٤ - وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان.
قال المستر كانون سل في كتابه "حياة محمد (١) " (قال زيد وأصحابه أنهم رغبوا في اتباع دين إبراهيم. ويظن أن محمداً أخذ منهم هذه الفكرة) ثم قال (بقي زيد حنيفاً وعاب على أهل مكة عبادة الأصنام فأثار ذلك غضبهم إلى ترك مكة والإقامة في جبل حراء وبعد أن مضى هنالك زمناً يفكر توفى ودفن بأسفل الجبل وقد كان له تأثير عظيم في محمد الذي كان يجل شأنه ويقدره قدره. ولا ريب أن هؤلاء الرجال وأمثالهم من ذوي العقول الراجحة كانوا كثيراً ما يتشاورون ويتحادثون فيما وصلت إليه حالة العرب الأجتماعية من الإنحطاط ويأسفون لانتشار الوثنية وضعف مركزهم السياسي. ولم ينجح عثمان بن الحويرث في تأسيس سلطة مركزية لاعتماده إلى دولة أجنبية الأمبراطورية الرومانية ومع ذلك كانت الحاجة تدعو إلى وجود سلطة مركزية والأعتراف بالكعبة وجعلها قوة دينية للعرب جميعاً فكيف الوصول إلى ذلك وكيف يمكن إبطال عبادة الأصنام إلى أن قال وهنا سنحت الفرصة لظهور نبي وقد كان الأستعداد لظهوره قريبا وما لبث أن ظهر نبي قوي الشخصية ذو فطنة سياسية فائقة برسالة محدودة للأمة العربية) اهـ.
نعم أن هؤلاء تحادثوا في أمر انتشار عبادة الأصنام وأخذوا يبحثون عن الدين الصحيح لكن محادثاتهم كانت قليلة. ليس لها شأن ولن يبلغنا أن النبي ﷺ كان يجتمع بهم ويحادثهم في شؤون العرب الدينية أو السياسية وقد كان زيد بن عمرو مضطهداً ولجأ إلى حراء لكن لم تكن له اجتماعات برسول الله حتى يقال أنه تذاكر معه مسائل الدين وترك في نفسه أثراً عميقاً أو أنه أخذ منه الفكرة لأن المسألة ليست مسألة اقتباس فكرة. فالقرآن وما حواه من فصاحة وبلاغة خارقة وحكم بالغة وأمثال محكمة وذكر أحوال الماضين من أنبياء وأمم وأنباء المستقبل وعلاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بغيره والتشريع مصدره اجتماع زيد بن عمرو برسول الله مصادفة في حراء أو في الطريق. ثم أننا فوق ذلك لا نعلم من تاريخ رسول الله أنه كان يتذاكر مع رجال أو كانوا يعلمونه من صغره إلى أن صار نبيا بل الثابت أنه كان أمياً لا يدري ما الكتابة والقراءة ولا الدين وأصوله حتى أوحى إليه.
وهذه ترجمة حياة زيد بن عمرو تماما للبحث.
стр. 72
زيد بن عمرو (١)
стр. 73
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي والد سعيد بن زيد أحد العشرة وابن عم عمر بن الخطاب يجتمع هو وعمر في نفيل سئل عنه النبي ﷺ فقال "يبعث أمة وحده يوم القيامة" وكان يتعبد في الجاهلية ويطلب دين إبراهيم الخليل ﷺ ويوحد الله تعالى ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول (الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله تعالى) انكاراً لذلك واعظاماً له وكان لا يأكل مما ذبح على النصب واجتمع به رسول الله ﷺ بأسفل بلدح (٢) قبل أن يوحى إليه وكان يحيى الموءودة. وعن زيد بن حارثة قال خرجت مع رسول الله ﷺ يوما حاراً من أيام مكة وهو مردفي فلقينا زيد بن عمرو بن نفيل فحيا كل واحد منا صاحبه فقال النبي ﷺ يا زيد مالي أرى قومك قد شنفوا لك (٣) قال والله يا محمد إن ذلك لغير نائلة تره لي فيهم ولكن خرجت أبتغي هذا الدين جتى أقدم على أحبار خيبر فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فقلت ماهذا الدين الذي أبتغى فخرجت فقال لي شيخ منهم إنك لتسأل عن دين مانعلم أحداً يعبد الله به إلا شيخاً بالحيرة. قال فخرجت حتى أقدم عليه فلما رآني قال ممن أنت؟ قلت أنا من أهل بيت الله من أهل الشوك والقرظ قال إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك قد بعث نبي قد طلع نجمه وجميع من رأيتهم في ضلال. قال فلم أحس بشيء.
قال زيد ومات زيد بن عمرو وأنزل على النبي ﷺ فقال النبي لزيد "انه يبعث يوم القيامة أمة وحده".
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت لقد رأيت زيد بن عمرو نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. وكان يقول اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته. وقال ابن اسحاق بعض آل زيد كان إذا دخل الكعبة قال لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً. عذت بما عاذ به إبراهيم. ويقول وهو قائم. أنفى لك عان راغم. مهما تجشمني فأني جاشم. البر أبغى لا المال وهل مهجر كمن قال. وكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيد بن عمرو بن نفيل حتى خرج إلى أعلى مكة فنزل حراء مقابل مكة ووكل به الخطاب شباباً من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم فلا يتركونه يدخل الكعبة وكان لا يدخلها إلا سراً منهم فإذا علموا به آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقهم. وتوفى زيد قبل مبعث النبي ﷺ (٤) فرثاه ورقة بن نوفل
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنوراً من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وقد يدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض ستين واديا
وكان يقول يا معشر قريش أياكم والرياء فإنه يورث الفقر.
هذه ترجمة زيد بن عمرو وهو مع اعتناقه دين إبراهيم هرباً من الوثنية لم يكن يعلم أحب الوجوه إلى الله تعالى ليعبده به.
стр. 74
بدء الوحي
стр. 75
-لما قربت أيام الوحي حبب إليه الخوة فكان يختلي في غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، وكانت عبادته على دين إبراهيم ﵇، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وكانت تلك الرؤيا الصادقة مقدمات الوحي. قيل مدتها ستة أشهر.
فلما تم له أربعون سنة جاء جبريل بالنبوة وذلك في يوم الأثنين لسبع عشرة خلت من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاده، فيكون عمره إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر وثمانية أيام، وذلك يوافق ٦ أغسطس سنة ٦١٠ م وهو بغار حراء.
جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت:
"أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم (١) فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح (٢) ثم حبب إليه الخلاء (٣) وكان يخلو بغار حراء (٤) فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله (٥) ويتزود لذلك (٦) ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق (٧) وهو بغار حراء فجاءه الملك (٨) فقال له أقرأ، فقال له ما أنا بقارئ (٩) قال فأخذني فغطني (١٠) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال أقرأ. فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال أقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني ثالثة ثم أرسلني فقال أقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، أقرأ وربك الأكرم فرجع بها (١١) رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني (١٢) فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي (١٣) .فقالت خديجة: كلا والله ما يحزنك الله أبداً (١٤) إنك لتصل الرحم (١٥) وتحمل الكل (١٦) وتكسب المعدوم (١٧) وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان أمرأً قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الأنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك (١٨) فقال لي ورقة يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقاله له ورقة هذا الناموس (١٩) الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها (٢٠) جذعا (٢١) ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك (٢٢) فقال رسول الله ﷺ أومخرجي هم؟ قال نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الا عودى، وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزراً (٢٣) ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي (٢٤) .
