قبل أن يسلّم من الصلاة (ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ، مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالىَ، لَا يَخْسِفَانِ) منِ باب ضرب يضرب، وفي نسخة "لا ينخسفان" (لَمِوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لَحِيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهمُا) أي رأيتم خسفهما (فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ") بالبناء للمفعول، من الإفراج، أي يُزال عنكم ذلك التخويف (وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا") قال الكرماني ﵀: المقام يحتمل المصدر، والزمان، والمكان (كُلَّ شَيْءِ وُعِدْتُمْ) بالبناء للمفعول، قال الحافظ السيوطي ﵀: هذه الرواية أوضح من رواية الصحيح "ما من شيء، لم أكن أُريته، إلا رأيته في مقامي هذا"، حتى قال الكرماني: فيه دلالة على أنه رأى ذاته تعالى المقدّسة في ذلك المقام، بناء على عموم الشيء له تعالى، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ الآية

стр. 9688

[الأنعام: ١٩]، والعقل لا يمنعه، لكن بيّنت رواية المصنف (١) أن كل شيء مخصوص بالموعود، كفتن الدنيا، وفتوحها، والجنّة والنار. قال السندي ﵀: لكن قد يقال: هو تعالى داخل في الموعود، لأن الناس يرونه تعالى في الجنة، فليتأمل انتهى (٢) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السيوطي هو الأولى، يؤيده ما وقع عند مسلم من حديث جابر ﵁: "عُرض علي كل شيء تِولَجُونه". واللَّه تعالى أعلم. (لَقَدْ رَأَيْتُمُونِي، أَرَدْتُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ) -بكسر القاف، وسكون الطاء المهملة-: أي عنقود عنب، ففي حديث ابن عباس ﵄ الآتي ١٧/ ١٤٩٣: "إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" (حِينَ رَأَيْتُمُونِي، جَعَلْتُ) أي أخذت، وشرعت (أَتَقَدَّمُ) أي أمشي أمامي (وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ، يْحَطِمُ بَعَضُهَا بَعْضًا) من باب ضرب يضرب: أن يكسره، ويزاحمه، كما يفعل البحر من شدّة الأمواج (حِينَ رَأَيتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لحُيِّ) -بضم اللام، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء- هو عمرو بن لُحيّ بن قَمِعَة بن خِنْدِف، أبو خزاعة (وَهُوَ الَّّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ") أي شرع لقريش أن يتركوا النُّوق، ويُعفُوها من الحمل والركوب، ونحو ذلك للأصنام، كما سيأتي بيانه قريبا. وجملة "هو الذي الخ" تعليل لمحذوف، كما بُيَّنَ في الروايات الأخرى، ولفظه عند البخاريّ من حديث أبي هريرة ﵁: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي، يجرّ قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب". أي إنما رآه يجرّ قُصْبه -بضم، فسكون -أي أمعاءه في النار، لأنه الذي غير دين إبراهيم، وإسماعيل، فسيّب السوائب. وذكر ابن إسحاق في "السيرة الكبرى" عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لأكثم بن الجون: "رأيتُ عمرو بن لُحيّ، يجرّ قُصبه في النار, لأنه أول مّن غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصَلَ الوصيلة، وحمى الحامي". وروى الطبرانيّ من حديث ابن عباس ﵄، رفعه: "أول من غيّر دين إبراهيم عمرو

