← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12917

محاضرات في علوم القرآن - غانم قدورى

غانم قدوري الحمد

Полный текст (258 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

العصر ... » (١). وقال أبو حيان الأندلسي: «إن ما جاء مخالفا لخط المصحف هو «في الحقيقة تفسير لا قراءة» (٢). ويؤيد هذا المذهب في فهم القراءات المخالفة لخط المصحف ما روي عن مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٣ هـ) تلميذ ابن عباس أنه قال: «لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن، مما سألت» (٣). قال شارح سنن الترمذي: «أي لما وقع في قراءته من تفسير كثير من القرآن» (٤). ذلك هو معنى القراءة الشاذة وموقف العلماء منها، لكن ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) حين ألّف كتاب (السبعة في القراءات) وضمنه القراءات الصحيحة المشهورة قد أوحى بمعنى جديدة للقراءة الشاذة وهو أن كل ما عدا القراءات السبع شاذ، لا سيما أنه ألّف كتابا ذكر فيه (شواذ القراءة) الذي شرحه ابن جني في كتابه (المحتسب). قال ابن جني «وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذ عن السبعة، على أننا ننحي فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، ﵀، الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة» (٥). وشاع في القرن الرابع هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة، فإلى جانب دلالة هذا المصطلح على القراءات المخالفة لخط المصحف صار يعني أيضا ما عدا القراءات السبع، حتى وإن كانت موافقة للخط، وقد ألف أبو طاهر بن أبي هاشم تلميذ ابن مجاهد كتابا في (شواذ السبعة) (٦)، كما أن ابن النديم تأثر بهذا

стр. 142

المفهوم أيضا، فذكر أولا (أخبار القراء السبعة)، ثم ذكر (قراء الشواذ) وهم ما عدا السبعة (١). ولم يستمر تأثير هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة طويلا، فقد انحسر تأثيره بظهور مؤلفات في القراءات العشر، بإضافة قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف إلى القراءات السبع، وظل تعريف القراءة الشاذة بأنها ما خالف المصحف هو المعتمد. قال أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض» (٢). وقد بيّن ذلك ابن الجزري بصورة أكثر تفصيلا بقوله: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم عن الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عن أئمة التحقيق من السلف والخلف» (٣).

стр. 143

المبحث السابع القراءات القرآنية في الوقت الحاضر أولا- انتشار قراءة عاصم بن أبي النجود: دأب علماء القراءة بعد عصر ابن مجاهد، على رواية القراءات السبع، والتأليف فيها، وزاد بعضهم القراءات الثلاث المتممة للعشر، وصارت القراءات العشر مدار القراءة والإقراء، ويميل بعض العلماء من المتأخرين إلى تقسيم القراءات على ثلاثة أقسام: قسم اتفقوا على تواتره وهو السبع، وقسم اختلفوا فيه والراجح أنه متواتر وهو الثلاث بعدها، وقسم متفق على شذوذه وهو ما عدا العشر (١). وقد تلقت الأمة على مدى العصور القراءات الصحيحة بالقبول، وهي لا ترى أن بعضها أولى من بعض بالقراءة، قال مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ): «والقراءات الثابتة عندنا كلها من السّنّة التي لا مدفع فيها لأحد» (٢). وكان السلف بعضهم يقرأ بهذه القراءة وبعضهم يقرأ بتلك، ولم ينكر واحد على الآخر قراءته، ولم يوجب أحد القراءة بقراءة معينة أو بجميع القراءات الصحيحة، قال الطبري: «الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفّر بأي الكفارات شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة ... » (٣). ويبدو أن المسلمين اتجهوا في العصور المتأخرة إلى القراءة ببعض القراءات دون بعض، على الرغم من أن رواية العلماء للقراءات المأثورة لم تنقطع، فقد ظل علماء القراءة يحرصون على رواية القراءات السبع وغيرها، بينما صار جمهور

стр. 144

الناس يكتفون بضبط قراءة واحدة يتلون بها كتاب الله تعالى، وأدى ذلك خلال القرون المتلاحقة إلى انتشار قراءات معينة وانحسار أخرى، بحيث صارت لا تعرف إلا في الكتب، ولا يضبطها إلا المتخصصون بدراسة القراءات وروايتها. وأكثر القراءات انتشارا في العالم الإسلامي اليوم قراءة عاصم، ويقرأ المسلمون في بلاد المغرب برواية ورش عن نافع، وفي بلاد السودان برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء، لكن قراءة عاصم آخذة بالانتشار في تلك البلدان أيضا. ولم يكن تميز قراءة عاصم بالأمر الذي حدث في العصور المتأخرة، فهذا الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ يسأله ابنه صالح: أي القراءة أحب إليك؟ فقال: قراءة نافع، قال: فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم (١). وقال مكي عن قراءة عاصم: «فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدّمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (٢). فهذه ثلاثة أسباب ذكرها مكي لتميز قراءة عاصم، سوف نقف على شواهدها التاريخية بعد قليل، إن شاء الله. وليس من اليسير القول إن قراءة عاصم سادت بلدان المشرق الإسلامي في قرن معين، ولكن لدينا شواهد وأقوال توضح جانبا من هذه القضية الكبيرة، منها أن الخطيب البغدادي ذكر أن أحمد بن سهل الأشناني المتوفى سنة ٣٠٧ هـ «هو أحد القراء المجودين، قرأ على عبيد بن الصبّاح روايته عن حفص بن سليمان حرف عاصم بن أبي النجود، واشتهر بهذه القراءة» (٣). وتمضي قرون حتى نلتقي بقول أبي حيان الأندلسي (ت ٧٥٤ هـ) الذي يذكر فيه أن قراءة نافع هي التي ينشأ عليها أهل المغرب وأن قراءة عاصم هي القراءة

стр. 145

التي ينشأ عليها أهل العراق (١). وهذا دليل تاريخي يؤكد سيادة قراءة عاصم في العراق في القرن الثامن الهجري. ونلتقي بنص آخر من القرن الثاني عشر الهجري يدل على انتشار قراءة عاصم إلى مناطق خارج العراق، فهذا محمد المرعشي المتوفى سنة ١١٥٠ هـ يقول: والمأخوذ به في ديارنا قراءة عاصم برواية حفص عنه (٢)، وهو يعني بلدته مرعش، وهي مدينة بين الشام وبلاد الروم (٣). وهي اليوم تابعة لتركيا تقع جنوبيها. ولعل اختراع المطابع وطباعة المصاحف بها قد ساعد على انتشار قراءة عاصم أيضا، فأول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور كان في سنة (١٦٩٤ م- ١١٠٦ هـ تقريبا) الذي وقف على طبعة هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانيا، وكان مضبوطا على قراءة عاصم (٤). وخلاصة القول في هذا الأمر أن قراءة عاصم انتشرت في الأمصار الإسلامية في وقت مبكر، وسادت في كثير من البلدان، لا سيما في العراق وما حوله من بلدان المشرق الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري في الأقل، وأن القرون اللاحقة شهدت سيادتها في مناطق أخرى. أما عاصم صاحب القراءة فهو عاصم بن أبي النّجود أبو بكر الأسدي، مولاهم، الكوفي، وقيل إن اسم أبيه بهدلة، وقيل هو اسم أمه، وأن اسم أبيه هو عبد الله (٥)، ومهما يكن من أمر فإنه اشتهر باسم عاصم بن أبي النّجود. وكان من

