← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

نزار، قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول اللَّه ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوُضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول اللَّه ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبّر، وحمد اللَّه ، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمِركم اللَّه أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لا إله إلا اللَّه يفعل ما يريد، اللَّهمّ أنت اللَّه لا إله إلا أنت الغنيّ، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوّةً، وبلاغًا إلى حين"، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوّل إلى الناس ظهره، وقلب -أو حوّل- رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة، فرَعَدت، وبَرَقَت، ثم أمطرت بإذن اللَّه، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ ضحك ﷺ حتى بدت نواجده، فقال: "أشهد أن اللَّه على كلّ شيء قدير، وأني عبد اللَّه ورسوله". حديث حسن. (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية حاتم بن إسماعيل: "كما كان يصلي في العيدين". فتبيّن بهذا أن صفة صلاة الاستسقاء كصفة صلاة العيد، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. والحديث دليل على ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان الحال التي يستحبّ للإمام أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهو أن يكون متضرّعًا إلى اللَّه، متواضعًا له، متذّلًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائلتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسن. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣/ ١٥٥٦ - وفي "الكبرى" -٢/ ١٨٠٨ - بالسند المذكور. وفي ٤/ ١٥٠٨ - و"الكبرى" ٢/ ١٨٠٧ - عن محمد بن عبيد، عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام به. وفي ١٣/ ١٥٢١ - و"الكبرى"-١١/ ١٨٢٦ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن هشام به. وأخرجه (د) ١١٦٥ (ت) ٥٥٦ و ٥٥٨ (ق) ١٢٦٦ (أحمد) ١/ ٢٣٠ و ١/ ٣٥٥ و١/

стр. 9767

٢٦٩ (ابن خزيمة) ١٤٠٥ و ١٤٠٨. ١٥٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْقَى, وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ). رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا قريبًا غير اثنين: ١ - (عبد العزيز) بن محمد الدراورديّ المدني، صدوق يخطئ [٨] تقدم ٨٤/ ١٠١. ٢ - (عمارة بن غَرْيّة) الأنصاري المدني، لا بأس به [٦] تقدم ١٦٨/ ١١٣٧. وقوله: "خميصة سوداء"، "الخميصة": كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين، ويكون من خَزّ، أو صوف، فإن لم يكن مُعْلَمًا فليس بخميصة. قاله الفيومي. وقال ابن منظور: والخَميصةُ كساء أسود مربّع له عَلَمان، فإن لم يكن معلما فليس بخميصة، قال الأَعْشَى [من الطويل]: إِذَا جُرًدَتْ يَوْمًا حَسِبْتُ خَمِيصَةً … عَلَيْهَا وَجِرْيَالَ النَّضِيرِ الدُّلَامِصَا أراد شعرها الأسود، شبهه بالخميصة، والخميصة سوداء، وشبه لون بشرتها بالذهب، والنضيرُ: الذهب، والجِريال بكسر فسكون لون الذهب، والدُّلَامِصُ: البّرَّاق. قال: وهي -أي الخميصة- ثوبُ خَزّ، أو صوفٍ مُعْلَمٌ، وقيل: لا تسمى خميصةٌ إلا أن تكون سوداء معلمةٌ، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص، وقيل: الخمائص ثياب من خَزّ ثِخَان سُودٌ وحُمْرٌ، ولها أعلام ثخان أيضًا. انتهى (١). [قال الجامع]: فعلى الأول يكون "سوداء" صفة كاشفة، وعلى الأخير يكون للاحتراز عن الأحمر. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في ٢/ ١٥٠٥، ودلالته على ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة؛ لأن لبس الخميصة السوداء يدل على التواضع؛ لأنها من أدون اللباس، فيستفاد منه، ما ترجم له، وهو بيان الحال التي يستحبّ للإمام أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهي أن يكون متواضعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * *

стр. 9768

٤ - (بَابُ جُلُوسِ الإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلاسْتِسْقَاءِ) ١٥٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ؟ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلاً, مُتَوَاضِعًا, مُتَضَرِّعًا, فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ, فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ, وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث حسن، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي، وممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١ - (محمد بن عبيد بن محمد) بن واقد المحاربي النحّاس الكوفي، صدوق [١٠] تقدم ١٤٤/ ٢٢٦. ٢ - (حاتم بن إسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدني كوفي الأصل، صدوق، يهم، صحيح الكتاب [٨] تقدم ٤٨/ ٦٠٤. ومحلّ الاستدلال قوله: "فجلس على المنبر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * * ٥ - (تَحْوِيلُ الإمَامِ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ) ١٥٠٩ - (أَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, أَنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَسْقِى, فَحَوَّلَ

стр. 9769

رِدَاءَهُ, وَحَوَّلَ لِلنَّاسِ (١) ظَهْرَهُ, وَدَعَا, ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ, فَقَرَأَ فَجَهَرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠] تقدم ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤ ٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامري، ثقة فقيه فاضل [٧] تقدم ٤١/ ٦٨٥. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١. والباقيان تقدما ٢/ ١٥٠٥. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وشرحه واضح، ومحل الاستدلال قوله: "وحوّل للناس ظهره"، ففيه استحباب استقبال القبلة للإمام حال الدعاء في الاستسقاء حتى يكون منقطعًا إلى اللَّه تعالى، كامل التوجه إليه، فلا يشغله مواجهة الناس عن إخلاص التضرّع. وقوله: "ثم صلى ركعتين" استدلّ به من قال بتقديم الخطبة. قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في هذا الباب، فروينا عن ابن الزبير أنه خرج يستسقي بالناس، فخطب، ثم صلى بغير أذان، ولا إقامة، وفي الناس يومئذ البراء بن عازب، وزيد بن أرقم. قال: وروينا أن عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر، ثم نزل، فصلى. وروينا عن عبد اللَّه بن يزيد أنه صلى، ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم. وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة. قال ابن المنذر ﵀: يخطب قبل الصلاة انتهى (٢). وقال القرطبي ﵀ في "المفهم": وظاهر الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة، لأنه جاء فيه بـ "ثم" التي للترتيب والمهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الصلاة مقدمة على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في "الموطإ"، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو

стр. 9770

غير المرتبة بدل "ثم"، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع (١)، عن مالك: أنه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نص، ويعتضد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما, ولهما خطبة. انتهى (٢) وقال العلامة الشوكاني ﵀: وقد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد اللَّه بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد اللَّه بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبد اللَّه بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة. قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف. والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا: ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا, ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة انتهى. وجواز التقديم والتاخير بلا أولوية هو الحقّ انتهى كلام الشوكاني (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. وفيه الجهر بالقراءة، وسيأتي في باب مفرد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". * * *

стр. 9771

٦ - (تَقْلِيبُ الإِمَامِ الرِّدَاءَ عَنْدَ الاسْتِسْقَاءِ) ١٥١٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ عَمِّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى, وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَقَلَبَ رِدَاءَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. و"سفيان": هو ابن عيينة. ودلالته على ما ترجم له واضحة، حيث قال: "وقلب رداءه"، وهو بتشديد اللام وتخفيفها. وقد اختلفت الروايات، ففي بعضها أنه ﷺ حول رداءه، كما في رواية الباب الماضي، وفي بعضها أنه قلبه، كما في رواية الباب، وقد فسر التحويل بالقلب، ففي رواية أحمد قال: "ثم تحوّل إلى القبلة، وحوّل رداءه، فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه". وفي رواية لأبي داود: "فحول رداءه"، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا اللَّه ". فهذا يدلّ على أن التحويل والقلب بمعنى واحد، كما قال الزين ابن المنيّر. واللَّه تعالى أعلم. (مسألتان): تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): أنه اختُلِفَ في حكمة التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاءل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بان من شرط الفأل أن لا يُقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حوّل رداءك لتحوّل حالك. قال الحافظ: وتعقب بان الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه وَرَدَ فيه حديثٌ رجاله ثقات، أخرجه الدراقطني، والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جابر ﵁، ورجح الدارقطني إرساله، وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظنّ. وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا يكون سنة في كلّ حال. وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرّد احتمال