أول ما نزل عليه ﷺ من القرآن "اقرأ" كما صح ذلك عن عائشة وورى ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير. قال النووي وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.
стр. 76
النبي المنتظر
стр. 77
-اتفق مؤرخو العرب وأصحاب السير أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون ظهور نبي في ذلك الزمان وكانوا يعلمون أوصافه وأحواله. من ذلك أنهم كانوا:
стр. 78
١ - قصة حليمة السعدية وأنها كانت تعرض رسول الله على اليهود كلما مر بها جماعة منهم وتحدثهم بشانه فكانوا يحضون على قتله فتهرب منهم.
стр. 79
٢ - أنهم اتفقوا على أن بحيرا الراهب عرف الرسول بعلامات فيه وقال لأبي طالب "ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغيه شراً فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده".
стр. 80
٣ - في سيرة ابن هشام فصل عن انذار يهود برسول الله نقلا عن رواية ابن اسحاق فليرجع في موضعه وقد أوردته في هذا الكتاب.
стр. 81
٤ - قصة سلمان الفارسي الذي أسلم بعد أن استدل على رسول الله بعلامات كان يعرفها من الراهب الذي صحبح أخيراً. وقصة اسلام سلمان مشهورة ومذكورة في المصادر المعتبرة التي يعول عليها المؤرخون ولا يمكن أن تكون مختلفة، فقد رواها ابن عباس عن لسان سلمان الفارسي نفسه. والقصة مذكورة في هذا الكتاب أيضا لأهميتها.
стр. 82
٥ - اسلام عبد الله بن سلام بن الحارث فإنه كان حبراً عالما. قال سمعت برسول الله ﷺ . عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة إلى آخر ما قال مما هو مذكور في هذا الكتاب نقلا عن سيرة ابن هشام.
стр. 83
٦ - كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبياً يبعث في العرب اسمه محمد فسمى من بلغه ذلك من العرب ولده محمداً طمعاً في النبوة. وقد ذكرت في كتابي هذا أسماء بعضهم نقلا عن طبقات ابن سعد كاتب الواقدي.
стр. 84
٧ - ما جاء في صحيح البخاري في باب بدء الوحي من أن ورقة بن نوفل (ذلك الشيخ العالم بالنصرانية والذي كان يكتب الأنجيل بالعبرانية) قال لرسول الله حين عرضته عليه خديجة: "هذا الناموس الذي نزل على موسى"الخ.
стр. 85
٨ - أن النبي ﷺ لما جمع بني قينقاع -وهم طائفة من اليهود- قال لهم: "يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله إليكم".
كل هذا وغيره يؤيد أنهم كانوا ينتظرون نبياً يظهر في ذلك الزمان. وليس ذلك بمستغرب فإن البشارة به ﷺ قد وردت في التوراة والإنجيل وقد اثبتنا ذلك في فصل سابق من هذا الكتاب مستشهدين بآيات من الكتاب المقدس المطبوع باللغة العربية. فلا بد أن أهل الكتاب في ذلك الزمان كانت لديهم كتب أخرى ألفها علماؤهم شرحاً للكتاب المقدس فاستقوا منها تلك المعلومات والعلامات التي عرفوا بها صفة رسول الله وموطنه وزمنه واضطهاد قومه له وهجرته. إننا نرجح ذلك بل نؤكده لأننا إذا كنا قد استخرجنا من الكتاب المقدس المطبوع في أيامنا آيات تبشر برسالته ﷺ وتصفه وتصف شريعته وموطنه وأصحابه فلا بد أن يكون أهل الكتاب قديماً -ولا سيما العلماء منهم- قد اطلعوا في النسخ العبرية القديمة التي كانت لديهم، ولم نتوصل إليها، على معلومات أو في خاصة بالرسول تعد غريبة بالنسبة لنا.
هذا ما يستنتجه المؤرخ المنصف، بل هذا ما يتبادر إلى ذهن من تتبع سيرة الرسول أما مستر موير فإنه انبرى في الجزئ الثاني من كتابه يكذب جميع المصادر التاريخية ويرفض ما جاء فيها من أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون نبياً يبعث، زاعماً أن هذه الروايات لا اساس لها من الصحة وأنها من مخترعات المؤرخين لأنه لو اعترف بصحتها أو بصحة بعضها لوجب عليه أن يعترف برسالة النبي ﷺ ، في حين أنه حاول في جميع ما كتبه واستنبطه اثبات أنه لم يكن نبياً بل كان رجلا يدعي النبوة لبسط نفوذه.
стр. 86
النبي الأمي
стр. 87
-أول ما نزل عليه ﷺ من القرآن "اقرأ" كما صح ذلك عن عائشة وروى ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير. قال النووي وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف. وقوله "ما أنا بقارئ" أي أني أمي فلا أقرأ الكتب. قال الزجاج: الأمي الذي على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته. وفي التنزيل العزيز ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمانِيَّ﴾ .
قال أبو اسحاق: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه أي لا يكتب وهو في أنه لا يكتب أمى لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نسب إلى ما يولد عليه. أي على ما ولدته أمه عليه. وكانت الكتابة في العرب من أهل الطائف تعلموها من رجل من أهل الحيرة وأخذها أهل الحيرة عن أهل الأنبار. وفي الحديث "أنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب" أراد على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى. وفي الحديث "بعثت إلى أمة أمية" قيل للعرب الأميين لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة. هذا معنى كلمة "أمى" في اللغة العربية وهكذا كان يفهمها العرب. قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتّبِعُونَ الرَّسُولَ النّبيَّ الاُمِّيَّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاة وَالانْجِيل﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَتَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية. قال الفخر الرازي في تفسيره "فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤن والنبي ﵊ كان كذلك، فلهذا السبب وصفه يكونه أمياً. قال أهل التحقيق وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته. ويبانه من وجوه:
(الأول) أنه ﵊ كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماُ مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته. والخطيب من العرب إذا أرتجل خطبة ثم أعادها فإنه لابد أن يزيد فيها بالقليل والكثير. ثم أنه ﵊ مع أنه ماكان كتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك من المعجزات، وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿سَنقْرِئكَ فَلاَ تَنْسَى﴾ .
(الثاني) أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة، فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات، وهذا هو المراد من قوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَميِنكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمبْطِلُونَ﴾ .
(الثالث) أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى. فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم. ثم أنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من الحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعلهه بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهماً فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات" اهـ.
