(قَالَتْ عَائِشَة) ﵂ (إِنَّ النبِىَّ ﷺ خَرَجَ مَخْرَجًا) بفتح الميم مصدر ميمي، أي خروجًا، أو منصوب على الظرفية (فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجْنَا إِلىَ الْحُجْرَةِ) أي إلى ظاهر الحجرة، وسيأتي قولها: "فكنت ببن الحُجُر مع نسوة"، واللَّه تعالى أعلم (فَاجْتَمَعَ إِلَيْنَا نِسَاءٌ، وَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي رجع عن المحلّ الذي خرج إليه (وَذَلِكَ ضَحْوَةَ) منصوب على الظرفية، متعلق بخبر اسم الإشارة (فَقَامَ قِيَامَا طَوِيلاً، ثُمّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ دُونَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ، فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلاَّ أَنَّ رُكُوعَهُ وَقِيَامَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ الْأوُلىَ، ثُمَّ سَجَدَ، وَتَجلَّتِ الشَّمْسُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلم من صلاته (قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ فِيمَا يَقُولُ) أي في جملة القول الذي قاله في تلك الخطبة ("إِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) فيه إثبات عذاب القبر، وفتنته، وهو مذهب أهل الحقّ، ومعنى "يُفتنون": يُمتحنون، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟، فيقول المؤمن: هو رسول اللَّه ﷺ ، ويقول المنافق: سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته، هكذا جاء مفسّرًا في "الصحيح" (كَفِتْنَةِ الَدَّجَّالِ") أي فتنةً شديدةً جدّا، وامتحانًا هائلاً، ولكن يُثبّت اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت. قاله النووي (١) (قَالَتْ عَائِشَةُ" كُنَّا نَسْمَعُهُ) أي نسمع النبي ﷺ (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد ذلك الوقت الذي وقعت فيه حادثة الكسوف (يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ") أي لأنه أُوحي إليه بأن الناس سيفتنون في قبورهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأول: في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ١١/ ١٤٧٧ - وفي "الكبرى" ١١/ ١٨٦٠ - بالإسناد المذكور وفي ١٢/ ١٤٦٧ - و"الكبرى" ١٢/ ١٨٦١ عن عمرو بن عليّ، عن يحيى القطّان، عن يحيى الأنصاري به. وفي ١٢/ ١٤٧٧ و"الكبرى" ١٢/ ١٨٦٢ عن عبدة بن عبد الرحيم، عن ابن عُيينة، عن يحيى به، مختصرًا. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فبمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٤٥ و ٢/ ٤٧ و ٢/ ٤٩ (م) ٣/ ٣٠ (مالك في الموطإ) ١٣٣ (الحميدي)
стр. 9697
١٧٩ (أحمد) ٦/ ٥٣ (الداومي) ١٥٣٥ و١٥٣٨ (ابن خزيمة) ١٣٧٨ و ١٣٩٥ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
١٢ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ -هُوَ الأَنْصَارِىُّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ, تَقُولُ: جَاءَتْنِي يَهُودِيَّةٌ, تَسْأَلُنِي, فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ, فَقَالَ: "عَائِذًا بِاللَّهِ", فَرَكِبَ مَرْكَبًا, يَعْنِي: وَانْخَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَكُنْتُ بَيْنَ الْحُجَرِ, مَعَ نِسْوَةٍ, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَرْكَبِهِ, فَأَتَى مُصَلاَّهُ, فَصَلَّى بِالنَّاسِ, فَقَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ قَامَ قِيَامًا أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ أَيْسَرَ مِنْ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَامَ أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ أَيْسَرَ مِنْ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَامَ أَيْسَرَ مِنْ قِيَامِهِ الأَوَّلِ, فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ, فَقَالَ: «إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ, كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، وهو متّفق عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"عمرو بن علي" هو الفلّاس، و"يحيى بن سعيد" هو القطان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى فِي كُسُوفٍ, فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ, أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا أيضًا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، مختصر. و"عبدة بن عبد الرحيم" هو أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧.
стр. 9698
وقوله: "في صفّة زمزم" "الصُّفّة" بضم الصاد المهملة، وتشديد الفاء، جمعه صُفَفٌ، وهو من البُنْيَان شِبْهُ البَهْوِ (١) الواسعِ الطويل السَّمْك. قاله في "اللسان".
قال الحافظ عماد الدبن ابن كثير ﵀: تفرّد النسائي، عن عَبْدة بقوله: "في صفّة زمزم"، وهو وَهَمٌ بلا شكّ، فإن رسول اللَّه ﷺ لم يصلّ الكسوف إلا مرّة واحدة بالمدينة في المسجد، هذا هو الذي ذكره الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ، والبيهقيّ، وابن عبد البرّ، وأما هذا الحديث بهذه الزيادة، فيُخشى أن يكون الوهم من عبدة بن عبد الرحيم هذا، فإنه مروزيّ، نزل دمشق، ثم صار إلى مصر، فاحتمل أنّ النسائيّ سمعه منه بمصر، فدخل عليه الوهم، لأنه لم يكن له كتاب، وأخرجه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ أيضًا بطريق آخر من غير هذه الزيادة.
وعرض هذا على الحافظ جمال الدين الْمِزَّيّ، فاستحسنه، وقال: قد أجاد، وأحسن الانتقاد انتهى (٢).
وقال الحافظ في "النكت الظراف" تعليقًا على هذه الرواية: ما نصه: وفي رواية عند النسائيّ لفظة شذّ بها شيخ ثقفيّ (٣)، وهي قوله: "في صفة زمزم" (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٧٨ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِيِّ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ, فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ, ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ, ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ, ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ, ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ قَامَ, فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ, وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ, ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَخَّرُ, فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ, كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلاَّ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ, وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, يُرِيكُمُوهُمَا, فَإِذَا انْخَسَفَتْ, فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيِ").
رجال هذا الإسناد. خمسة:
١ - (أبو داود) سليمان بن سَيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (أبو علي الحنفي) عبيد اللَّه بن عبد المجيد الحنفي، أبو عليّ البصريّ، صدوق [٩]
стр. 9699
١٥١/ ١١١٨.
٣ - (هشام، صاحب الدستوائي) هو ابن أبي عبد اللَّه سَنْبَر البصري، ثقة ثبت [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم المكىّ، صدوق يُدلّس [٣] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر بن عبد اللَّه) الأنصاري ﵄ ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف --رحمه اللَّه تعالى--. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها) أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّه) - رضي اللَّه تعالى - عنهما، أنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب ضِرب: أي اسودّت بالنهار، وذهب ضوءها (عَلىَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شّدِيدِ الحْرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ بأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ) من باب نصر، وضرب، أي يسقطون على الأرض، لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث عائشة ﵂: "حتى إن رجالًا يومئذ يُغشَى عليهم" (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ ﵀: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء (١) أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ يُجاب عن هذه الرواية بجوابين:
[أحدهما]: أنها شاذة، مخالفة لروإية الأكثرين، فلا يُعمل بها.
[والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلاً، وليس المراد إطالته نحوَ الركوع انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد نقل كلام النووي هذا: ما نصّه. وتُعقّب بما رواه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو أيضًا، ففيه: "ثم ركع، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد"، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه،
стр. 9700
والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح.
قال: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا (١). وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية انتهى (٢).
(ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَأَخَّرُ) وفي رواية لمسلم من طريق عطاء، عن جابر ﵁ "ثم تأخر، وتأخرت الصفوف خلفه، حتى انتهينا إلى النساء، ثم تقدّم، وتقدّم الناس معه حتى قام في مقامه".
قال النووي ﵀: فيه أن العمل القليل لا يُبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليلَ بما دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا الثلاث متتابعات تبطلها، ويتأولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرّقة، لا متوالية، ولا يصحّ تأويله على أنه كان خطوتين، لأن قوله: "انتهينا إلى النساء" يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهنّ وراء الرجال انتهى (٣) (فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، كَانُوا يَقُولُونَ) هذا من كلام النبي ﷺ ، ولفظ "الكبرى": "وقال: "كانوا يقولون الخ" (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يخسِفَانِ إلاَّ لمِوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ، وِإنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُرِيكُمُوهمُا، فَإِذَا انْخَسَفَتْ) أي الشمس (فَصَلُّوا حَتَّى تَتْجَليِ") أي تنكشف، ويذهب ما بها من الانخساف". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذاالحبيث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٢/ ١٤٧٨ - وفي "الكبرى"-١٢/ ١٨٦٣ - بالإسناد المذكور، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٣/ ٣٥ و ٣/ ٣١ (د) ١١٧٩ (أحمد) ٣/ ٣٧٤ و ٣/ ٣٨٢ (ابن خزيمة) ١٣٨٠ و ١٣٨١. وفوائد الحديث تعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
стр. 9701
المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت, وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
١٣ - (نَوْعٌ آخَرُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر صنيع المصنّف --رحمه اللَّه تعالى-- أن حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ مغاير لما سبق، وهذا إنما يصحّ, إن قلنا: إن قوله: "فصلى وكعتين، وسجدة" صحيح، وأنه يفيد كون صلاة الاستسقاء تصلَّى بركوعين، وسجدة واحدة، كما هو ظاهر السياق المصنف لكن الذي يظهر أن فيه تصحيفًا، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، فلا يخالف حديثه روايات غيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٤٧٩ - (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ مَرْوَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَمَرَ, فَنُودِيَ: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ" فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً, ثُمَّ قَامَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً, قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ, وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ, كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ. خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمود بن خالد) السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥.
٢ - (مروان بن محمد) بن حسّان الأسديّ الدمشقيّ الطّاطَريّ، ثقة [٩] ١٢٨/ ١٠٩١.
٣ - (معاوية بن سلاّم) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام ممطور الحبشيّ، ويقال: الألهانيّ، أبو سلّام الدمشقي، وكان يسكن حمص، ثقة [٧].
ووى عن أبيه، وجدّه، وأخيه زيد، ونافع مولى ابن عمر، والزهريّ، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وعنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد،، ومحمد بن المبارك، ويحيى بن حسان، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: هشام يَرجع إلى كتاب، والأوزاعيّ حافظ، وهَمّام ثقة، وحرب، ومعاوية بن سلّام ثقتان. وقال يوسف بن موسى العطّار الحربيَّ: سُئل أبو
стр. 9702
عبد اللَّه عن معاوية بن سلّام؟ فقال: هشام فوقه. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عَرَضتُ على أحمد حديثًا، قال: من يروي هذا؟ قلت: معاوية بن سلّام، فقال: معاوية بن سلاّم ثقة. وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال عباس بن الوليد الخَلّال: قال لي يحيى بن معين: معاوية بن سلّام محدّث أهل الشام، وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه، مسندَه، ومنقطعَه حتى يعوفه، فليس بصاحب حديث. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وعن دُحَيم. جيّد الحديث، ثقة، كان بحمص، ثم انتقل إلى دمشق. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال مروان بن محمد: قلت لمعاوية ابن سلاّم تعجّبًا به لصدقه: إنك لشيخ كيّس. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان يحيى بن حسّان، ومروان يرفعان من ذكره، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن عساكر: بلغني أنه توفي في حدود (١٦٤) وذكر الذهبي أنه توفي في حدود السبعين. وقال العجليّ: دَفَع إليه يحيى ابن أبي كثير كتابًا، ولم يقرأه، ولم يسمعه.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة عشر حديثًا.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليماميّ ثقة ثبت، يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٦ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها) أنه مسلسل بالدمشقيين إلى معاوية، ويحيى يمامي بصريّ، والباقيان مدنيان، فالصحابي، وإن سكن مصر، والطائف، إلا أنه مدنيّ الأصل. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلىَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ، فّنُودِيَ) أي أمر النبي ﷺ بالنداء، فنودى، وتقدم في حديث عائشة ﵂: "فأمر النبي ﷺ مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة" (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) برفع
стр. 9703
الجزأين على أنهما مبتدأ وخبر، ونصبهما، الأول على الإغراء، والثاني على الحال، ورفع الأول، ونصب الثاني، وبالعكس، وتقدم الكلام على ذلك مُستوفًى في شرح حديث عائشة ﵂ في ٦/ ١٤٥٦ (فَصَلىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً) هكذا رواية المصنف هنا، وفي "الكبرى": "وسجدة" بالواو، وهو مشكل، إذ يقتضي أنه سجد سجدة واحدة.
والذي في "الصحيحين": "فركع ركعتين في سجدة" بـ "في"، قال في "الفتح": قوله: "ركعتين في سجدة"، المراد بالسجدة هنا الركعة بتمامها، وبالركعتين الركوعان، وهو موافق لروايتي عائشة، وابن عبّاس ﵃ المتقدّمتين في أن في كلّ ركعة ركوعين، وسجودين، ولو ترك على ظاهره لاستلزم تثنية الركوع، وإفراد السجود، ولم يصر إليه أحد، فتعيّن تأويله انتهى (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا هو الموافق لرواية محمد بن حمير الآتية بعد هذا: "فركع رسول اللَّه ﷺ ركعتين، وسجد سجدتين، ثم قام، فركع ركعتين، وسجد سجدتين … ".
فلعل الواو في رواية المصنف هذه تصحّفت من "في" (٢)، أو تصحف قوله: "وسجدة" من "وسجدتين"، كما في الرواية التالية. واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ، كَانَ أَطوَلَ مِنْهُ) أي من السجود الذي سجده النبي ﷺ في تلك الصلاة، وهو ظاهر في أن السجود في الكسوف يطوّل كما يطوّل القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثًا، فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الركوع. قال الحافظ: وكأنه غفل عما رواه مسلم في حديث جابر بلفظ: "وسجوده نحو من ركوعه".
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سُريج، ثُمَّ النوويّ، وتعقّبه (٣) صاحب "المهذب" بأنه لم يُنقل في خبر، ولم يقل به الشافعي اهـ. ورُدّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعيّ نصّ عليه في "البويطيّ"، ولفظه: ثم يسجد سجدتين طويلتين، يقيم في كلّ سجدة نحوًا مما قام في ركوعه. انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 9704
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٣/ ١٤٧٩ - وفي "الكبرى" -١٣/ ١٨٦٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسأله الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ٤٣ و ٢/ ٤٥ (م) ٣/ ٣٤ (أحمد) ٢/ ١٧٥ و ٢/ ٢٢٠ (ابن خزيمة)
١٣٧٥ و ١٣٧٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ) يعني أن محمد بن حمير خالف مروان بن محمد في إسناد هذا الحديث، فرواه عن معاوية بن سلّام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي طُعمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، فجعل شيخ يحيى أبا طعمة، بدل أبي سلمة، كما بيّن ذلك بقوله:
١٤٨٠ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حِمْيَرٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلاَّمٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي طُعْمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ قَامَ, فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَتَيْنِ, ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ, وَكَانَتْ عَائِشَةُ, تَقُولُ: مَا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُجُودًا, وَلَا رَكَعَ رُكُوعًا, أَطْوَلَ مِنْهُ. خَالَفَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ).
رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا:
١ - (يحيى بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ الحمصى، صدوق عابد [١٠] ٢٩/ ٨١٧.
٢ - (ابن حمير) هو محمد بن حمير السِّلِيحيّ الحمصيّ، صدوق [٩] ٢١/ ٥٣٥.
٣ - (أبو طعمة) روى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص في "الكسوف"، وعنه يحيى ابن أبي كثير، قيل: إنه هلال مولى عمر بن عبد العزيز، وقيل: غيره، انفرد به النسائي.
قاله في "تهذيب التهذيب". وفي "التقريب": أبو طعمة شيخ ليحيى بن أبي كثير، قيل: هو هلال المذكور أوّلاً، وإلا فمجهول [٣].
стр. 9705
وقال قبل ذلك: أبو طعمة -بضم أوله، وسكون المهملة- شاميّ، سكن مصر، وكان مولى عمر بن عبد العزيز، يقال: اسمه هلال، مقبول [٤] , ولم يثبت أن مكحولاً رماه بالكذب انتهى. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) يعني أن علي بن المبارك الْهُنَائيّ خالف معاوية سلّام في إسناد هذا الحديث، حيث رواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي حفصة، عن عائشة ﵂، فجعل شيخ يحيى أبا حفصة، بدلاً من أبى سلمة، أو أبي طُعمة، وجعله أيضًا من مسند عائشة بدلاً عن عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهم -، كما بينه بقوله:
١٤٨١ أ- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ, سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصَةَ, مَوْلَى عَائِشَةَ, أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّهُ لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , تَوَضَّأَ, وَأَمَرَ, فَنُودِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ, فَقَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ فِي صَلَاتِهِ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسِبْتُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ثُمَّ قَامَ مِثْلَ مَا قَامَ, وَلَمْ يَسْجُدْ, ثُمَّ رَكَعَ, فَسَجَدَ, ثُمَّ قَامَ, فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ, رَكْعَتَيْنِ وَسَجْدَةً, ثُمَّ جَلَسَ, وَجُلِّىَ عَنِ الشَّمْسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبوبكر بن إسحاق) هو محمد الصَّغَاني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١١] ١٣/ ٤٧.