стр. 146

التابعين لأنه روى عن عدد من الصحابة (١)، لكن أكثر شيوخه في الحديث وقراءة القرآن من التابعين. وقد أجمع علماء الحديث على توثيقه، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «ثقة رجل صالح خير»، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وحديثه مخرج في الكتب الستة (٢). وكان عاصم ممن اشتهروا بالعلم والفضل، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن (٣)، قال تلميذه أبو بكر بن عياش: كان عاصم نحويا فصيحا (٤)، وقال أبو إسحاق السّبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النجود (٥)، وقال ابن مجاهد: وكان عاصم متقدما في زمانه، مشهورا بالفصاحة، معروفا بالإتقان (٦). وكانت وفاته في آخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثمان وعشرين، فلعله مات في أولها، بالكوفة (٧)، رحمه الله تعالى. ثانيا- أصول قراءة عاصم: أما شيوخ عاصم في القراءة فيروى أنه قرأ على أنس بن مالك، لكن أشهر

стр. 147

شيوخه في القراءة جماعة من علماء القراءة من التابعين في الكوفة، منهم أبو عبد الرحمن السّلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو عمرو سعد بن إياس الشيباني (١). أما أبو عبد الرحمن السّلمي فاسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ولد في حياة النبي ﷺ وكانت لأبيه حبيب صحبة، قال أبو عبد الرحمن: كان أبي قد شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد (٢)، وكانت نشأته في المدينة، فتلقى العلم من كبار الصحابة الذين أدركهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب (٣). وكان زيد بن ثابت أكثر من أخذ القراءة عنه، فيروى أنه أتى عثمان بن عفان للقراءة عليه، فقال إنك تشغلني عن أمور الناس، ولكن اذهب إلى زيد بن ثابت فاقرأ القرآن عليه (٤). وحين أمر عثمان بن عفان بانتساخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار بعث مع مصحف أهل الكوفة أبا عبد الرحمن السلمي (٥)، فاقام في الكوفة بعد ذلك، قال ابن مجاهد: «وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان، رضي الله تعالى عنه، الناس عليها أبو عبد الرحمن السّلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة ... وكان أخذ القراءة عن عثمان وعن علي بن أبي طالب وزيد ابن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، ﵃. وكان يقول: قرأت على أمير المؤمنين علي، ﵁، القرآن كثيرا، وأمسكت عليه المصحف، فقرأ عليّ. وأقرأت الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما، حتى

стр. 148

قرءا عليّ القرآن ... فلما مات أبو عبد الرحمن [سنة ٧٤ هـ] رحمه الله تعالى خلفه في موضعه أبو بكر عاصم بن أبي النجود» (١). أما زرّ بن حبيش الأسدي الكوفي فإنه أخذ القراءة عن عدد من الصحابة في مقدمتهم عبد الله بن مسعود، قال عاصم: ما رأيت أقرأ من زر، وكان عبد الله ابن مسعود يسأله عن العربية، يعني عن اللغة، وقال يحيى بن معين: زر بن حبيش ثقة. وكانت وفاته سنة ٨٢ هـ (٢). وكان أبو عمرو الشيباني قد قرأ على عبد الله بن مسعود أيضا، وكانت وفاته سنة ٩٦ هـ (٣). ثالثا- رواة قراءة عاصم: كان عاصم يقرئ القرآن في مسجد الكوفة الجامع، فقرأ عليه أناس يخرجون عن العد والحصر، لكن الذين أخذوا عنه القراءة من العلماء كانوا بضعة عشرات، فقال السخاوي: روى عنه القراءة ثمانية وأربعون من الأئمة والعلماء (٤). وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) أسماء أكثر من عشرين قارئا أخذوا قراءتهم عن عاصم، وقال بعد أن ذكرهم: «وروى عنه القراءة خلق لا يحصون» (٥). ولعل أشهر تلامذته اثنان: أبو بكر شعبة بن عياش، وحفص بن سليمان أبو عمر الأسدي اللذان تنقل كتب القراءات عنهما قراءة عاصم (٦). والقراءة التي يقرأ بها المسلمون اليوم هي قراءة عاصم برواية حفص عنه.

стр. 149

أما أبو بكر شعبة بن عياش فإنه كان لا يمكّن من نفسه من أراد أخذ قراءة عاصم منه (١). كما أنه قطع الإقراء قبل موته سنة ١٩٣ هـ- بسبع سنين وقيل بأكثر (٢). ولعل هذا هو السر في انتشار قراءة عاصم من رواية حفص الذي كان متفرغا للقراءة، بينما كان أبو بكر مشتغلا برواية الأحاديث إلى جانب القراءة، ومن ثم قال يحيى بن معين: هو أصح قراءة من أبي بكر، وأبو بكر أوثق منه، يعني في الحديث (٣). أما حفص بن سليمان فإنه كان ربيب عاصم، ابن زوجته، وكان ينزل معه في دار واحدة، فقرأ عليه القرآن مرارا، حتى صار أضبط من روى القراءة عن عاصم (٤)، قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان. وقال أبو الحسين بن المنادي عن حفص: إنه قرأ على عاصم مرارا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم، وقال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم (٥). ولم يلبث حفص أن غادر الكوفة، فأقام في بغداد، وذكر الخطيب البغدادي أنه كان ينزل في الجانب الشرقي من بغداد في محلة سماها سويقة نصر، وأنه لو رأيته لقرّت عينك به علما وفهما (٦). وكان يقرئ بها القرآن. ثم رحل للحج، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضا (٧). وذكر أبو بكر الأنباري أنه يروي قراءة عاصم

