رابع عشر: سلامة الإمام من الأعذار: أي يشترط أن يكون الإمام سليماًمن الأعذار كسلس البول والإسهال المستمر وانفلات الريح، وإن كانت إمرأة يشترط أن تكون سليمة من الاستحاضة، فكل هؤلاء لا تصح إمامتهم لغيرهم (لأنهم أخلُّوا بشرط من شروط صحة الصلاة) وتجوز لأمثالهم.
خامس عشر: أن لا يكون الإمام عاجزاً عن القيام (باستثناء الإمام الراتب إن كان يرجى برؤه من عجزه عن القيام) أو الركوع أو السجود أو القعود لأنه يخل بركن من أركان الصلاة. ⦗٢٦٩⦘
سادس عشر: لا يشترط لصحة الجماعة صحة صلاة الإمام بمذهب المأموم، لأن العبرة بشروط صحة الصلاة لمذهب الإمام فقط، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي بحنفي أو شافعي لم يمسح جميع الرأس في الوضوء فصلاته صحيحة لصحة الإمام في مذهبه. أما ما كان شرطاً في صحة الاقتداء فالعبرة فيه لمذهب المأموم، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي في صلاة فرض بشافعي يصلي نافلاً فصلاته باطلة، لأن شرط الاقتداء اتحاد صلاة الإمام والمأموم.
أولى الناس بالإمامة:
أ- أحق الناس بالإمامة من حيث الصفات:
-١- أقرؤهم (١) لكتاب الله تعالى: لأن القراءة ركن في الصلاة فكان القادر عليها أولى كالقادر على القيام مع العاجز عنه بدليل الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم. وأحقهم بالإمام أقرؤهم) (٢) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نلوا العَصَبَة (٣) قبل مقدم النبي ﷺ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً، زاد الهيثم وفيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد ﵄ (٤) وروى أبو مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. فإن كانوا في القرءة سواءً. فأعلمهم بالسنُّة. فإن كانوا في السنة سواء. فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء. فأقدمهم سِلْماً (٥) . ولا يُؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه. ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) قال الأشجع في روايته: (مكان سلماً سِنَّاً) (٦) . وقيل لأبي عبد ⦗٢٧٠⦘ الله عن حديث عائشة عن النبي ﷺ : (مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس) (٧) أهو خلاف حديث أبي مسعود؟ قال: لا، إنما قوله لأبي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة، يعني أن الخليفة أحق بالإمامة وإن كان غيره أقرأ منه، فأمر النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ بالصلاة يدل على أنه أراد استخلافه.
قال استوو بالقراءة قدم أكثرهم قرآناً) ، وإن كان أحدهم أكثر حفظاً والآخر أقلَ لحناً وأجودَ قراءة فهو أولى لأنه أعظمً أجراً في قراءته.
-٢- الأفقه: إن استووا في القراءة قدم أفقههم، لحديث أبي مسعود المتقدم (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) ، ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة للإِتيان بواجباتها وسننها وجبرها إن عرض ما يحوج إليه فيها.
-٣- الأسن: فإن استووا في القراءة والفقه قدم الأسن (أكبرهم سناً) ، لحديث مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا: إذا حضرنا الصلاة فأذَّنا، ثم أقيما وليؤمكما أكبركما) (٨) . وظاهر قول الإمام أحمد: أنه يقدم أقدمهما هجرة ثم أسنهما، لأنه ذهب إلى حديث أبي مسعود ﵁ المتقدم وهو مرتب.
-٤- الأشرف: أي أعلاهم نسباً وقدراً، لما روى أبو حثمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تعلموا قريشاً وتعلموا منها ولا تقدموا قريشاً ولا تأخروا عنها) (٩) . ⦗٢٧١⦘
-٥- الأتقى والأورع: إن استووا في الخصال السابقة قدم أتقاهم وأورعهم، لأنه أشرف في الدين وأفضل وأقرب في الإجابة. قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (١٠) ، ثم أعمرهم للمسجد وأتمهم مراعاة له.
-٦- وإن استووا في الخصال السابقة أقرع بينهم، لأن سعد بن أبي وقاص ﵁ أقرع بينهم في الآذان فالإمامة أولى.
-٧- الحر أولى بالإمامة من العبد، أما إمامة العبد فتصح لما روي (أن أبا عمرو ذكوان كان عبداً لعائشة فأعتقته، وكان يقوم لها في شهر رمضان يؤمها وهو عبد) (١١) ، وروي أيضاً أن ابن مسعود وحذيفة وأبا ذر وأناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قدَّموا أبا سعيد مملوكاً لأبي أسيد فصلى بهم.
والحاضر أولى من المسافر، والبصير أولى من الأعمى في الإِمامة، لأن البصير أقدر على توقي النجاسة واستقبال القبلة، والحضري (من نشأ في المدن أو القرى) أولى من البدوي (من نشأ في البادية) ، والمتوضئ أولى من ضده.
стр. 212
ب- أحق الناس بالإِمامة في البيت:
-١- السلطان مع الجماعة: إن كان في البيت ذو سلطان قَدّم على صاحب البيت، لأن ولايته على البيت وصاحبه.
-٢- صاحب البيت إذا توفرت فيه شروط الإِمام هو أحق من غيره فيها حتى وإن كان فيهم من هو أقرأ منه وأفقه، إلا إذا أذن له صاحب البيت لقول رسول الله ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ المتقدم عند مسلم: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه. ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) . ⦗٢٧٢⦘
جـ- أحق الناس بالإِمامة في المسجد:
-١- السلطان إذا كان في المسجد.
الإِمام الراتب: ولو كان عبداً، أو كان في الحاضرين من هو أقرأ منه أو أفقه منه، وقد روي عن نافع قال: أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة المدينة.. وإمام ذلك المسجد مولى لإِبن عمر: فلما سمع عبد الله جاء ليشهد معهم الصلاة فقال له المولى: تقدم فصلي فقال عبد الله أنت أحق أن تصلي في مسجدك مني (١) . إلا أن يتأخر الإِمام الراتب لعذر فيصلي غيره، لأن أبا بكر ﵁ صلى بالناس حين غاب النبي ﷺ وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأقرهما النبي ﷺ على ذلك. ولا يؤم في المسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، لأن الإمام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق من غيره، فإذا تأخر الإمام عن الحضور وكان بيته قريباً فإنه يراسل وإلا صلى غيره إذا ظن عدم مجيئه.
وإن كل ما ذكر في أولوية الإمامة هو على سبيل الاستحباب، وليس بواجب أو شرط صحة، أي إذا قدم المفضول على الأفضل في الإمامة كان ذلك جائزاً، لأن الأمر بعد هذا أمر أدب واستحباب. أماحكم إمامة المفضول بدون إذن الفاضل في مكروهة.
من تصح إمامته مع الكراهة:
-١- تكره وتصح إمامة الأعمى، روى أنس ﵁ (أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤمُّ الناس وهو أعمى) (١) . تصح إمامة الأصم، لأن الأعمى والأصم لا يخلان بشيء من أفعال الصلاة ولا شروطها.
-٢- تكره وتصح إمامة الأقلف (٢) ، ولأنه ذكر مسلم عدل قارئ فتصح ⦗٢٧٣⦘ إمامته. أما النجاسة التي تحت القلفة فلا يمكن إزالتها فيعفى عنها، وكل نجاسة معفى عنها لا تؤثر في إبطال الصلاة، هذا إذا كانت القلفة غير مفتوقة. أما المفتوقة أو التي يمكن فتقها وغسل ما تحتها فهذا إن ترك غسل ما تحت القلفة لم تصح صلاته، لأنها نجاسة لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها.
-٣- تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ وإمامة الغسل بالماسح، على الخف أو الحبيرة والعكس بلا كراهة، لأن عمرو بن العاص ﵁ صلى بأصحابه متيمماً، وأخبر النبي ﷺ فضحك ولم ينكر عليه.
-٤- تصح إمامة ولد الزنا والجندي والخصي والأعرابي إذا سلموا في دينهم بلا كراهة لدخولهم تحت عموم قول النبي ﷺ : (يؤمُّ القوم أقرؤهم) .
-٥- تصح إمامة الإِمام الراتب في مسجدٍ العاجز عن القيام بالقادرين عليه إن كان يرجى برؤه (٣) . بلا كراهة، ويصلون خلفه جلوساً، لما روت عائشة ﵂ قالت: (اشتكى رسول الله ﷺ ، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودُونه. فصلى رسول الله ﷺ جالساً. فصلوا بصلاته قياماً. فأشار إليهم أن اجلسوا. فجلسوا. فلما انصرف قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به. فإذا ركع فاركعوا. وإذا رفع فارفعوا. وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً) (٤) .
-٦- تكره وتصح خلف الفأفاء (الذي يكرر حرف الفاء) وخلف التمتام (الذي يكرر حرف التاء) وخلف من لا يفصح ببعض الحروف كالقاف والضاد.
-٧- تكره وتصح صلاة اللحان، أي الذي يلحن لحناً لا يغير المعنى كأن يجر دال الحمد لله، لأنه نقص يذهب ببعض الثواب. ⦗٢٧٤⦘
-٨- تكره وتصح صلاة من يؤمُّ قوماً وأكثرهم له كارهون. لما روى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً. رجل أمُّ قوماً وهم له كارهون. وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان ... ) (٥) .
-٩- تكره وتصح أن يؤم الرجل نساء أجانب لا رجل معهم..
-١٠- تكره وتصح إمامة المفضول بمن هو أفضل منه بلا إذنه، لحديث ابن عمر ﵂ عن النبي ﷺ قال: (من أمَّ قوماً وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه لم يزل في سفَّال إلى يوم القيامة) (٦) .
