- معنى العمرة
لغة: الزيارة.
شرعاً: زيارة البيت الحرام للنسك.
стр. 667
- حكمها:
هي فرض عين على كل مستطيع، ودليل فرضيتها قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله.﴾ (١) . وما روته عائشة ﵂، قالت: "قلت يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: (نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) " (٢) .
وهي فرض لمرة واحدة، لحديث جابر أن سراقة بن جعشم ﵁ سأل النبي ﷺ عن العمرة، فقال: "يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: (دخلت العمرة في الحج -مرتين-، لا بل لأبد الأبد) " (٣) .
ووجوب الحج والعمرة على التراخي، ما لم يخش المرض، بدليل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ (٤) ، وهذا القول مطلق عن تعيين الوقت، ولا يجوز تقييد النص إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. إلا أنه إن أخر بعد التمكن،
ومات قبل أداء فريضة الحج، مات عاصياً، ووجب قضاؤها من تركته.
стр. 668
شروط الحج والعمرة:
стр. 669
أولاً- شروط للصحة مطلقاً:
стр. 670
- وهي الإسلام فقط، فلا يصح الحج أو العمرة من كافر أصلي أو مرتد، لعدم أهليته للعبادة. ويصح إحرام الولي أو مأذونه عن الصبي المسلم غير المميز ومباشرته الأعمال عنه، بدليل ما روي عن ابن عباس ﵄ " أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) " (١) .
стр. 671
ثانياً - شروط صحة المباشر بالنفس:
стр. 672
- الإسلام والتمييز، فيصح من الصبي والعبد، ويثاب كل منهما عليه، لكن لا يجزئهما عن حجة الإسلام، ويحرم المميز بإذن وليه، ويباشر الأعمال بنفسه، ويجوز للولي أن يحرم عنه، بأن يقول: نويت الإحرام عن فلان بكذا، أو جعلته محرماً بكذا. وبعد أن يصير محرماً يمنعه وليه عن جميع محرمات الإحرام، ويحضره مواضع النسك كلها وجوباً في الواجب، وندباً في المندوب.
стр. 673
ثالثاً - شروط وقوعه عن حجة الإسلام:
стр. 674
- الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية.
стр. 675
رابعاً - شروط الوجوب:
стр. 676
١- الإسلام: فلا يجب الحج ولا العمرة على الكافر الأصلي، ولا أثر لاستطاعته في حال الكفر، ولا يستقر الحج في ذمته بها، بل يعتبر حاله بعد الإسلام، فإن استطاع لزمه، وإلا فلا، لقوله ﷺ فيما رواه عنه عمرو بن العاص ﵁: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) (١) .
أما المرتد فيجب عليه وجوب مطالبة، بأن يقال له: أسلم ثم حج، فإن كان مستطيعاً قبل ردته أو أثناء ردته ثم أسلم فأعسر، استقر في ذمته بتلك الاستطاعة، وإن مات بعد إسلامه ولم يحج حُجَّ عنه من تركته، أما إن مات مرتداً فلا يحج عنه.
стр. 677
٢- العقل: فلا يجب الحج على المجنون، ودليله ما روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل) (٢) .
стр. 678
٣- البلوغ: فلا يجب على الصبي، لكنه يثاب على حجه بثواب نفل. فإن بلغ الصبي أثناء القيام بأعمال الحج أو العمرة، وقبل الوقوف بعرفة، أو في أثنائه، أجزأه النسك، ويعيد السعي إن كان قد سعى بعد طواف القدوم.
стр. 679
٤- الحرية: فلا يجب على الرقيق ولو مبعضاً، لأن العبد المملوك مستغرق في خدمة سيده، ولأن الاستطاعة شرط، وهي لا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة، والعبد لا يملك شيئاً.
стр. 680
٥- الاستطاعة: لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ ، والمراد منها استطاعة التكليف بهذه الفريضة.