стр. 150

برواية حفص عن أبيه، عن عمه، عن الفضل بن يحيى الأنباري الذي أقام بمكة مجاورا حتى أخذ القراءة عن حفص (١). ولا نعلم مقدار مكث حفص في بغداد ولا مقدار مجاورته في مكة، ولكننا نعلم أنه أقرأ القرآن فيهما، وأنه توفي سنة ١٨٠ هـ- أو بعدها (٢). ويبدو أن تنقل حفص بن سليمان بين الكوفة وبغداد ومكة قد أسهم في انتشار قراءة عاصم من ذلك الزمان، حتى صارت أشهر قراءة للقرآن في العالم الإسلامي كله. ومن خلال العرض السابق يتبين أن القراءة التي يقرأ بها المسلمون القرآن اليوم هي قراءة عاصم بن أبي النجود برواية تلميذه حفص بن سليمان، وأن أشهر شيوخ عاصم في القراءة أبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش اللذان أخذا القراءة عن خمسة من كبار الصحابة: عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب. ورواية حفص تمثل القراءة التي أخذها عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، فقد قال حفص لعاصم: أبو بكر، يعني شعبة بن عياش، يخالفني في القراءة، فقال عاصم: أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود (٣). مع عدم إغفال أثر ظاهرة الاختيار في قراءته. ومن خلال العرض السابق أيضا ندرك صحة قول مكي عن قراءة عاصم (٤): «فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (٥).

стр. 151

المبحث الثامن علم التجويد علم التجويد هو العلم الذي يعنى بنطق ألفاظ القرآن نطقا صحيحا، وذلك بإعطاء كل صوت حقه من المخرج والصفات، وما يلحقه في التركيب من أحكام، وهو بذلك يختلف عن علم القراءات الذي يهتم بضبط وجوه النطق التي رواها علماء القراءة من التابعين وتابعيهم عن الصحابة، ﵃، على نحو ما بينا في المباحث السابقة. وقد ميّز علماء القراءة بين العلمين على الرغم من أن ميدانهما واحد وهو قراءة القرآن، قال محمد المرعشي (ت ١١٥٠ هـ): «إن قلت: ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات؟ قلت: علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم، إذ لا يتعلق الغرض به، أما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم» (١).

стр. 152

وقال المرعشي في موضع آخر: «اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها، مثلا يعرف في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا وحقيقة الترقيق كذا، وفي القراءة يعرف فخّمها فلان ورققها فلان» (١). وكان مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ) قد ألمح في أكثر من موضع من كتابه (الرعاية لتجويد القراءة) إلى هذا المعنى، فقال: «ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء» (٢). وقال: «فليس هذا كتاب اختلاف، وإنما هو كتاب تجويد ألفاظ ووقوف على حقائق الكلام، وإعطاء اللفظ حقه، ومعرفة أحكام الحروف التي ينشأ الكلام منها، مما لا اختلاف في أكثره» (٣). وقال عن كتب القراءات: فتلك الكتب كتب تحفظ منها الرواية المختلف فيها، وهذا الكتاب يحكم فيه لفظ التلاوة التي لا خلاف فيها، فتلك كتب رواية، وهذا كتاب دراية ... » (٤). وكان قد ظهر البحث في الأصوات اللغوية في العربية في الوقت الذي درس فيه العلماء قواعد اللغة العربية، ويتضمن كتاب سيبويه (أبي بشر عمرو بن عثمان ت ١٨٠ هـ) بابا كبيرا خصصه لدراسة الأصوات في العربية سماه باب الإدغام. واقتفى مذهبه كثير من علماء العربية، وقد جعل أبو الفتح عثمان بن جني (ت ٣٩٢ هـ) مقدمة كتابه (سر صناعة الإعراب) خاصة بدراسة الأصوات اللغوية. واعتنى علماء قراءة القرآن أيضا بدراسة اللغة العربية، وبحثوا في الظواهر الصوتية في قراءات القراء لكنهم لم يجعلوا لهذه المباحث كتبا خاصة بها حتى

стр. 153

القرن الرابع الهجري، حين حاول علماء القراءة استخلاص المباحث المتعلقة بأصوات العربية وظواهر النطق من كتب النحو وكتب القراءات وجمعوها في كتب خاصة مستقلة، وقد أطلق على مباحث هذه الكتب اسم علم التجويد. ويذكر المؤرخون أن أول مؤلف مستقل في علم التجويد هو القصيدة التي نظمها أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي المتوفى سنة ٣٢٥ هـ (١)، في حسن أداء القرآن، وعدة أبياتها واحد وخمسون بيتا، ومطلعها: أقول مقالا معجبا لأولي الحجر ... ولا فخر إن الفخر يدعو إلى الكبر (٢). وأول كتاب معروف اليوم ألّف بعد قصيدة أبي مزاحم هو كتاب (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي المتوفى في حدود سنة ٤١٠ هـ، لكنه كتاب صغير الحجم، على الرغم من أهميته العلمية وقيمته التاريخية (٣). وتتابع التأليف في علم التجويد منذ مطلع القرن الخامس الهجري إلى عصرنا هذا، فظهرت عشرات الكتب التي تنوعت مناهجها وأساليب تأليفها (٤)، وتتصدر تلك الكتب ثلاثة مؤلفات أندلسية هي: ١ - الرعاية لتجويد التلاوة وتحقيق لفظ التلاوة، لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) (٥).

стр. 154

٢ - التحديد في الإتقان والتجويد، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت ٤٤٤ هـ) (١). ٣ - الموضح في التجويد، لعبد الوهاب القرطبي (ت ٤٦٢ هـ) (٢). وعلم التجويد مكمّل لعلم القراءات، لأنه لا يمكن للقارئ تلاوة القرآن بصورة صحيحة ما لم يعرف قواعد التجويد، مهما كانت القراءة التي يتلو بها القرآن. ومن ثمّ كان واجبا على قارئ القرآن أن يعرف قواعد هذا العلم، وأن تكون لديه المقدرة على تطبيق تلك القواعد في القراءة، ليجري لسانه بالنطق الصحيح الفصيح، فيكون بذلك مستوفيا لشروط القراءة، راجيا ثوابها، متجاوزا لإثم التقصير فيها. وقد قال ابن الجزري في المقدمة الجزرية (٣): والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجوّد القرآن آثم وقال شراح المقدمة: «إن مراعاة قواعد التجويد والأخذ بذلك، أي العمل به، فرض عين لازم لكل قارئ قرأ القرآن، ثم أخبر أن من لم يصحح القراءة آثم، أي من لم يراع قواعد التجويد في قراءته عاص آثم بعصيانه، والإثم معاقب عليه ... » (٤). وقد بيّن ابن الجزري هذا الموضوع في كتابه النشر على نحو أكثر تفصيلا. فقال: «ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده

стр. 155

متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة عن أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه واستبدادا برأيه وحدسه واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاشّ بلا مرية، فقد قال رسول الله ﷺ : (الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). أما من لم يطاوعه لسانه أو لا يجد من يهديه إلى الصواب فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها» (١). (٢) وتتلخص موضوعات علم التجويد وأركانه في أربعة أمور، ذكرها الحسن بن قاسم المرادي (ت ٧٤٩ هـ) بقوله: «إن تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور: أحدها: معرفة مخارج الحروف. والثاني: معرفة صفاتها. والثالث: معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الأحكام. والرابع: رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار» (٣).

