أ- الاستمرار في كتابة التفاسير الكبيرة، وذلك مثل:
١ - التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
٢ - أضواء البيان، للشيخ محمد أمين الشنقيطي.
٣ - في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب.
ولكل من هذه التفاسير الثلاثة ميزاته الخاصة به، فالأول يعنى كثيرا بإبراز جمال أسلوب القرآن ووجوه بلاغته. والثاني يؤكد على صفاء العقيدة ونبذ ربقة التقليد، والثالث يسعى إلى العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم. ثم لكل واحد من هذه التفاسير ميزاته وخصائصه التي لا يتسع المقام لتفصيلها أو الوقوف عندها في هذه المحاضرات.
ب- كتابة التفاسير المختصرة:
ازدحمت حياة الناس في عصرنا بمشاغل كثيرة، ولم تعد مراجعة التفاسير الكبيرة ممكنة إلا لأهل الاختصاص، ومن ثم فإن المعنيين بتفسير القرآن الكريم وجدوا أن كتابة تفاسير مختصرة قد تكون مفيدة لغير المتخصصين بتفسير القرآن أو علوم الشريعة، ومن ثم ظهر نوعان من تلك التفاسير:
النوع الأول: اختصار تفاسير كبيرة قديمة وذلك مثل:
١ - مختصر تفسير الطبري.
٢ - مختصر تفسير ابن كثير.
٣ - زبدة التفسير في اختصار فتح القدير للشوكاني.
النوع الثاني: كتابة تفاسير مختصرة جديدة، مثل:
١ - التفسير الفريد، لمحمد فريد وجدي.
٢ - المصحف الميسر، لعبد الجليل عيسى.
٣ - صفوة البيان في تفسير القرآن، لمحمد حسنين مخلوف.
стр. 212
ج- التفسير الموضوعي:
وهو ضرب من البحث الفقهي أو العلمي في قضية من القضايا التي عالجها القرآن الكريم، وهو ليس جديدا كل الجدة، لكن عددا من الباحثين المحدثين تحدثوا عنه باعتباره منهجا جديدا في التفسير، وذلك مثل:
١ - التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن.
٢ - المنافقون في القرآن الكريم.
٣ - الطب والقرآن.
ويحسن بنا ونحن نتحدث عن التفسير في السنين الأخيرة أن نشير إلى تفسير متوسط في حجمه، وفي أسلوبه، جمع فيه كاتبه خلاصة ما جاء في أشهر التفاسير القديمة بأسلوب واضح ميسر، ليكون في متناول جمهور القراء من غير المتخصصين، في زماننا، وهو (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، جزاه الله تعالى خيرا.
المبحث الرابع خلاصة في أصول التفسير
تتبعنا في المباحث السابقة نشأة علم التفسير، وتطور التأليف فيه، ووقفنا عند المناهج التي اعتمدها المفسرون في توضيح معاني الآيات الكريمة، وهناك عدة قضايا تتعلق بتوضيح أهمية علم التفسير ومقدار الحاجة إليه، وبيان ثقافة المفسر، وما يحتاج إليه، وتحديد السبل التي يمكن أن يسلكها في عمله، وموقع الترجمة من التفسير وعلاقتها به، وسوف ندرس هذه القضايا في فقرات هذا المبحث، إن شاء الله.
أولا- أهمية علم التفسير والحاجة إليه:
يحتل علم التفسير الصدارة بين العلوم الإسلامية، لأن فهم معاني القرآن أمر
стр. 213
ضروري لقارئ القرآن والمتفقه في الدين، قال أبو مسلم الأصبهاني (محمد بن بحر ت ٣٧٠ هـ) في تفسيره (١): «أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة. وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.
«إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث، أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.
وأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى. وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى».
وما ورد في القرآن من آيات يؤكد على أهمية التفكير في معاني الآيات التي يقرؤها القارئ، قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص].
стр. 214
وكان ابن عباس يقول: «الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذّ الشعر هذّا» (١)، وأخذ سعيد بن جبير عن أستاذه ابن عباس هذا المعنى فكان يقول: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي» (٢).
وقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ بقراءته؟!» (٣). ومن ثمّ كانت: «حاجة الأمة ماسّة إلى فهم القرآن» (٤).
والحاجة إلى تفسير القرآن كانت تزداد بتقدم الزمان والابتعاد عن عصر النبوة المبارك، قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «إن القرآن نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر: مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر ... ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير» (٥). وما قاله السيوطي، ﵀، عن حاجة أهل زمانه إلى التفسير ينطبق على أهل زماننا إن لم يكونوا أكثر منهم حاجة إليه.
ثانيا- ثقافة المفسر وأدواته:
إن قارئ القرآن إذا كان على قدر مناسب من المعرفة والثقافة اللغوية فإنه سوف يدرك كثيرا من معاني آيات القرآن الكريم، ولا شك في أن إدراكه ذاك سوف
стр. 215
يزداد إذا نظر في كتب التفسير المختلفة، وكلما أطال النظر في تلك الكتب وأمعن التفكير في معاني الآيات اتسعت آفاق إدراكه معاني الذكر الحكيم، لكن من أراد أن يكتب للآخرين فهمه وتفسيره للقرآن الكريم فإن ذلك يقتضي منه أن يكون على قدر كبير من العلم والفهم لعلوم كثيرة تؤهله للقيام بتلك المهمة الجليلة.
وذكر علماء السلف العلوم التي يلزم المفسر الإلمام بها حتى يتمكن من تفسير القرآن، فبلغت خمسة عشر علما، لخصها السيوطي بقوله (١): يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علما:
أحدها: اللغة، لأنها بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها ...
الثاني: النحو، لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب ...
الثالث: التصريف، لأن به تعرف الأبنية والصيغ ...
الرابع: الاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ...
الخامس والسادس والسابع: المعاني والبيان والبديع، لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم ...
الثامن: علم القراءات، لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
التاسع: أصول الدين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا
стр. 216
يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤوّل ذلك (١)، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب، وما يجوز.
العاشر: أصول الفقه، إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.
الحادي عشر: أسباب النزول والقصص، إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه.
الثاني عشر: الناسخ والمنسوخ (٢)، ليعلم المحكم من غيره.
стр. 217
الثالث عشر: الفقه.
الرابع عشر: الأحاديث المبيّنة لتفسير المجمل والمبهم.
الخامس عشر: علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث (من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم) ... » (١).
ولاحظ علماء السلف أمورا أخرى رأوها ضرورية لمن يقدم على تفسير القرآن، حتى يكون تفسيره مقبولا، فنقل الإمام السيوطي عن أبي طالب الطبري، وهو يتحدث عن أدوات المفسر قوله: «اعلم أن من شرطه:
١ - صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن من الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة، ويغوي الناس بليّه وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة، وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية، فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الإيضاح بين المسلمين (٢) ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.
٢ - ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي ﷺ وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويجتنب المحدثات.
٣ - ومن شرطه صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (٦٩) [العنكبوت] وإنما يخلص له القصد إذا
стр. 218
زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى عرض يصدّه عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله» (١).
والمفسر في زماننا محتاج إلى العلوم الخمسة عشر التي ذكرناها، كما أنه لا بد له من القاعدة الفكرية السلمية التي يستند إليها من صحة الاعتقاد واجتناب المحدثات، وسلامة المقصد، وهو محتاج إلى جانب ذلك كله الاطلاع على منجزات العلوم الحديثة التي لها تعلّق بالموضوعات التي أشار إليها القرآن الكريم، حتى يتمكن من توضيح ما تضمنه القرآن من أسرار الكون وعجائبه التي نبّأ عنها القرآن بقوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (٥٣) [فصلت].
وقد يكون مفيدا لمفسر القرآن في عصرنا أن يكون على اطلاع على ما تأكد من تاريخ الأمم القديمة التي أسهم علم الآثار في الكشف عن بعض أخبارها، كما أن معرفته بالمواقع الجغرافية التي ذكرت في القرآن يمكن أن يكون مفيدا في الكشف عن معنى كثير من الآيات الكريمة.
وبذلك يتضح أن تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ثقافة موسوعية، وقاعدة علمية متعددة الجوانب، ولا يستغني مفسر القرآن في عصرنا عن الاطلاع على الثروة التفسيرية الكبيرة التي كتبها علماء الأمة الإسلامية في العصور السابقة، على نحو ما سنشير إلى ذلك في فقرة لاحقة إن شاء الله تعالى.
ثالثا- تفسير الآيات المحكمات والآيات المتشابهات:
إذا أحاط المفسر بالعلوم الخمسة عشر التي يحتاج إليها من يتصدى لتفسير القرآن الكريم، وإذا تحققت له صحة الاعتقاد وصحة المقصد التي اشترطها العلماء لصحة التفسير فإن ذلك لا يعني أن المفسر سوف يتمكن من تفسير كل
стр. 219
آيات القرآن الكريم بدرجة واحدة من التفصيل والبيان، فقد لاحظ العلماء أن من آيات القرآن ما يتحدث عن أمور هي أوسع من مدركات العقل البشري، فيعجز العقل البشري عن توضيحها بأكثر مما يؤخذ من دلالة الألفاظ المعبرة عنها.
وبناء على تلك الحقيقة قسّم العلماء القرآن على ثلاثة أوجه (١):
أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خصّ الله بعلم تأويله نبيّه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله.
والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك تأويل عربيته، وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلى من قبلهم.
ويستند هذا التقسيم إلى الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس التي ذكرناها عند الحديث عن جهوده في التفسير، كما أن جمهور العلماء والمفسرين يفسرون الآية السابعة في سورة آل عمران في ضوء ذلك، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) [آل
عمران].
قال الطبري: المحكم من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه
стр. 220
وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، والراسخون في العلم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (٧) لا يعلمون ذلك، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم: العلم بأن الله هو العالم بذلك دون سواه من خلقه (١).
وعلى هذا النحو فهم علماء السلف الآية الكريمة السابقة، فقال عبيدة بن عمرو السلماني (ت ٧٢ هـ) وهو من تابعي أهل الكوفة، وأحد تلامذة عبد الله بن مسعود: من أين يعلمون تأويله؟ وإنما انتهى علم الراسخين إلى أن قالوا:
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (٢). وسئل الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) عن قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أيعلم تأويله الراسخون في العلم؟ قال: لا، وإنما معنى ذلك أن قال: وما يعلم تأويله إلا الله، ثم أخبر فقال: والراسخون في العلم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وليس يعلمون تأويله (٣).
وقد ذهب الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم وجمهور العلماء من بعدهم إلى أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه (٤)، ويدل على ذلك أمور منها (٥):
١ - ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة، ﵂، قال: تلا
стр. 221
رسول الله، ﷺ ، هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ... وقال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم».
٢ - ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والحاكم في مستدركه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم آمنا به»، وهذه القراءة، وإن كانت شاذة لعدم تواترها، ومخالفتها خط المصحف، أقل درجاتها أنها تفسير صحيح عن ابن عباس تدل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله.
٣ - ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متّبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله، وآمنوا بما أنزل الله: محكمه ومتشابهه، قائلين: كلّ من عند الله.
وبناء على رأي الجمهور في تفسير الآية تكون الواو في تفسير قوله:
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ للاستئناف، ويكون ما بعدها جملة مستأنفة مكونة من مبتدأ وخبر، وتكون الواو على رأي غيرهم للعطف، وهو خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم (١). وينص علماء الوقف والابتداء على أن الوقف التام في الآية يكون عند لفظ (الله) المعظم من قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم يستأنف القارئ بعد ذلك قراءته بقوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ... (٢).
إن القرآن الكريم قد كشف الستر عن حجب الغيب فأطلع البشرية على أخبار اليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار، وكشف عن بعض أسرار الكون وحقائقه بما يتناسب وقابلية البشر وإدراكهم، ورمز إلى أمور أخرى ليست من مدركات العقل البشري استأثر الله بعلمها وحجبها عنا في الحياة الدنيا، فالذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة يتركون الأصول
стр. 222
الواضحة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهج العلمي للحياة الإسلامية، ويجرون وراء المتشابه الذي يعوّل فيه على الإيمان بصدق مصدره، والتسليم بأنه هو الذي يعلم الحق كله، بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال. وأما الراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة لهم، فإنهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (١).
ولا يعني قول العلماء إن من القرآن ما استأثر الله بعلمه أنه ليس له معنى أو حقيقة يدل عليها، وإنما يعني أن الوقوف على حقيقة معناه ليس في طوق البشر «لعدم نظيره عندنا» (٢)، ومن ثم كان السلف يقولون في مثل هذه الآيات: «قراءة الآية تفسيرها» (٣) أي أن القارئ يقف عند الدلالة الظاهرة لألفاظها، من غير تعمق في البحث عن تفصيلات ذلك المعنى.
وهاهنا ثمة ملاحظتان:
الأولى: ذهب بعض العلماء أن التشابه أمر نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن هناك آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد، وهناك آيات متشابهات لا سبيل لأحد للقول في تفسيرها (٤).
الثانية: أن الله تعالى وصف القرآن بالإحكام في قوله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود]، وإحكامه هنا يعني إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، كما أن الله تعالى وصفه بأنه متشابه في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ (٢٣) [الزمر]، والمراد بتشابهه هنا كونه يشبه
стр. 223
بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز، والقرآن من هذه الناحية محكم متشابه جميعه (١). وهذا غير المعنى الذي تحدثنا عنه في هذه الفقرة.
رابعا- التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي:
يتردد في كتب علوم القرآن وفي المباحث المتعلقة بالتفسير مصطلح التفسير بالمأثور، ومصطلح التفسير بالرأي، وهما مصطلحان لهما أصل في كلام علماء السلف، فابن تيمية، ﵀، يقول وهو يتحدث عن التفسير: «العلم إما نقل مصدّق، وإما استدلال محقق» (٢)، وذكر الزركشي، ﵀، التفسير بالرواية، والتأويل بالدراية (٣)، وهما قريبان مما يراد من قولهم التفسير المأثور الذي صار يطلق على ما نقل عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين من تفسير للقرآن الكريم، وقولهم التفسير بالرأي الذي يراد منه تفسير القرآن بالاجتهاد وفق ضوابط معينة (٤).
وتحدث ابن خلدون عن نشأة هذين الاتجاهين في التفسير، فقال: «وأما التفسير فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا، وايات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية، بحسب الوقائع، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له، وكان النبي ﷺ يبيّن المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرّفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها ...
«ونقل ذلك عن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتداول ذلك
стр. 224
التابعون من بعدهم، ونقل ذلك عنهم، ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودوّنت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي، وأمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار.
«ثم صارت علوم اللسان صناعية، من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب، فوضعت الدواوين في ذلك، بعد أن كانت ملكات للعرب، لا يرجع إلى نقل ولا كتاب، فتنوسي ذلك وصارت تتلقّى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم، وصار التفسير على صنفين:
تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآي، وكان ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين، وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا ...
والصنف الآخر من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان، من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب، وهذا الصنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأول، إذ الأول هو المقصود بالذات ... » (١).
وقد روى عبد الله بن عباس حديثين عن رسول الله ﷺ في النهي عن تفسير القرآن بالرأي هما:
الأول: قوله: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (٢).
والثاني: قوله: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (٣).
стр. 225
وحمل العلماء الحديث الأول على من يتصدى لتفسير القرآن من غير علم ولا دليل، لا سيما أنه قد جاء في بعض روايات الحديث: (من قال في القرآن بغير علم)، قال ابن عطية: «وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن هذا القائل ليس قائلا بمجرد رأيه» (١).
وقال القرطبي: «وإنما النهي يحمل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل ... والنقل والسماع لا بد له منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط» (٢).
وحمل العلماء الحديث الثاني على أن «القائل في ذلك برأيه، وإن أصاب الحق فيه، فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما إصابة خارص وظانّ، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم».
خامسا- أحسن طرق التفسير:
بعد أن يحقق من يريد أن يفسر القرآن ما يتطلبه الإقدام على هذا العمل من مؤهلات علمية وفكرية، عليه أن يحدد المنهج الذي يحقق له هدفه من غير أن يؤدي به ذلك إلى تفريط أو شطط، وكان عدد من علماء السلف، ﵏
стр. 226
تعالى، قد تحدثوا عن أحسن طرق التفسير، وبينوا الخطوات التي يجب على المفسر أن يخطوها، والموقف الذي عليه أن يقفه من التراث التفسيري الذي أنتجته أجيال علماء الأمة السابقين. فقالوا (١):
فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب:
١ - إن أصح الطرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر.
٢ - فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، قال الطبري:
«فرسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله، الذي يصح عنه، قول» (٢). وقال ابن تيمية: «إن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة ... ولا غيرهم» (٣).
٣ - فإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصّوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماءهم وكبراءهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، ﵃، وغيرهم.
٤ - وإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنّة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر المكي، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء، والحسن البصري، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك، وغيرهم من التابعين وتابعيهم،
стр. 227
فإذا أجمعوا على الشيء، فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك (١).
٥ - فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، وأما من تكلم في القرآن بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، كما أشرنا في الفقرة السابقة، وثمة ملاحظتان تتعلقان بهذا الموضوع هما:
الملاحظة الأولى: على المفسر المعاصر الذي يتحرى الدقة في تفسيره أن يطيل النظر في تفاسير الأجيال الأولى من علماء الأمة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأن يتخذ من فهمهم للقرآن منطلقا لتوضيح معاني الآيات الكريمة التي يفسرها، ولا يعني هذا أن عليه أن يأخذ بكل ما روي في التفسير المأثور، فقد سبق أن أشرنا إلى ما في بعض المرويات من ضعف، وما شاب بعضها الآخر من الروايات الإسرائيلية، ولكن وراء ذلك علم بالقرآن دقيق، وفهم لآياته أصيل لا يستغني عنه المفسر.
والملاحظة الثانية: على المفسر المعاصر ألّا يعرض أيضا عن التفاسير التي كتبها علماء الأمة بعد عصر تابعي التابعين إلى وقتنا الحاضر، ففيها ثروة تفسيرية
стр. 228
قيمة لا يستغني عنها المفسر اليوم، مع التنبيه إلى ما قد يكون فيها من أمور لم تعد تتوافق مع ما ثبت من حقائق العلم، ومن أمور تعبر عن أفكار وقضايا كانت تشغل عقول الناس في العصور السابقة، ولم تعد تحظى باهتمام المسلمين اليوم، وليس بهم حاجة إليها، ومن الخير عدم إثارتها من جديد.
سادسا- ترجمة القرآن:
الترجمة نقل الكلام من لغة إلى أخرى، ويقال: ترجم كلامه إذا فسّره بلسان آخر، ومنه الترجمان- بفتح التاء وضمها- وهو الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى (١).
والترجمة الفنية لكي تكون عملا ناجحا مثمرا، ونشاطا ثقافيا نافعا، لا بد لها من مترجم له الصلاحية التامة من الناحية اللغوية والفنية، والتكوين اللغوي يتنوع بتنوع اللغات، والتكوين الفني يتنوع بتنوع المادة العلمية أو الأدبية التي تتناولها الكتب أو تعالجها المقالات والبحوث التي تراد ترجمتها (٢).
والترجمة في الأعمال الثقافية العادية عمل لا يخلو من المشكلات، وفي الحديث عن مشكلات الترجمة لا يصح أن نقحم ضعف المترجم في اللغة التي يترجم منها والتي يترجم إليها، إذ لا يسمى المترجم مترجما حقا إلا حين يتمكن من اللغتين كتابة وقراءة. وكذلك يجدر بنا أن نفترض إخلاص المترجم في عمله، وحسن نيته، وأنه حين أخرج النص المترجم قد بذل الجهد وتحرى الصواب، ولم يكن متأثرا بمذهب خاص يصبغ ترجمته بصبغة خاصة. أي أن للترجمة مشكلات وصعوبات حتى مع إتقان المترجم للغتين، وأمانته وإخلاصه في عمله (٣).
стр. 229
وتتلخص تلك المشكلات في الأمور الآتية (١):
١ - نظام الجملة، فاللغات تختلف في النظام الذي تخضع له الجمل في ترتيب كلماتها، وعلاقة كل كلمة بالأخرى.
٢ - ومن صعوبات الترجمة ما يتعلق بجمال الألفاظ وجرسها.
٣ - والمشكلة الكبرى في الترجمة هي التي تتصل بدلالة الكلمات وحدود معانيها. ودلالة الكلمات في مجال الأفكار وفي النشاط العلمي تلتزم عادة حدودا لا تكاد تتعداها، أما في ترجمة النصوص الأدبية فالمشكلة أشد عسرا، وأصعب منالا، لأن الآداب تعتمد على التصوير والعاطفة والتأثير والانفعال، إلى جانب ما تعبر عنه من أفكار.
وتبلغ صعوبة الترجمة غايتها في ترجمة القرآن الكريم، فمن المستحيل أن يقدر بشر مهما أوتي من العلم وتمكن من اللغة أن يعيد صياغة آيات القرآن بلغة أخرى غير العربية، ويحافظ في الوقت ذاته على معانيه من جانب وأسلوبه المعجز من جانب آخر.
ومع صعوبة الترجمة، إن لم نقل استحالتها، فإن علماء المسلمين يقررون ضرورة تبليغ القرآن ورسالته إلى أمم الأرض مهما كانت لغاتهم، وتحقيق ذلك قد لا يتم إلا
بضرب من الترجمة، قال ابن تيمية، ﵀: «ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، كما أمر بذلك الرسول ﷺ ، ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك، وإن تبليغه إلى العجم قد يحتاج إلى ترجمته لهم، فيترجم لهم بحسب الإمكان، والترجمة قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني فيكون ذلك من تمام الترجمة» (٢).
стр. 230
وتقسّم الترجمة إلى ترجمة حرفية، أي نقل اللفظ بلفظ مرادف، وترجمة تفسيرية وهي ترجمة المعنى وبيانه (١)، وسواء ترجم القرآن ترجمة حرفية أم تفسيرية، ومهما توافر لتلك الترجمة من الدقة والإخلاص فإنها لا تسمى قرآنا، لأن القرآن موحى بلفظه ومعناه، والترجمة تفوّت الألفاظ ونظمها، إذا أمكن أن تحافظ على المعنى كاملا، وهو غير متيسر في الواقع (٢).
ونقل النووي عن إمام الحرمين قوله: «ترجمة القرآن ليست قرآنا بإجماع المسلمين، ومحاولة الدليل لهذا تكلف، فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآنا، وليس ما لفظ به قرآنا، ومن خالف في هذا كان مراغما جاحدا، وتفسير شعر امرئ القيس ليس شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآنا؟» (٣).
وخلاصة الموضوع أنه يمكن القول: إن ترجمة القرآن مهما كانت لا تسمى قرآنا، وإنما هي نوع من التفسير بلغة أخرى غير العربية، ومن ثم أجمع العلماء على عدم جواز قراءة القرآن بغير اللغة العربية في الصلاة أو في غيرها (٤).
المبحث الخامس إعجاز القرآن الكريم
الإعجاز مصدر الفعل أعجز، مثل الإحسان من أحسن، والإكرام من أكرم، والفعل الثلاثي عجز وعجز، ومضارعه يعجز، ويقال عجز عن الامر إذا قصّر عنه، وأعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه، والعجز الضعف (٥).
стр. 231
والإعجاز في الاصطلاح زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير (١)، والمعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة (٢)، وسمّيت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها (٣).
واشتهر في مجال الدراسات القرآنية مصطلح (إعجاز القرآن) للدلالة على عجز الناس عن معارضة القرآن أو الإتيان بمثله، وهذه القضية قديمة ترجع إلى عصر النبوة، حين وقف المشركون يكذّبون بالدعوة الجديدة، ويصدون الناس عنها، ويزعمون أن القرآن مفترى من دون الله، فتحداهم القرآن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور أو بسورة واحدة، فعجزوا عن ذلك، ومكّن الله تعالى لدينه.
وبحث العلماء موضوع إعجاز القرآن، حين صارت المعارف علوما، وظهر التأليف في أنواع العلوم التي حدثت في الأمة، ووقفوا عند وجوه الإعجاز في القرآن، وتعددت آراؤهم، وتنوعت مواقفهم، وظهرت الرسائل المؤلفة في هذا الموضوع، وكثرت المؤلفات فيه، في العصور القديمة والعصر الحديث.
ولا يتسع المقام لتتبع كل ما كتب في موضوع إعجاز القرآن، ولكن يلزم دارس علوم القرآن أن يعرف خلاصة ما قيل في هذا الموضوع، وسوف نتناول في هذا المبحث الإعجاز في عصر النبوة، ونتتبع تطور التأليف فيه عند المتقدمين، ونقف عند أبرز اتجاهات دراسة الإعجاز في العصر الحديث.
أولا- إعجاز القرآن في عصر النبوة:
لم يكن مصطلح (الإعجاز) قد تميز في عصر النبوة، وإن كان معناه قائما معروفا، وكانت كلمة (آية) وجمعها (آيات) تعبر عن معنى كلمة (معجزة) وجمعها
стр. 232
(معجزات)، فقد روى البخاري، ﵀، أن النبي ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا
أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١).
قال ابن حجر: «أي أن معجزتي التي تحدّيت بها [هي] الوحي الذي أنزل عليّ، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح» (٢).
وجاء في القرآن ما يؤكد أن أكبر معجزاته ﷺ هو القرآن، قال الله تعالى:
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ (٥١) [العنكبوت]. فالقرآن الكريم أفضل معجزات النبي ﷺ وأكملها وأجلها وأعظمها (٣).
وشهد عصر النبوة صراعا شديدا بين الدين الجديد وأتباعه، وبين المشركين الذين أعلنوا عداءهم وحربهم على رسول الله ﷺ وأصحابه، وشنوا حملة من الطعن والتشكيك في القرآن الكريم، ولم يملكوا وهم يحسون بقوة تأثيره في النفوس إلا أن يلفقوا الأقاويل والأباطيل بحق القرآن، ولكن ذلك لم يحل بين القرآن والتأثير في النفوس وجذب المؤمنين إلى الدين الجديد، فتصايحوا حينئذ لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت].
كان مشركو مكة متحيرين في أمر القرآن وقوة تأثيره في النفوس، ولم يتفقوا على كلمة يقولونها بحق القرآن ونبي الإسلام ﷺ فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة أحد كبرائهم ليتداولوا في هذا الأمر، فقال لهم الوليد: أجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت
стр. 233
فقل، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول:
مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخنقه ولا تخالجه، ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر: قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا:
فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا:
ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك (١).
وقد حكى القرآن تخرصات المشركين تلك وأقاويلهم، فقد قال الله تعالى:
١ - بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ (٥) [الأنبياء].
٢ - وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) [الصافات].
٣ - وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان].
٤ - وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) [الأنفال].
٥ - وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) [سبأ].
ولم تكن أقوال المشركين الباطلة في القرآن الكريم لتوقف سير الدعوة وانتشارها، ولم تكن تلك الأقوال لتقنع المشركين أنفسهم بصدق دعواهم، فقد
стр. 234
كانوا متحيرين في أمرهم، لا تكاد نفوسهم تستقر على شيء حتى تتحول عنه، لكن الله تعالى لم يدع تلك الأقاويل الباطلة لتؤثر في النفوس، فردها عليهم من أقرب طريق، حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور منه، أو بسورة واحدة، فقال الله تعالى:
١ - وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ (٢٤) [البقرة].
٢ - أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) [يونس].
٣ - أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) [هود].
٤ - أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) [الطور].
ويستخلص من هذه الآيات الكريمة أمران:
الأول: أن القرآن تحدّى المشركين أن يأتوا بمثل القرآن، أو عشر سور، او سورة واحدة، وهو تحدّ قائم طوال حياة رسول الله ﷺ .
والثاني: إن المشركين عجزوا عن الإتيان بمثله أو مثل شيء منه، وهو عجز يدل عليه النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين (١).
والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ﷺ ونبوته، وضمّن أحكامه استباحة
стр. 235
دماءهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم من حكمه بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الاهل والذرية للسبي، فلما لم تحصل منهم معارضة علم أنهم عاجزون عنها (١).
عجز العرب في عصر النبوة عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي وشدة الحاجة (٢)، وصدق الله العظيم إذ قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء].
ثانيا- إعجاز القرآن في المؤلفات القديمة:
كان المشركون قد أدركوا بالفطرة وبما كانوا عليه من فصاحة وبيان ما في القرآن الكريم من تميز وسمو، فقاسوه على أرقى فنون القول لديهم من سجع الكهان وقصيد الشعراء ورجزهم، وأدركوا أنه فوق ذلك فلم يجدوا شيئا يصفون به القرآن يخلصهم من دهشتهم وحيرتهم غير أن يصفوه بأنه سحر.
وتلقى الصحابة، ﵃، القرآن الكريم فملأ قلوبهم إيمانا وحكمة وهدى وتقوى، وهم يتلونه ليل نهار، مؤمنين أنه مأدبة الله، لا يعوجّ فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد (٣)، وتلقاه التابعون وتابعوهم على نحو من ذلك، ولم ينقل عنهم أنهم تعرضوا لمناقشة إعجاز القرآن، لأنهم أدركوه بفطرتهم، فلم يحتاجوا إلى أن يعملوا فيه فكرتهم.
стр. 236
ويبدو أن اتساع المعارف وتنوع الثقافات الذي حدث في صدر الدولة العباسية قد أثار جدلا حول عدد من أمور العقيدة، ونشأ جيل من الناس قصرت بهم معارفهم عن فهم الإعجاز أو إدراك حقيقته، فتصدى علماء الأمة لدراسة هذا الموضوع وكتبوا فيه عددا من الرسائل والكتب، تبحث في سر الإعجاز وتسعى إلى بيان وجوهه وتوضيحها، ولا يتسع المقام لتتبع كل تلك الجهود، وإنما سوف أقتصر على عرض المعالم البارزة فيها.
١ - تكاد كلمة الباحثين تتفق على أن الجاحظ (أبا عثمان عمر بن بحر ت ٢٥٥ هـ) هو أول من درس موضوع الإعجاز في كتاب مستقل، فقد ألف كتاب (نظم القرآن) (١)، ويبدو أن الجاحظ يذهب إلى أن إعجاز القرآن كائن في نظمه وتأليفه، وهو يرد في ذلك على شيخه إبراهيم بن سيّار النظّام (ت ٢٢٤ هـ)، الذي زعم أن إعجاز القرآن كائن في أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته، ولولا ذلك لكان في مقدورهم الإتيان بمثله، وسمّي هذا المذهب بالصّرفة، وهو قول أنكره جمهور علماء الأمة وردوه (٢).
٢ - ومن أقدم الكتب التي عالجت الموضوع كتاب (بيان إعجاز القرآن) لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) الذي استهله بقوله: «قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول» (٣).
ثم عرض الخطابي ثلاثة من تلك المذاهب، ولم يوافق القائلين بها، وهي (٤):
стр. 237
أ- ذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصرفة.
ب- وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، وهو يقول: ولا يشكّ في أن هذا وما أشبهه من أخباره نوع من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها.
ج- وزعم آخرون أن إعجازه من جهة بلاغته، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، لكنه يأخذ عليهم أنهم إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة لم يتمكنوا وقالوا: إن ذلك شيء لا يمكن تصويره وأنه يظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به.
ويلخص الخطابي بعد ذلك رأيه في إعجاز القرآن بقوله: «واعلم أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصح المعاني» (١).
والتفت الخطابي إلى الأثر الذي يتركه سماع القرآن الكريم في النفس، وجعله أحد وجوه الإعجاز، فقال: «في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في الحال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشّاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون
стр. 238
اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانا ... » (١).
٣ - وألّف أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (ت ٣٨٦ هـ) كتابه (النكت في إعجاز القرآن)، وقال في أوله: «وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات:
ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصّرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة» (٢). ثم بيّن تلك الوجوه، وفصّل القول في البلاغة وأقسامها، حتى أخذ ذلك معظم الكتاب. (٣).
٤ - وتحدّث أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) عن وجوه الإعجاز في كتابه (إعجاز القرآن)، وذكرها ملخصة في كتابه (الانتصار لنقل القرآن)، وهي عنده ثلاثة.
أحدها: ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب، وما يحدث وما يكون، وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه.
والوجه الثاني: ما تضمنه من قصص الأولين وأخبار الماضين التي لا يعرفها إلا من أكثر ملاقاة الأمم، ودراسة الكتب، مع العلم أن النبي ﷺ كان أميّا، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.
والوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه (٤).
стр. 239
٥ - وممن اعتنى بإعجاز القرآن أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (ت ٤٧١ هـ)، وكتب في ذلك الرسالة الشافية التي ضمنها جملا من «القول في بيان عجز العرب حين تحدّوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، ومتجاوز للذي يتسع له ذرع المخلوقين ... » (١).
وهذه الرسالة كتبها عبد القاهر ليثبت حقيقة الإعجاز لا ليبين أسراره، أما تفصيل القول في أسرار الإعجاز فقد جاء كثير من ذلك في كتابه (دلائل الإعجاز).
وتتلخص فكرته في قوله: «فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء مما عدّدناه، لم يبق إلا أن يكون في النظم، لأنه ليس من بعد ما أبطلناه أن يكون فيه إلا النظم والاستعارة، ولا يمكن أن تجعل الاستعارة الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها ثبت أن النظم مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه ... وكنا قد قلنا أن ليس النظم شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم» (٢).
٦ - وبحث القاضي عياض بن موسى (ت ٥٤٤ هـ) الإعجاز في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) وحدّد وجوه الإعجاز الرئيسية في أربعة هي:
أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته، وبلاغته الخارقة عادة العرب.
والثاني: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب. وكلا هذين الوجهين يرجع إلى الناحية البيانية في القرآن (٣).
والثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع، فوجد كما ورد، على الوجه الذي أخبر.
стр. 240
والرابع: ما أنبأ من أخبار القرون السالفة والامم البائدة (١).
وأضاف إليها القاضي عياض وجوها أخرى، أهمها (٢):
أ- ما ورد من تعجيز قوم في قضايا، فما فعلوا.
ب- الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته.
ج- كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، مع تكفل الله تعالى بحفظه.
د- أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه.
هـ- جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد ﷺ قبل نبوته خاصة معرفتها ولا القيام بها.
٧ - وذهب علم الدين علي بن محمد السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) إلى أن إعجاز القرآن في أنه خارج في بديع نظمه وغرابة أساليبه عن معهود كلام البشر، مختص بنمط غريب لا يشبه شيئا من القول في الرصف والترتيب، لا هو من قبيل الشعر، ولا من ضروب الخطب والسجع، يعلم من تأمله أنه خارج عن المألوف، مباين للمعروف، متناسب في البلاغة، متشابه في البراعة، بريء من التكلف، منزّه عن التصنع والتعسف.
أما ما تضمنه القرآن العزيز من الإخبار عن المغيّب، وما أتى به من أخبار القرون الماضية والأمم الخالية، وبما كان من أول خلق الأرض والسماء إلى انقضاء الدنيا، فذلك- في رأي علم الدين السخاوي- ليس مما تحداهم به، ولكنه دليل على صدق الرسول ﷺ (٣).
٨ - وجعل أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٨٤ هـ) وجوه إعجاز القرآن
стр. 241
عشرة، منها ما يتعلق بنظمه وتأليفه، ومنها ما يتعلق بمعانيه وأحكامه، مما لا يخرج أكثره عن الوجوه التي ذكرها العلماء قبله (١).
٩ - وذكر بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) اثني عشر وجها من وجوه الإعجاز، هي تلخيص لجهود سابقيه (٢).
١٠ - وجمع جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) جهود السابقين له في موضوع الإعجاز في باب من أبواب كتابه الكبير (الإتقان في علوم القرآن) (٣). كما أنه ألّف كتابا في الموضوع سماه (معترك الإقران في إعجاز القرآن) في ثلاثة أجزاء كبيرة، وذكر فيه أن بعض العلماء أنهى وجوه إعجازه إلى ثمانين وجها (٤). وبلغ ما ذكره هو خمسة وثلاثين وجها، استغرق الوجه الأخير أكثر من ثلثي الكتاب، وهو في (ألفاظ القرآن المشتركة)، وقال في أول كلامه فيه: «وهذا الوجه من أعظم وجوه إعجازه، حيث كانت الكلمة الواحدة تتصرف إلى عشرين وجها، وأكثر وأقل، ولا يوجد ذلك في كلام البشر» (٥).
وكثير مما ذكره السيوطي لا يدخل في موضوع الإعجاز، وأشار هو نفسه إلى ذلك بقوله: «وإن كانت بعض الأوجه لا تعدّ من إعجازه، فإنما ذكرتها للاطلاع على بعض معانيه، فيثلج له صدرك، وتبتهج نفسك» (٦).
стр. 242
ثالثا- إعجاز القرآن في العصر الحديث:
لم يكن الدارسون المحدثون أقلّ عناية ببحث وجوه إعجاز القرآن الكريم من السابقين، بل إن العصر الحديث أظهر معطيات جديدة للإعجاز، وأثار نقاشات وسّعت
مفهوم الإعجاز وعمقت من دلالاته، وتنوعت مناهج المحدثين في تناول الموضوع، وتباينت مواقفهم منه، وكثرت البحوث والمؤلفات فيه، ويمكن أن نشير إلى الاتجاهات البارزة لديهم في معالجة الموضوع، دون الخوض في تفصيلاته، وهي:
الاتجاه الأول: يقدّم عددا من وجوه الإعجاز، كثير منها ذكره السابقون، وقد أوصلها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني إلى أربعة عشر وجها، فصّل القول فيها، وأكتفي هنا بإيراد عناوينها (١):
الوجه الأول: لغته وأسلوبه.
الوجه الثاني: طريقة تأليفه.
الوجه الثالث: علومه ومعارفه.
الوجه الرابع: وفاؤه بحاجات البشر.
الوجه الخامس: موقف القرآن الكريم من العلوم الكونية.
الوجه السادس: سياسته في الإصلاح.
الوجه السابع: أنباء الغيب فيه.
الوجه الثامن: آيات العتاب.
الوجه التاسع: ما نزل بعد طول انتظار.
الوجه العاشر: مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه.
стр. 243
الوجه الحادي عشر: آية المباهلة.
الوجه الثاني عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له.
الوجه الثالث عشر: الآيات التي تجرد الرسول من نسبته إليه.
الوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه.
الاتجاه الثاني: حاول عدد من الدارسين المحدثين حصر وجوه الإعجاز في عناوين رئيسية تنضوي تحتها معظم تلك الوجوه، فجعلوا الإعجاز منقسما على ثلاث نواح، هي (١):
١ - الإعجاز اللغوي (أو البياني): وهو يشمل كل ما يتعلق بالتعبير القرآني من الكلمة، والجملة، والأسلوب. والتعبير القرآني تعبير فنيّ مقصود في جوانبه الثلاثة، بالغ الغاية القصوى فيها.
٢ - الإعجاز العلمي: وهو يتناول دراسة الآيات التي وردت فيها إشارة إلى قضايا علمية تتعلق بالفلك أو الطب أو علمي النبات والحيوان، ونحوها، وهذا الجانب من أكثر جوانب الإعجاز بحثا وتأليفا في الوقت الحاضر.
٣ - الإعجاز التشريعي: ويستند هذا النوع من البحث في إعجاز القرآن على أساس أنه معجزة تشريعية، من حيث الشمول، والمرونة، وتحقيق العدالة، وذلك بالاستناد إلى مصدره الإلهي الذي صانه من قصور الفكر البشري عن الإحاطة بواقع الحال، وإدراك متغيرات المستقبل.
الاتجاه الثالث: يقصر الإعجاز على الجانب البياني من القرآن، فهو «كائن في رصف القرآن وبيان نظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم
стр. 244
وبيان في لغة العرب» ثم «إن ما في القرآن من مكنون الغيب ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعد دليلا على أنه من عند الله تعالى ... » (١).
الاتجاه الرابع: يقصر الإعجاز على ما في القرآن من معان سامية وتشريع حكيم، فإعجازه «في رسالته العليا النافعة للناس كافة ... هذه الرسالة لو نقلت بأمانة إلى أي لغة من لغات العالم لكان لها في ناطقيها وقع مثل وقعها في العربية ... ولو كان إعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته في العربية فحسب كيف آمن غير العرب به؟ فالقرآن معجزة لما في رسالته من تعليمات عليا، وإرشادات سامية، وغايات نبيلة، وأغراض شريفة، وأهداف قيمة، تزيد الإيمان وتحث المؤمنين على الأعمال الصالحة ومكارم الأخلاق ... » (٢).
الاتجاه الخامس: الإعجاز العددي، وهو نوع جديد من البحث في إعجاز القرآن، وتعددت وجهات الدارسين له، واختلفت آراء الباحثين فيه، ويمكن أن نذكر هنا ثلاثة مناهج لهذا الاتجاه:
المنهج الأول: يقوم على جعل العدد (١٩) أساسا للأعداد في القرآن، وكان الدكتور محمد رشاد خليفة صاحب هذا المنهج والمبشر به، ولكن دراسات لاحقة ظهرت أثارت الشكوك حول أمانته في الأرقام التي قدمها في دراسته (٣)، وحول هدفه منها، بعد أن ظهر أنه كان ذا علاقة بالنحلة البهائية في أمريكا، التي تقدس العدد (١٩).
المنهج الثاني: يقوم على أساس وجود تناظر عددي بين مجموعات كبيرة من
стр. 245
الألفاظ التي بينها علاقة من نوع ما، وكان الأستاذ عبد الرزاق نوفل هو الذي تنبه إلى هذه القضية وفصّلها في سلسلة متتابعة من كتابه (الإعجاز العددي للقرآن الكريم)، وذلك مثل ورود كل من لفظ الدنيا والآخرة (١١٥) مرة في القرآن، والملائكة والشياطين (٦٨) مرة، والحياة والموت (٧١) مرة، وهكذا في ألفاظ كثيرة (١).
المنهج الثالث: يقوم على أساس اكتشاف علاقات عددية بين حروف القرآن وكلماته وآياته وسوره، من جانب، وعلى ما في العدد (٧) من إعجاز كما يدل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من جانب آخر، وصاحب هذه النظرة الأستاذ عمر النجدي في كتابه (معجزة القرآن الجديدة: بنية الآيات والسور) (٢)، ويصعب على القارئ الوقوف على أسس مشتركة لقوانين التنزيل كما يسميها المؤلف في كتابه.
رابعا- نظرة في مناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن:
إن كثرة الوجوه التي ذكرها العلماء في بيان إعجاز القرآن الكريم قديما وحديثا تساعد قراء القرآن في كثير من الأحيان في الوقوف على جوانب من جامعية هذا القرآن الخارقة، لكنها قد تكون أيضا سببا في حجب بعض أسراره الباهرة، وذلك حين يقف المرء على بعض الأقوال المتعارضة في تحديد وجوه الإعجاز، وقد جعل ذلك السيوطي يقول: «وقد خاض الناس في ذلك كثيرا، فبين محسن ومسيء» (٣).
ولا شك في أن كثرة تلك الوجوه وتباينها في بعض الأحيان لا تغير من
стр. 246
حقيقة إعجاز القرآن، وإنما هي تعكس تفاوت العلماء في إدراك ذلك الإعجاز، وقد أخبر كل واحد منهم بما عرف، لأن أمر القرآن عجيب «يراه الأديب معجزا، ويراه اللغوي معجزا، ويراه أرباب القانون والتشريع معجزا، ويراه علماء الاقتصاد معجزا، ويراه المربون معجزا، ويراه علماء النفس والمعنيون بالدراسات النفسية معجزا، ويراه علماء الاجتماع معجزا، ويراه المصلحون معجزا، ويراه كل راسخ في علمه معجزا» (١).
كما أن تلك الوجوه يمكن أن تسلك في منهج يزيل ما قد يبدو بينها من تعارض، ويكون كل وجه منها كاشفا عن جانب من أسرار القرآن، أو مقدما الدليل على صدق الرسول ﷺ في ما أخبر به من أنه يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، وتتلخص ملامح هذا المنهج في أمرين:
الأول: تحديد الوجه الذي أعجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن، ومنعهم من الإقدام على معارضته، في عصر النبوة.
الثاني: تحديد ما جاء في القرآن من الأمور التي تدل على أنه لا يمكن أن يكون من عند أحد سوى الله تعالى.
وهذا المنهج ليس جديدا، فقد ورد مضمونه في كلام علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) الذي كان أول عالم يفرق بين الأمرين السابقين في دراسة الإعجاز فيما اطلعت عليه، وسبق أن ألمحت إلى رأيه. وتحدث الأستاذ محمود محمد شاكر عن ذلك أيضا في (فصل في إعجاز القرآن) وهو تقديم لكتاب (الظاهرة القرآنية)، ودعا إلى التمييز بين أمرين:
الأول: إن إعجاز القرآن كما يدل عليه لفظه وتاريخه إنما هو تحدّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه، لا بشيء خارج عن ذلك.
стр. 247
والثاني: إن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن من عند الله تعالى ليس من الإعجاز في شيء (١).
واتخذ الشيخ محمد أبو زهرة موقفا مقاربا لذلك، فقال بعد أن عرض وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء السابقون: «وعلى ذلك تنقسم وجوه الإعجاز التي اشتمل عليها القرآن إلى قسمين:
أولهما: ما يتعلق بالمنهاج البياني، وهذا النوع من الإعجاز أول من يخاطب به العرب.
القسم الثاني: الإعجاز بما اشتمل عليه من ذكر لأخبار السابقين، ولأخبار مستقبلة وقعت كما ذكر، واشتماله على علوم كونية وحقائق لم تكن معروفة في عصر محمد ﷺ وقد أتى بها القرآن وتقررت حقائقها من بعد، وكذلك ما اشتمل عليه من شرائع أثبت الوجود الإنساني أنها أصلح من غيرها، وأنها وحدها العادلة، وأن هذا النوع معجزة للأجيال كلها» (٢).
وننتهي من هذا العرض إلى نتيجة ملخصها أن إعجاز القرآن في عصر النبوة الذي أعجز العرب هو في نظمه وبيانه، وأن ما أدركه العلماء بعد ذلك من وجوه أخرى جاء معززا للإعجاز ومؤكدا صدق النبوة، وأن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم.
إن هذا التصور لمنهج دراسة الإعجاز لا يهمل التراث الكبير الذي خلفه العلماء السابقون في موضوع الإعجاز، لكنه يعيد تنظيمه على نحو أكثر تناسقا ووضوحا، في إطار واحد شامل، يضم ما كان أصلا سر الإعجاز، وما ظهر بعد
стр. 248
ذلك من دلائل صدق النبوة وربانية القرآن، وبهذا تصبح كلمة الإعجاز ذات دلالة أوسع مما وضعت له في أول الأمر من بيان سر عجز العرب عن محاكاته، لتدل على ذلك، ثم على ما وقف عليه العلماء بعد ذلك من أسرار القرآن التشريعية والعلمية والتاريخية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 249
مصادر الكتاب
١ - الآجري (محمد بن الحسين): أخلاق حملة القرآن، دار الأنبار، بغداد ١٩٨٩ م.
٢ - الآلوسي (أبو الثناء محمود بن عبد الله): روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الطباعة المنيرية بمصر.
٣ - إبراهيم أنيس (دكتور): دلالة الألفاظ، ط ٣، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٧٢.
٤ - ابن الأثير (علي بن أبي الكرم): الكامل في التاريخ، الطباعة المنيرية بمصر.
٥ - ابن الأثير (المبارك بن محمد): النهاية في غريب الحديث، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
٦ - أحمد بن حنبل: المسند، ط ٣، دار المعارف بمصر ١٣٦٨ هـ ١٩٤٩ م.
٧ - الأزهري (أبو منصور محمد بن أحمد): تهذيب اللغة، القاهرة.
٨ - ابن الأنباري (أبو بكر محمد بن القاسم): إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ، دمشق ١٩٧١ م.
٩ - الباقلاني (محمد بن الطيب): إعجاز القرآن، دار المعارف، بمصر ١٩٥٤ م.
١٠ - الباقلاني: نكت الانتصار لنقل القرآن؛ منشأة المعارف، الإسكندرية ١٩٧١.
١١ - البخاري (محمد بن اسماعيل): الجامع الصحيح، طبع محمد صبيح، القاهرة.
١٢ - بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، ج ١ (مترجم)، دار المعارف، القاهرة ١٩٥٩ م.
١٣ - ابن بسطام (أبو محمد حامد بن أحمد): مقدمة (كتاب المباني في نظم المعاني) نشرها آرثر جفري في (مقدمتان في علوم القرآن) القاهرة ١٩٥٤.
١٤ - البلاذري (أحمد بن يحيى): فتوح البلدان، ط ١، القاهرة ١٩٠١.
١٥ - البلوي (أبو الحجاج يوسف بن محمد): ألف با، جمعية المعارف بمصر ١٢٨٧ هـ.
стр. 250
١٦ - البيضاوي (عبد الله بن عمر): أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٧ - البيهقي (أحمد بن الحسين): دلائل النبوة.
١٨ - الترمذي (محمد بن عيسى): سنن الترمذي، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
١٩ - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): مجموع فتاوى شيخ الإسلام، الرياض.
٢٠ - ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير، ط ٢، بيروت ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م.
٢١ - ابن الجزري (أبو الخير محمد بن محمد): غاية النهاية في طبقات القراء، القاهرة ١٩٣٢ م.
٢٢ - ابن الجزري: متن الجزرية بهامشها شرح زكريا الأنصاري، طبع محمد علي صبيح، القاهرة ١٩٥٦ م.
٢٣ - ابن الجزري: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، القاهرة ١٣٥٠ هـ.
٢٤ - ابن الجزري: النشر في المقالات العشر، مطبعة مصطفى أحمد بمصر.
٢٥ - ابن جزي الغرناطي (محمد بن أحمد): التسهيل لعلوم التنزيل، القاهرة.
٢٦ - الجعبري (إبراهيم بن عمر): الجميلة في شرح العقيلة، مخطوط، دار الكتب المصرية (٢٤٩ قراءات).
٢٧ - ابن جني (أبو الفتح عثمان): المحتسب في تبيين شواذ القراءات، القاهرة ١٩٦٦ م.
٢٨ - جولد تسيهر: مذاهب التفسير الإسلامي (مترجم) القاهرة ١٩٥٥ م.
٢٩ - ابن أبي حاتم (عبد الرحمن): الجرح والتعديل، طبعة الهند.
٣٠ - حاجي خليفة (مصطفى بن عبد الله): كشف الظنون، استانبول ١٩٤١ - ١٩٤٣ م.
٣١ - الحارث المحاسبي: فهم القرآن ومعانيه، مطبوع مع كتاب العقل، بيروت ١٩٧١ م.