٢ - (أبو زيد سعيد بن الربيع) العامريّ الْحَرَشيّ الْهَرَويّ البصريّ، كان يبيع الثياب الهروية، ثقة، من صغار [٩].
روى عن شعبة، وقرّة بن خالد، وعلي بن المبارك، وغيرهم. وعنه البخاري، وروى له هو أيضًا، ومسلم، والترمذي بواسطة.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه. شيخ ثقة، لم أسمع منه شيئًا. وقال أبو حاتم: صدوق. مات سنة (٢١١) وهو أقدم شيخ للبخاريّ وفاة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، وفي "الجنائز" حديث رقم (١٩١٩)، وفي "الزينة" حديث رقم (٥٠٩٢).
٣ - (علي بن المبارك) الْهُنَائي، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) المذكور في السند الماضي.
٥ - (أبو حفصة مولى عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها -، مقبول [٣].
قال في "تهذيب التهذيب": أبو حفصة مولى عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - في "الكسوف"، وعنه يحيى بن أبي كثير، قال الدارقطنيّ: مجهول يُكتب حديثه انتهى.
стр. 9706
وهو من أفراد المصنف، وليس له عنده إلا هذا الحديث.
٦ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، بشواهده، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٣/ ١٤٨١ - وفي "الكبرى" ١٣/ ١٨٦٦. وأخرجه (أحمد) ٦/ ٩٨ و ٦/ ١٥٨. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: تابع عليَّ بنَ المبارك في روايته عن يحيى شيبانُ بنُ عبد الرحمن النحوي، فقد رواه أحمد في "مسنده" بالرقم المذكور عن حسن بن موسى، عنه، عن يحيى به.
وقوله. "ركعتين وسجدة" تقدم الكلام في حديث عبد اللَّه بن عمرو من طريق مروان ابن محمد، على أن الظاهر أن الواو من قوله: "وسجدة" مصحّفة من "في" (١)، أو تصحف قوله: "وسجدة" من "وسجدتين"، كما في الحديث الذي قبل هذا.
ولفظ أحمد هنا: "ثم ركع ركعتين في سجدة"، وهو الموافق للروايات الصحيحة، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
١٤ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٤٨٢ أ- (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي السَّائِبُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ, قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ, وَقَامَ الَّذِينَ مَعَهُ, فَقَامَ قِيَامًا, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, وَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, وَجَلَسَ, فَأَطَالَ الْجُلُوسَ, ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, وَقَامَ, فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ, مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى, مِنَ الْقِيَامِ, وَالرُّكُوعِ, وَالسُّجُودِ, وَالْجُلُوسِ, فَجَعَلَ يَنْفُخُ, فِي آخِرِ سُجُودِهِ, مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ, وَيَبْكِي, وَيَقُولُ: «لَمْ تَعِدْنِي هَذَا, وَأَنَا فِيهِمْ, لَمْ تَعِدْنِي هَذَا, وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ» , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ , فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهِمَا,
стр. 9707
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ , وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَقَدْ أُدْنِيَتِ الْجَنَّةُ مِنِّي, حَتَّى لَوْ بَسَطْتُ يَدِي, لَتَعَاطَيْتُ مِنْ قُطُوفِهَا, وَلَقَدْ أُدْنِيَتِ النَّارُ مِنِّي, حَتَّى لَقَدْ جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا, خَشْيَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ, حَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً, مِنْ حِمْيَرَ, تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا, فَلَمْ تَدَعْهَا, تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ, فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا, وَلَا هِيَ سَقَتْهَا, حَتَّى مَاتَتْ, فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا تَنْهَشُهَا, إِذَا أَقْبَلَتْ, وَإِذَا وَلَّتْ تَنْهَشُ أَلْيَتَهَا, وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ, أَخَا بَنِي الدَّعْدَاعِ, يُدْفَعُ بِعَصًا, ذَاتِ شُعْبَتَيْنِ فِي النَّارِ, وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا, صَاحِبَ الْمِحْجَنِ, الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ, مُتَّكِئًا عَلَى مِحْجَنِهِ فِي النَّارِ, يَقُولُ: أَنَا سَارِقُ الْمِحْجَنِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هلال بن بِشْر) بن محبوب بن هلال بن ذَكْوان الْمُزَنيّ، أبو الحسن البصريّ الأحدب، إمام مسجد يونس بن عبيد، ثقة [١٠].
روى عن حماد بن زيد، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمّيّ، وابن أبي عديّ، وغيرهم. وعنه البخاري في "جزء القراءة"، وأبو داود، والنسائيّ، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مُتقن للحديث، قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦)، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، وفي "الحجّ" حديث رقم (٠٢٨٥٠)، وفي "الشفعة" حديث رقم (٤٧٠٦).
٢ - (عبد العزيز بن عبد الصمد) العمّيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] ١٧/ ١٥٥١.
٣ - (عطاء بن السائب)، أبو محمد، أو أبو السائب الثقفيّ الكوفي، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (السائب) بن مالك، أو ابن يزيد الكوفي، والد عطاء، ثقة [٢] ٦٢/ ١٣٠٥.
٥ - (عبد اللَّه بن عمرو) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي السَّائِبُ) بالرفع بدل من "أبي" (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو حَدَّثَهُ، قّالَ: اَنْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلىَ الصَّلَاةِ، وَقَامَ الَّذِينَ مَعَهُ) أي قام الصحابة الذين كانوا معه في ذلك اليوم إلى الصلاة
стр. 9708
خلفه (فَقَامَ قِيَامًا، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَسَجَدَ) فيه أنه لم يركع إلا ركوعًا واحدًا، فيدلّ على أن من كيفيات صلاة الكسوف أن تصلَّى بركوع واحد، وسجدتين، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في المسألة الثالثة من ٣/ ١٤٦١ (فَأَطَالَ السُّجُود، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، وَجَلَسَ، فَأَطَالَ الْجُلُوسَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَامَ، فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولىَ، مِنَ الْقِيَامِ، والرَّكْوعٍ، وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ، في آخِرِ سُجُودِهِ، مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَبْكِي، وَيَقُولُ: "لم تَعِدْنِي هَذَا، وَأَنَا فِيهِمْ، لْمَ تَعِدْنِي هَذَا، وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ") أي ما وعدتني هذا، وهو أن تعذّبهم، وأنا فيهم، بل وعدتني خلافه، وهو أن لا تعذبهم، وأنا فيهم، يريد به قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٣٣] , وهذا من باب التضرّع في حضرته، وإظهار غناه عن خلقه، وفقر الخلق إليه، وأن ما وعد به من عدم العذاب مادام فيهم النبيّ ﷺ يمكن أن يكون مقيّدًا بشرط، وليس مثله مبنيّا على عدم التصديق بوعده الكريم، وهذا ظاهر، واللَّه تعالى أعلم (١)
(ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَطَبَ النَّاسَ) قال القرطبي ﵀: هذا دليل لمن قال: من سنّتها الخطبةُ، وهم الشافعيّ، وإسحاق، والطبريّ، وفقهاء أصحاب الحديث، وخالفهم في ذلك مالك، وأبو حنيفة، وقالا: إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجرُ الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم، وليخبرهم بما شاهد في هذه الصلاة، مما اطلع عليه من الجنة والنار انتهى (٢).
قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: ما قاله الأولون هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم.
(فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) أي دليلان على وجود الحقّ سبحانه، وقهره، وكمال إلهيته، وقد خصهما بالذكر لِمَا وَقَعَ للناس من أنهما يخسَفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر عمن لا علم عنده، ممن ضعف عقله، واختلّ فهمه، فردَّ عليهم النبي ﷺ جهالتهم، وتضمّن ذلك الردَّ على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان، وهو أن اللَّه تعالى يخوّف بهما عباده.
قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: فإن قيل: فأيّ تخويف في ذلك، والكسوف أمر عاديّ بحسب تقابل هذه النيّرات، وحَجْب بعضها بعضًا، وذلك يَجري مجرى حَجْب الجسم الكثيف نورَ الشمس عما يُقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويف؟
стр. 9709
قلنا: لا نُسلّم أن سبب الكسوف ما ادّعوه، ومن أين عرفوا ذلك، بالعقل، أم بالنقل؟ وكلّ واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعة، وغايتهم أن يقولوا: ذلك مبنيّ على أمور هندسيّة، ورصدية تُفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع أيضًا ما ذكروه إلى (١) القطع، وهو أول المسألة.