стр. 9689

ابن لُحيّ بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة". وذكر الفاكهيّ من طريق عكرمة نحوه مرسلًا، وفيه: فقال المقداد: يا رسول اللَّه مَن عمرو بن لُحيّ؟ قال: "أبو هؤلاء الحيّ من خُزاعة". وذكر ابن إسحاق أيضًا أن سبب عبادة عمرو بن لُحَيّ الأصنام أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذ العماليق، وهم يعبدون الأصنام، فاستوهبهم واحدًا منها، وجاء به إلى مكة، فنصبه إلى الكعبة، وهو هُبَل. وكان قبل ذلك في زمن جُرْهُم قد فَجَرَ رجل، يقال له: إساف بامرأة، يقال لها: نائلة في الكعبة، فمسخهما اللَّه -جَلّ وَعَلَا- حجرين، فأخذهما عمرو بن لحيّ، فنصبهما حول الكعبة، فصار من يطوف يتمسّح بهما، يبدأ بإساف، ويختم بنائلة. وذكر محمد بن حبيب، عن ابن الكلبيّ أن سبب ذلك أن عمرو بن لحيّ كان له تابع من الجنّ، يقال له: أبو ثمامة، فأتاه ليلة، فقال: أَجِبْ أبا ثمامة، فقال: لبيك من تهامة، فقال: ادخل بلا ملامة، فقال: ايت سِيفَ جُدّة، تجد آلهةَ مُعدّة، فخذها، ولا تهب، وادع إلى عبادتها تُجَبْ، قال: فتوجه إلى جدّة، فوجد الأصنام التي كانت تُعبد في زمن نوح وإدريس، وهي وَدّ، وسُواع، وَيغوث، ويعوق، ونسر، فحملها إلى مكة، ودعا إلى عبادتها، فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب (١). [تنبيه]: أخرج البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب التفسير"، من "صحيحه"، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: "البَحيرة التي يُمنَع دَرّها للطواغيت، فلا يَحلُبُها أحد من الناس، و"السائبة" كانوا يُسيّبونها لآلهتهِم، فلا يُحمَل عليها شيء، و"الوصيلة": الناقة تُبكّر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنّي بعدُ بأنثى، وكانوا يسيّبونها لطواغيتهم أَن وَصَلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر. و"الحام": فَحلُ الإبل، يَضْرِب الضِّرَابَ المعدود، فإذا قضى ضِرَابه، وَدَعُوه للطواغيت، وأَعْفَوه من الحمل، فلم يُحمَل عليه شيء، وسَمَّوه الحامي انتهى. وقال القرطبي ﵀: وقد اختُلف في تفسير هذه الأشياء، فالسائبة: الناقة إذا تابعت بين عَشر إناث، ليس بينهنّ ذكر سُيّبت، فلم يُركب ظهرها، ولم يُجرّ وَبَرها، ولم يَشرَب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد من أنثى شُقّت أذنها، ثم خُلّي سبيلها مع أمها على حكمها، وهي البَحِيرة بنت السائبة، وسُمّيت بذلك لأنها بُحرت أذنها، أي شُقَّت شقًا واسعًا، وهذا قول ابن إسحاق، وقال غيره: السائبة: هي التي يَنذُرها الرجل، أي

стр. 9690

يُسيّبها إن برىء من مرضه، أو أصاب أمرًا يطلبه، فإذا كان ذلك أسابها، فسابت، لا يُنتفع بها. قال ابن إسحاق: والوصيلة: الشاة إذا أَتْأَمَت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطُن ليس بينهن ذَكر، قالوا. وَصَلَتْ، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها، فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم. وقال كثير من أهل اللغة: إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا ذبحوه لآلهتهم، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى لم يذبحوا الذكر، وقالوا: وصلت أخاها، فيسيّبون أخاها، ولا ينتفعون به. والحامي: الفحل إذا رُكب ولد ولده، وقيل: إذا نُتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حَمَى ظهره، فلا يُركب، ولا يُنتفع به، ولا يُمنع من ماء، ولا كلأ انتهى كلام القرطبي. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد تقدم تخريجه في ٦/ ١٤٦٥، فراجعه هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٧٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَنُودِيَ: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ" فَاجْتَمَعَ النَّاسُ, فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, فِي رَكْعَتَيْنِ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم في ٦/ ١٤٦٥ - "باب الأمر بالنداء لصلاة الكسوف" سندًا ومتنا، وتقدم الكلام عليه هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٧٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ, فَقَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ قَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, وَهُو دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ انْصَرَفَ, وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ, مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ, فَادْعُوا اللَّهَ , وَكَبِّرُوا, وَتَصَدَّقُوا» , ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ, مَا مِنْ أَحَدٍ, أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ , أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ, أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ, يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ,

стр. 9691

وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ, لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً, وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة المثبت [٧] ٧/ ٧. ٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه [٥] ٤٩/ ٦١. والباقيان تقدما في السند السابق. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه مروزيّ، والباقيان شاميّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ) استُدلّ به على أنه ﷺ -كان يُحافظ على الوضوء، فلهذالم يَحتَجْ إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظر، لأن في السياق محذوفًا، وهو قوله: "فتوضأ"، ففي الرواية الآتية ١٣/ ١٤٨١ - من طريق أبي حفصة، عن عائشة: "لما كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ ، توضأ، وأمر، فنودي أن الصلاة جامعة … " الحديث، فدلّ على أنه توضأ، غاية الأمر ان الراوي اختصر في هذا الحديث ذكر الوضوء. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ) وفي الرواية المذكورة أن عائشة قالت: "فحسبت قرأ البقرة"، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري: "فقرأ نحوًا من سور البقرة في الركعة الأولى"، وسيأتي نحوه للمصنف ١٧/ ١٤٩٧ - ونحوه لأبي داود، من طريق سليمان بن يسار، عن عروة، وزاد فيه، "أنه قرأ في القيام من الركعة الثانية نحوًا من آل عمران" (ثُمَّ رَكَعَ، فَاَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ (قال الحافظ: لم أر في شيء من الطرق ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، وإنما فيه الذكر، من تسبيح، وتكبير، ونحوهما (وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) الظاهر أن قولَه: "مثل ذلك" بدل من اسم الإشارة السابق (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلّم من الصلاة، وفي الرواية الآتية ٢١/ ١٤٩٧ - من طريق عبد الرحمن بن نمر، عن الزهريّ: "ثُمّ تشهّد، ثُمَّ سلّم" (وَقَدْ

стр. 9692

تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ) فيه مشروعيّة الخطبة لكسوف، قال الحافظ: والعجب أن مالكًا روى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، قال: واستدلّ به على أن الانجلاء لا يُسقط الخطبة، بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة، فإنه يسقط الصلاة والخطبة، فلو انجلت في أثناء الصلاة أتمّها على الهيئة المذكورة عند من قال بها، وعن أصبغ يتمها على هيئة النوافل المعتادة انتهى (١) (فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زاد في حديث سمرة الآتي ١٥/ ١٤٨٤ - :"وشهد أن لا إله إلا اللَّه، وشهد أنه عبد اللَّه ورسوله" (ثُمَّ قَالَ: "إِن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ، مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لَحِيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّه) وللبخاريّ "فاذكروا اللَّه" ( ، وَكَبِّرُوا، وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ) فيه معنى الإشفاق، كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله: يا بُنيّ، كذا قيل، وكان قضيّة ذلك أن يقول: يا أمتي، لكن لعدوله عن المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف، لما في الإضافة إلى الضمير من الإشعار بالتكريم، ومثله: "يا فاطمة بنت محمد، لا أُغني عنك من اللَّه شيئًا" الحديث (مَا مِنْ أَحَدِ، أَغْير) "أحد" اسم "ما" الحجازية، و"من" زائدة، و"أغير" بالنصب على أنه خبرُها، أو هو مجرور صفة لـ"أحد"، وجره بالفتحة لكونه غير منصرف، والخبر محذوف، أي موجود، ويجوز كون "ما" تميميّة، كقوله: وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ … فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ و"أحد" مبتدأ، و"أغير" خبره. و"أغير" أفعل تفضيل، من الغَيْرَة -بفتح الغين المعجية، وهي في اللغة: تغيّر يحصل من الحميّة والأَنَفَة، وأصلها في الزوجين، والأهلين، وكلّ ذلك محال على اللَّه تعالى, لأنه منزّه عن كلّ تغيّر ونقص، فتعيّن حمله على المجاز، فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صونَ الحريم، ومنعهم، وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك، لكونه مَنَع من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعّده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتّب عليه وقال ابن فُورك: المعنى ما أحد أكثر زجرًا عن الفواحش من اللَّه، وقال: غيرة اللَّه ما يُغيّر من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أو في أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]

стр. 9693

وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤوّل على أن المراد بالغيرة شدّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ادعوا المجاز هنا، والصواب أن لا مجاز هنا، ولا محال، فإن اللَّه له الغيرة على المعنى اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يلزم المحال إذا قلنا: له غيرة كغيرة خلقه، وأما إذا قلنا: غيرة تليق بجلاله، وعظمته، لا تشبه غيرة خلقه، ولا نعلم كنهها، وكيفيتها، فهذا حقّ، وهو مذهب السلف الصالح، كسائر صفاته، من النزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمحبة، والتعجّب، ونحوها، مما ورد في النصوص الصحيحة، فكلها ثابتة له على ظاهرها، وإنما المجهول لنا كيفيتها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، واللَّه أعلم بالصواب. وقال الطيبي وغيره: وجه إتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: "فاذكروا اللَّه الخ" من جهة أنهم لما أُمروا باستدفاع البلاء بالذكر، والدعاء، والصلاة، والصدقة، ناسبَ رَدْعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزنا لأنه أعظم في ذلك، وقيل: لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي، وأشدّها تأثيرًا في إثارة النفوس، وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة: رب المغيرة، وخالقها انتهى. (مِنَ اللَّه ، أَنْ يَزْنَيِ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنَيِ أَمَتُهُ) أي لأجل زنا عبده، أو زنا أمته. قال الحافظ: ولعلّ تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب مع اللَّه تعالى، لتنزّهه عن الزوجة، والأهل ممن يتعلّق بهم المغيرة غالبًا. انتهى (يَا أُمَّةَ محُمَّدٍ، وَاللَّهِ) صدّر ﷺ كلامه باليمين لإرادة التأكيد للخبر، وإن كان لا يُرتاب في صدقه (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أي من عظيم قدرة اللَّه، وانتقامه من أهل الإجرام، وقيل: معناهـ لو دام علمكم كما دام علمي, لأنه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة اللَّه، وحلمه، وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) قال الباجيّ: يريد ﷺ أن اللَّه تعالى قد خصه بعلم لا يعلمه غيره، ولعله ما رآه في مقامه من النار، وشناعة منظرها. وقال النووي: لو تعلمون من عظم انتقام اللَّه تعالى من أهل الجرائم، وشدّة عقابه، وأهوال القيامة، وما بعدها ما أعلم، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره، لبكيتم كثيرًا، ولقلّ ضحككم لفكركم فيما علمتموه. ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالًا، فالمراد التفصيل، كعلمه ﷺ ، فالمعنى:

стр. 9694

لو تعلمون ما أعلم كما أعلم، واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ (١). وقال الحافظ. قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادرًا، لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في ٦/ ١٤٦٥ - ولنذكر هنا فوائده: (فمنها): المبادرة بالصلاة، وسائر ما ذُكر عند الكسوف. (ومنها): أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها، من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كلّ ركعة. (ومنها): اهتمام الصحابة ﵃ بنقل أفعال النبي ﷺ ، ليُقتَدَى به فيها (ومنها): الزجر عن كثرة الضحك، والحثُّ على كثرة البكاء، والتحقق بما سيصير إليه المرء من الموت، والفناء، والاعتبار بآيات اللَّه (ومنها): ترجيح التخويف في الخطبة على التوسّع في الترخيص، لما في ذكر الرُّخَص من ملاءمة النفوس لما جُبلت عليه من الشهوة، والطبيبُ الحاذق يقابل العلّة بما يُضادّها، لا بما يزيدها (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "يا أمة محمد" أن الواعظ ينبغي له حالَ وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التواضع، لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه (ومنها): أن فيه الردَّ على من زعم أن للكواكب تأثيرًا في الأرض، لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر، فكيف بما دونهما (ومنها): أن من حكمة وقوع الكسوف تبيينَ أنموذج ما سيقع في القيامة، وصورة عقاب من لم يُذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء، لوقوع الكسوف بالكوكب، ثم كشف ذلك عنه، ليكون المؤمن من ربّه على خوف ورجاء (ومنها): أن فيه إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشمس، أو القمر. وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الآية [فُصّلت: ٣٧] على صلاة الكسوف, لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما، لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزّه عنه المعبود، -جَلَّ وَعَلَا-، . قاله في "الفتح" (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الأمر في الآية المذكورة على صلاة الكسوف غير واضح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٧٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ

стр. 9695

سَعِيدٍ, أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ, أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا, أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْهَا, فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ النَّاسَ لَيُعَذَّبُونَ فِي الْقُبُورِ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَائِذًا بِاللَّهِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مَخْرَجًا, فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَخَرَجْنَا إِلَى الْحُجْرَةِ, فَاجْتَمَعَ إِلَيْنَا نِسَاءٌ, وَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَذَلِكَ ضَحْوَةً, فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً, ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَامَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ دُونَ رُكُوعِهِ, ثُمَّ سَجَدَ, ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ, فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ, إِلاَّ أَنَّ رُكُوعَهُ وَقِيَامَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ الأُولَى, ثُمَّ سَجَدَ, وَتَجَلَّتِ الشَّمْسُ, فَلَمَّا انْصَرَفَ, قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ, فَقَالَ فِيمَا يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ, كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنَّا نَسْمَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ, يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن الحارث) المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩ ٢ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري، المدني، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٣ - (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣. والباقون تقدّموا أول الباب. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات التصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، ونصفه الثاني مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (أَنَّ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن (حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (حَدَّثَتْهَا، أَنَّ يَهُودِيةً أَتَتْهَا) أي للسؤال، فلما أعطتها دعت لها (فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللَّهُ) أي أعاذك (مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ) فيه أن اليهود يثبتون عذاب القبر (قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ النَّاسَ لَيُعَذَّبُونَ فِي الْقُبُورِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أإنّ الناس ليعذّبون في قبورهم؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "عَائِذًا بِاللهِ") قال ابن السِّيد: هو منصوب على المصدر الذي يجيء على مثل فاعل، كعُوفي عافيةً، أو على الحال المؤكّدة النائبة مناب المصدر، والعاملُ فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذًا، وروي بالرفع أي أنا عائذٌ. قال الحافظ: وكأن ذلك قبل أن يطّلع ﷺ على عذاب القبر انتهى.