إدراك صلاة الجماعة: يجب على المكلف إذا أقيمت الصلاة أن لا يشتغل بغيرها، لحديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٧) ، وإذا أقيمت وكان في نافلة خففها وأتمها، إلا أن يخاف فوت الجماعة فيقطعها، وعن الإِمام أحمد: أنه يتمها لقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ (٨) . وإن أقيمت قبل مجيئه لم يسع إليها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون. وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (٩) ، لكن لا بأس أن يسرع قليلاً إذا خاف فوات الركعة.
إدراك الركعة مع الإِمام:
إن أدرك المأموم الإِمام راكعاً كبَّر للإحرام وهو قائم ثم كبَّر أخرى للركوع، وإن كبر واحدة أجزأته، فإن أدرك قدر ما يجزئ في الركوع مع الإِمام فقد أدرك ⦗٢٧٥⦘ الركعة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن الركعة فقد أدرك الصلاة) (١٠) ، أما إن أدركه في سجود أو جلوس كبَّر للإحرام وانحط من غير تكبير، أنه لم يدرك محل التكبير من السجود.
стр. 213
إدراك فضيلة الجماعة:
من كبَّر قبل سلام الإِمام الأول فقد أدرك فضيلة الجماعة ويبني عليها.
صلاة المسبوق:
يعتبر ما أدركه المسبوق مع الإِمام آخر صلاته، فإن أدركه فيما بعد الركعة الأولى دخل معه ولم يستفتح ولم يستعذ، وما يقضيه المسبوق بعد سلام الإِمام هو أول صلاته: يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة بعد الفاتحة. لكن لو أدرك من رباعية أو مغرب ركعة فإنه يتشهد عقب قضاء الأخرى نصاً لئلا يلزم تغيير هيئة الصلاة، لأنه لو تشهد عقب ركعتين لزم عليه قطع الرباعية على وتر والثلاثية شفعاً، ومراعة هيئة الصلاة ممكنة ولا ضرورة لتركها فلزم إِتيان بها.
стр. 214
الباب السابع (صلاة الجمعة)
стр. 215
حكمها: هي فرض عين على كل من استكملت فيه شروط وجوبها، ولو اتفق أهل بلد على ترك الجمعة وصلوا الظهر لم تصح صلاتهم، فإذا خرج وقت الجمعة لزمهم إعادة الظهر.
دليلها: من القرآن قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (١) .
ومن السنة حديث عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) (٢) ، وروى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، إلى يوم القيامة، من تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره) (٣) .
وقد انعقد إجماع الأئمة على أن صلاة الجمعة فرض عين. ⦗٢٧٧⦘
стр. 216
شروط وجوب الجمعة:
-١ً- أن يكون مكلفاً: أي مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا تجب على مجنون ولا على صبي.
-٢ً- الذكورة: فلا تجب على الأنثى ولا على الخنثى، لأن المرأة ليست من أهل الجماعات، ولا تنعقد بهن لكنها تصح منهن وتجزؤهن عن الظهر.
-٣ً- الحرية: فلا تجب على العبد ولا على من به رق ولو مبعضاً، ولكن إذا حضرها وأدَّاها فإنها تصح منه. ولكن لا تنعقد به.
-٤ً- انتفاء الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة (١) : ولا يعتبر من أصحاب الأعذار من لم يتضرر بإتيان الجمعة راكباً أو محمولاً، أو تبرع أحد بالإتيان به كقعود أعمى، فإنها تجب عليه، وكذلك لو تكلف المريض الحضور وجبت عليه وانعقدت به، لأن سقوطها كان لدفع المشقة فإذا حضر زالت المشقة وانعقدت به كالصحيح، عن طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم، في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو إمرأة، أو صبي، أو مريض) (٢) .
-٥ً- الإقامة بمكان الجمعة أو قريب، (أي بينه وبين الجمعة مكان أقل من مسافة القصر) فلا تجب على المسافر إلا إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام.
- وتجب الجمعة على المسافر الذي لا يباح له القصر (أي سفره أقل من مسافة القصر أو كان سفره معصية) .
كما تجب على أهل مصر قريبهم وبعيدهم عن مكان الجمعة، لأن البلد كالشيء الواحد، بشرط أن لا يكون البعد عن صلاة الجمعة (المسجد التي تقام به الجمعة) أكثر من فرسخ. ⦗٢٧٨⦘ فلو سمع أهل القرية النداء من المصر لزمهم حضورها ولم تنعقد بهم، لأنهم غير مستوطنين بها، لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الجمعة على كل من سمع النداء) (٣) ، والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب فرسخ) (٤) ، إذا كان المؤذن صيتاً والموضع عالياً والرياح ساكنة والأصوات هادئة والعوارض منتفية.
стр. 217
شروط صحة الجمعة:
-١- أن تقع في الوقت، فلا تصح قبل وقتها ولا بعده بالإِجماع.
وأول وقتها: هو أول وقت صلاة العيد، عن جعفر عن أبيه أنه سأل جابر بن عبد لله ﵄: متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي. ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها. زاد عبد الله في حديثه: حين نزول الشمس) (١) .
وآخر وقتها: حين يصبح ظل كل شيء مثله عدا ظل الاستواء.
ولها وقتان:
-١ً- وقت جواز: ويبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح، ويستمر إلى الزوال.
-٢ً- وقت وجوب: ويبدأ من الزوال فما بعده ولكن الأفضل فعلها عند الزوال صيفاً وشتاءً، فلا يقدمها عن ذلك خروجاً من الخلاف مع بقية الأئمة ولا يؤخرها فيشق على الناس، لما روى سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (كنا نُجمِّعُ مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء) (٢) . ⦗٢٧٩⦘ فإن خرج وقتها قبل أن يكبر للإِحرام بالجمعة صلوا ظهراً (قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً) وإن أحرموا بها في الوقت فجمعة كسائر الصلوات تدرك بتكبيرة الإحرام في الوقت.
-٢- أن تكون في مصر (٣) أو قرية مبنية بما جرت العادة ببناء القرى به حتى ولو من قصب، مجتمعة البناء، ويسكنها أربعون من أهل الجمعة سُكنى إقامة، استيطان أي لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاءً) . أما أهل الخيم وبيوت الشعر فلا جمعة لهم، وتجوز إقامة الجمعة فيما قارب البنيان من الصحراء، فإن خربت القرية وبقوافيها عازمين على إصلاحها وترميمها فحكمها باقٍ، وإن عزموا على الانتقال منها زال الاستيطان. ولا يشترط لإِقامتها إذنُ الإِمام لأنها من فرائض الأعيان كالظهر.
-٣- حضور أربعين بما فيهم الإِمام ممن تنعقد بهم الجمعة الصلاة والخطبة ولو كان فيهم خرس أو صمم بعضهم لا كلهم، فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً نص عليه. وقال في الكافيء قياس المذهب أنهم إن نقصوا بعد إتمام الركعة أتموها جمعة، أما إن نقصوا قبل إتمام الركعة استأنفوا ظهراً ما لم يمكن إعادتها جمعة بشروطها، فلو حضر الأربعون جميع الخطبة وبعض الصلاة ثم انصرفوا بعد مجيء بدلهم صحت الجمعة، أما لو نقص العدد عن الأربعين في أثناء الصلاة قبل حضور من يكمله فإنها تبطل وتجب إعادتها جمعة إن أمكن.
-٤- أن يتقدمها خطبتان، لما روى عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينها، يقرأ القرآن ويذكر الناس) (٤) ، وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٥) ، وقال تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (٦) والذكر هو الخطبة. ⦗٢٨٠⦘
стр. 218
شروط صحة الخطبتين:
-١ً- حضور العدد المشروط للصلاة، لأن الخطبة ذكر اشترط للصلاة فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام، فإن انفضوا وعادوا قبل أن يطول الفصل صلوا الجمعة لأنه فصل يسير.
-٢ً- دخول الوقت قياساً على الصلاة.
-٣ً- أن يتولاهما من تصح إمامته فيها، فلا تصح خطبة من لا تجب عليه الجمعة كالعبد والمسافر.
-٤ً- أن تتقدما على الصلاة فلا يعتد بهما إن تأخرتا عنها.
-٥ً- نية الخطبة، فلو خطب بغير النية لم يعتد بخطبته.
-٦ً- وقوعها حضراً.
ولا يشترط لهما الطهارة. لأنها لو اشترطت لاشترط الاستقبال كالصلاة (وعن الإِمام: أنها شرط لصحة الخطبة) .
أركان كل من الخطبتين: سبعة هي:
-١-حمد الله تعالى، لما روى جابر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله) (١) .
-٢- الصلاة على رسول الله ﷺ ، لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسول الله ﷺ كالآذان. ويتعين لفظ الصلاة.
-٣- الموعظة، لأن النبي ﷺ كان يعظ الناس، وهي القصد من الخطبة، وأقلها الوصية بتقوى الله نحو قوله: اتقوا الله وأطيعوا الله ونحوه. قال الشيخ: لا بد له أن ⦗٢٨١⦘ يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير، فلو اقتصر على أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه فالأظهر أنه لا يكفي.
-٤- قراءة آية كاملة من من كتاب الله تعالى تستقل بمعنى أو حكم، فلو قرأ مثلاً قوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾ لم يكفِ، لأن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كانت صلاة رسول الله ﷺ قصداً. وخطبته قصداً يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس) (٢) ، ولأن الخطبة فرض في الجمعة فوجبت القراءة فيها كالصلاة.
-٥- الموالاة، فإن فرق بين الخطبتين، أو بين أجزاء الخطبة الواحدة، أو بينهما وبين الصلاة، وطال الفصل بطلت الخطبة، وإن كان تفريقاً يسيراً بنى عليها.
-٦- الجهر بهما بحيث يُسمع الخطيب العدد المعتبر في الجمعة، وهم أربعون من أهل وجوبها حيث لا مانع لهم من سماعه كنوم بعضهم أو غفلته أو صممه، فإن لم يسمعوا لإنخفاض صوته أو لبعدهم عنه لم تصح.
-٧- أن تكونا بالعربية للقادر عليها سواءً كان القوم عرباً أو غيرهم، فإن كان عاجزاً عن العربية صحت إلا الآية فلا تصح إلا بالعربية.
стр. 219
سنن الخطبتين:
-١- طهارة الإِمام من الحدث والخبث، كما يسن له ستر العورة.
-٢- أن يخطب على المنبر أو موضع عالٍ، لما روى ابن عمر ﵄ أنه (سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر) (١) .
-٣- أن يسلم عقب صعوده، إذا أقبل على الناس، لحديث جابر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلّم عليهم) (٢) . ⦗٢٨٢⦘
-٤- أن يجلس إذا سلم عليهم، لما روى ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ، أراه قال المؤذن. ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب) (٣) .
-٥- أن يؤذن لها إذا جلس الإِمام على المنبر، لأن الله تعالى قال: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ يعني الآذان (٤) .
-٦- أن يخطب قائماً، لما روى جابر بن سمرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً. ثم يجلس. ثم يقوم فيخطب قائماً فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب) (٥) .
-٧- أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا، فإن لم يكن معه شيء أمسك شماله بيمينه أو أرسلهما عند جنبيه وسكّنهما، روى الحكم بن حزم قال: (قدمت على رسول الله ﷺ سابع سبعة ... شهدنا فيها الجمعة فقام رسول الله ﷺ متوكئاً على قوس أو قال على عصا فحمد الله وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات) (٦) .
-٨- أن يرفع صوته، لأنه أبلغ في الإسماع، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه. حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحتكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد، فإن خير ⦗٢٨٣⦘ الحديث كتاب الله. وخير الهُدى هُدى محمد. وشر الأمور محدثاتها. وكل بدعة ضلالة ... ) (٧) .
-٩- أن يستقبل بخطبته جهة وجههه فلا يلتفت يميناً أو شمالاً.
-١٠- أن يكون في خطبته مترسلاً مُعرباً مبيناً من غير عجلة ولا تمطيط، لأنه أبلغ وأحسن.
-١١- أن يُقصرِّ الخطبة، لما روى عمار ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه. فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ... ) (٨) .
-١٢-أن تكون الخطبة الأولى أطول من الثانية.
-١٣- أن يرتب الخطبة، بأن يبدأ بالحمد لله ثم بالصلوات على رسوله ﷺ ثم بالوعظ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد ... أقطع) (٩) .
-١٤- أن يدعو للمسلمين، لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيها أولى، وإن دعا للسلطان فحسن، لأن صلاحه نفع للمسلمين فالدعاء له كالدعاء لهم.
-١٥- أن يجلس بين الخطبتين جلسة استراحة بقدر سورة الإخلاص وليس فيها ذكر.
-١٦- أن يخطب من صحيفة.
-١٧- أن يتولاهما مع الصلاة واحد. ⦗٢٨٤⦘
стр. 220
مكروهات الخطبتين:
ترك أي سنة من السنن المتقدمة. وقد يكون خلاف الأولى أو من المكروه استدبار القوم حال الخطبة ورفع يديه حال الدعاء فيها.
كيفية صلاة الجمعة:
إذا فرث الإِمام من الخطبتين نزل، فأقيمت الصلاة، فيصلي بالناس ركعتين يقرأ في كل ركعة (الحمد لله) وسورة، ويجهر بالقراءة للإجماع على ذلك، ومهما قرأ به بعد أم الكتاب فيها أجزأه، إلا أن المستحب أن يقرأ فيها بالأولى بعد الفاتحة سورة (الجمعة) وفي الثانية (المنافقين) ، أو بالأولى (سبح اسم ربك الأعلى) والثانية (هل أتاك حديث الغاشية) ، لما روى النعمان بن بشير ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية) (١) .
ويسن أن يصلي بعد الجمعة أربعاً، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان منكم مُصلياً بعد الجمعة فليصلِّ أربعاً) (٢) ، وأقل السنة الراتبة بعدها ركعتان وأكثرها ست ركعات، لأن ابن عمر ﵄ (كان إذا كان بمكة وصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلِّ في المسجد فقيل له فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك) (٣) .
ويستحب أن يفصل بين الجمعة والركوع بكلام أو رجوع إلى المنزل، لما روى السائب بن يزيد قال: قال لي معاوية: (إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة ⦗٢٨٥⦘ حتى تكلم أو تخرج. فإن رسول الله ﷺ أمرنا ذلك أن لا تُصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) (٤) .
وليس لها سنة راتبة قبلها بل يستحب صلاة أربع ركع.
стр. 221
إدراك صلاة الجمعة:
من أدرك مع الإِمام الركوع في الثانية فإنه يتمها جمعة، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام فقد أدرك الصلاة) (١) .
أما من أدرك أقل من ذلك فقال الخرقي: يبني على ظهر إذا كان قد دخل بنية الظهر وفي وقته، وإلا أتمها نفلاً ووجبت عليه صلاة الظهر.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا، ينوي الجمعة عند الدخول فيها لئلا يخالف بنيته نية الإِمام ثم يبني عليها ظهراً، لأنهما فرض في وقت واحد ردت إحداهما من أربع إلى ركعتي فجاز أن يبني عليها الأربع التامة مع المقصورة.
- من أحرم مع الإِمام ثم زوحم عن السجود فأمكنه السجود على ظهر إنسان أو قدميه لزمه ذلك، لما روي عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه) (٢) فإن لم يمكنه ذلك انتظروا زوال الزحام ثم يسجد ويتبع الإِمام، لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك في صلاة عسفان للعذر والعذر هاهنا قائم.
стр. 222
تعد المساجد التي تقام فيها الجمعة:
يحرم إقامة صلاة الجمعة وصلاة العيد في أكثر من موضع واحد من البلد إن ⦗٢٨٦⦘ أمكن الاستغناء بجمعة واحدة في المصر، لأن الغرض من صلاة الجمعة هو أن يجتمع الناس في مكان واحد خاشعين لربهم فتتوثق بينهم روابط الألفة وتقوى صلات المحبة والتعاون ولأن النبي ﷺ وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة.
ويجوز إقامة أكثر من جمعة إذا كان هناك حاجة كضيق مساجد البلد، أو بعد المسافة بحيث يشق على من منزله بعيد عن مكان إقامة الجمعة مجيئه إليها، أو خوف الفتنة كأن يوجد بين أهل البلد عداوة مثلاً.
فإن صليت الجمعة في موضعين أو أكثر من غير حاجة صحت معة الإِمام، لأن في تصحيح غير جمعة الإِمام افتئاتاً عليه وإبطالاً لجمعته، فإن لم يكن الإِمام مصلياً في إحداهما فالسابقة بالإحرام هي الصحيحة، لأنه لم يتقدمها ما يفسدها، ويَفْسدُ ما بعدها. فإن وقعت جميعها في وقت واحد بطلت جميعها وعليهم إقامة جماعة أخرى، لأنه مِصرٌ لم تصلِّ فيه جمعة صحيحة. وإن عُلم سبق إحداها وجهلت فعلى الجميع صلاة الظهر، لأن كل واحد لم يتيقن براءة ذمته من الصلاة.
وقت صلاة الظهر لمن لم يصلِّ الجمعة:
-١- يجوز لمن لم تجب عليه الجمعة أن يصلي صلاة الظهر قبل فراغ الإِمام من صلاة الجمعة بسلامه منها، إلا إن ظنَّ زوال عذره قبل صلاة الإِمام فالأفضل له أن لا يُصلي الظهر إلا بعد صلاة الإِمام. أما ان كان صلى قبل صلاة الإِمام ومن ثم زال عذره قبل انتهاء الإِمام فلا تلزمه الجمعة، لأنه أدى فرض الوقت.
-٢- لا تصح صلاة الظهر قبل صلاة الإِمام لمن تجب عليه الجمعة، لأنه غير مخطب بالظهر.
-٣- من فاتته الجمعة أعادها ظهراً، لأنه يخاطب بها حينئذٍ. ⦗٢٨٧⦘
صلاة الظهر جماعة في يوم الجمعة:
لا يكره لمن فاتته الجمعة أو لمن لم يكن من أهل فرضها أن يصلي الظهر في جماعة، لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (١) ، فإن خاف التهمة استحب إخفاؤها ليدفع التهمة عن نفسه.
стр. 223
حالة اجتماع يوم الجمعة والعيد:
-١- إذا اتفق عيد في يوم جمعة فصلاة العيد تُسقط الجمعة وتُصلى الظهر بلاً عنها، لما رُوي أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ سأل زيد بن أرقم قال: (أشهَدتَ مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعَ؟ قال: صلى العيد ثم رخَّص في الجمعة فقال: من شاء أن يُصلِّي فليصلِّ) (١) .
стр. 224
ما يستحب في ليلة الجمعة ويومها:
-١- تلاوة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها، لحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ : (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) (١) .
-٢- أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم تنزيل الكتاب) و (هل أتى على الإنسان) ، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (أنه كان يقرأ في الفجر، يوم الجمعة الم تنزيل، وهل أتى) (٢) .
-٣- أن يغتسل يوم الجمعة، وقيل الغسل واجب، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة على كل محتلم. ⦗٢٨٨⦘ وسواك. ويمسس الطيب ما قدر عليه) (٣) ، ولكن المعتمد الأول عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فَبها ونِعْمَتْ، ومن اغتسل فالغسل أفضل) (٤) ، والخبر الأول أريد به تأكيد الاستحباب، والدليل على ذلك أنه ذُكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين.
ووقت الغسل من بعد طلوع فجر يوم الجمعة لقوله في الخبر: (يوم الجمعة) ، والأفضل فعله عند الرواح لأنه أبلغ في المقصود، ولا يصح إلا بنية لأنه عبادة، فإن اغتسل للجمعة والجنابة أجزأه لأن المقصود التنظيف وهو حاصل.
-٤- يستحب التطيب والتنظيف، أي قطع الشعر وقص الأظافر، وإزالة الرائحة، لما روي عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهرٍ، ويدهن من دهنه، أو يَمَسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإِمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) (٥) .
-٥- أن يتزين بأحسن ثيابه، والمندوب الأبيض لا غير.
-٦- الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ .
-٧- التكبير بالسعي لها، لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بكرة. ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون ⦗٢٨٩⦘ الذكر) (٦) ، وفي حديث آخر عن علقمة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات) (٧) .
-٨- ويستحب أن يأتيها ماشياً، ويقرب بين خطاه لتكثر حسناته وليكون أعظم للأجر، وعليه السكينة والوقار، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها. وأنتم تسعون. وأتوها وعليكم السكينة ... ) (٨) . ولكن يجب السعي بالنداء الثاني، إلا لمن كان منزله بعيداً فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون به مدركاً للجمعة.
ويحرم لمن تجب عليه الجمعة السفر بعد دخول وقتها (بعد الزوال) ، لأنه يكون تاركاً لها بعد وجوبها عليه، أما قبل دخول وقتها فيجوز السفر للجهاد، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه فقال: أتخلف فأصلي يوم الجمعة مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي ﷺ رآه، فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، قال: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم) (٩) . أما السفر لغير الجهاد قبل دخول وقتها فمكروه إن لم يأت بها في طريقه.
стр. 225
الأحكام المتعلقة بالأذان الثاني (الأذان الذي بين يدي الخطيب) (١) وبحضور الجمعة:
-١- يجب السعي لصلاة الجمعة إذا نودي لها بالأذان الثاني الذي بين يدي الخطيب، ويحرم البيع لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ⦗٢٩٠⦘ الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ، ولا ينعقد البيع على من تجب عليهم الجمعة، فإن كان أحد المتعاقدين ممن تجب عليه والآخر لا تجب عليه فإنه يحرم عليهما معاً، وذلك لأن من لا تجب عليه أعان من تجب عليه على المعصية. وهذا يدل على عدم التحريم قبل الأذان.
-٢- يكره تخطي الرقاب إذا دخل المسجد، إلا إن كان إماماً ولم يجد طريقاً غيره، أو لسد فرجة.. وإن ازدحم الناس في المسجد وفي داخله اتساع فلم يجد الداخل لنفسه موضعاً، فعلم أنهم إذا قاموا تقدموا، جلس حتى يقوموا، وإن لم يرجُ ذلك فله تخطيهم. ولا يقيم أحداً غيره ويجلس مكانه، لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ويجلس فيه) (٢) . ولو قدَّم رجل غلامه فجلس في موضع ثم جاء هو فقام الغلام وجلس مكانه فلا بأس به، وروي أن ابن سيرين كان يفعله. وإن فرش له مصلى لم يكن لغيره الجلوس عليه، ولا يجوز لغيره رفعه إلا إذا حضرت الصلاة، وهناك وجه آخر أنه يجوز، لكن المعتمد هو الأول.
وإن قام الجالس من موضعه لحاجة ثم عاد إليه فهو أحق به، لما روى وهب بن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الرجل أحق بمجلسه، وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه) (٣) .
-٣- يستحب الدنو من الإِمام، لحديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة وغَسَّلّ، وبكرّ وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة، صيامها وقيامها) (٤) . ⦗٢٩١⦘
-٤- يسن لمن حضر قبل الخطبة الاشتغال بالتنفل أو ذكر الله وقراءة القرآن، وأن يكثر من الدعاء لعله يوافق ساعة الإجابة، حتى يجلس الإِمام على المنبر. ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما، لما روى جابر ﵁ قال: (دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة. قال: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصلِّ) (٥) ، وفي رواية أخرى عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) (٦) .
-٥- يحرم الكلام أثناء الخطبة للحاضر (السامع وغيره) ، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب فقد لغوت) (٧) ، أما البعيد فيذكر الله ويقرأ القرآن سراً. ومن سأله الإِمام عن شيء فعليه إجابته، لحديث جابر ﵁ المتقدم: (قال: أصليت؟ قال: لا..) . ولا يُشمَّت العاطس ولا يُعطى السائل والإمام يخطب، ولكن لا بأس بشرب الماء لمن لم يسمع الخطبة.
ولا يحرم الكلام على الخاطب، لأن النبي ﷺ كان يتكلم، وسأل عمر عثمانَ: أية ساعة هذه وهو في الخطبة. ⦗٢٩٢⦘
стр. 226
الباب الثامن (صلاة المسافر)
стр. 227
الفصل الأول
стр. 228
قصْرُ الصلاة
تعريفه: قصر الصلاة هو أن يصلي المكلف الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين.
حكمه: رخصة للمسافر سفراً طويلاً. والرخصة يجوز تركها لكن القصر أفضل، لأن النبي ﷺ وأصحابه داوموا عليه وعابوا من تركه.
أما الملاح الذي أهله في السفينة، وحاجة بيته معه، ولا بيت له غيرها، وليس له نية المقام في بلد، فلا يقصر لأنه غير ظاعن عن بلده ومنزله فأشبه المقيم في البلد.
دليله: من القرآن قوله تعالى: (وإذا ضربتم (١) في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) (٢) .
ومن السنة: عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ⦗٢٩٣⦘ صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (٣) . وروى يحيى بن أبي إسحق قال: سمعت أنساً يقول: (خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة ... ) (٤) . وقد أجمعت الأمة على مشروعية القصر.
стр. 229
شروط جواز القصر:
-١ً- أن يكون السفر طويلاً أي مسافة أربعة برد (١) ، أي مسير يوم وليلة بسير الإِبل المحملة بالأثقال، سيراً معتاداً سواء كان السفر براً أم بحراً، والعبرة للمسافة لا لمسيرة السفر، فإن شك بمقدار المسافة لم يبح له القصر لأن الأصل للإِتمام فلا يزول بالشك.
-٢ً- أن ينوي السفر الطويل في بدئه، فلو قصر ثم بدا له الإِقامة، أو رجع كانت صلاته صحيحة، أما من خرج طالباً لآبق أو هائماً على وجهه فلا يباح له القصر ولو سافر شهراً، لأن نية السفر الطويل لم توجد في البدء. وكذا لا تعتبر نية التابع إلا إذا وافقت نية المتبوع، فلو خرج مكرهاً كالأسير يُقصَدُ به بلدٌ بعينه فله القصر لأنه تابع لمن يقصد مسافة القصر.
-٣ً- أن يكون السفر مباحاً (ومن باب أولى أن يكون السفر واجباً كالحج والجهاد وقضاء الدين، أو مسنوناً كزيارة الرحم) للتجارة أو النزهة. فلو كان السفر حراماً كأن سافر لسرقة مال، أو لقطع طريق، أو تجارة في الخمر أو نحو ذلك، فلا يقصر، وإذا قصر لم تنعقد صلاته ولا يترخص بشيء من رخص السفر، لأنه لا يجوز تعليق الرخص بالعاصي. أما إن عصى في سفر مباح أو واجب أو مندوب فلا يمنع القصر. ⦗٢٩٤⦘
-٤ً- شروعه في السفر بخروجه من بيوت قريته أو بلدته، لأن الله تعالى قال: ﴿وإذا ضربتم فيالأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج. ويجوز له القصر بين حيطان البساتين لأنها ليست من حيطان البلد ولا تبنى للسكنى. وإن خرب بعض البلد فصار فضاء فهو كالصحراء وإن كانت حيطانه قائمة، أما إذا اتصل بالبيوت الخربة بيوت عامرة فلا يقصر إلا إذا فارقهما معاً، ولا يقصر إذا اتصل بالخراب بساتين يسكنها أصحاب للرياضة في الصيف مثلاً إلا إذا جاوز تلك البساتين. أما إن كان من سكان الخيام أو القصور أو البساتين فلا يقصر حتى يفارق خيامه أو المكان تنسب إليه البساتين أو القصور عرفاً. أما المسافر بحراً فيعتبر شروعه في السفر بركوبه الباخرة وشروعها في الحركة.
стр. 230
شروط صحة القصر:
-١ً- أن ينوي القصر مع نية الإِحرام، فإن شك في نية القصر لزمه الإِتمام لأنه الأصل. فلو نوى الإِتمام في ابتداء الصلاة، أو أثنائها، أو ما يلزمه الإِتمام كالإِقامة، أو قلب نيته إلى سفر قصير أو معصية، لزمه إتمام الصلاة ولزم من خلفه متابعته.
-٢ً- أن يعتقد جواز القصر، فلو قصر وهو معتقد التحريم (تحريم القصر) فصلاته فاسدة، لأنه فعل ما يعتقد تحريمه.
-٣ً- أن لا تكون الصلاة وجبت في الحضر، فلو ترك صلاة حضر وقضاها في السفر لم يجز له قصرها. ومن سافر بعد دخول وقت الصلاة ولم يصلِّها وصلاها في السفر ولم يجز له قصرها. وإن نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر أتمها ولم يقصر فيها، أما إن ذكرها في سفر آخر فيقصرها.
-٤ً- أن لا يأتم المسافر الذي يقصر الصلاة بمقيم ولا بمسافر يتم، فإن ائتم بمقيم لزمه الإِتمام سواء أئتم به في الصلاة كلها أو جزئها، لأن ابن عمر ﵄ سئل عن (المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم يعني المقيمين أتجزيه الركعتان ⦗٢٩٥⦘ أو يصلي بصلاتهم قال: فضحك وقال: يصلي بصلاتهم) (١) ولو أدرك المسافر من الجمعة أقل من ركعة لزمه إتمامها أربعة لائتمامه بمقيم. ومن ائتم بمقيم ففسدت صلاته لم يجز له قصرها بعد ذلك، لأنها تعنيت عليه تامة لائتمامه بمقيم.
ومن أحرم مع من يظنه مقيماً أو يشك في إقامته لزمه الإِتمام ولو قصر إمامه اعتباراً بالنية، وإن غلب على ظنه أنه مسافر فله أن ينوي القصر ويتبع إمامه فيقصر بقصره ويتم بإتمامه.
وإن أمّ المسافر مقيماً لزم المقيم الإتمام، ويستحب للإِمام أن يقول لهم: أتموا فإنا قوم سفر، لما روى عمران بن الحصين ﵁ قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: يا أهل البلد، صلَّوا أربعاً فإنا قوم سُفر) (٢) . وإن أتم الإِمام (المسافر) صحت الصلاة، أما إن نسي المسافر فقام إلى ثالثة فله أن يجلس ولا يلزمه الإِتمام لأن الموجب للاتمام نيته.
стр. 231
ما يمنع القصر:
-١- نية الإقامة في بلد المقصد أكثر من إحدى وعشرين صلاة، ولو في مكان غير صالح للإِقامة، ولو لحاجة علم أنها لا تنقضي إلا في مدة أكثر من إحدى وعشرين صلاة، لأن النبي ﷺ أقام بمكة فصلى بهم إحدى وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم لصبح رابعة (الرابع من ذي الحجة) فأقام إلى يوم التروية فصلى الصبح ثم خرج. فمن أقام مثل إقامته قصر، ومن زاد أتم، ذكره الإِمام أحمد ﵁.
ومن قصد رِستافاً (١) يتنقل فيه لا ينوي الإِقامة في موضع واحد فله القصر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ فجعل يقصر حتى ⦗٢٩٦⦘ قدمنا مكة فأقام بها عشرة أيام يقصر حتى رجع وذلك في حجة الوداع) (٢) وهذا يعني أنه حسب خروجه إلى منى وعرفة وبعده من العشرة.
ومن كان في مكة مقيماً فخرج إلى عرفة عازماً على أنه إذا رجع إلى مكة لا يقيم فيها فله القصر من حين خروجه.
-٢- مرورو المسافر على بلد فيها زوجة له أو ماشية، لأن ذلك يروى عن عثمان وابن عباس ﵄.
-٣- مرورو المسافر بوطنه ولو لم يرد الإِقامة فيه.
-٤- رجوع المسافر من الطريق إلى بلده، لحاجة بدت، أو لعدوله عن السفر، إن لم يقطع مسافة القصر بعد، ولا يعيد الصلاة التي صلاها قصراً. أما إن كان قطع مسافة القصر فيقصر في عودته إلى أن يعود إلى بلده.
-٥- عودة المسافر إلى المكان الذي يباح له القصر عنده حين ابتدأ سفره سواء كان ذلك المكان وطناً له أو لا. ⦗٢٩٧⦘
стр. 232
الفصل الثاني
стр. 233
جمع الصلاة
تعريف: الجمع هو أن يجمع المصلي بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الظهر أو يجمع بينهما تأخيراً في وقت العصر، وبين المغرب والعشاء تقديماً في وقت المغرب أو تأخيراً في وقت العشاء.
حكمه:
-١ً- مباح في الأسباب الواردة فيما بعد. وتركه أفضل.
-٢ً- سنة بين الظهر والعصر تقديماً بعرفة، وبين تامغرب والعشاء وتأخيراً بمزدلفة.
أسباب جواز الجمع:
-١ً- السفر: روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه: كان (إذا عجل عليه السفر، يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر. فيجمع بينهما. ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق) (١) . وشروط جواز الجمع في السفر هي نفس شروط جواز القصر، أي كل من جاز له القصر في حله وترحاله جازله الجمع.
-٢ً-المطر الذي يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه ومثله الثلج (٢) ، عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر ⦗٢٩٨⦘ والعصر، والمغرب والعشاء. فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى) (٣) ، ويجوز الجمع في المطر حتى ولو كان المصلي منفرداً أو مقيماً في المسجد أو كان في المسجد أو كان في طريقه ظلال، لأن العذر عام لا يعتبر حقيقة المشقة كالسفر، وقد روي أن النبي. ﷺ جمع في المطر وليس بين حجرته والمسجد شيء.
-٣ً- المرض: عن ابن عباس ﵄ قال: (جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر) (٤) ، وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز بغير عذر فلم يبق إلا المرض، فهذا دليل جواز الجمع في المرض، لأن النبي ﷺ أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل الاستحاضة وهي نوع من المرض.
стр. 234
شروط صحة الجمع:
-١- الترتيب، أي البداءة بالأولى.
-٢- صحة الأولى، فإن ذكر أنه نسي من الأولى ركناً أعادهما أداءً إن اتسع الوقت وإلا فقضاء مرتباً، وإن بان أنه نسي ركناً من الثانية أعادها فقط.
ويشترط لجمع التقديم شروط أخرى هي:
-١ً- أن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى.
-٢ً- أن لا يفصل بينهما إلا فصلاً يسيراً بحسب العرف، كوضوء خفيف وإقامة. ولا يضر الكلام اليسير. أما إن فصل بينهما بسنة راتبه فلا يصح.
-٣ً- وجود العذر المبيح للجمع (مطر وما شابهه، أو مرض وما شابهه) عند افتتاح الأولى وانتهائها وابتداء الثانية، أي إذا انقطع العذر أثناء الأولى ثم عاد، ⦗٢٩٩⦘ أو انقطع العذر قبل انتهاء الثانية، فالجمع صحيح. أما الذي يجمع بالسفر بالسفر فيشترط أن يدوم سفره من إحرام الأولى إلى انتهاء الثانية، فلو نوى الإقامة، أو وصل إلى بلد المقصد، أو وصل إلى وطنه قبل الانتهاء من الثانية. انقطع السفر وبطلت الصلاة، وقيل: يكفي استمرار السفر إلى الإِحرام بالثانية قياساً على الجمع بالأعذار.
-٤ً- إن كان السبب هو المطر أو الثلج أو البرد فلا يصح الجمع إلا بين المغرب والعشاء (العشاءين) ، لأن المشقة في المطر إنما تعظم في الليل لظلمته فلا يقاس عليه غيره.
ويشترط لجمع التأخير شروط أخرى هي:
-١ً- أن ينوي الجمع في وقت الصلاة الأولى إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها، فإن نوى بعد ذلك حرم تأخير النية، وإن خرج وقت الأولى ولم ينوِ لم يصح الجمع وعليه القضاء.
-٢ً- أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية. ولا يشترط استمرار العذر في وقت الثانية، لأنهما صارتا واجبتين في ذمته فلا بد من فعلهما، ولا مانع من التطوع بينهما بخلاف جمع التقديم.
أفضلية التقدم أو التأخير:
المصلي مخير بينهما، أيهما الأسهل عليه فعله، لأن النبي ﷺ كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله طلباً للأسهل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما. فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل، صلى الظهر ثم ركب) (١) .
وكذلك يفع المريض. وإن كان الجمع عند المصلي واحداً فالأفضل التأخير، إلا الجمع في المطر فلا تحصل الفائدة إلا بتقديم العشاء إلى المغرب وهو الأولى. ⦗٣٠٠⦘
стр. 235
الباب التاسع (صلاة الخوف)
стр. 236
حكمها: رخصة في كل قتال مباح، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين وقطاع الطرق.
أسبابها: الخوف.
أقسام الخوف:
-١- خوف شديد.
-٢- وخوف غير شديد.
-١- الصلاة في الخوف الشديد: مثل التحام الحرب والقتال، ومصير المسلمين إلى المطاردة. فلهم في هذه الحالة أن يصلوا كيفما أمكنهم رجالاً أو ركباناً، يومؤون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وصلاتهم صحيحة. ومن هرب هرباً مباحاً من عدو أو سيل أو سبع أو نار لا يمكنه التخلص إلا بالهرب، أو كان أسيراً يخاف الكفار إن صلى، أوكان مختفياً في موضع يخاف أن يظهر عليه، صلى كيفما أمكنه، قائماً أو قاعداً أو مستلقياً، إلى القبلة أو غيرها، بالإيماء، في السفر والحضر. فإن أمن في صلاته أتمها صلاة أمن، وإن ابتدأها آمناً فعرض له الخوف أتمها صلاة خائف، لأنه يبني على صلاة صحيحة، فجاز كبناء صلاة المرض على صلاة الصحة. وإن رأى سواداً فظنه عدواً فصلى صلاة الخوف، ثم بان له أنه غير عدو، أو أن بينه وبين العدو ما يمنع العبور، أعاد الصلاة لأنه لم يوجد المبيح، فأشبه من ظن أنه متطهر فصلى ثم علم بحدثه.
وتجوز الصلاة جماعة في شدة الخوف رجالاً وركباناً، ويعفى عن تقدمهم الإِمام لأجل الحاجة كما عفي عن العمل الكثير وترك الاستقبال.
-٢- الصلاة في الخوف غير الشديد: قال الإِمام أحمد ﵁: الأحاديث التي جاءت في صلاة الخوف كلها أحاديث جياد صحاح، وهي تختلف ⦗٣٠١⦘ فأقول: إن ذلك كله جائز لمن فعله. أي تجوز الصلاة في الخوف غير الشديد على أية صفة صلاها رسول الله ﷺ .
الوجه الأول: روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ سهل بن أبي خيثمة - يوم ذات الرقاع، صلاة الخوف (أن طائفة صفت معه، وطائفة وُجَاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وُجَاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم) (١) ويشترط في هذا الوجه أن يكون في المسلمين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر. ويقرأ الإِمام في حال الانتظار، ويطيل حتى يدركوه، لأن الصلاة ليست محلاً للسكوت وتكون الطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقته إن سها لحقهم حكم سهوه، وإن سهوا سجدوا لأنفسهم لأنهم منفردون، أما الطائفة الثانية فيلحقها سهو إمامها في جميع الصلاة ما أدركوه معه وما لم يدركوه كالمسبوق، ولا يلحقهم حكم سهوهم في شيء من صلاتهم، لأنهم إن فارقوه فعلاً فهم مؤتمون به حكماً لأنهم يسلمون بسلامه، فإذا قضوا ما عليهم فسجد إمامهم سجدوا معه، فإن سجد قبل إتمامهم سجدوا معه، لأنه إمامهم فلزمهم متابعته، ولا يعيدون السجود بعد فراغهم من التشهد، لأنهم لم ينفردوا عن الإِمام فلا يلزمهم من السجود أكثر مما يلزمه بخلاف المسبوق. وهذا الوجه هو الذي اختاره الإِمام أحمد من حديث سهل بن أبي خيثمة ﵁.
الوجه الثاني: أن يقسم الإِمام المصلين طائفتين، يصلي بكل طائفة صلاة كاملة، لما روى أبو بكرة ﵁ قال: (صلى النبي ﷺ في خوف الظهر، بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعاً، ولأصحابه ركعتين ركعتين) (٢) . ⦗٣٠٢⦘ الوجه الثالث: أن يصلي الإِمام بالمصلين كالصلاة التي قبلها، إلا أنه لا يسلم إلا في آخر الأربع، لما روى جابر ﵁ قال: (أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: ... فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا. وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان) (٣) .
الوجه الرابع: روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة. قال وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلِّ راكباً، أو قائماً. تومئ إيماءً) (٤) .
فهذا الوجه جوز أحمد ﵁ الصلاة به، واختار حديث سهل ﵁ لأنه أشبه بظاهر الكتاب وأحوط للصلاة وأنكى للعدو، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم..﴾ (٥) . ظاهره أن جميع صلاتها معه، وأن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، ولا يتحقق هذا في هذا الوجه. وأما الاحتياط للحرب، فإن كان طائفة تنصرف بعد الفراغ من صلاتها وتتمكن من الضرب والكلام والتحريض، وفي هذا الوجه تنصرف كل طائفة وهي في حكم الصلاة فلا تتمكن من ذلك، لأن الأمر لا يخلوا من أن تمشي أو تركب وذلك عمل كثير يفسدها.
الوجه الخامس: إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كميناً، فيصلي الإِمام بالمسلمين على الوجه الذي رواه جابر بن ⦗٣٠٣⦘ عبد الله ﵄ قال: (شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبَّر النبي ﷺ وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً) (٦) .
فهذه الأوجه الخمسة جائزة لمن فعلها. فإن صلى الإِمام المغرب على حديث سهل ﵁، صلى بالطائفة الأولى ركعتين وتتم لأنفسها ركعة تقرأ فيها بـ (الحمد لله) ، وصلى بالطائفة الثانية ركعة وتتم لأنفسها ركعتين تقرأ فيها بـ (الحمد لله) وسورة، وتفارقه الأولى حين يقوم إلى الثالثة في أحد الوجهين، لأن الانتظار في القيام أَولى لكثرة ثواب القائم واستحباب تقصير التشهد، وفي الوجه الآخر تفارقه حين يفرغ من تشهده الأول، فتقوم ويثبت هو جالساً لتدرك الثانية جميع الركعة الثالثة، ويطيل التشهد حتى تجيء الطائفة الثانية فينهض، ثم تكبر الطائفة وتدخل معه، فإذا جلس للتشهد الأخير نهضت لقضاء ما فاتها ولم تتشهد معه لأنه ليس بموضع تشهدها، ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا: إنها تقضي ركعتين متواليتين لئلا يفضي إلى وقوع جميع الصلاة بتشهد واحد.
صلاة الخوف للمقيمين:
تجوز صلاة الخوف للمقيمين لعموم قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ ، ولأنها حالة خوف فأشبهت حالة السفر. فيقسم الإِمام المصلين ⦗٣٠٤⦘ طائفتين، ويصلي بكل طائفة ركعتين، وتتم الطائفة الأخرى صلاتها تقرأ فيها بـ (الحمد لله) في كل ركعة والطائفة الأخرى تقرأ في إتمام صلاتها بـ (الحمد لله) وسورة. وفي موضع مفارقة الطائفة الأولى وجهان على ما ذكرنا في المغرب. وإن صلى الإِمام بطائفة ثلاث ركعات وبالأخرى ركعة جاز، أو صلى المغرب بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين جاز كذلك، لأنه بالحالتين لم يزد على انتظارين ورد الشرع بهما. وإن فرقهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق في المغرب صحت صلاة الأولى والثانية لأنهما فارقتاه لعذر، وبطلت صلاة الإِمام لزيادته انتظاراً لم يرد الشرع بمثله وصلاة الثالثة والرابعة لاقتدائهما بمن صلاته باطلة. وقال ابن حامد: إن لم يعلما ببطلان صلاته صحت صلاتهما للعذر فأشبه من يصلي وراء محدث يجهل هو والإمام حدثه.
أما صلاة الخوف من غير الخوف فلا تصح، لأنها لا تنفك من مفارقة الإِمام، أو ترك متابعته، أو القصر مع إتمامه، أو القيام للقضاء قبل سلامه، وكل ذلك مبطل إلا مع العذر، إلا أن يصلي بكل طائفة صلاة تامة على حديث أبي بكرة ﵁.
стр. 237
حمل السلاح في صلاة الخوف:
لايجب حمل السلاح في صلاة الخوف لأنه لو وجب لكان شرطاً كالسترة، ويستحب أن يحمل ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، ويكره حمل ما يثقله كالجوشن (١) وما يمنع إكمال السجود كالمغفر وما يؤذي به غيره كالرمح متوسطاً، فإن كان في حاشيته لم يكره، ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل بركن الصلاة، إلا أن يخاف وقوع السهام والحجارة ونحوها فيجوز للضرورة. ويحتمل وجوب حمل السلاح للأمر به في قوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿لاجناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾ (٣) فيدل على الجناح عند عدم ذلك. ⦗٣٠٥⦘
стр. 238
الباب العاشر (الجنائز)
стр. 239
معناها: الجنائز بفتح الجيم جمع جنازة، وهي بالفتح والكسر اسم للميت بالنعش.
ذكر الموت وعيادة المريض وخدمته:
ذكر الموت: لئن كان الموت أعظم المصائب، فإن الغفلة عنه أعظم، من أجل هذا سنت كثرة ذكره، روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات) (١) ، يعني الموت، كما يسن الاستعداد له بالتوبة، لحديث البراء بن عازب ﵁: (كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلَّ الثرى ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) (٢) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) (٣) .
ويكره تمني الموت إلا لخوف الفتنة في الدين، لقوله ﷺ فيما رواه عن ابن عباس ﵄: (وإذا أردت بعبادتك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) (٤) ، أو لتمني الشهادة في سبيل الله لا سيما عند حضور أسبابها، لما روى سهل بن حنيف ⦗٣٠٦⦘ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) (٥) .
ويستحب طلب الموت في بلد شريف، لما روى البخاري في صحيحه عن عمر ﵁ قال: (اللهم أرزقني الشهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ (٦) .
стр. 240
عيادة المريض:
حكمها:
-١ً- سنة لمسلم غير فاسق ولو كان من رمد أو وجع ضرس أو دمل، لما روى البراء ﵁ قال: (أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ... ) (١) ، وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: (عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني) (٢) وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) (٣) .
-٢ً- مكروه: تكره عيادة المريض الذي يجهر بالمعصية والمبتدع.
-٣ً- محرم: تحرم عيادة الذمي، إلا إن كان جاراً للمسلم فتسن عيادته ولو كان كافراً على أحد القولين ⦗٣٠٧⦘
стр. 241
آداب زيارة المريض:
-١ً- تخفيف الزيارة.
-٢ً- السؤال عن حاله.
-٣ً- الدعاء له بالعافية إن طمع في حياته. ومن الأدعية المأثورة ما روت عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعوِّذ بعضهم: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاء لا يغادر سقماً) (١) .
-٤ً- طلب الدعاء منه، لحديث عمر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ (إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة) (٢) .
-٥ً- يستحب وعظ المريض بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله عليه من التوبة وغيرها من ضروب الخير، وينبغي له هو المحافظة على ذلك، قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) (٣) .
-٦ً- أن يحثه على التوبة، إن رأى غير مرجوة، ويرغبه في الوصية ويذكر له ما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٤) .
-٧ً- ما يستحب ألا يكره المريض على الدواء وغيره من الطعام.
стр. 242
ما يسن للمريض:
-١ً- التداوي، لما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) (١) . ⦗٣٠٨⦘
-٢ً- أن يحسن ظنه بالله تعالى بالمغفرة، وبقرب التوبة، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) (٢) .
-٣ً- أن يحرص على تحسين خلقه.
-٤ً- أن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير.
-٥ً- أن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينهم معاملة أو مصالحة أو تعلق ويرضيهم.
-٦ً- أن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت.
-٧ً- أن يحافظ على الصلوات وغيرها من وظائف الدين.
-٨ً- أن يوصي أهله بالصبر عليه، وبترك النوح عليه وكثرة البكاء وما جرت العادة عليه من البدع في الجنائز، وبتعاهده بالدعاء له، لحديث عبد الله ﵁ (أن حفصة بكت على عمر ﵁ فقال: مهلاً يا بُنية، ألم تعلمي أن رسول الله ﷺ قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟) (٣) .
ويكره للمريض الشكوى وتمني الموت.
стр. 243
ما يسن عند الاحتضار:
-١ً- يستحب أن يلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأتقاهم لربه.
-٢ً- أن يتعاهد بلّ حلقه، إذا رآه منزولاً به، فيقطر فيه ماءً أو شراباً، ويُنْدي شفتيه بقطنة.
-٣ً- أن يلقنه قوله: "لا إله إلا الله" مرة، لما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) (١) ، ويكون ⦗٣٠٩⦘ ذلك بلطف فلا يقل له وإنما يذكرُ إمامه "لا إله إلا الله" فإذا قالها لم يعدها، إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون آخر كلامه من الدنيا، لما روى معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (٢) .
-٤ً- يستحب كثرة الدعاء له وللحاضرين.
-٥ً- يندب إباعد كل شيء تكرهه الملائكة كالجنب والصور.
-٦ً- أن يوضع عنده طيب.
-٧ً- أن يقرأ عليه سورة (الفاتحة) وسورة (يس) ، لأن قراءتهما تسهل خروج الروح، لما روى معقل بن يسار ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (اقرؤا يس على موتاكم) (٣) . وأنيُوجَّه إلى القبلة على جنبه الأيمن، وإلا فعلى ظهره وأخمص قدميه إلى القبلة ويُرفع رأسه قليلاً ليصير وجهه مقابلاً لها، لأن حذيفة ﵁ قال: "وجهوني"، ولأن خير المجالس ما استقبل به القبلة.
стр. 244
ما يسن بعد الوفاة:
-١ً- إغماض العينين لئلا يقبح منظر الميت، ويقول الذي يغمضه: "بسم الله وعلى ملة رسول الله"، لما روت أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر..) (١) .
-٢ً- شدُّ لحيي الميت بعصابة عريضة لئلا ينفتح فمه فيقبح منظره ويدخل فيه ماء الغسل.
-٣ً- تليين مفاصله بالتحريك لأنه أسهل للغسل. ⦗٣١٠⦘
-٤ً- خلع ثيابه وستره بثوب خفيف، لما روت عائشة أم المؤمنين قالت: (سجّي رسول الله ﷺ حين مات بثوب حبرة) (٢) ، ويجعل على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره.
-٥ً- أن يوضع على بطنه شيء ثقيل حتى لا ينتفخ، روى البيهقي قال: (مات مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس، فقال أنس ﵁: ضعوا على بطنه حديدة) (٣) .
-٦ً- أن يستقبل به القبلة ويُدعى له إن لم يكن استقبل به عند النزاع.
-٧ً- أن يسارع في قضاء دينه، لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) (٤) . فإن تعذر تعجيله استحب أن يتكفل به عنه، لما روى سلمة بن الأكوع ﵁ (أن النبي ﷺ أتى بجنازة ليصلي عليها فقال: هل عليه من دين. قالوا لا. فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين. قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه) (٥) .
-٨ً- يستحب إعلام أهله وأصدقائه بموته للصلاة عليه، ولا يكون ذلك من النعي المكروه.
-٩ً- أن يسارع في تجهيزه، لما روي علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً) (٦) . فإن مات فجأة وجب تركه حتى يتيقن موته ⦗٣١١⦘ بظهور أمارات الموت عليه من ميل أنفه، وانخفاض صدغ، واسترخاء قدم.
-١٠- أن يسارع إلى إنفاذ وصيته ليتعجل ثوابها بجريانها على الموصى له.
-١١- ويستحب لأقربائه وجيرانه أن يصنعوا طعاماً لأهله، لما روى عبد الله بن جعفر ﵄ قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ : (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) (٧) . أما صنع أهل الميت الطعام للناس فمكروه، وإذا كان في الورثة قاصر عن درجة البلوغ حرم إعداد الطعام وتقديمه.
стр. 245
حق الميت على المكلفين:
يجب على الناس وجوباً كفائياً، تجهيز موتاهم، بحسب أقسام الموتى الأربعة الآتية:
-١ً- مسلم غير شهيد: يجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، ولو كان سقطاً أربعة أشهر فأكثر، لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ ورفعه إلى النبي ﷺ قال: (والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) (١) ، ولأنه ميت مسلم فأشبه المستهل، ودليل أنه ميت ما روى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ... ) (٢) ، ومن كانت فيه روح ثم خرجت فهو ميت. ويستحب ⦗٣١٢⦘ تسمية السقط، لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سموا أسقاطكم فإنها من أفراطكم) (٣) ، فإن لم يعلم ذكر أم أنثى سمي اسماً يَصلحُ لهما كسعادة وسلامة.
-٢ً- السقط دون أربعة أشهر: لا يغسل ولا يصلى عليه.
-٣ً- مسلم شهيد:
стр. 246
هو من مات في المعركة مع الكفار والمشركين لإعلاء كلمة الله وسواء قتله كافر أو مسلم خطأ (١) .
حكمه على المسلمين:
-١ً- يحرم غسله لإبقاء أثر الشهادة، وهو الدم، روى جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ادفنوهم في دمائهم، يعني يوم أحد، ولم يغسلهم) (٢) إلا إن خالطه نجاسة فيغسل. وكذا إن قتل وهو يغسل ويصلى عليه، لما روى ابن عباس ﵄ قال: (أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال رسول الله ﷺ : رأيت الملائكة تغسلهما) (٣) ، وكذا إن قتلت المرأة وهيي حائض. ⦗٣١٣⦘
-٢ً- يجب تكفينه بثيابه التي استشهد فيها بعد نزع آلة الحرب كالدرع والخف والفرو، ودفنه لما روى ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) (٤) .
-٣ً- تحرم الصلاة عليه ولا تصح، أما خبر أن رسول الله ﷺ خرج وصلى على قتلى أحد صلاته على الميت ففي تفسيره قولان: أحدهما: أنه من خصوصيات النبي ﷺ ، والثاني: أن المراد بصلاته ﷺ أنه دعا لهم كدعائه للميت، وقد تقدم أن الصلاة في اللغة دعاء. يعضد هذا التفسير ما ورد عن جابر ﵁ في قتلى أحد: (أن رسول الله ﷺ أمر بدفنهم في دمائهم ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلوا) (٥) .
ويلحق بالشهيد المقتول ظلماً كقتيل اللصوص والمقتول دون ماله، فلا يغسل على إحدى الروايتين لأنه أشبه بشهيد المعركة.
-٤ً- الكافر والذمي والمرتد والحربي والمستأمن: سواء كان قريباً أو أجنبياً لا يجب إلا دفنه إن لم يكن من يواريه، لما روي عن علي ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ إن عمك الشيخ الضال قد مات قال: (اذهب فوارِ أباك، ثم لا تُحدِثَنَّ شيئاً حتى تأتني) (٦) . ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، لأن في تكفينه تولٍ وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم) (٧) ، وأما الصلاة عليه فهي شفاعة للميت والكافر ليس من أهلها.
ولا يتبع جنازته لأن في ذلك تعظيماً له. ⦗٣١٤⦘
стр. 247
تغسيل الميت:
حكم الغسل: فرض كفاية، لأن النبي ﷺ قال في الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماء وسدر) (١) .
стр. 248
أولى الناس بغسل الميت:
-١ً- الوصي العدل (١) ، لأن أبا بكر الصديق ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ﵂ فقُدِّمت بذلك، وأوصى أنس ﵁ أن يغسله محمد بن سيرين ففعل، ولأنه حق الميت فقُدِّم وصيه فيه على غيره.
-٢ً- إن لم يكن هناك وصي عدل فالأولى بعده أبوه وإن علا، ثم ابنه وإن نزل، ثم الأقرب من عصاباته، ثم الرجال من بني الأرحام، ثم الأجانب لأنهم أولى الناس بالصلاة عليه.
وإن مات الرجل بين نساء ليس فيهن زوجة يممته واحدة أجنبية بحائل، ويحرم أن ييمم بغير حائل، إلا إذا كان الميمم محرماً من رجل أو امرأة فيجوز بلا حائل.
وأولى الناس بغسل المرأة وصيتها أمها، ثم جدتها، ثم ابنتها، ثم القربى فالقربى، فالأجنبيات وإذا ماتت المرأة بين رجال ليس فيهم زوج وتعذر إحضار امرأة تغسلها، كأن ماتت في طرق سفر، منقطع يممها واحد من الأجانب بحائل.
ويجوز للرجل أن يغسل زوجته إن لم تكن ذمية ولو قبل الدخول، عن عائشة ﵂ قالت: (رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وا رأساه، فقال: بل أنا يا عائشة وا رأساه. ثم قال: ما ضرك لو متِ قبلي، فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك) (٢) ، وغسّل ⦗٣١٥⦘ علي ﵁ فاطمة رضي الله عنهافلم ينكر منكر فكان إجماعاً. وأم الولد كالزوجة لأنها محل استمتاعه. كما يباح للرجل تغسيل زوجته ولو كانت رجعية (٣) .
ويباح للرجل أن يغسل بنتاً دون سبع سنين، كما يجوز للمرأة أن تغسل صبياً دون سبع سنوات.
ويجوز للمرأة غسل زوجها ولو قبل الدخول بلا خلاف، لحديث أبي بكر ﵁، ولقول عائشة ﵂: (لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسّل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) (٤) .
стр. 249
شروط الغاسل:
-١ً- الإسلام: فلا يصح غسل كافر لمسلم، لأن الغسل عبادة محضة فلا تصح من كافر كالصلاة.
-٢ً- العقل لأن غير العاقل ليس أهلاً للنية.
-٣ً- التمييز ولا يشترط البلوغ.
شروط صحة الغسل:
-١- أن يكون الماء طاهراً مطهراً.
-٢- أن يكون الماء مباحاً.
-٤- النية لأنها طهارة تعبدية أشبهت غسل الجنابة.
واجبات الغسل:
-١- ستر عورة الميت ما بين سرته وركبتيه.
-٢- التسمية. ⦗٣١٦⦘
فرائض الغسل: تعميم البدن بالغسل وتطهيره من النجاسة.
سنن الغسل وكيفيته:
-١ً- ستر الميت عن أعين الناس بحيث لا يحضره إلا من يعين الغاسل، لأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، وربما بدت عورته فشاهدها، والأفضل غسله في قميص رقيق ينزل الماء فيه ويُدخِل الغاسل يده في كم القميص فيمرها على يده، لما روت عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ غسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه) (١) ، ولأنه استر للميت.
-٢ً- وضع الميت على سرير غسله متوجهاً إلى القبلة منحدراً نحو رجليه لينصب ماء الغسل عنه.
-٣ً- يستحب إطلاق البخور عند غسله ليخفي رائحة ما يخرج منه.
-٤ً- أن يبدأ الغاسل بحني الميت حنياً لا يبلغ به الجلوس، ويمر يده على بطنه ويعصره عصراً رقيقاً ليخرج ما في جوفه من فضلات، ويصب عليه الماء وقت العصر صباً كثيراً.
-٥ً- أن يلف على يده خرقة فينجيه بها، ولا يحل له لمس عورته لأن رؤيتها محرمة أولى.
-٦ً- أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة، لما روى البيهقي (أن علياً ﵁ غسّل النبي ﷺ وعلى النبي ﷺ قميص وبيد علي ﵁ خرقة يتبع بها تحت القميص) (٢) . ⦗٣١٧⦘
-٧ً- أن يوضأه بعد إنجائه وقبل غسله، لنا روت أم عطية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لهن في غسل ابنته: (ابدأن بميامِنِها ومواضع الوضوء منها) (٣) ، إلا أنه لا يدخل الماء إلى فمه ول أنفه لكن يلف على يده خرقة مبلولة ويدخلها بين شفتيه ويمسح أسنانه وأنفه.
-٨ً- أن يغسل بسدر مع الماء، لما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (خرَّ رجل من بعيره، فَوُقِص، فمات. فقال: اغسلوه بماء وسدرٍ. وكفنوه في ثوبيه. ولا تخمروا رأسه. فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً) (٤) ، ولحديث أم عطية ﵂ قالت: (دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته. فقال: اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، بماء وسدر. واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور ... ) (٥) أما إن كان يُخْرِجُ شيئاً فالوجوب إلى سبع، فإن خرج بعدها حشي محل الخارج بقطن ثم يغسل محل النجاسة ويوضأ الميت وجوباً، كالجنب إذا أحدث بعد غسله، لتكون طهارته كاملة، وإن خرج شيء بعد تكفينه لم يعد الوضوء ولا الغسل لما في ذلك من المشقة فإن فقد السدر جعل مكانه الخطم (الشنان) أو الصابون أو نحوه.
-٩ً- أن يبدأ بغسل رأسه ولحيته، لحديث عائشة زوج النبي ﷺ (أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما توضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض على جلده كله) (٦) ، ثم يغسل شقه الأيمن لقوله ﵊: (ابأن بميامنها) فيغسل يده اليمنى ⦗٣١٨⦘ وصفحة عنقه وشقة صدره وجنبه وفخذه وساقه وقدمه، ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن وما يليه، ثم يقلبه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر كذلك.
-١٠- أن يغسله وتراً ثلاثاً، وإن لم ينق بالثلاث أو الخمس أو السبع لا يزيد عليها لأنها آخر ما انتهى إليه أمر النبي ﷺ ، ويمرّ في كل مرة يده على جسمه ولا يوضئه إلا في المرة الأولى، إلا أن يخرج منه شيء أئناء الغسل أو بعده فيعيد وضوءه.
-١١- أن يجعل في الغسل قبل الأخير كافوراً، لأنه يشد الجلد ويبرده ويطيبه، ولأن النبي ﷺ أمر بذلك، ثم يغسله بماء قراح (صافٍ) ويفيضه على جميع بدنه.
-١٢- أن يضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويسدل من ورائها، لما روت أم عطية ﵂ قالت: (وجعلنا رأسها ثلاثة قرون) (٧) .
-١٣- أن يكون ماء الغسل بارداً إلا من حاجة لوسخ يقلع به أو شدة برد فيسخن.
-١٤- يستحب تقليم أظافر الميت وقص شاربه (لغير محرم) ويترك معه في أكفانه لأنه من أجزائه، وكل ما سقط من الميت جعل معه في كفنه. وكره الإِمام أحمد تسريح الميت.
-١٥- ويستحب لمن غسّل ميتاً أن يغتسل، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من غسل ميتاً فليغتسل) (٨) .
-١٦- أن يكون المغسِّل ثقة أميناً عارفاً بأحكام الغسل، لما روى ابن عمر ﵄ قال: (ليغسّل موتاكم المأمونون) (٩) ، ولأن غير الأمين لا يُؤمَن لأنه لا يستوفي الغسل ويذيع ما يرى من قبيح. ⦗٣١٩⦘
ويجب على الغاسل ستر ما يرى من قبيح، لما روى علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من غسّل ميتاً وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه، ولم يفش عليه ما رأى خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه) (١٠) . وإن رأى الغاسل أمارات الخير استحب له إظهارها ليُترحم عليه.
وإذا تعذر غسل الميت لعدم الماء، أو خيف تقطعه به كالمجذوم والمحترق، يُمم لأن التيمم طهارة للبدن. وإن تعذر غسل بعضه يُمم أيضاً لما لم يصبه الماء. وإن أمكن صب الماء عليه وخيف من دلكه صب الماء عليه صباً دون دلك.
ومن مات في بئر أُخرج منه، فإن لم يكن إخراجه إلا بتقطيعه وكانت البئر يحتاج إليه أُخرج، لأن رعاية حقوق الأحياء أولى من حفظه من المثلة، وإن لم يحتج إليها طمّت عليه فكانت قبره.
стр. 250
التكفين:
حكمه: فرض كفاية على كل من علم به.
نفقته تجهيز الميت وتكفينه:
-١ً- من تركته إن كان له مال ويقدّم على الدين والوصية، لقول رسول الله ﷺ في الذي وقصته ناقته: (كفنوه في ثوبه) .
-٢ً- إن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته في حياته، إلا الزوج فإنه لا يلزمه كفن زوجته ولا مؤنة تجهيزها.
-٣ً- إن لم يكن من ينق عليه فمن بيت مال المسلمين إن كان مسلماً.
-٤ً- إن لم يكن بيت مال، أو كان وتعذر، فعلى كل مسلم عالم به.
الكفن:
-١ً- أقل الكفن: وهو الواجب ثوب واحد يستر جميع الجسم. ولا يصف البشرة ذكراً كان أو غيره، فإن لم يوجد إلا ثوباً لا يستر جميع جسمه، غطي ⦗٣٢٠⦘ رأسه وترك على رجليه حشيش، لما روى خباب بن الأرت ﵁ قال: (هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله. نبتغي وجه الله. فوجب أجرنا على الله. فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئاً. منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد. فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلى نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه، خرجت رجلاه. وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه. فقال رسول الله ﷺ ضعوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه الإِذخر) (١) . وإن كان أضيق من ذلك ستر به عورته وغطي سائر جسده بحشيش أو ورق، فإن كثر الموتى وقلت الأكفان كفن الاثنان والثلاثة في الكفن الواحد، لما روي عن أنس ﵁ قوله يوم أحد في حديث له: (وقلت الأكفان وكثر القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد ثم يدفنون في قبر واحد) (٢) .
ويستحب تحسين الكفن بأن يكون جديداً أو مغسولاً، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه) (٣) ، إلا أن يوصي الميت بتكفينه في خَلقِ فتُمتَثَلُ وصيته، لحديث عائشة ﵂ قالت: (نظر أبو بكر ﵁ إلى ثوب كان يمرض فيه، به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خَلَقٌ، قال: إن الحيَّ أحق بالجديد من الميت، إنما هو لِلمُهلة) (٤) .