-عبادة الأصنام مع أنها واضحةالبطلان إلا أن العرب كانوا متمسكين بها تمسكا شديداً لرسوخها في نفوسهم منذ زمن طويل فلا يطيقون سماع من يعيبها أو يطعن فيها بل لا يقبلون ارشاد ناصح يخاطبهم بالحسنى ويناقشهم بالعقل والبرهان. فإذا قيل لهم كيف تعبدون الحجارة التي لا تنفع ولا تضر، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تعلم من يعبدها، ومن لا يعبدها، ثارت ثائرتهم. وقالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا واعتدوا على أعز الناس لديهم واشرفهم وأعقلهم واسهلهم أخلاقا. فلم يكن من الحكمة وأصالة الرأي أن يجهر النبي ﷺ وأصحابه القليلون بالاسلام ويؤدوا شعائرهم الدينية أمام أمة بأسرها متعصبة لدينها الثني تعصباً أعمى.
وقد أدرك بعض أفراد الثاقب أن قومهم في خطأ مبين فمنهم من مات وهو منكر لعبادة الأصنام قبل الاسلام. ومنهم من آمن برسول الله عندما بلغه رسالته كسلمان الفارسي أو عندما دعاه رسول الله إلى اتباع الدين القويم كأبي بكر ومن أسلم بدعائه وغيرهم ولم يبالوا بما يصيبهم من سخط قومهم وايذائهم مع ما يعلمونه من قلة عدد المؤمنين في بادئ الأمر.
فمما وقع لأبي بكر ﵁ من الأذية ما ذكره بعضهم كما في السيرة الحلبية أن رسول الله ﷺ لما دخل دار الأرقم ليعبد الله هو ومن معه من أصحابه سراً ألح أبو بكر ﵁ في الظهور (١) فقال له النبي ﷺ يا أبا بكر أنا قليل. فلم يزل به حتى خرج رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة ﵃ وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله ﷺ جالس ودعا إلى رسول الله فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى فثار المشركون على أبي بكر ﵁ وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضربا شديداً ووطئ أبو بكر بالأرجل وضرب ضربا شديداً. وصار عتبة بن ربيعة (٢) يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه صار لا يعرف أنفه من وجهه. فجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزلة ولا يشكون في موته ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة. ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار. ثم تكلم وقال: ما فعل رسول الله ﷺ فعذلوه فصار يكرر ذلك. فقالت أمه والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه فخرجت إليها وقالت لها أن تسأل عن محمد بن عبد الله. فقالت لا أعرف محمداً ولا أبا بكر. ثم قالت تريدين أن أخرج معك؟ قالت نعم. فخرجت معها إلى أن جاءت أبو بكر فوجدته صريعا فصاحت وقالت: إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق. وأني لأرجو أن ينتقم الله منهم. فقال لها أبو بكر ﵁. ما فعل رسول الله ﷺ . فقالت له هذه أمك تسمع. قال فلا عين عليك منها أي أنها لا تفشي سرك. قالت سالم هو في دار الأرقم. فقال والله لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ﷺ . قالت أمه فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليّ حتى دخل على رسول الله ﷺ فرق له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك. فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما بي من بأس الا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برة بولدها فعسى الله أن يستنقذها بك من النار فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الاسلام فأسلمت. لا شك أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في خطر شديد. فقد كان لا يهدأ للمشركين بال الا إذا أساءوا إليهم ولذلك كان الأستخفاء في غاية الحكمة وبقي المسلمون مستخفين في دار الأرقم حتى كملوا أربعين رجلا، وكان آخرهم اسلاماً عمر بن الخطاب. فلما كملوا به أربعين خرجوا وأظهروا اسلامهم.
стр. 107
اظهار الاسلام
стр. 108
-أمر الله النبي ﷺ أن يصدع بما جاءه منه وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعو إليه. وكان بين اخفاء رسول الله ﷺ أمره واستتاره به وبين أمر الله تعالى اياه باظهار دينه ثلاث سنين من بعثه ثم قال الله تعالى له ﴿فَاصْدَعْ بمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١) ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم اياك على اظهار الدعوة. وقال تعالى ﴿وَأّنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المْؤْمِنِينَ (٢) ﴾ . فصعد رسول الله ﷺ على الصفا (٣) . فقال: يا معشر قريش. فقالت قريش محمد على الصفا يهتف. فأقبلوا واجتمعوا. فقالوا مالك يا محمد؟ قال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوني؟ قالوا نعم أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذبا قط. قال فأني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني عبد المطلب. يا بني عبد مناف. يا بني زهرة حتى عدد الأفخاذ من قريش إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وأني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً الا أن تقولوا لا إله إلا الله. فقال أبو لهب "تباً لك" سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تبارك تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ﴾ السورة كلها. فلما سمع أبو لهب قوله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قال إن كان ما يقول محمد حقاص افتديت منه بمالي وولدي فنزل ﴿ماَ أغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ وكان أبو لهب إذا سأله وفد عن النبي ﷺ قال إنه ساحر ومجنون لينصرفوا عنه قبل لقائه. وقد أغضبت هذه السورة أبا لهب فأظهر شدة العداوة وصار متهما فلم يقبل قوله في رسول الله ﷺ فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه. وروى عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في السوق يقول أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه. وقال لا تطيعوه فإنه كذاب. فقلت من هذا؟ قال محمد وعمه أبو لهب. أما امرأته فهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية فكانت أيضا في غاية العداوة لرسول الله ﷺ وترمى الشوك في طريقه.
وعن الزهري أنه قال: دعا رسول الله ﷺ إلى الاسلام سراً وجهراً فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول. فكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أنه غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء فكان ذلك حتى عاب آلهتهم التي يعبدونها وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر فشَفوا لرسول الله ﷺ عند ذلك وعادوه.
وعن ابن عتبة أنه قال. لما أظهر رسول الله ﷺ الاسلام ومن معه وفشا أمره بمكة ودعا بعضهم بعضا فكان أبو بكر يدعو ناحية سراً وكان سعيد بن زيد مثل ذلك وكان عثمان مثل ذلك وكان عمر يدعو علانية وحمزة بن عبد المطلب وأبو عبيدة بن الجراح فغضبت قريش من ذلك وظهر منهم لرسول الله ﷺ الحسد والبغي وأشخص به منهم رجال فبادوه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلا أنهم ينزهون أنفسهم عن القيام والأشخاص برسول الله ﷺ . وكان أهل العداوة والمباداة لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل أبو جهل بن هشام وأبو لهب بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن قيس بن عدي وهو ابن الغيلطة والوليد بن المغيرة وأبيّ بن خلف وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والعاص بن وائل والنضر بن الحارث ومنبه بن الحجاج وزهير بن أبي أمية والسائب بن صيفي بن عابد والأسود بن عبد الأسد والعاص بن سعيد بن العاص والعاص بن هاشم وعقبة بن أبي مُعَيط وأبو الأصديى الهُذلى والحكم بن أبي العاص وعدي بن الحمراء وذلك أنهم كانوا جيرانه والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله إليهم أبا جهل وأبا لهب وعقبة بن أبي معيط. وكان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهل عداوة ولكنهم لم يشخصوا بالنبي ﷺ كانوا كنحو قريش ولم يسلم منهم أحد إلا أبو سفيان (٤) .
أول من جهر بالقرآن
كان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود. اجتمع يوماً أصحاب رسول الله ﷺ . فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط. فمن رجل يسمعهم فقال عبد الله بن مسعود (٥) : أنا. فقالوا انا نخشاهم عليه إنما نريد رجلا هل عشيرة تمنعه من القوم ان أرادوه. فقال دعوني: فإن الله سيمنعني. فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام. فقال رافعاً صوته: ﴿بِسْمِ الله الرَّحمَنِ الَّرحِيمِ ... الرَّحمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ . فاستقبلها فقرأبها فتأملوا. فجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا أنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غدا. قالوا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.
стр. 109
القرآن يحيّر ألباب العرب
стр. 110
-تحيرت ألباب العرب في القرآن الذي نزل بلغتهم وهم أهل فصاحة وبلاغة. وخشيت قريش أن ينتشر الاسلام وينتصر النبي ﷺ بدينه على الأصنام. فاتفقوا على اطلاق اسم على رسول الله ﷺ ينفر القبائل منه، ويشوه سمعته، ويكون عقبة في سبيل نشر دعوته. ذلك أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم. وقد حضر الموسمُ فقال لهم: يا معشر قريش أنه قد حضر هذا الموسمُ. وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه. وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال بل أنتم قولوا اسمع. قالوا نقول كاهنا قال والله ما هو بكاهن: لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه (١) . قالوا فنقول مجنون. قالوا ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخَنْقه ولا تخالجه ولا وسوسته (٢) . قالوا فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رَجَزَه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه (٣) فما هو بالشعر. قالوا فنقول ساحر. قال ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحار وسحرهم فما هو بنَفْثه ولا عقده (٤) . قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ والله إن لقوله لحلاوة، وان أصله لعَذْق (٥) وإن فرعه لجَنَاةٌ (٦) وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك. فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر أحد الا حذروه اياه. لكن النتيجة جاءت عكس ذلك فقد انتشر ذكره ﷺ في بلاد العرب.
وقد كان ضماد بن ثعلبة الأزدي صديقا للنبي ﷺ في الجاهلية. وكان رجلا يتطبب ويرقى ويطلب العلم. فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون. فجاءه وقال أني راق فهل بك من شيء فأرقيك؟ فأجابه ﷺ بقوله "الحمد لله نحمده ونستعينه. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمداً عبده ورسوله، أما بعد" فقال له ضماد أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن النبي ﷺ ثلاثا. فقال والله لقد سمعت قول الكهنة، وسمعت قول السحرة، وسمعت قول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات. لقد بلغت ياعوس البحر، فمد يدك أبايعك على الاسلام فمد النبي ﷺ يده فبايعه وأسلم (٧) .
стр. 111
قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله ﷺ .
стр. 112
المفاوضة الأولى.
لما رأت قريش أن أبا طالب قد قام دون النبي ﷺ ولم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب: عُتبة وشبيبة انا ربيعة. وأبو البَختري بن هشام. والأسود بن المطلب. والوليد بن المغيرة. وأبو جهل بن هشام. والعاص بن وائل. ونُبيه ومُنَبِّه ابنا الحجاج. ومن مشى منهم. فقالوا يا أبا طالب: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فأما أن تكفه عنا وأما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه. فقال لهم أبو طالب قولا جميلا، وردهم ردا رقيقا، فانصرفوا عنه ومضى رسول الله ﷺ لما هو عليه. هذه هي المفاوضة الأولى، لكنها لم تثمر شيئا، إذ ظل الرسول يدعو إلى عبادة الله كما كان.
المفاوضة الثانية
ثم لما تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريس ذكر رسول الله ﷺ فكروا في مفاوضة أبي طالب مرة أخرى. فمشوا إليه وقالوا: يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً وانا قد اشتهيناك أن تنهي ابن أخيك فلم تفعل. وأنا واللذه لا نصبر على هذا من شتم آلهتنا وآبائنا، وتسفيه أحلامنا حتى تكفه عنا، أو ننازله واياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا عنه. ومعنى ذلك أنهم هددوا أبا طالب في هذه المرة وأظهروا له العداوة، فعظم عليه فراق قومه وعداوتهم، ولم تطب نفسه باسلام رسول الله ﷺ وخذلانه، فبعث إلى رسول الله ﷺ فأعلمه ما قالت قريش، وقال له: أبق على نفسك وعلىّ ولا تحملني من الأمر مالا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أن عمه قد خذله وضعف عن نصرته. فقال له "يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته" ثم بكى رسول الله ﷺ وقام. فلما ولّى ناداه أبو طالب فأقبل عليه وقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.
المفاوضة الثالثة
أصر أبو طالب على الدفاع عن ابن أخيه قياماً بالواجب عليه نحو من تربى في كفالته ونشأ في بيته وعملا بالمروءة. ولكنه مع ذلك بقى على دينه ولم يعنتق الإسلام. لذلك صارت مهمته شاقة ومركزه حرجاظص فأمامه قريش متعصبة لدينها وقد أغضبها قيام محمد ﷺ بنشر الإسلام ومحاربة الأصنام. وصاحب الدعوة لا يثنيه عن القيام بما أمر به سخرية ساخر أو اضطهاد مضطهد فلو أن أبا طالب أسلم لكان دفاعه أعظم وحجته أبلغ أمام العرب وأحكم.
وفي هذه المرة مشوا إلى أبي طالب بعمارة بن الوليد. فقالوا يا أبا طالب: هذا عمارة بن الوليد فتى قريش وأشعرهم وأجملهم فخذه فلك عقله ونصرته فأتخذه ولدا وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي سفه أحلامنا وخالف دينك ودين آبائك وفرّق جماعة قومك نقتله فإنما رجل برجل. فقال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني أبنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله لا يكون أبداً. فقال المُطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف لقد أنصفك قومك وما أراك تريد أن تقبل منهم. فقال والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك. وكل عاقل يرى أن ما عرضته قريش على أبي طالب في غاية السخف لكنهم كانوا يتلمسون الحيل للخلاص من صاحب الدعوة ﷺ بأي حال فلما يئسوا من اجابة طلبهم اشتدت قريش على من أسلم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. وقام أبو طالب في بني هاشم فدعاهم إلى منع رسول الله ﷺ فأجابوا إلى ذلك واجتمعوا إليه.
стр. 113
تعذيب المسلمين
стр. 114
-أخذت قريش تؤذي النبي ﷺ وتؤذي من آمن به حتى عذبوا جماعة من المستضعفين عذابا شديداً يدل على مقدار تعصبهم وقسوتهم.
فمن الذين عذبوا لأجل اسلامهم بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر. وكان أبوه من سبى الحبشة وأمه حمامة سبية أيضاً وهو من مولدى الشراة وكنيته أبو عبد الله فصار بلال لأمية بن خلف الجُمحي فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره (١) ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره ويقول لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى وهو يقول "أحد. أحد". فرآه أبو بكر يعذب، فقال لأمية بن خلف الجمحي ألا تتقي الله في هذا المسكين. فقال أنت أفسدته فأبعدته. فقال عندي غلام على دينك أسود أجلد من هذا أعطيكه به. قال قبلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالا فأعتقه. وقيل اشتراه أبو بكر بخمس أواق. أما أمية بن خلف فقتله بلال واشترك مع معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وحبيب بن أساف. قال ابن اسحق: أما ابنه علي فقتله عمار بن ياسر وحبيب بن أساف وذلك في موقعة بدر
ومنهم عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسيُّ وهو بطن من مُراد. وعنس هذا أسلم هو وأبوه وأمه وأسلم قديما ورسول الله ﷺ في دار الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلا. أسلم هو وصهيب في يوم واحد. وكان ياسر حليفاً لبني مخزوم فكانوا يخرجون عماراً وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء فمرَ بهم النبي ﷺ . فقال "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" فمات ياسر في العذاب وأغلظت امرأته سمية القول لأبي جهل فطعنها في قلبها بحربة في يده فماتت وهي أول شهيد في الإسلام وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى وبالتفريق أخرى فقالوا لا نتركك حتى تسب محمدا وتقول في اللات والعزى خيراً. ففعل وتركوه. فأتى النبي ﷺ يبكي فقال ما وراءك؟ قال شر يا رسول الله. كان الأمر كذا وكذا فقال فكيف تجد قلبك. قال أجده مطمئنا بالإيمان. فقال يا عمّر إن عادوا فعد. فأنزل الله تعالى ﴿إلاّ مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ ومنهم خبّاب بن الأرت وكان إسلامه قديماً قيل سادس ستة قبل دخول رسول الله دار الأرقم فأخذه الكفار وعذبوه عذاباً شديداً فكانوا يعرونه ويلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالرضف وهي الحجارة المحماة بالنار ولووا رأسه فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا وهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ونزل الكوفة ومات سنة ست وثلاثين.
ومنهم صهُيب بن سنان الرومي كناه رسول الله ﷺ أبا يحيى قبل أن يولد له. وكان ممن يعذب في الله فعذب عذابا شديدا فلما أراد الهجرة منعته قريش فافتدى نفسه منهم بماله أجمع عمر بن الخطاب عند موته يصلى بالناس إلى أن يستخلف بعض أهل الشورى.
ومنهم عامر بن فهيرة مولى الطفيل بن عبد الله وكان الطفيل أخا عائشة لأمها أم رومان أسلم قديما قبل دخول رسول الله دار الأرقم وكان من المستضعفين يعذب في الله فلم يرجع عن دينه واشتراه أبو بكر وأعتقه.
ولما خرج رسول الله وأبو بكر إلى الغار مهاجرين أمر أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة أن يروح بغنم أبي بكر عليهما وكان يرعاها وهاجر معهما إلى المدينة يخدمهما. وشهد عامر بدراً وأحدا وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة وهو ابن أربعين سنة.
ومنهم لبيبة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب وكان عمر يعذبها حتى تفتن ثم يدعها ويقول إني لم أدعك إلا سآمة فتقول كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم فأشتراها أبو بكر فأعتقها.
هذه أمثلة ذكرتها ليتضح للقارئ اشتداد العذاب على هؤلاء المساكين رجالا ونساء.
ومما أصاب النبي ﷺ من الإيذاء ما قاله ابن عمر وكما في البخاري: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله ﷺ . وفي رواية ثم قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله!
وفي رواية البخاري كان ﷺ يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقول إلى جزوز آل فلان فيعمل إلى فرثها ودمها وسلاها فيجئ به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه. فأنبعث أشقاهم فلما سجد ﷺ وضعه بين كتفيه وثبت النبي ﷺ ساجداً فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك فأنطلق منطلق إلى فاطمة فأقبلت تسعى وثبت النبي ﷺ ساجداً حتى ألقته عليهم تسبهم. فلما قضى رسول الله ﷺ قال اللهم عليك بقريش ثم سمى فقال اللهم عليك بعمر بن هاشم وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد. وقد سقط جميعهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى قليب بدر. أما عقبة بن أبي معيط فكان من أسرى بدر وأمر رسول الله بقتله.
стр. 115
ما عرضته قريش على رسول الله
стр. 116
-قال عتبة بن ربيعة يوماً وهو جالس في نادي قريش والنبي ﵊ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه إيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون. فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول الله فقال يا أبن أخي إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة (١) والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقتَ به جماعتهم وسفّهت به أحلامه وعبت به آلهتم ودينهم وكفَّرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها. فقال رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع. قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا في أموالنا حتى نُبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُدَاوى منه، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه. قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم. قال فاسمع مني. قال افعل. قال:
﴿بِسْمِ الله الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ. حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ثم مضى رسول الله فيها يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة منه انصت لها وألقى يديه خلف ظهره متعمداً عليهما يستمع منه ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد. ثم قال. قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي. خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وأن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم (٢) .
لقد ظن أبو الوليد في بادئ الأمر أن النبي ﷺ يقبل ما يعرضه عليه من مال وجاه وملك فأظهر له استعداد قريش لمنحه كل ما يبغي على أن لا يتعرص لدينهم ولا يدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام. ظن ذلك لأن الإنسان ولا سيما الفقير المحتاج يطمع في المال وتغره أبهة الملك فيتشبث بهما ويسعى إليهما ما وجد للسعي سبيلا ولو كان أبو الوليد عرض ذلك كله أبو بعضه على غير النبي ﷺ لاغتبط به واتفق مع قريش في الحالوأراح نفسه وأصحابه من العناء والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل في كل وقت. لكن النبي صلى الله ﵊ لم يكن طامحا إلى شيء من ذلك أصلا ولم يكن في وسعه أن يتنحى عن الدعوة إلى الإسلام مهما حاولت قريش صرفه عنها. ألا ترى أنه قال لعمه أبي طالب "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته" ـوما ذلك إلا لأن الله قد أمره بنشر الدعوة حيث قال ﴿يَأَيُّهَا المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ وقال عز شأنه ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبرْ﴾ أي اصبر على مشاق التكاليف وأذى المشركين. فكيف بعد هذا الأمر الإلهي تخور عزيمته وتفتر قوته ولا يصبر على كل ما من الإيذاء؟ بل كيف يغتر بحطام الدنيا ويندع لما تعرضه عليه قريش من ملك وجاه ومال؟
ولما رأت قريش أن رسول الله قد رفض ما عرضوه عليه قالوا له يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أ، هـ ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها أنهار كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب (وهو من أجداد رسول الله) فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول أحق أم هو باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول فقال لهم ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة وأن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك مَلكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا. وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً ـأو كما قالـ فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا فأسقط السماء علينا كِسفَاً كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول الله ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل. قالوا يا محمد فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به، أنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا نقبل منك ما جئتنا به، أنه قد اعتذرنا إليك يا محمد، وأنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلك أو تهلكنا. وقال قائلهم نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول الله قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو ابن عمته لعاتكة بنت عبد المطلب فقال يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ثم سالوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، قال له فو الله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ الساء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ثم انصرف رسول الله إلى أهله حزيناً آسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه (٣) .
إن هذه المطالب التي طلبتها قريش من النبي ﷺ مطالب مدهشة تدل على شدة تعنتهم وعنادهم وعلى أنهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا إذا شاهدوا المستحيلات ورأوا خوارق العادات ولذلك سألوا رسول الله أشياء عجيبة لا تخطر على البال بقصد تعجيزه والتشهير به فسالوه أن يغير الطبيعة فيسير الجبال ويفجر الأنهار ويحيي الموتى وأن يجعل الله له الجنان والقصور ويعطيه الكنوز. فهذه مطالب عبّاد المادة عباد الأصنام. ثم ما أسخف ما سأله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة الذي طلب أن يتخذ النبي ﵊ سلماً إلى السماء ويأتي بصك وأربعة ملائكة يشهدون معه على صحة ما يقول. ولماذا كل هذا؟ ليؤمن عبد الله بن أبي أمية هذا وقد قاسى الأنبياء صلوات الله عليهم الصعاب في سبيل هداية الكفار الذين كانوا يرمونهم بالضلال والسفاهة والجنون والسحر. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا الله مَالَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُبِينٍ﴾ فبماذا أجابوه على ذلك ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ إِنَّا لَنضرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
ولما دعا هود ﵇ قومه إلى عبادة الله رموه بالسفاهة والكذب. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَالَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُنَ. قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ .
ولما أظهر موسى ﵇ المعجزة فألقى العصا فانقلبت ثعبانا ادعوا أنه ساحر. قال تعالى ﴿فَأَلْقَى عَصَاهْ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ. وَنَزَعَ يَدَهُ فَلإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ. قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ قِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فالمتعنتون لا يؤمنون مهما رأوا من الآيات وخوارق العادات ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ فهل بعد ذلك مكابرة واصرار على الكفر؟
стр. 117
حماقة أبي جهل
стр. 118
-لما عاد رسول الله آسفاً من عناد قومه وتشبثهم بالكفر قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ومن هذا تظهر شدة عداوة أبي جهل للنبي ﷺ وهذه العداوة أخرجته عن حد العقل فأخذ يسلك سلوك الجهال ولكن الله أنقذ النبي من شره ونجا من غدره.
كان أبو جهل فرعون هذه الأمة اسمه عمرو بن هشام. قتل يوم بدر كافراص وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة. قتله عمرو بن الجموح وابن عفراء الأنصاريان وكانا حدثين وحديثهما في الصحيح مشهور. وفي كتاب السنن أن رسول الله ﷺ حين رآه مقتولا قال (قتل فرعون هذه الأمّة) وقد كان سيء الخلق فظاً غليظ القلب فمن ذلك انه ظلم تاجراً قدم من زبيد بثلاثة أجمال حسان فسامها منه أبو جهل بثلث أثمانها ثم لم يسمها لأجله سائم فأكسد عليه سلعته ولم ينصفه غير رسول الله لأنه ساومه حتى ألحقه برضاه وأحذها رسول الله فباع جملين بالثمن وأفضل بعيراً باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه. وكان وصياً على يتيم فأكل ماله وطرده فاستعان اليتيم بالنبي ﷺ فمشى معه ورد إليه ماله.
وابتاع النبي من شخص يقال له الأراشي أجمالا بأثمانها فلما استعان الرجل برسول الله وذكر له أنه غريب وابن سبيل وأن أبا جهل غلبه على حقه قام معه إلى أبي جهل وضرب عليه بابه فقال من هذا؟ قال محمد فخرج إليه وقد امتقع لونه. فقال أعط هذا الرجل حقه فامتلأ رعباً وأعطى الرجل حقه. هذا هو أبو جهل وهذا شيء من غلظته وجوره وهضمه للحقوق.
وفي كتاب قاموس الإسلام الطبعة الثانية سنة ١٨٩٦ ص ٨ "أ، أبا جهل كان فخورا فاجرا".
Dictionary of Islam. ٢ nd. edition. (١٨٩٦) page ٨.
стр. 119
قريش تمتحن رسول الله ﷺ
стр. 120
-لم تكف قريش بهذا كله بل أرادوا إحراجه ﵊ بالأسئلة فبعثوا النضر بن الحارث (١) وعقبة بن أبي معيط غلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبرهم بقوله فأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقالوا لهم إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهم أحبار يهود سلوه عن ثلاثة نأمركم بهن فان أخبركم بهن فهو نبي مرسل. وان لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فانه قد كان لهم حديث عجب. وسلوه عن رجل طوُّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح وما هي. فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقلا يا معشر قريش قد جئناكم بفصْل ما بينكم وبين محمد. قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم.
فجاءوا رسول الله فقالوا يا محمد اخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب. وعن رجل كان طوافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها. وأخبرنا عن الروح ماهي.
فقال لهم رسول الله أخبركم بما سألتم عنه غداً ولم يستثن. فأنصرفوا عنه فمكن رسول الله خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه لا يحدث إليه وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه فشق على رسول الله تأخير الوحي وما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته اياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه. قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي ﷺ عن المسائل الثلاثة قال ﵇ أجيبكم عنها غداً ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما ثم نزل قوله تعالى ﴿وَلاَتَقُولَنَّ لِشيءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله﴾ والسبب في أنه لا بد من ذكر هذا القول إن شاء الله هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد ولم يبعد أيضا لو بقي حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في ذلك الوعد والكذب منفر وذلك لا يليق بالأنبياء ﵈.
جاء جبريل من الله بخبر ما سألوه عنه، فقال تعالى في شأن الفتية ﴿أَم حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عجَبَا﴾ وقال فيما سألوه من أمر الرجل الطواف ﴿وَيَسْأَلُنَكَ عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ سَبَباً﴾ إلى آخر القصة.
وقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح ﴿وَيَسْأَلُنَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
وقد أيد هذه الرواية الدكتور ولفنسون الأسرائيلي مدس اللغات السامية بالجامعة المصرية ودار العلوم فقال في رسالته (تاريخ اليهود في بلاد العرب) صفحة ٩٨ ما يأتي: "وينبغي بعض المستشرفين صحة هذة القصة الخطيرة دون أن يأتوا بدليل نطمئن اليه. والحق أن من العسر أنكار رواية تاريخية كانت سببا في نزول سورة الكهف والأيات الخاصة بالروح وذي القرنين. وعندنا دليل يحملنا على الاعتقاد بأن هذة الرواية من المحتمل أن تكون واقعية (٢) وهي أن في التلمود قصة مشهورة تشبه قصة أهل الكهف أخذ أحبار اليهود الأسئلة التى وجهوها للرسول بواسطة وفد بني قريش. ويؤيد هذة القصة ما ذهبنا اليه من أنه لم يكون بمكة أحد من اليهود إذ لو وجد منهم في مكة ما أوفد قريش وفدهم إلى المدينة ليسألوا أحبار اليهود عن شأن النبي ﷺ وإذا وجد منهم أحد فلا بد أن يكون غير عالم " وأنزل الله عليه ﷺ فيما سأله قومه لأنفسهم من تيسير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْ سُيِّرَتْ بهِ الْجِبَالُ أَقُطِّعَتْ بهِ المَوْتَى بَلْ لله الأَمْرُجَمِيعاً﴾ أي لا أصنع من ذلك لا ما شئت. وأنزل عليه في قوله خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه أن يجعل له جناناً وقصوراً وكنوزاً ويبعث ملكا يصدقه بما يقول ويرد عنه ﴿وَقَالُوا ما لِهَذَا الرَّ سُولِ يَأْ كُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي في الأَسْوَاقِ لَولَا أُنْزِلَ إِليْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ معَهُ نَذِيرَاً أَوْ يُلْقَى إليْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكْذونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رّجُلاً مَسْحُوراً. اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبيِلاً. تَبَارَكَ الَّذِي إنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ﴾ أى تمشي في الأسواق وتلتمس المعاش ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبي أمية ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَىَّ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الَأرْضِ يَنْبُوعاً أو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلاَلَهَا تفْجيراً أَوْ تُسْقِطَ السّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسفَاً أَوْ تَأْتِىَ بِالله وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ. قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً﴾ . وأنزل عليه في قولهم انا قد بلغنا إنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبداً ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قّدْ خَلَت مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتتْلُوَ عَلَيْهِمُ الّذِي أَوْحَيْنَا إِليْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بَالرَحْمَنِ قُلْ هُوَرَبِّي لاَ إِلهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ وأنزل عليه فيما قال أبو جهل وما هم به ﴿أَرَأَيْتَ الذَّي يَنْهَي عَبدْاً إِذَا صَلّى. أَرَأَيْتَ إِنْ الله يَرَى كَلاَّ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى. أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى. أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرَى كَلاَّ لَئَنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةً خَاطِئِةٍ فَلْيدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ. كَلاَّ لاَ تُطِعْهُوَأَسْجُدْ وَأَقْتَربْ﴾
وأنزل الله عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم. ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِى إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلَى كُلْ شَئ ٍشَهِيد﴾ .
стр. 121
اسلام جابر بن عبد الله
стр. 122
-بحث الأستاذ مرجوليث وأجهد نفسه في البحث على ما يظهر في كتابه (محمد) صفحة ١٠٦ عن الأساتذة الذين كانوا يعلمون رسول الله الكتب المقدسة فقال ما ترجمته: "كان جابر بن عبد الله مولى بني عبد الدار يهودياً صائغا في مكة يجلس هو وياسر ـيهودي آخرـ يقرآن الكتاب المقدس أثناء اشتغالهما بالتجارة وكان النبي يمر عليهما ويستمع منهما" ومعنى ذلك حسب رأيه أنه كوّن أفكاره الخاصة بالتوراة من سماع جابر بن عبد الله وهو يتلو عليه لكنه قال بعدئذ "إن جابرا اعتنق الإسلام عند سماعه النبي يقرأ سورة يوسف" فإذا كان جابر اليهودي قد أسلم عند سماعه قصة يوسف وهي في التوراة التي كان يتلوها على النبي كما ادعى فلا بد أسلم عند سماعه قصة يوسف وهي في التوراة التي كان يتلوها على النبي كما ادعى فلا بد أن القصة مذكورة في القرآن بغاية الدقة والإحكام والتفصيل المدهش حتى أنها حيرت لب جابر الذي ذكره مرجوليث كمعلم لرسول الله على أن الأستاذ مرجوليث اعترف باسلام جابر لأنه مذكور في كتب السير وأنا نعد اسلامه دليلا على اعجاز القرآن الكريم وعلى أنه منزل على رسول الله. أما ياسر فقد أسلم أيضا وعذِّب لاسلامه عذابا شديداً حتى مات. وقال الأستاذ مرجوليث "ويُظن أن الجزء الخاص بالمسيحية في القرآن قد تعلمه النبي من صهيب الذي أسلم قديما وقد كان روميا من الموصل" وأنا نقول أن اسلام هؤلاء دليل على رسالة رسول الله وقد أسلم صهيب ورسول الله في دار الأرقم وكان المستضعفين بمكة المعذّبين في الله وهاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله. هذا وقد ذكرنا أن الأستاذ نولدكه اعترف بأن رسول الله ما كان يعرف الأسفار القديمة.
وما قاله مرجوليث قاله كفار قريش. قال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قال الكلبي ومقاتل نزلت في النضر ابن الحارث فهو الذي قال هذا القول وأعانه عليه قوم آخرون.
стр. 123
الهجرة الأولى إلى الحبشة .
стр. 124
-لما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء والعذاب وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ودفاع أبي طالب عنه وأنه لا يقدر أن يمنعهم، قال: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه".
وكان اسم النجاشي وقتئذ أصحمة بن أبجر. والنجاشي اسم لكل ملك يلي الحبشة فخرجوا متسللين سراً وذلك في شهر رجب سنة خمس من بعد النبوة (سنة ٦١٥ م) وكانوا أثني عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشُّعيبة (١) فمنهم الراكب والماشي وأوقف الله للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوال فلم يدركوا منهم أحداً. قالوا قدمنا أرض الحبشة فجاورنا خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه.
كان عدد المهاجرين قليلا ولكن كان لهجرتهم هذه شأن عظيم في تاريخ الإسلام فأنها كانت برهانا ساطعا لأهل مكة على مبلغ اخلاص المسلمين وتفانيهم في احتمال ما يصيبهم من المشقات والخسائر في سبيل تمسكهم بعقيدتهم. وكانت هذه الهجرة مقدمة للهجرة الثانية إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة.
وهذه أسماء المهاجرين والمهاجرات:
عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله. أبو حذيفة بن عتبة ومعه امرأته سهلة. مصعب بن عمير. الزبير بن العوام. عبد الرحمن بن عوف. أبو سلمة بن عبد الأسد ومعه امرأته أم سلمة. عثمان بن مظعون. عبد الله بن مسعود. عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى. أبو سبرة. حاطب بن عمرو. سهيل بن بيضاء.
стр. 125
شفاعة الغرانيق (١) افتراء الزنادقة على رسول الله ﷺ .
стр. 126
-روى بعض المؤرخين ونقل عنهم المفسرون أن رسول الله ﷺ لما رأى من قومه كفاً عنه، جلس خاليا وتمنى فقال ليته لا ينزل علىّ شيء ينفرهم عني ورقاب رسول الله ﷺ قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ حتى بلغ ﴿أفَرَأيْتُم اللاَّتَ وَالعُزَّى وَمُنَاةَ الثَّالِثةَ الأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي" فتكلم رسول الله ﷺ بها ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم جميعاً ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيراً لا يقدر على السجود، ويقال أن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابا فسجد عليه رفعه إلى جبهته وكان شيخا كبيراً. فبعض الناس يقول إنما الذي رفع التراب الوليد وبعضهم يقول أبو أحيحة، وبعضهم يقول كلاهما جيمعاً فعل ذلك فرضوا بما تكلم به رسول الله وقالوا قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق. ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده. وأما إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فكبر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ فعرض عليه السورة، فقال جبريل جئتك بهاتين الكلمتين فقال رسول الله ﷺ قلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه ﴿وَإنْ كَادُوا لَيَفْتِنِونَكَ عَنِ الذِي أوْحَيْنَا الَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرهُ وَإذاً لاَتّخَذُوكَ خَليِلاُ﴾ إلى قوله ﴿ثمَ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نّصيراً﴾ .
نقل هذه الرواية ابن سعد في طبقاته عن عبد الله بن حنطب. وقد قال الترمذي أن عبد الله بن خنطب لم يدرك النبي ﷺ أخرجه الثلاثة (٢) أما الآية التي قيل أنها نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ قد قال على الله مالم يقل بذكره شفاعة الغرانيق وهي ﴿وَإنْ كَادْوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذي أوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الأية لفم ينزل بهذه المناسبة. فقد قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله ﷺ فسألوه شططا وقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرّمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى رسول الله ﷺ ولم يجبهم فكرروا ذلك الألتماس وقالوا إنا نحب أن نعرف العرب فضلنا عليهم فإن كرهت مانقول وخشيب أن تقول العرب اعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله ﷺ عنهم وداخلهم الطمع فصاح عليهم عمر وقال أما ترون رسول الله ﷺ قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣) .
وروى صاحب الكشاف أنهم جاءوا بكاتبهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله إلى ثقيف لا يعشرون ولا يحشرون ولا يجبون، فسكت رسول الله ﷺ ثم قالوا للكاتب أكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله ﷺ . فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه وقال أسعر تم قلب نبينا يا معشر قريش أسعر الله قلوبكم ناراً. فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً. فنزلت هذه الآية. وهذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قولوا إن هذه الآية مدنية.
