والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا الكلام على الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ (١) مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ النَّبِيَّ (٢) ﷺ قَالَ: «إِذَا خَسَفَتِ (٣) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ, فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف للاضطراب كما سبق بيانه في ١٦/ ١٤٨٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٨٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ, عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, مِثْلَ صَلَاتِنَا, يَرْكَعُ, وَيَسْجُدُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفي، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (الحسن بن صالح) الهمداني الكوفي، ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع [٧] ١٦٠/ ٢٥٢.
٤ - (عاصم) بن سليمان الأحول البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
والباقيان تقدما قريبًا، وكذا الكلام على الحديث، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: "مثل صلاتنا" قال السندي ﵀: أي المعهودة، فيفيد اتحاد الركوع، أو مثل ما نصلي في الكسوف، فيلزم توقفه على معرفة تلك الصلاة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الأولى، لقوله فيما تقدّم: "كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا, مُسْتَعْجِلاً إِلَى الْمَسْجِدِ, وَقَدِ انْكَسَفَتِ (٤) الشَّمْسُ, فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 9732
كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْخَسِفَانِ إِلاَّ لِمَوْتِ عَظِيمٍ, مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ, وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْخَسِفَانِ (١) لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ (٢) , فَأَيُّهُمَا (٣) انْخَسَفَ, فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ (٤) , أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث النعمان، وفيه عنعنة الحسن، وهو البصريّ، وهو مدلس، وأيضًا ذكر في ترجمته في "تت" أنه لم يسمع من النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فالحديث ضعيف من هذا الطريق أيضًا.
وقوله: "أو يُحدث اللَّه أمرًا" الظاهر أن "أو" للشك من الراوي، فيكون قوله: "يحدث اللَّه أمرًا" بمعنى قوله: "ينجلي"، أي تضرّعوا إلى اللَّه بالصلاة حتى يحدث اللَّه الانجلاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩١ - ((أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَجُرُّ رِدَاءَهُ (٥) , حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ, وَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ, فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ, فَلَمَّا انْكَشَفَتِ الشَّمْسُ, قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ, مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ, وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ (٦) لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ, فَصَلُّوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لَهُ مَاتَ, يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ لَهُ نَاسٌ فِي ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله في ١/ ١٤٥٩، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وعمران موسى: هو القزّاز البصريّ. وعبد الوارث هو ابن سعيد البصري، ويونس: هو ابن عبيد البصريّ، والحسن هو ابن أبي الحسن البصريّ، فالسند كله بصريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنِ الْحَسَنِ,
стр. 9733
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَلَّى رَكْعَتَيْنِ, مِثْلَ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ, وَذَكَرَ كُسُوفَ الشَّمْسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أبي بكرة ﵁، وإسماعيل ابن مسعود: هو الجحدريّ البصريّ، وخالد: هو ابن الحارث الهُجَيْمِيُّ، وأشعث: هو ابن عبد الملك الحمراني البصريّ، وهو ثقة، ويحتمل أن يكون أشعث بن عبد اللَّه بن جابر الْحُدَّاني وهو أيضًا ثقة، وثقه ابن معين وغيره، فإن كلامهما يروي عن الحسن، ويروي عنهما خالد الهُجَيمِيُّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "مثل صلاتكم هذه" الظاهر أنه أشار إلى صلاة الكسوف المعهودة عندهم، وهذا هو الأرجح، قال الحافظ في "الفتح" في شرح حديث أبي بكرة هذا عند قوله: "فصلى بنا ركعتين": ما نصّه: زاد النسائيّ "كما تصلّون"، واستَدَلّ به من قال: إن صلاة الكسوف كصلاة النافلة.
وحمله ابن حبَّان، والبيهقيّ على أن المعنى كما تصلّون في الكسوف, لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علّمهم أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، كما رَوَى ذلك الشافعيّ، وابن أبي شيبة، وغيرهما، ويؤيد ذلك أن في رواية عبد الوارث عن يونس أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله، وقال فيه: إن في كل ركعة ركوعين، فدل ذلك على اتحاد القصّة، وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة، وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع، والأخذ بها أولى. ووقع في أكثر الطرق عن عائشة أيضًا أن في كل ركعة ركوعين، وعند ابن خزيمة من حديثها أيضًا أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ﵇ انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من حمل رواية أبي بكرة ﵁ المطلقة على الروايات المبيّنة حسنٌ جدَّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كذا في "الموطإ"، وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤيّ في "سنن أبي داود" "عن أبي هريرة" بدل "ابن عباس"، وهو غلط، وقاله في "الفتح" (١) أنه (قَالَ: خَسَفَتِ) وفي نسخة "كسفت" بالكاف، وهو بمعناه (الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ ﷺ ، وَالنَّاسُ- مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَرَأَ نَحْوًا من سُورَةِ الْبَقرَةِ) هذا محل الترجمة، فإنه يدلّ على مقدار القراءة في صلاة الكسوف، وقد تقدّم نحوه في حديث عائشة ﵁ ١٣/ ١٤٨١ - "قالت: فحَسِبْتُ قَرأَ سورةَ البقرة" (قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوً دُونَ الرُّكُوعِ الأَوّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأوَّلِ) فيه أن الركعة الثانية أقصر من الأولى (قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوً دُونَ الرُّكُوعِ الأَوّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلَّم من الصلاة (وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ: "إِن الشَّمْسُ وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدِ، وَلَا لِحَيَاتِه، فَإِذَا رَأَيْتُم ذَلِكَ، فَاذكُرُوا اللهَ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال الحافظ: في حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن: "فلما قضى الصلاة، قال له أُبيّ بن كعب: شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه"، فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر، أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها التي حسماها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، لكن فيه: "عُرضت عليّ الجنة والنار في عُرْض هذا الحائط"، حسبُ، وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود، وذكر النساء. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
(رَأَينَاكَ، تَنَاوَلْتَ) بصيغة الماضي، ووقع عند البخاري في رواية الكشميهني "تناولُ" بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله تتناول (شَيْئًا، فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَينَاك، تَكَعْكَعْتَ) أي تأخّرت، يقال: كعّ الرجل: إذا نكص على عقبيه، قال
стр. 9736
الخطّابيّ: أصله تكععت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من إحداها حرفًا مكررًا، ووقع في رواية مسلم "ثم رأيناك كففت" بفاءين خفيفين (قَالَ: "إِنّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ") تقدّم أن هذه الرؤية رؤية حقيقية على الراجح (أَوْ) للشكّ من الراوي ("أُرِيتُ الْجَنَّةَ (قال الحافظ ﵀: ظاهره أنها رؤية عين، فمنهم من حمله على أن الحجب كُشفت له دونها، فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما، حتى أمكنه أن يتناول منها، وهذا أشبه بظاهر هذا الخبر، ويؤيده حديث أسماء ﵂، بلفظ: "دنت مني الجنّة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقِطْف من قِطافها".
ومنهم من حمله على أنها مثّلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس ﵁: "لقد عُرضت عليّ الجنّة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي"، وفي رواية "لقد مثلت"، ولمسلم "لقد صُوّرت"، ولا يَرِد على هذا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة, لأنا نقول: هو شرط عاديّ، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا للنبي ﷺ ، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، ولا مانع أن يرى الجنّة والنار مرتين، بل مرارًا على صور مختلفة، وأبعدَ مَن قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم. (١).
وقال القرطبي ﵀: هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة، لا رؤية علم، بدليل أنه رأى في الجنّة والنار أقوامًا بأعيانهم، ونعيما، وقطفا من عنب، وتناوله، وغير ذلك، ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها, لا سيما على مذهب أهل السنّة في أن الجنة والنار قد خُلقتا، ووُجدتا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وذلك راجع إلى أن اللَّه تعالى خلق لنبيه ﷺ إدراكًا خاصا به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه.
ويجوز أن يقال: إن اللَّه تعالى مثّل له الجنّة والنار، وصوّرهما له في عُرْض الحائط، كما تتمثّل صور المرئيات في المرآة، ويعتضد هذا بما رواه البخاريّ من حديث أنس ﵁ في غير حديث الكسوف، قال ﷺ : "لقد رأيت الآن منذ صلّيت لكم الصلاةَ الجنةَ والنارَ متمثلتين في قبلة هذا الجدار"، وفي لفظ آخر: "عُرضت عليّ الجنَّةُ والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط، وأنا أصلي"، وقال فيه مسلم: "إني صُوِّرت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط".
ولا يُستبعَدُ هذا من حيث إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصَّقِيلة؛ لأنا
стр. 9737
نقول: إن شرط ذلك عاديّ، لا عقليّ، ويجوز أن تنخرق العادة، وخصوصًا في مدّة النبوّة، ولو سُلّم أن تلك الشروط عقلية، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط، ولا يُدرك ذلك إلا النبيّ ﷺ انتهى كلام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا) قال في "المصباح": "العُنقُود" من العنب ونحوه فُنْعُول بضمّ الفاء، والْعِنْقَاد مثله انتهى (وَلَوْ أُخَذْتُهُ، لَأكَلْتُمْ مِنْهُ) وفي رواية البخاريّ: "ولو أصبته" بدل "ولو أخذته".
قال في "الفتح": واستُشكل مع قوله: "تناولت". وأُجيب يحمل التناول على تكلّف الأخذ، لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، وليس بجيّد. وقيل: المراد بقوله: "تناولت" أي وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه، ولو أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدلّ عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة "أهوى بيده ليتناول شيئًا"، وللبخاري في حديث أسماء ﵂ "حتى لو اجترأت عليها"، وكأنه لم يؤذن له في ذلك، فلم يجترىء عليه. وقيل: الإرادة مقدّرة، أي أردت أن أتناول، ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر ﵁ عند مسلم "ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليها، ثم بدا لي أن لا أفعل"، ومثله للبخاريّ في حديث عائشة ﵂، ولفظه: "حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفا من الجنّة، حين رأيتموني جعلت أتقدّم"، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: "أردت أن آخذ منها قطفًا لأريكموه، فلم يقدّر"، ولأحمد من حديث جابر: "فحيل بيني وبينه".
قال ابن بطال ﵀: لم يأخذ العُنقود لأنه من طعام الجنة، وهو لا يَفنى، والدنيا فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة، لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسًا إيمانها. وقيل: لأن الجنّة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة.
وحكى ابن العربي ﵀ في "قانون التأويل" عن بعض شيوخه، أنه قال: معنى قوله: "لأكلتم منه الخ" أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائما، بحيث لا يغيب عن ذوقه.
وتعقّب بأنه رأيٌ فلسفيّ مبنيّ على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال. والحقّ أن ثمار الجنة لا مقطوعة، ولا ممنوعة، وإذا قُطعت خلقت في الحال، فلا
стр. 9738
مانع أن يخلق اللَّه مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام
وجوازه.
[فائدة]: بيّن سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر، عن زيد بن أسلم أن التناول المذكور كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية. انتهى (١).
(ما بقيت الدنيا) "ما" مصدرية ظرفية، أي مدة بقاء الدنيا، أي لعدم فناء فواكه الجنة.
(وَرَأَيْتُ النَّارَ) وقع في رواية عبد الرزّاق المذكورة أن رؤيته النار كانت قبل رؤيته الجنة، وذلك أنه قال فيه: "عُرضت على النبي ﷺ النارُ، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضا، وإذا رجع عُرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلّاه"، ولمسلم من حديث جابر: "لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخّرت، مخافة أن يصيبني من لَفْحها"، وفيه "ثم جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدّمت، حتى قمت في مقامي"، وزاد فيه: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه"، وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: "لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم".
(فَلَمْ أَرَ كالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ) "منظرًا" تمييز محول عن المضاف، أي كمنظر اليوم، والمراد باليوم الوقَت، فالمعنى: كالمنظر الذي رأيته الآن.
ولفظ البخاري: "فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع". قال في "الفتح": المراد باليوم الوقت الذي هو فيه، أي لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئيّ، وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبعده عن المنظر المألوف. وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرا. ووقع في رواية المستملي، والحموي: "فلم أنظر كاليوم قط أفظع". انتهى.
(وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النًسَاءَ) قال الحافظ: هذا يفسّر وقتَ الرؤية في قوله لهنّ في خطبة العيد: "تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار" انتهى.
قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: فيما قاله نظر، إذ لا يتعيّن هذا تفسيرًا لما ذكره، إذ يحتمل أن يراهن في وقت آخر أيضًا، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالُوا: لِمَ) وفي نسخة "بم" (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "بِكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ" يَكفُرْنَ باللهِ؟) القائل هي أسماء بنت يزيد بن السكن التي كانت تعرف بخطيبة النساء (قَال: "يكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أي الزوج، قال الكرماني ﵀: ولم يُعدّه بالباء، كما عدّى الكفر باللَّه, لأن
стр. 9739
كفر العشير لا يتضمّن معنى الاعتراف (وَيَكفُرْنَ الإِحْسَانَ) كانه بيان لقوله: "يكفرن العشير" لأن المقصود كفر إحسان العشير، لا كفران ذاته، والمراد بكفر "الإحسان تغطيته، أو جحده، ويدل عليه آخر الحديث (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) بيان للتغطية المذكورة، و"لو" هنا شرطية، لا امتناعية، وقال الكرمانيّ: ويحتمل أن تكون امتناعيةً بان يكون الحكم ثابتًا على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور، و"الدهرَ" منصوب على الظرفية، والمراد منه عمر الرجل، أو الزمان كله، مبالغة في كفرانهنّ، وليس المراد بقوله: "أحسنت" مخطابة رجل بعينه، بل كلّ من يتأتّى منه أن يكون مخاطبًا، فهو خاصّ لفظًا، عامّ معنى (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) التنوين فيه للتقلمل، أي شيئًا قليلًا لا يوافق غرضها، من أي نوع كان.
ووقع في حديث جابر ﵁ ما يدل على أن المرئيّ في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة ذُكرتْ، ولفظه: "وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن ائتُمنّ أفشين، وإن سُئلن بخِلنَ، وإن سألن ألْحَفْنَ، وإن أعطين لم يشكرن … " الحديث.
(قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) الظاهر أن التنوين في "خيرًا" أيضًا للتقليل، أي لم أر منك قليلًا من الخير .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٧/ ١٤٩٣ - وفي "الكبرى" ١٧/ ١٨٧٨ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ١٤ و١/ ١١٨ و ٢/ ٤٥ و١/ ١٩٠ و ٤/ ١٣٢ و ٧/ ٣٩ (م) ٣/ ٣٣ و ٣/ ٣٤ (د) ١١٨٩ (مالك في الموطإ) ١٣٢ (أحمد) ١/ ٢٩٨ و ١/ ٣٥٨ (الدارمي) ١٥٣٦ (ابن خزيمة) ١٣٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده غير ما تقدّم:
(منها): المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يُحذر منه، واستدفاعُ البلاء بذكر اللَّه تعالى، وأنواع طاعته (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبي ﷺ (ومنها): ما كان عليه من نصح أمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم (ومنها): مراجعة المتعلّم
стр. 9740
للعالم فيما لا يدركه فهمُهُ، وجواز الاستفهام عن علّة الحكم، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه (ومنها): تحريم كفران الحقوق، ووجوب شكر المنعم (ومنها) أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان اليوم (ومنها): جواز إطلاق اسم الكفر على ما لا يُخرِج من الملّة (ومنها): تعذيب أهل التوحيد على المعاصي (ومنها): جواز العمل في الصلاة، إذا لم يكثر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
١٨ - (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ)
١٤٩٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ, أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ, وَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ, كُلَّمَا رَفَعَ رَأْسَهُ, قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم في ١١/ ١٤٧٣ - سندا ومتنًا، إلا أن شيخ الوليد هناك هو الأوزاعيّ، وهنا عبد الرحمن بن نمر الشامي، وفي دلالته على الترجمة واضحة، حيث صُرّح فيه بأن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وفيه اختلاف بين العلماء:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في الجهر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس:
فقال طائفة: يجهر بالقراءة فيها، فممن رَوينا عنه أنه جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس علي بن أبي طالب، وفعل ذلك عبد اللَّه بن يزيد، وبحضرته البراء بن عازب، وزيد بن اْرقم، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: لا يجهر في كسوف الشمس بالقراءة، هذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واحتجّ مالك، والشافعيّ بحديث ابن عباس ﵄ المذكور في الباب الماضي، حيث قال: "قرأ نحوا من سورة البقرة"، إذ لو كان النبي ﷺ جهر بالقراءة
стр. 9741
لأخبر ابن عباس بالذي قرأه، ولا يحتاج أن يقدّر بنحو سورة البقرة.
واحتجّ من رأى الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف بأن الذي احتجّ به مالك، والشافعيّ حجة لو لم يأت غيره، وعائشة تخبر أنه جهر بالقراءة، فقبول خبرها أولى، لأنها في معنى شاهد، فقبول شهادتها يجب، والذي لم يحك الجهر في معنى نافٍ، وليس بشاهد، وقد يجوز أن يكون ابن عباس من الصفوف بحيث لم يسمع قراءة النبي ﷺ ، فقدّر ذلك بغيره، وتكون عائشة سمعت الجهر، فأدّت ما سمعت.
وقال إسحاق: لو لم يأت في ذلك سنة لكان الجهرُ أشبه الأمر، تشبيهًا بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وكل ذلك نهارًا، قال: وأما كسوف القمر فقد أجمعوا على الجهر في صلاته, لأن قراءة الليل على الجهر.
قال ابن المنذر: بهذا أقول، يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس والقمر. انتهى كلام ابن المنذر بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- من مشروعية الجهر بالقراءة هو الحقّ عندي؛ لصحة حديث الباب، وليس للقائلين بعدم الجهر دليل صريح صحيح، فحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - عرفت تأويله آنفًا، وحديث سمرة ﵁ الآتي في الباب التالي غير صحيح، وعلى تقدير صحته فهو مثل حديث ابن عباس ﵄، وذلك أن يُحمل على أنه نَفَى عدمَ سماعه لقراة النبي ﷺ لبعده، ولا يلزم من ذلك عدم جهره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
١٩ - (تَرْكُ الْجَهْرِ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ)
١٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّادٍ, رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ, عَنْ سَمُرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ, لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا).
стр. 9742
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف، وقد تقدم في ١٥/ ١٤٨٤ وتقدم الكلام على ضعفه، فلا يكون دليلًا لما ترجم له المصنف، وعلى تقدير صحته، يحمل على أنهم لم يسمعوا قراءته لبعدهم، لا لعدم جهره، فتنبه.
والحاصل أن الراجح هو ما دل عليه حديث عائشة ﵂ المذكور في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
و"ابن عباد" بكسر العين، وتخفيف الباء الموحدة هو ثعلبة بن عباد مجهول، كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٢٠ - (بَابُ الْقَوْلِ فِي السُّجُودِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالقول الذكر، أي باب مشروعية الذكر في صلاة الكسوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٤٩٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ, قَالَ: شُعْبَةُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي السُّجُودِ نَحْوَ ذَلِكَ, وَجَعَلَ يَبْكِي فِي سُجُودِهِ وَيَنْفُخُ, وَيَقُولُ: «رَبِّ لَمْ تَعِدْنِي هَذَا, وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ, لَمْ تَعِدْنِي هَذَا, وَأَنَا فِيهِمْ» , فَلَمَّا صَلَّى, قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ, حَتَّى لَوْ مَدَدْتُ يَدِي, تَنَاوَلْتُ مِنْ قُطُوفِهَا, وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ, فَجَعَلْتُ أَنْفُخُ, خَشْيَةَ أَنْ يَغْشَاكُمْ حَرُّهَا, وَرَأَيْتُ فِيهَا سَارِقَ بَدَنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَرَأَيْتُ فِيهَا أَخَا بَنِي دُعْدُعٍ, سَارِقَ الْحَجِيجِ, فَإِذَا فُطِنَ لَهُ, قَالَ: هَذَا عَمَلُ الْمِحْجَنِ, وَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً, طَوِيلَةً سَوْدَاءَ, تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ, رَبَطَتْهَا, فَلَمْ تُطْعِمْهَا, وَلَمْ تَسْقِهَا, وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ, حَتَّى مَاتَتْ, وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, فَإِذَا انْكَسَفَتْ إِحْدَاهُمَا" أَوْ قَالَ: "فَعَلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ, فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ, ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم في ١٤/ ١٤٨٣ - وتقدّم
стр. 9743
شرحه/ والكلام عدى مسائله مستوفًى هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "قال شعبة الخ" يعني أن شعبة قال: إن عطاء ذكر في حديثه من إطالة السجود نحو ما ذكره في الركوع.
وقوله: "يبكي في سجوده، وينفخ" أي تأسّفا على حال أمته لما رأى في ذلك الموقف من الأمور العظام، حتى النار، فخاف عليهم.
وقوله: "رب لم تعدني الخ" هذا محل الترجمة، حيث إنه بيّن ما قاله النبي ﷺ في حال سجوده في صلاة الكسوف، فيدلّ على مشروعية الدعاء، والتضرّع إلى اللَّه تعالى فيها.
وقوله: "أو قال: فعل أحدهما الخ" شكّ من الراوي، أي إذا فعل أحد القمرين شيئًا مما ذكر، يعني أن أحدهما حصل له شيء من الانكساف، فاسعوا إلى ذكر اللَّه، أي بادروا إلى ذكر اللَّه . وذكر اللَّه يعم الصلاة، والدعاء، والاستغفار ونحوها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٢١ - (بَابُ التَّشَهُّدِ، وَالتَّسْلِيمِ، فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ)
١٤٩٧ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, عَنِ الْوَلِيدِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ, أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ, عَنْ سُنَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ, فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً, فَنَادَى أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً, فَاجْتَمَعَ النَّاسُ, فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَكَبَّرَ, ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً, ثُمَّ كَبَّرَ, فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, مِثْلَ قِيَامِهِ أَوْ أَطْوَلَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, وَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» , ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً, هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى, ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» , ثُمَّ كَبَّرَ, فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً, مِثْلَ رُكُوعِهِ, أَوْ أَطْوَلَ, ثُمَّ كَبَّرَ, فَرَفَعَ رَأْسَهُ, ثُمَّ كَبَّرَ, فَسَجَدَ, ثُمَّ كَبَّرَ, فَقَامَ, فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلةً, هِيَ أَدْنَى مِنَ الأُولَى, ثُمَّ كَبَّرَ, ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, هُوَ أَدْنَى
стр. 9744
مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» , ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً, وَهِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةَ الأُولَى, فِي الْقِيَامِ الثَّانِي, ثُمَّ كَبَّرَ, فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ كَبَّرَ, فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» , ثُمَّ كَبَّرَ, فَسَجَدَ أَدْنَى مِنْ سُجُودِهِ الأَوَّلِ, ثُمَّ تَشَهَّدَ, ثُمَّ سَلَّمَ, فَقَامَ فِيهِمْ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ:: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, فَأَيُّهُمَا خُسِفَ بِهِ, أَوْ بِأَحَدِهِمَا, فَافْزَعُوا إِلَى اللَّهِ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، تقدم شرحه غير مرّة.
و"الوليد" هو ابن مسلم الدمشقي. وعبد الرحمن بن نمر: هو أبو عمرو اليحصبي الدمشقي، ثقة، لم يرو عنه غير الوليد [٨].
وقوله: "عن سنة صلاة الكسوف"، أي عفا يُسنّ فيها. وقوله: "فقال: سمع اللَّه لمن حمده"، أي مع "ربنا ولك الحمد"، كما تقدم في حديث عائشة ﵂ -١١/ ١٤٧٢.
وقوله: "بذكر الصلاة" وفي نسخة بالصلاة، وهي أوضح، والإضافة على الأول بيانيّة، أي بذكر هو الصلاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٩٨ أ- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ, عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ, قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكُسُوفِ, فَقَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ رَفَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ قَامَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, ثُمَّ رَفَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ رَفَعَ, ثُمَّ سَجَدَ, فَأَطَالَ السُّجُودَ, ثُمَّ رَفَعَ, ثُمَّ انْصَرَفَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجاني نزيل بغداد، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (موسى بن داود) الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الطَّرَسُوسيّ، نزيل بغداد، صدوق فقيه زاهد، له أوهام، من صغار [٩] ٦٤/ ٩٨٥.
٣ - (ناِفع بن عمر) بن عبد اللَّه بن جمَيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمُح الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة ثبت، من كبار [٧].
روى عن ابن أبي مليكة، وسعيد بن أبي هند، وبشر بن عاصم، وغيرهم. وعنه ابن
стр. 9745
مهديّ ووكيع، ويحيى القطان، وموسى بن داود، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: كان من أثبت الناس. وقال أبو طالب، عن أحمد: ثبت ثبت صحيح الكتاب. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: نافع بن عمر أثبت من عبد اللَّه بن مؤمل. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: هو أحبّ إليّ من عبد الجبّار بن الورد، وهو أصحّ حديثًا، وهو في الثقات (١) ثقة. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت: يُحتجّ به؟ قال: نعم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بفخّ سنة (٢٦٩) وقال ابن سعد، عن شهاب بن عباد: مات بمكة سنة (٢٦٩) وكان ثقة قليل الحديث، فيه شيء. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و ٥٢٢١ حديث: "لا تصحب الملائكة ركبًا معهم جُلْجُل … "، وأعاده برقم ٥٢٢٤ و٥٢٢٥ و٥٤٢٧ حديث: "قضى أنَّ اليمين على المدعى عليه … " الحديث.
٤ - (ابن أبي مليكة) عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢.
٥ - (أسماء بنت أبي بكر) الصديق ﵂ -١٨٥/ ٢٩٣.
وشرح الحديث يعلم من شرح حديث عائشة ﵂ وغيره، ومطابقته للترجمة في قوله: "ثم انصرف" لأن معناه سلّم من الصلاة، فهو دليل للجزء الثاني من الترجمة.