стр. 9772

الخصوص، واللَّه تعالى أعلم انتهى. (١) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح مشروعية التحويل، وأنه للتفاؤل؛ لحديث جابر ﵁ المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في مشروعية تحويل الرداء: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختلفوا في تحويل الرداء، فكان مالك يقول: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائمًا يدعو في خطبته، مستقبل الناس، وظهره إلى القبلة، والناس مستقبلوه، فإذا استقبل القبلة حوّل رداءه، وجعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائمًا، واستقبل الناسُ جميعًا القبلةَ كما استقبلها الإمام قعودًا، وحوّلوا أرديتهم جميعًا كما حول الإمام، فإذا فرغ مما يريد من الدعاء استقبل الناس بوجهه، ثم انصرف. وممن كان يرى أن يجعل اليميَن الشمالَ، والشمالَ اليمينَ أحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وحُكي ذلك عن ابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسحاق بن راهويه، وكان الشافعي يقول بذلك إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه. وفيه قول ثان، قاله الشافعي آخر قوليه، قال: آمر الإمام أن ينكّس رداءه، فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه، فيجعل شقه الذي كان على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون جاء بما أراد رسول اللَّه ﷺ من نكسه، وبما فعل من تحويل الرداء. وفيه قول ثالث: قاله محمد بن الحسن، قال: ويقلب الإمام رداءه كله، وقلبه أن يجعل جانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار المعروفة، وليس ذلك على من خلف الإمام. قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يحوّل رداءه في الاستسقاء، قال: ولم يكن الناس يحوّلون أرديتهم انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي مذهب من قال بمشروعية تحويل الرداء؛ لوضوح أدلته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب" * * *

стр. 9773

٧ - (مَتَى يُحَوِّلُ الإِمَامُ رِدَاءَهُ) ١٥١١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ, يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَاسْتَسْقَى, وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريئا، ودلالته على الترجمة واضحة، فإنه يدلّ على وقت تحويل الرداء عند استقبال القبلة، والمراد حالة الدعاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٨ - (رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ) ١٥١٢ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبُو تَقِيٍّ الْحِمْصِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ عَمِّهِ, أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الاِسْتِسْقَاءِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ, وَقَلَبَ الرِّدَاءَ, وَرَفَعَ يَدَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هشام بن عبد الملك أبو تقي (١) الحمصيّ) اليَزَنيّ (٢)، صدوق ربما وهم [١٠] تقدم ١٢٢/ ١٧٢. ٢ - (بقية) بن الوليد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] تقدم ٤٥/ ٥٥. ٣ - (شُعيب) بن أبي حمزة الحمصي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٦٩/ ٨٥. والباقون تقدموا قريبًا. قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: الحديث متفق عليه، واستدلال المصنف به على ما ترجم له واضح، وقد تقدم الكلام على المسائل المتعلقة به في ٢/ ١٥٠٥، غير المسألة

стр. 9774

المتعلقة بالباب، فأذكرها هنا، فأقول: [اعلم]: أن رفع اليدين في الدعاء مستحبّ، وقد عقد الإمام البخاري ﵀ في "كتاب الدعوات" من "صحيحه" بابًا في ذلك، فقال: [باب رفع الأيدي في الدعاء]: وقال أبو موسى الأشعري، دعا النبي ﷺ ، ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه. وقال ابن عمر: رفع النبي ﷺ يديه، وقال: "اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، قال أبو عبد اللَّه: وقال الأويسيّ: حدثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك سمعا أنسًا عن النبي ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. قال الحافظ ﵀: وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتمسك بحديث أنس: "لم يكن رسول اللَّه ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"، وهو صحيح، لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناه بأن المنفي صفة خاصّة، لا أصل الرفع، وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء، وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما: "حتى يُرى بياض إبطيه"، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذريّ: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح. قال الحافظ: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في "جزء"، وسرد النووي في "الأذكار" وفي "شرح المهذب" جملةً، وعقد البخاريّ أيضًا في "الأدب المفرد" بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: "قدم الطفيل بن عمرو على النبي ﷺ ، فقال: إن دوسًا عصت اللَّه، فادع اللَّه عليها، فاستقبل القبدة، ورفع يديه، فقال: "اللَّهم اهد دوسًا، وهو في "الصحيحين" دون قوله: "ورفع يديه". وحديث جابر: "أن الطفيل بن عمرو هاجر"، فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: "فقال النبي ﷺ : "اللَّهم وليديه، فاغفر، ورفع يديه"، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة ﵁ أنها رأت النبي ﷺ يدعو رافعًا يديه يقول: "اللَّهمّ إنما أنا بشر … " الحديث، وهو صحيح الإسناد. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين": "رأيت النبي ﷺ رافعًا يديه يدعو لعثمان"، ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة

стр. 9775

الكسوف: "فانتهيت إلى النبي ﷺ ، وهو رافع يديه يدعو"، وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: "ثم رفع يديه يدعو"، وفي حديثها عنه في دعائه لأهل البقيع: "فرفع يديه ثلاث مرات … " الحديث. ومن حديث أبي هريرة ﵁ الطويل في فتح مكة: "فرفع يديه، وجعل يدعو"، وفي "الصحيحين" من حديث أبي حميد في قصة ابن اللُّتْبية: ثم رفع يديه حتى رأيت عُفْرَة إبطيه، يقول: "اللَّهم هل بلغت". ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ ذكر قول إبراهيم، وعيسى، فرفع يديه، وقال: "اللَّهمّ أمتي". وفي حديث عمر ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل عديه الوحي يسمع عند وجهه كدويّ النحل، فأنزل اللَّه عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبدة، ورفع يديه، ودعا "، الحديث، أخرجه الترمذيّ، واللفظ له، والنسائي، والحاكم. وفي حديث أسامة ﵁: "كنت رديف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى"، أخرجه النسائي ٢٠٢/ ٣٠١١ بسند جيد. وفي حديث قيس بن سعد ﵁ عند أبي داود: ثم رفع رسول اللَّه ﷺ يديه، وهو يقول: "اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة،، الحديث، وسنده جيد. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُويبة (١) ﵁ أنه رأى بِشْر بن مَرْوان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: "لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وما يزيد على هذا، يشير بالسبابة"، فقد حكى الطبريّ عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها. وقد أخرج أبو داود، والترمذي، وحَسّنَه، وغبرهما من حديث سلمان ﵁ رفعه: "إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفْرًا" -بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية، وسنده جيد. قال الطبريّ: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر، وجبير بن مطعم، ورأى شُرَيحٌ

стр. 9776

رجلاً يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لك؟. وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبد اللَّه بن عمرو بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدونة": ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره. كذلك أسنده الطبريّ عنه أيضًا. وعن ابن عباس أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا. وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" من طريق القاسم بن محمد: "رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه". انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّن بما سبق من الأحاديث ثبوت رفع اليدين في الدعاء، بل بعضها يدلّ على أنه من أسباب الإجابة، كحديث سلمان المتقدم مرفوعًا: "إن ربكم حييّ كريمٌ يستحيي من عبده … " الحديث، فلا ينبغي التهاون بمثل هذا الفضل العظيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٩ - (كَيْفَ يَرْفَعُ) ١٥١٣ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ, فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شُعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٩.

стр. 9777

٢ - (يحيى بن سعيد القطان) البصري الإمام الحافظ الناقد الحجة [٩] تقدم ٤/ ٤. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة البصريّ، ثقة حافظ يُدَلِّس، واختلط [٦] تقدم ٣٤/ ٨٣. ٤ - (قتادة) بن دعامة البصريّ، ثقة ثبت مدلس [٤] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فإنه نسائيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات ﵁ سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن قتادة، عَنْ أَنَسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفي رواية للبخاري من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، "أن أنسًا حدثهم،. فانتفت تهمة تدليس قتادة (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلاَّ فِي الاسْتِسْقَاءِ) ظاهره نفي الرفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث السابقة التي أثبتت الرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة. فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحَمَلَ حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره. وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يُحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدلّ عليه قوله: "حتى يُرَى بياضُ إبطيه"، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك، كما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس: "أن رسول اللَّه ﷺ استسقى، فاْشار بظهر كفيه إلى السماء"، ولأبي داود من حديث أنس أيضا: "كان يستسقي هكذا، ومدّ يده، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه". قال النووي: قال العلماء: السنة في كلّّ دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء، وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء انتهى.