وذكر الطبري مسألة شفاعة الغرانيق فقال: حدثني محمد بن اسحاق عن يزيد بن زياد المدني عن محمد بن كعب القُرَظى. ثم سرد رواية محمد بن كعب القُرظى بما يقارب رواية عبد الله بن حنطب التي نقلناها عن طبقات ابن سعد الا أنه قال فأنزل الله عم وجل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبّيٍ إلاَّ إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الله مَا يُلْقِى الَّشيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَليِمٌ حَكِيمٌ﴾ فأذهب الله عن نبيه الحزن وآمنه من الذي كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم وأنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضى بقول لاله حين ذكرت اللات والعَّزى ومَنَاة الثالثة الأخرى ﴿أَلَكُمْ الذَكَرُ ولَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (٤) إِنْ هيَ إلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَي﴾ أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده الخ.
أما محمد بن كعب القَرظِىّ منسوب إلى بني قريظة الطائفة المعروفة من اليهود فهو تابعي توفى سنة ثمان ومائة. جاء في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ما يأتي: "وما تقدم نقله عن قتيبة من أنه ولد في عهد النبي ﷺ لا حقيقة له وإنما الذي ولد في عهده أبوه فقد ذكروا أنه من سبى قريظة ممن لم يحتلم ولم ينبت فخلوا سبيله. حكى ذلك البخاري في ترجمة محمد. قال الفخر الرازي في تفسيره الآية المتقدمة بعد أن ذكر قصة شفاعة الغرانيق: هذه رواية عامة المفسرين الظاهريين. أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه:
أحدها - قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعنَا مِنْهُ الوَتِينَ﴾ .
وثانيها - قوله ﴿قُلْ مَا تَكُونَ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي انء أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ .
وثالثها - قوله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌّ يُوحَى﴾ فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية: تلك الغرانيق العلى، لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال.
ورابعها - قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ وكلمة كاد عنه بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل.
وخامسها - قوله ﴿وَلَوْلاَ أَنْ ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْ كَنُ إِلَيْهِمء شيئا قَلِيلاً﴾ وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل.
وسادسها - قوله ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ به فُؤَادَكَ﴾ .
وسابعها - قوله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾ .
أما السنة فهي ما روى عن محمد بن اسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنا دقة وصنف فيه كتابا.
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والأنس والجن وليس فيها حديث الغرانيق.
وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها - أن من جوز على الرسول ﷺ تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان.
وثانيها - أنه ﵇ ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنا أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلا أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم.
وثالثها - أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خرو سجداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم.
رابعها - قوله ﴿فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِى الّشيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ وذلك لأن إحكام الآيات بازالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها فإذا أراد الله إحكام لئلا يلتبس ما ليس بقرآن بالقرآن فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا أولى.
وخامسها - وهو أقوى الوجوه أنا لو رجوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى ﴿يا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَانْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِساَلّتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه. فهذه الوجوه عرفنا على سبيل الأجمال أن هذه القصة موضوعة وكل ما في الباب إن جمعا من المفسرين ذكروها هنا لكنهم ما بلغوا حد التواتر وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة.
ثم شرع الفخر الرازي في التفصيل فليرجع. وأنا نعتقد إن هذة القصة باطلة ومدسوسة ومن وضع الزناقة الذين يريدون بالإسلام سوءاً ومع هذا فليس من المعقول أن يعترف النبي ﷺ بشفاعة الغرانيق وهو يدعو إلى عبادة الله تعالى ويحارب الأصنام ولو كان الشيطان له سلطان عليه ﷺ بدرجة أنه يملي عليه ويحرك لسانه بالكفر لكان ألعوبة له ليس في هذة القصة فقط بل في غيرها أيضا والنبي المعصوم من الشياطين. قال البيضاوي في تفسيره بعد ذكر قصة الغرانيق: (ثم نبهه جبرائيل فاغتم به فغراه الله بهذه الآية وهو مرود عند المحققين وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه) قال أسماعيل القنوي في حاشيته: وهو مرود عند المحققين، بل يجب أن يكون مردوداً عند جميع المسلمين لما عرفته من أمارات الكذب. قوله وأن صح الخ إشارة إلى منع صحته رواية لما قال القاضي عياض في الشفا أنه لم يوجد في شئ من الكتب المعتمدة بسند صحيح وقال إنه من وضع الزنادقة. وقال القاضي عياض إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل. فأمثال هذة القصص المدسوسة المكذوبة على رسول الله هي التي جعلت للطاعنين في الإسلام مجالاً للنقد وتشويه الحقائق وتقبيح المحاسن.
وهاك دليلا آخر على كذب هذه القصة من الوجهة التاريخية وهو:
أن الهجرة الأولى إلى الحبشة كانت في رجب سنة خمس للنبوة وكانت السجدة في رمضان من السنة نفسها (٥) أي قبل غسلام حمزة وعمر لأنهما أسلما في السنة السادسة (٦) .
وقد أجمع المؤرخون على أن المسلمين قبل إسلام عمر كانوا يستخفون في دار الأرقم ويؤدون شعائرهم الدينية في منازلهم، وكان أصحاب النبي ﷺ لا يقدرون أن يصلوا عند الكعبة حتى أسلم عمر. فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلوا معه واتفقوا على تسميته الفاروق فإذا كان المسلمون قبل إسلام عمر ما كانوا يستطيعون الصلاة عند الكعبة فكيف مع هذا يقال أن رسول الله سجد عند الكعبة وسجد معه القوم جميعاً؟؟ الحقيقة أن الرواية كذب واختلاق محض.
قال موير في الجزء الثاني من حياة محمد: أن حمزة وعمر أسلما في السنة السادسة من النبوة، وقال أن المسلمين لم يعودوا يخفون صلاتهم في منازلهم بل كانوا بعدئذ يجتمعون حول الكعبة ويصلون وهم آمنون مطمئنون.
إن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة عادوا إلى مكة بسبب ما بلغهم من تحسن الأحوال أو أنهم سمعوا إشاعة كاذبة تطمئنهم فقدموا في شوال سنة خمس إلا أنه لم يدخل أحد منهم إلا بجوار إلا عثمان بن مظعون فإنه دخل بلا جوار ومكث قليلا ثم اسرع الرجوع إلى الحبشة لأن المسلمين كانوا لا يزالون مضطهدون وكان النبي ﷺ يعيب الأصنام.
فكل هذه البراهين تؤيد أن قصة شفاعة الغرانيق أو أن النبي ﷺ ذكر آلهة قريش بالخير، افتراء واختلاق ولا يمكن أن يصدق هذه القة أحد من المؤرخين المحققين وقد ذكرت في كتاب تاريخ القرون الوسطى لجامعة كامبردج الجزء الثاني ص (٢١٠ -٣١١) (٧) باعتبار أنها صحيحة. وأنه ﷺ ندم على ما قال ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه، واستنتج الكاتب أنه ﷺ لم يكن يعتقد أنه إنما يتبع أمرا الهيا سواء عند تلفظه بهذه الكلمات أو عند عدوله عنها. لكنه علق في الهامش بما يأتي:
"إن كثيرا من المحققين المسلمين يعتبرون هذه القصة خرافية وهذا ما كان ينتظر منهم. لكن من المدهش أن مؤرخا غير متحيز مثل (كايتاني) ينكرها أيضا".
وأنا أقول لا وجه للدهشة لأن المؤرخ الذي يقدر موقفه ولا يتحيز لأحد يعترف بالحقيقة بغض الطرف عن أي اعتبار فإذا الأستاذ (كايتاني) وهو ذلك المؤرخ الإيطالي الكبير الذي يصدر المؤلفات الضخمة عن تاريخ الإسلام ينكر هذه القصة فما ذلك إلا أنه لم يرد أن يثبت إلا ما وصل إليه تحقيقه في هذه المسألة بدون تحيز.
стр. 127
اسلام حمزة
стр. 128
-حمزة بن عبد المطلب. وأمه هالة بنت وهب. وهو عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعه أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب. وكان ﵁ أسن من رسول الله بسنتين، وهو سيد الشهداء وأخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة. أسلم سنة ست من النبوة وكنيته أبو عمارة.
وكان سبب أسلامه أن أبا جهل أعترض فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له فلم يكلمه رسول الله ﷺ ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك. ثم أنصرف عنه فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معه ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب ﵁ أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له فكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة وكان يومئذ مشركا على دين قومه فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله ﷺ فرجع إلى بيته فقالت له يا أبا عمارة ولو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد من أبي الحكم آنفاً قبيل وجده ههنا فآذاه وشتمه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فأحتمل حمزة الغضب فخرج سريعاً لا يقف على أحد كما كان يضع يريد الطواف بالبيت معداً لأبي جهل أن يقع به. فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة وقام رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت (١) .
فقال حمزة وما يمنعني وقد استبان لي منه ذلك. أنا أشهد أنه رسول الله ﷺ وأن الذي يقول الحق فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. قال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً وثبت حمزة على اسلامه.
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولونه به ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء عظيما مشهورا وقاتل يوم بدر بسيفين وشهد أحداً فقتل بها يوم السبت النصف من شوال من السنة الثالثة من الهجرة بعد أن قتل أحد وثلاثين ودفن عند أحد في موضعه وكان عمره تسع وخمسين سنة.
стр. 129
عمر بن الخطاب وسبب اسلامه .
стр. 130
-عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى وأمه حنتمة بنت هاشم. ولد بعد الفيلا بثلاثة عشرة سنة. وروي عن عمر أنه قال ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين ويوافق مولده سنة ٥٨١ م. وكان مديد القامة تاجراً مشهوراً من اشراف قريش. وكانت إليه السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشا إذا وقع بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيراً، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به وبعثوه منافراً ومفاخراً ولما بعث رسول الله ﷺ كان شديداً عليه وعلى المسلمين. وقد ذكرنا أنه كان يعذب جارية بني مؤمل لاسلامها فاشتراها أبو بكر وأعتقها.
اسلامه ﵁
عن ابن عباس أنه قال: "أسلم مع رسول الله ﷺ تسعة وثلاثون رجلا وامرأة ثم أن عمر أسلم فصاروا أربعين" وروى عن النبي ﷺ قال:"اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام" يعني أبا جهل.
وحكى عمر عن سبب اسلامه فقال"
كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا يوماً في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجل من قريش فقال أين تذهب با ابن الخطاب أنت تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك. قال قلت وما ذاك؟ قال أختك قد صبأت (١) . قال فرجعت مغضبا. وقد كان رسول الله ﷺ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة فيكونان معه ويصيبان من طعامه، ويد كان ضم إلى زوج أختي رجلين فجئت حتى قرعت الباب. فقيل من هذا؟ قلت ابن الخطاب. وكان القوم جلوساً يقرءون في صحيفة معهم. فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا وتركوا أو نسوا الصحيفة من أيديهم. فقامت امرأة ففتحت لي. فقلت: يا عدوة نفسها قد بلغني أنك صبأت. قال فأرفع شيئا في يدي فأضربها به فسال الدم فلما رأت المرأة الدم بكت ثم قالت يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت. فدخلت وأنا مغضب فجلست على السرير فنظرت فإذا بكتا في ناحية البيت. فقلت ماهذا الكتاب؟ أعظينيه. فقالت لا أعطيك. لست من أهله. أنت لا تغتسل من الجنابة ولاتطهر وهذا لا يمسه إلا المطهرون. قال لن أزل بها حتى أعطيتني فإذا فيه ﴿بِسْمِ الله الَّحمنِ الرَّحِيمِ﴾ . فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي ثم رجعت إلىّ نفسي فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِ وَهُوَ الُعَزِيزُ الْحَكيِمُ﴾ قال فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليّ نفسي حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَانْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينِ فيهِ﴾ حتى بلغت إلى قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ﴾ قال فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشاراً بما سمعوه مني وحمدوا الله . ثم قالوا يا ابن الخطاب أبشر فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الأثنين فقال: اللهم أعز الإسلام بأحد الرجلين إما عمرو بن هشام وأما عمر بن الخطاب. وإنا نرجوا أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك فأبشر. قال فلما عرفوا منى الصدق في قلت لهم أخبروني بمكان رسول الله ﷺ . فقالوا: هو في بيت في أسفل الصفا وصفوه. فخرجت حتى قرعت الباب. قيل من هذا؟ قلت ابن الخطاب، قال وقد عرفوا شدتي على رسول الله ﷺ ولم يعلموا باسلامي. فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب. فقال رسول الله ﷺ : افتحوا له فإنه ان يرد الله به خيرا يهده. ففتحوا لي وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من النبي ﷺ . فقال أرسلوه. فأرسلني. فجلست بين يديه. فأخذ بمجمع قميصي فجبذني إليه. ثم قال اسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده، قال قلت أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله. فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة.
وكان اسلام عمر في السنة السادسة من النبوة وكان في السادسة والعشرين من عمره. وسماه رسول الله الفاروق لأنه لما أسلم قال لرسول الله ألسنا على الحق ان متنا أو حيينا؟ قال بلى والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم. قال فقلت ففيم الأختفاء والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر حتى دخلنا المسجد فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله ﷺ الفاروق وفرق بينالحق والباطل. قال عمر ﵁: لما أسلمت تلك اليلة تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت. قال قلت أبو جهل، فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه فخرج إليّ أبو جهل. فقال مرحبا ما جاء بك؟ قلت جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به. فضرب الباب في وجهي وقال قبحك الله وقبح ما جئت به (٢) .
لا شك أن عمر ﵁ قد أسلم لسماعه آي الذكر الحكيم مع أنه كان قبل اسلامه يعذب جارية بنى مؤمل لاسلامها أشد العذاب بلا رحمة ولا شفقة ولا يتركها إلا إذا ملّ وكلّ، وهذا يدل على أنه كان شديد البغض للاسلام شديد التعصب لدينه وقد تعدى على أخته وشجها، ولم يكن أحد يتصور أن صاحب هذا الخلق الشديد الحانق على الإسلام والمسلمين والمعتدى على الرجال والنساء بالتعذيب والضرب يسلم بمجرد سماع آي القرآن. نعم لم يكن أحد يتصور ذلك لكن لما كان القرآن ليس كلام البشر بل كلام الله كان له تأثير عجيب في النفوس ولا بد أن سامعه يرق قلبه مهما كان قاسيا. لذلك لم يسع عمر بن الخطاب ذلك العربي الصميم الا الأعتراف بأن ما سمعه هو كلام الله وليس في استطاعة البشر الأتيان بمثله فصدق بما جاء به محمد ﷺ وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب. وعمر ﵁ ثاني الخلفاء الراشدين وقد ضرب المثل الأعلى بعدله وزهده.
قال علي ﵁ ما علمت أحداً هاجر الا مختفيا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتتكب قوسه وانتضى في يده أسهما وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها فطاف سبعا ثم صلى ركعتين عند المقام ثم أتى حلقهم واحدة واحدة وقال شاهدت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلحقني وراء هذا الوادي فما تبعه منهم أحد.
ومن مناقب عمر بن الخطاب العظيمة ﵁ أن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها، (١) - آية أخذ الفداء عن أساري بدر، (٢) - آية تحريم الخمر، (٣) - آية تحويل القبلة، (٤) - آية أمر النساء بالحجاب، (٥) - النهي عن القيام على قبر من مات من المنافقين.
وطعن عمر ﵁ يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ودقن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين (يوافق سنة ٦٤٤ م) وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور.
والذي طعن عمر: العلج أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة وهو قائم من الصلاة الصبح حين أحرم بالصلاة طعنه بسكين مسمومة ذات طرفين فضربه في كتفه وخاصرته وقيل ضربه ضربات فقال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعى الإسلام. والظاهر أن العلج هذا كان مجنونا لأنه طعن مع عمر ثلاثة عشر رجلاً توفى منهم سبعة وعاش الباقون ولما أحس أنه مقتول قتل نفسه.
وكانت خلافته رض الله عنه عشر سنين وخمسة أشهر وأحدا وعشرين يوما وثبت في صحيح البخاري وغيره أنه أو ل من جمع الناس لصلاة التراويح فجمعهم على ـبى بن كعب ﵁ وأجمع المسامون في زمنه وبعده على استحبابها. وروى عن علي ﵁ أنه مرعلى المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا.
стр. 131
الهجرة الثانية إلى الحبشة .
стр. 132
-لما قدم أصحاب النبي ﷺ مكة من الهجرو الأولى (بسبب إسلام عمر وإظهار الإسلام) اشتد عليهم قومهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديداً فأذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية فكانت خرجتهم الآخرى أعظمها مشقة ولقوا من قريش تعنيفاً شديدا ونالوهم بالأذى واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشى من حسن جواره لهم وتخوفوا من حماية دولة أجنبية قوية للمسلمين المهاجرين. فقال عثمان يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذة الأخرى إلى النجاشى ولست معنا. فال رسول الله أنتم مهاجرون إلى الله إلى لكم هاتان الهجرتان جميعاً قال عثمان فحسبنا يا رسول الله. وكان عدة من خرج في هذة الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانين ومن النساء إحدى عشرة إمرأة قرشية وسبعا غرائب فأقام المهاجرين بأرض الحبشة عند النجاشى في أحسن جوارفلما سمعوا بمهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثماني نسوة فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعة نفر.
حصار الشعب وخبر الصحيفة.
لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلداً أصابوا به أمنا وقراراً وأن النجاشى قد منع من لجأ إليه منهم وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله ﷺ وجعل الإسلام ينتشر في القبائل اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب عل أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله للقتل أعنى أنهم اتفقوا وتعهدوا على مقاطعتهم مقاطعة تامة انتقاماً منهم لإسلامهم ودفاعهم عن رسول الله ﷺ وكتبوا بذلك صحيفة توكيداً لأنفسهم وعلقوها في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة (٦١٧ م) . وكانت الصحيفة مكتوبة بخط منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم في شعبه مع بني هاشم وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب وقطعوا عنهم الميرة والمادة فكانوا لا يخرجون الامن موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب. فمن قريش من سره ذلك ومنهم من ساءه وقال انظروا ما أصاب منصور بن عكرمة، فأقاموا في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق رسول الله ﷺ ماله وأنفق أبو طالب ماله وأنفقت خديجة مالها وصاروا إلى حد الضر والفاقة. ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأن الأرضة قد أكلت ماكان فيها من جور وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب فذكر أبو طالب لأخوته وخرجوا إلى المسجد. فقال أبو طالب لكفار قريش إن أخي قد أخبرني ولم يكن يكذبني قط أن الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها كل ما ذكر الله فإن كان ابن أخي صادقا نزعتم عن سوء رأيكم وإن كان كاذباً دفعته اليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا قد أنصفتنا فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ فسقط في أيديهم ونكسوا على رءوسهم. فقال أبو طالب علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر، ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال اللهم انصرنا ممن ظلمنا وقطع أرحامنا واستحل فيهم مطعم بن عدي وعدي بن قيس وزمعة بن الأسود وأبو البَخْتَري بن هشام وزهير بن أبي أمية ولبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا. فلما رأت قريش ذلك سقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة.
وفي سيرة ابن هشام أنهم أقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل اليهم شيء الا سراً مسخفيا به من أراد صلتهم قريش وقد كان أبو جهل بن هشام فيما يذكرون لقى حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بني هاشم واللذه لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاءه أبو البختري وقال: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه. فأخذ له أبو البختري لَحْيَ بعير فضربه به فشجه ووطئه وطئاً شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله على ذلك يدعوا قومه ليلا ونهارا وسراً وجهاراً مباديا بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس. هذا ومن المدهش أن مرجوليث يقول أن أبا جهل كان مشهورا بالعقل والذكاء (١) ، وهي تدري لماذا أيها القارئ؟ لأنه كان معادياً لرسول الله لأن أعماله وصفاته التي ذكرناها لا تدل على أنه كان عاقلا ذكياً. إن النبي ﷺ كان يدعو العرب إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في دنياهم وأخراهم. كان يدعو إلى عبادة الله الواحد وإلى نبذ عبادة الحجارة ومعنى ذلك. أنه كان يعمل على انتشالهم من الإنحطاط الديني الذي كانوا غارقين فيه ورفعهم إلى أعلى المراتب وأسمى العقائد. وعدا ذلك فقد كان ﵇ يهذبهم ويعلمهم مكارم الأخلاق ويبث في نفوسهم الآداب الإجتماعية العالية، فهل يقال عن رجل أتصف بشدة عداوته لرسول الله ﷺ أنه عاقل؟ ثم أن مرجوليث يظهر حمقه على من أسلموا ولاسيما إذا كانوا من الأبطال الأشداء فيرميهم بأوصاف ذميمة منفردة.
стр. 133
الطفيل بن عمرو الدَّوسي شاعر يحكم عقله ويسلم
стр. 134
-كانت قريش إذا سمعت بقدوم أحد من العرب يقابلونه ويحذرونه من رسول الله ويصفونه بكل نقيصة خشية أن يسلم ويعود إلى بلاده ويدعوهم إلى الإسلام. لكن الطفيل بن عمرو الدَّوسي لم يعبأ بتحذيرهم بل حكم عقله وتقابل مع رسول الله وسمع منه القرآن ففكر فيه وتذوقه لأنه شاعر فأسلم وهذه قصته:
هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد الدوسي. يلقب ذا النون.
كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل شريفاً شاعراً لبيباً. فقالوا يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا (١) وفرق جماعتنا وإنم قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت أذني كُرْسفُاً (٢) فرقا أن يبلغني من قوله وأنا أريد أن لا أسمعه. قال فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة. قال فقمت قريباً منه فأبى الله إلا أن يسمعني قوله. فسمعت كلاماً حسناً. فقلت في نفسي وأثكل أمي والله اني لرجل شاعر لبيب ما يخفى عليّ الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ إن كان الذي يأتي حسنا قبلته وإن كان قبيحاً تركته. فمكثت حتى أنصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا ثم إن الله أبى إلا أن أسمع قولك فسمعت قولاً حسناً فأعرض عليّ أمرك. فعرض عليّ الإسلام وتلى عليّ القرآن فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وقلت يا رسول الله إني أمرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فأدعو الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال اللهم اجعل له آية. قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر (٣) وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوها مثلة لفراق دينهم فتحولت في رأس سوطي فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعَلّق وأنا أهبط إليهم من الثنية فلما أتاني أبي وكان شيخا كبيراً فقلت إليك با أبت فلستُ منك ولستَ مني. قال ولما أي بني؟ قلت إني أسلمت. قال أي بني فديني دينك. فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت لها مثل ذلك فأسلمت وقالت أيخاف عليّ من ذي الشرى صمم لهم فقلت لا. أنا ضامن لذلك. ثم دعوت دوساً فأبطأوا عن الإسلام. فرجعت إلى رسول الله بمكة فقلت يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الربا فادعوا الله عليهم. فقال اللهم اهدي دوساً إليّ. أرجع قومك فادعهم وارفق بهم. قال فرجعت فلم أزل بأرض قومي دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجروا إلى النبي ﷺ إلى المدينة وقضى بدراً وأحداً والخندق. ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو بثمانين بيتا من دوس ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين ثم لم أزل مع الرسول ﷺ حتى فتح الله عليه مكة فقلت يا رسول الله أبعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. فخرج إليه فجعل طفيل يقول وهو يحرقه وكان من خشب:
يا ذا الكَفَين لست من عُبَّادكَا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
ثم رجع طفيل إلى رسول الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله ﷺ (٤) .
стр. 135
وفاة أبي طالب سنة ٦٢٠ م .
стр. 136
-كان أبو طالب بن عبد المطلب من أشد الناس دفاعا عن رسول الله ﷺ لكن نفسه لم تطاوعه على أعتناق الإسلام وفراق دين آبائه. روى أن النبي ﷺ قال "ما زالت قريش كاعة عني (١) حتى مات عمي" وكان النبي ﷺ يحب أن يسلم عمه لأنه هو الذي كفله وذاد عنه إلى أخر لحظة من حياته.
ولما أشتد مرضه قال له رسول الله ﷺ يا عم قلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة (يعني قل الشهادة) فقال له أبو طالب يا ابن أخي لولا مخافة المسبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها. على أن الذي منعه من الإسلام هو خوف الملام والشتم وأنه فارق دين آبائه واتبع دين ابن أخيه وقد رباه صغيراً، فالمشهور أنه مات كافر وكان له من الولد جعفر وعلي وعقيل وطالب وأم هانئ وأسمها فاختة وجمانة وكلهم أعقب إلا طالباً وكان أبو طالب أعرج وتوفي بعد النبوة بعشر السنين وقبل الهجرة بثلاث سنين بالغاً من العمر نحو ثمانين سنة.
وفي أسد الغابة لما أشتد بأبي طالب مرضه دعا بني عبد المطلب فقال إنكم لن تزالوا بخير ما سمعتم قول محمد واتبعتم أمره فأتبعوه وصدقوه ترشدوا.
ولما مات أبو طالب قال له رسول الله ﷺ رحمك الله وغفر لك لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله. فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾
стр. 137
وفاة خديجة سنة ٦٢٠ م .
стр. 138
-توفيت خديحة زوجة رسول الله بعد أبي طالب بثلاثة أيام وقيل بأكثر من ذلك. قبل الهجرة بثلاث سنين ولها خمس وستون سنة وكان مقامها مع رسول الله ﷺ بعد ما تزوجها أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر ودفنها رسول الله ﷺ بالحجون ولم تكن الصلاة على الجنائز يومئذ. وحزن عليها النبي ونزل في حفرتها وتتابعت على رسول الله بموت أبي طالب وخديجة المصائب لأنهما كانا من أشد المعضدين له المدافعين عنه. فأشتد أذى قريش عليه حتى نثر بعضهم التراب على رأسه وطرح بعضهم عليه سلى الشاة وهو يصلي. سمي العام الذي مات فيه أبو طالب وخديجة "عام الحزن".
سفره إلى الطائف.
الطائف بلدة في الحجاز على مسافة ٦٥ ميلا جنوبا شرقيا من مكة وهي مشهورة بجودة مناخها وخصب أرضها وفواكهها ولا سيما العنب والبرقوق والرمان والخوخ وهي مصيف أغنياء مكة (١) وقد سافر إليها النبي ﷺ لثلاث بقين من شوال سنة عشر من المبعث (يناير - فبراير ٦٢٠ م) ومعه مولاه زيد بن حارثة يلتمس من ثقيف النصرة فعمد إلى جماعة من أشراف ثقيف ودعاهم إلى الله فقال واحد منهم. أما وجد الله أحداً يرسله غيرك. وقال الآخر والله لا أكلمك أبداً لأنكم إن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. وأغروا سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط فلما اطمأن ورجع عنه السفهاء قال ﵊ "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. الله يا أرحم الراحمين أن رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أوالى عدوّ ملّكته أمري إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع أني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك" فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيبة مالقى رسول الله تحركت له رحمهما فدعوا له غلاما لهما نصرانياً يقال له عَدَّاس فقالا له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله فما وضع رسول الله يده قال بسم الله فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام يا يقوله أهل هذه البلدة قال له رسول الله ﷺ ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك. قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نِينَوي. فقال له رسول الله ﷺ أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى. قال له وما يدريك ما يونس بن متى. قال رسول الله ﷺ ذاك أخي كان نبياً وأنا نبيّ فأكب عدّاس على رأس رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه ورجليه. فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه. قال يا سيدي مافي الأرض خير من هذا الرجل. لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي. فقالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه. ثم أن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف فلما قدمها وجد قومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه الا قليلا مستضعفين ممن آمن به. وفي الطبري أن بعضهم ذكر أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف مريداً مكة مرّ به بعض أهل مكة فقال له رسول الله ﷺ هل أنت مبلغ عني رسالة أرسلك بها. قال نعم. قال أئت الأخنس بن شَرِيق فقل له يقول لك محمد هل أنت مُجيري حتى أبلغَ رسالة ربي. قال فأتاه له ذلك فقال الأخنس أن الحليف لا يُجيز على الصريح. فأتى النبي ﷺ فأخبره. قال تعود. قال نعم. قال أئت سُهيل بن عمرو فقل له أن محمداً يقول هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي. فأتاه فقال له ذلك. فقال إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب. فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره. قال تعود. قال نعم. قال أئت المطعم بن عدي فقل له إن محمداص يقول لك هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي. قال نعم فليدخل. فرجع إليه الرجل فأخبره وأصبح المطعم قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد فما رآه أبو جهل قال أمجير أم متابع؟ قال بل مجير. فقال قد أجرنا من أجرت. فدخل النبي ﷺ مكة وأقام بها فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة فلما رآه أبو جهل قال هذا نبيكم يا بني عبد مناف. قال عتبة بن ربيعة وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك فأخبر بذلك النبي ﷺ أو سمعه فأتاهم فقال. أما أنت ياعتبة بن ربيعة فوالله ما حميت لله ولا لرسوله ولكن حميت لأنفك. وأما أنت يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا. وأما أنتم يا معشر الملأ من قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون.
ويقال أن رسول الله أقام بالطائف عشرة أيام وظاهر أن الذي دعاه إلى السفر هو التماس النصرة ولكنهم خذلوه وما التمس النصرة من ثقيف الا بعد أن توفي أبو طالب وخديجة. أضف إلى ذلك أن فريقا من المسلمين هاجروا إلى الحبشة ولما عادوا من الطائف لم يستطع دخول مكة الا بجوار رجل كالمطعم بن عدي.
стр. 139
الإسراء والمعراج سنة ٦٢١ م .
стр. 140
-كان الإسراء قبل الهجرة بسنة في ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وهو المشهور عليه عمل الناس وكان ليلة الأثنين.
كان الأسراء إلى بيت المقدس والمعراج إلى السموات وفرضت عليه في تلك الليلة الصلوات الخمس.
وقد ذكر الإسراء في القرآن قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرِى بِعَبُدِهِ لَيْلاً مِنَ الَمسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ الَّسمِيعُ الْبصِيرُ﴾ .
واختلف في كيفية الأسراء فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله ﷺ (١) والأقلون قالوا أنه ما أسرى إلا بروحه. حكى عن محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال ذلك رُؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله ﷺ وإنما أسرى بروجه حكى هذا القول أيضا عن عائشة ﵂ وعن معاوية ﵁ وحديث عائشةليس بالثابت لأنها لم تكن حينئذ زودجته. قال النسفى وكان الأسراء في اليقظة وعن عائشة ﵂ أنها قالت والله ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن عرج بروحه. وعن معاوية مثله وعلى الأول الجمهور إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم.
ومما قاله الفخر الرازي في تفسيره: قال أهل التحقيق إن الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر. أما القرآن فهذه الآية وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح فوجب أن يكون الأسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح الخ. وأما الخبر فهو الحديث المروى في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ثم منه إلى السموات اه.
والمعراج به ﷺ إلى السموات ليطلع على عجائب الملكوت كما قال تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ والا فالله تعالى لا يحويه زمان ولامكان ورأى ربه تلك الليلة وأوحى إلى عبده ما أوحى وفرض عليه خمس صلوات وجمع له الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصلى بهم في بيت المقدس ثم استقبلوه في السموات ورجع ﷺ من ليلته إلى مكة.
стр. 141
تأثير خبر الإسراء في قريش .
стр. 142
-لما أصبح رسول الله ﷺ أخبر الناس بما رآه فصدقه الصديق وكل من آمن به ايماناً قوياً وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس فوصفه لهم وسألوه عن أشياء في المسجد فمثل بين يديه فجعل ينظر إليه ويصفه ويعد أبوابه لهم باباً باباً فيطابق ما عندهم. وسألوه عن عير لهم فأخبرهم بها وبوقت قدومها فكان كما أخبر.
ويروى أنه ﷺ لما رجع إلى مكة من ليلته فأخبر بمسراه أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي ﵁ وأنه يريد أن يخرج إلى قومه ويخبرهم بذلك لأنه ماأحب أن يكتم قدرة الله وما هو دليل على مقامه ﷺ فتعلقت برادئه أم هانئ وقالت أنشدك الله يا ابن عم أن لا تحدث بها قريشاً فيكذبك من صدقك فضرب بيده على ردائه فانتزعه منها. قالت وسطع نور عند فؤاده كاد يخطف بصري فخررت ساجدة فلما رفعت رأسي فإذا هو قد خرج. قالت فقلت لجاريتي نبعة وكانت حبشية اتبعيه وانظري ماذا يقول فلما رجعت أخبرتني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم وفيهم مطعم بن عدي وأبو جهل بن هشام فأخبرهم بمسراه.
لما قص رسول الله خبر الأسراء على جمع من قريش أعظموا ذلك الأسراء وصار بعضهم يصفق وبعضهم يضع يده على رأسه تعجبا (فلو كان الأسراء رؤيا منامية لما كانت مستغربة وما أحدثت تلك الضجة وكذبه المسلمون اللهم الا من كان منهم قوي العقيدة ثابت الإيمان) ... قال المطعم بن عدي إن أمرك قبل اليوم كان أمراً يسيراً غير قولك اليوم، هو يشهد أنك كاذب. نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً. أتزعم أنك أتيته في ليلة واحدة واللات والعزى لا أصدقك وما كان هذا الذي تقول قط. فقال أبو بكر ﵁ يا مطعم بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته. أنا أشهد أنه صادق. وفي رواية فسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر ﵁. فقال هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسرى بنه الليلة إلى بيت المقدس. قال وقد قال ذلك: قالوا نعم. قال لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا أتصدقه أنه ذهب إلى بين المقدس وجائ قبل أن يصبح؟ قال نعم أني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك. أصدقه في خبر السمء في غدوة وروحة. فقال المطعم يا محمد صف لنا بيت المقدس. فقال أبو بكر ﵁ صف لي يا رسول الله فأني قد جئته. فجاءه جبريل بصورته ومثاله فجعل يقول باب منه في موضع كذا وباب منه في موضع كذا وأبو بكر ﵁ يقول أشهد أنك رسول الله حتى أتى على أوصافه.
وهذه هي الأحاديث الواردة في صحيح البخاري الخاصة بالأسراء والمعراج مشروحة في الهامش موجزاً نقلا عن القسطلاني:
عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لما كذبني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس (١) فطفقت أخبرهم عن آياته (٢) وأنا أنظر إليه".
стр. 143
المعراج (١) .
стр. 144
-عن مالك بن صَعْصَعة ﵄ أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسرى به قال "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعاً إذ أتاني آت (٢) فَقَدَّ قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه. قال الراوي من ثُغْرَة نحره (٣) إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بِطَست من ذهب (٤) مملوءة إيمانا فَغُسل قلبي ثم حُشى ثم أعيد (٥) ثم أتيتُ بدابة دون البغل وفوق الحمار أيبضَ. قال الراوي وهوالبراق يضع خطوه عند أقصى طرفه (٦) فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه قال نعم. قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فَفَتَحَ (٧) فما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه (٨) فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحباً بالأبن الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه؟ قال نعم: قيل مرحباً فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى (٩) وهما ابنا الخالة' قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه قال نعم. قيل مرحباً فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يوسف. قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد صم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بن حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه. قال نعم. قيل مرحباً فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا أدريس قال هذا أدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد. قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد (١٠) قيل وقد أرسل إليه. قال نعم. قال مرحباً به فنعم المجئ جاء. فلما خلصت فإذا هرون. قال هذا هرون فسلم عليه. فسلمت عليه فرد. ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل من معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه. قال نعم. قال مرحباً. فنعم المجئ جاء. فلما خلصت فإذا موسى. قال هذا موسى فسلم عليه. فسلمت عليه فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك؟ (١١) قال أبكي لأنه يعمل بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي (١٢) ثم صعد بي إلى السماء السابعة فأستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل. قيل ومن معك. قال محمد. قيل وقد بعث إليه. قال نعم. قال مرحباً فنعم المجئ جاء. فلما خلصت فإذا إبراهيم. قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام. فقال مرحباً بالأبن الصالح والنبي الصالح (١٣) . ثم رفعت لي سدرة المنتهى (١٤) فإذا نبقها (١٥) مثل قلال هجر (١٦) وإذا ورقها مثل أذان الفيلة. قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت ما هذا ياجبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بأناء من الخمر وإناء من اللبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله خبرت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت بخمس كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وأني جربت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قلت وسألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. قال فلما جاوزت نادني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي (١٧) .
عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً للِنَّاسِ﴾ قال هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة اسرى به إلى بيت المقدس (١٨) قال والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم.