← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 12917

محاضرات في علوم القرآن - غانم قدورى

غانم قدوري الحمد

Полный текст (258 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وينسب المؤرخون إلى مجاهد كتابا في (التفسير) (١). وقد طبع تفسير مجاهد من رواية عبد الله بن أبي نجيح (ت ١٣١ هـ) (٢). ولا يتناول هذا التفسير كل آيات القرآن، وإنما يقتصر على مواضع من كل سورة، على ترتيب المصحف. وفيه شرح لغوي للألفاظ، كما يبيّن أحيانا سبب نزول الآيات والقصة التي تتعلق بها (٣). ومن علماء التفسير الذين أخذوا عن ابن عباس، من طبقة التابعين، عكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٤ هـ)، الذي قال: «كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن». وأثمرت هذه الشدة في التعليم، فكان الشعبي يقول: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة»، ويفخر عكرمة بقوله: «لقد فسّرت ما بين اللوحين»، لكنه لا ينكر فضل أستاذه عليه فيقول: «كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس» (٤). وممن أخذ التفسير عن ابن عباس أيضا عطاء بن أبي رباح (ت ١١٥ هـ)، وطاوس بن كيسان اليماني (ت ١٠٦ هـ)، وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري (ت ١٠٣ هـ)، ومنهم سعيد بن جبير الكوفي (ت ٩٥ هـ) (٥). أما المدينة فإنه كان فيها من التابعين ممن اشتهر بالتفسير زيد بن أسلم المدني (ت ١٣٦ هـ)، الذي كانت له حلقة للعلم في مسجد النبي ﷺ وقد قال عنه يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، عالم بتفسير القرآن، له كتاب في (التفسير) يرويه عنه ولده عبد الرحمن (٦).

стр. 177

وكان من تلامذة زيد الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، كما أخذ عنه التفسير ابنه عبد الرحمن (ت ١٨٢ هـ) الذي ألّف كتابا في (التفسير) وآخر في (الناسخ والمنسوخ) (١). أما في الكوفة فإن أشهر علمائها في التفسير زمن التابعين تلامذة عبد الله بن مسعود، يقول مسروق بن عبد الرحمن (ت ٦٣ هـ)، أحد تلامذة هذه المدرسة: «كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها، عامة النهار» (٢)، ومن تلامذة هذه المدرسة أيضا علقمة بن قيس (ت ٦١ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت ٦٤ هـ)، وعبيدة بن عمرو السلماني (ت ٧٣ هـ)، ومرة بن شراحيل الهمداني (ت ٧٦ هـ) (٣). وكان في البصرة في عصر التابعين مفسرون، أخذ عدد منهم التفسير عن ابن عباس مثل: أبي الشعثاء جابر بن زيد (ت ١٠٣ هـ) الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٨ هـ)، والحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، والربيع بن أنس البصري (ت ١٣٩ هـ) نزيل خراسان (٤). تلك هي المعالم البارزة لجهود التابعين في التفسير، وهي لا ترسم صورة كافية لتطور التفسير في هذه المرحلة التي تمثل البداية للتدوين المنظم لهذا العلم. ولكن فقدان جل تفاسير هذه الفترة يستلزم تتبع الروايات المنقولة عن مفسري التابعين في التفاسير الكبيرة، مثل: تفسير الطبري، وابن كثير، والسيوطي، ويمكن من خلال ذلك إعادة تشكيل تلك التفاسير ودراستها، لكن ذلك يخرج عن طبيعة هذه المحاضرات وهدفها.

стр. 178

رابعا- التفسير في مرحلة المصنفات الجامعة: ازدادت مادة التفسير بعد عصر التابعين، وبدأت تظهر المصنفات التي جمع مؤلفوها أقوال الصحابة والتابعين في التفسير، وذكر الداودي في كتابه (طبقات المفسرين) في ترجمة الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) أنه «هو أول من صنف تفسير القرآن على طريقة الموطأ، تبعه الأئمة، فقلّ حافظ إلا وله تفسير مسند» (١). وتحدث السيوطي عن حركة التأليف في مجال التفسير بعد عصر التابعين، فقال بعد أن ذكر المفسرين من الصحابة والتابعين: «ثم بعد هذه الطبقة ألّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ)، ويزيد بن هارون (ت ٢٠٦ هـ)، وعبد الرزاق (ت ٢١١ هـ)، وآدم بن أبي إياس (ت ٢١١ هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ)، وروح بن عبادة (ت ٢٥٠ هـ)، وعبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ)، وسنيد (ت ٢٢٦ هـ)، وأبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ)، وآخرين. وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجة، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حيان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك» (٢). وتحدث أبو حيان الأندلسي عن تطور التأليف في التفسير بعد عصر التابعين

стр. 179

وظهور الحاجة إلى التعمق في الكشف عن معاني القرآن، فقال: «ثم تتابع الناس في التفسير وألفوا فيه التآليف. وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي في شرح اللغة، ونقل سبب ونسخ وقصص، لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع الأمم المختلفو الألسنة ... احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التراكيب، وانتزاع المعاني، وإبراز النكت البيانية، حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها ... » (١). وتطورت الحياة العلمية في الأمة الإسلامية تطورا سريعا، وتنوعت المعارف والثقافات، وبرزت المذاهب الفقهية، والاتجاهات الفكرية، وانعكس ذلك على تفسير القرآن الكريم، فتأثرت التفاسير بثقافة المفسر وتوجهاته الفكرية، فتنوعت تبعا لذلك. وكان السيوطي، ﵀، قد تحدث عن هذا التطور في التأليف في علم التفسير، فقال بعد أن ذكر التفاسير الجامعة لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، فقال: «ثم ألّف في التفسير خلائق! فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بترا، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل. ثم صار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانّا أن له أصلا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] نحو عشرة أقوال. وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي ﷺ وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين.

стр. 180

ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه: فالنحوي تراه ليس له همّ إلا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته، كالزجّاج، والواحدي في «البسيط»، وأبي حيّان في «البحر» و «النهر». والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها والإخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي. والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية، والجواب عن أدلة المخالفين، كالقرطبي. وصاحب العلوم العقلية، خصوصا فخر الدين، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر فيه العجب من عدم مطابقة المورد للآية، قال أبو حيان في «البحر» (١): جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير. والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد، بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا فيه أدنى مجال سارع إليه ... » (٢).

стр. 181

المبحث الثاني دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة إن دراسة التفاسير التي كتبها علماء السلف دراسة وافية تكشف عن حال كاتبيها، وتبين منهجهم في التفسير، أمر يحتاج إلى مجال أوسع مما تسمح به طبيعة هذه المحاضرات (١)، إلا أن ذلك لا يمنع من معرفة أسماء أشهر التفاسير القديمة، والاتجاهات العامة التي كتبت في إطارها، ودراسة تفاسير تمثل تلك الاتجاهات، حتى يتعرف الطالب عليها وتكون لديه فكرة عنها، تساعده في الرجوع إليها والاستفادة منها، عند الرغبة في ذلك أو الحاجة إليه. أولا- من كتب التفسير بالمأثور: «جامع البيان للطبري» الطبري هو محمد بن جرير، أبو جعفر، ولد بآمل سنة ٢٢٤ هـ، ورحل في طلب العلم، وسمع بالعراق ومصر والشام من خلق كثير، واستوطن بغداد، وأقام فيها حتى وفاته سنة ٣١٠ هـ (٢). قال عنه الخطيب البغدادي: «أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه ومعرفته وفضله، وقد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها بأحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في (تاريخ

стр. 182

الأمم والملوك) وكتاب في (التفسير) لم يصنّف أحد مثله، وكتاب سماه (تهذيب الآثار) لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه، وكتاب حسن في القراءات سماه (الجامع)، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه» (١). وتفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) عظيم القدر، عرف قيمته القدماء والمعاصرون. قال عنه أبو حامد الأسفراييني: «لو رحل رجل إلى الصين في تحصيله لم يكن كثيرا» (٢). ووصف ابن تيمية تفسير الطبري بأنه من أجل التفاسير وأعظمها قدرا (٣). وقال السيوطي: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعوّل عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله» (٤). وتفسير الطبري من أكبر كتب التفسير، يقع في ثلاثين جزءا، وهو مطبوع عدة طبعات. وهو تفسير شامل فسّر فيه الطبري القرآن الكريم آية آية، وكلمة كلمة. وهو يقسّم السورة إلى مجموعات، تضم كل مجموعة آية أو أكثر، ويبدأ تفسير كل مجموعة بقوله: (القول في تأويل (٥) قوله تعالى ... )، ثم يبيّن المعنى في إيجاز بأسلوبه وعبارته، ثم يقول: (وبمثل الذي قلنا في تأويل الآية قال جماعة من أهل التأويل)، ويعقب ذلك مباشرة بقوله: (ذكر من قال ذلك) فيذكر الروايات المنقولة في الآية أو الكلمة التي يفسرها عن النبي ﷺ أو مفسري الصحابة والتابعين وتابعيهم. وإذا كان هناك اختلاف في تفسير شيء من القرآن

стр. 183

بين أهل التفسير فإنه يقول: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ... فقال بعضهم ... وقال آخرون). والطبري لا يقف عند حدود النقل، فكثيرا ما يرجح بين الروايات، أو ينقدها، ويختار من ذلك ما يراه أقوى حجة وأوضح دليلا، ويقول: (والصواب عندنا في ذلك). وهو يذكر وجوه القراءات ويوجهها، ويذكر وجوه الإعراب ويبين آراء النحويين فيها، ويشير إلى الأحكام الفقهية عند تفسيره آيات الأحكام فيبين مذاهب الفقهاء فيها (١). ويأتي تفسير الطبري على رأس مجموعة من التفاسير التي التزمت بنقل الروايات المأثورة في التفسير عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين خاصة، ولعل أشهر التفاسير في هذا الاتجاه بعد تفسير الطبري (٢) ما يأتي (٣): ١ - بحر العلوم- للسمرقندي، وهو أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة ٣٧٥ هـ. ٢ - الكشف والبيان عن تفسير القرآن- للثعلبي، وهو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ. ٣ - معالم التنزيل- للبغوي، وهو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء، المتوفى سنة ٥١٠ هـ. ٤ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز- لابن عطية، وهو أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي، المتوفى سنة ٥٤٦ هـ.

стр. 184

٥ - تفسير القرآن العظيم- لابن كثير، وهو الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن عمر الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ. ٦ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن- للثعالبي، وهو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الجزائري، المتوفى سنة ٨٧٦ هـ. ٧ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور- للسيوطي، وهو جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، المتوفى سنة ٩١١ هـ. الإسرائيليات في كتب التفسير بالمأثور: وأخذ على كتب التفسير بالمأثور أنه دخلها كثير من الروايات المنقولة عن أهل الكتاب، تتعلق بتفسير الآيات التي تتحدث عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وأخبار الأمم الغابرة، مما لا علاقة له بأمور العقيدة والأحكام الشرعية، وهو ما يسمى عند أهل التفسير بالإسرائيليات نسبة إلى بني إسرائيل (١). ولا شك في أن القرآن الكريم نسخ الديانات السابقة، كما نسخ كتبها، لكنّ هناك موضوعات أشار إليها القرآن الكريم ورد ذكرها في كتب الأنبياء السابقين مثل التوراة والإنجيل، لم يمنع النبي ﷺ من الاطلاع عليها، لكن مع الحذر من أن تكون محرّفة أو منتحلة. فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو، ﵁، أن النبي ﷺ قال: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢). كما روى البخاري عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: «كان أهل

стр. 185

الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ ؛ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى (١٣٦) الآية» (١). وكان ابن تيمية، ﵀، قد ناقش الروايات الإسرائيلية في كتب التفسير، وقسمها على ثلاثة أقسام، فقد قال: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد (٢)، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم (٣)، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ... كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم ... » (٤). وأفاض ابن خلدون في الحديث عن أصل الإسرائيليات وسبب وجودها في كتب التفسير، فقال: «وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء، مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى،

стр. 186

وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما يعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا علاقة له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الاحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرّى فيها الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا الكتب بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقّيت بالقبول من يومئذ ... » (١). ويبدو أن تعليل ابن خلدون سبب ضعف تلك الروايات بأنها أخذت عن أهل الكتاب الذين كانوا يسكنون البادية لا ينطبق على جميع ما روي من تلك المنقولات، فقد جاء في الحديث السابق الذي رواه أبو هريرة، ﵁، أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ويترجمونها إلى العربية لأهل الإسلام، وهؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم من أهل البادية الذين لا علم عندهم، ولكن هذا النقل المباشر عن التوراة لا يمنع من وصف تلك الروايات بالضعف، أو عدم القطع بصحتها، فالنبي ﷺ قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)، لأن تلك الروايات قد تكون صحيحة، وقد تكون مكذوبة، بسبب ما تعرضت له كتبهم من التحريف والزيادة. إن أكثر ما يروى في كتب التفسير من الإسرائيليات يرجع إلى أربعة أشخاص هم (٢):

стр. 187

١ - الصحابي الكريم عبد الله بن سلام، توفي بالمدينة سنة ٤٣ هـ. ٢ - كعب الأحبار، كعب بن ماتع الحميري، توفي بحمص سنة ٣٢ هـ. ٣ - وهب بن منبّه الصنعاني، توفي بصنعاء سنة ١٤٤ هـ على خلاف. ٤ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، توفي سنة ١٥٠ هـ. وينبغي الحذر من اتهام هؤلاء الأربعة بالدس على الدين، فقد كانوا من جلة العلماء، وعبد الله بن سلام صحابي مدحه رسول الله ﷺ والثلاثة الآخرون من مشهوري التابعين، وصف ابن حجر كل واحد منهم بأنه ثقة (١). أما ما نقل عنهم من روايات فيجب أن ننظر إليه من خلال المنهج الصحيح الذي أشرنا إليه قبل قليل بشأن الإسرائيليات، فقد نقل هؤلاء الأربعة ما سمعوه أو قرءوه في كتب أهل الكتاب، وقد يكون صوابا وقد يكون باطلا، «ولكن يجب أن نفرّق في هذا المقام بين ما يصح أن يقال فيهم، وما يصح أن ينقل عنهم، فأما ما يصح أن يقال فيهم فهو الثقة والتقدير، على نحو ما ألمحنا، وأما الذي ينقل عنهم فمنه الصحيح وغير الصحيح، لكن عدم صحة ما لم يصح لا يعلل باتهامهم وتجريحهم ... » (٢). ثانيا- من التفاسير اللغوية: «معاني القرآن وإعرابه- للزجاج» يقف هذا التفسير على رأس مجموعة من الكتب اتجهت بالتفسير اتجاها خاصا، وهو الاهتمام بالناحية اللغوية والنحوية لكلمات القرآن وعباراته، ومحاولة فهم النص القرآني من خلال ذلك، وتسمى هذه التفاسير بكتب معاني القرآن، ويذكر الزركشي أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح قال: «وحيث رأيت في كتب التفسير (قال أهل المعاني) فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن، كالزجاج ومن قبله» (٣).