والاستطاعة نوعان: استطاعة بنفسه، واستطاعه بغيره:
أولاً - استطاعة المباشرة بالنفس: وشروطها خمسة للرجل والمرأة سواء، وشرطان خاصان بالمرأة دون الرجل.
أما الخمسة العامة فهي:
-١ - وجود الزاد وقدر النفقة ذهاباً وإياباً، فإذا لم يجد الزاد وحج معولاً على السؤال كره له ذلك، وذهب الشافعي إلى أنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة ممن لا منة له على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لولده. كما يشترط وجود أوعية الزاد إن احتاج إليها لحمل الزاد من بلده، أما الشخص القريب من مكة فقد لا يحتاج إلى ذلك. ويشترط وجود الماء والزاد في المواضع المعتاد حمله منها بثمن المثل، فلو لم يجد الماء أصلاً، أو وجده بأكثر من ثمن المثل لم يجب عليه الحج، وكذلك وجود علف الدابة التي يركبها، في كل مرحلة (٣) .
-٢ - وجود آلة الركوب التي تليق، في حق المرأة والخنثى مطلقاً، أما في حق الرجل فيشترط ذلك إن طال سفره؛ أي إن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، ولو كان قادراً على المشي. أما إن كان سفره أقل من مرحلتين، وهو قادر على المشي فلا تشترط آلة الركوب من راحلة وغيرها. ودليل ما سبق أن رسول الله ﷺ فسر السبيل في الآية ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ باستطاعة الزاد والراحلة، روي عن أنس ﵁ قال: "قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة) " (٤) .
ويشترط في كل ما سبق من زاد وأوعية وراحلة، أن يكون فاضلاً عن دَيْنه، سواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى، كالزكاة والكفارات. كما يشترط أن يكون فاضلاً عن مؤنة من عليه مؤنتهم، كزوجة وفرعه وأصله، مدة ذهابه ورجوعه وإقامته في الحجاز، لحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (٥) . وأن يكون فاضلاً عن مسكنه اللائق به، وعن عبد يليق به ويحتاج إليه في خدمته.
-٣ - توفر الأمن في الطريق وقت خروج الناس للحج، بأن يكون خالياً من نحو سبع وعدو، فإن لم يأمن على نفسه أو ماله لم يجب عليه الحج.
-٤ - صحة البدن: فلا حج على المريض والمزمن والمقعد، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، ولو وجدت فيهم سائر شروط الحج الأخرى. وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد، لأن الأعمى من غير قائد كالزمن، ومع القائد كالبصير.
-٥ - إمكان السير، وتوفر الوقت اللازم، بحيث يدرك الحج، فإن لم يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لأداء الحج لم يلزمه.
أما الشرطان الخاصان بالمرأة فهما:
-١ - أن يخرج معها زوجها، أو محرم لها، أو نسوة ثقات، اثنتان فأكثر، تأمن معهما على نفسها، لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن.
أما إذا كان الحج نفلاً فلا بد من زوج أو محرم، وإن لم يكن كل منهما ثقة، إنما الشرط أن يكون ذا غيرة عليها.
وليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج، فرضاً كان أو غيره، ولو منعها منه لم يجز لها الخروج له، وإذا أخرت الفرض لمنعه، وماتت، قضي من تركتها، ولا تعتبر عاصية، ما لم تتمكن من الحج قبل النكاح.
-٢ - ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة مدة إمكان السير للحج، لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ (٦) .
ثانياً -الاستطاعة بغيره: وتكون بأحد أمرين: بماله أو بمن يطيعه.
-١ - فمن لا يقدر على الحج بنفسه لزمانة أو كبر، أو مرض لا يرجى زواله، بأن أقعده ذلك، وله مال يدفعه إلى من يحج عنه، فيجب عليه فرض الحج، لأنه يقدر على أداء الحج بغيره.
-٢ - ومن لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره، فإذا كان الولد مستطيعاً، وجب على الأب الحج، ويلومه أمر الابن بأدائه عنه، وإن لم يكن للولد مال فلا يلزمه. لما روي عن أبي رَزِيْن العُقيلي ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: (حج عن أبيك واعتمر) " (٧) .
стр. 681
- تعقيبات:
-١- من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته، بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته لوفّى ثمنه للحج، فيجب عليه الحج.
-٢-من ملك بضاعة لتجارته، يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج، ولو لم يبق رأسمال للتجارة، وهناك قول عند الشافعية أنه لا يلزمه والأول أقوى.
-٣- من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان:
أن يكون في حال اعتدال بالنسبة للشهوة، فهذا يلزمه الحج، ويستقر في ذمته، لكن له صرف المال إلى النكاح، ويبقى الحج في ذمته.
أن يكون في حال توقان نفس وخوف من الزنى، فهذا يكون الزواج في حقه مقدماً على الحج اتفاقاً.
стр. 682
الاستنابة بالحج:
стр. 683
- حكمها: تجب على الورثة عن الميت من تركته، قبل توزيعها ولو بدون وصية، إذا كان المتوفى في حال حياته قد توفرت فيه شروط وجوب الحج إلا أنه لم يحج، وهذه الحجة تسقط الفريضة عن الميت، فإن لم يفعلوا ورثوا مالاً حراماً، وبقيت فريضة الحج عنه معلقة بذمتهم، ولو لم يوص بها المتوفى. وإن لم يكن له تركة سن لوليه أو لوارثه أن يحج عنه من ماله الخاص، كما يجوز للأجنبي أن يحج عنه (١) ، قياساً على قضاء الدين، لما ورد عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: "إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال ﷺ : (نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) " (٢) .
أما الاستنابة في حجة النفل ففيها قولان: الأول أنها لا تصح إلا إذا أوصى بها المتوفى وإلا فلا، والثاني أنها تصح ولو لم يوصِ بها وهو المعتمد.
وتجب الاستنابة على من عجز عن الحج بنفسه، لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، إن قدر عليه بماله أو بمن يطيعه، على ما تقدم. أما إن كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر فيلزمه الحج بنفسه، ولا تصح الاستنابة، ما لم ينته لحالة لا يقدر معها على الحركة.
شروط المستناب: أن يكون أهلاً للحج، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، حراً، ثقة، حج حجة الإسلام عن نفسه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس ﵄ قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول لبيك عن شبرمة. قال: (من شبرمة؟) قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: (حججت عن نفسك؟) قال: لا. قال: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) " (٣) .
أما نية المستناب فتكون بأن يقصد معنى قوله: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى.
ويشترط في المستناب إن كان مستأجرً أن يدخل بالحج إفراداً (٤) ما لم يسمح المستأجِر للمستأجَر أن يحج بأي شكل كان. أما إذا كان المستناب متبرعاً فيصح له أن يؤدي الحج أو العمرة بأي وجه كان لكن الإفراد أفضل لأنه وجه الكمال. ويسن ذكر اسم المستناب عنه عند القيام بأركان النسك، أما عند القيام بالنافلة -كطواف النافلة - فيجب ذكر اسم المستناب عنه.
أما المكان الذي يجب أن يحرم فيه المستناب عن الميت، فهو ميقات بلد الميت.
стр. 684
الباب الثاني: أَركَان الحجّ والعُمْرة (١)
стр. 685
أرْكَان الحجّ:
стр. 686
الركن الأول - الإحرام:
стр. 687
- هو قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما. والمراد به هنا الدخول في حرمات مخصوصة، هي حرمات الشروع في الحج أو العمرة، ولا يتحقق الإحرام إلا بالنية، لرواية عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) (٢) .
والنية هي قصد القلب الدخول بالحج أو العمرة، أو بهما معاً، ولا بد من التعيين؛ فإن أطلق بأن نوى الإحرام ولم يعين، فإن كان في أشهر الحج (٣) صرفه لما شاء من النسكين - حج أو عمرة - أو كليهما إن لم يفت وقت الحج، فإن فات صرفه للعمرة، وإن كان في غير أشهر الحج انعقد عمرة، ويكون الصرف بالنية لا باللفظ، ولا يجزئه العمل قبل النية، فلو طاف أو سعى قبلها لم يعتد به. ويستحب التلفظ بالنية بقوله: نويت الحج أو العمرة، وأحرمت به لله تعالى. وإن كان نائباً عن غيره قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى.
ويصح الإحرام بإحرام غيره، وذلك بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل، فيحرم بما أحرم به، لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: (أحججت؟) فقلت: نعم. فقال (بم أهللت؟) قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ . قال: (فقد أحسنت) " (٤)
حكم الإحرام لدخول مكة:
من حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته، ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كزيارة أو تجارة أو رسالة، أو كان مكياً مسافراً، فأراد دخولها عائداً من سفره، استحب له الإحرام بعمرة، أو بحج إن كان في أيامه، ويكره الدخول بغير إحرام، لأن تحية الحرم تكون بذلك. وإن كان دخوله لقتال، أو خوفاً من ظالم، ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك فله أن يدخل بغير إحرام، لأن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام، لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع. أما من يتكرر دخوله، كالحطاب والحشاش والصياد والسقاء وحامل البريد، فيدخلها بغير إحرام، لما ورد في صحيح البخاري: "وإنما أمر النبي ﷺ بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكره للحطابين وغيرهم" (٥)
стр. 688
الركن الثاني -الوقوف بعرفة:
стр. 689
- دليل فرضيته:
قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) (١) تفسيراً للأمر القرآني بالحج، والمجمل إذا فسر يلتحق به التفسير، ويصير للتفسير حكم الأصل.
- مكان الوقوف:
عرفة كلها موقف، فيصح أداء الركن في أي موضع منها، إلا بطن وادي عُرْنة، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف) (٢) . وحديث جابر بن عبد الله ﵄، أيضاً، قال: قال رسول الله ﷺ : (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرفة) (٣) .
وحد عرفة: من الجبل المشرف على وادي عُرْنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر. ومسجد نَمِرَة ليس من عرفة.
والواجب في الوقوف أن يحضر المحرم بأرض عرفة. ويصح وقوفه حتى لو وقف على غصن شجرة فيها، أو على دابة، ولكن لا يصح بهوائها - كأن يكون في طائرة فوق أرض عرفة -، وليس المقصد خصوص الوقوف، بل مطلق الحضور، ولو كان نائماً أو ماراً في طلب آبق، أو هارباً، وإن لم يعرف كون الموضع عرفة، بشرط وجود نية الحج.
- زمن الوقوف:
يبدأ وقت الوقوف من زوال الشمس يوم عرفة - وهو التاسع من ذي الحجة -، ويستمر إلى طلوع الفجر الثاني يوم النحر، بدليل حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ : "أنه ﷺ أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له" (٤) ، وهو القائل ﷺ : (خذوا عني مناسككم) (٥) ، وحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدَّيلي ﵁ المتقدم: (من جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) .
ويتحقق الفرض ببقائه لحظة في أرض عرفة خلال الوقت المذكور.
ولو وقف الحجاج في اليوم العاشر من ذي الحجة ظناً منهم أنه اليوم التاسع، بأن غم عليهم هلال ذي الحجة، أجزأهم وقوفهم هذا، بخلاف ما لو وقفوا في اليوم الثامن أو الحادي عشر خطأ فلا يجزئهم الوقوف.
ولا يشترط للوقوف الطهارة من الحدثين، فيصح من المحدث والجنب والحائض والنفساء، لما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (٦)
стр. 690
الركن الثالث -الطواف:
стр. 691
- بعد أن يفيض الحاج من عرفة، ويبيت بمزدلفة، يأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت (١) ، وهذا الطواف يسمى طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، وإنما يبيت في منى، ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة. وهو فرض في الحج، لذلك يسمى أيضاً طواف الفرض أو طواف الركن.
- دليل فرضيته:
قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٢) .
وحديث عن عائشة ﵂ "أن صفية بنت حيي ﵂ زوج النبي ﷺ حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها قد أفاضت. قال (فلا إذاً) " (٣) .
- وقته:
يدخل وقته من نصف ليلة النحر، بدليل حديث عائشة ﵂، قالت: "أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت" (٤) .
ولا آخر لوقته، ولكن الأفضل فعله يوم النحر ويكره تأخيره عنه، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة.
- واجباته:
-١- ستر العورة: وهي العورة الواردة في بحث الصلاة. والدليل ما رواه أبو هريرة ﵁ "أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط، يؤذن في الناس ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان" (٥) .
-٢- الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه. ويعفى عما يشق الاحتراز منه، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه) (٦) . وإذا زال الستر أو انتقض الوضوء أثناء الطواف جدد ستره أو وضوءه، وبنى على ما طافه سابقاً، وإن تعمد ذلك وطال الفصل، بخلاف الصلاة، إذ يحتمل في الطواف ما لا يحتمل فيها ككثير الكلام. لكن يسن للمرء استئناف الطواف في هذه الحال.
-٣- جعل البيت عن يساره ماراً تلقاء وجهه، فلو استقبله أو استدبره، أو جعله عن يمينه لم يصح طوافه.
-٤- الابتداء من الحجر الأسود في كل شوط، فلو بدأ من غيره لم يحتسب له ما طافه قبله.
-٥-كون الطواف سبع طوفات من الحجر الأسود للحجر الأسود، فإن ترك شيئاً من السبع وإن قل لا يجزئ، والدليل ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً ثم صلى خلف المقام ركعتين" (٧) . ولا ينجز شيء منه بالدم ولا بغيره. ولو شك في العدد لزمه الأخذ بالأقل أثناء الطواف، أما إذا شك بعد الانتهاء فلا شيء عليه.
-٦- كون الطواف داخل المسجد وإن وسع، ما لم يخرج عن الحرم، ويجوز في هواء المسجد وعلى سطحه، ولو مرتفعاً عن البيت، ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت.
-٧- أن يكون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت. ويعتبر الشاذروان (٨) من البيت، وكذا حجر سيدنا إسماعيل، وهو الحطيم لحديث عائشة ﵂ قالت: "سألت النبي ﷺ عن الجَدْر -هو الحجر أو الحطيم -أمن البيت هو؟ قال: (نعم) " (٩) .
والدليل على وجوب كون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت، قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ . فيكون المرء طائفاً به إذا لم يكن جزء منه فيه، وإلا فهو طائف فيه. ولأن رسول الله ﷺ طاف خارجه، وقد قال: (خذوا عني مناسككم) .
لذا من دخل جزء من بدنه في هواء الشاذروان أو الحجر، أو مس جدار الحجر أو جدار البيت أثناء سيره، لم يصح طوافه، فيعيد الشوط الذي حصل فيه شيء من ذلك.
وإذا أراد أن يستلم الركن اليماني أو الحجر الأسود أثناء طوافه، فيجب عليه أن يقف ويثبت قدميه ثم يستلم، بحيث لا يمشي أية خطوة وهو لامس للحجر أو الركن أو الجدار، وإلا فعليه إعادة الشوط.
-٨- عدم صرف الطواف لغيره، كطلب غريم، فإذا انصرف انقطع، أما اقتران نية الطواف بنية أخرى كالتفتيش عن شخص تائه عنه، فلا مانع منه.
وإذا كان الطواف نفلاً فتجب فيه النية، أما في الطواف الواجب فالنية سنة، لأن نية الحج أو العمرة تشمل الطواف.
стр. 692
الركن الرابع -السعي بين الصفا والمروة:
стр. 693
- تعريفه:
أصل السعي الإسراع، والمراد به هنا مطلق المشي. وأصل الصفا الحجارة الملس، ومفردها صفاة، كحصى وحصاة، والمراد بالصفا هنا: طرف من جبل أبي قبُيَسْ، وسمي كذلك لأن سيدنا آدم اقتبس منه النار. والمروة حجر أبيض براق، والمراد به هنا طرف من جبل قينقاع. وهذان الجبلان الصغيران يوجدان على مقربة من البيت العتيق، والمسافة بينهما ٤٢٠ متراً تقريباً.
والسعي بين الصفا والمروة مأخوذ من طواف هاجر أم إسماعيل ﵇ في طلب الماء، كما في صحيح البخاري في حديث طويل عن ابن عباس ﵄.
- دليله:
قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (١) . وماروت حبيبة بنت أبي تَجْزئة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال وهو يسعى: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (٢) .
- واجباته:
-١ - وقوع السعي بعد طواف صحيح، سواء كان بعد طواف الإفاضة، أو بعد طواف القدوم لحاج لم يقف بعرفة، أما إذا تخلل الوقوف بعرفة بين طواف القدوم والسعي، فقد امتنع السعي إلا بعد طواف الإفاضة. ولو سعى الحاج عقيب طواف القدوم لم تستحب إعادته بعد طواف الإفاضة.
-٢ - أن يبدأ الساعي بالصفا، لحديث جابر ﵁ قال: "لما دنا النبي ﷺ من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصفا " (٣) .
فلو عكس لم تحسب المرة الأولى، ويشترط في المرة الثانية أن يبدأ بالمروة، وفي الثالثة بالصفا، وهكذا ...
стр. 694
٣- أن يكون عدد مرات السعي سبعاً، فلو ترك من السبع شيئاً لم يصح، ويحسب ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعودة مرة أخرى. ويشترط أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة. فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه. ويجب على الماشي أن يلصق رجله بالجبل في الابتداء والانتهاء بحيث لا يبقى بينهما فرجة، هذا إذا لم يصعد على الصفا والمروة، فإن صعد فهو الأكمل، لأن الصعود سنة مؤكدة.
-٤ -كونه في المسعى المعروف الآن، فلا يجزئ مع الخروج عنه
-٥ - عدم الصارف: فلو سعى بقصد طلب غريم له لم يصح. وما يفعله العوام من المسابقة في السعي يضر إذا لم يقصد معها السعي.
ولا يشترط للسعي الطهارة من الحدثين، لأن المسعى ليس من المسجد، ولا سائر شروط صحة الصلاة.
стр. 695
الركن الخامس - الحلق أو التقصير:
стр. 696
- تعريفه:
هو استئصال الشعر بالموسى، والتقصير هو قطع الشعر من غير استئصال.
- دليله:
قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلِّقين رؤوسكم ومقصرين﴾ (١) . والحلق للرجل أفضل، فإن نذره أصبح واجباً.
- شروطه:
أن لا يقل الحلق أو التقصير عن إزالة ثلاث شعرات، أو بعضها، بأية طريقة كانت، ولو لم يكن في رأسه غيرهن، وسواء كانت هذه الشعرات مسترسلة أو متفرقة. فإن لم يكن في رأسه إلا شعرة واحدة لزمه حلقها. ولا يقوم شعر الوجه -الشارب واللحية -مقام شعر الرأس.
أن يكون بعد رمي جمرة العقبة، أو بعد طواف الإفاضة.
- وقته:
يدخل وقت الحلق أو التقصير بنصف ليلة النحر.
стр. 697
أركان العمرة:
стр. 698
-١- الإحرام مع النية.
-٢- الطواف.
-٣- السعي.
-٤ - الحلق أو التقصير.
стр. 699
الباب الثالث: واجبَات الحجّ والعُمرَة
стр. 700
وَاجبَات الحَجّ (١) :
стр. 701
- أولاً -الإحرام من الميقات:
стр. 702
- والميقات لغة: الحد. وشرعاً: زمن العبادة ومكانها.
وميقات الحج الزماني: شوال وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، آخرها طلوع فجر ليلة النحر. والدليل عليه قوله : ﴿الحج أشهر معلومات﴾ (٢) . والمراد به وقت إحرام الحج، لأي لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر. ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة، لأي الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة، فلا يمكن أداء حجة أخرى.
وإن أحرم بالحج في غير هذه الأشهر انعقد إحرامه عمرة، لأنها عبادة غير مؤقتة، وجميع السنة وقت للإحرام بها.
وأما الميقات المكاني للحج فيختلف باختلاف الجهة التي يأتي منها الحاج:
-١ - فالمقيم بمكة، مكياً كان أو غيره، يصلي ركعتين سنة الإحرام في المسجد الحرام، ثم يأتي داره فينوي الحج عند بابها وهو الأولى، وإلا ضمن بيته.
-٢- ومن كان في غير مكة يحرم بالحج من أحد المواقيت التالي بيانها:
(١) ذو الحُلَيفة (آبار علي) : وهو ميقات المتوجه من المدينة، ويبعد ٤٥٠ كم عن مكة، ويقع شمالها. وذو الحليفة ميقات أهل المدينة من زمن النبي ﷺ وحتى هذا الزمن، فلم يتغير ميقاتها، ولا يجوز لأهل المدينة، ولا لمن يمر عليهم من أهل الشام وغيرهم أن يحرموا بحج أو عمرة بعد مجاوزة هذا الميقات، كالإحرام من رابغ، ومن فعل ذلك لزمه دم.
(٢) الجُحْفة: وهو ميقات الوارد من الشام ومصر والمغرب، تقع بين مكة والمدينة، وتبعد عن مكة ١٨٧ كم، وأبدلت الآن برابغ، لأن الجحفة أصبحت خراباً، وتبعد رابغ عن مكة ٢٠٤ كم.
(٣) يَلَمْلَم: وهو ميقات الوارد من تهامة اليمن، وهو جبل يقع جنوب مكة ويبعد عنها ٩٤ كم.
(٤) قَرْن: وهو ميقات الوارد من نجد الحجاز ونجد اليمن، ويقال له قرن المنازل، وهو جبل شرقي مكة، يطل على عرفات، ويبعد عن مكة ٩٤ كم.
(٥) ذات عِرْق: وهي ميقات الوارد من العراق، ومن الشرق بصورة عامة، وتبعد عن مكة ٩٤ كم، وهي في الشمال الشرقي من مكة.
-٣ - ومن سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات أحرم من محاذاته براً أو بحراً، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أبعدهما عن مكة، وإن لم يحاذِ ميقاتاً أحرم على بعد مرحلتين من مكة.
ومن كان مسكنة أقرب إلى مكة من مرحلتين، أو بين مكة والميقات، أحرم من مسكنه. ودليل تحديد المواقيت حديث عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هَنَّ لأهلهن، ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (٣) . وعن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق" (٤) .
ومن جاوز ميقاتاً وهو غير مريد للنسك، ثم أراده، فميقاته موضعه، أو لو جاوز الميقات وهو مريد النسك ولكنه لم يحرم، لزمه العود إلى الميقات قبل تلبسه بنسك، ولو بعد إحرامه، فإن لم يعد، أو عاد بعد تلبسه بنسك لزمه دم، ولو فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً.
والأفضل أن يحرم من أول الميقات ليقطع باقيه محرماً، إلا في ذي الحليفة، فالأفضل فيه أن يحرم من المسجد الذي أحرم منه الرسول ﷺ هذا ويجوز للحاج أن يحرم من بلده، لكن الإحرام من الميقات أفضل.
стр. 703
- ثانياً - المبيت بمزدلفة ليلة النحر:
стр. 704
- ويتحقق ذلك عند الشافعية بوجوده فيها ولو لحظة من النصف الثاني من ليلة النحر، ولا يجزئ وجوده في النصف الأول من الليل، ومن تركها قبل دخول النصف الثاني وجب عليه دم، ولو كان الترك كرهاً أو جهلاً (١) .
وفي أي موضع من المزدلفة بات أجزأه، بدليل ما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجَمْع - المزدلفة - كلها موقف) (٢) .