وقد طالعت ما كتبه الذين تعرضوا لهذا البحث من الإفرنج الذين ترجموا حياة النبي ﷺ فوجدت تخبطا مدهشاً فقد بحث الأستاذ نولدكه الألماني في كتابه "تاريخ القرآن" (١) هل كان النبي يعرف القراءة والكتابة بل تفيد أن لا يعرف الأسفار القديمة
والثابت من التاريخ والقرآن والحديث أن النبي ﷺ ما كان يعرف القراءة والكتابة بالرغم من أن بعض المستشرقين يحاولون أن يثبتوا عكس ذلك من غير برهان. إنما هم يستنتجون بعقولهم. ليتعجبوا ما شاءوا من أميته ولكن يجب عليهم أن يتعرفوا بأنه ما كان يعلم القراءة والكتابة. وجاء في قاموس الإسلام (٢) "ومع ذلك فمن المحقق أنه (النبي ﷺ كان يتظاهر بإنه يجهل القراءة والكتابة كي يجعل انشاء القرآن معجزا"
فهل بعد ذلك تعسف! لو كان رسول الله ﷺ يقرأ أو يكتب لتحدث بذلك أصحابه أو أعداؤه، ولما أمكن أن يكون أمراً مكتوما طول حيانه خصوصا أن جميع صفات النبي وأعماله قد روتها الصحابة بالتفصيل حتى خصوصياته في منزله مع نسائه. على أن المنصفين من مؤررخي الإفرنج وفلاسفتهم قد اعترفوا بأميته. فمن ذلك ما كتبه المسيو سيدليو في كتابه "تاريخ العرب" الجزء الأول ص ٥٩ من الطبعة الثانية:
"ولما كان (رسول الله ﷺ غير متعلم مثل أبناء وطنه كان لا يعرف القراءة"
وقال الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل في كتاب الأبطال الذي عني بترجمته الأستاذ محمد السباعي ﵀:
"ثم لا ننسى شيئا آخر وهو أنه لم يتلق دروساً على أسناذ أبداً وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب. ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمداً لم يكن يعرف الخط والقراءة وكل ما تعلم هي عيشة الصحراء وأحوالها"
وجاء في كتاب الإسلام تأليف الكونت هنري دي كاسترى ترجمة المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا:
"أن محمداً ما كان يقرأ ولا يكتب بل كان -كما وصف نفسه مراراً- نبياً أمياً، وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه. ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس لأن حياة الشرقيين كلها ظاهرة للعيان، على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك الأقطار الخ". ولما كان رسول الله ﷺ أميا احتاج إلى كتاب يكتبون له وقد ذكر الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق أنهم ثلاثة وعشرون، وروى ذلك كله بأسانيده وهم:
أبو بكر الصديق. عمر ابن الخطاب. وعثمان وعلي والزبير وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان ومحمد بن سلمة والأرقم بن أبي الأرقم وابان بن سعيد بن العاص وأخوه خالد بن سعيد وثابت بن قيس وحنظلة بن الربيع وخالد بن الوليد وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن زيد بن عبد ربه والعلاء بن عتبة والمغيرة بن شعبة والسجل وزاد غيره شرحبيل بن حسنة قالوا وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت ومعاوية ﵃
وسيأتي في غزوة أحد أن العباس كان بمكة وكتب إلى النبي ﷺ كتاباً يخبره بجمع قريش وخروجهم. فلما جاء كتاب العباس وكان أرسله مع رجل من بني غفار، فك رسول الله ختمه ودفعه لأبي بن كعب فقرأه عليه فاستكتم أبياً (٣) فلو كان النبي ﷺ يعرف القراءة لما دفع كتاباً يحوي أخباراً سرية إلى أحد لقراءته
وذكر ابن مأكولا أن تميم بن جراشة وفد على النبي ﷺ وروى عنه أنه قال: قدمت على النبي ﷺ في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط فقال اكتبوا ما بدا لكم ثم ايتوني به فسألناه في كتابنا أن يحل لنا الربا والزنا فأبى علىّ أن يكتب لنا فسألنا خالد بن سعيد بن العاص فقال له عليّ: تدري ماتكتب؟ قال أكتب ما قالوا ورسول الله ﷺ . فقال للقارئ اقرأ. فلما انتهى إلى الربا قال ضع يدي عليها فوضع يده فقال ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَذَرُوا مَابَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية. ثم محاها وألقيت علينا السكينة فما راجعناه فلما بلغ "الزنا" وضع يده وقال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ الآية. ثم محاها وأكر بكتابنا أن ينسخ لنا (٤)
وقد تصور بعضهم أن النبي ﷺ كان يتلوا الكتب الدينية القديمة ومنها استقى معلوماته، وهذا لا أساس له، إذ لم يكن في جزيرة العرب كتب دينية باللغة العربية في ذلك الوقت. ومن المؤكد أنه كما كان يعرف أي لغة من اللغات الأجنبية
وقد قيل أيضا أنه ﷺ اقتبس بعض تعاليم المسيحية أثناء سفره إلى الشام عندما كان يتاجر، وبديهي أن التاجر العربي الذي لا يعرف اللغة الآرمية واليونانية كان يتعذر عليه الحصول على معلومات دينية من مسيحي الشام. أما الذين كانوا يتكلمون العربية من هؤلاء المسيحيين فقد كانوا جهالا أميين
وأما ما قيل من أن ورقة بن نوفل ترجم جزءا من الكتب المسيحية إلى العربية فغير محتمل بالمرة (٥) ومع ذلك يزعم در منجم في كتابه "حياة محمد" أن ورقة ترجم الأناجيل إلى العربية.
стр. 88
فترة الوحي (١)
стр. 89
-جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ (٢) وهو يحدث عن فترة الوحي فقال: قال رسول الله ﷺ في حديثه بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك (٣) الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فربت منه فرجعت (٤) فقلت زملوني زملوني فأنزل الله تعالى ﴿يَأَيُّهَا المُدَّثِّرُ (٥) قُمْ فَأَنْذِرْ (٦) وَرَبِّكض فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهَِرْ وَالرُّجْزَ (٧) فَاهْجُرُ﴾ فحمى الوحي (٨) وتتابع
قال اين اسحق ابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في شهر رمضان يقول الله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ... لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ... تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإذْنِ رَبِّهمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ وقال الله تعالى ﴿حم وَالْكِتَابِ المُبينِ ... إِنَّا أَنْزَلْنَاهْ فِي لَيْلةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كْنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ... أَمْراً مِنْ عَنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِين﴾ وقال تعالى ﴿إِنْ كُنْتمْ آمَنتُمْ بِالله وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرقَانِ يَوْمَ الْتَقَىَ الْجَمعَانِِ﴾ وذلك ملتقى رسول الله ﷺ والمشركين ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان.
ولما فتر الوحي حزن النبي ﷺ حزنا شديداً غدا منه مراراً كي يتردى من روءس الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقاً. فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه. وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما جزم به ابن اسحاق ثم نزل عليه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به وما ودعه وما قلاه، فقال تعالى ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ... مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ... وَلَلآخِرَة خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ... وَلَسَوْفَ يُعْطِكَ رَبُكَ فَترْضَى ... أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِماً فَآوَى ... وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى ... وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ يعرفه الله أنه ما قطعه قطع المودع وما أبغضه.
روى أن الوحي لما تأخر عنه قال المشركون أن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت رداً عليهم. ﴿وَلَلآخِرَة خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ فإنها باقية خالصة من الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار.
أول من آمن به
أول من آمن به من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان، علي ومن النساء خديجة، ومن الموالى زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال.
стр. 90
أبو بكر الصديق واسلامه
стр. 91
-هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي القرشي التيمي.