стр. 188

وذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) خمسة وعشرين كتابا في معاني القرآن ومشكله ومجازه، من تأليف كبار علماء العربية، منهم: الكسائي، والأخفش، ويونس بن حبيب، والمبرد، وقطرب، وأبو عبيدة، والفراء، وابن كيسان، وابن الأنباري، والزجاج، وثعلب، وغيرهم (١). وأشهر كتب معاني القرآن المعروفة في زماننا كتاب (معاني القرآن) لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧ هـ)، وكتاب (معاني القرآن) لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت ٢١١ هـ)، و (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ على خلاف)، وكتاب (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق إبراهيم بن السّريّ الزجاج (ت ٣١١ هـ)، وهو الكتاب الذي نريد أن نتحدث عنه ممثلا لاتجاه متميز في تفسير القرآن الكريم، يهتم بالناحية اللغوية أكثر من الجوانب الأخرى في التفسير. والزجاج رجل يشهد الذين ترجموا له بأنه كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، رفعته همته من مهنة كان فيها يخرط الزجاج، إلى علم شامخ بين اللغويين والنحاة، ذلك أنه آنس من نفسه ميلا إلى النحو واشتهى التبحر فيه، فأخذه عن ثعلب رأس النحاة الكوفيين في بغداد في زمانه، ثم انتقل عنه إلى المبرد رأس النحاة البصريين في بغداد في زمانه، وقد خلّف الزجاج التآليف في تفسير القرآن، واللغة، والنحو، والعروض (٢). ويقوم منهج الزجاج في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) على ذكر الآية، ثم اختيار ألفاظ منها ليحللها تحليلا لغويا، فيذكر أصل الكلمة، والمعنى الذي تدل عليه، ويستشهد بما يؤيد رأيه من كلام العرب، وقد يستطرد فيشرح الأمثلة التي يستشهد بها، ثم يعود لإعراب الآية إن كان فيها ما يحتاج إلى إعراب.

стр. 189

ويقرر الزجاج أن هناك ترابطا بين الإعراب والمعنى حيث قال: «إنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير لأن كتاب الله ينبغي أن يبيّن، ألا ترى أن الله يقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (١) فحضضنا على التدبر والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب أهل اللغة أو ما يوافق نقلة أهل العلم» (٢). ويعنى الزجاج في كتابه القراءات القرآنية، معتمدا في ذلك على كتاب أبي عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ) في القراءات، قال: «وأكثر ما أرويه من القراءة في كتابنا هذا فهو عن أبي عبيد، مما رواه إسماعيل بن إسحاق، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبيد» (٣). ويبدو أن هذا المنحى في تفسير القرآن الكريم أصابه بعد الزجاج تطور أخرجه من دائرة التفسير إلى ميدان النحو، فالزجاج كان قد عنون كتابه (معاني القرآن وإعرابه)، ثم جاء أبو جعفر النحاس (أحمد بن محمد ت ٣٣٨ هـ) بعد الزجاج وفصل بين معاني القرآن وإعراب القرآن، فألف كتابا في (معاني القرآن) وآخر في (إعراب القرآن)، فظهرت بعدئذ كتب إعراب القرآن التي تعنى بالناحية الإعرابية والوجوه النحوية، دون الاهتمام بالتفسير والمعنى، كما يظهر ذلك جليا في كتاب (مشكل إعراب القرآن) لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) وكتاب (البيان في غريب إعراب القرآن) لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، وكتاب (التبيان في إعراب القرآن) لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (ت ٦١٦ هـ). ولا يعني ذلك أن اهتمام المفسرين بالناحية اللغوية والإعرابية لآيات القرآن قد اختفى من كتب التفسير، فالمعرفة اللغوية والنحوية من أدوات المفسر الضرورية، لكن هذه الناحية لم تعد سمة بارزة في تفاسير القرآن الكريم، وقد

стр. 190

تبرز في بعض التفاسير، مثل تفسير (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي (محمد ابن يوسف ت ٧٤٥ هـ) الذي اعتنى فيه بالناحية اللغوية والنحوية عناية كبيرة، لكنه لم يهمل النواحي الأخرى التي لها اتصال بالتفسير (١). ومن التفاسير التي تميزت بجانب من جوانب الدراسة اللغوية تفسير الزمخشري (محمود بن عمر ت ٥٣٨ هـ) المعروف باسم (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، فقد امتاز تفسير الزمخشري باهتمامه بالناحية البلاغية لأسلوب القرآن الكريم، وبيان جمال أسلوبه وبديع نظمه- على الرغم من النزعة الاعتزالية فيه- فالزمخشري يكثر في تفسيره من الكلام على أنواع الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، فحوى تفسيره ثروة بلاغية في المعاني والبيان لا تكاد توجد في تفسير آخر، وقد ترك الكشاف من هذه الناحية أثرا واضحا في التفاسير الأخرى (٢). ثالثا- من التفاسير الفقهية: «الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي» نظر عدد من المفسرين إلى الآيات القرآنية من ناحية تضمنها أحكاما فقهية، فبحثوا في تلك الآيات وفسروها، وبينوا ما يستنبط منها من أحكام، واحتجوا له. وظهرت مصنفات مستقلة تتناول آيات الأحكام دون ما سواها، أو مركّزة على تلك الآيات إلى جانب تفسير ما سواها من آيات القرآن، وأشهر التفاسير في هذا الاتجاه (٣): ١ - أحكام القرآن- للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، الذي طبع منه ما جمعه أبو بكر البيهقي.