وهو حديث متّفق عليه، أخرجه المصنف هنا -٢١/ ٤٩٨١ - وفي "الكبرى"٢١/ ١٨٨٥ - بالإسناد المذكور، وأخرجه (خ) ١/ ١٨٩و ٣/ ١٤٧ (م) في "الكسوف" ١٥٠٩ (ق) ١٢٦٥ (أحمد) ٦/ ٣٥٥ و ٦/ ٣٥١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
стр. 9746
٢٢ - (بَابُ الْقُعُودِ عَلَى الْمِنْبَرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ)
١٤٩٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, أَنَّ عَمْرَةَ حَدَّثَتْهُ, أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مَخْرَجًا, فَخُسِفَ بِالشَّمْسِ, فَخَرَجْنَا إِلَى الْحُجْرَةِ, فَاجْتَمَعَ إِلَيْنَا نِسَاءٌ, وَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَذَلِكَ ضَحْوَةً, فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً, ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَامَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ دُونَ رُكُوعِهِ, ثُمَّ سَجَدَ, ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ, فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ, إِلاَّ أَنَّ قِيَامَهُ, وَرُكُوعَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ الأُولَى, ثُمَّ سَجَدَ, وَتَجَلَّتِ الشَّمْسُ, فَلَمَّا انْصَرَفَ, قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ, فَقَالَ فِيمَا يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ, كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ». مُخْتَصَرٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم في ١١/ ١٤٧٥ - سندًا ومتنًا، ورجاله كلهم رجال الصحيح، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله مستوفى هناك، فراجعه، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
قوله: "فقال فيما يقول الخ" أي قال النبي ﷺ في جملة الأقوال التي قالها في ذلك المقام، فالجارّ والمجرور متعلق بـ "قال"، وجملة: "إن الناس يُفتنون" ببناء الفعل للمفعول مقول القول، ومعنى فتنتهم اختبارهم بالسؤال، فيقال: "ما علمك بهذا الرجل؟ ".
وقوله: "مختصر" خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وتقدم بطوله في الباب المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٢٣ - (بَابٌ كَيْفَ الْخُطْبَةُ فِي الْكُسُوفِ؟)
١٥١١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ,
стр. 9747
فَصَلَّى, فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا, وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ سَجَدَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَفَعَ, فَأَطَالَ الْقِيَامَ, وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ, ثُمَّ رَكَعَ, فَأَطَالَ الرُّكُوعَ, وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ, ثُمَّ سَجَدَ, فَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ, وَقَدْ جُلِّىَ عَنِ الشَّمْسِ, فَخَطَبَ النَّاسَ, فَحَمِدَ اللَّهَ, وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ, فَصَلُّوا, وَتَصَدَّقُوا, وَاذْكُرُوا اللَّهَ » , وَقَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ, إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ, مِنَ اللَّهِ , أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ أَمَتُهُ, يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ, لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ, لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً, وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، ورجاله عندهم رجال الصحيح، وقد تقدم ١١/ ١٤٧٤ واستوفيت شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
ودلالته على الترجمة واضحة، حيث بيّن فيه كيفية خطبة النبي ﷺ في الكسوف، وفيه اختلاف بين أهل العلم:
قال في "الفتح: اختُلف في الخطبة فيه، فاستحبّها الشافعيّ، وإسحاق، وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة؟ لم يبلغنا عن أحمد ذلك، وقال صاحب "الهداية" من الحنفيّة: ليس في الكسوف خطبة, لأنه لم يُنقل. وتُعُقّب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكيّة أن لا خطبة لها، مع أن مالكًا روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم بأنه ﷺ -لم يقصد لها خطبةً بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الردّ على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس.
وتعقّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد، والثناء، والموعظة، وغير ذلك، مما تضمّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل.
وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور، وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معيّن، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها، من الحمد، والثناء، والموعظة، وجميعُ ما ذكر من سبب الكسوف، وغيره هو مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبي ﷺ ، فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف.
نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنيّر في "حاشيته"، وردّ على
стр. 9748
من أنكر أصل الخطبة؛ لثبوت ذلك صريحا في الأحاديث، وذكر أن بعض أصحابهم احتجّ على ترك الخطبة بأنه لم يُنقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيّفه بأن المنبر ليس شرطًا، ثم لا يلزم من أنه لم يُذكر أنه لم يقع انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله ابن قدامة، ونحا إليه ابن المنيّر رحمهما اللَّه هو الصواب عندي، فيستحبّ للإمام أن يخطب خطبة واحدة، كما خطب النبي ﷺ ، وأما كونها خطبتين كالجمعة والعيدين فليس عليه دليل، فلا ينبغي أن يفعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٥٠١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ:: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عِبَادٍ, عَنْ سَمُرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , خَطَبَ حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدم ١٥/ ١٤٨٤، وتقدم أنه ضعيف لجهالة ثعلبة بن عِبَاد -بكسر العين، وتخفيف الباء- فراجعه هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيق إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٢٤ - (الأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي الْكُسُوفِ)
١٥٠٢ أ- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ , فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَقَامَ إِلَى الْمَسْجِدِ, يَجُرُّ رِدَاءَهُ, مِنَ الْعَجَلَةِ, فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, كَمَا يُصَلُّونَ, فَلَمَّا انْجَلَتْ خَطَبَنَا, فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ, يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ, وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهِمَا, فَصَلُّوا, وَادْعُوا, حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاري، وتقدّم في ١/ ١٤٥٩ - ومضى مستوفى شرحه وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 9749
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٢٥ - (الأَمْرُ بِالاسْتِغْفَارِ فِي الْكُسُوفِ)
١٥٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ, عَنْ أَبِي أُسَامَةَ, عَنْ بُرَيْدٍ, عَنْ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ, فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا, يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ, فَقَامَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ, فَقَامَ يُصَلِّي, بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ, مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ قَطُّ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الآيَاتِ, الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِهِ, وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا, يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ, فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا, فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ, وَدُعَائِهِ, وَاسْتِغْفَارِهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (موسى بن عبد الرحمن) بن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ، أبو عيسى الكوفي، ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢.
٣ - (بُريد) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو بردة الكوفي، ثقة يخطئ قليلًا [٦].
روى عن جدّه، والحسن البصريّ، وعطاء، وغيرهم. وعنه السفيانان، وأبو أسامة، وابن المبارك، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكتب حديثه. وقال عمرو بن عليّ: لم أسمع يحيى، ولا عبد الرحمن يُحدّثان عن سفيان، عنه بشيء قط.
وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أيضًا في "الضعفاء": ليس بذاك القويّ. وقال أحمد ابن حنبل: يروي مناكير، وطلحة بن يحيى أحبُ إليّ منه. وقال الترمذي في "جامعه": وبُريد كوفي ثقة في الحديث، روى عنه شعبة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وقال ابن حبّان في "الثقات": يُخطىء. وقال ابن عديّ: روى عنه الأئمة، ولم يرو عنه
стр. 9750
أحد أكثر من أبي أسامة، وأحاديثه عنه مستقيمة، وهو صدوق، وأنكرُ ما روى حديث: "إذا أرد اللَّه بأمة خيرًا قبض نبيها قبلها"، قال: وهذا طريق حسن، رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم (١)، وأرجو أن لا يكون به بأس. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث هذا، والأحاديث الآتية برقم ٢٥٥٦ و ٢٥٦٠ و ٤٩١٢.
٤ - (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعريّ، اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.
٥ - (أبو موسى) الأشعري عبد اللَّه بن قيس الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعري - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النبي ﷺ فَزِعًا) بكسر الزاي، صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أنه مصدر بمعنى الصفة، قاله في "الفتح" (يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ) بالرفع على أن "تكون" تامة، أي يخشى أن تحضر الساعة، أو ناقصة، و"الساعة" اسمها، والخبر محذوف، أو العكس.
قال في "الفتح": قيل: وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظنّ من شاهد الحال, لأن سبب الفزع يخفى عن الْمُشاهِد لصورة الفزع، فيحتمل أن يكون الفزع لغير ما ذكر، فعلى هذا، فيشكل الحديث من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة، لم تكن وقعت، كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثم الأشراط، كطلوع الشمس من مغربها، والدابّة، والدجّال، والدخان، وغير ذلك.
ويجاب عن هذا باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبي ﷺ بهذه العلامات، أو لعلّه خشي أن يكون ذلك بعض المقدّمات، أو أن الراوي ظنّ أن الخشية لذلك، وكانت لغيره، كعقوبة تحدث، كما كان يخشى عند هبوب الريح.
هذا حاصل ما ذكره النووي تبعا لغيره، وزاد بعضهم أن المراد بالساعة غير القيامة، أي الساعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور، كموته ﷺ ، أو غير ذلك.
стр. 9751
وفي الأول نظر, لأن قصة الكسوف متأخرة جدًا، فقد تقدّم أن موت إبراهيم كان في العاشر، كما اتفق عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبي ﷺ بكثير من الأشراط، والحوادث قبل ذلك.
وأما الثالث فتحسين الظنّ بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف.