ولد أبو بكر سنة ٥٧٣ م وهو أول الخلفاء. وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وهي، ابنة عم أبي قحافة. وهو صاحب رسول الله ﷺ في الغار وفي الهجرة والخليفة بعده. روى عن النبي ﷺ . وروى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وغيرهم. وقد اختلف في اسمه فقيل كان عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. وقيل أن أهله سموه عبد الله ولا يبعد ذلك لأن التسمية بعبد الله كانت موجودة قبل الإسلام ويقال له عتيق أيضاً واختلفوا في السبب الذي سمي لأجله "عتيق" فقال بعضهم قيل له عتيق لحسن وجهه وجماله. قال الليث بن سعد وجماعة معه. وقال الزبير بن بكار وجماعة معه إنما قيل له عتيق لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به. وقيل إنما سمي عتيقا لأن رسول الله ﷺ قال "أنت عتيق الله من النار". وعن عائشة ﵂ أن أبا بكر دخل على رسول الله ﷺ فقال له "أنت عتيق من النار" فيومئذ سمى عتيقاً. وقيل له "الصديق" أيضاً. قالت عائشة ﵂ لما أسرى بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فأرتد ناس ممن كان قد آمن وصدق وفتنوا به، فقال أبو بكر أني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك. أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة. فلذلك سمى أبو بكر الصديق، وقال أبو محجن الثقفي:
وسميت صديقا وكل مهاجر ... سواك يسمى باسمه غير منكر
سبقت إلى الاسلام والله شاهد ... وكنت جليساً في العريش المشهر
وكان ﵁ صديقاً لرسول الله قبل البعثة وهو أصغر منه سناً بثلاث سنوات وكان يكثر غشيانه في منزله ومحادثته وقيل كنى بأبي بكر لابتكاره الخصال الحميدة فلما أسلم آزر النبي ﷺ في نصر دين الله تعالى بنفسه وماله وكان له لما أسلم أربعون ألف درهم أنفقها في سبيل الله مع ما كسب من التجارة. قال تعالى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأتْقَى الَّذِى يُوْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لَأَحَدٍ عِنُدَهُ مِنْ نِعْمَة تُجْزَى﴾ وقد أجمع المفسرون على أن المراد منه أبو بكر. قال الفخر الرازي رداً على من قال إنها نزلت في حق علي ﵁:
"لما ذكر بعضم في محضرى قلت أقيم الأدلة العقلية على أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر. وتقريرها أن المراد من هذا الأتقى هو أفضل الخلق فإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد هو أبو بكر فهاتان المقدمتان متى صحتا صح المقصود إلى أن قال لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله إما أبو بكر أو على ولا يمكن حمل هذه الآية على عليّ بن أبي طالب فتعين حملها على أبي بكر. إنما قلنا لا يمكن حملها على عليّ بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى "وما لأحد عنده من نعمة تجزى" وهذا الوصف لا يصدق على عليّ بن أبي طالب لأنه كان في تربية النبي ﷺ ولأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ويكسوه ويربيه وكان الرسول منعماً عليه نعمة يجب جزاؤها. أما أبو بكر فلم يكن للنبي ﵇ عليه نعمة دنيوية بل كان أبو بكر ينفق على الرسول ﵇. بلى كان للرسول ﵇ عليه نعمة الهداية والأرشاد إلى الدين الا أن هذا لا يجزي لقوله تعالى ﴿ما أسئلكم عليه من أجر﴾ والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزي فعلمنا أن هذه الآية لا تصلح لعلي ﵁".
كان أبو بكر ﵁ من رؤساء قريش في الجاهلية محببا فيهم مؤلفاً لهم وكان إليه الأشناق في الجاهلية (١) كان إذا حمل شيئا صدقته قريش وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه فلما جاء الإسلام سبق إليه وأسلم على يده جماعة لمحبتهم له وميلهم إليه حتى أنه أسلم على يده خمسة من العشرة وقد ذهب جماعة إلى أنه أول من أسلم. قال الشعبي سألت ابن عباس من أول من أسلم؟ قال أبو بكر. أما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس قدما صدق الرسلا
وكان أعلم العرب بأنساب قريش وما كان فيها من خير وشر وكان تاجرا ذا ثروة طائلة وكريماً حسن المجالسة عالماً بتعبير الرؤيا ولما أسلم جعل يدعو الناس إلى الإسلام. قال ابن اسحاق بلغني أن النبي ﷺ قال ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد إلاما كان من أبي بكر ﵁ ما علم عنه حين ذكرته له أي أنه بادر به. ونزل فيه وفى عمر "وشاورهم في الأمر" فكان أبو بكر بمنزلة الوزير من رسول الله فكان يشاوره في أموره كلها. ولما أشتد أذى كفار قريش لم يهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين بل بقي مع رسول الله ﷺ وهاجر معه إلى المدينة تاركا عياله وأولاده وأقام معه في الغار ثلاثة أيام. قال الله تعالى ﴿ثَانِىَ أثْنَيْن إِذ هُمَا فِي الْغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ .
لما كانت الهجرة جاء رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وهو نائم فأيقظه فقال له رسول الله ﷺ قد أذن لي في الخروج. قالت عائشة فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح ثم خرجا حتى دخلا الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام. قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفرُوا ثَانِىَ أثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَتَحزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ سورة التوبة.
وقد دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر لأن رسول الله لولا ثقته التامة بأبي بكر لما صاحبه في هجرته واستخلصه لنفسه وكل من سوى أبي بكر فارق رسول الله وأنه تعالى سماه ثاني اثنين. وكان النبي ﷺ يكرمه ويجله ويعرف أصحابه مكانه ويثني عليه في وجهه، واستخلفه في الصلاة وشهد مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان بالحديبية وخيبر وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك وحجة الوداع.
قال رسول الله ﷺ "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ودفع أبو بكر عقبة بن أبي معيط عن رسول الله ﷺ لما خنق رسول الله وهو يصلي عند الكعبة خنقا شديداً وقال:"يا قولم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله تعالى منهم بلال وعامر بن فهيرة وكان أبو بكر إذا مدح قال "اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يظنون وأغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون" وهذا من تواضعه ﵁ ومما يدل على قوة أرادة أبي بكر ما قاله أبو السفر وهو: دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيباً ينظر إليك. قال قد نظر إلى قالوا ما قال؟ قال "أني فعال لما أريد".
قال عمر ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ووافق ذلك مالاً عندي فقلت ايوم أسبق أبا بكر أن سبقته فجئت بنصف مالي. فقال: ما أبقيت لأهلك؟ قلت مثله، وجاء أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك. قال أبقيت لهم الله ورسوله. قلت لا أسبقه إلى شيء أبداً.
ومن أخبار تواضعه ﵁ أنه كان يحب للحى أغنامهم فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحى الآن لا يجلب لنا منائحنا فسمعها أبو بكر فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم وأني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه فكان يحلب لهم فربما قال للجارية أتحبين أن أرغى لك أو أن أصرح فأي ذلك قالت فعل.
والآن يقولون أننا في عصر المدينة والحرية والديموقراطية ومع هذا تجد الموظف الصغير يأنف أن يكلم الناس أو يقضي حوائجهم.
وعن سالم بن عبيد أن النبي ﷺ لما أشتد مرضه أغمى عليه فلما أفاق قال مروا بلالا فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس قال ثم أغمى عليه فقالت عائشة إن أبي رجل أسيف فلو أمرت غيره. فقال أقيمت الصلاة. فقالت عائشة يا رسول الله إن أبي رجل أسيف فلو أمرت غيره. قال أنكن صواحبات يوسف مروا بلالا فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس. ثم أفاق فقال أقيمت الصلاة قالوا نعم. قال ادعوا لي إنساناً أعتمد عليه فجاءت بريرة وإنسان آخر فانطلقوا يمشون به وإن رجليه تخطان في الأرض. قال فأجلسوه إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتأخر فحبسه حتى فرغ الناس فلما توفي قال وكانوا قوماً أميين لمي كن فيهم نبي قبله. قال عمر لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا. قال فقالوا له أذهب إلى صاحب رسول الله ﷺ فأدعه يعني أبا بكر قال فذهبت فوجدته في المسجد قال فأجهشت أبكي. قال لعل نبي الله توفى. قلت إن عمر قال لا يتكلم أحد بموته الا ضربته بسيفي هذا. قال فأخذ بساعدي ثم أقبل يمشي حتى دخل فأوسعوا له فأكب على رسول الله ﷺ حتى كاد وجهه يمس وجه رسول الله ﷺ فنظر نفسه حتى استبان انه توفى. فقال أنك ميت وأنهم ميتون. قالوا ياصاحي رسول الله توفى رسول الله ﷺ ؟ قال نعم. فعلموا أنه كما قال.