стр. 191

٢ - أحكام القرآن- لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص، الفقيه الحنفي، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ. ٣ - أحكام القرآن- لأبي الحسن علي بن محمد المعروف بالكياالهراسي، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة ٥٠٤ هـ. ٤ - أحكام القرآن- لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة ٥٤٣ هـ. ٥ - الجامع لأحكام القرآن- لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة ٦٧١ هـ. والجامع لأحكام القرآن للقرطبي من أوسع التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية، قال الداودي في ترجمة المؤلف: مصنف التفسير المشهور الذي سارت به الركبان، كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين، جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في خمسة عشر مجلدا، وهو من أجل التفاسير، أسقط منه القصص والتاريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ (١). وقد وضح القرطبي في أول الكتاب هدفه من التأليف، وبيّن منهجه فيه، فقال: «وبعد، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي استقل بالسّنّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منّتي (٢)، بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا، يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ... ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين

стр. 192

وأخبار المؤرخين، إلا ما ندر منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل نبيّن فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير والغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا إلى آخر الكتاب، وسميته ب (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان ... » (١). والذي يقرأ في هذا التفسير يجد أن القرطبي، ﵀، قد وفّى بما شرطه على نفسه في هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول والقراءات، والإعراب، ويبين معنى الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم إلى اللغة كثيرا، ويكثر من الاستشهاد بأشعار العرب، وهو ينقل عن السلف كثيرا مما أثر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله، وممن نقل عنهم كثيرا: ابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، والكيا الهراسي، وأبو بكر الجصاص (٢). والقرطبي حين يبحث في آيات الأحكام، ويذكر مسائل الخلاف، يورد أدلة كل رأي، ويعلق عليها، ولا يتعصب لمذهبه المالكي، فربما رجح رأي غير الإمام مالك في بعض المسائل، وهو حين يرد أو ينقد فإنه يسوق ذلك في أدب وعفة، ويبتعد عن التعصب والتجريح (٣). رابعا- من التفاسير المتأثرة بالنزعة العقلية: «التفسير الكبير- للفخر الرازي» اعتمد عدد من المفسرين على النظرة العقلية في تفسير القرآن الكريم، فتوسعوا في تفسير آيات العقيدة والآيات الكونية، مستندين إلى ما تمخضت عنه

стр. 193

الحضارة الإسلامية من ثقافة وعلوم عقلية في العصور المتعاقبة، فظهر أثر ذلك على عدد من التفاسير أشهرها (١): ١ - التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب- لأبي عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. ٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل- للقاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي، المتوفى سنة ٦٨٥ هـ على خلاف. ٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل- لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، المتوفى سنة ٧٠١ هـ. ٤ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان- لنظام الدين بن الحسن النيسابوري، المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. ٥ - لباب التأويل في معاني التنزيل- لعلاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم، المعروف بالخازن، المتوفى سنة ٧٤١ هـ. ٦ - السراج المنير في الإعانة على معرفة معاني كلام ربنا الحكيم الخبير- لمحمد ابن محمد، المعروف بالخطيب الشربيني، المتوفى سنة ٩٧٧ هـ. ٧ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم- لأبي السعود محمد بن محمد ابن مصطفى المتوفى بالقسطنطينية سنة ٩٨٢ هـ. ولم يكن الرازي أول من اتجه بالتفسير هذه الوجهة، لكنه كان أكثر توسعا من غيره فيها، وفتح الطريق واسعا للمفسرين من بعده للمضي فيه، فظهرت مجموعة من التفاسير اعتمدت على النظرة العقلية في تفسير القرآن، من غير أن تهمل التفسير المنقول، وكانت هذه التفاسير تعكس في الغالب شخصية المفسر

стр. 194

العلمية، فتنوعت لذلك طريقة معالجة تفسير الآيات في هذه التفاسير ولكن جميعها تعتمد على النظرة العقلية والاجتهاد في التفسير بالرأي المبني على الدليل، وسوف نتحدث عن تفسير الرازي الذي يقف في مقدمة هذه المجموعة من التفاسير. أما الرازي فهو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله، فخر الدين المفسّر، المتكلم، إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، ولد في شهر رمضان سنة ٥٤٤ هـ، ببلاد الري، وكانت وفاته في يوم الاثنين يوم عيد الفطر من سنة ٦٠٦ هـ بمدينة هراة (١). وكانت قاعدة ثقافة الرازي واسعة جدا، يظهر ذلك من قائمة كتبه، فهي في معارف متنوعة، وفنون عدة: في العلوم النقلية والعقلية والطبيعية، فقد ألّف في تفسير القرآن، والفقه، واللغة، والأدب، والتاريخ، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، والرياضة، والفلك، والطب (٢). وتفسير الرازي هو (التفسير الكبير)، ويسمى أيضا (مفاتيح الغيب)، وكان هناك شك في إتمام الرازي تأليف هذا التفسير، وقيل: إنه كتب معظمه وأتمه بعض المتأخرين (٣)، لكن رجح بعض الباحثين المحدثين أن يكون الرازي قد كتب التفسير كله (٤).

стр. 195

والرازي حين بدأ بتفسير سورة الفاتحة أطال الكلام فيها كثيرا، وأورد في تفسيرها من المسائل والفوائد الشيء الكثير، لكنه عاد حين أخذ في تفسير سورة البقرة إلى المنهج المعروف في التفسير الذي يدور على ألفاظ وعبارات الآيات القرآنية بشكل مباشر، ومع ذلك فإن تفسير الرازي يعد من التفاسير المطولة، لكثرة المسائل التي يثيرها الرازي وهو يفسر آيات القرآن. وأكثر الرازي في تفسيره من إيراد قضايا علم الكلام ومسائل العقيدة، لأنه يعتقد أن هذا العلم من أشرف العلوم، بسبب اتصاله بالله الخالق، ، لأنه لا طريق، في رأيه، إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال. والناظر في هذا التفسير يجد نفسه أمام منهج عقلي يقوم على ما امتاز به الرازي من غزارة في العلم وقوة في الحجة. وهذا الاتجاه العقلي عند الرازي في تفسيره لا يعني أنه كان يفضل ثمرات العقول على صحيح المنقول، فإنه كان إذا ثبت النقل فسر الآية به، ولم يعدل عنه إلى غيره، فالمقصود بالمنهج العقلي عند الرازي هو تفسير القرآن الكريم فيما لم يرد فيه نص، لأن النقل إذا ثبت عن رسول الله ﷺ كان وحيا من الله تعالى، قاطعا في معناه، غير مخالف لما تؤدي إليه العقول، لأن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، لأنهما صادران من مبدع واحد، فمن المحال أن يتعارضا تعارضا حقيقيا (١). والرازي في تفسيره يهتم بكثير من القضايا ذات الصبغة العامة، فهو يكثر من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية، عند تفسير الآيات الكونية، ويناقش مسائل العقيدة كلما سنحت الفرصة لذلك، وهو لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا يذكر مذاهب الفقهاء فيها، ويستطرد كذلك إلى ذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، ومؤكدا على مظاهر ووجوه إعجاز القرآن، وبالجملة فالكتاب أشبه بموسوعة في التفسير وعلم الكلام وعلوم الكون والطبيعة (٢).

стр. 196

وهذا الشمول في تفسير الرازي هو الذي يوضح لنا قول أبي حيان في تفسيره (البحر المحيط): «جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير» (١). ويبدو ان الرازي كان يشعر بتوسعه في المباحث العقلية والكونية، فقال مدافعا عن موقفه: «وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك خلاف المعتاد، فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته ... إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها ... » (٢). خامسا- من التفاسير الصوفية: «لطائف الإشارات» - للقشيري: التصوف منهج في الحياة ينحو نحو الزهد في زينة الدنيا، والاجتهاد في العبادة، وتهذيب النفس، وهو منهج إسلامي أصيل النشأة، لكنه تطور حتى صار على أيدي بعض المتأخرين فلسفة تتضمن أفكارا تتعارض مع التوحيد الخالص، وجاءت بتفسيرات تؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع. وكتب عدد من كبار المتصوفة تفاسير للقرآن الكريم وفق منهجهم الذي يستند إلى الفكرة القائلة بأن لكل آية معنى ظاهرا ومعنى باطنا، وأنهم عن طريق الرياضة الروحية والتأمل العميق تنكشف لهم معاني للآيات تتجاوز دلالة الألفاظ اللغوية المتعارف عليها في اللغة العربية.