стр. 9778

وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو نزول السحاب إلى الأرض، انتهى (١). (فَإِنَّه كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) ببناء "يُرى" للمفعول، و"بياض" بالرفع نائب فاعله. وفيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٩/ ١٥١٣ - وفي "الكبرى" ٧/ ١٨١٧ - بالإسناد المذكور. وفي ٥٢/ ١٧٤٨ - و"الكبرى" -٦١/ ١٤٣٦ - عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، عن ثابت، عنه. وأخرجه (خ) ٢/ ٣٩ و ٤/ ٢٣١ (م) ٣/ ٢٤ (د) ١١٧٠ (ق) ١١٨٠ (أحمد) ٣/ ١٨١ و ٣/ ٢٨٢ (الدارمي) ١٥٤٣ (ابن خزيمة) ١٤١١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٥١٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ, عَنْ آبِي اللَّحْمِ, أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ, يَسْتَسْقِي, وَهُوَ مُقْنِعٌ بِكَفَّيْهِ يَدْعُو). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قريبًا. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة المصريّ [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (خالد بن يزيد) الجُمحيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقة فقيه [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٤ - (سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم المصريّ، صدوق [٦] تقدم ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (يزيد بن عبد اللَّه) بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣/ ٩٠. ٦ - (عُمير مولى آبي اللحم) الغفاريّ، له صحبة، شهد خيبر مع مواليه. وروى عن

стр. 9779

النبي ﷺ ، وعن مولاه. وروى عنه محمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنفُذ، ويزيد بن عبدالله بن الهاد، ويزيد بن أبي عُبيد، وغيرهم. أخرج له الجماعة إلا البخاريّ، وله عند مسلم حديث الصدقة بغير إذن المولى، وعند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث، والحديث الذي عند مسلم أيضًا، وسيأتي برقم ٢٥٣٧. ٧ - (آبي اللحم) الغفاريّ، له صحبة، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: خَلَف، وقيل: الحويرث، وهو بألف ممدودة، اسم فاعل من أبى، بمعنى امتنع، وإنما قيل له: ذلك لأنه كان لا يأكل ما ذُبح على الأصنام. له عن النبي ﷺ حديث واحد في الاستسقاء. روى عنه عُمير مولاه، قيل: قُتل يوم حُنين، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين (١) إلى سعيد بن أبي هلال، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ آبِي اللَّحْمِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، هكذا عند المصنف، والترمذي، أنه من مسند آبي اللحم، لا من مسند عُمير، قال الترمذيّ بعد إخراجه: كذا قال قتيبة في هذا الحديث: "عن آبي اللحم"، ولا نعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث الواحد، وعُمير مولى آبي اللحم قد روى عن النبي ﷺ أحاديث، وله صحبة. انتهى. لكن أخرجه أحمد عن قتيبة شيخ المصنف، والترمذيّ بسندهما عن عُمير مولى آبي اللحم، أنه رأى رسول اللَّه ﷺ ، فجعله من مسند عمير، لا مسند مولاه، وكذلك رواه الحاكم في "المستدرك" جـ١ ص ٣٢٧ من طريق يحيى بن بُكير، عن الليث به. ورواه أبو داود عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، وعُمر بن مالك، كلاهما عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عمير مولى بني آبي اللحم أنه رأى النبي ﷺ يستسقي … الحديث، فجعله من مسند عمير. قال العلامة أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على "الترمذي" جـ٢ ص ٤٤٤: فلعل قتيبة لم يحفظ هذا الحديث جيّدًا، فكان يرويه مرّة هكذا، ومرة هكذا، وقد أخطأ

стр. 9780

في إسناده خطأ آخر، إذ جعل الرواية عن يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن عمير مباشرة، والصواب أن يزيد رواه عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عُمير، كما في رواية أحمد، وأبي داود من طريق حيوة، وعُمر بن مالك، عن ابن الهاد انتهى. قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: ورواه الحاكم ج١ ص ٣٢٧ من طريق يحى بن بُكير، عن الليث، فجعله من حديث عُمير مولى آبي اللحم، ولم يذكر "عن آبي اللحم"، وقال: صحيح الإسناد، وعُمير مولى آبي اللحم له صحبة انتهى. وهذا يؤيد أن الحديث من مسند عمير، لا من مسند مولاه آبي اللحم، ووافق الذهبي الحاكم في تصحيح الحديث، لكن زاد في السند "عن آبي اللحم". وروى أحمد ج ٤ ص ٣٦، وأبو داود من طريق شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، أخبرني من رأى النبي ﷺ "يدعو عند أحجار الزيت باسطًا كفيه". اللفظ لأبي داود، قال الحافظ في مبهمات "التقريب"، و"تهذيب التهذيب": محمد بن إبراهيم: أخبرني من رأى النبي ﷺ عند أحجار الزيت، هو عُمير مولى آبي اللحم انتهى. وهذا أيضًا يرجّح كون الحديث من مسند عمير، لا من مسند مولاه. والحاصل أن الراجح كونه من مسند عمير، لا من مسند مولاه آبي اللحم. واللَّه تعالى أعلم. (أَنهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ) هو موضع بالمدينة من الحرّة، سمي بذلك لسواد أحجاره، كأنها طُليت بالزيت. ولفظ أبي داود: "عن عمير مولى بني آبي اللحم، أنه رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت، قريبا من الزوراء، قائمًا يدعو، يستسقي، رافعًا يديه قِبَل وجهه، لا يجاوز بهما رأسه"، ونحوه لأحمد، وزاد: "مقبل بباطن كفيه إلى وجهه". والزوراء -بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راء ممدودة-: موضع عند سوق المدينة (يَسْتَسْقِي) جملة في محلّ النصب على الحال من "رسول اللَّه" (وَهُوَ مُقْنِعْ بِكَفَّيهِ) اسم فاعل من أقنع: يقال: أقنع الرجل بيديه في القنوت: مَدَّهما، واسترحم ربه، مستقبلاً ببطونهما وجهه ليدعو، قاله في "اللسان" (١). فتبين بهذا أن الإقناع هو رفع اليدين جاعلاً باطنهما إلى وجهه، وهو معنى ما تقدّم في رواية أحمد، وأبي داود، وهو محلّ استدلال المصنف على الترجمة، حيث إن فيه بيانَ كفية الرفع. ومحل الجملة نصب على الحال، وكذا قوله (يَدْعُو) فهي من الأحوال المترادفة، أو

стр. 9781

المتداخلة (١) والحديث يدلّ على استحباب رفع اليدين، مستقبلاً ببطونهما وجهه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح، لكن من مسند عمير مولى آبي اللحم، لا من مسند مولاه. كما تقدم تحقيقه. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩/ ١٥١٤. وفي "الكبرى" ٨/ ١٨٢٠ - بالسند المذكور. وأخرجه (ت) ٥٥٧. وأخرجه (د) من مسند عُمير مولى آبي اللحم ١١٦٨ و (أحمد) ٥/ ٢٢٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥١٥ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدٍ- وَهُوَ الْمَقْبُرِيُّ -عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ, فَقَامَ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ (٣) السُّبُلُ, وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ, وَأَجْدَبَ الْبِلَادُ, فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا, فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ, حِذَاءَ وَجْهِهِ, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا, فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِنْبَرِ, حَتَّى أُوسِعْنَا مَطَرًا, وَأُمْطِرْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى (٤) الْجُمُعَةِ الأُخْرَى, فَقَامَ رَجُلٌ لَا أَدْرِي هُوَ الَّذِي قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : اسْتَسْقِ لَنَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْقَطَعَتِ (٥) السُّبُلُ, وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ, مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ, فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَ عَنَّا الْمَاءَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا, وَلَكِنْ عَلَى الْجِبَالِ, وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ, تَمَزَّقَ السَّحَابُ, حَتَّى مَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا (٦)).

стр. 9782

قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٤ - فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته، بل أذكر ما لم يُذكر هناك، فممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده: ١ - (عيسى بن حماد) بن مسلم التُّجِيبي، أبو موسى المصري، الملقّب "زُغْبة"، ثقة [١٠] تقدم ١٣٥/ ٢١١. ٢ - (الليث) بن سعد تقدم في السند الماضي. ٣ - (سعيد المقبري) بن أبي سعيد، أبو سَعْد المدني، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [٣] تقدّم ٩٥/ ١١٧. قوله: "وأجدبت البلاد"، "الجَدْبُ": هو الْمَحْلُ وزنا ومعنى، وهو انقطاع المطر، ويُبسُ الأرض، يقال: جَدُبَ البلدُ -بالضمّ- جُدُوبةَ، فهو جَدْبٌ، وجَدِيب، وأرضٌ جَدْبَةٌ، وجَدُوبٌ، وأجدَبَتْ إجدابًا، وجَدِبَت تَجْدَبُ، من باب تَعِبَ مثله، فهي مُجْدبة، والجمع مَجَاديبُ، وأجدب القومُ إجدابًا: أصابهم الجَدْب. قاله في "المصباح". وقوله: "يسقينا" بفتح الياء، وضمها، يقال: سقانا اللَّه الغيث، وأسقانا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجنّ: ١٦]. وقوله: "اسقنا" بوصل همزته، وقطعها. وقوله: "حتى أُوسعنا مطرًا" بالبناء للمفعول، والضمير نائب فاعله، و"مطرًا" منصوب على التمييز، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمر يعود إلى اللَّه، أو إلى "رسول اللَّه"، أي أوسعنا بسبب دعائه مطرًا، أو إلى الدعاء. وقوله: "وأُمطرنا" بالبناء للمفعول. وقوله: "حوالينا" منصوب على الظرفية لفعل مقدر، أي أنزل الغيث حوالينا. قال ابن منظور ﵀: وهو حَوْلَهُ، وحَوْلَيْه، وحَوَالَيْهِ، وحَوَالَهُ، ولا تقُل: حَوَاليهِ -بكسر اللام-. وقال في "التهذيب": والحَوْلُ اسم يَجمع الحَوَالَيْ، يقال: حَوَالَيِ الدارِ، كأنها في الأصل حَوَالَيْنِ، كقولك: ذو مال، وأولو مال. قال الأزهريّ: يقال: رأيت الناس حوَالَهُ، وحَوَالَيْهِ، وحَوْلَهُ، وحَوْلَيْهِ، فحَوَالَه وُحْدَانُ حَوَالَيْهِ، وأما حَوْلَيْهِ فهي تثنية حَوْلَهُ، وفي حديث الاستسقاء: "اللهمّ حوالينا, ولا علينا"، يريد: اللهمّ أنزل الغيث علينا في مواضع النبات، لا في مواضع الأبنية، من قولهم: رأيت الناس حَوَالَيْهِ, أي

стр. 9783

مُطيفين به من جَوَانبه انتهى كلام ابن منظور باختصار (١). وقوله: "ما هو" "ما" نافية، و"هو" ضمير شأن، أي ما الأمر والشأن، "إلا أن تكلم الخ" أي بأن تكلم، والباء المقدرة بمعنى المصاحبة والمقارنة، والجارّ والمجرور متعلق بـ "تمزّق"، والمعنى: ما الشأن إلا تمزّق السحاب، وتقطّع تمزّقًا متصلاً ومقرونًا مع تكلمه ﷺ بذلك الكلام. أفاده السندي -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠ - (ذِكْرُ الدُّعَاءِ) ١٥١٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن بشار) أبو بكر بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧. ٢ - (أبو هشام المغيرة بن سلمة) المخزومي البصريّ، ثقة، من صغار [٩] تقدم ٢٨/ ٨١٥. ٣ - (وُهيب) بن خالد البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٣/ ٢٢. ٥ - (أنس) بن مالك ﵁ تقدم في الذي قبله. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم الكلام على تخريجه في الحديث رقم ١/ ١٥٠٤، واستدلال المصنف به على ما ترجم له واضح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ (٢) عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -وَهُوَ الْعُمَرِيُّ- عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ

стр. 9784

الْجُمُعَةِ, فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ, فَصَاحُوا, فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قُحِطَتِ الْمَطَرُ, وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ, فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا, قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا, اللَّهُمَّ اسْقِنَا» , قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ, قَالَ: فَأَنْشَأَتْ سَحَابَةٌ, فَانْتَشَرَتْ, ثُمَّ إِنَّهَا أُمْطِرَتْ, وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى, وَانْصَرَفَ النَّاسُ (١) فَلَمْ تَزَلْ تَمْطُرُ (٢) إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى, فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (٣) ﷺ يَخْطُبُ, صَاحُوا إِلَيْهِ, فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ, وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ, فَادْعُ اللَّهَ أَنْ (٤) يَحْبِسَهَا عَنَّا, فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا, وَلَا عَلَيْنَا, فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ, فَجَعَلَتْ تَمْطُرُ حَوْلَهَا, وَمَا تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً, فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ, وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (المعتمر) بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري الملقب بـ "الطفيل"، ثقة، من كبار [٩] تقدم ١٠/ ١٠. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمر العمريّ) أبو عثمان المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥. ٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] تقدّم ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدم قريبًا. قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: هذا الحديث متفق عليه، وتقدم تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٤ - فلا حاجة إلى إعادته. قوله: "اسقنا" بوصل الهمزة، وقطعها. وقوله: "وايم اللَّه" مختصر من "أيمن اللَّه"، بحذف الهمزة، والنون، ويختصر أيضًا ثانيًا، فيقال: "مُ اللَّه"، بضم الميم، وكسرها. "وإضافته إلى لفظ الجلالة واجبة، وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، أي أيم اللَّه قسمي، أو خبر لمحذوف كذلك، أي قسمي أَيْمُ اللَّه (٥). وقال الفيوميّ: "أَيْمُن" اسم مستعمل في القسم، والتُزم رفعه، كما التُزم رفع "لَعَمْرُ اللَّه"، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من اليُمْنِ، وهو البركة، وعند

стр. 9785

الكوفيين قطعٌ, لأنه جمع يمين عندهم. انتهى (١). وقوله: "قَزَعَة من سحاب" بفتحتين: أي قطعة من غيم، قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذلك في الخريف. وقال الفيّوميّ: القَزَعُ: القِطَعُ من السحاب المتفرّقة، الواحدة قَزَعَة، مثلُ قَصبٍ وقَصَبَة، قال الأزهريّ: وكل شيىء يكون قِطَعًا متفرقة فهو قَزَعٌ. انتهى. وقوله: "أنشأت سحابة" أي خرجت سحابة. وقوله: "أمطرت" بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير السحابة. وقوله: "تمطر" بالبناء للفاعل، وهو من أمطرت رباعيّا، ويحتمل أن يكون مطرف ثلاثيّا، كما تقدم. وقوله: "فتقشعت": أي أقلعت، وتصدّعت السحابة التي كانت تمطر. وقوله: "وإنها لفي مثل الإكليل" الضمير للمدينة، والإكليل، وهو بكسر الهمزة، وسكون الكاف كل شيء دار بين جوانب الشيء، أي صارت حول المدينة كالدائرة حول الشيء، فصار كان المدينة في مثل الدائرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥١٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ: قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ, فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا, وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ, وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ, فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا, فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا, اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» (٢) قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابَةٍ, وَلَا قَزَعَةٍ, وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ, وَلَا دَارٍ فَطَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ, فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ, وَأَمْطَرَتْ, قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ (٣) مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا (٤) , قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ, فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْكَ - هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا (٥) وَلَا عَلَيْنَا, اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ, وَالظِّرَابِ, وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ, وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» , قَالَ: فَأَقْلَعَتْ, وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي

стр. 9786

فِي الشَّمْسِ, قَالَ: شَرِيكٌ سَأَلْتُ أَنَسًا, أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لَا). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في ١/ ١٥٠٤، فممن لم يتقدم هناك من رجال إسناده: ١ - (علي بن حُجْر) السعديّ المروزي نزيل بغداد، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري، أبو إسحاق المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٦/ ١٧. قوله: "أن يغيثنا" قيل: فتح أوله أشهر من ضمه، من غاث اللَّهُ البلادَ يَغِيثُها: إذا أرسل إليها المطر. وقوله: "اللَّهم أغثنا" قال القاضي عياض، والقرطبي: كذا الرواية بالهمزة، رباعيّا، أي هب لنا غَيْثًا، والهمزة فيه للتعدية. وقيل: صوابه غِثْنا, لأنه من غاث، قال: وأما أغثنا، فإنه من الإغاثة، بمعثى المعونة، وليس من طلب الغيث. قال القرطبي: والأول أصوب انتهى (١). وقال السندي بعد ما ذكر نحو ما تقدّم: والإعانة أيضًا مناسبة للمقام في الجملة، كأن المراد أعنّا على طاعتك برزقك انتهى" (٢). وقوله: "ما نرى من سحابة"، أي مجتمعة، "ولا قزعة" أي سحاب متفرّق، قال ابن سيده: القَزَع قِطَعٌ من السحاب رِقَاقٌ، قاله في "الفتح". وقوله: "سلع" بفتح المهملة، وسكون اللام: جبل معروف بالمدينة، وقد حكي أنه بفتح اللام. وقوله: "من بيت، ولا دار"، أي يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودًا، لا مستترًا ببيت، ولا غيره، ووقع في رواية للبخاري في "علامات النبوّة": "قال أنس: "وإن السماء لفي مثل الزجاجة"، أي لشدّة صفائها، وهذا مشعر بعدم السحاب أيضًا. وقوله: "فطلعت" أي ظهرت. وقوله: "مثل الترس" أي مستديرة، ولم يُرد أنها مثله في القدر لأن في رواية حفص بن عبيد اللَّه عند أبي عوانة: "فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا انظر إليها"، فهذا يُشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية ثابت عند البخاريّ: "فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع"، وفي رواية قتادة "فنشأ السحاب بعضه إلى

стр. 9787

بعض"، وفي رواية إسحاق "حتى ثار السحاب أمثال الجبال"، أي لكثرته، وفيه: "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته"، وهذا يدلّ على أن السقف وكَفَ لكونه كان من جريد النخل. وقوله: "فلما توسطت السماء انتشرت" هذا يشعر بأنها استمرّت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق، فانبسطت حينئذ، وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر. وقوله: "ما رأينا الشمس سبتًا" كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمرّ المطر، والشمس بادية، وقد تحُجب الشمس بغير مطر. وأصرح من ذلك رواية إسحاق بلفظ: "فمُطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى". وأما قوله: "سبتا" فوقع للأكثر بلفظ "السبت" -يعني أحد الأيام- والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: "جمعة"، قاله صاحب "النهاية"، قال: ويقال: أراد قطعة من الزمان. وقال الزين ابن المنيّر: قوله: "سبتًا" أي من السبت إلى السبت، أي جمعةً. وقال المحبّ الطبريّ مثله، وزاد أن فيه تجوّزًا, لأن السبت لم يكن مبدأ، ولا الثاني منتهى، وإنما عبّر أنس بذلك لأنه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سمّوا الأسبوع سبتًا لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك. وحكى النوويّ تبعًا لغيره كثابت في "الدلائل" أن المراد بقوله: "سبتا" قطعة من الزمان، ولفظ ثابت: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما السبت قطعة من الزمان، وأن الداوديّ رواه بلفظ: "ستّا" وهو تصحيف. قال الحافظ: وتعُقّب بأن الداوديّ لم ينفرد بذلك، فقد وقع في رواية الحمويّ، والمستملي هنا "ستًا"- وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت، عن أنس، وكأن من ادعى أنه تصحيف استبعد اجتماع قوله: "سبتا"، مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر: "سبعًا"، وليس بمستبعد, لأن من قال: "ستّا" أراد ستة أيام تامة، ومن قال: "سبعًا" أضاف أيضًا يوما ملفّقًا من الجمعتين. وقد وقع في رواية مالك، عن شريك: "فمطرنا من جمعة إلى جمعة"، وفي رواية للنسفي "فدامت جمعة"، وفي رواية عبدوس والقابسيّ فيما حكاه عياض "سبتنا"، كما يقال: "جمعتنا". وفي رواية قتادة "فمطرنا، فما كدنا نصل إلى منازلنا"، أي من كثرة

стр. 9788

المطر. وفي رواية ثابت عند البخاري "فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا"، ولمسلم من رواية ثابت "فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله". ولابن خزيمة من رواية حميد "حتى أهمّ الشابّ القريب الدار الرجوع إلى أهله". وللبخاريّ من طريق قتادة "حتى سألت مَثَاعب المدينة"، ومثاعب جمع مَثْعَب بالمثلثة وآخره موحدة: مسيل الماء. أفاده في "الفتح" (١). وقوله: "حوالينا" بفتح اللام، أي أنزل المطر حوالينا، وتقدم الكلام في لفظ "حوالينا". وقوله: "ولا علينا" فيه بيان للمراد بقوله: "حوالينا" لأنها تشمل الطرق التي حولهم، فأراد إخراجها بقوله: "ولا علينا". قال الطيبيّ: في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيًا للآكام، وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصَةً للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تجُوع الحرّة، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، ولكنه لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك أَنَفًا انتهى (٢). وقوله: "اللَّهم على الآكام" فيه بيان المراد بقوله: "حَوَالينا"، وتقدم الكلام على لفظ "الآكام". وقوله: "والظراب" بكسر المعجمة، وآخره موحدة، جمع ظَرِب بكسر الراء، وقد تسكن، وقال القزاز: هو الجبل المنبسط ليس بالعالي. وقال الجوهريّ: الرابية الصغيرة. وقوله: "فأقلعت" أي انقطعت السماء، أي السحاب الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 9789

١١ - (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الدُّعَاءِ) ١٥١٩ - (قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, وَيُونُسَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ, وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي, فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ, وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ, وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ, ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ, قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: فِي الْحَدِيثِ: "وَقَرَأَ فِيهِمَا"). قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٢/ ١٥٠٥ و ٥/ ١٥٠٩ - وممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١ - (الحارث بن مسكين) المصريّ، ثقة فقيه [١٠] تقدم ٩/ ٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الحافظ المثبت [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩. واستدلال المصنف على ما ترجم له واضح، فإنه يدل على أن الصلاة بعد الدعاء، حيث أتى بـ "ثمّ" الدالّة على الترتيب والمهلة، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في ٥/ ١٥٠٩ - وأن الراجح جواز التقديم والتأخير. [واعلم]: أن حديث الباب يدلّ على مشروعية الصلاة للاستسقاء، وهو مذهب جمهور العلماء، وخالف فيه طائفة من علماء الكوفة، منهم النخعيّ، وهو قول أبي حنيفة، قالوا: إنما يستحبّ في الاستسقاء الدعاء، والاستغفار خاصّة. وهؤلاء يعتذر لهم -كما قال الحافظ ابن رجب- بأنه لم تبلغهم سنة الصلاة كما بلغ الجمهور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 9790

١٢ - (كَمْ صَلَاةُ الاسْتِسْتِقَاءِ) ١٥٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَسْتَسْقِي, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ). قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: هذا الحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في ٢/ ١٥٠٥، فممن لم يتقدم من رجاله هناك: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري الحافظ الثقة [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري الإمام الحافظ الحجة [٩] تقدم ٤/ ٤. ٣ - (يحيى) بن سعيد الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم قبل باب. وأبو بكر بن محمد هو ابن عمرو بن حزم. والحديث متفق عليه، وهو يدل على ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان عدد صلاة الاستسقاء، وهو ركعتان، وهذا لا خلاف فيه بين من يقول بمشروعيتها، وهم الجمهور، وقد نقل الإجماع على ذلك النووي في "شرح مسلم"، والحافظ في "الفتح"؛ للتصريح بذلك في حديث الباب وغيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٣ - (كَيْفَ صَلَاةُ الاسْتِسْقَاءِ) ١٥٢١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: أَرْسَلَنِي أَمِيرٌ مِنَ الأُمَرَاءِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, أَسْأَلُهُ عَنْ الاِسْتِسْقَاءِ, فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ مَا مَنَعَهُ أَنْ يَسْأَلَنِي؟ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلاً (١) مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ,

стр. 9791

وَلَمْ (١) يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ (٢) هَذِهِ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث حسنٌ، وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى في ٣/ ١٥٠٦ - فلاحاجة إلى الإعادة، بل أذكر ما لم يذكر هناك. فممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١ - (محمود بن غيلان) المروزي، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧. ٢ - (وكيع) بن الجراح الكوفي، ثقة حافظ حجة [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥. قوله: "متواضعًا" أي في الظاهر. وقوله: "متخشعًا" أي في الباطن، وقال الشوكاني: قوله: "متخشعًا" أي مظهرًا للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند اللَّه . وقوله: "متضرّعا" أي مظهرًا للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة، والمبالغة في السؤال، والرغبة. واستدلال "المصنف ﵀ على ما ترجم له واضح، فإنه يدل على كيفية صلاة الاستسقاء، وهي أنها كصلاة العيد، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: (أحدهما): أنها تصلى كما تصلى صلاة العيد بتكبيرات قبل القراءة. وقد روي هذا عن ابن عباس، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو قول الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو ظاهر مذهب المصنف. (الثاني): تصلى بغير تكبير زائد، وهو قول مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد في رواية, وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشميّ. واستدلّ الأولون بحديث الباب، وتأوله الآخرون على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونها قبل الخطبة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي مذهب الأولين لظاهر حديث الباب، وتأويل الآخرين له بما ذكر بعيد. والحاصل أن المستحب أن تُصَلَّى صلاةُ الاستسقاء عدى صفة صلاة العيد من التكبيرات الزوائد وغيرها. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الدارقطنيّ من حديث ابن عباس أنه يكبّر فيها سبعًا، وخمسًا كالعيد، وأنه يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. وفي إسناده محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهريّ، وهو متروك. وروى يزيد بن عياض، عن أبي بكر بن عمرو

стр. 9792

ابن حزم، وابنيه عبد اللَّه، ومحمد، ويزيد بن عبد اللَّه بن أسامة، وابن شهاب عندهم يحدّثه، عن عبد اللَّه بن يزيد، قال: رأيت النبي ﷺ استسقى، فذكر الحديث، قال: ثم صلى ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، فكبر في الركعة الأولى سبعا، وفي الآخرة خمسًا، يبدأ بالتكبير قبل القراءة في الركعتين كليهما. ويزيد بن عياض بن جُعدُبة المدني متروك، لا يحتجّ به. وروي خلاف هذا من رواية حسين بن عبد اللَّه بن عطاء، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس، أن النبي ﷺ صلى في الاستسقاء في كل ركعة تكبيرةٌ، وخَطَبَ قبل الصلاة، وقَلَبَ رِدَاءَهُ لمّا دعا. أخرجه أبو القاسم البغوي، والترمذي في "كتاب العلل" مختصرا، وقال: سألت البخاري عنه؟ فقال: هذا خطأ، وعبد اللَّه بن حسين منكر الحديث، روى مالك وغيره، عن شريك، عن أنس أن النبي ﷺ استسقى، ليس فيه هذا. قال الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى-: يشير البخاريّ إلى حديث الاستسقاء في الجمعة، وهذا المتن غير ذلك المتن، فإن هذا فيه ذكر صلاة الاستسقاء، والخطبة لها، وقلب الرداء في الدعاء، لكنه غير محفوظ عن شريك، عن أنس انتهى. (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٤ - (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ) ١٥٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ عَمِّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ, فَاسْتَسْقَى, فَصَلَّى (٢) رَكْعَتَيْنِ, جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ). قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدم البحث فيه مُسْتَوْفًى برقم ٢/ ١٥٠٥، وممن لم يتقدّم من رجاله هناك:

стр. 9793

١ - (محمد بن رافع) النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] تقدم ٩٢/ ١١٤. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. وسفيان المذكور هنا هو الثوريّ الإمام الحجة الثبت الكوفي [٧] ٣٣/ ٣٧، والمذكور هناك هو ابن عيينة. واستدلال المصنف بالحديث فيما ترجم له واضح، حيث إنه يدل على استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء. قال النووي في شرح مسلم: أجمعوا على استحباب الجهر، وكذا نقل الإجماع على استحبابه ابن بطال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (الْقَوْلُ عِنْدَ الْمَطَرِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القول" بمعنى المقول، أي الذكر الذي يقال عند نزول المطر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٥٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أُمْطِرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا نَافِعًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجّة المثبت [٨] تقدّم ١/ ١. ٣ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهَير، أبو سَلَمَة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٧] ٨/ ٨. ٤ - (المِقْدِام بن شُرَيح) بن هانئ بن يزيد الحارثيّ الكوفي، ثقة [٦] تقدم ٨/ ٨. ٥ - (شُريح بن هانئ) بن يزيد الحارثيّ، أبو المقدام الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢] تقدم ٨/ ٨. ٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها -، تقدمت ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9794

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه ما بين مكيين، وهما شيخه، وسفيان، وكوفيين، وهم الباقون، سوى عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرحِ الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أُمْطِرَ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "إذا مُطِرْنا"، وقد تقدّم أنه يقال: مَطَرَت السماءُ، وأمطرت، ثلاثيّا، ورباعيّا، في الرحمة، وأما في العذاب، فيقال: أمطرت بالألف لا غير، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨] , وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] الآية (قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا) أي مطرًا مُنهمِرًا متدفْقًا، قاله في "اللسان"، وذكر البخاري في "صحيحه" أن ابن عباس ﵄ قال: "الصيّب": المطر، قال في "الفتح": وإليه ذهب الجمهور، وقال بعضهم: الصيّب السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازًا (١). ولفظ "الكبرى": "سَيْبًا" بالسين بدل الصاد، قال في "اللسان" السَّيْبُ: العطاء، قال: وفي حديث الاستسقاء: "واجعله سَيْبًا نافعًا"، أي عطاءً، ويجوز أن يريد مطرًا سائبًا، أي جاريًا انتهى. (نَافِعًا) صفة لـ"صيّبًا"، احترز به عن الصيّب الضارّ. وهذا الحديث من هذا الوجه مختصر، وقد ساقه المصنّف في "الكبرى" من طريق الثوريّ، عن المقدام بن شُريح، عن عائشة ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ إذا رأى ناشئًا في أفق من آفاق السماء ترك عمده، وإن كان في صلاة، فإن كشفه اللَّه حَمَد اللَّه، وإن أَمطَرَت قال: "اللَّهم سيبا نافعًا". ومن طريق يزيد بن المقدام، عن أبيه،: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا رأى سحابا مقبلاً من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه، وإن كان في الصلاة حتى يستقبله، فيقول: "اللَّهم إنا نعوذ بك من شرّ ما أرسل له"، فإن أمطر قال: "اللَّهم سيبا نافعًا، اللَّهمّ سيبا نافعًا"، وإن كشفه اللَّه، ولم يمطر حمد اللَّه على ذلك.

стр. 9795

ومن طريق عطاء، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا رأى مَخِيلَة -تعني الغيم- تلوّن وجهه، وتغيّر، ودخل وخرج، وأقبل وأدبر، فإذا أمطر سُرّي عنه، قالت عائشة: فذكرت له بعض ما رأيت منه، قال: "وما يدريك لعله كما قال قوم هود: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. ولمسلم من رواية عطاء، عن عائشة ﵁: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم، عُرِف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مَطَرت سُرَّ به، وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته؟ فقال: "إني خشيت أن يكون عذابا سُلّط على أمتي"، ويقول: إذا رأى المطر: "رحمة". ودلالة حديث الباب على ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة، حيث يدلّ على استحباب الدعاء بما ذُكر عند نزول المطر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاري. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٥/ ١٥٢٣ - وفي الكبرى- ١٣/ ١٨٢٨ - بالسند المذكور. وفي "الكبرى" أيضا ١٣/ ١٨٢٩ و"عمل اليوم والليلة" ٩١٥ - عن إبراهيم بن محمد التيمي، عن يحيى القطان، عن سفيان، عن المقدام به مطوّلا. و"الكبرى"-١٨٣٠ - و"عمل اليوم" ٩١٤ - عن قتيبة، عن يزيد بن المقدام، عن أبيه. و"الكبرى" ١٨٣١ - عن عبد الوهّاب بن الحكم، عن معاذ بن معاذ، عن ابن جُريج، عن عطاء، عنها. و ١٨٣٢ - عن نوح بن حبيب، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عنها. وأخرجه (خ) رقم ١٠٣٢ (د) ٥٠٩٩ (ت) ٣٢٥٧ (ق) ٣٨٨٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان ما يُقال عند نزول المطر. (ومنها): بيان ما كان عليه النبي ﷺ من شدة الخوف من اللَّه تعالى، مع أنه تعالى وعده أن لا يُعذّب أمته، وهو فيهم. (ومنها): أن من صفات المؤمن عدمُ الأمن من مكر اللَّه، واستدراجِهِ من حيث لا يعلم، كما قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. واللَّه تعالى أعلم

стр. 9796

بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (كَرَاهِيَةُ الاسْتِمْطَارِ بِالْكَوْكَبِ (١)) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالكراهية التحريم، وقد تقدم في أوائل هذا الشرح بيان المراد بالكراهة عند السلف، وهو أنهم يريدون به التحريم، قال اللَّه تعالى بعد أن ذكر عدة محرمات، من الشرك، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وغيرها: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. وأما إطلاقه على معنى التنزيه، وخلافِ الأولى فإنه عرف طارئ للمتأخرين من الأصوليين، والفقهاء، فينبغي التنبّه لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام، فإن كثيرًا من المتأخرين لا يعرفون إلا المعنى الثاني، فإذا سمعوا إطلاق السلف للكراهة حملوه على معنى التنزيه، وخلاف الأولى، وهذا خطأ فاحش. واللَّه تعالى أعلم. ومعنى الاستمطار بالكوكب: الاستسقاء بها. أفاده في "اللسان". ١٥٣٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ: اللَّهُ : مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ, إِلاَّ أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ, يَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ, وَبِالْكَوْكَبِ (٢)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن سوّاد بن الأسود بن عمرو) العامري، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] تقدم ٤٥/ ٥٩٤. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الحافظ المثبت [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، تقدم قبل أربعة أبواب.

стр. 9797

٤ - (ابن شهاب) الزهريّ تقدم قبل أربعة أبواب أيضًا. ٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة) المدني الفقيه المثبت [٣] تقدم ٤٥/ ٥٦. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، ونصفه الثاني مسلسل بثقات المدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها) أن فيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ: اللَّهُ ) قال في "الفتح": وهذا من الأحاديث الإلهية، وهي تحتمل أن يكون النبي ﷺ أخذها عن اللَّه بلا واسطة، أو بواسطة. انتهى (مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي) هذه الإضافة للعموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر، بخلاف قوله: تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر: ٤٢]، فإنها إضافة تشريف (من نِعْمَةِ) "من" زائدة للتقوية، أي ما أنزلتُ عليهم من مطر (إِلاَّ أَصْبَحَ فَرِيقٌ) "أصبح" من الأفعال التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، و"فريق" اسمها، و"كافرين" خبرها، وقوله (مِنْهُمْ) متعلق بمحذوف صفة لـ"فريق" وقوله (بَها) متعلق بـ (كَافِرِينَ) أي جاحدين كونها من اللَّه تعالى، ومن فضله، أو بسببها كافرين بالمعبود، وبالمنعم الذي أنعم عليهم, لأنها تصير سببا للنسبة إلى غيره تعالى (يَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ) مبتدأ حذف خبره، أي آتٍ بها، أو فاعل لفعل محذوف، أي أتى بها الكوكب (وَبِالْكَوْكَبِ) متعلق بمحذوف، أي مُطرنا، أو سُقينا بالكوكب. وقال في "الفتح" عند قوله: "مؤمن بي، وكافر": يحتمل أن يكون المراد بالكفر هنا كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان, ولأحمد من رواية نصر بن عاصم الليثيّ، عن معاوية الليثي، مرفوعًا: "يكون الناس مُجدبين، فَيُنزل اللَّه عليهم رزقًا من السماء، من رزقه، فيصبحون مشركين، يقولون: مُطرنا بنوء كذا". ويحتمل أن يكون المراد به كفر النعمة، ويرشد إليه قوله في رواية معمر، عن صالح: "فأما من حمدني على سُقْيايَ، وأثنى عليّ، فذاك آمن بي"، وفي رواية سفيان

стр. 9798

عند النسائي، والإسماعيليّ نحوه، وقال في آخره: "وكفر بي"، أو قال: "كفر نعمتي"، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: "قال اللَّه: ما أنعمت عدى عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم كافرين بها"، وله في حديث ابن عباس: "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر". وعلى الأول حمله كثير من أهل العلم، قال: وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام الشافعي ﵀، قال في "الأمّ": من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يَعْنُون من إضافة المطر إلى أنه مَطَرُ نوءِ كذا، فذلك كفر، كما قال رسول اللَّه ﷺ , لأن النوء وقت، والوقت مخلوق، لا يملك لنفسه، ولا لغيره شيئًا، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرًا، وغيرُهُ من الكلام أحبّ إليّ منه، يعني حسمًا للمادّة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث. وحكى ابن قُتيبة في "كتاب الأنواء" أن العرب كانت في ذلك على مذهبين على نحو ما ذكره الشافعي، قال: ومعنى النَّوْء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، قال: وهو مأخوذ من ناء: إذا سقط. وقال آخرون: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء: إذا نهض، ولا تخالف بين القولين في الوقت, لأن كلّ نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب، لا يزال ذلك مستمرّا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة، فإن لكلّ واحد منها ثلاثة عشر يومًا تقريبًا. قال: وكانوا في الجاهلية يظنّون أن نزول الغيث بواسطة النَّوْء، إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم، وجعله كفرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك، فكفره كفر تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة، فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة, لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين، لتناول الأمرين. واللَّه تعالى أعلم. ولا يَرِدُ الساكت, لأن المعتقد قد يشكر بقلبه، أو يكفر، وعلى هذا فالقول في قوله: "فأما من قال" لما هو أعمّ من النطق والاعتقاد، كما أن الكفر فيه لما هو أعمّ من كفر الشرك، وكفر النعمة، واللَّه أعلم بالصواب. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 9799

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٦/ ١٥٢٤ - وفي "الكبرى"-١٤/ ١٨٣٥ - وفي "عمل اليوم والليلة" رقم ٩٢٣ - بالسند المذكور. "المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ١/ ٥٩ (أحمد) ٢/ ٣٦٢ و ٢/ ٣٦٨ و ٢/ ٤٢١ و ٢/ ٥٢٥ (الحميديّ) ٩٧٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ, قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ, إِلاَّ أَصْبَحَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ, يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا, فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ, فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي, وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبِ, وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا, فَذَاكَ الَّذِي كَفَرَ بِي, وَآمَنَ بِالْكَوْكَبِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المثبت [٨] تقدم ١/ ١. ٣ - (صالح بن كيسان) أبو محمد المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه) بن عتبة المذكور في السند الماضي. ٥ - (زيد بن خالد الجُهَنيّ) المدني الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٨/ ٧٥٦. [تنبيه]: وقع في النسختين المطبوعتين من "المجتبى" "يزيد بن خالد" بزيادة الياء، وهو غلط. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين بغلاني، وهو شيخه، ومكي، وهو سفيان، ومدنيين، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 9800

شرح الحديث (عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا يقول صالح بن كيسان، لم يُختلف عليه في ذلك، وخالفه الزهريّ، فرواه عن شيخهما عبيد اللَّه، عن أبي هريرة، كما تقدم في الرواية التي قبل هذا، وقد صحح الحديث مسلم بالطريقين، فأخرجهما في "صحيحه" بهما, لأن عبيد اللَّه سمع من زيد بن خالد، وأبي هريرة ﵁ جميعًا عدّة أحاديث، منها حديث العَسِيف، وحديث الأمة إذا زنت، فلعله سمع هذا منهما، فحدّث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وإنما لم يجمعهما لاختلاف لفظهما، كما سنشير إليه. وقد صرّح صالح بسماعه له من عُبيد اللَّه عند أبي عوانة، وروى صالح، عن عبيد اللَّه بواسطة الزهريّ عدة أحاديث، منها حديث ابن عباس في شاة ميمونة، وحديثه عنه في قصة هرقل انتهى (١) (قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "صلى لنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء، كانت من الليل، فلما انصرف النبي ﷺ أقبل على الناس … " (فَقَالَ: "أَلَمْ تَسْمَعُوا مَاذَا قَالَ: رَبُّكُمُ اللَّيلَةَ؟) وفي رواية البخاريّ: "هل تدرون، ماذا قال ربكم؟، قالوا: اللَّه ورسوله أعلم " (قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي من نِعْمَةٍ، إِلاَّ أَصْبَحَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَهِا كَافِرِينَ) قال القرطبي في "المفهم": ظاهره أنه الكفر الحقيقيّ, لأنه قابل به المؤمن الحقيقيّ، فيُحمل على من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخدقها, لا من فعل اللَّه تعالى، كما يعتقده بعض جهال المنجّمين، والطبائعيين، والعرب. فأما من اعتقد أن اللَّه تعالى هو الذي خلق المطر، واخترعه، ثم تكلم بذلك القول، فليس بكافر، ولكنه مخطئ من وجهين: (أحدهما): أنه خالف الشرع، فإنه حذّر من ذلك الإطلاق. (وثانيهما): أنه قد تشبّه بأهل الكفر في قولهم، وذلك لا يجوز, لأنا أمرنا بمخالفتهم، فقال: "خالفوا المشركين" (٢)، و"خالفوا اليهود" (٣)، ونهينا عن التشبّه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأفعال والأقوال، ولأن اللَّه تعالى قد منعنا من التشبه بهم في النطق بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لآية [البقرة: ١٠٤] لَمّا كان اليهود يقولون تلك الكلمة للنبي ﷺ يقصدون ترعينه، منعنا اللَّه

стр. 9801

من إطلاقها، وقولها للنبي ص، وإن قصدنا بها الخير، سدّا للذريعة، ومنعنا من التشبّه بهم. فلو قال غيرَ هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى اللَّه تعالى به سنته جاز، كما قال ص: "إذا أنشات بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيقة (١) " انتهى كلام القرطبي (٢). (يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوء كَذَا وَكَذَا) أي مُطرنا بطلوع نجم، وسقوط آخر، قال الزجّاج: والنوء على الحقيقةَ سقوط نجم في المغرب، وطلوع آخر في المشرق، فالساقطة في المغرب هي الأنواء، والطالعة في المشرق هي البَوَارحُ، قال: وقال بعضهم: النوء ارتفاع نجم من المشرق، وسقوط نظيره في المغرب، وهو نظير القول الأول، فإذا قال القائل: مُطرنا بنَوء الثريّا، فإنما تأويله أنه ارتفع النجم من المشرق، وسقط نظيره في المغرب، أي مطرنا بما ناء به هذا النجم، قال: وإنما غَلَّظ النبي ﷺ فيها لأن العرب كانت تزعُمُ أن ذلك المطر الذي جاء بسقوط نجم، هو فعل النجم، وكانت تنسب المطر إليه، ولا يجعلونه سُقيا من اللَّه، وإن وافق سقوطَ ذلك النجم المطرُ يجعلون النجم هو الفاعل. ذكره في "اللسان". وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: والنّوء في كلام العرب واحد أنواء النجوم، يقال: ناء النجم يَنُوءُ: أي نَهَضَ ينهَضُ للطلوع، وقد يكون أن يميل للمغيب، ومما قيل: ناوأت فلانا بالعداوة: أي ناهضته، ومنه قولهم: الحَمْلُ ينوءُ بالدّابّة، أي يميل بها، وكلّ ناهض بثقل وإبطاء فقد ناء. والأنواء على الحقيقة النجوم التي هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، فكلما غاب منها منزل بالمغرب طلع رقيبه من المشرق، فليس يعدم منها أبدًا أربعة عشر للناظرين في السماء، وإذا لم ينزل مع النوء ماء، قيل: خَوَى النجمُ، وأخوى، وخوّى النوء، وأخلف، وأما العرب فكانت تضيف المطر إلى النوء، وهذا عندهم معروف مشهور في أخبارهم، وأشعارهم، فلما جاء الإسلام نهاهم رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، وأدّبهم، وعرّفهم ما يقولون عند نزول الماء، وذلك أن يقولوا: "مُطرنا بفضل اللَّه، ورحمته"، ونحو هذا من الإيمان والتسليم، لما نطق به القرآن انتهى (٣).

стр. 9802

(فأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي، وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ) بضم السين اسم من سقاه اللَّه (فَذَاكَ الَّذِي آمَنَ بِي، وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبِ) أي صدّق بأن المطر خلقي، لا خلق الكوكب، أرحم به عبادي، وأتفضّل به عليهَم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] (وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَاكَ الَّذي كَفَرَ بِي، وَآمَنَ بِالْكَوْكَبِ) حيث نسب للمخلوق ما هو من خصوصيات الخالق، فجحد نعمة اللَّه تعالى في ذَلك، وظلم بنسبتها لغير المنعم بها، فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقة، وإن كان عن غير اعتقاد، فقد تشبّه بأهل الكفر والظلم الحقيقيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن خالد الجهني - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٦/ ١٥٢٥ - وفي "الكبرى" ١٤/ ١٨٣٤ - و"عمل اليوم والليلة" رقم ٩٢٤ - بالسند المذكور. وفي "عمل اليوم والليلة" ٩٢٥ - عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن صالح بن كيسان به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ٢١٤ و ٥/ ١٥٥ - و ٩/ ١٧٧ (م) ١/ ٥٩ (د) ٣٩٠٦ (مالك في المموطإ) ١٣٦ (الحميدي) ٨١٣ (أحمد) ٤/ ١١٥/ و ٤/ ١١٦ و ٤/ ١١٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو تحريم الاستمطار بالكواكب. (ومنها): وجوب شكر اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]، قال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنه -: شكركم، وقال الطبريّ: المعنى وتجعلون الرزق الذي وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به، وقيل: بل الرزق بمعنى الشكر في لغة أزد شنوءة. نقله الطبري عن الهيثم بن عديّ. وقد أخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: "وتجعلون شكركم أنكم تكذّبون". وأخرج مسلم من طريق أبي زُميل، عن ابن عباس، قال: "مُطِرَ الناسُ على عهد رسول اللَّه ص" فذكر نحو حديث زيد بن خالد في الباب، وفي آخره: "فأنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى

стр. 9803

قوله: ﴿تكذّبون﴾ [الواقعة: ٧٥] (١). (ومنها): استحباب أن يقول عند نزول المطر: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ عَتَّابِ بْنِ حُنَيْنٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْمَطَرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ, ثُمَّ أَرْسَلَهُ لأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ, يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الجبّار بن العلاء) العطار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩. ٢ - (سفيان) بن عُيينة المذكور في السند الماضي. ٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي المكيّ، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (عتّاب بن حُنين) أو ابن أبي حُنين، مقبول [٤]. روى عن أبي سعيد الخدري حديث الباب فقط. وعثه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد اللَّه بن صيفي، ذكره ابن حبان في "الثقات". وفي "مسند أحمد" جـ ٣ ص ٧: قال سفيان -يعني ابن عيينة-: لا أدري من عتّاب؟. انفرد به المصنف بحديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "غياث" بالغين المعجمة، والتحتانية، والمثلثة بدل "عَتّاب"، وهو تصحيف، فتنبّه. ٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَمْسَكَ اللَّه الْمَطَرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ) وفي "عمل اليوم والليلة" من طريق حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار: "لو أمسك اللَّه القطر عن الناس عشر سنين … " (ثُمَّ أَرْسَلَهُ لأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا) بالبناء للمفعول (بنَوْءِ الْمِجْدَحِ) بكسر الميم، وتُضمّ، وفي "عمل اليوم والليلة": قال أبو عبد الرحمن -أَي النسائي-: المِجْدَح الشَّعْرَى انتهى.

стр. 9804

وفي "زهر الربى": المجدح نجم من النجوم، قيل: هو الدَّبَرَان، وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي، تشبيهًا بالمِجدح (١) الذي له ثلاث شُعَب، وهو عند العرب من الأنواء الدالّة على المطر (٢). وقال الحافظ ابن عبد البرّ: زعم الخليل أن المجدح نجم كانت العرب تزعم أنها تُمطَر به، فيقال: أرسلت السماء بمجادح الغيث، ويقال: مِجدح، ومُجدح بالكسر، والضمّ. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف، لتفرد عتّاب بن حُنين به، وهو -كما في "ت"- مقبول، أي يحتاج إلى متابع، وقد تقدم أن ابن عيينة قال: لا أدري من هو؟. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٦/ ١٥٢٦ - وفي "الكبرى" ١٤/ ١٨٣٦ - بالإسناد المذكور. وفي "عمل اليوم والليلة" ٩٢٦ - عن أبي داود سليمان بن سيف، عن عفّان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عمرو به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (مَسْأَلَةُ الإِمَامِ رَفْعَ الْمَطَرِ إِذَا خَافَ ضَرَرَهُ (٤)) ١٥٣٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قُحِطَ الْمَطَرُ عَامًا, فَقَامَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ, فَقَالَ:

стр. 9805

يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ الْمَطَرُ, وَأَجْدَبَتِ الأَرْضُ (١) , وَهَلَكَ الْمَالُ, قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ (٢) , وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ سَحَابَةً, فَمَدَّ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ, يَسْتَسْقِى اللَّهَ قَالَ: فَمَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ حَتَّى أَهَمَّ الشَّابَّ الْقَرِيبَ الدَّارِ الرُّجُوعُ (٣) إِلَى أَهْلِهِ فَدَامَتْ جُمُعَةٌ, فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الَّتِي تَلِيهَا, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ, وَاحْتَبَسَ الرُّكْبَانُ, قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسُرْعَةِ مَلَالَةِ ابْنِ آدَمَ, وَقَالَ بِيَدَيْهِ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا, وَلَا عَلَيْنَا». فَتَكَشَّطَتْ (٤) عَنِ الْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (علي بن حُجْر) السعديّ المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٦/ ١٧. ٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصري، ثقة ثبت [٥] تقدم ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم ٦/ ٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (٨٩) من رباعيات الكتاب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه مستوفًى في ١/ ١٥٠٥ - فلا حاجة إلى إعادته هنا، إلا أن نوضّح بعض ما يُستغرَب منه: فقوله: "قَحَطَ المطرُ"، بالبناء للفاعل، وللمفعول، يقال: قَحَطَ المطرُ قَحْطًا، من باب نَفَعَ: احتبس، وحَكَى الفراء: قَحِطَ قَحَطًا، من باب تَعِبَ، وقَحُطَ بالضمّ، فهو قَحِيطٌ، وقُحِطَت الأرضُ، والقومُ بالبناء للمفعول، وبلدٌ مقحوطٌ، وبلادٌ مَقَاحيط، وأقحط اللَّه الأرضَ بالألف، فأَقْحَطَتْ، وهي مُقْحِطَةٌ، وأَقْحَطَ القومُ: أصابهم القَحْطُ بالبناء للفاعل والمفعول. قاله الفيّوميّ (٥). وقوله: "وأجدبت الأرضُ"، ويقال: جَدِبَت، من باب تَعِبَ: انقطع المطر عنها. وقوله: "حتى أهمّ الشابّ" بالنصب مفعول "أهمّ"، و"القريبَ" صفته، وهو مضاف إلى "الدار" من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها، و"الرجوع" بالرفع فاعل "أهم". وقوله: "فدامت" أي السحابة الماطرة "جمعة" بالنصب على الظرفية، وهو في معنى
следующие страницы →