стр. 156

وليس بيان هذه القضايا من غرض هذا الكتاب، لأنه يبحث في علوم القرآن بحثا عاما، وتفصيل قضايا كل علوم القرآن موضعه الكتب الخاصة بكل علم من تلك العلوم، فتفصيل موضوعات علم التجويد والوقوف على قواعد التلاوة تكلفت ببيانها كتب علم التجويد، ولكن تلزم الإشارة هنا إلى بعض القضايا المنهجية منها: ١ - أهمية دراسة مخارج الحروف وصفاتها لدارس قواعد التلاوة، وقد أولت كتب علم التجويد القديمة هذه الناحية عناية كبيرة، لكن الكتب المتأخرة والمؤلفة حديثا في هذا العلم أهملت ذلك إلى حد كبير، وهذا نقص يجب تلافيه. ٢ - تقدمت دراسة علم الأصوات اللغوية في زماننا تقدما ملحوظا ولم يستفد دارسو علم التجويد في زماننا من الحقائق الصوتية التي كشف عنها هذا العلم، وهو أمر يخالف منهج علماء السلف الذين بنوا كتبهم في علم التجويد على حقائق علم الأصوات اللغوية كما يعرضها علماء اللغة العربية. ٣ - للتطبيق العملي والتمرين الشفهي أهمية كبرى في ضبط الأداء، وفهم دقائق التلاوة، ومن ثم فإنه لا تكفي القراءة في كتب علم التجويد، إن لم تقترن التلقي من المعلم المتقن الضابط لقراءة القرآن (١).

стр. 157

الفصل الرابع تفسير القرآن الكريم تدل كلمة «التفسير» على بيان معاني الألفاظ أو الكشف عن علل الظواهر، وغلب استخدامها مضافة إلى «القرآن» لتدل على ما كتب في بيان معاني كلمات القرآن الكريم وآياته. والمعنى اللغوي للكلمة لم يكن بعيدا عن هذا الاستخدام، فكلمة التفسير هي مصدر فسّر، من الفسر وهو البيان، يقال: فسر الشيء يفسره فسرا أبانه، ومثله: فسّره- بتشديد السين- تفسيرا، فالتفسير في أصل اللغة يقصد به كشف المراد عن اللفظ المشكل (١). ولم يكن مصطلح (تفسير القرآن) المصطلح الوحيد المستخدم للدلالة على ما كتب في بيان معاني كلمات القرآن الكريم وآياته. فقد استخدم إلى جانبه مصطلح (معاني القرآن) (٢)، ومصطلح (تأويل القرآن) (٣)، لكن غلب استخدام

стр. 158

مصطلح (تفسير القرآن) على ما عداه منذ زمن بعيد، وصارت عبارة (علم التفسير) تطلق على المباحث والجهود التي كتبها العلماء في توضيح دلالة كلمات القرآن الكريم ومعاني آياته. والتعريفات المنقولة عن علماء السلف لمصطلح «التفسير» لا تخرج عن كونه كشفا لمعاني القرآن، قال أبو حيان الأندلسي: «التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك» (١). والملاحظ هنا أن أبا حيان أدرج (علم القراءة) ضمن علم التفسير، لكن عددا من العلماء الذين جاءوا بعده أخرجوا هذا العلم من مباحث علم التفسير، لأنه علم له مباحثه وقضاياه التي لا تندرج في موضوع الكشف عن معاني القرآن الكريم، كما أن له كتبه الخاصة به. قال الزركشي: «التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزّل على نبيّه محمد ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه» (٢). وقال في موضع آخر: «هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب

стр. 159

مكيّها ومدنيّها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسرها» (١). وقال الشريف الجرجاني: «التفسير في الأصل هو الكشف والإظهار، وفي الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه، بلفظ يدل عليه دلالة واضحة» (٢). ولعل علم التفسير من أقدم العلوم الإسلامية نشأة وتدوينا، فقد ارتبطت نشأته بنزول القرآن الكريم وتعلمه وتلاوته، وكان رسول الله ﷺ أول مفسر للقرآن، ثم خلفه من بعده العلماء من أصحابه، لا سيما عبد الله بن عباس الملقب بترجمان القرآن، ثم يأخذ التابعون العلم عن الصحابة، وظهر منهم مفسرون مشهورون، ظلت جهودهم في التفسير موضع تقدير العلماء من بعدهم. وتوسّع التفسير في عصر تابعي التابعين، ثم تعددت مناهج المفسرين بعد ذلك، فنجد من المفسرين من اعتنى بجمع التفسير المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين، ومن المفسرين من اعتنى بالجانب اللغوي من القرآن على نحو ما نجد في كتب (معاني القرآن)، ومن المفسرين من اعتنى بآيات الأحكام الفقهية، كما في كتب (أحكام القرآن). وهكذا تعددت مناهج المفسرين وكثرت التفاسير، وهي تعكس في ذلك تنوع ثقافة العلماء في العصور الإسلامية، وتنوع اهتماماتهم العلمية أيضا. ولم ينقطع جهد علماء المسلمين في توضيح معاني القرآن في أي عصر من العصور، إلا أن طبقة العصر وثقافة أهله كانت تنعكس على مناهج المفسرين، ومن ثم فلا غرابة أن نجد في العصر الحديث نزعات تجديدية في تفسير القرآن،

стр. 160

ومناهج تعكس ما استجد في حياة المسلمين والعالم من يقظة وتطور علمي وتطلع حضاري. وكانت حصيلة تلك الجهود الكبيرة التي بذلها المفسرون من لدن عصر الصحابة حتى وقتنا الحاضر ثروة علمية أخذت أكبر مساحة في المكتبة العربية الإسلامية، وأنتجت مئات المؤلفات المتعددة المناهج والأحجام، التي لا يتسع المقام للحديث المفصل عنها هنا، ومن ثم سوف أكتفي بعرض الاتجاهات العامة لتلك المؤلفات والنقاط البارزة في تلك الجهود من خلال المباحث الآتية: المبحث الأول: نشأة علم التفسير . المبحث الثاني: دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة. المبحث الثالث: علم التفسير في العصر الحديث. المبحث الرابع: خلاصة في أصول التفسير. المبحث الخامس: إعجاز القرآن الكريم. المبحث الأول نشأة علم التفسير أولا- تفسير القرآن في عصر النبوة: جاء تدوين العلوم الإسلامية متأخرا بضع عشرات من السنين عن عصر النبوة المبارك، لكن نشأة تلك العلوم كان مرتبطا بتلك الحقبة، وكان التفسير مرتبطا بتلاوة القرآن الكريم، لأن التلاوة، مع كونها عبادة، ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتفهم معاني كلام الله تعالى، حتى تتحقق ثمرة التلاوة، وهي الاهتداء إلى الدين القويم، وقد حث القرآن على تدبر معاني الآيات، قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص] وحذّر من الغفلة عند التلاوة بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد].