وأما الرابع، فلا يخفى بُعْدُه. وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط، كطلوع الشمس من مغربها, ولا يستحيل أن يتخلّل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء، مما ذكر، وتقع متتالية، بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ الآية [النحل: ٧٧].
قال الحافظ: ثم ظهر لي أنه يحتمل أن يُخرّج على مسألة دخول النسخ في الأخبار، فإذا قيل بجواز ذلك زال الإشكال.
وقيل: لعله قدّر وقوع الممكن لولا ما أعلمه اللَّه تعالى بأنه لا يقع قبل الأشراط، تعظيما منه لأمر الكسوف، ليتبيّن لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى، ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط، أو أكثرها.
وقيل: لعلّ حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط، لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط، لم يتقدّم ذكره، فيقع المخوف بغير أشراط، لفقد الشرط، واللَّه سبحانه، وتعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأخير أقرب، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَامَ حَتى أَتَى الْمَسْجدَ، فَقَامَ يُصَلِّي، بأَطوَلِ قِيَام وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ، الَّتِي يُرْسِلُ اَللهُ) بحَذف العائد المنصوب، وهو جائز، أي يرسلها اللَّه تعالى (لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ) وقوله: (وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا، يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ) موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا) أي الجئوا (إِلَى ذِكْرِهِ) الضمير يعود على اللَّه تعالى في قوله: "يخوف بها عباده" (وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ") هذا محلّ الترجمة، وفيه الندب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره, لأنه مما يُدفع به البلاء.
واستدلّ بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك لا يختصّ بالكسوفين؛ لأن الآيات أعمّ من ذلك.
قال الحافظ ﵀: ولم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبّها
стр. 9752
عند كلّ آية. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ ﵀: حسن جدًا.
وحاصله أنه ينبغي المبادرة عند رؤية الآيات إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وأما أن يُصلَّى لها على صفة صلاة الكسوف، فلا؛ لعدم الدليل على ذلك .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي موسى - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٥٠٣ - وفي "الكبرى" ٢٥١٨٩٠ بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٤٨ (م) ٣/ ٣٥ (ابن خزيمة) ١٣٧١. وفوائده تقدّمت غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
١٦ - كِتَابُ الاسْتِسْقَاءِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاستسقاء" لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعًا طلبه من اللَّه تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
قال الجزري في "النهاية": هو استفعال من طلب السقيا، أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى اللَّه عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا -بالضمّ-، واستسقيت فلانًا: إذا طلبت منه أن يسقيك انتهى.
وقال النووي في "المجموع": والاستسقاء طلب السُّقْيَا، ويقال: سَقَى، وأسقى لغتان بمعنى، وقيل: سقى: ناوله ليشرب، وأسقيته: جعلت له سُقْيا انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 9753
١ - مَتَى يَسْتَسْقِي الإِمَامُ
١٥٠٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي, وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ, فَادْعُ اللَّهَ . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ, فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ, وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ, وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ, وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» , فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - (مالك) بن الإمام الحجة الفقيه المشهور المدني تقدم [٧] ٧/ ٧.
٣ - (شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر) المدني صدوق يخطئ [٥] تقدم ٥٢/ ٢٩٠.
٤ - (أنس بن مالك) ﵁ تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (٨٨) من رباعيات الكتاب .. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في حديث أنس، وروى أحمد عن كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر به هذا المبهم بأنه كعب المذكور، وللبيهقي مرسلا ما يمكن أن يفسر به بأنه خارجة بن حصن الفزاريّ، لكن رواه ابن ماجه عن شُرّحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرّة: يا كعب حدثنا عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه استسقي اللَّه، فرفع يديه، فقال: "اللهم اسقنا … " ففي هذا أنه غير كعب، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس أنه أعرابي، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن أنس: أتى رجل أعرابي من أهل البادية.
стр. 9754
ولا يعارض هذا قول ثابت عن أنس: فقام الناس، فصاحوا، لاحتمال أنهم سألوا بعد أن سأل الرجل، أو نسب إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من دعائه ﷺ ، ولأحمد عن ثابت، عن أنس: إذ قال بعض أهل المسجد، وهو يرجّح الاحتمال الأول، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، وهو وهم, لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه، وينفي زعمه قوله: يا رسول اللَّه, لأنه لا يقولها قبل إسلامه (١) (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية سعيد المقبري الآتية، عن شريك، عن أنس "بينما نحن في المسجد يوم الجمعة، ورسول اللَّه ﷺ يخطب الناس، فقام رجل، فقال: يا رسول اللَّه … "، وفي رواية ثابت الآتية، عن أنس: "كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس، فصاحوا، فقالوا: يا نبي اللَّه قحط المطر، وهلكت البهائم … " (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي) لعدم وجود ما تعيش به من الأقوات لحبس المطر، وفي رواية "الأموال"، والمراد بها هنا المواشي، لا الصامت، وفي لفظ "الكراع" بضم الكاف الخيل وغيرها، وفي رواية يحيى بن سعيد "هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس"، وهو من العامّ بعد الخاص (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) بضمتين جمع سبيل: الطرق, لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلإ ما يُقيم أَوَدَها، وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من الطعام، أو قلّته، فلا يجلبون ما يجلبونه من الأسواق.
وفي رواية قتادة، عن أنس "قحط المطر" بفتح القاف والحاء، وحكي بضم، فكسر، وفي رواية ثابت: "واحمرّت الشجر" كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء، أو لانتثاره، فيصير الشجر أعوادًا بلا ورق، ولأحمد في رواية قتادة: "وأمحلت الأرض"، وهذه الألفاظ يحتمل أن الرجل قالها كلها، ويحتمل أن بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمعنى، فإنها متقاربة، فلا يكون غلطًا، كما قاله صاحب "المطالع" وغيره (٢) (فَادْعُ اللهَ ) وفي الرواية الآتية -٩/ ١٥١٥ - : "فادع اللَّه أن يسقينا"، وفي -١٠/ ١٥١٨ - "فادع اللَّه أن يُغيثنا" (فَدَعَا رَسُولُ اللَّهُ ﷺ ) وفي المذكورة: "فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه حذاء وجهه، فقال: اللهم اسقنا" (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرت السماء تمطُرُ مَطَرًا، من باب طلب، فهي ماطرة في الرحمة، وأمطرت بالألف لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ البَقْلُ، وأنبت، كما يقال: مطرف السماء، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، ثم سمي القطر بالمصدر، وجمعه أمطار، مثل سبب وأسباب. (٣) وفي
стр. 9755
رواية إسماعيل بن جعفر، عن أنس الآتية: قال أنس: ولا واللَّه ما نرى في السماء من سحابة، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت، ودار، فطلعت سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وأمطرت، قال أنس: ولا واللَّه ما رأينا الشمس سبتًا … " (مِنَ الْجُمُعَةِ اِلَى الْجُمُعَةِ) أي المقبلة، والمراد الأسبوع كله (فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ظاهره أنه رجل آخر؛ لأن القاعدة أن النكرة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى، قال في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَة … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
نَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
ويؤيد التغاير ما يأتي في الرواية الآتية -١٠/ ١٥١٨ - قال شريك: سألت أنسا أهو الرجل الأول؟ قال: لا، لكن في رواية البخاري: فقال: لا أدري.
قال في "الفتح": وهو يقتضي أن أنسالم يجزم بالتغاير، فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب, لأن أنسًا من أهل اللسان، وقد تعددت، وفي رواية إسحاق عن أنس "فقام ذلك الرجل أو غيره"، وكذا لقتادة، وهذا يقتضي أنه كان يشك فيه، وفي رواية يحيى بن سعيد عن أنس: "فأتى الرجل، فقال: يا رسول اللَّه"، وكلها عند البخاريّ، ومثله لأبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى"، وأصله في مسلم. وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، فلعلّ أنسًا تذكّره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكره.
ويؤيد ذلك رواية البيهقي في "الدلائل" من طريق يزيد بن عبيد السلمي قال: "لما قفل رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلًا، وفيهم خارجة ابن حصن أخو عيينة، وفيه: قدموا عدى إبل صغار عجاف … ، فقالوا: يا رسول اللَّه ادع لنا ربك أن يغيثنا … فذكر الحديث، وفيه: فقال: "اللهم اسق بلدك، وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئًا طبقا واسعًا عاجلا غير آجل نافعًا غير ضارّ، اللَّهمّ سُقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء"، وفيه "قال: فلا واللَّه ما نرى في السماء من قزعة، ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء"، فذكر الحديث نحو حديث أنس بتمامه، وفيه "قال الرجل -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم-: هلكت الأموال" الحديث (١).
стр. 9756
والظاهر أن السائل هو خارجة المذكور لكونه كان كبير الوفد، ولذلك سمي من بينهم. واللَّه أعلم انتهى ما في "الفتح" بتصرف (١).
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تهدَّمَتِ الْبُيُوتُ) أي بكثرة الأمطار، وفي رواية إسحاق: "هُدم البناء، وغرق المال" (وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ) أي لتعذر سلوكها من كثرة الماء، وفي رواية حميد عند ابن خزيمة: "واحتبس الركبان" (وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي) أي بسببٍ غيرِ السبب الأول، والمراد أن المرعى انقطعت بسبب كثرة الماء، فهلكت المواشي من عدم الشرعي، أو لعدم ما يُكِنُّها من المطر، ويدلّ على هذا ما يأتي من طريق سعيد المقبري، عن شريك -٩/ ١٥١٥ - وهلكت الأموال من كثرة الماء" (فَقَالَ) أي النبي ﷺ ، وفي رواية ثابت الآتية عن أنس: "فتبسم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: اللهم حوالينا, ولا علينا … "، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية أيضًا عن شريك: "فرفع رسول اللَّه ﷺ يديه" (اللهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الْجبَالِ) أي أنزل المطر على رؤوس الجبال التي لا يتضرر فيها أحد (والآكَامِ) بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمدّ، جمع أكمة بفتحات، قال ابن البَرْقيّ: هو التراب المجتمع، وقال الداوديّ: هي أكبر من الكُدْية، وقال القزّاز: هي التي من حجر واحد، وهو قول الخليل، وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير, وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية، وقيل: دونها (٢) (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ) جمع واد، وهو -كما قال الفيومي-: كلّ منفرج بين جبال، أو آكام يكون مَنفَذًا للسيل (٣) وقال في "الفتح": والمراد بها ما يتحصّل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولم تُسمَع "أفعلة" جمعَ "فاعل" إلا "الأودية"، جمع "واد"، وفيه نظر، وزاد مالك في روايته: "ورؤوس الجبال" (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) جمع منبت بكسر الموحدة، أي ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه, لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر، أي أنزله في المحل الذي تنتفع به النبات (فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينهِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ) قال في "النهاية": أي خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وقال الزركشي: "انجياب" نصب على المصدر، أي تقطعت كما يتقطع الثوب قطعًا متفرّقة انتهى (٤). وفي "المنتقى" قال ابن القاسم: قال مالك: معناه تَدَوَّرَتْ عن المدينة كما يُدَوَّرُ جيبُ القميص، وقال ابن وهب: يعني تقطعت عنها كما يتقطع الثوب الخلق انتهى.
стр. 9757
وفي رواية سعيد المقبريّ الآتية، عن شريك، عن أنس قال: "واللَّه ما هو إلا أن تكلم رسول اللَّه ﷺ بذلك تمزّق السحاب حتى ما نرى منه شيئًا"، أي في المدينة، وفي رواية ثابت، عن أنس: "فتقشعت عن المدينة، فجعلت تمطر حولها، وما تمطر بالمدينة قطرة … "، ولمسلم "ولقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا يُطوى" بضم الميم والقصر، وقد يمدّ جمع ملاءة ثوب معروف، وللبخاريّ "فلقد رأيت السحاب يتقطّع يمينا وشمالًا، يُمطرون أهل النواحي، ولا يمطر أهل المدينة"، وله أيضًا "فجعل السحاب يتصدّع عن المدينة، يريهم اللَّه كرامة نبيه ﷺ ، وإجابة دعوته"، وله أيضًا "فتكشطت، فجعلت تمطر حول المدينة، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل"، ولأحمد "فتقوّر ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل"، والإكليل بكسر الهمزة، وسكون الكاف: كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس، فيحيط به، وهو من ملامس الملك كالتاج، وفي رواية إسحاق عن أنس "فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة"، و"الجوبة" بفتح الجيم، ثم الموحّدة، وهي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب.
وقال الخطابي: المراد بالجوبة هنا الترس، وضبطها الزين ابن المنيّر تبعًا لغيره بنون بدل الموحدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خلال السحاب، لكن جزم عياض بان من قاله بالنون فقد صحّف.
وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضًا: "وسال الوادي وادي قناة شهرًا"، و"قناة" بفتح القاف والنون الخفيفة عَلَمٌ على أرض ذات مزارع بناحية أحد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة قاله الحازمي.
واستشكل بأن بقاء المطر فيما سواها يقتضي أنه لم يرتفع الإهلاك، والقطع، وهو مطلوب السائل بقوله: "تهدمت البيوت، وانقطعت السبل".
والجواب أنه استمر فيما حول المدينة من الآكام، وبطون الأودية، لا في الطرق المسلوكة، ولا البيوت المسكونة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير، ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للمواشي أماكن تسكنها، وترعى فيها بحيث لا يضرّها ذلك المطر .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 9758
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا - ١/ ١٥٠٤ وفي "الكبرى" ١/ ١٨٠٥ - بهذا السند، وفي ٩/ ١٥١٥ - و"الكبرى" ٨/ ١٨١٨ - عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن شريك به. وفي-١٠/ ١٥١٦ - و"الكبرى" ٩/ ١٨٢٣ - عن محمد بن بشار، عن المغيرة ابن سلمة، عن وهيب، عن يحيى بن سعيد، عنه. وفي ١٠/ ١٥١٨ - عن علي بن حُجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن شريك به. وفي -١٧/ ١٥٢٧ - و"الكبرى" ١٥/ ١٨٣٨ - عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عنه.
وأخرجه (خ) ٢/ ١٥ و ٤/ و ٢/ ٣٥ و ٢٣٦و ٢/ ٣٦و ٢/ ٣٧. (م) ٣/ ٢٤ و ٣/ ٢٥ (د) ١١٧٥. (مالك) في "الموطإ" ١٣٥ (أحمد) ٣/ ٢٥٧ و ٣/ ١٩٤ و (عبد بن حميد) ١٢٨٢ (ابن خزيمة) ١٧٨٨ و ١٧٨٩. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده (١):
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استسقاء الإمام إذا طلب الناس ذلك منه. (ومنها): طلب الناس من الإمام أن يستسقي لهم إذا حصل الجدب والقحط. (ومنها): قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة لأنهم كانوا يسلكون مسلك الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس ﵁: "كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول اللَّه ﷺ … " (ومنها): طلب الدعاء من أهل الخير، ومن يرجى منه القبول، وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بث الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقّة المقتضية لصحة التوجه، فترجى الإجابة عنده. (ومنها): تكرير الدعاء ثلاثًا (ومنها): إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال القبلة (ومنها) الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلّ على أنه نواها مع الجمعة (ومنها): أن فيه علما من أعلام النبوّة في إجابة اللَّه دعاء نبيه ﷺ عقبه، أو معه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرّد الإشارة (ومنها): الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقًا، لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر، وإبقاء النفع، فيستنبط منه أن من أنعم اللَّه عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل اللَّه رفع ذلك العارض، وإبقاء
стр. 9759
النعمة (ومنها): أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل (ومنها): جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجبًا، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك، وفيه اليمين لتأكيد الكلام (ومنها): جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، ولكن هذا لا ينافي ما ثبت من الصلاة لها، فلا يكون دليلا لأبي حنيفة في عدم مشروعية الصلاة لها، كما سيأتي في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٢ - (خُرُوجُ الإِمَامِ إِلَى الْمُصَلَّى لِلاسْتِسْقَاءِ)
١٥٠٥ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, قَالَ سُفْيَانُ: فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ, فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, يُحَدِّثُ أَبِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ, قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي, فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ, وَقَلَبَ رِدَاءَهُ, وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا غَلَطٌ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ, وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المثبت [١٠] تقدم ١/ ١.
٣ - (المسعوديّ) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الكوفي، صدوق اختلط قبل موته، فمن سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط [٧] تقدم ٥٠/ ٨٤٩.
٤ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة [٥]
стр. 9760
تقدم ١١٨/ ١٦٣.
٥ - (أبو بكر بن عمرو بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، نسب لجده الأنصاريّ النجّاريّ المدني القاضي، اسمه كنيته، ثقة عابد [٥] تقدم ١١٨/ ١٦٣.
٦ - (عباد بن تميم) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣] تقدم ٥٩/ ٧٤.
٧ - (عبد اللَّه بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، روى صفة الوضوء، وغير ذلك, ويقال: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذّاب، واستُشهِد بالحرّة سنة (٦٣)، وتقدمت ترجمته في ٨٠/ ٩٧.
[تنبيه]: كون عبد اللَّه بن زيد المذكور في هذا السند هو ابن عاصم المازنيّ هو الصواب، كما سيأتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيان، والمسعودي، فكوفي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبد اللَّه، وأبوه، وعباد، وفيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عيينة -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قَالَ: فَسَأَلْتُ عَبدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ) أي عفا حدثه به المسعوديّ، عن أبيه (فَقَالَ) أي عبد اللَّه بن أبي بكر (سَمِعْتُهُ) أي الحديث المذكور (مِنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) المازني (يُحَدَّثَ أَبِي) جملة في محل نصب على الحال، هكذا في النسخة الهندية، وهو الصواب، ووقع في النسختين المطبوعتين: "يحدث عن أبي" بزيادة "عن" وهو غلط.
ومراد ابن عيينة أنه سمع هذا الحديث عن المسعوديّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ثم لقي عبد اللَّه ولد أبي بكر شيخ شيخه، فسأله عن الحديث، فحدثه عن عباد شيخ أبيه، فصار له عاليًا، إذ كان أوّلًا وصل إلى عباد بواسطتين، فأسقط عنه واسطة.
وفي رواية ابن خزيمة في "صحيحه" عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، قال: حدثنا المسعوديّ، ويحيى هو ابن سعيد، عن أبي بكر، أي ابن محمد بن عمرو بن حزم، قال سفيان: فقلت لعبد اللَّه -أي ابن أبي بكر- حديث حدثناه يحيى، والمسعوديّ
стр. 9761
عن أبيك، عن عباد بن تميم؟ فقال عبد اللَّه بن أبي بكر: سمعته أنا من عباد يحدث أبي، عن عبد اللَّه بن زيد … فذكر الحديث.
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النَّدَاءَ) سيأتي للمصنف أن هذا غلط، وأن الصواب "عبد اللَّه ابن زيد بن عاصم".
[تنبيه]: عبد اللَّه بن زيد هذا هو ابن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد المدنيّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شهد العقبة، وبدرًا، والمشاهد، وهو الذي أري النداء للصلاة في النوم، وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد. روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد اللَّه بن محمد على خلاف فيه، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم يدركه.
قال الترمذي عن البخاريّ: لا يُعرف له إلا حديث الأذان، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئًا يصحّ عن النبي ﷺ إلا حديث الأذان انتهى.
قال الحافظ: وهذا يؤيد كلام البخاريّ، وهو المعتمد (١)، وقد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في "جزء"، واغترّ الأصفهاني بالأول، فجزم به، وتبعه جماعة، فوهموا. وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة. كذا قال.
وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من "الحلية" بسند صحيح عن عبيد اللَّه بن عمر العمريّ قال: دخلت ابنة عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه عدى عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد اللَّه بن زيد شهد أبي بدرًا، وقتل بأحد، فقال: سليني ما شئت، فأعطاها. (٢). واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي) قال الحافظ ﵀: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد اللَّه بن زيد على سبب ذلك، ولا صفته ﷺ حال الذهاب إلى المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة ﵂ عند أبي داود، وابن حبان، قالت: "شكا الناس إلى رسول اللَّه ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له بالمصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر … " الحديث. وفي حديث ابن عباس ﵁ عند أحمد، وأصحاب السنن: "خرج متبذّلًا متواضعًا حتى أتى المصلّى، فرقي المنبر … ". وفي حديث أبي الدرداء عند البزار، والطبرانيّ: "قحط المطر، فسألنا نبي اللَّه ﷺ أن يستسقي لنا، فغدا
стр. 9762
نبي اللَّه ﷺ … " الحديث.
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معيّنٌ، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختصّ بيوم معيّن، وهل تُصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهاريّة كالعيد، وإلا فلو كانت تصلى بالليل لأسرّ فيها بالنهار، وجهر بالليل كمطلق النوافل.
[قال الجامع - عفا اللَّه عنه -]: الاستنباط المذكور محل تأمل. واللَّه تعالى أعلم.
ونقل ابن قُدامة ﵀ الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة. وأفاد ابن حبّان أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة. (١) (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاْهُ) ذكر الواقدي أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين. ووقع في "شرح الأحكام لابن بزيزة" ذرع الرداء كالذي ذكره الواقديّ في ذرع الإزار، والأول أولى. قاله في "الفتح". وسيأتي كيفية القلب في بابه إن شاء اللَّه تعالى (وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة: "وصلى للناس ركعتين"، وفي رواية الزهري عند البخاري: "ثم صلى لنا ركعتين".
واستدلّ به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وسيأتي البحث عنه في بابه إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:) المصنف ﵀ (هَذَا) أي قوله: الذي أري النداء (غَلَطٌ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) لأن الذي أري النداء غير الذي روى حديث الاستسقاء، كما بينه بقوله (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النَّدَاءَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبدِ رَبِّهِ، وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) بن كعب الأنصاريّ المازنيّ.
وهذا الذي قاله المصنف -رحمه اللَّه تعالى- قاله أيضًا غيره، فقد قال البخاريّ في "صحيحه": قال أبو عبد اللَّه: كان ابن عيينة يقول: هو صاحب الأذان، ولكنه وهم، لأن هذا عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازنيّ، مازن الأنصار انتهى.
قال في "الفتح": وقد حذف البخاريّ مقابله، والتقدير: وذاك أي عبد اللَّه بن زيد رائي الأذان عبدُ اللَّه بن زيد بن عبد ربه، وقد اتفقا في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج، والصحبة، والرواية" وافترقا في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج؛ لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الخزرج (٢). واللَّه
стр. 9763
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ١٥٠٥ - وفي "الكبرى" ٢/ ١٨٠٦ - بالسند المذكور، وفي -٣/ ١٥٠٧ - و"الكبرى" ٢/ ١٨٠٩ عن قتيبة، عن عبد العزيز، عن عمارة بن غزية، عن عباد به. وفي ٥/ ١٥٠٩ - و"الكبرى" ٥/ ١٨١٢ - عن عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ عن عباد به. وفي ٦/ ١٥١٠ - و"الكبرى" ٥/ ١٨١٣ - عن قتيبة، عن سفيان به. وفي ٧/ ١٥١١ - و"الكبرى" ٦/ ١٨١٥ - عن قتيبة، عن مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر به. وفي ٨/ ١٥١٢ - و"الكبرى" ٧/ ١٨١٦ - عن هشام بن عبد الملك، عن بقية، عن شعيب، عن الزهريّ به. وفي ١١/ ١٥١٩ - ٣/ ١٨١٠ - عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب به. وفي ١٢/ ١٥٢٠ - و"الكبرى" ١٠/ ١٨٢٥ - عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر به. و ١٤/ ١٥٢٢ - عن محمد بن رافع، عن يحيى بن آدم، عن سفيان به.
وأخرجه (خ) ٢/ ٣٢ و ٢٣٤ و٢/ ٣٩ و ٢/ ٣٨ و ٨/ ٩٣. (م) ٣/ ٢٣. (د) ١١٦٦ و ١١٦٧ و١١٦١ و ١١٦٤. (ت) ٥٥٦. (ق) ١٢٦٧. (مالك في الموطإ) ١٣٥ (الحميدي) ٤١٥ و ٤١٦ (أحمد) ٤/ ٣٨ و ٤/ ٩٣ و ٤/ ٤١ و ٤/ ٤٠ و ٤/ ٤١. (الدارمي) ١٥٤١ و ١٥٤٢ (عبد بن حميد) ٥١٦. (ابن خزيمة) ١٤٠٦ و ١٤١٠ و ١٤١٤ و١٤٢٠و ١٤٢٤ و ١٤١٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له "المصنف"﵀، وهو مشروعية خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء. (ومنها): مشروعية استقبال القبلة في حال الدعاء (ومنها): استحباب قلب الرداء، تفاؤلًا في قلب الحال من الجدب إلى الرخاء والخصب (ومنها): استحباب صلاة ركعتين للاستقاء، وقد خالف فيه الإمام أبو حنيفة، وسيأتي الكلام عليه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 9764
٣ - (بَابُ الْحَالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا إِذَا خَرَجَ)
١٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ, فَقَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَضَرِّعًا, مُتَوَاضِعًا, مُتَبَذِّلاً, فَلَمْ يَخْطُبْ نَحْوَ خُطْبَتِكُمْ هَذِهِ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكوسج المروزيّ، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨،
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الإمام الحجة المثبت [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة المثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٥ - (هشام) بن إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة) أبو عبد الرحمن القرشي المدني، مقبول [٧].
روى عن أبيه. وعنه حفيده إسماعيل بن ربيعة بن هشام، وسفيان الثوريّ، وحاتم بن إسماعيل. قال أبو حاتم: شيخ. وقال البخاريّ: يقال: إنه سهميّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال فيه: القرشي السهميّ. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ١٥٠٨ و ١٥٢١.
٦ - (أبوه) إسحاق بن عبد اللَّه بن الحارث بن كنانة العامريّ مولاهم، ويقال: الثقفيّ، وقد ينسب إلى جدّه، صدوق [٣].
أرسل عن النبي ﷺ ، وروى عن أبي هريرة، وابن عباس مرسلًا فيما قال أبو حاتم، وعن عامر بن سعد، وغيرهم. وعنه ابناه: عبد الرحمن، وهشام، وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وعمر بن محمد الأسلمي. وتقدم في ترجمة ابنه هشام أنه قرشيّ سهميّ.