стр. 197

ومن أشهر التفاسير التي سلكت هذا المنهج (١): ١ - تفسير القرآن العظيم- لسهل بن عبد الله التستري، المتوفى سنة ٢٨٣ هـ. ٢ - حقائق التفسير- لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي، المتوفى سنة ٤١٢ هـ. ٣ - لطائف الإشارات- لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، المتوفى سنة ٤٦٥ هـ. ٤ - عرائس البيان في حقائق القرآن- لأبي محمد روزبهان الشيرازي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. ٥ - تفسير ابن عربي- وهو أبو بكر محمد بن علي، المتوفى سنة ٦٣٨ هـ. ٦ - التأويلات النجمية- لنجم الدين داية، المتوفى سنة ٦٥٤ هـ، وأكمله علاء الدولة السماني المتوفى سنة ٧٣٦ هـ. وأغلب ما في هذه التفاسير لا يعطي توضيحا بيّنا لآيات القرآن الكريم، ولا يقدم نموذجا صالحا لتمثيل التصوف الإسلامي بأمانة وصدق، حتى نجد الواحدي يقول في (حقائق التفسير) للسلمي: «إن كان اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر!» (٢). وقد احتل (لطائف الإشارات) للقشيري موقعا متميزا بين تفاسير المتصوفة بفضل منزلة مؤلفه وثقافته الواسعة واعتداله في مسلكه الصوفي، قال محقق الكتاب: «ونستطيع بعد ذلك أن نميز بين تفسير القشيري في (لطائفه) وبين أولئك الذين تنسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله، أولئك الذين أسرفوا حين حملوا النص القرآني فوق ما يحتمل، وبدلا من أن يخضعوا للنص القرآني أخضعوا النص القرآني لنصرة مذاهبهم، وساروا في الدروب العقلية حتى جمحوا، وابتعدوا عن

стр. 198

الخط الأصيل، حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس في مجالس الفلسفة والكلام لا في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال، أما عند القشيري فليس هناك مذهب عقلي خبيء، ولا عقيدة باطنية مستورة» (١). أما القشيري فهو الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، النيسابوري، الملقب زين الإسلام، ولد سنة ٣٧٦ هـ، وتوفي سنة ٤٦٥ هـ، كان فقيها بارعا، أصوليا محققا، متكلما سنّيا، محدثا حافظا، مفسرا متفننا، نحويا لغويا، أديبا كاتبا شاعرا، مليح الخط جدا، شجاعا بطلا، له في الفروسية واستعمال السلاح الآثار الجميلة (٢). وهو صاحب (الرسالة) المشهورة الموصوفة بالرسالة القشيرية في التصوف، وكان قد أخذ التصوف عن أبي علي الدقاق خاصة. وكان من جملة ما ألفه القشيري (التفسير الكبير)، ألفه قبل سنة ٤١٠ هـ، وهو من أجود التفاسير وأوضحها (٣)، استوفى فيه تفسير القرآن الكريم على الطريقة المعروفة بالاهتمام بالتفسير والاهتمام بفنون اللغة بما يوضح معاني الآيات (٤). وألّف القشيري بعد ذلك تفسيره (لطائف الإشارات)، وهو تفسير صوفي للقرآن الكريم، وهو يعد أهم تفسير للقرآن الكريم على طريقة أرباب المجاهدات والأحوال. والذي يعنينا من أمر هذا النوع من التفسير، الذي يسميه بعض الدارسين بالتفسير الإشاري، هو أن نقف على الحجة التي يستند إليها، وحقيقة المنهج الذي يسير عليه في تفسير آيات القرآن الكريم.

стр. 199

أما الحجة التي يستند إليها فهي رواية منقولة عن الحسن البصري، مرفوعة مرة وموقوفة أخرى، ونصها: «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع». وهذه الرواية بين أن تكون حديثا ضعيفا لإرساله، لأن الحسن، ﵀، لم يسمّ الصحابي الذي أخذ عنه هذا الحديث، وبين أن تكون من كلام الحسن البصري (١). وكان عبد الرزاق الصنعاني قد نقل الرواية في مصنفه عن الحسن، هكذا: «عن الحسن، قال: ... والذي نفسي بيده ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلا وله حد، ولكل حد مطلع». قال عبد الرزاق: فحدثت به معمرا، قال: امحه، لا تحدث به أحدا» (٢). وفي معنى الرواية آراء للعلماء لخصها الزركشي بقوله: «أما قوله: «ظهر وبطن» ففي تأويله أربعة أقوال: أحدها: وهو قول الحسن، أنك إذا بحثت عن باطنها، وقسته على ظاهرها، وقفت على معناها. الثاني: قول أبي عبيد (٣)، إن القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها عظة للآخرين. الثالث: قول ابن مسعود، ﵁، أنه ما من آية إلا عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها. الرابع: قاله بعض المتأخرين، إن ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها. وقول أبي عبيد أقربها» (٤).

стр. 200

ونقل السيوطي قولا خامسا، حيث قال: «وحكى ابن النقيب قولا خامسا: إن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق» (١). وهذا هو التفسير الذي استند إليه بعض الدارسين في الاحتجاج للتفسير الصوفي، وليس هناك ما يرجح هذا التفسير للحديث. وقد اجتهد الشيخ محمد حسين الذهبي في محاولة العثور على الأصل الشرعي لهذا النوع من التفسير، وتأييد رواية الحسن البصري بآيات من القرآن (٢). ودافع الآلوسي عن تفاسير الصوفية بقوله: «وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الإيمان، ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية ... » (٣). وغلا بعض المعاصرين حين قال: «التفسير الصوفي للقرآن أوزن قدرا من التفسير الحرفي، فالتفسير الصوفي قد استنبط التفسير الحرفي وصعد منه إلى عوالم أخرى، قد استعد لها الصوفي برياضة نفسه، وتكوّن ثقافته، وسعة دوائره وأحاسيسه وملكاته الجديدة التي أقفرت منها قلوب الحرفيين!» (٤). وعلى الرغم من أن بعض الدارسين حاول أن يقيد هذا النوع من التفسير بشروط (٥)، فإن التفاسير الصوفية «تعتمد على أذواق غير مقيدة بالطرائق العلمية،

стр. 201

ولا محكمة الاستخراج على قواعد اللغة وعلومها» (١). ومن الواضح أن مثل هذا المنهج يؤدي إلى أنماط عديدة من التفسيرات الذاتية، تتنوع بعدد المطبقين لمثل هذا المنهج تنوعا حتميا، وذلك بناء على اختلاف المواهب والاستعدادات الروحية التي هي منحة خالصة من فضل الله، وما حققه الصوفي بتأييد الله في طريقه من جهاد وتقدم، ومثل هذا التنوع يصبح خطرا ولا شك إذا قصد به أن يكون المرجع الأول والأخير للمسلم، مهما اختلفت درجته، لما يؤدي إليه من الاضطراب والبلبلة، ولكنه قد يصبح ثروة طائلة وزادا روحيا قيّما إذا وفّى الإنسان بالأصول العامة وأقام مقتضيات الأحكام الشرعية إجمالا وتفصيلا (٢). وهذا المنهج هو موطن الضعف في هذا النوع من التفسير، بل هذا المنهج هو ممكن الخطر «ذلك لأن قضية الظاهر والباطن استغلت استغلالا سيئا لخدمة الكثير من العقائد الهدامة، وارتكبت في حق الظاهر القرآني جرائم خطيرة، حين أريد له أن يؤوّل لنصرة الأغراض المريضة والدعوات الجامحة» (٣). ولضعف الأساس الذي يقوم عليه التفسير الصوفي أو الإشاري قال بعض السلف: «أما كلام السادة الصوفية في القرآن فليس بتفسير» (٤) لأنه ليس مبنيا على القواعد المقررة في علم التفسير من الاعتماد على ما تقتضيه اللغة وما نقل من التفسير المأثور، وإنما هي شيء مبني على الرياضة الروحية التي قد تنفع في تهذيب النفوس، ولكنها لا تكفي في توضيح معاني القرآن. ثانيا: أن يكون له شاهد شرعي يؤيده. ثالثا: أن لا يكون له معارض شرعي أو عقلي. رابعا: لا بد أولا من الاعتراف بالمعنى الظاهر.

стр. 202

المبحث الثالث التفسير في العصر الحديث أولا- العودة إلى كتابة التفاسير الكبيرة: مرت على المسلمين قرون خمدت فيها جذوة البحث العلمي في مختلف علوم الشريعة الإسلامية، وركدت حركة التأليف، وانتهت إلى صورة تتمثل بكتابة الحواشي والمختصرات للمشهور من كتب العلوم. ودخل التفسير في هذه المرحلة، فظهرت التفاسير المختصرة مثل (تفسير الجلالين) لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، كما كتبت عشرات الحواشي، مثل ما كتب من حواش على تفسير الجلالين، وتفسير الزمخشري، وتفسير القاضي البيضاوي، وغيرها. وتقدّم الزمن وازداد اتصال بلدان العالم الإسلامي بدول الغرب، كما كانت دول الغرب تسعى حثيثا لبسط سيطرتها على الشعوب الإسلامية ونهب خيراتها، وتحقق ذلك بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية. وصحا المسلمون على حالة من التناقض بين ماضيهم المزدهر وقيمهم الأصيلة، وما صاروا عليه من التخلف العلمي والانحطاط الحضاري، وكان ذلك مبعث يقظة في بلاد المسلمين، اختلفت وجهتها بين التمسك بالدين الإسلامي واتخاذه أساسا لتقدم المسلمين كما كان أساسا لتقدمهم من قبل، وبين الاستسلام للغرب ومحاكاته في قيمه ومثله وطريقة حياته. ووجد دعاة الإصلاح ورواد النهضة الإسلامية الحديثة أن الناس بهم حاجة إلى الفهم الصحيح للدين، فنشطت حركة التأليف في العلوم الإسلامية من جديد، خاصة بعد انتشار المطابع في البلاد الإسلامية، وحاول العلماء كتابة تفسير القرآن بأسلوب يناسب حاجة الأمة إلى اتخاذ القرآن منار هداية ومصدر تشريع، وتوالت المحاولات، فكان من التفاسير الأولى في هذا العصر، التي ظلت تحمل طابع التفاسير القديمة، مع نزعات إلى التجديد في بعض الجوانب:

стр. 203

١ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في التفسير. للقاضي محمد بن علي الشوكاني الصنعاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ ١٨٣٤ م. ٢ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (١). لأبي الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الآلوسي، المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ ١٨٥٤ م. ٣ - محاسن التأويل (٢). لمحمد جمال الدين القاسمي، المتوفى سنة ١٣٣٢ هـ ١٩١٤ م. ٤ - فتح البيان في مقاصد القرآن (٣). لصديق حسن خان، ألفه في بلدة بهوبال في الهند سنة ١٢٨٩ هـ ١٨٧٢ م (٤). وظهرت تفاسير أخرى كانت أكثر نزوعا إلى التجديد، وإثارة قضايا تعكس تأثر كاتبيها بضغط الواقع المحزن للمسلمين، وتفوق أعدائهم العلمي والصناعي، فغلبت على بعض التفاسير النزعة العلمية بإدخال النظريات العلمية الحديثة في تفسير القرآن، وتكلف بعض المفسرين العثور على أصل لتلك النظريات في آيات القرآن. وغلب على بعضها النظرة العقلية والتأثر بروح الحضارة الغربية، فأدى ذلك بكاتبيها إلى رفض الأخذ بالتفسير المأثور واعتباره مما يصدّ عن فهم القرآن، واعتمادهم النظرة العقلية المجردة في تفسير القرآن، مما أدى بهم أحيانا إلى التعسف في تأويل بعض الآيات القرآنية، مع حرصهم على تضييق دائرة الغيبيات ومحاولة تفسيرها بالنظرة العقلية. وعلى الرغم من ذلك فإنه ينبغي عدم إغفال الجوانب الأخرى النافعة في هذه التفاسير من سهولة العبارة والتخفف من استخدام مصطلحات العلوم القديمة،

стр. 204

والتركيز على بيان معاني الآيات بما يوضح للقارئ صورة الحياة التي يريدها القرآن للفرد والجماعة. ومن أشهر تلك التفاسير: ١ - تفسير القرآن الحكيم، المشتهر باسم تفسير المنار . للشيخ محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤ هـ ١٩٣٥ م)، الذي لخص الأجزاء الخمسة الأولى من دروس شيخه محمد عبده التي قرأها في الجامع الأزهر من شهر محرم سنة ١٣١٧ هـ إلى المحرم من سنة ١٣٢٣ هـ (١). ثم تابع محمد رشيد رضا التفسير حتى انتهى إلى سورة يوسف. ٢ - الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات. للشيخ طنطاوي جوهري (ت ١٣٥٨ هـ ١٩٤٠ م) وقد انتهى من كتابته في شهر محرم من سنة ١٣٤٤ هـ الموافق لشهر آب من سنة ١٩٢٥ م، وطبع في خمسة وعشرين جزءا. ٣ - تفسير المراغي . للشيخ أحمد مصطفى المراغي، أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم، وكتب هذا التفسير سنة ١٣٦٠ هـ، وطبع الجزء الأول منه سنة ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م. ٤ - التفسير الحديث . للأستاذ محمد عزة دروزة، كتبه بين سنة ١٩٤١ م وسنة ١٩٤٥ م، وطبع الجزء الأول منه سنة ١٣٨١ هـ ١٩٦٢ م، وهذا التفسير رتبت فيه السور على حسب تاريخ النزول لا على الترتيب المعروف في المصحف. وحجة المؤلف في ذلك أن ترتيب السور حسب النزول يكشف سير الدعوة وتاريخ التشريع.

стр. 205

ثانيا- من قضايا التفسير في العصر الحديث: لم يتوقف التأليف في تفسير القرآن الكريم عند التفاسير التي ذكرناها، لكن كثيرا من التفاسير المؤلفة حديثا يحتاج إلى دراسة تكشف عن المنهج الذي سار عليه مؤلفوها، والنظرة التي تحكمت في طريقة كشفهم عن معاني الآيات، ومعرفة مدى الصلة بين هذه التفاسير والجهود القديمة في التفسير، وذلك يحتاج إلى مجال أوسع مما تسمح به هذه المحاضرات (١). ونكتفي هنا بالإشارة إلى قضيتين مهمتين تتعلقان بالتفسير في العصر الحديث، هما موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور، وموقفهم من العلوم والنظريات الحديثة. ١ - موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور: ظهر من المفسرين المحدثين من تنكّر للتفسير المأثور، واعتبره مما يصد عن فهم كتاب الله تعالى، ولعل أبرز من أعلن ذلك واعتمده الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا «فلم يكن الأستاذ يحفل بالناحية الأثرية، ولا يولي اهتماما للأخبار وطرق تخريجها، ولا يعتمد في تفسير الآيات على الأخبار المتصلة بها» (٢). وقد انعكست هذه النظرية العقلية على منهج السيد محمد رشيد رضا في التفسير، حتى صرح في المقدمة بأن «أكثر ما روي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن، وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية، المزكية للأنفس، والمنوّرة للعقول، فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات، التي لا قيمة لها سندا ولا موضوعا» (٣). ولاحظ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أنه «لما استقل الشيخ رشيد بمعاناة

стр. 206

العمل من مبدئه، وأصبح معتمدا على المصادر التي كان الأستاذ الإمام يأخذ منه ويترك حسب منهجه العلمي- بدأ هواه الأول للعلوم النقلية الأثرية يعاوده ويأخذ به فمال إليها، وتتبع رجالها الأولين مثل الطبري والآخرين مثل ابن كثير، فبدت على التفسير مسحة أثرية ما كانت بادية على أجزائه الخمسة الأولى» (١). كان ذلك الموقف من التفسير المأثور يواجه في الواقع النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة، كما يواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها بعض كتب التفسير في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها. ومواجهة ضغط الخرافة من جهة وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى لا يمكن أن يتم بمواجهة النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة، ثم يفسر القرآن في ضوئها، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها تصوراتنا ومواقفنا، ومن ثم لا يصح أن يقال إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل، فلا بد من تأويله! وليس معنى ذلك هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن وإنما يكون دور العقل التلقي والتفهم الواعي لما يقوله ويبيّنه القرآن (٢). وفهم آيات القرآن في عصرنا يجب ألّا يكون بمعزل عن فهم السلف لها، فالتفسير المأثور إذا ثبت عن رسول الله ﷺ فهو مقدم على كل شيء، بل حجة متبعة لا تسوغ مخالفتها لشيء آخر، ولا أظن أن المتحاملين على التفسير المأثور يقصدون هذا النوع أبدا، والتفسير المأثور عن الصحابة مقدم على غيره، فإنه إما أن يكون مسموعا عن النبي ﷺ وإما أن يعبر فيه الصحابي عن مناسبة النزول، أو يبين معنى الآية، مما يلزم المفسر للقرآن الإفادة منه. وكذلك يمكن

стр. 207

الاستفادة من تفاسير التابعين ومن بعدهم، خاصة التوضيحات اللغوية والاستنتاجات الفقهية، ولا تكاد تنطبق تلك الحملة على التفسير المأثور إلا في جانب واحد منه، وهو ما يعرف بالإسرائيليات التي تسللت إلى بعض التفاسير القديمة، في تفسير بدء الخليقة وقصص الأنبياء. ولم يحمد كثير من المتقدمين إيراد تلك الروايات في تفسير القرآن، بل أنكروها. ٢ - موقف المفسرين المحدثين من النظريات العلمية الحديثة: افتتن بعض المفسرين بالنظريات العلمية الحديثة، وذلك حين نظر في ذلك الركود العلمي الذي كان يلف بلاد المسلمين، وتلك الحضارة الغربية المزدهرة بالصناعة والعلوم والفنون، واعتقد أن من وسائل النهوض بواقع المسلمين التأكيد على أن الإسلام يحث على طلب العلم، وأن في القرآن إشارات إلى العلوم والنظريات العلمية الحديثة، فحاول تفسير القرآن وشحنه بكل أنواع العلوم ومظاهر الحضارة الحديثة، وخير من يمثل هذا الموقف الشيخ طنطاوي جوهري، ﵀، في تفسيره (الجواهر). قال الشيخ طنطاوي في مقدمة التفسير بعد أن ذكر أنه خلق مغرما بالعجائب الكونية، معجبا بالبدائع الطبيعية، وأنه ألّف كتبا في ذلك، وأنه رغب في أن يفسر القرآن ويضمنه تلك العلوم: «وإني لعلى رجاء أن يؤيد الله هذه الأمة بهذا الدين، وينسج على منوال هذا التفسير المسلمون ... وليقومنّ من هذه الأمة من يفوق الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبع مائة وخمسين آية، فأما علم الفقه فلا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية؟ وقد وضعت في هذا التفسير ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق، وعجائب الكون، وأثبتّ فيه غرائب وعجائب الخلق، مما يشوق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق

стр. 208

معاني الآيات البينات، في الحيوان والنبات والأرض والسماوات، ولتعلمنّ أيها الفطن أن هذا التفسير نفحة ربانية، وإشارة قدسية، وبشارة رمزية، أمرت به بطريق الإلهام، وأيقنت أن له شأنا سيعرفه الخلق، وسيكون من أهم أسباب رقي المستضعفين في الأرض» (١). ونحا هذا المنحى أيضا، وإن كان على نحو أخف، الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسيره، فقد قال في مقدمته: «ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الذكر من الباحثين في مختلف الفنون التي ألمح إليها القرآن على ما أثبته العلم في عصرنا» (٢). ومع إمكان تلمس العذر لأولئك المفسرين الذين سلكوا هذا المنهج فإن «الذين يفسرون القرآن الكريم بما يطابق مسائل العلم، ويحرصون على أن يستخرجوا منه كل مسألة تظهر في أفق الحياة، يسيئون إلى القرآن من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا، لأن هذه المسائل التي تخضع إلى سنّة التقدم تتبدل، وقد تتقوض من أساسها وتبطل، فإذا فسرنا القرآن بها تعرضنا في تفسيره للنقائض، كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم، أو يقين يبطل التخمين» (٣). فكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة، أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة، تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي، وهو أن نعلّق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري. كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم (٤):

стр. 209

المعنى الأول: هو الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة. المعنى الثاني: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان، بناء يتفق- بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له، ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة. المعنى الثالث: هو التأويل المستمر، مع التمهل والتكلف، لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجدّ جديد. ولكن ذلك لا يعني أننا لا يمكن أن ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق علمية عن الكون والحياة والإنسان في تفسير القرآن، وقد قال الله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (٥٣) [فصلت] ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق والأنفس من آيات الله، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا، من غير أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة. وهنا ينفع المثال: يقول القرآن مثلا: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) [الفرقان]، ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون، (الأرض بهيئتها هذه، وببعد الشمس عنها هذا

стр. 210

البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه، وبميل محورها هذا، وبتكوين سطحها هذا، وبآلاف من الخصائص، هي التي تصلح للحياة وتوائمها، فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة، هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وتعميقه في تصورنا، فلا بأس من تتبع مثل هذه الملاحظات لتوسيع هذا المدلول وتعميقه، وهكذا. هذا جائز ومطلوب، ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميا نحو هذا المثال: يقول القرآن الكريم: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون]، ثم تظهر نظرية في النشوء والارتقاء لبعض العلماء تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة، وأن هذه الخلية نشأت في الماء، وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان، فنحمل نحن هذا النص القرآني ونجري وراء النظرية، لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن! هذا غير مناسب، لأن هذه النظرية ليست نهائية، فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيا، وقد ظهر فيها من النقص المبني على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة التي تحتفظ لكل نوع بخصائصه ولا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر، ما يكاد يبطلها. وهي معرضة للنقد والبطلان، بينما الحقيقة القرآنية نهائية، وليس من الضروري أن يكون هذا معناها، فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان ولا تذكر تفصيلات هذه النشأة، وهي نهائية في النقطة التي تستهدفها، وهي أصل النشأة الإنسانية. ثالثا- اتجاهات جديدة في التفسير: لا يمكن للدارس أن يضع حدا تتوقف عنده جهود العلماء في تفسير القرآن الكريم، وقد استمرت تلك الجهود في العقود الأخيرة من الحقبة التي نعيش فيها الآن، وظهرت بوادر اتجاهات جديدة في التفسير، ويمكن أن نصنف جهود العلماء في التفسير في السنين الأخيرة إلى ثلاثة أصناف.

стр. 211

أ- الاستمرار في كتابة التفاسير الكبيرة، وذلك مثل: ١ - التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. ٢ - أضواء البيان، للشيخ محمد أمين الشنقيطي. ٣ - في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب. ولكل من هذه التفاسير الثلاثة ميزاته الخاصة به، فالأول يعنى كثيرا بإبراز جمال أسلوب القرآن ووجوه بلاغته. والثاني يؤكد على صفاء العقيدة ونبذ ربقة التقليد، والثالث يسعى إلى العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم. ثم لكل واحد من هذه التفاسير ميزاته وخصائصه التي لا يتسع المقام لتفصيلها أو الوقوف عندها في هذه المحاضرات. ب- كتابة التفاسير المختصرة: ازدحمت حياة الناس في عصرنا بمشاغل كثيرة، ولم تعد مراجعة التفاسير الكبيرة ممكنة إلا لأهل الاختصاص، ومن ثم فإن المعنيين بتفسير القرآن الكريم وجدوا أن كتابة تفاسير مختصرة قد تكون مفيدة لغير المتخصصين بتفسير القرآن أو علوم الشريعة، ومن ثم ظهر نوعان من تلك التفاسير: النوع الأول: اختصار تفاسير كبيرة قديمة وذلك مثل: ١ - مختصر تفسير الطبري. ٢ - مختصر تفسير ابن كثير. ٣ - زبدة التفسير في اختصار فتح القدير للشوكاني. النوع الثاني: كتابة تفاسير مختصرة جديدة، مثل: ١ - التفسير الفريد، لمحمد فريد وجدي. ٢ - المصحف الميسر، لعبد الجليل عيسى. ٣ - صفوة البيان في تفسير القرآن، لمحمد حسنين مخلوف.

стр. 212

ج- التفسير الموضوعي: وهو ضرب من البحث الفقهي أو العلمي في قضية من القضايا التي عالجها القرآن الكريم، وهو ليس جديدا كل الجدة، لكن عددا من الباحثين المحدثين تحدثوا عنه باعتباره منهجا جديدا في التفسير، وذلك مثل: ١ - التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن. ٢ - المنافقون في القرآن الكريم. ٣ - الطب والقرآن. ويحسن بنا ونحن نتحدث عن التفسير في السنين الأخيرة أن نشير إلى تفسير متوسط في حجمه، وفي أسلوبه، جمع فيه كاتبه خلاصة ما جاء في أشهر التفاسير القديمة بأسلوب واضح ميسر، ليكون في متناول جمهور القراء من غير المتخصصين، في زماننا، وهو (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، جزاه الله تعالى خيرا. المبحث الرابع خلاصة في أصول التفسير تتبعنا في المباحث السابقة نشأة علم التفسير، وتطور التأليف فيه، ووقفنا عند المناهج التي اعتمدها المفسرون في توضيح معاني الآيات الكريمة، وهناك عدة قضايا تتعلق بتوضيح أهمية علم التفسير ومقدار الحاجة إليه، وبيان ثقافة المفسر، وما يحتاج إليه، وتحديد السبل التي يمكن أن يسلكها في عمله، وموقع الترجمة من التفسير وعلاقتها به، وسوف ندرس هذه القضايا في فقرات هذا المبحث، إن شاء الله. أولا- أهمية علم التفسير والحاجة إليه: يحتل علم التفسير الصدارة بين العلوم الإسلامية، لأن فهم معاني القرآن أمر

стр. 213

ضروري لقارئ القرآن والمتفقه في الدين، قال أبو مسلم الأصبهاني (محمد بن بحر ت ٣٧٠ هـ) في تفسيره (١): «أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة. وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. «إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث، أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى. وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى». وما ورد في القرآن من آيات يؤكد على أهمية التفكير في معاني الآيات التي يقرؤها القارئ، قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص].

стр. 214

وكان ابن عباس يقول: «الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذّ الشعر هذّا» (١)، وأخذ سعيد بن جبير عن أستاذه ابن عباس هذا المعنى فكان يقول: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي» (٢). وقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ بقراءته؟!» (٣). ومن ثمّ كانت: «حاجة الأمة ماسّة إلى فهم القرآن» (٤). والحاجة إلى تفسير القرآن كانت تزداد بتقدم الزمان والابتعاد عن عصر النبوة المبارك، قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «إن القرآن نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر: مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر ... ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير» (٥). وما قاله السيوطي، ﵀، عن حاجة أهل زمانه إلى التفسير ينطبق على أهل زماننا إن لم يكونوا أكثر منهم حاجة إليه. ثانيا- ثقافة المفسر وأدواته: إن قارئ القرآن إذا كان على قدر مناسب من المعرفة والثقافة اللغوية فإنه سوف يدرك كثيرا من معاني آيات القرآن الكريم، ولا شك في أن إدراكه ذاك سوف

стр. 215

يزداد إذا نظر في كتب التفسير المختلفة، وكلما أطال النظر في تلك الكتب وأمعن التفكير في معاني الآيات اتسعت آفاق إدراكه معاني الذكر الحكيم، لكن من أراد أن يكتب للآخرين فهمه وتفسيره للقرآن الكريم فإن ذلك يقتضي منه أن يكون على قدر كبير من العلم والفهم لعلوم كثيرة تؤهله للقيام بتلك المهمة الجليلة. وذكر علماء السلف العلوم التي يلزم المفسر الإلمام بها حتى يتمكن من تفسير القرآن، فبلغت خمسة عشر علما، لخصها السيوطي بقوله (١): يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علما: أحدها: اللغة، لأنها بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها ... الثاني: النحو، لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب ... الثالث: التصريف، لأن به تعرف الأبنية والصيغ ... الرابع: الاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ... الخامس والسادس والسابع: المعاني والبيان والبديع، لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم ... الثامن: علم القراءات، لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض. التاسع: أصول الدين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا
следующие страницы →