ولئن سلّمنا ذلك جَدَلًا، لكنّا نقول: يحصل بهما تخويفُ العقلاء من وجوه متعدّدة، أوضحها أن ذلك مذكّر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها, ولذلك قام النبي ﷺ فَزِعًا، يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا؟ وقد قال اللَّه : ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧ - ٩] قال أهل التفسير: جُمِعَ بينهما في إذهاب نورهما، وقيل: غير ذلك، وأيضًا فإن كلّ ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة اللَّه، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كلّه يوجب عند العلماء باللَّه خوفه، وخشيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وخص هنا خسوفهما بالتخويف, لأنهما أمران علويّان نادران، طارئان، عظيمان، والنادر العظيم مخوّف، موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا، وأيضًا فلِمَا وقع فيهما من الغلط الكثير لأمم التي كانت تعبدهما, ولِمَا وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرهما انتهى كلام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وهو تحقيق نفيس. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهَمِا، فَاسْعَوْا إِلىَ ذِكْرِ اللَّه ، وَالَّذِي نَفْسُ محُمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ أُدْنِيَتِ الْجَنَّةُ مِنِّي) أي دنوّا حقيقيَّا (حَتَّى لَوْ بَسَطْتُ يَدِي) غاية لشدة دنوّها منه (لَتَعَاطَيْتُ مِنْ قُطُوفِهَا) جمع قطف -بكسر، فسكون- وهو: ما يُقطف منها، أي يُقطع، ويُجتنى، وهو هنا عُنقودٌ من العنب، كما جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى (وَلَقَدْ أُدْنِيَتِ النَّارُ مِنِّي، حَتَّى لَقَدْ جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا، خَشْيَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ، حَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً، مِنْ حِمْيَرَ) بكسر، فسكون، أي منسوبة إلى قبيلة حِمْيَر، قال المجد اللغوي: حِمْيَر، كدِرْهم: موضع غَربيَّ صَنْعَاء اليمن، وابنُ سَبَأ بن يَشْجُبَ، أبو قبيلة انتهى (٣). وفي رواية لمسلم: "فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل" وفي رواية: "فرأيت فيها امرأة حميرية سوداء طويلة" (تُعَذَّبُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لـ"امرأة" بعد صفة، أو حال (فِي
стр. 9710
هِرَّةِ) أي لأجل هرّة، وشأنها، قال ابن مالك ﵀: "في" هنا للسببية، وهو مما خفي على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن، والحديث، والشعر القديم (١) (رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تَدَعْهَا) أىِ لم تتركها (تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) مثلث الخاء المعجمة، أي هوامّها، وحشراتها (فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ سَقَتْهَا، حَتَّى مَاتَتْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا تَنْهَشُهَا) بالشين المعجمة: أي تعَضّها، قال الفيومي ﵀: نَهَسَه الكلبُ، وكلّ ذي ناب نَهْسًا، من بأبي ضرب، ونَفَع: عَضّه، وقيل: قبض عليه، ثم نَثَرَه، فهو نهّاس، ونَهَستُ اللحمَ: أخذته بمقدّم الأسنان للأكل، واختُلف في جميع الباب، فقيل: بالسين المهملة، واقتصر عليه ابن السِّكِّيت، قال: سمعت الكلابي يقول: انتهسه الكلبُ، والذئبُ، والحيّة، ونَهسَه، وقيل: جميع الباب بالسين والشين، ونقله ابن فارس عن الأصمعيّ، وقال الأزهريّ: قال الليث: النَّهش بالشين المعجمة: تناولٌ من بَعِيد، كنَهْشِ الحيّة، وهو دون النهس، والنّهْسُ بالمهملة. القبضُ على اللحم، ونثره، وعكَسَ ثعلبٌ، فقال: النهسُ بالمهملة يكون بأطراف الأسنان، والنهْشُ بالمعجمة بالأسنان، وبالأضراس، وقال ابن الْقُوطِيّة كما قال الليث: نَهَشَهُ الحيةُ بالشين المعجمة ن ونهسه الكلب، والذئبُ والسبع بالمهملة انتهى كلام الفيّومي (٢).
(إِذَا أَقْبَلَتْ، وَإذَا وَلَّتْ تَنْهَشُ أَلْيَتَهَا) بفتح الهمزة: العَجِيزة، أي إذا أدبرت المرأة، تنهش عجيزتها، والحاصل أن الهرّة في النار مع المرأة، لكن لا لتُعَذَّب الهرّةُ، بل لتكون عذابًا في حقّ المرأة.
قال القاض عياض ﵀: في هذا الحديث المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنها عُذّبت عليها بالنار، قال: ويحتمل أنها كانت كافرة، فزيد في عذابها بذلك انتهى.
وتعقّبه النووي ﵀، فقال. وليس هذا بصواب، بل الصواب المصرّح به في الحديث أنها عُذّبت بسبب الهرّة، وهي كبيرة؛ لأنها ربطتها، وأصرّت على ذلك، حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، كما هو مقرّر في كتب الفقه وغيرها، وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة انتهى (٣).
(وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْن) وفي الرواية الآتية ٢٠/ ١٤٩٦ من طريق شعبة، عن عطاء: "ورأيت فيها سارق بَدَنَتَيْ رسول اللَّه ﷺ ".
قال السندي ﵀: هكذا في نسخة النسائي -يعني "صاحب السبتيتين"- وفي كتب
стр. 9711
الغريب: "صاحب السائبتين"، في "النهاية": سائبتان بدنتان، أهداهما النبي ﷺ إلى البيت، فأخذهما رجل من المشركين، فذهب بهما، وسمّاهما سائبتين, لأنه سيبهما للَّه تعالى انتهى.
قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: لعل ذلك الوجل كان لابسًا علين سبتيتين، واللَّه تعالى أعلم.
و"السبتيتان" تثنية سبتِيَّة، بكسر المهملة، وسكون الموحدة، وهي النعل التي لا شعر عليها (أَخَا بَنِي الدَّعْدَعِ" هكذا في النسختين المطبوعتين بألف بعد الدال الثانية، وفي "الهنديّة": "بني الدعدع"، بإسقاط الألف، وهو الآتي في رواية شعبة المذكورة، ولم أجد من ضبط هذه الكلمة، ولا بيّن من هي هذه القبيلة؟. واللَّه تعالى أعلم.
(يُدْفَعُ) بالبناء للمفعول (بِعَصًا، ذَاتِ شُعْبَتَيْنِ) تثنية شعبة، وهو بضم، فسكون: الطائفة من الشيء (فِي النَّار، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا، صَاحِبَ الْمِحْجَنِ) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة وِزَان مِقْوَد: خشبة في طرفها اعوجاج، مثل الصَّوْلجان، قال ابن دُريد: كل عُود معطوف الرأسِ، فهو مِحْجَنٌ، والجمع المحاجن. قاله في "المصباح".
(الَّذِي كَانَ يَسْرِقُ الْحاجَّ) أي أمتعة الحاجّ، فهو على حذف مضاف، و"أل" للجنس، وفي رواية شعبة: "سارق الحجيج" (بِمِحْجَنِهِ) بيّن في رواية مسلم كيفية سرقته، ولفظه: "وحتى رأيت فيها صاحب المِحجَن، يجرّ قُصْبه في النار، وكان يسرق الحاجّ بمحجنه، فإن فُطن له، قال: إنما تعلّق بمحجني، وإن غُفِلَ عنه ذَهَبَ به". وفي رواية شعبة الآتية ٢٠/ ١٤٩٦: "فإذا فُطن له قال: هذا من عمل المحجن".
وقال ابن منظور: وصاحب المحجن في الجاهلية: رجل كان معه محجن، وكان يقعد في جادّة الطريق، فيأخذ بمحجنه الشيءَ بعد الشيءِ من أثاث المارّة، فإن عُثِر عليه اعتلّ بأنه تعلّق بمحجنه انتهى (١) (مُتَّكِئًا عَلَى محِجَنِهِ فِي النَّارِ، يَقُولُ: أَنَا سَارِقُ الْمِحْجَنِ")
أي سارق المتاع بالمحجن، فهو من الإضافة إلى الآلة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفي إسناده عطاء بن السائب، وهو مختلط؟
стр. 9712
قلت: قد ثبت من رواية من رواه عنه قبل الاختلاط، فقد رواه عنه سفيان الثوريّ، وشعبة، وزائدة بن قدامة، فهؤلاء ممن روى عنه قبل الاختلاط، فرواية سفيان عند أحمد ٢/ ١٩٨، ورواية شعبة تأتي للمصنف ٢٠/ ١٤٩٦ ورواية زائدة عند أحمد ٢/ ١٨٨.
وتابع عطاءً أبو إسحاق السبيعيّ، عن السائب عند المصنف في "الكبرى" (١) عن محمد بن عبد الأعلى- وعند أحمد ٢/ ٢٢٣ عن يحيى بن آدم- كلاهما عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي إسحاق به.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا -١٤/ ١٤٨٢ وفي "الكبرى"١٤/ ١٨٦٧ - بالإسناد المذكور، وفي ١٩/ ١٤٩٦ - و"الكبرى" ٢٠/ ١٨٨٣ - عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهريّ، عن غُندر، عن شُعبة، عن عطاء به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١١٩٤ (ت) في "الشمائل": ٣٢٤ (أحمد) ٢/ ١٥٩ و ٢/ ٦٣١ و ٢/ ١٨٨ و٢/ ١٩٨ (ابن خزيمة) ٩٠١ و ١٣٨٩ و١٣٩٢ و١٣٩٣. واللَّه تعالى أعلم
وفوائد الحديث تعلم مما ذكرناه في الأحاديث المتقدّمة، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: هذا الحديث يدلّ على أن صلاة الكسوف تصلّى بركوع واحد في كل وكعة، وهو حجة لمن قال: إنها مثل صلاة الصبح، وهومخالف للأحاديث التي أخرجها الشيخان، وغيرهما من أنها بركوعين، فترجّح تلك الأحاديث عليه، ومن العلماء من رأى أن هذا من الاختلاف المباح، فجمع بأنه ﷺ فعل بهذا، وبهذا، وهذا غير صحيح، فإن في بعض طرق حديث ابن عمرو هذا أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، والأحاديث الصحيحة الكثيرة متفقة على أنه ﷺ صلى صلاة الكسوف في ذلك اليوم بأربع ركوعات، وأربع سجدات، فلا يصحّ الجمع المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ سَبَلَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ, فَصَلَّى لِلنَّاسِ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ
стр. 9713
رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ قَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ رَفَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ, ثُمَّ قَامَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَفَعَلَ فِيهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ, يَفْعَلُ فِيهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ, حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ, فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ , وَإِلَى الصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبيد اللَّه بن عبد العظيم) القرشي الْكُرَيزيّ -بضم الكاف، وفتح الراء المهملة، وبعد التحتانية زاي (١) - أبو عبد اللَّه البصريّ القاضي، صدوق [١١].
روى عن أبي عاصم، والحسن بن بشر، وإبراهيم بن زياد سَبَلَان، وغيرهم. وعنه النسائيّ، وقال: لا بأس به. ومحمد بن عبد اللَّه الدمشقي، وأبو عروبة، وأحمد بن الحسين الخُرَيبيّ. قال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (٢٥٠) وقال أبو علي الحرّاني، وأبو عروبة، وغيرهما: سنة (٢٦٠). انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: محمد بن عبيد اللَّه، شيخ المصنف هكذا وقع في النسخة "الهندية"، وهو الصواب، فقد أورده في "ت"، و"تت"، و"صه" مصغرًا، و"تحفة الأشراف" ١١/ ٧ - ٨، ووقع في النسختين المطبوعتين، و"السنن الكبرى" للمصنف محمد بن عبد اللَّه مكبرًا، وهو تصحيف فاحش، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (إبراهيم سَبَلان) هو ابن زياد، أبو إسحاق البغداديّ، المعروف بسَبَلان -بفتح المهملة، والموحّدة- ثقة [١٠].
روى عن بن عبّاد المهلبي، والفرج بن فَضالة، ويحيى القطّان، وغيرهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وروى عنه النسائي بواسطة، وابن المدينيّ، وغيرهم.
قال أحمد: إذا مات سَبَلان ذهب علم عبّاد بن عبّاد، وقال أيضًا: لا بأس به، كان معنا عند هُشيم. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وصالح جَزَرَة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٣٢) وقال مطيّن، وموسى الحمال: مات سنة (٢٢٨) زاد موسي: في ذي الحجة، وكان قد ضبّب أسنانه بالذهب. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 9714
٣ - (عَبّاد بن عبّاد المهلّبيّ) الأزديّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ربّما وهم [٧] ١٢٣/ ١٠٨١.
٤ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثي المدني، صدوق، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في الباب الماضي.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
وشرح الحديث يعلم مما تقدم في شرح حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -.
وهو حديث صحيح، انفرد بإخراجه المصنف، أخرجه هنا ١٤/ ١٤٨٣ وفي "الكبرى" ١٤/ ١٨٦٨ بالإسناد المذكور.
وقوله: "فافزعوا إلى الصلاة" بفتح الزاي، أي التجئوا، وتوجهوا، وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور به، وأن الالتجاء إلى اللَّه عند المخاوف بالدعاء، والاستغفار سبب لمحو ما فرط من العصيان، يُرجى به زوال المخاوف، وأن الذنوب سبب للبلايا، والعقوبات العاجلة والآجلة، نسأل اللَّه تعالى رحمته، وعفوه، وغفرانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السادس عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الذي رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك
стр. 9715
حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء السابع عشر مفتتحًا بالباب ١٥ "نوع آخر" الحديث رقم ١٤٨٤.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 9716
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء السَّادس عَشر
стр. 9717
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 9718
شرح سُنن النّسَائي
стр. 9719
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 9720
١٥ - (نَوْعٌ آخَرُ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نوع آخر من أنواع صلاة الكسوف.
١٤٨٤ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) ثَعْلَبَةُ بْنُ عِبَادٍ الْعَبْدِيُّ, مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ, أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةً يَوْمًا لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ حَدِيثًا, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: بَيْنَا أَنَا يَوْمًا, وَغُلَامٌ مِنَ الأَنْصَارِ, نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ, أَوْ ثَلَاثَةٍ, فِي عَيْنِ النَّاظِرِ مِنَ الأُفُقِ, اسْوَدَّتْ, فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ, فَوَاللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ, لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا, قَالَ: فَدَفَعْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ, قَالَ: فَوَافَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , حِينَ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ, قَالَ: فَاسْتَقْدَمَ فَصَلَّى, فَقَامَ كَأَطْوَلِ قِيَامٍ قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ, مَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا, ثُمَّ رَكَعَ بِنَا كَأَطْوَلِ رُكُوعٍ, مَا رَكَعَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ, مَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا, ثُمَّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ سُجُودٍ مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ, لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا, ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ, قَالَ: فَوَافَقَ تَجَلِّي الشَّمْسِ جُلُوسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ, فَسَلَّمَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ (٢) وَرَسُولُهُ, مُخْتَصَرٌ).
رجال هذا الإسناد: سنة:
١ - (هلال بن العلاء بن هلال) الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرَّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩.
٢ - (الحسين بن عيّاش) بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الجَزَريّ الباجدّائيّ الرقّيّ، ثقة [١٠].
روى عن جعفر بن بُرْقان، وحُدَيج، وزهير ابني معاوية، وغيرهم. وعنه هلال بن العلاء، وعبد الحميد بن محمد بن الْمُسْتَام، وعلي بن جَمِيل الرقيّ، ومحمد بن القاسم الحرّانيّ.
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات". وقال الخطيب: كان أديبًا فاضلًا، وله كتاب مصنّف في غريب الحديث. وضعّفه الساجيّ، والأزديّ. وقال الذهبي: لَيّنَه
стр. 9721
بعضهم بلا مُستند، غير انفراده عن جعفر بن بُرقان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، مرفوعًا: (لا نكاح إلا بوليّ، والسلطانُ وليُّ من لا وليّ له". قال هلال بن العلاء: مات ببَاجَدَّاء سنة (٢٠٤). و"باجدّاء" - بموحدة، وجيم مفتوحة، ودال ثقيلة، وبعد الألف همزة-: قرية بقرب بغداد. أفاده ابن السمعاني. انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث.
٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجُعفي الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] ٣٧/ ٤٢.
٤ - (الأسود بن قيس) العبديّ، أو البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقة [٤].
روى عن أبيه، وثعلبة بن عباد، وجندب بن عبد اللَّه، وغيرهم. وعنه شعبة، والثوريّ، وشريك، وزهير بن معاوية، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال العجلي: ثقة حسن الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الفسويّ: كوفي ثقة. وقال شريك بن عبد اللَّه النخعيّ: أما واللَّه إن كان لصدوق الحديث، عظيم الأمانة، مكرمًا للضيف. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث.
٥ - (ثعلبة بن عِباد) -بكسر المهملة، وتخفيف الموحدة- العبدي البصري، مقبول [٤].
روى عن أبيه، وسمرة بن جندب. وعنه الأسود بن قيس. ذكره ابن المديني في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس، وأما الترمذي، فصحح حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن حزم: مجهول، وتبعه ابن القطّان، وكذا نقل ابن المَوّاق عن العجلي.
روى له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والأربعة، أخرجوا له حديث الباب فقط.
٦ - (سمرة بن جُندب) بن هلال الفَزَاريّ، حليف الأنصار، صحابي مشهور، مات بالبصرة سنة (٥٨) - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٥/ ٣٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث سمرة بن جندب هذا ضعيف، لجهالة ثعلبة ابن عِبَاد، أخرجه المصنف هنا -١٥/ ١٤٨٤ - وفي "الكبرى"-١٥/ ١٨٦٩ - بالإسناد المذكور، وفي ١٩/ ١٤٩٥ - و"الكبرى" ١٩/ ١٨٨٢ - عن عمرو بن منصور، عن أبي نُعيم، عن سفيان الثوريّ، عن الأسود بن قيس مختصرًا، وفي ٢٣/ ١٥٠١ و"الكبرى" ٢٣/ ١٨٨٨ عن أحمد بن سليمان، عن أبي داود الْحَفَريّ، عن الثوري به مختصرًا.
وأخرجه (د) ١١٨٤ (ت) ٥٦٢ (ق) ١٢٦٤ (أحمد) ٥/ ١٤ و ٥/ ١٦ و ٥/ ١٩
стр. 9722
(البخاري في خلق أفعال العباد) ٥٤ و ٥٣ (ابن خزيمة) ١٣٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "غرضين" بفتح الغين المعجمة، والراء المهملة: أي هَدَفَين. وقوله: "قيد رمحين" بكسر القاف، أي قدر رمحين. وقوله: "ليُحدثنّ" بضم الياء، من الإحداث، والنونُ المشددة نون التأكيد، وقوله: "شأنُ هذه الشمس" بالرفع على الفاعلية.
وقوله: "فدفعنا" يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، أي ذهبنا من موضعنا إلى المسجد، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، أي انتهينا إلى المسجد، قال في "المصباح": ودفعتُ عن الموضع -أي بالبناء للفاعل-: رَحَلتُ عنه، ودُفِعتُ إلى كذا بالبناء للمفعول: انتهيت إليه انتهى. وقوله: "فوافينا" أي صادفنا. وقوله: "فاستقدم" السين والتاء زائدتان، أي تقدّم. وقوله: "قط" أي دائما، أو أبدًا، فلذا استعمل في الإثبات، وإلا فقد أجمعوا على أنه لا يُستعمل إلا في النفي. قاله السنديّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله السندي إنما هو في النسخة التي شرح عليها، حيث وقع فيها: "قام بنا"، بلا تقدّم حرف النفي، وأما النسخة "الهندية" فوقع فيها: "ما قام بنا" بذكر "ما" النافية، وعليه فلا إشكال، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "لا نسمع له صوتا" هذا لا يدلّ على أنه لم يجهر في القراءة، فلا ينافي حديث عائشة ﵂ الآتي ١٨/ ١٤٩٤ - : "وجهر فيها بالقراءة"، لإمكان حمله على أنه لم يسمعه سمرة، ومن معه لبعدهم عنه ﷺ .
قال الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" بعد أن أخرج حديث سمرة ﵁ هذا: ما نصه: هذه اللفظة التي في هذا الخبر "لا يُسمع له صوت" من الجنس الذي أَعْلَمْنا أن الخبر الذي يجب قبوله خبر من يُخبر يكون الشيء، لا من يَنفي، وعائشة قد أخبرت أن النبي ﷺ جهر بالقراءة، فخبر عائشة يجب قبوله, لأنها حفظت جهر القراءة، وإن لم يحفظها غيرها، وجائز أن يكون سمرة كان في صفّ بعيد من النبي ﷺ بالقراءة، فقوله: "لا يُسمع له صوت" أي لم أسمع صوتا على ما بيّنتُهُ أن العرب تقول: لم يكن كذا لما لم تعلم كونه. انتهى (١).
وظاهر الحديث أيضًا يدل على أنه ﷺ ركع ركوعا واحدًا، وقد تقدم تحقيق القول فيه في الباب الماضي.
وقوله: "فوافق تجلي الشمس الخ" برفع "تجلي" على الفاعلية، ونصب "جلوسه" على المفعولية، ويجوز العكس.
стр. 9723
وقوله: "مختصر" خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طويل.
والحديث بطوله قد ساقه أحمد في "مسنده" ج ٥/ ص ١٦، وابن خزيمة في "صحيحه" رقم ١٣٩٧ - ولفظ أحمد:
١٩٦٦٥ - حدثنا أبو كامل، حدثنا زهير، حدثنا الأسود بن قيس، حدثنا ثعلبة بن عِبَاد العبدي، من أهل البصرة، قال: شهدت يوما خطبة لسمرة بن جندب، فذكر في خطبته حديثا، عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال: بينا أنا وغلام من الأنصار، نَرمي في غرضين لنا، على عهد رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر، اسودت، حتى آضت (١)، كأنها تَنُّومَة قال فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فوالله ليُحدثن شأن هذه الشمس، لرسول اللَّه ﷺ -في أمته حَدَثًا، قال: فدفعنا إلى المسجد، فإذا هو بارز، قال، ووافقنا رسولَ اللَّه ﷺ ، حين خرج إلى الناس، فاستقدم، فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتا، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتا، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، قال زهير: حسبته قال: فسلم، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، وشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، ثم قال: "أيها الناس أنشدكم باللَّه، إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي ، لَمّا أخبرتموني ذاك، فبلغتُ رسالات ربي، كما ينبغي لها أن تُبَلَّّغ، وإن كنتم تعلمون أني بلغت رسالات ربي لما أخبرتموني ذاك"، قال: فقام رجال، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك، ثم سكتوا، ثم قال: "أما بعد، فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مطالعها, لموت رجال، عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا, ولكنها آيات من آيات اللَّه ﵎، يعتبر بها عباده، فينظر من يحدث له منهم توبة، وايم اللَّه فقد
رأيت منذ قمت أصلي، ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه واللَّه لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى، كأنها عين أبي يحيى، لشيخ حينئذ من الأنصار، بينه وبين حجرة عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها، وإنها متى يخرج"، أو قال: "متى ما يخرج، فإنه سوف يزعم أنه اللَّه، فمن آمن
به، وصدقه، واتبعه لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به، وكذبه، لم يعاقب بشيء من عمله" -وقال حسن الأشيب-: "بسيئ من عمله سلف، وإنه سيظهر"، أو
стр. 9724
قال" "سوف يظهر على الأرض كلها، إلا الحرم، وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم يهلكه اللَّه ﵎ وجنوده، حتى إن جِذْم الحائط"، أو قال: "أصل الحائط" وقال حسن الأشيب: "وأصل الشجرة لَيُنَادي"، أو قال: "يقول: يا مؤمن"، أو قال: "يا مسلم هذا يهودي"، أو قال: "هذا كافر، تعال فاقتله"، قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورا، يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم، هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا، وحتى تزول جبال على مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض"، قال: ثم شهدت خطبة لسمرة، ذكر فيها هذا الحديث، فما قدم كلمة، ولا أخرها عن موضعها انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
١٦ - (نَوْعٌ آخَرُ)
١٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزِعًا, حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ, فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِنَا, حَتَّى انْجَلَتْ, فَلَمَّا انْجَلَتْ, قَالَ: «إِنَّ نَاسًا (١) يَزْعُمُونَ, أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ إِلاَّ لِمَوْتِ عَظِيمٍ, مِنَ الْعُظَمَاءِ, وَلَيْسَ كَذَلِكَ, إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ , إِنَّ اللَّهَ , إِذَا بَدَا لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ, خَشَعَ لَهُ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ, فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا, مِنَ الْمَكْتُوبَةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشار) بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الوهّاب) بن عبد المجيد الثقفي البصريّ، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٢/ ٤٨.
٣ - (خالد) بن مِهران الحذّاء البصري، ثقة يرسل تغير بآخره [٥] ٧/ ٦٣٤.
стр. 9725
٤ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجَزْميّ البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
٥ - (النعمان بن بَشِير) بن سعد الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٩/ ٥٢٨. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزِعًا) بفتح، فكسر: أي خائفا، وقيل: أو بفتح الزاي على أنه مصدر بمعنى الصفة، أو هو مفعول مطلق لمقدّر قاله السنديّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأولى أن يُجعل مفتوحُ الزاي منصوبا على أنه مفعول لأجله. واللَّه أعلم.
(حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزلْ يُصَلِّي بِنَا حَتَّى انْجَلَتْ) ولفظ أبي داود: "فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها، حتى انجلت". يعني أنه صلى كل ركعة بركوع واحد، وهو حجة لمن قال: إن صلاة الكسوف كبقية النوافل. ويحتمل أنه أراد بقوله: "ركعتين ركعتين" في كل ركعة ركوعان. لكن يبعده قوله: "يسأل عنها"، فإن ظاهره أنه ﷺ كان يسأل عن انجلائها بعد كلّ ركعتين. وأصرح منه ما في رواية البيهقيّ من طريق عبد الوارث، عن أيوب، ففيها: "فجعل يصلي ركعتين، ويسلّم حتى انجلت الشمس" (١). لكن سيأتي أن الحديث ضعيف، وعلى تقدير صحته، فما رواه الأكثرون، وهو أنه ﷺ صلى ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات مقدّم عليه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا انْجَلَتْ، قَالَ: "إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ، أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَا يَنْكَسِفَانِ إلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ،) قال الكرماني ﵀: فإن قلت: ما فائدة هذه اللفظة -يعني "ولا لحياته"، إذ لم يقل أحد بأن الانكساف للحياة، لا سيما هنا، إذ السياق إنما هو في موت إبراهيم، فيتمّ الجواب بقوله: "لا ينكسفان لموت أحد"؟
قلت: فائدته دفع توهّم من يقول: قد لا يكون الموت سببا للانكساف، ويكون نقيضه سببا له، فعمّم النفي، أي ليس سببه لا الموت، ولا الحياة، بل سببه قدرة اللَّه تعالى فقط انتهى.
стр. 9726
(وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، إِنَّ اللهَ ، إِذَا بَدَا لِشَيْءِ مِنْ خَلْقِهِ، خَشَعَ لَهُ) قال الإمام ابن القيّم: في كتابه "مفتاح السعادة": قال أبو حامد الغزالي: هذه الزيادة لم يصحّ نقلها، فيجب تكذيب ناقلها، وإنما المرويّ ما ذكرنا، يعني الحديث الذي ليست هذه الزيادة فيه، قال: ولو كان صحيحًا لكان تأويله أهون من مكابرة أمور قطعيّة، فكم من ظاهر أْوّلت بالأدلّة العقلية التي لا تنتهي في الوضوح إلى هذا الحدّ.
قال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: وإسناد هذه الزيادة لا مطعن فيه (١) ورواته كلهم ثقات حُفّاظ، ولكن لعلّ هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف، فقد رواها عن النبي ﷺ بضعة عشر صحابيًا: عائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب، وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وجابر بن عبد اللَّه، وسمرة بن جُندب، وقَبِيصة الهلالي، وعبد الرحمن بن سمرة، فلم يذكر أحد منهم في حديثه هذه اللفظة، فمن هنا يُخاف أن تكون أُدرجت في الحديث إدراجًا, وليست في لفظ رسول اللَّه ﷺ ، على أن هنا مسلكًا بديعَ المأخذ، لطيف المَنْزَع، يقبله العقل السليم، والفطرة السليمة، وهو أن كسوف الشمس والقمر يوجب لهما من الخشوع والخضوع بانمحاء نورهما، وانقطاعه عن هذا العالم ما يكون فيه ذهاب سلطانهما، وبهائهما، وذلك يوجب لا محالة لهما من الخشوع والخضوع لربّ العالمين، وعظمته وجلاله ما يكون سببًا لتجلي الربّ تعالى، ولا يستلزم أن يكون تجلي اللَّه سبحانه لهما في وقت معيّن، كما يدنو من أهل الموقف عشيّة عرفة، فَيُحدث لهما ذلك التجلي خشوعًا آخر، ليس هذا الكسوف، ولم يقل النبي ﷺ : إن اللَّه تعالى إذا تجلى لهما انكسفا, ولكن اللفظة عند أحمد، والنسائيّ: "إن اللَّه تعالى إذا بدا لشيء من خلقه خشع له"، ولفظ ابن ماجه: "فإذا تجلّى اللَّه تعالى لشيء من خلقه، خشع له"، فههنا خشوعان: خشوع أوجب كسوفهما بذهاب ضوئهما، وانمحائه، فتجلى اللَّه لهما، فحدث لهما عند تجلّيه تعالى خشوع آخر بسبب التجلّي، كما حدث للجبل إِذْ تجلى له تعالى خشوع أن صار دَكّا، وساخ في الأرض، وهذا غاية الخشوع، لكن الربّ تعالى يثبتهما لتجلّيه عنايةً بخلقه، لانتظام مصالحهم بهما, ولو شاء سبحانه لثبّت الجبلَ لتجلّيه كما يثبّتهما, ولكن أرى كليمه موسى ﵇ أن الجبل العظيم لم يُطق الثبات لتجليه له، فكيف تطيق
стр. 9727
أنت الثبات للرؤية التي سألتها انتهى (١).
وقال في "الفتح": وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحّت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعيّة، لا تُصادم أصلًا من أصول الشريعة.
قال ابن بزيزة: هذا عجيب منه، كيف يسلّم دعوى الفلاسفة، ويزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كُرَويّ الشكل، وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك، والثابت من قواعد الشريعة أن الكسوف أثر الإرادة القديمة، وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النورَ متى شاء، والظلمةَ متى شاء، من غير توقّف على سبب، أو ربط باقتراب، والحديث الذي ردّه الغزاليّ قد أثبته غير واحد، من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضًا, لأن النورية، والإضاءة من عالم الجمال الحسيّ، فإذا تجلّت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] انتهى.
ويؤيّد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس، وقد انكسفت، فبكى، حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف للَّه منّا.
وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: ربّما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوّف اللَّه بهما عباده"، وليس بشيء, لأن للَّه أفعالًا على حسب العادة، وأفعالًا خارجة عن ذلك، وقدرتُهُ حاكمة على كلّ سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب، والمسبّبات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك، فالعلماء باللَّه لقوّة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف؛ لقوّة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء اللَّه خرقها.
وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوّفًا لعباد اللَّه تعالى انتهى ما في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد ﵀ هنا تحقيق حسن جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَصَلَّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا، مِنَ الْمَكْتُوبَةِ") أي مثل الصلاة المكتوبة التي صلّوها قبل حدوث الكسوف.
стр. 9728
قال السنديّ ﵀: فيه أنه ينبغي أن يُلاحظ وقت الكسوف، فيصلى لأجله صلاة هي مثل ما صلاها من المكتوبة قبلها، ويلزم منه أن يكون عدد الركعات على حسب تلك الصلات، وأن يكون الركوع واحدًا. ومقتضى هذا الحديث أنه يجب على الناس العمل بهذا، وإن سُلِّمَ أنه ﷺ صلّى بركوعين, لأن هذا أمر للناس، وذلك فعل، فليتأمّل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قاله نظر لا يخفى, لأن الحديث ضعيف، كما سيأتي بيانه، وعلى تقدير صحته فالأحاديث الصحاح الكثيرة مقدّمة عليه.
والحاصل أن ما فعله النبي ﷺ عند الكسوف من صلاة ركعتين بأربع ركوعات، وأربع سجدات هو الذي يشرع للناس، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف، لعلتين:
(إحداهما): كون أبي قلابة مدلسًا، وقد عنعنه في كل طرقه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه العلة فيها نظر؛ لأن أبا قلابة لم يصفه المتقدمون بالتدليس، بل صرح أبو حاتم بأنه لا يُعْرَفُ له تدليس. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" جـ ٢ ص ٣٤٠، وإنما وصفه الذهبي من المتأخرين انظر "ميزان الاعتدال" جـ ٢ ص ٤٢٥ - ٤٢٦. ولم يذكر لذلك مستندًا. فالعلة الثانية هى المعتبرة في تضعيف هذا الحديثْ فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
(والثانية): الاضطراب في إسناده:
وذلك أنه روي عن أبي قلابة، عن النعمان، وروي عنه عن رجل، عن النعمان، وروي عنه، عن قبيضة بن مخارق الهلاليّ، قال: فذكر الحديث، وروي عنه، عن هلال بن عامر، أن قبيصة الهلاليّ حدّثه (١).
والحاصل أن حديث، النعمان هذا لا يصحّ، لما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٦/ ١٤٨٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ١٨٧٠ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦/ ٤٨٨ - و"الكبرى" ١٦/ ١٨٧٣ - عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي قلابة به مختصرًا. و ١٦/ ١٤٨٩ - و"الكبرى" ١٦/ ١٨٧٤ - عن أحمد بن
стр. 9729
عثمان، عن أبي نُعيم، عن الحسن بن صالح، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة به، مختصرًا و ١٦/ ١٤٩٠ و"الكبرى" ١٦/ ١٨٧٥ - عن محمد بن بشار، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن النعمان مطوّلًا. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١١٩٣ (ق) ١٢٦٢ (أحمد) ٤/ ٢٦٩ و ٤/ ٢٧١ (ابن خزيمة) ١٤٠٣ و ١٤٠٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٦ - (وَأَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ, أَنَّ جَدَّهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْوَازِعِ حَدَّثَهُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ, قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ, وَنَحْنُ إِذْ ذَاكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ, فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ (٢) , فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, أَطَالَهُمَا, فَوَافَقَ انْصِرَافُهُ انْجِلَاءَ الشَّمْسِ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَصَلُّوا, كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّيْتُمُوهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (عمرو بن عاصم) بن عبيد اللَّه الكلابي القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوق، في حفظه شيء، من صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢.