стр. 9696

(قَالَتْ عَائِشَة) ﵂ (إِنَّ النبِىَّ ﷺ خَرَجَ مَخْرَجًا) بفتح الميم مصدر ميمي، أي خروجًا، أو منصوب على الظرفية (فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجْنَا إِلىَ الْحُجْرَةِ) أي إلى ظاهر الحجرة، وسيأتي قولها: "فكنت ببن الحُجُر مع نسوة"، واللَّه تعالى أعلم (فَاجْتَمَعَ إِلَيْنَا نِسَاءٌ، وَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي رجع عن المحلّ الذي خرج إليه (وَذَلِكَ ضَحْوَةَ) منصوب على الظرفية، متعلق بخبر اسم الإشارة (فَقَامَ قِيَامَا طَوِيلاً، ثُمّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ دُونَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ، فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلاَّ أَنَّ رُكُوعَهُ وَقِيَامَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ الْأوُلىَ، ثُمَّ سَجَدَ، وَتَجلَّتِ الشَّمْسُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلم من صلاته (قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ فِيمَا يَقُولُ) أي في جملة القول الذي قاله في تلك الخطبة ("إِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) فيه إثبات عذاب القبر، وفتنته، وهو مذهب أهل الحقّ، ومعنى "يُفتنون": يُمتحنون، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟، فيقول المؤمن: هو رسول اللَّه ﷺ ، ويقول المنافق: سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته، هكذا جاء مفسّرًا في "الصحيح" (كَفِتْنَةِ الَدَّجَّالِ") أي فتنةً شديدةً جدّا، وامتحانًا هائلاً، ولكن يُثبّت اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت. قاله النووي (١) (قَالَتْ عَائِشَةُ" كُنَّا نَسْمَعُهُ) أي نسمع النبي ﷺ (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد ذلك الوقت الذي وقعت فيه حادثة الكسوف (يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ") أي لأنه أُوحي إليه بأن الناس سيفتنون في قبورهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأول: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١١/ ١٤٧٧ - وفي "الكبرى" ١١/ ١٨٦٠ - بالإسناد المذكور وفي ١٢/ ١٤٦٧ - و"الكبرى" ١٢/ ١٨٦١ عن عمرو بن عليّ، عن يحيى القطّان، عن يحيى الأنصاري به. وفي ١٢/ ١٤٧٧ و"الكبرى" ١٢/ ١٨٦٢ عن عبدة بن عبد الرحيم، عن ابن عُيينة، عن يحيى به، مختصرًا. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فبمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٤٥ و ٢/ ٤٧ و ٢/ ٤٩ (م) ٣/ ٣٠ (مالك في الموطإ) ١٣٣ (الحميدي)

стр. 9697

١٧٩ (أحمد) ٦/ ٥٣ (الداومي) ١٥٣٥ و١٥٣٨ (ابن خزيمة) ١٣٧٨ و ١٣٩٥ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ١٢ - (نَوْعٌ آخَرُ) ١٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ -هُوَ الأَنْصَارِىُّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, تَقُولُ: جَاءَتْنِي يَهُودِيَّةٌ, تَسْأَلُنِي, فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ, فَقَالَ: "عَائِذًا بِاللَّهِ", فَرَكِبَ مَرْكَبًا, يَعْنِي: وَانْخَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَكُنْتُ بَيْنَ الْحُجَرِ, مَعَ نِسْوَةٍ, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَرْكَبِهِ, فَأَتَى مُصَلاَّهُ, فَصَلَّى بِالنَّاسِ, فَقَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ قَامَ قِيَامًا أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ أَيْسَرَ مِنْ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَامَ أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ أَيْسَرَ مِنْ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَامَ أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الأَوَّلِ, فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ, فَقَالَ: «إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ, كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، وهو متّفق عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق. و"عمرو بن علي" هو الفلّاس، و"يحيى بن سعيد" هو القطان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى فِي كُسُوفٍ, فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ, أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا أيضًا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، مختصر. و"عبدة بن عبد الرحيم" هو أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧.

стр. 9698

وقوله: "في صفّة زمزم" "الصُّفّة" بضم الصاد المهملة، وتشديد الفاء، جمعه صُفَفٌ، وهو من البُنْيَان شِبْهُ البَهْوِ (١) الواسعِ الطويل السَّمْك. قاله في "اللسان". قال الحافظ عماد الدبن ابن كثير ﵀: تفرّد النسائي، عن عَبْدة بقوله: "في صفّة زمزم"، وهو وَهَمٌ بلا شكّ، فإن رسول اللَّه ﷺ لم يصلّ الكسوف إلا مرّة واحدة بالمدينة في المسجد، هذا هو الذي ذكره الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ، والبيهقيّ، وابن عبد البرّ، وأما هذا الحديث بهذه الزيادة، فيُخشى أن يكون الوهم من عبدة بن عبد الرحيم هذا، فإنه مروزيّ، نزل دمشق، ثم صار إلى مصر، فاحتمل أنّ النسائيّ سمعه منه بمصر، فدخل عليه الوهم، لأنه لم يكن له كتاب، وأخرجه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ أيضًا بطريق آخر من غير هذه الزيادة. وعرض هذا على الحافظ جمال الدين الْمِزَّيّ، فاستحسنه، وقال: قد أجاد، وأحسن الانتقاد انتهى (٢). وقال الحافظ في "النكت الظراف" تعليقًا على هذه الرواية: ما نصه: وفي رواية عند النسائيّ لفظة شذّ بها شيخ ثقفيّ (٣)، وهي قوله: "في صفة زمزم" (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٧٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ, فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ, ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ, ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ, ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ, ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ قَامَ, فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ, وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ, ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَخَّرُ, فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلاَّ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ, وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, يُرِيكُمُوهُمَا, فَإِذَا انْخَسَفَتْ, فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيِ"). رجال هذا الإسناد. خمسة: ١ - (أبو داود) سليمان بن سَيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (أبو علي الحنفي) عبيد اللَّه بن عبد المجيد الحنفي، أبو عليّ البصريّ، صدوق [٩]

стр. 9699

١٥١/ ١١١٨. ٣ - (هشام، صاحب الدستوائي) هو ابن أبي عبد اللَّه سَنْبَر البصري، ثقة ثبت [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكىّ، صدوق يُدلّس [٣] ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري ﵄ ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف --رحمه اللَّه تعالى--. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها) أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّه) - رضي اللَّه تعالى - عنهما، أنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب ضِرب: أي اسودّت بالنهار، وذهب ضوءها (عَلىَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شّدِيدِ الحْرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ بأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ) من باب نصر، وضرب، أي يسقطون على الأرض، لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث عائشة ﵂: "حتى إن رجالًا يومئذ يُغشَى عليهم" (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ ﵀: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء (١) أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ يُجاب عن هذه الرواية بجوابين: [أحدهما]: أنها شاذة، مخالفة لروإية الأكثرين، فلا يُعمل بها. [والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلاً، وليس المراد إطالته نحوَ الركوع انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد نقل كلام النووي هذا: ما نصّه. وتُعقّب بما رواه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو أيضًا، ففيه: "ثم ركع، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد"، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه،

стр. 9700

والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح. قال: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا (١). وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية انتهى (٢). (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَخَّرُ) وفي رواية لمسلم من طريق عطاء، عن جابر ﵁ "ثم تأخر، وتأخرت الصفوف خلفه، حتى انتهينا إلى النساء، ثم تقدّم، وتقدّم الناس معه حتى قام في مقامه". قال النووي ﵀: فيه أن العمل القليل لا يُبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليلَ بما دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا الثلاث متتابعات تبطلها، ويتأولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرّقة، لا متوالية، ولا يصحّ تأويله على أنه كان خطوتين، لأن قوله: "انتهينا إلى النساء" يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهنّ وراء الرجال انتهى (٣) (فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، كَانُوا يَقُولُونَ) هذا من كلام النبي ﷺ ، ولفظ "الكبرى": "وقال: "كانوا يقولون الخ" (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يخسِفَانِ إلاَّ لمِوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وِإنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُرِيكُمُوهمُا، فَإِذَا انْخَسَفَتْ) أي الشمس (فَصَلُّوا حَتَّى تَتْجَليِ") أي تنكشف، ويذهب ما بها من الانخساف". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذاالحبيث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٢/ ١٤٧٨ - وفي "الكبرى"-١٢/ ١٨٦٣ - بالإسناد المذكور، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٣/ ٣٥ و ٣/ ٣١ (د) ١١٧٩ (أحمد) ٣/ ٣٧٤ و ٣/ ٣٨٢ (ابن خزيمة) ١٣٨٠ و ١٣٨١. وفوائد الحديث تعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
следующие страницы →