قال ابن اسحاق توفى أبو بكر ﵁ يوم الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشر (٢٣ أغسطس سنة ٦٣٤) وصلى عليه عمر بن الخطاب.
توفي بعد النبي ﷺ بسنتين وأشهر بالمدينة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وكان أبو بكر رجلا أبيض نحيفا خفيف العارضين أحنى، معروق الوجه. غائر العينين. ناتئ الجبهة. عارف الأشاجع. يخضب بالحناء والكتم وكان أوب من أسلم من الرجال وأسلم أبواه له ولوالديه ولوده وولد صحبة ﵃. واختلف في سبب موته. فقيل أنه مات مسموماً. وقيل أنه اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما ثم مات بعدها وقيل أنه مات كمدا على رسول الله ﷺ .
هذه ترجمة حياة أبي بكر اثبتناها هنا بمناسب اسلامه وما كان له من الشأن العظيم والقدر الرفيع، ولأنه قد بذل المجهود في نصرة الرسول فدل بذلك على غاية الوفاء ومنتهى الاخلاص. ولم يكن ﵁ رجلا ضعيفا كما ظن بعض المستشرقين بل كان شجاعا وكان مع شجاعته مخلصاً لا يبالي بالأهوال ويحتمل المشقات كما يستفاد من سيرته، فبقي مع الرسول ولم يهاجر إلى الحبشة مع المهاجرين عند اشتداد أذى الكفار على المسلمين ولما دعاه النبي ﷺ إلى الهجرة معه بكى من فرط السرور. واشترك معه في غزواته وهو ممن ثبت مع رسول الله في غزوة أحد. ولما توفى النبي فقد الناس صوابهم وقال عمر: من قال إن محمداً مات ضربته بسيفي هذا. أما أبو بكر فملك شعوره ولم يفقده وقع المصاب الجلل صوابه، فقال: إنك ميت وأنهم ميتون وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر وفاة رسول الله ﷺ . فإذا كانت هذه مواقف ضعف وخلال ووهن فأين مواطن القوة؟ ولم نذكر هنا أعماله الجليلة في خلافته (٢) .
يقول هؤلاء المستشرقون إنه كان يصدق الرسول تصديقا أعمى وأنه كان كالنساء سريع البكاء، وهو قول عجيب، فكيف لا يصدق الرسول وهو يعلم أنه صادق لا يكب، بل هو أعلم خلق الله بصدقه ﵊ لصحبته له تلك الصحبة الطويلة.
أن تصديقه لرسول الله في كل ما قاله نتيجة الثقة به ولأجل هذه الثقة المتينة كان لا يتردد في التصديق به، ولأجلها تحمل معه الشدائد والإضطهادات، ولأجلها أنفق أمواله كلها وهذا شأن العاقل الذي إذا ثبت يقينه على أساس قوي لم يبال بما يصادفه من عقبات في سبيل نصرة الحق. أما بكاؤه عند سماع القرآن فهذا أظهر دليل على أخلاصه وتوقد ذكائه وهو فهمه لكلام الله إذ بقدر الفهم يكون التأثر. وقد أجمعوا على كثرة علمه ووفور عقله وفهمه وذهده وتواضعه.
стр. 92
علي بن أبي طالب وإسلامه
стр. 93
-علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ ولد سنة ٦٠٠ -٦٠١ بعد الميلاد. وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم وكنيته أبو الحسن وصهر رسول الله على ابنته فاطمة وأبو السبطين. وهو أول هاشمي ولد بين هاشميين. والخليفة الرابع وأول خليفة من بني هاشم وكان حين أسلم لم يبلغ الحلم. وقال ابن اسحاق أنه كان يومئذ ابن عشر سنين وكان في كفالة النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه لأن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب كثير العيال قليل المال فأخذ رسول الله ﷺ علياً وضمه إليه وأخذ العباس جعفرا وضمه إليه تخفيفاً عن أبي طالب ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.
وسبب إسلامه أنه دخل على النبي ﷺ ومعه خديجة ﵂ وهما يصليان سواء. فقال ما هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : دين الله الذي اصطفاه لنفسه وبعث به رسله فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته والكفر باللاة والعزى. فقال علي ﵁: هذا أمر لم اسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمراً حتى أحدث أبا طالب. وكره رسول الله ﷺ أن يفشي سره قبل أن يستعلن أمره. فقال له يا علي إذا لم تسلم فأكتم هذا فمكث على ليلته ثم أن الله تعالى هداه إلى الإسلام فأصبح غادياً إلى رسول الله ﷺ فأسلم على يديه (١) . وكان علي ﵁ يخفي إسلامه خوفا من أبيه إلى أن أطلع عليه وأمره بالثبات عليه فأظهره حينئذ. أما أبو طالب فلم يرض أن يفارق دين أبائه وعن أنس بن مالك قال بعث النبي ﷺ يوم الأثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء. وأمره رسول الله ﷺ أن يضطجع على فراشه ليلة خرج مهاجراً وقال: إن قريشاً لم يفقدوني ما رأوك فاضطجع على فراشه وسيأتي ذكر ذلك عند الكلام على الهجرة، ثم لحق برسول الله بالمدينة بعد قضاء ديون رسول الله ورد الودائع التي كانت عنده فلما وصل إليها كانت قدماه قد ورمتا من المشي وكانتا تقطران دماً فأعتنقه رسول الله ﷺ وبكى رحمة لما أصاب قدميه وتفل في يديه ومسح بهما رجليه ودعى له بالعافية فلم يشتكهما حتى أستشهد ﵁. وشهد بدراً وغيرها من المشاهد ولم يشهد غزوة تبوك لا غير لأن رسول الله ﷺ خلفه على أهله. وأصابته يوم أحد ست عشرة ضربة. وكان علي ﵁ مع شجاعته الفائقة عالماً. قال رسول الله ﷺ "أنا مدينة العلم وعلي بابها" وعن ابن عباس أنه قال: إذا ثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل عنه إلى غيره.
واستخلف علي ﵁ وبويع له بالمدينة في مسجد رسول الله ﷺ بعد قتل عثمان وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين (٢٤ يونية ٦٥٦) .
стр. 94
قتله ﵁
стр. 95
-انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهو من حمير وعدادة في بني مراد وهو حليف بني جبلة من كندة والبرك بن عبد الله التميمي وعمر بن بكير التميمي وعمر بن العاص ويريح العباد منه. فقال ابن ملجم أنا لكم بعلي وقال البرك أنا لكم بمعاوية وقال عمر بن بكير أنا أكفيكم عمر بن العاص فتعهدوا على ذلك وتعاقدوا عليه وتواثقوا أن لا ينقص منهم رجل عن صاحبه الذي سمى له ويتوجه له حتى يقتله أو يموت دونه. فحددوا ليلة سبع عشرة من رمضان ثم توجه كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه. فقد عبد الرحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريد وكان يزورهم ويزورونه فزار يوما نفراً من بني تيم الرباب فرأى امرأة منهم يقال لها فطام بنت سنحبه بن عدي بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم الرباب وكان علياً قتل أباها وأخاها بالنهروان فأعجبته فخطبها. فقالت لا أتزوجك حتى تسنى لي فقال لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك فقالت ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب. فقال والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلى قتل علي وقد أعطيتك ما سألت. ولقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فأعلمه ما يريد ودعاه أن يكون معه فأجابه إلى ذلك وظل ابن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده حتى يطلع الفجر فقال له الأشعث فضحك الصبح فقام ابن ملجم الكندي وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا في مقابل السدة التي يخرج منها علي. فلما خرج أعترضه الرجلان فضرب الأثنان سيفهما فأما سيف ابن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه وكان قد سن سيفه شهرا. وأما سيف شبيب فوقع في الطاق فسمع عليّ يقول لا يفوتنكم الرجل وشد الناس عليهما من كل جانب فأما شبيب فأفلت وأخذ ابن ملجم فأدخل على علي فقال "أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فأن أعش فأنا ولي دمي عفو أو قصاص وإن مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين". ضرب عليّ ﵁ في السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين (٢٤ يناير سنة ٦٦١) واستشهد بعد ذلك بثلاثة أيام ودفن في الكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر. وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الأصح وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
قال عليّ الباقر: كان عليّ آدم اللوم مقبل العينين عظيمهما ذا بطن. أصلع. ربعة لا يخضب. وقال أبو اسحق السبيعي رأيته أبيض الرأس واللحية وكان ربما خضب لحتيه. وقال أبو رجاء العطاردي رأيت علياً ربعة. ضخم البطن. كبير اللحية. قد ملأت صدره. أصلع. شديد الصلع.
هذا وقد أقتصرت في تاريخ حياة علي ﵁ على هذا القدر الضروري لأن المقام لا يسع أكثر من ذلك والله أرجو أن يوفقني في المستقبل إلى البحث بالتفصيل عن سير هؤلاء الأبطال ومناقبهم.
стр. 96
زيد بن حارثة واسلامه
стр. 97
-زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى. ويقع في نسبه خلاف وتغيير وزيادة وهو أشهر موالي رسول الله. ويقال له حب رسول الله وهبته خديجة ﵂ للنبي ﷺ قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين وأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه وذلك أن أباه قد وجد لفقده وجداً شديداً وكان قد أخذ في السبى. فلما علم أبوه أنه بمكة قدمها ليفديه فدخل حارثة وأخوه كعب على النبي ﷺ فقالا يا ابن عم عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه جئناك في ابننا عندك فأمنن علينا وأحسن إلينا في فدائه. فقال من هو؟ قالا: زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ : فهلا غير ذلك؟ قال ماهو. قال: ادعوه وخيروه فإن أختاركم فهو لكم وإن أختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من أختارني أحداً قالا قد زدتنا على النصف وأحسنت فدعاه رسول الله ﷺ . فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قالت: نعم. هذا أبي وهذا عمي قال: فأنا من قد عرفت ورأيت صحبتي لك فأخترني أو اخترهما. قال: ما أريدهما وما أنا بالذي أختار عليك أحداً أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال نعم: ورأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا (١) .
وهاجر زيد مع رسول الله ﷺ إلى المدينة وشهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر. وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المؤمنين يوم بدر وكان من الرماة المذكورين وزوجه رسول الله ﷺ مولاته أم أيمن فولدت له اسامة وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين (٢) ثم طلقها ثم تزوجها رسول الله ﷺ . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿وإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأّنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخْفِى في نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أّنْ تَخْشَاهُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ فإن رسول الله ﷺ لما تزوجها يعني زينب قالوا أنه تزوج حليلة ابنه فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ محمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتمَ النَّبِييِّنَ﴾ وكان زيد يقال له زيد بن محمد فأنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنُدَ الله﴾ الآية.
قال العلماء ولم يذكر الله في القرآن باسمه العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم الا زيداُ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ .
وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين حمزة. وأرسله رسول الله أخيرا أميراً على الجيش في غزوة مؤتة فقاتل فيها حتى وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وكان زيد أبيض أحمر وكان ابنه اسامة آدم شديد الأدمة.
стр. 98
الدعوة إلى الاسلام خفية
стр. 99
-بعد أن نزلت سورة "يا أيها المدثر" أخذ رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الله تعالى وتتابع الوحي. ونزول هذه السورة ابتداء رسالته ﷺ فهي متأخرة عن نبوته. وصار ﵊ يدعوالناس إلى الإسلام خفية ثلاث سنين إلى أن أمر باظهار الدعوة. وكان من أسلم إذا أراد الصلاة ذهب إلى بعض الشعاب ليستخفي بصلاته من المشركين حتى أطلع نفر من المشركين على سعد بن أبي وقاص وهو في نفر من المسلمين يصلون في بعض الشعاب فناكروهم وعابوا عليهم ما يضنعون وقاتلوهم فضرب سعد رجلا منهم فشجه وهو أول دم أهريق في الاسلام. فعند ذلك دخل رسول الله ﷺ هو وأصحابه دار الأرقم مستخفين بصلاتهم وعبادتهم إلى أن أمره الله تعالى باظهار الدين. ودار الأرقم هي دار للأرقم بن أبي الأرقم من السابقين في الإسلام وهي في أصل الصفا.
وقد أسلم من الصحابة بدعاو أبي بكر عثمان بن عفان. والزبير بن العوام. وعبد الرحمن بن عوف. وسعد بن أبي وقاص. وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له فأسلموا وصلوا (١) وهنا يجب أن نذكر شيئا عنهم:
стр. 100
١ - فعثمان بن عفان هوالخليفة الثالث. هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة ويقال له ذو النوريين لأنه تزوج بنتي رسول الله ﷺ رقية ثم أم كلثوم بعد وفاة رقية. ولد في السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن ٩٠ سنة وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة.
وفي زمنه كانت عزوة الاسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرس واصطخر الآخرة وفارس الأولى ثم خوز وفارس الآخرة ثم طبرستان ودار بجرد وكرمان وسجستان ثم الأساورة في البحر وغيرهن ثم مرو.
وكان ﵁ حسن الوجه رقيق البشرة كث اللحية أسمر كثير الشعر بين الطويل والقصير وكان محبباً من قريش.
стр. 101
٢ - الزبير بن العوام كان عمره حين أسلم ثمان سنين، وهو أحد الستة أصحاب الشورى الذي جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة في أحدهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. هاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وهو أول من سل سيفاً في سبيل الله، شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وشهد اليرموك وفتح مصر. وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف اللحية. وكان الزبير يوم الجمل قد ترك القتال وانصرف فلحقه جماعة من الغواة فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة وقره هناك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وكان عمره حينئذ سبعاً وستين وقيل ستا وثلاثين سنة.
стр. 102
٣ - عبد الرحمن بن عوف ولد بعد الفيل بعشر سنين قبل دخول رسول الله دار الأرقم. أحد العشرة المشهور لهم بالجنة وأحد الستة الذين هم أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالخلافة. وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وشهد مع رسول الله برداً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد. وجرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة وجرح في رجله وسقطت ثنيتاه. وكان كثير الإنفاق في سبيل الله. أعتق في يوم أحداً وثلاثين عبداً. وكان كثير المال محظوظا في التجارة. وكان أبيض مشرباً بحمرة، حسن الوجه، رقيق البشرة أعين أهدب الأشفار أقنى له جمة. ضخم الكفين غليظ الأصابع لا تغير بشعره. توفي سنة ثنتين وثلاثين وهو ابن ثنتين ودفن بالبقيع.
стр. 103
٤ - سعد بن أبي وقاص وكان عمره حين أسلم تسع عشرة سنة وهو أحد العشرة وأحد الستة أصحاب الشورى وهو أول من رمى بسهمه في سبيل الله وأول من أراق دماً في سبيل الله. هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ إليها. شهد مع رسول الله بدراً وأحداً والخندق وسائر المشاهد. وكان يقال له فارس الإسلام. وأبلى يوم أحد بلاء شديداً وكان مجاب الدعوة. واستعمله عمر بن الخطاب على الجيوش التي بعثها إلى بلاد الفرس وهو كان أمير الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وغنمتهم وفتح مدائن كسرى وبني الكوفة وولاه عمر بن الخطاب ﵁ العراق. ورمى سعد يوم أحد ألف سهم. ولما قتل عثمان ﵁ اعتزل سعد الفتن فلم يقاتل في شيء من تلك الحروب. توفي سنة خمس وخمسين بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع وكان آدم طوالا ذا هامة.
стр. 104
٥ - طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وسماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين. لم يشهد بدراً وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد. قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وكان عمره أربعاً وستين سنة وقبره بالبصرة مشهور يزار ويتبرك به.
هذا الجزء يسير من تراجم الخمسة الذين أسلموا بدعاء أبي بكر وهم من الرجال الذي ذاع صيتهم في الإسلام لما قاموا به من جلائل الأعمال وقد أسلم بعد هؤلاء أبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون وعبيدة بن الحارث وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة بنت الخطاب وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة وخباب بن الأرتّ حيف بني زهرة وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ومسعود بن القاري وهو مسعود بن ربيعة وسليط بن عمرو وأخوه حاطب بن عمرو وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة وامرأته أسماء بنت سلامة وخُنَيْس بن حذافة بن قيس وعامر بن ربيعة وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش وجعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عُمَيْس بن النعمان وحاطب بن الحارث. وغيرهم إلى آخر من ذكرهم ابن هشام في سيرته فليراجعهم من شاء.
قدمنا أن عثمان بن عفان قد أسلم أجابة لدعوة أبي بكر لكن الأستاذ مرجوليث في كتابه محمد (٢) يزعم أن سبب اسلامه أنه كان يحب رقية بنت رسول الله ﷺ ويريد أن يتزوجها. فلما بلغه أنها خطبت لغيره حزن وأخبر أبا بكر بما بلغه وصادف مرور رسول الله ﷺ فأسر أبو بكر كلمات في أذن رسول الله وبذلك انتهى الأمر وأسلم عثمان وتزوج رقية، ولم يذكر لنا مستر مرجوليث المصدر الذي استقى منه هذا الخبر بخلاف عادته في تأليفه والراجح أنه من ظنونه وأوهامه التي يدسها للطعن على الإسلام والمسلمين ثم تعرض بعد ذلك إلى خالد بن سعيد وسبب اسلامه. ذلك أن خالدا كان من السابقين إلى الإسلام فكان ثالثاً أو رابعاً وقيل كان خامساً في الإسلام وسبب اسلامه أنه رأى في النوم أنه وقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم به وكأنّ أباه يدفعه فيها ورأى رسول الله ﷺ آخذاً بحقويه لا يقع فيها ففزع وقال: أحلف أنها لرؤيا حق ولقى أبو بكر ﵁ فذكر ذلك له. فقال له أبو بكر أريد بك خير. هذا رسول الله ﷺ فاتبعه فإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع في النار وأبوك واقع فيها فلقى رسول الله ﷺ وهو بأجياد. فقال: يا محمد إلى من تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبد. قال خالد فأنى أشهد أنلا إله إلا الله واشهد أنك رسول الله فسر رسول الله ﷺ بإسلامه. وبعد أن ذكر الأستاذ مرجوليث رؤيا خالد باختصار وتعبير أبي بكر لها وأن هذه الرؤيا كانت سبب اسلام خالد بن سعيد تساءل هل الناس حقيقة يحلمون هكذا؟ لكنه قال "إن فلاماريون وميرز (Flammarion and Myers) يجيبان نعم أنهم يرون مثل ذلك" وهما من العلماء المشهورين. المدهش أن الأستاذ مرجوليث لا يعلم أن الناس يرون أحلاماً هكذا مع اقرار علماء النفس في أوربا وأمريكا بذلك والأحلام على العموم شائعة بين الناس. وليست رؤيا خالد من الأحلام المستغربة حتى يشك فيها مثل مرجوليث. أما إذا كان الشك لغرض فهذا أمر آخر.
стр. 105
ايذاء المشركين لأبي بكر الصديق
стр. 106
-عبادة الأصنام مع أنها واضحةالبطلان إلا أن العرب كانوا متمسكين بها تمسكا شديداً لرسوخها في نفوسهم منذ زمن طويل فلا يطيقون سماع من يعيبها أو يطعن فيها بل لا يقبلون ارشاد ناصح يخاطبهم بالحسنى ويناقشهم بالعقل والبرهان. فإذا قيل لهم كيف تعبدون الحجارة التي لا تنفع ولا تضر، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تعلم من يعبدها، ومن لا يعبدها، ثارت ثائرتهم. وقالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا واعتدوا على أعز الناس لديهم واشرفهم وأعقلهم واسهلهم أخلاقا. فلم يكن من الحكمة وأصالة الرأي أن يجهر النبي ﷺ وأصحابه القليلون بالاسلام ويؤدوا شعائرهم الدينية أمام أمة بأسرها متعصبة لدينها الثني تعصباً أعمى.
وقد أدرك بعض أفراد الثاقب أن قومهم في خطأ مبين فمنهم من مات وهو منكر لعبادة الأصنام قبل الاسلام. ومنهم من آمن برسول الله عندما بلغه رسالته كسلمان الفارسي أو عندما دعاه رسول الله إلى اتباع الدين القويم كأبي بكر ومن أسلم بدعائه وغيرهم ولم يبالوا بما يصيبهم من سخط قومهم وايذائهم مع ما يعلمونه من قلة عدد المؤمنين في بادئ الأمر.
فمما وقع لأبي بكر ﵁ من الأذية ما ذكره بعضهم كما في السيرة الحلبية أن رسول الله ﷺ لما دخل دار الأرقم ليعبد الله هو ومن معه من أصحابه سراً ألح أبو بكر ﵁ في الظهور (١) فقال له النبي ﷺ يا أبا بكر أنا قليل. فلم يزل به حتى خرج رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة ﵃ وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله ﷺ جالس ودعا إلى رسول الله فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى فثار المشركون على أبي بكر ﵁ وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضربا شديداً ووطئ أبو بكر بالأرجل وضرب ضربا شديداً. وصار عتبة بن ربيعة (٢) يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين ويحرفهما إلى وجهه صار لا يعرف أنفه من وجهه. فجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر إلى أن أدخلوه منزلة ولا يشكون في موته ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة. ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى آخر النهار. ثم تكلم وقال: ما فعل رسول الله ﷺ فعذلوه فصار يكرر ذلك. فقالت أمه والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه فخرجت إليها وقالت لها أن تسأل عن محمد بن عبد الله. فقالت لا أعرف محمداً ولا أبا بكر. ثم قالت تريدين أن أخرج معك؟ قالت نعم. فخرجت معها إلى أن جاءت أبو بكر فوجدته صريعا فصاحت وقالت: إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق. وأني لأرجو أن ينتقم الله منهم. فقال لها أبو بكر ﵁. ما فعل رسول الله ﷺ . فقالت له هذه أمك تسمع. قال فلا عين عليك منها أي أنها لا تفشي سرك. قالت سالم هو في دار الأرقم. فقال والله لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ﷺ . قالت أمه فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليّ حتى دخل على رسول الله ﷺ فرق له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك. فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما بي من بأس الا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برة بولدها فعسى الله أن يستنقذها بك من النار فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الاسلام فأسلمت. لا شك أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في خطر شديد. فقد كان لا يهدأ للمشركين بال الا إذا أساءوا إليهم ولذلك كان الأستخفاء في غاية الحكمة وبقي المسلمون مستخفين في دار الأرقم حتى كملوا أربعين رجلا، وكان آخرهم اسلاماً عمر بن الخطاب. فلما كملوا به أربعين خرجوا وأظهروا اسلامهم.
стр. 107
اظهار الاسلام
стр. 108
-أمر الله النبي ﷺ أن يصدع بما جاءه منه وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعو إليه. وكان بين اخفاء رسول الله ﷺ أمره واستتاره به وبين أمر الله تعالى اياه باظهار دينه ثلاث سنين من بعثه ثم قال الله تعالى له ﴿فَاصْدَعْ بمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١) ﴾ أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم اياك على اظهار الدعوة. وقال تعالى ﴿وَأّنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المْؤْمِنِينَ (٢) ﴾ . فصعد رسول الله ﷺ على الصفا (٣) . فقال: يا معشر قريش. فقالت قريش محمد على الصفا يهتف. فأقبلوا واجتمعوا. فقالوا مالك يا محمد؟ قال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوني؟ قالوا نعم أنت عندنا غير متهم وما جربنا عليك كذبا قط. قال فأني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني عبد المطلب. يا بني عبد مناف. يا بني زهرة حتى عدد الأفخاذ من قريش إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وأني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً الا أن تقولوا لا إله إلا الله. فقال أبو لهب "تباً لك" سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تبارك تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ﴾ السورة كلها. فلما سمع أبو لهب قوله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قال إن كان ما يقول محمد حقاص افتديت منه بمالي وولدي فنزل ﴿ماَ أغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ وكان أبو لهب إذا سأله وفد عن النبي ﷺ قال إنه ساحر ومجنون لينصرفوا عنه قبل لقائه. وقد أغضبت هذه السورة أبا لهب فأظهر شدة العداوة وصار متهما فلم يقبل قوله في رسول الله ﷺ فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه. وروى عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في السوق يقول أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه. وقال لا تطيعوه فإنه كذاب. فقلت من هذا؟ قال محمد وعمه أبو لهب. أما امرأته فهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية فكانت أيضا في غاية العداوة لرسول الله ﷺ وترمى الشوك في طريقه.
وعن الزهري أنه قال: دعا رسول الله ﷺ إلى الاسلام سراً وجهراً فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به وكفار قريش غير منكرين لما يقول. فكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أنه غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء فكان ذلك حتى عاب آلهتهم التي يعبدونها وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر فشَفوا لرسول الله ﷺ عند ذلك وعادوه.
وعن ابن عتبة أنه قال. لما أظهر رسول الله ﷺ الاسلام ومن معه وفشا أمره بمكة ودعا بعضهم بعضا فكان أبو بكر يدعو ناحية سراً وكان سعيد بن زيد مثل ذلك وكان عثمان مثل ذلك وكان عمر يدعو علانية وحمزة بن عبد المطلب وأبو عبيدة بن الجراح فغضبت قريش من ذلك وظهر منهم لرسول الله ﷺ الحسد والبغي وأشخص به منهم رجال فبادوه وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي إلا أنهم ينزهون أنفسهم عن القيام والأشخاص برسول الله ﷺ . وكان أهل العداوة والمباداة لرسول الله ﷺ وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل أبو جهل بن هشام وأبو لهب بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن قيس بن عدي وهو ابن الغيلطة والوليد بن المغيرة وأبيّ بن خلف وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والعاص بن وائل والنضر بن الحارث ومنبه بن الحجاج وزهير بن أبي أمية والسائب بن صيفي بن عابد والأسود بن عبد الأسد والعاص بن سعيد بن العاص والعاص بن هاشم وعقبة بن أبي مُعَيط وأبو الأصديى الهُذلى والحكم بن أبي العاص وعدي بن الحمراء وذلك أنهم كانوا جيرانه والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله إليهم أبا جهل وأبا لهب وعقبة بن أبي معيط. وكان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب أهل عداوة ولكنهم لم يشخصوا بالنبي ﷺ كانوا كنحو قريش ولم يسلم منهم أحد إلا أبو سفيان (٤) .
أول من جهر بالقرآن
كان أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود. اجتمع يوماً أصحاب رسول الله ﷺ . فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط. فمن رجل يسمعهم فقال عبد الله بن مسعود (٥) : أنا. فقالوا انا نخشاهم عليه إنما نريد رجلا هل عشيرة تمنعه من القوم ان أرادوه. فقال دعوني: فإن الله سيمنعني. فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام. فقال رافعاً صوته: ﴿بِسْمِ الله الرَّحمَنِ الَّرحِيمِ ... الرَّحمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ . فاستقبلها فقرأبها فتأملوا. فجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قالوا أنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غدا. قالوا حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.
стр. 109
القرآن يحيّر ألباب العرب
стр. 110
-تحيرت ألباب العرب في القرآن الذي نزل بلغتهم وهم أهل فصاحة وبلاغة. وخشيت قريش أن ينتشر الاسلام وينتصر النبي ﷺ بدينه على الأصنام. فاتفقوا على اطلاق اسم على رسول الله ﷺ ينفر القبائل منه، ويشوه سمعته، ويكون عقبة في سبيل نشر دعوته. ذلك أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم. وقد حضر الموسمُ فقال لهم: يا معشر قريش أنه قد حضر هذا الموسمُ. وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه. وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال بل أنتم قولوا اسمع. قالوا نقول كاهنا قال والله ما هو بكاهن: لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه (١) . قالوا فنقول مجنون. قالوا ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخَنْقه ولا تخالجه ولا وسوسته (٢) . قالوا فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رَجَزَه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه (٣) فما هو بالشعر. قالوا فنقول ساحر. قال ما هو بساحر، لقد رأينا السُّحار وسحرهم فما هو بنَفْثه ولا عقده (٤) . قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ والله إن لقوله لحلاوة، وان أصله لعَذْق (٥) وإن فرعه لجَنَاةٌ (٦) وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك. فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر أحد الا حذروه اياه. لكن النتيجة جاءت عكس ذلك فقد انتشر ذكره ﷺ في بلاد العرب.
وقد كان ضماد بن ثعلبة الأزدي صديقا للنبي ﷺ في الجاهلية. وكان رجلا يتطبب ويرقى ويطلب العلم. فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون. فجاءه وقال أني راق فهل بك من شيء فأرقيك؟ فأجابه ﷺ بقوله "الحمد لله نحمده ونستعينه. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمداً عبده ورسوله، أما بعد" فقال له ضماد أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن النبي ﷺ ثلاثا. فقال والله لقد سمعت قول الكهنة، وسمعت قول السحرة، وسمعت قول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات. لقد بلغت ياعوس البحر، فمد يدك أبايعك على الاسلام فمد النبي ﷺ يده فبايعه وأسلم (٧) .