стр. 161

والتدبّر معناه التفكر، مشتق من قولهم: دبّر الأمر وتدبره: أي نظر في عاقبته وما يؤول إليه (١). وكان تعليم رسول الله ﷺ القرآن لأصحابه يقتضي تفهم معانيه، كما كانت قراءة الصحابة القرآن تقتضي الوقوف على معانيه، يدل على ذلك قول أبي عبد الرحمن السلمي (ت ٧٤ هـ): «حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (٢). والعمل يقتضي الفهم ومعرفة المعاني. ومن تمام تعليم رسول الله ﷺ القرآن للناس بيان معانيه ومعرفة أحكامه، قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) [النحل]. ومن ثمّ «فإن سنّة رسول الله ﷺ تبيّن القرآن، وتدل عليه، وتعبّر عنه» (٣). سواء أكان ذلك البيان قوليا أم عمليا. واختلف الدارسون في مقدار التفسير الذي بيّنه النبي ﷺ للصحابة، فمنهم من قال: إنه فسّر عدا من الآيات (٤)، ومنهم من قال: إنه بيّن للصحابة معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه (٥). ويمكن أن يكون الاختلاف في هذه القضية لفظيا، لأن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب، وكان لسان المخاطبين به من الصحابة عربيا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن معاني كثير من آيات القرآن، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «إنما

стр. 162

أنزل القرآن بلسان عربي مبين ... فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه، لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه» (١). وما قاله أبو عبيدة لا يعني أن الصحابة لم يسألوا رسول الله ﷺ عن معنى شيء من القرآن، أو أنه لم يبين لهم من معاني القرآن شيئا، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بيّن معاني الكثير من آيات القرآن، لكنه لم يبين معاني جميع آياته، لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ولا شك في أنه ﷺ لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه، مما يجري مجرى الغيوب التي لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسّر لهم رسول الله ﷺ ما خفي عليهم معناه أو التبس المراد به، مما خصه الله بمعرفته وأطلعه عليه (٢). ولم يدوّن شيء من التفسير في حياة رسول الله ﷺ لأن التدوين كان موجها إلى حفظ ألفاظ الوحي، وكان ﷺ قد نهى أولا عن كتابة شيء من كلامه غير القرآن، خشية اختلاطه بالقرآن، فقال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب غير القرآن فليمحه» (٣). ونقل علماء الصحابة إلى التابعين ما سمعوه من التفسير النبوي للقرآن الكريم، وأخذ تابعو التابعين ومن جاء بعدهم تلك الروايات وأوردوها في كتب الحديث وكتب التفسير، وصارت مصدرا أساسيا في تفسير القرآن الكريم، لأنه «مما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ ... لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (٤).

стр. 163

وكان الإمام السيوطي، ﵀، قد جمع الروايات المنقولة عن رسول الله ﷺ في تفسير القرآن، من كتب الحديث والتفسير، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) مرتبة على ترتيب السور في المصحف، وقد بلغ مجموعها أكثر من مائتين وخمسين رواية بقليل (١). ومن أمثلة تلك الروايات: ١ - أخرج أحمد، والترمذي وحسّنه، وابن حبان في صحيحه، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى» (٢). ٢ - وأخرج الحاكم وصححه، عن أنس، أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٩٧) [آل عمران]. ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» (٣). ٣ - وأخرج أحمد، والشيخان وغيرهم، عن ابن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (٨٢) [الأنعام]، شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان]، وإنما هو الشرك» (٤). ٤ - وأخرج مسلم وغيره، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (٦٠) [الأنفال]، ألا وإن القوة الرّمي» (٥). ٥ - وأخرج أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، والنسائي، عن أبي هريرة

стр. 164

قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الرّان الذي ذكر الله في القرآن كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) [المطففين]» (١). والمتأمل في ما روي عن النبي ﷺ من بيان لمعاني آيات أو كلمات من القرآن يجد أكثر تلك الروايات جاءت جوابا لمسائل سئل عنها رسول الله ﷺ ، أو كانت استدلالا منه على معنى، فيكون ذلك الاستدلال بيانا لمعنى الآية، وجاء عدد منها تفسيرا نبويا لكلمات أو آيات من القرآن توضيحا لمعناها وتأكيدا له في نفوس الصحابة، ﵃. ويمكن للدارس أن يلحظ أن تفسير القرآن في عصر النبوة لم يكن شاملا لكل القرآن الكريم، ولعل ذلك يرجع من جانب إلى فصاحة الصحابة التي مكنتهم من إدراك معاني كثير من آي القرآن من غير حاجة إلى سؤال النبي ﷺ عنها، وإلى أن التطبيق العملي لأحكام القرآن الذي كانوا يشاهدونه ويشاركون فيه قد أغناهم من جانب آخر عن السؤال عن معاني الآيات الكريمة. ولعل هناك عاملا آخر أسهم في تقليل مسائل الصحابة عن معاني آي القرآن، هو قوة إيمانهم، وصفاء عقيدتهم، وعمق يقينهم، فكرهوا لذلك السؤال عما تشابه من آي القرآن مما استأثر الله بعلمه (٢)، فلم يرو أنهم سألوا عنه رسول ﷺ بل كانوا يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، واتجهوا إلى الجانب العملي من

стр. 165

القرآن والسنة النبوية فسألوا عما خفي عنهم منه واشتغلوا بتعلمه وروايته لمن جاء بعدهم من أجيال المسلمين، ﵃ أجمعين. ثانيا- المفسرون من الصحابة: سنّ رسول الله ﷺ تعليم القرآن، وكان إذا دخل رجل في الإسلام دفعه إلى الصحابة وقال لهم: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (١). وأخذ الصحابة بذلك، بعد رسول الله ﷺ فكان الخلفاء الراشدون يحرصون على تعليم المسلمين القرآن والسنة، وروى الطبري أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يقول: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنّة نبيهم» (٢). واشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة، كما قال السيوطي، هم: «الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم» (٣). وكان بعض الصحابة يتحرج من الإقدام على تفسير القرآن الكريم (٤)، لكن آخرين منهم لاحظوا حاجة المسلمين إلى من يفهّمهم معاني كلام الله تعالى، فكانوا يفسرون لهم القرآن، وكان من الصحابة من ذهب إلى وجوب تقليب النظر في آيات القرآن واستنباط المعاني منها، فهذا أبو الدرداء يقول: «لا يفقه الرجل

стр. 166

كلّ الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها»، وهذا عبد الله بن مسعود يقول: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر (١) القرآن» (٢). ومن ينظر في التفاسير الكبيرة التي حرص مؤلفوها على نقل أقوال الصحابة في التفسير مثل الطبري وابن كثير والسيوطي يجد أسماء كبار الصحابة من مفسري القرآن تتردد في تفسير كل آية تقريبا، خاصة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وكان ابن عباس أكثر الثلاثة، بل أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن الكريم، ومن ثم سوف نكتفي بالحديث عن جهوده في التفسير من هذه الفترة. ١ - تميّز ابن عباس بالتفسير: ولد عبد الله بن عباس بن عبد المطلب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكانت وفاته سنة ٦٨ هـ- بالطائف (٣). وكان رسول الله قد دعا لعبد الله بالفقه والعلم مرتين، فذكر ابن سعد عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح على ناصيتي، وقال: «اللهم علّمه الحكمة وتأويل الكتاب». وذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان في بيت خالته ميمونة، ووضع لرسول الله ﷺ وضوءا من الليل، فقالت: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس، فقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» (٤). وقد أصابت ابن عباس بركة دعاء النبي ﷺ له بالعلم، فكان أعلم الصحابة

стр. 167

بتفسير القرآن، فهو بحر التفسير وحبر الأمة، الذي لم يكن على وجه الأرض في زمانه أعلم منه» (١). وكان ابن عباس إلى جانب ذكائه وفطنته حريصا على أخذ العلم عن كبار الصحابة، فكان في شبابه يسأل الصحابة ويكابد من أجل ذلك المشاق (٢)، وذكر أبو ليث السمرقندي: «أنه كان إذا أشكل عليه شيء من التفسير سأل أصحاب رسول الله ﷺ والمسلمين من أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما» (٣)، فاشتهر ابن عباس بالعلم والفطنة والذكاء. وكان عمر بن الخطاب ﵁ من أوائل من عرف ما كان لابن عباس من علامات الفطنة والذكاء وحسن تأويل القرآن، فكان يقدمه على صغر سنّه، ويجلسه مع أشياخ بدر (٤). وعرف ذلك أيضا عبد الله بن مسعود، فكان يقول: «نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس» (٥)، وقد عاش ابن عباس بعد عبد الله بن مسعود ستا وثلاثين سنة، فذاع صيته واشتهر أمره، وسلّم له علماء الصحابة بتقدمه وعلمه، روي أن عبد الله بن عمر سمع تفسير ابن عباس لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما (٣٠) [الأنبياء] فقال: «قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علما» (٦).

стр. 168

٢ - جهود ابن عباس في التفسير: كان ابن عباس كثير العلم واسع المعرفة، فكان يجلس يوما لا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما للتاويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب (١)، وقال عمرو بن دينار المكي (ت ١٢٦ هـ): ما رأيت مجلسا قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: للحلال والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام (٢). لكن شهرة ابن عباس بالتفسير فاقت شهرته بالجوانب الأخرى. وكانت لابن عباس مجالس عامة يفسر فيها القرآن للناس، على نحو ما فسر سورة البقرة، وفي رواية سورة النور في موسم الحج (٣) وله بعد ذلك جلسات مع خاصة تلامذته يفسر لهم القرآن، قال تلميذه مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٤ هـ): عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ (٤) وتعددت الروايات عن ابن عباس في التفسير نتيجة لذلك، قال السيوطي: «وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة» (٥). ولم تصل إلينا مجموعة كاملة لجهود ابن عباس في تفسير القرآن الكريم، لأنه كان يفسر القرآن تفسيرا شفويا، ولم يدونه في كتاب، وإن كان من تلامذته من دوّن ما سمعه من أستاذه. وتحتفظ كتب التفسير القديمة بثروة كبيرة من جهود ابن عباس في التفسير، لا سيما تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير السيوطي المسمى (الدر المنثور في التفسير بالمأثور). وتوجد اليوم مجموعات صغيرة متميزة من جهود ابن عباس في التفسير، أشهرها:

стр. 169

أ- صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قال السيوطي: «وقد روي عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا ... قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلّقه عن ابن عباس، وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا، بوسائط بينهم وبين أبي صالح. وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير. قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة، وهو ثقة، فلا ضير في ذلك» (١). ويميل بعض الباحثين إلى أن تلك الصحيفة هي تفسير ابن عباس الذي ألّفه بنفسه (٢). وقام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي بجمع ما ورد في صحيح البخاري منقولا عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في كتاب سمّاه (معجم غريب القرآن مستخرجا من صحيح البخاري). وأورد السيوطي في كتابه (الإتقان) (٣) ما تضمنته صحيفة علي بن أبي طلحة، وبلغ ما ورد فيها قريبا من ست مائة كلمة أو عبارة قرآنية، وزاد عليها السيوطي ما جا من ألفاظ في نسخة الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس لم ترد في الصحيفة المذكورة، وبلغت قريبا من مائة وأربعين كلمة، وهذا مثال مما نقله السيوطي من الصحيفة من سورة غافر (٤):

стр. 170

ذِي الطَّوْلِ (٣): السعة والغنى. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ (٣١): حال. فِي تَبابٍ (٣٧): خسران. ادْعُونِي (٦٠): وحّدوني. ب- أجوبة مسائل نافع بن الأزرق: قصة هذه المسائل هي على ما رواه أبو بكر الأنباري أنه «دخل نافع بن الأزرق إلى المسجد الحرام، فإذا هو بابن عباس جالسا على حوض من حياض السقاية، قد دلّى رجليه في الماء، وإذا الناس قيام عليه يسألونه عن التفسير، فإذا هو لا يحبسهم بتفسيره. فقال نافع: تالله ما رأيت رجلا أجرأ على ما تأتي به منك يا ابن عباس! فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك، أولا أدلّك على من هو أجرأ مني؟ قال: من هو؟ قال: رجل تكلم بغير علم، أو كتم علما عنده. فقال نافع: يا ابن عباس، إني أريد أن أسألك عن أشياء فأخبرني بها. قال: سل عما شئت ... قال أخبرني عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٣٥) [المائدة]، قال: الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول: إن الرجال لهم إليك وسيلة ... » (١). وقال السيوطي في (الإتقان): «وقد أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب (الوقف)، والطبراني في معجمه الكبير، وقد رأيت أن أسوقها هنا بتمامها» (٢). وقد بلغت المسائل التي أوردها السيوطي مائة وثمانيا وثمانين مسألة.

стр. 171

ج- كتاب (اللغات في القرآن): روى عبد الله بن الحسين بن حسنون المقرئ (ت ٣٦٨ هـ) بإسناده عن ابن عباس كتاب (اللغات في القرآن) (١)، تحدث فيه عن ألفاظ من القرآن، ذكر أنها جاءت في لغة من لغات العرب، على نحو ما جاء من ذلك في سورة الأنفال (٢): قوله : رِجْزَ الشَّيْطانِ (١١): يعمي تخويف الشيطان بلغة قريش. يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً (٢٩): يعني مخرجا بلغة هذيل. د- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: ومن الآثار التي تنسب إلى عبد الله بن عباس تفسير جمعه أبو طاهر محمد ابن يعقوب الفيروزآبادي (ت ٨١٧ هـ) مؤلف (القاموس المحيط)، وسماه (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) (٣). وهناك شك كبير في صحة نسبة ما جاء في هذا التفسير إلى ابن عباس، سيما أن إسناده ينتهي إلى محمد بن مروان السّدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٤)، وقد قال السيوطي: إن أوهى الطرق التي نقلت لنا تفسير ابن عباس هي طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السّدي الصغير فهي سلسلة الكذب (٥).

стр. 172

وقال الشيخ محمد حسين الذهبي: «وقد نسب إلى ابن عباس، ﵁، جزء كبير في التفسير، وطبع في مصر مرارا باسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) ... إن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئا من قيمته العلمية في الغالب، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه هو نسبته إلى ابن عباس» (١). ٣ - منهج ابن عباس في تفسير القرآن: إن الحديث عن منهج ابن عباس في التفسير يقتضي الوقوف على ما روي عنه في ذلك، لكن جهود ابن عباس في التفسير ما زالت موزعة في التفاسير القديمة ولم تستخلص بشكل مستقل، على أن ذلك لا يمنع من ذكر ما لاحظه الدارسون حول منهجه في تفسير القرآن الكريم، فمن ذلك: أ- يعدّ تفسير ابن عباس، في مختلف أصوله، أول محاولة لشرح ألفاظ القرآن شرحا لغويا (٢). وكان يعتمد في ذلك الشرح على شعر العرب في أغلب الأحيان، قال سعيد بن جبير: سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء من القرآن، فيقول: فيه كذا وكذا، أما سمعتم قول الشاعر يقول فيه كذا وكذا (٣). وكان ابن عباس يقول: «إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٤). ب- جاء في بعض الروايات المنقولة عن ابن عباس في التفسير أخبار منقولة عن أهل الكتاب تتعلق ببدء الخليفة أو قصص الأنبياء، وقد عرفت تلك الأخبار في كتب التفسير بالإسرائيليات. قال ابن كثير، بعد أن نقل رواية عن السدي أوردها في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن

стр. 173

عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ : «فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم» (١). وجاء في رواية نقلها ابن كثير عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عباس أنه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرءونه غضا لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم» (٢). وهذه الرواية تدل على أن ابن عباس يرفض الأخذ عن أهل الكتاب، وقد لا تكون مناقضة لدلالة الرواية التي نقلناها عن أبي الليث السمرقندي من أن ابن عباس إذا أشكل عليه شيء من التفسير سأل الصحابة «والمسلمين من أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب مثل كعب الأحبار ... » فهؤلاء قد أسلموا. ج- ورد في أكثر من مصدر من المصادر القديمة أن ابن عباس، ﵁، قال: التفسير أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها. وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، يقول: الحلال والحرام. وتفسير يعلمه العلماء خاصة. وتفسير لا يعلمه إلا الله، ومن ادّعى علمه فهو كاذب (٣).

стр. 174

وهذا القول يحدد بعض ملامح منهج ابن عباس في التفسير، فهو يؤكد على استناد كثير من التفسير على العلم باللغة العربية، كما يشير أن من آي القرآن ما استأثر ﷺ تعالى بعلمه، وهو يأخذ عمليا بهذا التوجه، فقد روي أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله تعالى: يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (٥) [السجدة] فقال له ابن عباس: فما يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) [المعارج] فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما (١). ثالثا- التفسير في عصر التابعين: إن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم علم السّنّة (٢). واتسعت حركة التفسير في عصر التابعين لازدياد حاجة الناس إليه لفهم آيات القرآن الكريم، بعد أن ضعفت ملكة اللغة وبعد أن دخل في الدين أمم متنوعة اللغات والثقافات، فنشأ في الأمصار الإسلامية جماعة من العلماء اشتغلوا بتفسير القرآن، معتمدين في ذلك على ما تلقوه عن الصحابة، وعلى ما وصل إليه علمهم في فهم آيات الكتاب الحكيم. ويبدو أن هذه الفترة شهدت أولى محاولات تدوين التفسير تدوينا منظما، إذا صح أن جهود ابن عباس كانت تروى رواية، أو أنها لم تدون تدوينا منظما. واشتهر من علماء التابعين في كل مصر من الأمصار الإسلامية جماعة من المفسرين، خاصة في مكة والمدينة والكوفة والبصرة، أما أهل الشام فإنهم في هذه الحقبة «كانوا أهل غزو وجهاد، فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم» (٣). قال ابن تيمية، ﵀: «وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة،

стр. 175

لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب» (١). ونميز من خلال هذا القول ثلاثة مراكز علمية ازدهر فيها التفسير في زمن التابعين، هي مكة، والمدينة، والكوفة، لكن أثر المفسرين الذين نشئوا في هذه المراكز لم يقتصر على المدن التي نشئوا فيها، وإنما امتد إلى الأمصار الأخرى، فلم يكن في تلك العصور حدود تمنع العلماء من التنقل في الأمصار الإسلامية، أو طلبة العلم من الرحلة إلى العلماء في مكان إقامتهم. أما مكة فقد نشأت فيها مدرسة للتفسير، أرسى ابن عباس أسسها، وشادها تلامذته من بعده. وأشهر تلامذته مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي (ت ١٠٤ هـ). قال عبد الله بن أبي مليكة: «رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله» (٢). ويروى عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ (٣). وحاز مجاهد سمعة طيبة في مجال التفسير، فنجد خصيف بن عبد الرحمن (ت ١٣٧ هـ) يقول: «كان أعلمهم بالتفسير مجاهد» (٤). وكان سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) يقول: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (٥).