قال أبو زرعة: مدني ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات" في التابعين، فقال: إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة، وصحح حديثه، وقبله أبو عوانة، وأخرج حديثه ابن خزيمة في "صحيحه"، قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء. ولابن القطان كلام في نسبه وحاله. روى له الأربعة، وله
стр. 9765
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بالأرقام المذكورة في ترجمته ابنه آنفًا.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير هشام بن إسحاق، وأبيه، فإنهما من رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه ابن المثنى أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن إسحاق بن عبد اللَّه أنه (قال: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ) وفي الرواية الآتية من طريق الثوري، عن هشام: قال أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ … " …
وقد بين الأمير المبهم في رواية أبي داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن إسحاق، قال: أخبرني أبي، قال: أرسلني الوليد بن عُتبة، وكان أمير المدينة … " (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَسْأَلُهُ) جملة حالية من ضمير المتكلّم (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ) أي عن كيفيتها، وعن كيفية خروجه إليها (فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَضَرِّعًا) اسم فاعل تضرع إلى اللَّه: إذا ابتهل (مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا) أي لابسًا ثياب المهنة، لا ثياب الزينة. وقال السندي ﵀: قوله: "متبذّلًا" بمثناة، ثم موحدة، ثم ذال معجمة، من التبذّل، وهو ترك التزيّن، والتهيء بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع، ويحتمل أن يكون بتقديم الموحّدة من الابتذال بمعناه انتهى.
وفي رواية ابن ماجه: "خرج رسول اللَّه ﷺ متواضعًا، متبذّلًا، متخشّعًا، مترسّلًا، متضرّعًا"، ومعنى "مترسّلًا": أي متمهّلًا في مشيه (فَلَمْ يَخْطُبْ نحو خُطبَتكُمْ هَذِهِ) وفي الرواية الآتية من طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام: "فلم يخطب خُطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرّع، والتكبير".
والظاهر أن الخطبة التي أنكرها ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - خالية عن هذه الأمور، أو معظمها.
وإلا فقد فقد ثبت أنه ﷺ خطب في الاستسقاء، فقد أخرج أبو داود في "سننه" من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقال: حدثنا هارون بن سعيد الأيليّ، نا خالد بن
стр. 9766
نزار، قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول اللَّه ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوُضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول اللَّه ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبّر، وحمد اللَّه ، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمِركم اللَّه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لا إله إلا اللَّه يفعل ما يريد، اللَّهمّ أنت اللَّه لا إله إلا أنت الغنيّ، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوّةً، وبلاغًا إلى حين"، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوّل إلى الناس ظهره، وقلب -أو حوّل- رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة، فرَعَدت، وبَرَقَت، ثم أمطرت بإذن اللَّه، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ ضحك ﷺ حتى بدت نواجده، فقال: "أشهد أن اللَّه على كلّ شيء قدير، وأني عبد اللَّه ورسوله". حديث حسن.
(فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية حاتم بن إسماعيل: "كما كان يصلي في العيدين". فتبيّن بهذا أن صفة صلاة الاستسقاء كصفة صلاة العيد، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في بابه، إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث دليل على ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان الحال التي يستحبّ للإمام أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهو أن يكون متضرّعًا إلى اللَّه، متواضعًا له، متذّلًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائلتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٣/ ١٥٥٦ - وفي "الكبرى" -٢/ ١٨٠٨ - بالسند المذكور. وفي ٤/ ١٥٠٨ - و"الكبرى" ٢/ ١٨٠٧ - عن محمد بن عبيد، عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام به. وفي ١٣/ ١٥٢١ - و"الكبرى"-١١/ ١٨٢٦ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن هشام به.
وأخرجه (د) ١١٦٥ (ت) ٥٥٦ و ٥٥٨ (ق) ١٢٦٦ (أحمد) ١/ ٢٣٠ و ١/ ٣٥٥ و١/
стр. 9767
٢٦٩ (ابن خزيمة) ١٤٠٥ و ١٤٠٨.
١٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى, وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا قريبًا غير اثنين:
١ - (عبد العزيز) بن محمد الدراورديّ المدني، صدوق يخطئ [٨] تقدم ٨٤/ ١٠١. ٢ - (عمارة بن غَرْيّة) الأنصاري المدني، لا بأس به [٦] تقدم ١٦٨/ ١١٣٧.
وقوله: "خميصة سوداء"، "الخميصة": كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خَزّ، أو صوف، فإن لم يكن مُعْلَمًا فليس بخميصة. قاله الفيومي.
وقال ابن منظور: والخَميصةُ كساء أسود مربّع له عَلَمان، فإن لم يكن معلما فليس بخميصة، قال الأَعْشَى [من الطويل]:
إِذَا جُرًدَتْ يَوْمًا حَسِبْتُ خَمِيصَةً … عَلَيْهَا وَجِرْيَالَ النَّضِيرِ الدُّلَامِصَا
أراد شعرها الأسود، شبهه بالخميصة، والخميصة سوداء، وشبه لون بشرتها بالذهب، والنضيرُ: الذهب، والجِريال بكسر فسكون لون الذهب، والدُّلَامِصُ: البّرَّاق.
قال: وهي -أي الخميصة- ثوبُ خَزّ، أو صوفٍ مُعْلَمٌ، وقيل: لا تسمى خميصةٌ إلا أن تكون سوداء معلمةٌ، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص، وقيل: الخمائص ثياب من خَزّ ثِخَان سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثخان أيضًا. انتهى (١).
[قال الجامع]: فعلى الأول يكون "سوداء" صفة كاشفة، وعلى الأخير يكون للاحتراز عن الأحمر. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في ٢/ ١٥٠٥، ودلالته على ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة؛ لأن لبس الخميصة السوداء يدل على التواضع؛ لأنها من أدون اللباس، فيستفاد منه، ما ترجم له، وهو بيان الحال التي يستحبّ للإمام أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهي أن يكون متواضعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
стр. 9768
٤ - (بَابُ جُلُوسِ الإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلاسْتِسْقَاءِ)
١٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؟ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلاً, مُتَوَاضِعًا, مُتَضَرِّعًا, فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ, فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ, وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث حسن، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي، وممن لم يتقدم هناك من رجاله:
١ - (محمد بن عبيد بن محمد) بن واقد المحاربي النحّاس الكوفي، صدوق [١٠] تقدم ١٤٤/ ٢٢٦.
٢ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدني كوفي الأصل، صدوق، يهم، صحيح الكتاب [٨] تقدم ٤٨/ ٦٠٤.
ومحلّ الاستدلال قوله: "فجلس على المنبر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
٥ - (تَحْوِيلُ الإمَامِ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ)
١٥٠٩ - (أَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِى, فَحَوَّلَ
стр. 9769
رِدَاءَهُ, وَحَوَّلَ لِلنَّاسِ (١) ظَهْرَهُ, وَدَعَا, ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ, فَقَرَأَ فَجَهَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامري، ثقة فقيه فاضل [٧] تقدم ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١. والباقيان تقدما ٢/ ١٥٠٥.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وشرحه واضح، ومحل الاستدلال قوله: "وحوّل للناس ظهره"، ففيه استحباب استقبال القبلة للإمام حال الدعاء في الاستسقاء حتى يكون منقطعًا إلى اللَّه تعالى، كامل التوجه إليه، فلا يشغله مواجهة الناس عن إخلاص التضرّع.
وقوله: "ثم صلى ركعتين" استدلّ به من قال بتقديم الخطبة.
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في هذا الباب، فروينا عن ابن الزبير أنه خرج يستسقي بالناس، فخطب، ثم صلى بغير أذان، ولا إقامة، وفي الناس يومئذ البراء بن عازب، وزيد بن أرقم. قال: وروينا أن عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر، ثم نزل، فصلى. وروينا عن عبد اللَّه بن يزيد أنه صلى، ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم. وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة.
قال ابن المنذر ﵀: يخطب قبل الصلاة انتهى (٢).
وقال القرطبي ﵀ في "المفهم": وظاهر الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة، لأنه جاء فيه بـ "ثم" التي للترتيب والمهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الصلاة مقدمة على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في "الموطإ"، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو
стр. 9770
غير المرتبة بدل "ثم"، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع (١)، عن مالك: أنه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نص، ويعتضد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما, ولهما خطبة. انتهى (٢)
وقال العلامة الشوكاني ﵀: وقد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد اللَّه بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد اللَّه بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبد اللَّه بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف. والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا: ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا, ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة انتهى. وجواز التقديم والتاخير بلا أولوية هو الحقّ انتهى كلام الشوكاني (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
وفيه الجهر بالقراءة، وسيأتي في باب مفرد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *