النوافل التي تسن فيها الجماعة
-١ً- صلاة التراويح:
وهي قيام رمضان.
حكمها: سنة مؤكدة.
عددها: عشرون عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الاختيار (٣٦) ركعة. والدليل على أنها عشرون ما روى البيهقي عن السائب بن يزيد الصحابي ﵁ قال: (كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁، في شهر رمضان، بعشرين ركعة، وكانوا يقومون بالمئين، وكانو يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام) (١) .
أما الدليل على سنيتها وعلى سنية صلاتها جماعة ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) (٢) وما رواه مسلم عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة. فصلى بصلاته ناس. ثم صلى من القابلة. فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة. فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم. فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) وذلك في رمضان (٣) . ⦗٣١٧⦘
فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى جمعهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته - على أبي بن كعب ﵁، وصاروا يصلونها عشرين كل اثنتين بنية ويوتر بهم الإمام بثلاث ركعات. وسميت التراوح لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربع ركعات يستريحون.
وقتها: من صلاة العشاء إلى الوتر. ولا بد من التراويح قبل الوتر. ولا تستحب الزيادة على الختمة فيها لئلا يشق على الناس كما لا يستحب بأقل من ذلك. ولا يكره تعقيبها بنافلة جماعة لأن أنساً ﵁ قال ما يرجعون إلا لخير يرجونه أو لشر يحذرونه.
واختلف في قيام ليلة الشك فقامها القاضي ومنعها القاضي ومنعها أبو حفص العكبري لأن الأصل بقاء شعبان.
стр. 178
-٢ً- التطوع المطلق:
وهو مشروع في الليل والنهار لكن تطوع الليل أفضل، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصلاة، بعد الفريضة صلاة الليل) (١) . والنصف الأخير أفضل وبعد النوم أفضل، لأن الناشئة المعينة في قوله تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ) (٢) ، لا تكون إلا بعد الرقدة، ومن لم يرقد فلا ناشئة له. ومعنى أشد وطأً: أي تثبيتاً تفهم ما تقرأ وتعي أذنك، عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: قلت يا رسول الله وهل من ساعة أقرب إلى الله تعالى من أخرى قال: (جوف الليل الآخر) (٣) ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه) (٤) . ⦗٢١٨⦘
стр. 179
ما يستحب للمتهجد:
-١ً- أن يذكر الله تعالى إذا استيقظ من نومه، كأن يقول: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ...
-٢ً- أن ينوي عند نومه قيام الليل ليحوز ما في حديث أبي الدرداء ﵁ يبلغ به عن النبي ﷺ قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه (١) .
-٣ً- أن يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذ قام أحدكم من الليل فليصلِّ ركعتين خفيفتين) (٢) .
-٤ً- يستحب أن تكون له ركعات معلومة يقرأ فيها حزبه من القرآن، لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) (٣) ، وعنها أيضاً قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يَفْرُغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة - إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين. ثم اضطجع على شقه الأيمن. حتى يأتيه المؤذن للإقامة) (٤) . أما القراءة فيخير بين الجهر والإسرار. ⦗٢١٩⦘
-٥ً- يستحب أن يختم القرآن في كل سبع، لما روى عبد الله بن عمرو ﵄ قال: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: في شهر قال: إني أقوى من ذلك ... قال: أقرأه في سبع) (٥) .
-٦ً- يستحب أن يصلي مثنى مثنى لا يزيد على ركعتين، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال رسول الله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى ... ) (٦) .
أما صلاة النهار فله أن يتطوع بأربع لكن الأفضل التثنية لأنه أبعد من السهو.
-٧ً- أن يكثر من الركوع والسجود لأنه أفضل من إطالة القيام.
والتطوع في البيت أفضل لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (٧) .
ويجوز التطوع إما منفرداً أو في جماعة، لما ورد عنه ﷺ أنه كان أكثر تطوعه منفرداً، وأنه أمَّ ابن عباس ﵄ في التطوع مرة وحذيفة ﵁ مرة فدل على جواز الجميع.
ويجوز أن يتطوع جالساً، لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: حدِّثت أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة) (٨) ، ويستحب أن يكون في حال القيام متربعاً ليخالف حالة الجلوس، ويثني رجليه حال السجود لأن حال الركوع كحال القيام، عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً حتى إذا كَبِرَ قرأ ⦗٢٢٠⦘ جالساً. حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام فقرأهن، ثم ركع) (٩) . وإن شاء ركع من قعود.
стр. 180
-٣ً- صلاة العيدين:
تعريف: العيد من العَوْد، وسمي عيداً لأنه يعود ويتكرر.
حكمها:
-١ً- فرض كفاية على كل من تلزمه صلاة الجمعة فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة. والدليل على ذلك مداومته ﷺ عليها وكذلك الخلفاء من بعده، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فكانت فرض كفاية كالجهاد. ولا تجب على الأعيان لما روى طلحة بن عبيد الله أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد يسأله عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : (خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع) (١) . وإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام لتركهم شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة فأشبه تركهم الأذان.
ويشترط لصحتها الاستيطان والعدد، لأنها صلاة لها خطبة راتبة أشبهت الجمعة، ولأن النبي ﷺ وافق العيد في حجته ولم يصل.
-٢ً- سنة لمن فاتته الصلاة مع الإمام، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما.
-٣ً- يستحب خروج النساء لما روت أم عطية ﵂ قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى. العواتِقَ والحُيَّضَ وذواتِ الخُدُود. فأما الحيض فيعتزِلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ... ) (٢) ، ⦗٢٢١⦘ ولكن لا يلبسن ثوب شهرة ولا يتطيبن، لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرُجن وهن تفلات) (٣) .
مشروعيتها: شرعت في السنة الأولى للهجرة. روى أبو داود عن أنس ﵁ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر) (٤) .
وقتها: من حِلّ النافلة (أي حين ترتفع الشمس) إلى ما قبيل الزوال، فإذا زالت الشمس وهو فيها فسدت إن حصل الزوال قبل القعود قدر التشهد) ومعنى فسادها أنها تنقلب نفلاً. فإن لم يعلم بها إلا بعد الزوال خرج الإمام من الغد فصلى بالمسلمين، لما روى أبو عمير بن انس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ (أن ركباناً جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يُفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم) (٥) .
ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر، لما روى أبو الحويرث ﵁ قال: (أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر) (٦) ، ولأن السنة إخراج الفطرة قبل صلاة الفطر ففي تأخير الصلاة توسيع لوقتها، أما الأضحية فلا تجوز إلا بعد الصلاة ففي تعجيل صلاة عيد الأضحى مبادرة إلى الأضحية.
كيفيتها: هي ركعتان عاديتان يقرأ في كل واحدة الفاتحة وسورة ويجهر بالقراءة، لما روي عن عمر ﵁ قال: (صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان والفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ (٧) .
ويشترط لصحتها ما يشترط لصلاة الجمعة غير الخطبة. ⦗٢٢٢⦘
стр. 181
سننها:
-١ً- يسن أن يقرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتالك حديث الغاشية) لحديث النعمان بن بشير برواية مسلم.
-٢ً- أن يكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات عدا تكبيرة الإحرام، وموضع التكبير بعد الاستفتاح وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين، وإن نسي التكبير بعد الاستفتاح وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين، وإن نسي التكبير بعد الاستفتاح حتى شرع في القراءة لم يعد إليه، لأنه سنة فلا يعود إليها بعد شروعه في القراءة كالاستفتاح ومن سُبق بالتكبير أو ببعضه لم يقضه لأنه سنة فات محلها. وإن أدرك الإمام في التشهد قام إذا سلم الإمام فقضى ركعتين يكبر فيهما، وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب. وفي صفة القضاء ثلاث روايات: إحداهن: يقضيها على صفتها لما روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا فاته العيد يأمر مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية، فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة المصر وتكبيرهم (١) ، ولأن قضاء صلاةٍ فكان على صفتها كغيرها.
الثانية: يصليها أربعاً بسلام واحد إن أحب أو بسلامين، لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (من فاته العيد فليصلِّ أربعاً) (٢) ، ولأنها صلاة عيد فإذا فاتت صليت أربعاً كالجمعة.
والثالثة: يخير بين صلاة ركعتين وأربع، ولأنه تطوع نهار فكانت الخيرة فيه إليه كالضحى.
ويستحب أن يكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام، لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ (كان يكبر في الفطر والأضحى في ⦗٢٢٣⦘ الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً) (٣) واعتد بتكبيرة الإحرام لأنها في حال القيام ولم يعتد بتكبيرة القيام لأنها قبله.
-٣ً- يسن أن يرفع يديه مع كل تكبيرة.
-٤ً- أن يحمد الله ويثني عليه ويصلي علة النبي ﷺ بين كل تكبيرتين، وإن أحب قال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما.
-٥ً- يسن أن يصليها في المصلى، لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يفعلونها فيه، ويستحب أن يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في المسجد. وإن كان هناك عذراً من مطر أو نحوه صلاها في المسجد، لما روى أبو هريرة ﵁ (أنه أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد) (٤) .
-٦ً- يسن لها خطبتان كخطبتي الجمعة ولكن بعد الصلاة، لما روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة) (٥) . ولا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما، لما روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب) (٦) ⦗٢٢٤⦘
стр. 182
سنن الخطبتين:
-١- أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات والثانية بسبع، ويكثر التكبير أثناء الخطبة.
-٢- أن يحثهم في خطبة الفطر على إخراج الفطرة، ويبين له ما يخرجونه ووقته وجنسه، وأن يرغبهم في خطبة الأضحى في الأضحية، ويبين له ما يجزئ فيها، ووقت ذبحه، ويحثهم على الإطعام منها، لأن الأضحى وقت هذا النسك فشرع تبيينه.
أركان خطبتي العيدين: هي أركان خطبتي الجمعة.
-١- حمد الله تعالى.
-٢- الصلاة على رسول الله ﷺ ، ويتعين لفظ الصلاة.
-٣- قراءة آية من كتاب الله تعالى، ويلزم أن يكون لهذه الآية معنى مستقل، أو أن تكون مشتملة على حكم من الأحكام فلا يكفي أن يقرأ قوله تعالى: (مدهامتان) .
-٤- الوصية بتقوى الله تعالى وأقلها أن يقول: اتقوا الله واحذروا مخالفة أمره أو نحو ذلك.
-٥- الموالاة بين الخطبتين وبين الصلاة وبينهما.
-٦- الجهر بهما بحيث يسمع العدد المعتبر.
-٧- كونهما بالعربية مع القدرة.
- ولا يسن لصلاة العيدين أذان ولا إقامة، لما روى عطاء قال: أخبرني جابر (أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج. ولا إقامة ⦗٢٢٥⦘ ولا نداء ... ) (١) ، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة) (٢) .
стр. 183
ما يسن يوم العيد:
-١ً- أن يأكل في يوم الفطر قبل الصلاة وأن يمسك في يوم الأضحى حتى يصلي، لحديث
بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) (١) .
-٢ً- أن يفطر على تمرات، وأن يكون عددها وتراً، لما روى أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) وفي لفظ: (يأكلهن وتراً) (٢) .
-٣ً- الغسل لصلاة العيد أي لمن يريد حضورها، وأول وقته من الفجر ويستمر إلى صلاة العيد، وقال ابن عقيل: المنصوص عن الإمام أحمد أنه يصبح قبل الفجر.
-٤ً- التطيب والتنظف والسواك، لما روي عن ابن السباق أن رسول الله ﷺ قال في يوم جمعة: (يا معشر المسلمين هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسح منه وعليكم بالسواك) (٣) فعلل ذلك بأنه يوم عيد، ولأن هذا يوم مشروع فيه الاجتماع للصلاة فأشبه الجمعة.
-٥ً- لبس أحسن الثياب، لما روي عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يلبس برده الأحمر في العيد والجمعة) (٤) ، إلا أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة. ⦗٢٢٦⦘
-٦ً- يستحب أن يبكر إليها المأموم ماشياً مظهراً للتكبير، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (من السُّنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج) (٥) .
-٧ً- أن يغدو من طريق ويرجع من غيره، لحديث جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد، خالف الطريق) (٦) .
-٨ً- أن لا يتنفل قبل الصلاة ولا يعدها في موضع الصلاة ولا في المسجد ولا في المصلّى إماماً كان أو مأموماً، لحديث ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ خرج يوم أضحى أو فِطر فصلى ركعتين. لم يصل قبلها ولا بعدها) (٧) . ولا بأس أن يصلي بعد رجوعه، لما روى أبو سعيد ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين) (٨) .
-٩ً- يسن التكبير المطلق (وهو الذي لم يقيد بصلاة) في ليلتي العيدين للرجال والنساء (إلا أن النساء لا تجهر به) في البيوت والأسواق والمساجد وغير ذلك. والتكبير في ليلة عيد الفطر آكد بدليل قوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) (٩) . وعن علي ﵁ أنه كان يكبر حتى يسمع أهل الطريق.
ويبدأ وقته من غروب شمس ليلة عيد الفطر ومن أول ذي الحجة في عيد الأضحى إلى فراغ الإمام من الخطبتين. ⦗٢٢٧⦘
-١٠ً- يسن التكبير المقيد (أي عقب الصلوات المفروضة) في عيد الأضحى، ويبدأ وقته من صلاة فجر يوم عرفة ويمتد إلى عصر آخر أيام التشريق لغير الحاج، أما الحاج المحرم فمن صلاة ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق. والأدلة على ذلك أنه قيل لأحمد ﵁ بأي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضوان الله عليهم، وما روي عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: على مكانكم ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق) (١٠) .
صفة التكبير المشروع الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لما ورد في حديث جابر ﵁، ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعاً كتكبير الأذان.
موضعه عقب الصلوات المكتوبة أداءً وقضاءً لفائتة عام هذا العيد، ومن فاتته صلاة في أيام التكبير فقضاها في غير أيام التكبير لم يكبر، لأن التكبير مقيد بوقت.
ولا يشرع التكبير عقب النوافل، لأنه لا أذان لها فلا يكبر بعدها كصلاة الجنازة. وإن سُبق الرجل ببعض الفريضة كبّر إذا سلم.
شروط تكبير المقيد:
-١ً- أن يصلي في جماعة، لأنه مخصوص بوقت محض في جماعة كالخطبة. والمسافر كالمقيم في التكبير والمرأة كالرجل. قال البخاري: (وكان النساء يكبرن ⦗٢٢٨⦘ خلف أبان بن عثمان، وعمر ن عبد العزيز، ليال التشريق ممع الرجال في المسجد) (١١) ، ويخفض أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال.
-٢ً- أن يكبر المأموم مستقبلاً القبلة، أما الإمام فيس له أن يكبر مستقبلاً الناس.
-٣ً- أن يكون التكبير عقب الصلاة مباشرة وقبل أذكار الصلاة، فإن نسي التكبير استقبل القبلة وكبر ما لم يطل الفصل أو يخج من المسجد أو يحدث، ولو لم يكبر الإمام.
стр. 184
-٤ً- صلاة الكسوف:
تعريف:
الكسوف ذهاب ضوء أحد النيِّريْن (الشمس والقمر) أو بعضهما. وقيل الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وقيل الكسوف تغيرهما والخسوف تغيبهما.
حكمها: سنة مؤكدة للمقيم والمسافر.
دليلها: عن قيس قال: سمعت أبا مسعود يقول: قال النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها قوموا فصلوا) (١) .
وقتها: يبدأ قتها من حين بدء الكسوف إلى حين التجلي، فإن فاتت لم تقض لقول النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا، حتى يُكشف ما بكم) (٢) . ولأن القصد عودة النور وقد عاد كاملاً. وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها خفيفة، وإن سلم قبل انجلائها لم يصل أخرى. ويشتغل بالذكر والدعاء، وإن استترت بغيم صلى لأن القصد بقاء ⦗٢٢٩⦘ الكسوف، ويعتبر بحكم التجلي إن غابت كاسفة كانجلائها، لأنه ذهب وقت الانتفاع بنورها فلا يصلي. وكذلك القمر إن غاب ليلاً خاسفاً فلا يصلي (وقال القاضي: يصلي لأن وقت سلطانه باق) .
وإذا اجتمع الكسوف مع الجنازة بُدئ بالجنازة لأنه يخشى عليها، وإن اجتمع مع المكتوبة في آخر وقتها بُدئ المكتوبة لأنها آكد، أما إن كان في أول وقتها بُدئ بصلاة الكسوف لأنه يخشى فواتها، وإن اجتمع مع الوتر وخيف فواتها بدئ بالكسوف لأنه آكد.
أقلها: ركعان عاديتان كصلاة النفل، وتصلى فردى وجماعة.
وأقل الكمال: ركعتان، في كلٍ قيامان وركوعان وسجدتان، ويطيل القراءة والركوع والسجود، وتكون الإطالة في القيام الأول أكثر من الثاني، وفي الركوع الأول أكثر من الثاني. عن عائشة ﵂ قالت: (إن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ . فبعث منادياً الصلاة جامعة. فاجتمعوا. وتقدَّم فكبر وصلّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات) (٣) . وحكم الركوع الثاني والقيام الثاني في كل ركعة سنة لذا من أدرك الإمام فيهما لا يعتبر مدركاً لهذه الركعة كما لا تبطل الصلاة بتركهما.
وإن صلى في كل ركعة ثلاثة ركوعات على نحو ما ذكرنا جاز، لما روت عائشة ﵂ (أن نبي الله ﷺ صلى ست ركعات وأربع سجدات) (٤) ، وإن جعل في كل ركعة أربعة ركوعات جاز أيضاً، لأنه يروى كذلك عن علي وابن عباس رضوان الله عليهم عن النبي ﷺ . والمختار الوجه الأول لأنه أصح وأشهر.
стр. 185
سننها وكيفيتها:
-١ً- يسن أن تصلى جماعة، وينادى لها الصلاة جامعة بلا أذان ولا إقامة. ⦗٢٣٠⦘
-٢ً- أن تصلى في المسجد، لفعلها فيه على عهد النبي ﷺ .
-٣ً- أن يقرأ فيه الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (البقرة) أو نحوها، ثم يركع فيسبح نحواً من مائة آية، ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة سورة (آل عمران) أو نحوها، ثم يركع فيسبح نحواً من سبعين آية، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين يسبح فيهما نحواً من الركوع، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة (النساء) ، ثم يركع ويسبح نحواً من خمسين آية، ثم يرفع ويقرأ بعد الفاتحة سورة (المائدة) ، ثم يركع فيسبح نحواً من أربعين آية، ثم يرفع، ثم يسجد نحواً من ركوعه ويتشهد ويسلم وذلك ليقارب ما فعله النبي ﷺ فيما روته عائشة ﵁ زوجه ﷺ قالت: (خَسَفَت الشمس في حياة رسول الله ﷺ . فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد. فقام وكبَّر وصفّ الناس وراءه. فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة. ثم كبر فرفع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة. هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات. وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ... ) (١) .
-٤ً- يسن أن يجهر فيها بالقراءة ليلاً صلاها أو نهاراً. عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته) (٢) .
-٥ً- يسن أن يخطب الإمام بعد صلاتها خطبتان. وقال القاضي: لم يذكر لها الإمام أحمد ﵁ خطبة ولم يؤثر ذلك من أحد من أصحابنا، لأن النبي ﷺ أمرنا بالصلاة دون الخطبة. ⦗٢٣١⦘
стр. 186
الصلاة لغير الكسوف:
لا يُصلى لغير الكسوف من الآيات لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه، إلا أن الإمام أحمد ﵁ قال: يصلي للزلزلة الدائمة ركعتين كركعتي الكسوف، لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده، والزلزلة أشد تخويفاً. وأما الرجفة فلا يصلي لوقوعها لأنها لا تبقى مدة تتسع للصلاة.
-٥ً- صلاة الاستسقاء:
تعريف:
الاستسقاء لغة: طلب السقيا من الله أو من الناس.
شرعاً: الدعاء بطلب العباد السقيا من الله تعالى عند حاجتهم إلى الماء كإجداب أرضٍ أو قحطِ مطرٍ أو غور ماء عيون أو أنهار أو وجود الماء مع عدم كفايته.
وقتها: هو وقت صلاة العيد.
ما يسن قبلها:
-١ً- يسن للإمام أن يعظ الناس ويأمرهم بتقوى الله والخروج عن المظالم والتوبة عن المعاصي وتحليل بعضهم بعضاً والصوم والصدقة وترك التشاحن لن المعاصي سبب القحط والتقوى سبب البركات. قال الله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) (١) . ⦗٢٣٢⦘
-٢ً- أن يعد الإمامُ يوماً يخرجون فيه (ولا يشترط أن يكون اليوم الرابع للصيام) ، ويأمرهم أن يخرجوا على الصفة التي خرج عليها رسول الله ﷺ متواضعين خشعاً متضرعين متذللين، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (إن رسول الله ﷺ خرج للاستسقاء متبذلاً متواضعاً متضرعاً، حتى أتى المصلّى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد) (٢) .
-٣ً- يسن لحاضرها التنظيف وإزالة الرائحة الكريهة لئلا يؤذي الناس بها. ولا يسن لبس ثياب الزينة ولا التطيب لأن هذا ينافي الاستكانة والخضوع.
-٤ً- يسن أن يستصحب الإمام بالخروج أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان لأنه أسرع للإجابة.
-٥ً- أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه، لأن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم رسول الله ﷺ ، واستسقى معاوية والضحاك ﵄ بيزيد بن أسود الجرشي، وروي أن معاوية ﵁ أمر يزيد بن الأسود فصعد المنبر فقعد عند رجليه فقال معاوية ﵁: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا. اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه ورفع الناس أيديهم، فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة في القرب كأنها ترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كاد الناس لا يبلغوا منازلهم".
- ولا يستحب إخراج البهائم لأن النبي ﷺ لم يخرجها، وكذلك لا يستحب إخراج الكفار ولكنه مباح، فإن خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون رزقهم، لكن يفردون عن المسلمين بحيث إن أصابهم عذاب لم يصب غيرهم. ⦗٢٣٣⦘
стр. 187
كيفية الصلاة:
الاستسقاء على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يصلي ركعتي كركعتي العيد وقت الضحى، وأن يستفتح الركعة الأولى بسبع تكبيرات والركعة الثانية بخمس تكبيرات كركعتي العيد تماماً. ويسن أن يقرأ فيهما بـ (سبح اسم ربك الأعلى) في الأولى و (هل أتاك حديث الغاشية) في الركعة الثانية، أو أن يقرأ آيات الاستغفار من سورة نوح في الركعة الأولى وما تيسر في الركعة الثانية. ثم يسن أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبة.
والثاني: أن يستسقي الإمام يوم الجمعة على المنبر، لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: (أن رجلاً دخل المسجد يوم جمعةٍ. من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب. فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يغثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثم قال: اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا ... ) (١) .
والثالث: أن يدعو عقب الصلوات. ويستحب أن يقف حتى نزول أول المطر ويخرج ليصيبها البلل، لما روى أنس ﵁ في حديثه: (أن رسول الله ﷺ لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته) (٢) .
والسنة أن يخطب الإمام خطبة واحدة، ولكن اختلفت الروايات في وقت الخطبة هل تكون قبل الصلاة أو بعدها. قيل: أنه يخطب وقت الصلاة، لما روى عبّاد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد الأنصاري ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي. فجعل إلى الناس ظهره. يدعو الله واستقبل القبلة وحوَّل رداءه. ثم صلى ركعتين) (٣) . وعن الإمام أحمد: أنه مخير في الخطبة قبل ⦗٢٣٤⦘ الصلاة وبعدها لأن الوجهين مرويان عن رسول الله ﷺ . وقبل عنه أيضاً: يخطب بعد الصلاة، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ يوماً فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا فدعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه) (٤) وهذا صريح، ولأن صلاتها كصلاة العيد فخطبتها بعد الصلاة.
стр. 188
سنن الخطبة:
-١- أن يستفتحها بتسع تكبيرات كخطبة العيد، ويكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار مثل قوله تعالى: (استغفرو ربكم إنه كان غفاراً) (١) ولقوله: (وأن استغفروا ربكم ثم توبو إليه) (٢) .
-٢- أن يكثر فيها من الدعاء والتضرع، ويدعو بما ورد عن النبي ﷺ . روى ابن عباس ﵄ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يحظر لهم فحلٍ، فصعد المنبر فحمد الله ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً، طبقاً، مربعاً، غدقاً، عاجلاً غير رائث. ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا: قد أحيينا) (٣) . وإذا شاء قال: "اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، وحياً (٤) ربيعاً، وجداً (٥) طبقاً (٦) ، غدقاً (٧) مغدقاً، مونقاً (٨) ، هنيئاً، مريئاً، مَريعاً (٩) ، مُرْبعاً (١٠) ، مرتعاً (١١) ، ⦗٢٣٥⦘ سابلاً (١٢) ، مسبلاً (١٣) ، مجللاً، ديماُ، دروراً، نافعاً، غير ضار، عاجلاً غير رائث، اللهم تحي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر منها والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل في أرضنا سكنها (١٤) ، اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهوراً، فأحي به بلدة ميتة، واسقه مما خلقت أنعاماً وأناسي كثيراً". أو يدعو بهذا الدعاء: "اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، غدقاً، مجللاً، طبقاُ، عاماً، سحاً، دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ملا نشوه إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من العذاب ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً".
-٣- يسن أن يرفع يديه بالدعاء ظهورهما إلى السماء وبطونهما جهة الأرض، لحديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وإن يرفع حتى يرى بياض إبطيه) (١٥) .
-٤- يسن للإمام أن يستقبل القبلة أثناء الخطبة، ويدعو الله في استقباله سراً فيقول: "اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا"، ثم يحول رداءه فيجعل اليمين يساراً واليسار يميناً تفاؤلاً أن يحول الله الجدب خصباً، ولا يجعل أعلاه أسفله لأن النبي ﷺ لم يفعله. روى عبد الله بن زيد ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج إلى المصلى يستسقي، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة ثم حول رداءه) (١٦) . وفي رواية عند أبي داود: (وحول ⦗٢٣٦⦘ رداءه، فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله (١٧) .
-٥- ويسن للمأمومين أن يؤمنوا على دعاء الإمام.
فإن سقوا قبل الصلاة صلّوا وشروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله، فإن كثر المطر بحيث يضرهم أو كثرت مياه العيون حتى خيف منها استحب أن يدعو الإمام الله تعالى أن يخففه، لما ورد في حديث أنس ﵁ قال: ( ... ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادعُ الله يمسكها عنا، قال فرفع رسول الله ﷺ يديه. ثم قال: اللهم حولنا ولا علينا. اللهم على الآكام والظّراب، ويطون الأودية، ومنابت الشجر) (١٨) ثم يقول: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (١٩) . ⦗٢٣٧⦘
стр. 189
الفصل الرابع
стр. 190
النوافل ذات السبب
-١ً- تحية المسجد: ودليلها ما روى أبو قتادة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس) (١) . وسن صلاتها سواءً قصد الجلوس في المسجد أم لا باستثناء ما يلي:
-١- طيب دخل للخطبة.
-٢- خادم المسجد.
-٣- الداخل لصلاة عيد.
-٤- من دخل ووجد الإمام يصلي المكتوبة فعليه الاقتداء فوراً.
-٥- الداخل للمسجد الحرام، لأنَّ تحيته الطواف.
وتسقط صلاة تحية المسجد بالجلوس إن طال جلوسه عرفاً.
стр. 191
-٢- صلاة الاستخارة: عن جابر ﵁، قال: - كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي، في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم ⦗٢٣٨⦘ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي، في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقْدُر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به. قال: ويسمي حاجته) (١) .
-٣ً- صلاة التوبة: عن علي ﵁، قال: حدثني أبي بكر وصدق أبي بكر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر له، ثم قرأ هذه الآية: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله إلى آخر الآية) (٢) .
-٤ً- صلاة الحاجة: عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء، ثم ليصلِّ ركعتين، ثم ليُثْنِ على الله، وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلى غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها، يا أرحم الراحمين (٣) .
стр. 192
-٥ً- صلاة التسابيح: لم يرَ الإمام أحمد استحباب صلاة التسابيح لكن إن صلاها المكلف فلا بأس.
-٦ً- سجود التلاوة:
دليل مشروعيته: ما روي عن ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضاً موضعاً لمكان جبهته (١) . وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ⦗٢٣٩⦘ ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) (٢) .
وقد أجمعت الأمة على أنه مشروع عند قراءة مواضع مخصوصة من القرآن.
حكمه:
-١- هو سنة للقارئ والمستمع (ولا يسن للسامع من غير قصد) .
-٢- وهو واجب على المأموم إذا سجد إمامه في الصلاة الجهرية، (يكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في الصلاة السرية وأن يسجد لها، وأن يسجد لها، وإذا سجد خُيِّر المأموم بين الإِتباع والترك) .
شروط السجود:
-١ً- أن لا يطول الفصل عرفاً بينه وبين سببه، فإن كان القارئ أو المستمع محدثاً ولا يقدر على استعمال الماء تيمم وسجد، أما إذا كان قادراً على استعمال الماء فإن السجود يسقط عنه لأنه لو توضأ طال الفصل.
-٢ً- ويشترط فيه ما يشترط لصحة الصلاة من الطهارة واجتناب النجاسة واستقبال القبلة والنية غير ذلك.
-٣ً- ويشترط للمستمع إضافة إلى ذلك شرطان:
أ- أن يصلح القارئ لإمامه السامع ولو في صلاة نفل، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن غلاماً قرأ عند النبي ﷺ السجدة، فانتظر الغلام النبي ﷺ أن يسجد فلما لم يسجد. قال: يا رسول الله أليس في هذه السجدة ⦗٢٤٠⦘ سجود؟ قال: بلى. ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا) (٣) . لذا لا يسجد المستمع إذا سمع آية السجدة من إمرأة أو خنثى أو من غير آدمي كالآلة الحاكية والببغاء، ولكن يسن للمستمع أن يسجد إن كان القاريء أمياً أو مقعداً أو صبياً مميزاً لأنه يصح للإمامة في صلاة النافلة. ولا يسجد المستمع أمام القارئ ولا عن يساره إذا كان يمينه خالياً.
ب- أن يسجد القارئ فإن لم يسجد فلا يسن للمستمع أن يسجد للحديث المتقدم عن زيد بن أسلم ﵁.
أركانه:
في الصلاة: سجدة والرفع منها.
وفي خارج الصلاة: تزاد التسليمة.
كيفيته:
في الصلاة وخارجها سجدة ما بين تكبيرتين. وإذا كانت السجدة آخر السورة وهو في الصلاة سجد ثم قام فقرأ شيئاً ثم ركع، وإن أحب قام فقرأ شيئاً ثم ركع، وإن أحب قام ثم ركع من غير قراءة، وللمكلف أن يومئ في السجود على الراحلة كصلاة السفر ويشترط له ما يشترط الناقلة.
واجباته:
-١- تكبيرتان: تكبير السجود وتكبير للرفع منه.
-٢- التسبيح في السجود كتسبيحات سجود الصلاة.
مندوباته:
أن يدعو في السجود بما روته عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: (سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ ⦗٢٤١⦘ سمعه وبصره بحوله وقوته) (٤) . وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدتُ فسجدتِ الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً. وضَعْ عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ان عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد قال: فقال ابن عباس: فسمعته وهو يقول مثلما أخبره الرجل عن قول الشجرة) (٥) . ومهما قال من ذلك فحسن.
стр. 193
ما يقوم مقام سجدة التلاوة:
يقوم مقامها أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أربع مرات.
مواضع السجدات في القرآن:
أربعة عشر: آخر الأعراف، في الرعد عند قوله تعالى: (بالغدو والأصال) ، النحل عند قوله تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون) ، وفي سبحان الذي أسرى عند قوله تعالى: (يزيدهم خشوعاً) ، وفي مريم: (خروا سجداً وبكياً) ، وفي الحج: (يفعل ما يشاء) و (لعلكم تفلحون) ، الفرقان: (وزادهم نفوراً) ، النمل: (العرش العظيم) ، وفي الم تنزيل عند قوله: (وهم لا يستكبرون) ، وفي حم السجدة: (وهم لا يسأمون) ، وفي آخر النجم، وفي الانشقاق عند (لا يسجدون) ، وآخر أقرأ باسم ربك.
مكروهاته:
-١- يكره السجود في الأوقات التي تكره فيها النافلة. ⦗٢٤٢⦘
-٢- يكره اختصار السجود، وهو أن يجمع آيات السجدات فيقرأها في ركعة ويسجد لها، وقيل يكره أن يحذف أيات السجدات في قراءته لأنه محدث، وفيه إخلال بالترتيب.
-٧ً- سجود الشكر:
سببه: تجدد النعم أو اندفاع النقم.
حكمه: مستحب عند تجدد النعم، لما روى أبو بكر ﵁، عن النبي ﷺ (أنه إذا جاءه أمر سرور، أو بشر به خرَّ ساجداً شاكراً لله) (١) .
وصفته وشروطه كصفة سجود التلاوة وشروطه. ولا يسجد للشكر في الصلاة لأنِّ سببه ليس منها، فإن فعل بطلت.
стр. 194
-٨ًسجود السهو:
شرع سجود السهو جبراً للخلل الواقع في الصلاة.
حكمه: يختلف حكمه باختلاف سببه بالنسبة للإمام والمنفرد.
-١ً- واجب:
أ- على الإمام والمنفرد: إذا كان لما يبطل عمده الصلاة لأن النبي ﷺ فعله وأمر به، ولأنه شرع لجبر واجب فكان واجباً كواجبات الحج.
ب- على المأموم: إذا سجد إمامه على الإطلاق سواءً كان السجود واجباً أو سنة أو مباحاً.
-٢ً- سنة للإمام والمنفرد لزيارة ذكر مشروع في غير محله كالقراءة في الركوع مثلاً (وهذا عمده لا يبطل الصلاة) لحديث عبد الله ﵁، عن رسول ⦗٢٤٣⦘ الله ﷺ قال: (إنَّما إنما أنا بشر مثلكم. أنسى كما تنسون. فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين. وهو جالس) (١) .
-٣ً- مباح لترك سنة قولية أو فعلية.
كيفيته:
هو سجدتان كسجدتي الصلاة مع توفر شروط الصحة، فإن كان السجود قبلياً كبَّر بعد فراغه من التشهد وسجد سجدتين ثم سلَّم، وإن كان بعدياً كبَّر للسجود والرفع منه وتشهَّد وسلَّم، لما روى عمران بن حصين ﵁ (أن النبي ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثمَّ سلَّم) (٢) .
موضعه:
-١ً- بعد التشهد وقبل السلام: في حال كون السجود واجباً، فمن تركه عمداً بطلت صلاته لأنَّه ترك واجباً فيها عمداً. وكذلك في حال كون السجود مسنوناً، كمن قرأ في الركوع، أو مباحاً كمن اقتصر على مرة في التسبيح.
-٢ً- بعد السلام:
أ- إن ترك السجود الواجب قبل السلام سهواً، لأنه فاته واجب فيقضيه. هذا إن كان تذكره قبل طول الفصل وإن كان تكلم، أما إن طال الفصل أو خرج من المسجد فيسقط عنه السجود، وعن الإمام أحمد أنَّه يعيد الصلاة.
ب- إذا سلم من نقصان في صلاته لحديث أبي هريرة ﵁ (أنَّ رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين. فقال: الناس: نعم. ⦗٢٤٤⦘ فقال رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين، ثم سلَّم، ثم كبَّر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع) (٣) .
فمن ترك السجود المشروع بعد السلام عمداً أو سهواً لم تبطل صلاته، لأنه ترك واجباً ليس منها فلم تبطل بتركه.
стр. 195
تعداده:
جود السهو لا يتعدد وإنما أُخر لآخر الصلاة ليجع السهو كله، للحديث المتقدم: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) . وإن كان أحد السجودين قبل السلام والآخر بعده يجزئه سجود واحد، ويسجد قبل السلام لأنه أسبق وآكد.
أسبابه:
تنحصر أسبابه في ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الزيادة في الصلاة. والزيادة فيها إما أن تكون زيادة في الأقوال أو زيادة في الأفعال.
القسم الثاني: النقص في الصلاة:
والنقص فيها إما أن يكون:
-١- ترك ركن.
-٢- ترك واجب.
-٣- ترك سنة. ⦗٢٤٥⦘
القسم الثالث: الشك في الصلاة:
والشك فيها إما:
-١- في عدد الركعات.
-٢- في ترك ركن من أركانها.
-٣- فيما يوجب سجود السهو.
وتفصيل ذلك كما يلي:
القسم الأول: الزيادة في الصلاة:
أولاً: الزيادة في الأقوال:
أ- زيادة ذكر مشروع في غير محله كالقراءة في الركوع والسجود والجلوس والتشهد في القيام، والصلاة على النبي في التشهد الأول، فهذا لا يبطل الصلاة ولا يجب له سجود سهو لأن عمده غير مبطل، إنما يسن لقول النبي ﷺ : (فإذا نسي أحد فليسجد سجدتين) .
ب- التسليم في الصلاة قبل إتمامها:
-١- فإذا كان عمداً بطلت الصلاة لأنه تكلم فيها والكلام مبطل للصلاة.
-٢- وإن كان سهواً:
(١ً) - طال الفصل: بطلت أيضاً لتعذر بناء الباقي عليها.
(٢ً) - قصر الفصل: أتم صلاته وسجد بعد السلام، والدليل على ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي (١) ، إما الظهر وإما العصر. فسلم في ركعتين. ثم أتى جِذْعَاً في قبلة المسجد فاستند إليها مُغْضَباً. وفي القوم أبو بكر وعمر. فهابا أن يتكلما. وخرج سرعان الناس. قُصِرَت الصلاة. فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقُصِرَت الصلاة أم ⦗٢٤٦⦘ نسيتَ؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً. فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم صلي إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم. ثم كبَّر ثم سجد. ثم كبَّر فرفع ثم كبَّر وسجد ثم كبَّر ورفع فإن كان قيامه. قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم) (٢) .
(٣ً) - وأما إن انتقض وضوءه أو دخل في صلاة أخرى أو تكلم في غير شأن الصلاة كقوله اسقني ماءً فسدت صلاته، لحديث: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس..) (٣) .
جـ - الكلام في صلب الصلاة:
-١- يبطل الصلاة:
(١ً) - إن تكلم عمداً بحرفين فصاعداً، لما روى زيد بن أرقم ﵁ قال: (كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: وقوموا لله قانتين. أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) (٤) . أما إن كان ناسياً أو جاهلاً بالتحريم ففيه روايتان: الأولى: يبطلها لأنه من غير جنس الصلاة فأشبه العمل الكثير، والثانية: لا يبطلها.
(٢ً) - أن شمت عاطساً أو رد سلاماً أو سلم على إنسان لأنَّه من كلام الآدميين.
(٣ً) - القهقهة تبطل الصلاة لكن لكن لا تنقض الوضوء، لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ : (الضحك ينقض الصلا ولا ينقض الوضوء) (٥) .
-٢- لا يبطل الصلاة:
(١ً) - إن غلبه البكاء فنشج بما انتظم حروفاً - لا تبطل صلاته، لأن عمر ﵁ كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف. ⦗٢٤٧⦘
(٢ً) - إن أخطأ في القراءة وأتى بكلمة من غيرها لا تبطل صلاته، لأنه لا يمكن التحرز منه.
(٣ً) - وإن نام يسيراً فتكلم لا تفسد صلاته لأنه عن غلبة.
стр. 196
ثانياً: الزيادة في الأفعال:
أ- الزيادة من جنس الصلاة.
ب- الزيادة من غير جنس الصلاة.
جـ- الأكل والشرب.
أ- الزيادة من نس الصلاة: كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود:
-١ً- عمداً: يبطل الصلاة.
-٢ً- سهواً: لا يبطل الصلاة ويسجد للسهو قبل السلام، لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً. فلما انفتل توشوش القوم بينهم قال: ما شأنكم؟ قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا. قالوا: فإنك قد صليت خمساً. فانفتل ثم سجد سجدتين. ثم سلَّم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون. وزاد ابن نُمير في حديثه: فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (١) . وفي رواية أخرى عن عبد الله: (إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين) (٢) . وهناك حالتان:
-١ - إذا قام إلى الركعة الزائدة فلم يذكر حتى سلم سجد للحال، إن ذكر قبل السلام سجد ثم سلَّم.
-٢ - وإذا ذكر في الركعة جلس على أي حال كان، فإن كان قيامه فليجلس قبل ⦗٢٤٨⦘ التشهد تشهَّد ثم سجد ثم سلَّم، وإن كان بعده سجد ثم سلَّم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي ﷺ صلى عليه ثم سجد وسلم.
واجب المصلين تجاه سهو الإمام في الزيادة:
إذا سها الإمام فزاد أو نقص فعلى المأمومين تنبيهه، لما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ قال ابراهيم: زاد أو نقص - فلما سلَّم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا. قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلَّم. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به. ولكن إنما أنا بشر أنس كما تنسون. فإذا نسيت فذكروني. وإذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب. فليُتم عليه. ثم ليسجد سجدتين) (٣) ولما في حديث سهل بن سعد الساعدي أنَّ رسول الله ﷺ قال: (ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ مننابه شيء في صلاته فليسبح. فإنه إذا سبَّح التفتُّ إليه. وإنما التصفيح للنساء) (٤) . وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) (٥) . وإذا سبَّح له اثنان لزمه الرجوع إليهما، لأن النبي ﷺ رجع إلى قول أبي بكر وعمر ﵄، وأمر بتذكيره ليرجع فإن لم يرجع بطلت صلاته لأنه ترك الواجب عمداً، وليس للمأمومين اتباعه لبطلان صلاته، فإن اتبعوه بطلت صلاتهم، إلا أن يكونوا جاهلين فلا تبطل، لأن أصحاب النبي ﷺ تابعوه في الخامسة، وإن فارقوه وسلموا صحت صلاتهم. أما إن سبح له واحد فلا يرجع، لأن النبي ﷺ لم يرجع لقول ذي اليدين وحده.
وإن نسي الإمام التشهد الأول فسبحوا بعد انتصابه قائماً فلا يرجع ويتابعونه في القيام، وإن رجع قبل شروعه في القراءة لم يتابعوه لأنه خطأ. أما إن سبحوا قيل ⦗٢٤٩⦘ قيامه لزمه الرجوع، فإن لم يرجع تشهدوا لأنفسهم وتابعوه لأنه ترك واجباً تعين عليهم فلا يجوز لهم اتباعه في تركه. وإن ذكر التشهد قبل انتصابه فرجع إليه بعد قيام المأمومين وشروعهم في القراءة لزمهم الرجوع لأنه رجع إلى واجب فلزمهم متابعته ولا عبرة بما فعلوه قبله.
стр. 197
ب- الزيادة من غير جنس الصلاة: كالمشي والحك سواءً كان عمداً أو سهواً مبطل للصلاة إجماعاً إن كثر متوالياً ولا يشرع له السجود. أما إن قلَّ فلا يبطلها، لما روى أبو قتادة ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها وإذا جلس وضعها) (١) وروى أبو داود عن عائشة ﵂، قالت: (كان رسول الله ﷺ ، قال أحمد يصلي والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحتُ. قال أحمد: فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه - وذكر أن الباب كان في القبلة) (٢) . والفعل اليسير ما شابه فعل النبي ﷺ فيما روي عنه، والفعل الكثير ما زاد على ذلك مما يُعد كثيراً في العرف فيبطل الصلاة إلا إن فعله متفرقاً.
стр. 198
جـ- الأكل والشرب:
-١ً- عمداً يبطل الصلاة، أما سهواً أو جهلاً فلا يبطلها إن كان الأكل والشرب يسيرين، ومن ترك في فمه طعاماً يذوب كالسكر فابتلع ما يذوب منه فهو أكل يبطل الصلاة.
-٢ً- إن بقي في فم المصلي أو بين أسنانه يسير من بقايا الطعام وجرى به الريق وابتلعه المصلي فلا تبطل صلاته لأنه يمكن الترحز منه.
-٣ً- وإن ترك في فمه لقمة علكة لم يبتلعها فلا تبطل الصلاة ولكن تكره لزوال الخشوع، وإن لاكها فهو كالعمل إن كثر أبطل وإلا فلا تبطل. ⦗٢٥٠⦘
القسم الثاني: النقص في الصلاة: إما أن يكون ترك ركن أو ترك واجب أو ترك سنة.
أولاً- ترك ركن: كركوع أو سجود.
-١ً- عمداً: يبطل الصلاة.
-٢ً- سهواً:
أ- إن لم يتذكر المصلي ترك ركن إلا بعد السلام وطال الفصل بطلت الصلاة لتعذر البناء مع طول الفصل، وإن قصر الفصل أتى بركعة كاملة وسجد للسهو.
ب- إن تذكر الركن المتروك قبل شروعه في قراءة الركعة الثانية عاد وأتى بما تركه ثم بنى على صلاته وسجد للسهو، فإن لم يعد إلى فعل ما تركه فسدت صلاته لأنه ترك الواجب عمداً إلا أن كان جاهلاً فلا تبطل صلاته.
جـ- إن تذكر الركن المتروك بعد شروعه في قراءة الركعة الأخرى بطلت الركعة التي ترك ركنها وحدها وجعل الأخرى مكانها وأتم صلاته وسجد قبل السلام.
ثانياً: ترك الواجب:
-١ً- عمداً يبطل الصلاة.
-٢ً- سهواً: يسجد للسهو قبل السلام، لما روى عبد الله ابن بحينة قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات ثم قال فلم يجلس. فقام الناس معه فلما قضى الصلاة ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلَّم) (١) ، ويقاس عليه سائر الواجبات. إن ذكر التشهد قبل انتصابه قائماً رجع فأتى به، أما إن ذكره بعد انتصابه قائماً وبعد شروعه في القراءة فلا يرجع ⦗٢٥١⦘ إليه لأنه تلبس بركن مقصود فلا يرجع إلى واجب، لحديث المغيرة بن شعبر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام الإمام في الركعتين: فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فلا يجلس، فإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو) (٢) ، وإن رجع بعد أن استوى قائماً وقيل شروعه بالقراءة كره ذلك ولم تفسد صلاته. ولا يرجع إلى غير التشهد من الواجبات لأنه لو رجع للركوع لأجل تسبيحه لزاد ركوعاً في صلاته وأتى بالتسبيح في ركوع غير مشروع.
ثالثاً: ترك السنة:
لا تبطل الصلاة بترك السنة عمداً أو سهواً ولا سجود عليه لأنه شرع للجبر فإذا لم يكن الأصل واجباً فجبره أولى (أي جبره بسجود السهو أولى أن لا يكون واجباً) . ولكنه يباح سواء كان المتروك سنة قولية أو فعلية على المعتمد من المذهب، لقوله ﵇: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) .
القسم الثالث: الشك في الصلاة: والشك فيها إما أن يكون في عدد الركعات، أو في ترك ركن من أركانها، أو فيما يوجب سجود السهو.
أولاً: الشك في عدد الركعات: إذا شكَّ المصلي في عدد الركعات هل صلَّى ركعتين أو ثلاثاً بنى على اليقين وهو اثنتين، سواء كان إماماً أو منفرداً، وأتى بما بقي وسجد قبل السلام، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى؟ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبين على ما استيقن. ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً، شفعن له صلاته. وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان) (٣) .
ثانياً: الشك في ترك ركن من أركان الصلاة: حكمه حكم تركه لأنَّ الأصل عدمه.
ثالثاً: الشك فيما يوجب سجود السهو: من زيادة أو ترك واجب كتسبيح الركوع فهذا لا يوجب سجود السهو، إلا إذا شكَّ في الزيادة وقت فعله لأنه شك في سبب وجود السجود والأصل عدمه، فإن شكَّ في أثناء الركعة الأخيرة أهي رابعة أم خامسة سجد لأنه أدى جزءاً من صلاته متردداً في كونه منها وذلك بضضعف النية. وإنما يؤثر الشك إذا وجد في الصلاة، فإن شكَّ بعد السلام لم يلتفت إليه لأن الظاهر الإتيان بها على الوجه المشروع. وهكذا الشك في سائر العبادات بعد فراغه منها.
سجود المؤتم:
ليس على امؤتم سجود سهو وإنما يسجد مع إمامه إذا سها، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس على من خلف الإمام سهو فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه سهو وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه) (٤) ، ولأن المأموم تابع للإمامه فيلزمه متابعة في السجود وتركه.
ويسجد المسبوق معع إمامه، فإن كان السجود بعد السلام فلا يقوم المسبوق حتى يشهده معه (وعن الإمام أحمد لا سجود عليه هنا والقول الأول هو المعتمد في المذهب) ، وإذا كان المؤتم قد قام لإتمام صلاته، ولم يعلم أن الإمام عليه سجود سهو، وسجد الإمام، رجع فسجد معه، إن لم يكن قد استتم قائماً، وإن كان استتم قائماً مضى ثم سجد في آخر صلاته قبل سلامه لأنه قام عن واجب فأشبه تارك التشهد الأول. أمَّا إن سجد مع الإمام ففيه روايتان: إحداهما: يعيد السجود لأنَّ محله آخر الصلاة، وإنما سجد مع إمامه تبعاً فلم يسقط المشروع في محله كالتشهد. والثانية: لا يعيد السجود لأنه قد سجد وانجبرت صلاته. ⦗٢٥٣⦘
ولو ترك الإمام السجود لسهو نفسه، أو كان لا يسجد لاختلاف المذهب ففي سجود المؤتم روايتان: إحداهما: يسجد لأنَّ صلاته نقصت بسهو إمامه ولم يجبرها فلزمه جبرها وهو المذهب، والثاني: لا يسجد لأنه إنما يسجد تبعاً فإذا لم يوجد المتبوع لم يجب التبع. ⦗٢٥٤⦘
стр. 199
الباب السادس (صلاة الجماعة)
стр. 200
تعريفها: ربط صلاة شخص بصلاة إمام مستكمل للشروط.
حكمها:
-١ً- واجبة في الصلوات الخمس المكتوبة على الرجال الأحرار القادرين عليها (فلا تجب على الصغير ولا على الرقيق والمرأة والخنثى) حضراً وسفراً حتى في شدة الخوف. والدليل من القرآن قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) (١) .
ومن السنة حديث أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم يحرقوا عليها، بحزم الحطب بيوتهم. ولو أعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها) (٢) . يعني صلا العشاء. وعقوبة التحريق بالنار لا تكون إلا على الفرض وارتكاب المحرم الغليظ.
وليست الجماعة شرطاً لصحة الصلاة، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) (٣) . ⦗٢٥٥⦘ ولا يسقط واجب الجماعة إذا أم الرجل صبياً لأنه ليس من أهل الكمال، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد: أنه يصح كما لو أنه أمَّ رجلاً متنفلاً.
-٢ً- سنة: بالنسبة للنساء منفردات عن الرجال، لأنهن من أهل الفرض أشبهن الرجال، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبد لله بن الحارث قال: (وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها وجعل لها مؤذن، وأمرها أن تؤم أهل دارها) (٤) . وبيت المرأة خير لها، فإن أرادت المسجد لم تمنع منه على أن لا تتطيب، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا نسائكم المساجد وبيوتهن خير لهن) (٥) . وفي رواية: (ولكن ليخرجن وهن تفلات) (٦) - يعني غير متطيبات.
-٣ً- مكروه حضورها للنساء المشتهيات مع الرجال.
-٤ً- شرط لصحة صلاة الجمعة.
-٥ً- سنة أيضاً لصلاة بعض النوافل كالاستسقاء والتراويح والعيدين. وتباح في صلاة التهجد.
تحققها: تتحقق بإثنين فأكثر لحديث مالك بن حويرث ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما) (٧) ، فإن أمَّ الرجل عبده أو زوجته كانا جماعة، ولا تتحقق الجماعة بصلاة صبي مميز مع الإمام وحده. ويجوز فعلها في البيت والصحراء لحديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أينما أدركت الصلاة فصلِّ فهو مسجد) (٨) ولكن تسن أن تكون في المسجد، وعن الإمام أحمد ﵁: أنه تجب الصلاة في المسجد لقول النبي ⦗٢٥٦⦘ ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٩) . إما إذا أراد أن يدخل المسجد ويصلي فرداً بينما لو صلى في بيته صلى جماعة فتتعين عليه الصلاة في بيته تحصيلاً للواجب، أما إن كانت جماعة البيت أكثر من جماعة المسجد فتفضل جماعة المسجد.
وأفضل الجماعات ما كانت جماعتها أكثر، فالأكثر أحب إلى الله تعالى، أما إن كان في جواره مسجد غاب عنه اختلت الجماعة فيه ففعلها فيه أفضل، وكذا إذا وجد مسجدان ففعلها في العتيق أفضل لأن الطاعة فيه أسبق، وإن كانت البلد ثغراً فالأفضل اجتماع الناس في مسجد واحد لأنَّه أعلى للكلمة وأرفع للهيبة.
стр. 201
أعذار ترك الجمعة والجماعة:
-١ً- المرض: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع المنادي قلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى) (١) . ومحل ذلك إذا كان المريض أو الخائف من حدوث مرض ليسا بالمسجد وإلا لزمتها الجمعة والجماعة لعدم المشقة، وتلزم الجمعة دون الجماعة لمن لم يتضرر بإتيانها راكباً أو محمولاً أو تبرع أحد بذلك أو بقود أعمى.
-٢ً- الخوف: سواءً خاف على نفسه من سلطان أو لص أو سبع أو غريم يلزمه ولا شيء معه يعطيه، أو خاف على ماله من تلف أو ضياع أو سرقة، أو كان له دين على غريم يخاف سفره أو وديعة عنده إن انشغل بالجماعة مضى وتركه، أو خاف شروط دابته أو احترق خبزه أو طبيخه، أو كان ناطوراً لبستان يخاف إن أتى الجماعة سرقة شيء منه، أو مسافراً يخاف فوت رفقته، أو كان عنده مريض يخاف ضياعه أو صغير أو حرمة يخاف عليها. ⦗٢٥٧⦘
-٣ً- المطر
-٤ً- الوحل: عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: (إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أنَّ محمداً رسول الله، فلا تقل حيَّ على الصلاة. قل صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكروا ذاك. فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا من هو خيرٌ مني. إن الجمعة عَزْمِةٌ. وإني كرهت أن أُحْرِجَكُمْ، فتمشوا في الطين والدحض) (٢) .
-٥ً- الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة: وهذا يختص بالجماعة، لما روى ابن عمر ﵄: (إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال) (٣) .
-٦ً- أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه أو تحتاج إليه وسواء خاف فوات الجماعة أو لم يخف، لحديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء) (٤) .
-٧ً- أن يدفع الأخبثين (البول والغائط) أو أحدهما، لما روت عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يافعه الأخبثان) (٥) .
-٨ً- أن يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره، لما روي أن ابن عمر ﵄: (دعي يوم الجمعة وهو يستجهز للجمعة إلى سعيد بن زيد بن عمر بن نضيل وهو يموت فأتاه وترك الجمعة) (٦) . ⦗٢٥٨⦘ أما الأعمى فلا يُعذر إن تمكن من الحضور،، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: (أتى النبي ﷺ رجل أعمى. فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول الله ﷺ أن يُرَخَّصْ له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب) (٧) .
стр. 202
شروط صحة الجماعة:
أولاً: نية الإمامة والاقتداء:
إن من شروط صحة الجماعة أن ينوي كل من الإمام والمؤتم حالته (أي أن يقول الإمام: نويت الصلاة إماماً، ويقول المؤتم مقتدياً) ، فإن نوى أحدهما دون صاحبه لم تصح، لأن الجماعة تنعقد بالنية، ويجب أن تكون نية المأموم في أول صلاته بحيث تقارن تكبيرة الإحرام، فلو شرع في الصلاة بنية الانفراد ثم وجد إماماً في أثنائها فنوى متابعته فلا تصح صلاته لعدم وجود النية في أول الصلاة، فالمنفرد لا يجوز له أن ينتقل إلى صلاة الجماعة بعد أن أحرم بالصلاة منفرداً، وقال الإمام أحمد:: أحبُّ غليَّ أن يقطع الصلاة ويدخل مع الإمام. كما لا يجوز لمن بدأ صلاته في جماعة أن يتنقل إلى الانفراد بأن ينوي مفارقة الإمام، إلا لضرورة كأن يطيل الإمام أو تفسد صلاته لعذر كسبق حدث أو نحوه، عن جابر ﵄ قال: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ . ثم يأتي فَيؤمُّ قومه. فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء. ثم أتى قوماً فأمَّهم. فافتتح بسورة البقرة. فانحرف رجل فسلم. ثم صلة وحده وانصرف. فقالوا له: أنافقتَ؟ يا فلان! قال: لا والله لآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار. وإن معاذاً صلى معك العشاء. ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ فقال يا معاذ أفتانُ أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا) (١) . ⦗٢٥٩⦘
- ويجوز لمن أحرم منفرداً في صلاة نفل أن ينوي الإمامة، (أي يغيَّر نيته من الانفراد إلى الإمامة) إن أتى آخر ونوى الاقتداء به، ولأن النبي ﷺ قام يصلي في التهجد، فجاء ابن عباس ﵄ فأحرم معه فصلى به النبي ﷺ . أما في صلاة الفرض فلا يجوز.
- أما إن أحرم منفرداً في فرض الصلاة، وكان يرجو مجيء من يصلي معه، فيجوز له أن ينوي الإمامة سلفاً.
- كما يجوز لمن أحرم إماماً أن ينوي الانفراد لعذر، كأن يسبق المأمومَ الحدثُ أو تفسد صلاته لعذر، أما إن كان لغير عذر فلا يصح للإِمام أن ينوي الانفراد.
- كما يجوز لمن أحرم إماماً أن ينوي الإقتداء لعذر، كأن يؤم القوم غير إمام الحي، فيأتي إمام الحي، فيتقدم في أثناء الصلاة، ويبني على صلاة الأول، فيصير الأول مأموماً، لما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁ (أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم. فحانت الصلاة. فجاء المؤذن إلى أبي بكر. فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم. قال: فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة. فتخلص حتى وقف في الصف. فصفق الناس. وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة. فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ . فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك. فرفع أبو بكر يديه. فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك. ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف. وتقدم النبي ﷺ فصلى ثم انصرف) (٢) . وهناك رواية أخرى: أنه يجوز لمن أحرم إماماً أن يصير مؤتماً، وأن فعل النبي ﷺ يحتمل أن يكون خاصاً به، لأن أحداً لا يساويه، ولكن المعتمد أنَّه يجوز. ⦗٢٦٠⦘
стр. 203
ثانياً: عدم إجتماع إمامان في صلاة واحدة:
أي لا يصح الاقتداء بالمأموم ما دام مأموماً، أما إن كان المأموم مسبوقاً، وقام لإتمام صلاته بعد سلام إقامه، ثم جاء شخص آخر فاقتدى به، فإن ذلك يصح. إلا في صلاة الجمعة فإنه لا يصح اقتداء المسبوق بمثله.
ثالثاً: موافقة نظم صلاتيهما:
فلا تصح كسوف أو جمعة خلف من يصلي غيرهما، ولا يصلح غيرهما خلف من يصليهما، لأنه يفضي إلى المخالفة في الأفعال فيدخل في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الإمام ليؤتم به. فلا تختلفوا عليه) (١) .
أما إذا كانت صلاة الإمام والمأموم واحدة إلا أنهما اختلفا في النية، فأحدهما أداء والآخر قضاء صحت الصلاة كصلاة ظهر خلف ظهر، أما إن اختلف الفرض فلا يصح كصلاة ظهر خلف عصر.
ولا يصح للإمام إن كان يصلي متنفلاً أن يؤم مفترضاً، وإنما يصح أن يؤم متنفلاً مثله. وفي رواية أنه يصح أن يؤم المتنفل مفترضاً لحديث جابر ﵄ قال: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ . ثم يأتي فيؤمُّ قومه ... ) وزاد الدارقطني في الرواية: (هي له نافلة ولهم فريضة) (٢) ، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فأشبه المتنفل يأتم بمفترض. والرواية الأولى هي المعتمدة.
رابعاً: المتابعة:
أي أن يتبع المأموم الإمام فيجعل أفعاله بعد أفعال إمامه، لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إنما الإمام ليؤتم به. فلا تختلفوا عليه. فإذا كبَّر فكبَّروا. وإذا ركع فاركعوا. وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ⦗٢٦١⦘ ربنا لك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا. وإذا صلى جالساً صلوا جلوساً أجمعون) (١) .
стр. 204
حالات ترك المأموم المتابعة وحكم الصلاة فيها:
-١- في حالة السبق:
أ- إن سبق المأموم إمامه بتكبيرة الإحرام عمداً أو سهواً لم تصح الصلاة.
ب- إن سبقه بالسلام عمداً بطلت الصلاة، أما إن كان سهواً وجب عليه إعادته مع الإمام وإلا بطلت الصلاة.
جـ- إن سبقه بركن من باقي أركان الصلاة عمداً حرم عليه ذلك ولزمه العودة إلى الركن الموجود فيه الإمام ومن ثم متابعته، فإن لم يعد وبقي سابقاً إمامه بطلت صلاته. أما إن سبقه جهلاً أو نسياناً، فلا بأس عليه أن يعود ليأتي بالركن مع الإمام، لحديث أنس ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم. فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه. فقال: أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع. ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف) (١) والنهي يقتضي التحريم. ولما روى أبو هريرة ﵁ قال: (أما يخشى أحدكم، إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار) (٢) .
د- وإن سبقه بركنين عمداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته لأنه لم يأتم بإمامه في معظم الركعة، كأن ركع ورفع قبل أن يركع إمامه وسجد قبل رفع إمامه من الركوع، أما إن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته للعذر ولا يعتد بتلك الركعة.
стр. 205
-٢- في حالة التأخر:
إن تأخر عنه بركنين عمداً بطلت صلاته (كأن ركع الإمام ورفع قبل ركوع ⦗٢٦٢⦘ المأموم) لتركه المتابعة، أما إن كان سبب تأخير المأموم عن الإمام لنوم أو غفلة أو نحو ذلك لم تبطل صلاته لأنه سبق يسير فيركع ثم يدركه، وإن سبقه بأكثر من ذلك لعذر ففيه وجهان، أحدهما: يفعله ويلحق به كالمزحوم في الجمعة، والثاني: تبطل الركعة لأنها مفارقة كثيرة.
-٣- في حالة الموافقة:
أ- في تكبيرة الإحرام عمداً أو سهواً تبطل الصلاة.
ب- في غير تكبيرة الإحرام يكره ذلك وتصح الصلاة لأنه اجتمع معه في الركن.
خامساً: عدم التقدم على الإمام في الوقوف:
-١ً- إن تقدم المأموم على إمامه في الوقوف لم تصح صلاته،، لحديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إنما جعل الاما ليؤتم به) (١) .
وإن وقف الواحد خلف الصف، أو خلف الإمام، أو عن يساره مع خلو يمينه، لم تصح صلاته، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (بتُّ عند خالتي، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه) (٢) ، وروى وابصة بن معبد ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد) (٣) ، وعن علي بن شيبان ﵁ قال: صلينا وراء النبي ﷺ فقضى الصلاة فرأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف. فوقف عليه نبي الله ﷺ حين انصرف فقال النبي ﷺ : (اسقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف) (٤) . فإذا صلى ركعة واحدة وهو خلف ⦗٢٦٣⦘ الصف لم تصح صلاته، أو لو جاء آخر فوقف معه أو دخل في الصف قبل رفع الإمام من الركوع صحت صلاته، لأنه أدرك في الصف ما يدرك به الركعة، أما إن ركع فرداً لعذر بأن خشي فوات الركعة ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت صلاته، لأن أبا بكرة حدَّث (أنَّه دخل المسجد ونبي الله ﷺ راكع. قال: فركعت دون الصف، فقال: النبي ﷺ : زادك الله حرصاً ولا تُعد) (٥) . فلم يأمره بالإعادة لجهله ونهاه عن العود.
стр. 206
موقف المأموم في الصلاة:
إذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام، فإن كبر عن يساره أداره الإمام عن يمينه، فإن جاء آخر كبَّر وتأخر وصفا خلفه، ولا يتقدم الإمام إلا إن كان الموضع ضيقاً، فإن كبر الثاني عن يساره أخرهما الإمام بيديه، وإن صليا عن يمينه أو أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله جاز، لما روي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (استأذن علقمة والأسود على عبد الله وقد كنا أطلنا القعود على بابه، فخرجت الجارية فاستأذنت لهما، فأذن لهما، ثم قام فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) (١) . فإن كانت معهم امرأة قامت خلفهم، لما روى أنس ﵁ قال: (فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز منورائنا فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف) (٢) ، وروى أبو مالك الأشعري ﵁: ألا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ ؟ قال: فأقام الصلاة، وصفَّ الرجال، وصفَّ خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثمَّ قال: هكذا صلاةُ قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال صلاة ⦗٢٦٤⦘ أمتي) (٣) . فإن لم يكن مع الرجل إلا امرأة وقفت خلفه، فإن كان معه صبي وقف عن يمينه لحديث ابن عباس المتقدم (فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه) . وإن كان معه رجل وصبي في فرض وقف بينهما، لحديث عبد الرحمن بن الأسود المتقدم، ويجعل الرجل عن يمينه، ويجوز أن يجعلهما عن يمينه، فإم كانا في نافلة وقفا خلفه، لحديث أنس ﵁ المتقدم (وصففت أنا واليتيم وراءه) .
أما من وقف معه كافر أو إمرأة أو خنثى مشكل أو من صلاته فاسدة فحكمه حكم الفذ، لأنهم من غير أهل الوقوف معه، وإن وقف فاسق أو أمي أو متنفل كانوا معه صفاً، لأنهم من أهل الوقوف معه، أما الصبي إذا وقف معه في النفل كان صفاً لحديث أنس ﵁ المتقدم. وإن وقفت المرأة في صف الرجال فلا تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها من الرجال ولا صلاة من خلفها منهم كما لو وقفت من غير صلاة، ولكن يكره وقوفها في صفهم.
- وإن وقف اثنان خلف الصف فخرج أحدهما لعذر واجب على الآخر أن يدخل في الصف، أو يقف عن يمين الاما، أو ينبه من يخرج فيقف معه، فإن لم يمكنه ينوي مفارقة الإمام ويتم منفرداً، لأنه عذر أشبه ما لو سبق إمامه الحدث.
- وإن دخل المسبوق فوجد فرجة قام فيها، فإن لم يمكنه قام عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه نبه رجل يتأخر معه فإن لم يفعل لم يُكره ويصلي وحده أو ينتظر جماعة أخرى.
أما إمامة النساء فتقف وسطهن، لأن ذلك يروى عن عائشة وأم سلمة ﵄، فعن ريطة الحنفية قالت: (أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة المكتوبة) (٤) ، وعن حجيرة قالت: (أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا) (٥) . فإن كان معها إمرأة واحدة وقفت عن يمينها، وإن وقفت خلفها جاز، ⦗٢٦٥⦘ لأن المرأة يجوز لها أن تقف وحدها بدليل حديث أنس ﵁: (والعجوز من ورائنا) .
والسنة أن يقف الإمام حذاء وسط الصف، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وسِّطوا الإمام، وسُدُّوا الخلل) (٦) ، وأن يتم المأمومون الصف الأول، لما روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أتمُّوا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر) (٧) . وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها. وخير صفوف النساء آخرها. وشرها أولها) (٨) وقال الإمام أحمد ﵁: ويلي الإمام الشُيوخ وأهلِ القرآن، ويؤخر الغلمان والصبيان، لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى عن الذين يلونهم - ثلاثاً.) (٩) .
ومن السنة أن لا يكون الإمام أعلى من المأمومين، لحديث حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا أمَّ الرجل القوم قلا يقم في مكان أرفع من مقامهم) (١٠) ، ولا بأس بالعلو اليسير لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع البصر المنهي عنه في الصلاة. ولا بأس أن يكون المأموم أعلى من الإمام. كما يصح أن يأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغيره إذا اتصلت الصفوف.
стр. 207
سادساً: عدم وجود حاجز يفصل بين الإمام والمؤتم:
-١ً- إذا كان المأموم في المسجد: يجوز أن يأتم بالإمام مهما تباعد عنه، ⦗٢٦٦⦘ لأنَّ المسجد كله موضع للجماعة، أما إن كان بينهما حائل يمنع المشاهدة وسماع التكبير فلا يصح الائتمام به لتعذر استماعه، أما إن كان الحائلِ يمنع المشاهدة دون السماع ففيه وجهان، أصحهما: أن الصلاة صحيحة، لأنَّ الإمام أحمد قال في المنبر: إذا قطع الصف لم يضر ولأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الإقتداء به لسماع التكبير، والثاني: أنه لا يصح الائتمام به، لأنَّ عائشة ﵂ قالت لنساء كنَّ يصلين في حجرتها: (لا تصلين بصلاة الإمام فإنكنَّ دونه في حجاب) (١) والحجاب موجود هاهنا..
-٢ً- إذا كان المأموم خارج المسجد: وبينه وبين الإمام حائل يمنعه رؤيته أو رؤية من وراءه من المصلين لم تصح صلاته، لحديث عائشة ﵂ المتقدم، وعن الإمام أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبوابه مغلقة قال: أرجو ان لا يكون به بأس. ويشترط إتصال الصفوف، وهو أن لا يكون بينهما نهر تجري فيه السفن ولا طريق عريض بحيث يمنع اتصال الصفوف.
стр. 208
سابعاً: الإسلام:
أي يشترط لصحة الجماعة أن يكون الإمام مسلماً، ولا تصح إمامة الكافر لأنه لا صلاة له في نفسه. وإن صلى رجل خلف آخر يدعي الإسلام، ثم تبين أنَّه كافر بطلت صلاته، وتجب عليه إعادتها.
ثامناً: أن لا يكون الإمام فاسقاً:
فلا تصح إمامة الفاسق بالأفعال أو ببدعة لا تكفره ولو بمثله، لما روى جابر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تؤمن امرأة رجلاً ولا يؤمُّ أعرابي مهاجراً، ولا يؤمُّ فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه) (١) ، لأن الفاسق لا يُؤمَّن على شرائط صحة الصلاة. وتجوز إمامته للضرورة في صلاتي الجمعة والعيد إذا تعذرت صلاتهما خلف غيره، لأن النبي ﷺ أمر بهما خلف كل بر وفاجر، ولأنهما تختصان بإمام واحد، فالمنع منهما خلف الفاسق يؤدي إلى تفويتهما.
стр. 209
تاسعاً: العقل:
ويشترط أن يكون الإمام عاقلاً، فلا تصح إمامة المجنون، لأنها لا تصح لنفسه، أما إذا كان يفيق أحياناً ويجنُّ أحياناً فإن إمامته تصح حال إفاقته وتبطل حال جنونه باتفاق.
عاشراً: البلوغ:
فلا تصح إمامة الصبي البالغ، ولا تصح صلاة البالغ بالصبي وحده في الصلاة المفروضة، لأن ذلك روي عن ابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم، ولأن الصبي ليس من أهل الكمال، فلا يؤمُّ الرجال. أما إمامته لهم بالنفل فهناك روايتان، إحداهما: لا تصح، والثانية: تصح لما روي عن عمرو بن سلمة الجرمي ﵁ قال: (كان يمر علينا الركبان فنتعلم منهم القرآن فأتى أبي النبي ﷺ فقال: ليؤمُّكم أكثركم قرآناً، فجاء أبي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ليؤمُّكم أكثركم قرآناً، فنظروا فكنت أكثرهم قرآناً. فكنت أئمم وأنا ابن ثمان سنين) (١) . وتصح إمامة الصبي بمثله في الفرض والنفل أيضاً.
стр. 210
حادي عشر: أن لا يكون الإمام أمياً والمؤتمون قارئين لأنه عجز عن ركن في الصلاة فأشبه العاجز عن السجود. وتصح إمامة الأمي بمثله، وإن صلى الأمي بأميين وقائين صحت صلاة الأميين وفسدت صلاة القارئين. والأمي هو من لا يحسن قراءة الفاتحة، أو يخل بترتيلها، أو حرف منها، أو يبدِّله بغيره كالألثغ الذي ⦗٢٦٨⦘ يجعل الراء غيناً وكذا من يلحن لحناً يحيل المعنى مثل أن يضم تاء أنعمتَ، أو يكسر كاف إياك، أو يخلُّ بتشديدة من تشديدات الفاتحة.
ثاني عشر: أن لا يكون الإمام أدنى بالذكورة من المؤتمين، أي لا تصح إمامة المرأة للرجال، ولا للخنثى، ولا تصح إمامة الخنثى للرجال ولا للخنثى، ولكن تصح إمامة الخنثى والمرأة للنساء، وإمامة الرجل لجميعهم.
ثالث عشر: طهارة الإمام من الحدث والخبث:
فلا تصح صلاة المأموم إن علم قبل الصلاة أو أثناءها بنجاسة الإمام أو حدثه، أما إن انتهت الصلاة ولم يعلم صحت صلاته وليس عليه إعادة، أما الإمام إن كان جاهلاً ذلك قبل الصلاة أو أثناءها ثم علم بعدها فعليه الإعادة، لأن عمر ﵁ (صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا) (١) ، وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعلي وابن عمر ﵃ ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً. أما إن علم الإمام والمأموم الحدث أو الخبث أثناء الصلاة لزمهما الاستئناف.
стр. 211
رابع عشر: سلامة الإمام من الأعذار: أي يشترط أن يكون الإمام سليماًمن الأعذار كسلس البول والإسهال المستمر وانفلات الريح، وإن كانت إمرأة يشترط أن تكون سليمة من الاستحاضة، فكل هؤلاء لا تصح إمامتهم لغيرهم (لأنهم أخلُّوا بشرط من شروط صحة الصلاة) وتجوز لأمثالهم.
خامس عشر: أن لا يكون الإمام عاجزاً عن القيام (باستثناء الإمام الراتب إن كان يرجى برؤه من عجزه عن القيام) أو الركوع أو السجود أو القعود لأنه يخل بركن من أركان الصلاة. ⦗٢٦٩⦘
سادس عشر: لا يشترط لصحة الجماعة صحة صلاة الإمام بمذهب المأموم، لأن العبرة بشروط صحة الصلاة لمذهب الإمام فقط، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي بحنفي أو شافعي لم يمسح جميع الرأس في الوضوء فصلاته صحيحة لصحة الإمام في مذهبه. أما ما كان شرطاً في صحة الاقتداء فالعبرة فيه لمذهب المأموم، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي في صلاة فرض بشافعي يصلي نافلاً فصلاته باطلة، لأن شرط الاقتداء اتحاد صلاة الإمام والمأموم.
أولى الناس بالإمامة:
أ- أحق الناس بالإمامة من حيث الصفات:
-١- أقرؤهم (١) لكتاب الله تعالى: لأن القراءة ركن في الصلاة فكان القادر عليها أولى كالقادر على القيام مع العاجز عنه بدليل الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم. وأحقهم بالإمام أقرؤهم) (٢) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نلوا العَصَبَة (٣) قبل مقدم النبي ﷺ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً، زاد الهيثم وفيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد ﵄ (٤) وروى أبو مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. فإن كانوا في القرءة سواءً. فأعلمهم بالسنُّة. فإن كانوا في السنة سواء. فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء. فأقدمهم سِلْماً (٥) . ولا يُؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه. ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) قال الأشجع في روايته: (مكان سلماً سِنَّاً) (٦) . وقيل لأبي عبد ⦗٢٧٠⦘ الله عن حديث عائشة عن النبي ﷺ : (مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس) (٧) أهو خلاف حديث أبي مسعود؟ قال: لا، إنما قوله لأبي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة وإن كان غيره أقرأ منه، فأمر النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه.
قال استوو بالقراءة قدم أكثرهم قرآناً) ، وإن كان أحدهم أكثر حفظاً والآخر أقلَ لحناً وأجودَ قراءة فهو أولى لأنه أعظمً أجراً في قراءته.
-٢- الأفقه: إن استووا في القراءة قدم أفقههم، لحديث أبي مسعود المتقدم (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) ، ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة للإِتيان بواجباتها وسننها وجبرها إن عرض ما يحوج إليه فيها.
-٣- الأسن: فإن استووا في القراءة والفقه قدم الأسن (أكبرهم سناً) ، لحديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا: إذا حضرنا الصلاة فأذَّنا، ثم أقيما وليؤمكما أكبركما) (٨) . وظاهر قول الإمام أحمد: أنه يقدم أقدمهما هجرة ثم أسنهما، لأنه ذهب إلى حديث أبي مسعود ﵁ المتقدم وهو مرتب.
-٤- الأشرف: أي أعلاهم نسباً وقدراً، لما روى أبو حثمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تعلموا قريشاً وتعلموا منها ولا تقدموا قريشاً ولا تأخروا عنها) (٩) . ⦗٢٧١⦘
-٥- الأتقى والأورع: إن استووا في الخصال السابقة قدم أتقاهم وأورعهم، لأنه أشرف في الدين وأفضل وأقرب في الإجابة. قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (١٠) ، ثم أعمرهم للمسجد وأتمهم مراعاة له.
-٦- وإن استووا في الخصال السابقة أقرع بينهم، لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ أقرع بينهم في الآذان فالإمامة أولى.
-٧- الحر أولى بالإمامة من العبد، أما إمامة العبد فتصح لما روي (أن أبا عمرو ذكوان كان عبداً لعائشة فأعتقته، وكان يقوم لها في شهر رمضان يؤمها وهو عبد) (١١) ، وروي أيضاً أن ابن مسعود وحذيفة وأبا ذر وأناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قدَّموا أبا سعيد مملوكاً لأبي أسيد فصلى بهم.
والحاضر أولى من المسافر، والبصير أولى من الأعمى في الإِمامة، لأن البصير أقدر على توقي النجاسة واستقبال القبلة، والحضري (من نشأ في المدن أو القرى) أولى من البدوي (من نشأ في البادية) ، والمتوضئ أولى من ضده.
стр. 212
ب- أحق الناس بالإِمامة في البيت:
-١- السلطان مع الجماعة: إن كان في البيت ذو سلطان قَدّم على صاحب البيت، لأن ولايته على البيت وصاحبه.
-٢- صاحب البيت إذا توفرت فيه شروط الإِمام هو أحق من غيره فيها حتى وإن كان فيهم من هو أقرأ منه وأفقه، إلا إذا أذن له صاحب البيت لقول رسول الله ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ المتقدم عند مسلم: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه. ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) . ⦗٢٧٢⦘
جـ- أحق الناس بالإِمامة في المسجد:
-١- السلطان إذا كان في المسجد.
الإِمام الراتب: ولو كان عبداً، أو كان في الحاضرين من هو أقرأ منه أو أفقه منه، وقد روي عن نافع قال: أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة المدينة.. وإمام ذلك المسجد مولى لإِبن عمر: فلما سمع عبد الله جاء ليشهد معهم الصلاة فقال له المولى: تقدم فصلي فقال عبد الله أنت أحق أن تصلي في مسجدك مني (١) . إلا أن يتأخر الإِمام الراتب لعذر فيصلي غيره، لأن أبا بكر ﵁ صلى بالناس حين غاب النبي ﷺ وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأقرهما النبي ﷺ على ذلك. ولا يؤم في المسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، لأن الإمام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق من غيره، فإذا تأخر الإمام عن الحضور وكان بيته قريباً فإنه يراسل وإلا صلى غيره إذا ظن عدم مجيئه.
وإن كل ما ذكر في أولوية الإمامة هو على سبيل الاستحباب، وليس بواجب أو شرط صحة، أي إذا قدم المفضول على الأفضل في الإمامة كان ذلك جائزاً، لأن الأمر بعد هذا أمر أدب واستحباب. أماحكم إمامة المفضول بدون إذن الفاضل في مكروهة.
من تصح إمامته مع الكراهة:
-١- تكره وتصح إمامة الأعمى، روى أنس ﵁ (أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤمُّ الناس وهو أعمى) (١) . تصح إمامة الأصم، لأن الأعمى والأصم لا يخلان بشيء من أفعال الصلاة ولا شروطها.
-٢- تكره وتصح إمامة الأقلف (٢) ، ولأنه ذكر مسلم عدل قارئ فتصح ⦗٢٧٣⦘ إمامته. أما النجاسة التي تحت القلفة فلا يمكن إزالتها فيعفى عنها، وكل نجاسة معفى عنها لا تؤثر في إبطال الصلاة، هذا إذا كانت القلفة غير مفتوقة. أما المفتوقة أو التي يمكن فتقها وغسل ما تحتها فهذا إن ترك غسل ما تحت القلفة لم تصح صلاته، لأنها نجاسة لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها.
-٣- تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ وإمامة الغسل بالماسح، على الخف أو الحبيرة والعكس بلا كراهة، لأن عمرو بن العاص ﵁ صلى بأصحابه متيمماً، وأخبر النبي ﷺ فضحك ولم ينكر عليه.
-٤- تصح إمامة ولد الزنا والجندي والخصي والأعرابي إذا سلموا في دينهم بلا كراهة لدخولهم تحت عموم قول النبي ﷺ : (يؤمُّ القوم أقرؤهم) .
-٥- تصح إمامة الإِمام الراتب في مسجدٍ العاجز عن القيام بالقادرين عليه إن كان يرجى برؤه (٣) . بلا كراهة، ويصلون خلفه جلوساً، لما روت عائشة ﵂ قالت: (اشتكى رسول الله ﷺ ، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودُونه. فصلى رسول الله ﷺ جالساً. فصلوا بصلاته قياماً. فأشار إليهم أن اجلسوا. فجلسوا. فلما انصرف قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به. فإذا ركع فاركعوا. وإذا رفع فارفعوا. وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً) (٤) .
-٦- تكره وتصح خلف الفأفاء (الذي يكرر حرف الفاء) وخلف التمتام (الذي يكرر حرف التاء) وخلف من لا يفصح ببعض الحروف كالقاف والضاد.
-٧- تكره وتصح صلاة اللحان، أي الذي يلحن لحناً لا يغير المعنى كأن يجر دال الحمد لله، لأنه نقص يذهب ببعض الثواب. ⦗٢٧٤⦘
-٨- تكره وتصح صلاة من يؤمُّ قوماً وأكثرهم له كارهون. لما روى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً. رجل أمُّ قوماً وهم له كارهون. وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان ... ) (٥) .
-٩- تكره وتصح أن يؤم الرجل نساء أجانب لا رجل معهم..
-١٠- تكره وتصح إمامة المفضول بمن هو أفضل منه بلا إذنه، لحديث ابن عمر ﵂ عن النبي ﷺ قال: (من أمَّ قوماً وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه لم يزل في سفَّال إلى يوم القيامة) (٦) .
إدراك صلاة الجماعة: يجب على المكلف إذا أقيمت الصلاة أن لا يشتغل بغيرها، لحديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٧) ، وإذا أقيمت وكان في نافلة خففها وأتمها، إلا أن يخاف فوت الجماعة فيقطعها، وعن الإِمام أحمد: أنه يتمها لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ (٨) . وإن أقيمت قبل مجيئه لم يسع إليها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون. وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (٩) ، لكن لا بأس أن يسرع قليلاً إذا خاف فوات الركعة.
إدراك الركعة مع الإِمام:
إن أدرك المأموم الإِمام راكعاً كبَّر للإحرام وهو قائم ثم كبَّر أخرى للركوع، وإن كبر واحدة أجزأته، فإن أدرك قدر ما يجزئ في الركوع مع الإِمام فقد أدرك ⦗٢٧٥⦘ الركعة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن الركعة فقد أدرك الصلاة) (١٠) ، أما إن أدركه في سجود أو جلوس كبَّر للإحرام وانحط من غير تكبير، أنه لم يدرك محل التكبير من السجود.
стр. 213
إدراك فضيلة الجماعة:
من كبَّر قبل سلام الإِمام الأول فقد أدرك فضيلة الجماعة ويبني عليها.
صلاة المسبوق:
يعتبر ما أدركه المسبوق مع الإِمام آخر صلاته، فإن أدركه فيما بعد الركعة الأولى دخل معه ولم يستفتح ولم يستعذ، وما يقضيه المسبوق بعد سلام الإِمام هو أول صلاته: يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة بعد الفاتحة. لكن لو أدرك من رباعية أو مغرب ركعة فإنه يتشهد عقب قضاء الأخرى نصاً لئلا يلزم تغيير هيئة الصلاة، لأنه لو تشهد عقب ركعتين لزم عليه قطع الرباعية على وتر والثلاثية شفعاً، ومراعة هيئة الصلاة ممكنة ولا ضرورة لتركها فلزم إِتيان بها.
стр. 214
الباب السابع (صلاة الجمعة)
стр. 215
حكمها: هي فرض عين على كل من استكملت فيه شروط وجوبها، ولو اتفق أهل بلد على ترك الجمعة وصلوا الظهر لم تصح صلاتهم، فإذا خرج وقت الجمعة لزمهم إعادة الظهر.
دليلها: من القرآن قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (١) .
ومن السنة حديث عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) (٢) ، وروى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، إلى يوم القيامة، من تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره) (٣) .
وقد انعقد إجماع الأئمة على أن صلاة الجمعة فرض عين. ⦗٢٧٧⦘