стр. 176

وينسب المؤرخون إلى مجاهد كتابا في (التفسير) (١). وقد طبع تفسير مجاهد من رواية عبد الله بن أبي نجيح (ت ١٣١ هـ) (٢). ولا يتناول هذا التفسير كل آيات القرآن، وإنما يقتصر على مواضع من كل سورة، على ترتيب المصحف. وفيه شرح لغوي للألفاظ، كما يبيّن أحيانا سبب نزول الآيات والقصة التي تتعلق بها (٣). ومن علماء التفسير الذين أخذوا عن ابن عباس، من طبقة التابعين، عكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٤ هـ)، الذي قال: «كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن». وأثمرت هذه الشدة في التعليم، فكان الشعبي يقول: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة»، ويفخر عكرمة بقوله: «لقد فسّرت ما بين اللوحين»، لكنه لا ينكر فضل أستاذه عليه فيقول: «كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس» (٤). وممن أخذ التفسير عن ابن عباس أيضا عطاء بن أبي رباح (ت ١١٥ هـ)، وطاوس بن كيسان اليماني (ت ١٠٦ هـ)، وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري (ت ١٠٣ هـ)، ومنهم سعيد بن جبير الكوفي (ت ٩٥ هـ) (٥). أما المدينة فإنه كان فيها من التابعين ممن اشتهر بالتفسير زيد بن أسلم المدني (ت ١٣٦ هـ)، الذي كانت له حلقة للعلم في مسجد النبي ﷺ وقد قال عنه يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، عالم بتفسير القرآن، له كتاب في (التفسير) يرويه عنه ولده عبد الرحمن (٦).

стр. 177

وكان من تلامذة زيد الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، كما أخذ عنه التفسير ابنه عبد الرحمن (ت ١٨٢ هـ) الذي ألّف كتابا في (التفسير) وآخر في (الناسخ والمنسوخ) (١). أما في الكوفة فإن أشهر علمائها في التفسير زمن التابعين تلامذة عبد الله بن مسعود، يقول مسروق بن عبد الرحمن (ت ٦٣ هـ)، أحد تلامذة هذه المدرسة: «كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها، عامة النهار» (٢)، ومن تلامذة هذه المدرسة أيضا علقمة بن قيس (ت ٦١ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت ٦٤ هـ)، وعبيدة بن عمرو السلماني (ت ٧٣ هـ)، ومرة بن شراحيل الهمداني (ت ٧٦ هـ) (٣). وكان في البصرة في عصر التابعين مفسرون، أخذ عدد منهم التفسير عن ابن عباس مثل: أبي الشعثاء جابر بن زيد (ت ١٠٣ هـ) الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٨ هـ)، والحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، والربيع بن أنس البصري (ت ١٣٩ هـ) نزيل خراسان (٤). تلك هي المعالم البارزة لجهود التابعين في التفسير، وهي لا ترسم صورة كافية لتطور التفسير في هذه المرحلة التي تمثل البداية للتدوين المنظم لهذا العلم. ولكن فقدان جل تفاسير هذه الفترة يستلزم تتبع الروايات المنقولة عن مفسري التابعين في التفاسير الكبيرة، مثل: تفسير الطبري، وابن كثير، والسيوطي، ويمكن من خلال ذلك إعادة تشكيل تلك التفاسير ودراستها، لكن ذلك يخرج عن طبيعة هذه المحاضرات وهدفها.

стр. 178

رابعا- التفسير في مرحلة المصنفات الجامعة: ازدادت مادة التفسير بعد عصر التابعين، وبدأت تظهر المصنفات التي جمع مؤلفوها أقوال الصحابة والتابعين في التفسير، وذكر الداودي في كتابه (طبقات المفسرين) في ترجمة الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) أنه «هو أول من صنف تفسير القرآن على طريقة الموطأ، تبعه الأئمة، فقلّ حافظ إلا وله تفسير مسند» (١). وتحدث السيوطي عن حركة التأليف في مجال التفسير بعد عصر التابعين، فقال بعد أن ذكر المفسرين من الصحابة والتابعين: «ثم بعد هذه الطبقة ألّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ)، ويزيد بن هارون (ت ٢٠٦ هـ)، وعبد الرزاق (ت ٢١١ هـ)، وآدم بن أبي إياس (ت ٢١١ هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ)، وروح بن عبادة (ت ٢٥٠ هـ)، وعبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ)، وسنيد (ت ٢٢٦ هـ)، وأبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ)، وآخرين. وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجة، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حيان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك» (٢). وتحدث أبو حيان الأندلسي عن تطور التأليف في التفسير بعد عصر التابعين

стр. 179

وظهور الحاجة إلى التعمق في الكشف عن معاني القرآن، فقال: «ثم تتابع الناس في التفسير وألفوا فيه التآليف. وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي في شرح اللغة، ونقل سبب ونسخ وقصص، لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع الأمم المختلفو الألسنة ... احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التراكيب، وانتزاع المعاني، وإبراز النكت البيانية، حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها ... » (١). وتطورت الحياة العلمية في الأمة الإسلامية تطورا سريعا، وتنوعت المعارف والثقافات، وبرزت المذاهب الفقهية، والاتجاهات الفكرية، وانعكس ذلك على تفسير القرآن الكريم، فتأثرت التفاسير بثقافة المفسر وتوجهاته الفكرية، فتنوعت تبعا لذلك. وكان السيوطي، ﵀، قد تحدث عن هذا التطور في التأليف في علم التفسير، فقال بعد أن ذكر التفاسير الجامعة لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، فقال: «ثم ألّف في التفسير خلائق! فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بترا، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل. ثم صار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانّا أن له أصلا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] نحو عشرة أقوال. وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي ﷺ وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين.

стр. 180

ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه: فالنحوي تراه ليس له همّ إلا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته، كالزجّاج، والواحدي في «البسيط»، وأبي حيّان في «البحر» و «النهر». والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها والإخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي. والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية، والجواب عن أدلة المخالفين، كالقرطبي. وصاحب العلوم العقلية، خصوصا فخر الدين، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر فيه العجب من عدم مطابقة المورد للآية، قال أبو حيان في «البحر» (١): جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير. والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد، بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا فيه أدنى مجال سارع إليه ... » (٢).
следующие страницы →