٣ - (عبيد اللَّه بن الوازع) الكلابي البصريّ، مجهول [٧].
روى عن هشام بن عروة، وأيوب السختياني، وعن شيخ من بني مرّة. وعنه ابن ابنه عمرو بن عاصم. قال أبو جعفر الطبريّ: عُبيد اللَّه بن الوازع غير معروف في نَقَلَة الآثار.
روى له الترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (أيوب السختياني) ابن أبي تميمة البصري، الفقيه المثبت الحجة [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد المذكور في السند الماضي.
٦ - (قبيصة بن مُخارق) -بضم الميم، وتخفيف الخاء المعجمة- ابن عبد اللَّه بن شدّاد
стр. 9730
ابن معاوية بن أبي ربيعة بن نَهِيك بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة الهلاليّ، أبو بشرالبصريّ، وَفَدَ على النبي ﷺ ، وَرَوَى عنه. وروى عنه ابنه قَطَن، وكنانة بن نُعيم، وهلال بن عامر البصريّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو قلابة الجرميّ. قال خليفة في "الطبقات": كانت له دار بالبصرة.
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، وأعاده بعده، و ٢٥٧٩ حديث: "إن المسألة لا تحلّ إلا لثلاثة … " الحديث، وأعاده برقم ٢٥٨٠ و ٢٥٩١. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث قبيصة بن مُخَارق ﵁ هذا ضعيف؛ لجهالة عُبيد اللَّه بن الوازع.
أخرجه المصنف هنا -١٦/ ٤٨٦٦ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦/ ٤٨٧٦ - و"الكبرى" ١٦/ ١٨٧٥ - عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي قلابة به.
وأخرجه (د) ١١٨٥ و ١١٨٦ (أحمد) ٥/ ٦٠ و ٥/ ٦١ (ابن خزيمة) ١٤٠٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ, وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ, أَنَّ الشَّمْسَ انْخَسَفَتْ, فَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ (٢) ﷺ , رَكْعَتَيْنِ, رَكْعَتَيْنِ, حَتَّى انْجَلَتْ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَكِنَّهُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِهِ, وَإِنَّ (٣) اللَّهَ يُحْدِثُ فِي خَلْقِهِ مَا شَاءَ (٤) وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ, يَخْشَعُ لَهُ, فَأَيُّهُمَا حَدَثَ, فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ, أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، صدوق ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصري، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
стр. 9731
والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا الكلام على الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ (١) مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ (٢) ﷺ قَالَ: «إِذَا خَسَفَتِ (٣) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ, فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف للاضطراب كما سبق بيانه في ١٦/ ١٤٨٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ, عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, مِثْلَ صَلَاتِنَا, يَرْكَعُ, وَيَسْجُدُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفي، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (الحسن بن صالح) الهمداني الكوفي، ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع [٧] ١٦٠/ ٢٥٢.
٤ - (عاصم) بن سليمان الأحول البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
والباقيان تقدما قريبًا، وكذا الكلام على الحديث، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "مثل صلاتنا" قال السندي ﵀: أي المعهودة، فيفيد اتحاد الركوع، أو مثل ما نصلي في الكسوف، فيلزم توقفه على معرفة تلك الصلاة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الأولى، لقوله فيما تقدّم: "كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا, مُسْتَعْجِلاً إِلَى الْمَسْجِدِ, وَقَدِ انْكَسَفَتِ (٤) الشَّمْسُ, فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 9732
كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْخَسِفَانِ إِلاَّ لِمَوْتِ عَظِيمٍ, مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ, وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْخَسِفَانِ (١) لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ (٢) , فَأَيُّهُمَا (٣) انْخَسَفَ, فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ (٤) , أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث النعمان، وفيه عنعنة الحسن، وهو البصريّ، وهو مدلس، وأيضًا ذكر في ترجمته في "تت" أنه لم يسمع من النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فالحديث ضعيف من هذا الطريق أيضًا.
وقوله: "أو يُحدث اللَّه أمرًا" الظاهر أن "أو" للشك من الراوي، فيكون قوله: "يحدث اللَّه أمرًا" بمعنى قوله: "ينجلي"، أي تضرّعوا إلى اللَّه بالصلاة حتى يحدث اللَّه الانجلاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩١ - ((أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَجُرُّ رِدَاءَهُ (٥) , حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ, وَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ, فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ, فَلَمَّا انْكَشَفَتِ الشَّمْسُ, قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ, مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ, وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ (٦) لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ, فَصَلُّوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لَهُ مَاتَ, يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ لَهُ نَاسٌ فِي ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله في ١/ ١٤٥٩، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وعمران موسى: هو القزّاز البصريّ. وعبد الوارث هو ابن سعيد البصري، ويونس: هو ابن عبيد البصريّ، والحسن هو ابن أبي الحسن البصريّ، فالسند كله بصريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنِ الْحَسَنِ,
стр. 9733
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى رَكْعَتَيْنِ, مِثْلَ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ, وَذَكَرَ كُسُوفَ الشَّمْسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أبي بكرة ﵁، وإسماعيل ابن مسعود: هو الجحدريّ البصريّ، وخالد: هو ابن الحارث الهُجَيْمِيُّ، وأشعث: هو ابن عبد الملك الحمراني البصريّ، وهو ثقة، ويحتمل أن يكون أشعث بن عبد اللَّه بن جابر الْحُدَّاني وهو أيضًا ثقة، وثقه ابن معين وغيره، فإن كلامهما يروي عن الحسن، ويروي عنهما خالد الهُجَيمِيُّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "مثل صلاتكم هذه" الظاهر أنه أشار إلى صلاة الكسوف المعهودة عندهم، وهذا هو الأرجح، قال الحافظ في "الفتح" في شرح حديث أبي بكرة هذا عند قوله: "فصلى بنا ركعتين": ما نصّه: زاد النسائيّ "كما تصلّون"، واستَدَلّ به من قال: إن صلاة الكسوف كصلاة النافلة.
وحمله ابن حبَّان، والبيهقيّ على أن المعنى كما تصلّون في الكسوف, لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علّمهم أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، كما رَوَى ذلك الشافعيّ، وابن أبي شيبة، وغيرهما، ويؤيد ذلك أن في رواية عبد الوارث عن يونس أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله، وقال فيه: إن في كل ركعة ركوعين، فدل ذلك على اتحاد القصّة، وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع، والأخذ بها أولى. ووقع في أكثر الطرق عن عائشة أيضًا أن في كل ركعة ركوعين، وعند ابن خزيمة من حديثها أيضًا أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ﵇ انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من حمل رواية أبي بكرة ﵁ المطلقة على الروايات المبيّنة حسنٌ جدَّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كذا في "الموطإ"، وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤيّ في "سنن أبي داود" "عن أبي هريرة" بدل "ابن عباس"، وهو غلط، وقاله في "الفتح" (١) أنه (قَالَ: خَسَفَتِ) وفي نسخة "كسفت" بالكاف، وهو بمعناه (الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ ﷺ ، وَالنَّاسُ- مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَرَأَ نَحْوًا من سُورَةِ الْبَقرَةِ) هذا محل الترجمة، فإنه يدلّ على مقدار القراءة في صلاة الكسوف، وقد تقدّم نحوه في حديث عائشة ﵁ ١٣/ ١٤٨١ - "قالت: فحَسِبْتُ قَرأَ سورةَ البقرة" (قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوً دُونَ الرُّكُوعِ الأَوّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأوَّلِ) فيه أن الركعة الثانية أقصر من الأولى (قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوً دُونَ الرُّكُوعِ الأَوّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلَّم من الصلاة (وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ: "إِن الشَّمْسُ وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدِ، وَلَا لِحَيَاتِه، فَإِذَا رَأَيْتُم ذَلِكَ، فَاذكُرُوا اللهَ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال الحافظ: في حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن: "فلما قضى الصلاة، قال له أُبيّ بن كعب: شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه"، فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر، أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها التي حسماها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، لكن فيه: "عُرضت عليّ الجنة والنار في عُرْض هذا الحائط"، حسبُ، وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود، وذكر النساء. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
(رَأَينَاكَ، تَنَاوَلْتَ) بصيغة الماضي، ووقع عند البخاري في رواية الكشميهني "تناولُ" بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله تتناول (شَيْئًا، فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَينَاك، تَكَعْكَعْتَ) أي تأخّرت، يقال: كعّ الرجل: إذا نكص على عقبيه، قال