← Сира

Сира · id 12935

محمد صلى الله عليه وسلم

محمد رضا

Полный текст (615 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تأثير خبر الإسراء في قريش .

стр. 142

-لما أصبح رسول الله ﷺ أخبر الناس بما رآه فصدقه الصديق وكل من آمن به ايماناً قوياً وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس فوصفه لهم وسألوه عن أشياء في المسجد فمثل بين يديه فجعل ينظر إليه ويصفه ويعد أبوابه لهم باباً باباً فيطابق ما عندهم. وسألوه عن عير لهم فأخبرهم بها وبوقت قدومها فكان كما أخبر. ويروى أنه ﷺ لما رجع إلى مكة من ليلته فأخبر بمسراه أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي ﵁ وأنه يريد أن يخرج إلى قومه ويخبرهم بذلك لأنه ماأحب أن يكتم قدرة الله وما هو دليل على مقامه ﷺ فتعلقت برادئه أم هانئ وقالت أنشدك الله يا ابن عم أن لا تحدث بها قريشاً فيكذبك من صدقك فضرب بيده على ردائه فانتزعه منها. قالت وسطع نور عند فؤاده كاد يخطف بصري فخررت ساجدة فلما رفعت رأسي فإذا هو قد خرج. قالت فقلت لجاريتي نبعة وكانت حبشية اتبعيه وانظري ماذا يقول فلما رجعت أخبرتني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى نفر من قريش في الحطيم وفيهم مطعم بن عدي وأبو جهل بن هشام فأخبرهم بمسراه. لما قص رسول الله خبر الأسراء على جمع من قريش أعظموا ذلك الأسراء وصار بعضهم يصفق وبعضهم يضع يده على رأسه تعجبا (فلو كان الأسراء رؤيا منامية لما كانت مستغربة وما أحدثت تلك الضجة وكذبه المسلمون اللهم الا من كان منهم قوي العقيدة ثابت الإيمان) ... قال المطعم بن عدي إن أمرك قبل اليوم كان أمراً يسيراً غير قولك اليوم، هو يشهد أنك كاذب. نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً. أتزعم أنك أتيته في ليلة واحدة واللات والعزى لا أصدقك وما كان هذا الذي تقول قط. فقال أبو بكر ﵁ يا مطعم بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته. أنا أشهد أنه صادق. وفي رواية فسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر ﵁. فقال هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسرى بنه الليلة إلى بيت المقدس. قال وقد قال ذلك: قالوا نعم. قال لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا أتصدقه أنه ذهب إلى بين المقدس وجائ قبل أن يصبح؟ قال نعم أني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك. أصدقه في خبر السمء في غدوة وروحة. فقال المطعم يا محمد صف لنا بيت المقدس. فقال أبو بكر ﵁ صف لي يا رسول الله فأني قد جئته. فجاءه جبريل بصورته ومثاله فجعل يقول باب منه في موضع كذا وباب منه في موضع كذا وأبو بكر ﵁ يقول أشهد أنك رسول الله حتى أتى على أوصافه. وهذه هي الأحاديث الواردة في صحيح البخاري الخاصة بالأسراء والمعراج مشروحة في الهامش موجزاً نقلا عن القسطلاني: عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لما كذبني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس (١) فطفقت أخبرهم عن آياته (٢) وأنا أنظر إليه".

стр. 143

المعراج (١) .

стр. 144

-عن مالك بن صَعْصَعة ﵄ أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسرى به قال "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعاً إذ أتاني آت (٢) فَقَدَّ قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه. قال الراوي من ثُغْرَة نحره (٣) إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بِطَست من ذهب (٤) مملوءة إيمانا فَغُسل قلبي ثم حُشى ثم أعيد (٥) ثم أتيتُ بدابة دون البغل وفوق الحمار أيبضَ. قال الراوي وهوالبراق يضع خطوه عند أقصى طرفه (٦) فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه قال نعم. قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فَفَتَحَ (٧) فما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه (٨) فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحباً بالأبن الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه؟ قال نعم: قيل مرحباً فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى (٩) وهما ابنا الخالة' قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه قال نعم. قيل مرحباً فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يوسف. قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد صم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بن حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه. قال نعم. قيل مرحباً فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا أدريس قال هذا أدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد. قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد (١٠) قيل وقد أرسل إليه. قال نعم. قال مرحباً به فنعم المجئ جاء. فلما خلصت فإذا هرون. قال هذا هرون فسلم عليه. فسلمت عليه فرد. ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل من معك؟ قال محمد. قيل وقد أرسل إليه. قال نعم. قال مرحباً. فنعم المجئ جاء. فلما خلصت فإذا موسى. قال هذا موسى فسلم عليه. فسلمت عليه فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك؟ (١١) قال أبكي لأنه يعمل بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي (١٢) ثم صعد بي إلى السماء السابعة فأستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل. قيل ومن معك. قال محمد. قيل وقد بعث إليه. قال نعم. قال مرحباً فنعم المجئ جاء. فلما خلصت فإذا إبراهيم. قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام. فقال مرحباً بالأبن الصالح والنبي الصالح (١٣) . ثم رفعت لي سدرة المنتهى (١٤) فإذا نبقها (١٥) مثل قلال هجر (١٦) وإذا ورقها مثل أذان الفيلة. قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت ما هذا ياجبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بأناء من الخمر وإناء من اللبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله خبرت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشراً فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت بخمس كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وأني جربت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قلت وسألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. قال فلما جاوزت نادني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي (١٧) . عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً للِنَّاسِ﴾ قال هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة اسرى به إلى بيت المقدس (١٨) قال والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم.

стр. 145

فريضة الصلاة .

стр. 146

-فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء ولا خلاف في ذلك. والصلاة هي فريضة قائمة وشريعة ثابتة عرفت فريضتها بالكتاب وهو قوله تعالى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى﴾ فإنه يدل على قريضتها وعلى كونها خمساً لأنه أمر بحفظ جميع الصلوات وعطف عليها الصلاة الوسطى وأقل جمع يتصور معه وسطى هوالأربع. وبالنسبة قوله ﵊ "أن الله فرض على كل مسلم ومسلمة في كل يوم وليلة خمس صلوات". جاء في رسالة الصلاة لابن سينا إن الصلاة تشبه النفس الأنساني الناطق بالأجرام الفلكية والتعبد الدائم للحق طلباً للثواب السرمدي. قال رسول الله ﷺ (الصلاة عماد الدين) والدين هو تصفية النفس الأنساني عن الكدورات الشيطانية والهواجس البشرية والأعراض عن الأغراض الدنيوية الدنية. والصلاة هي التعبد للعلة الأولى والمعبود الأعظم الأعلى، فعلى هذا لا يحتاج إلى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتث الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبدُونِ﴾ بيعرفون لأن العبادة هي المعرفة أي عرفان وامجب الوجود وعلمه بالسر الصافي والقلب النقي والنفس الفارغة. فإذاً حقيقة الصلاة علم الله بوحدانيته ووجوب وجوده وتنزيه ذاته وتقديشس صفاته في سوانح الأخلاص في صلاته، وأعني بالإخلاص أن تعلم صفات الله بوجه لا يبقى للكثرة فيه مشرع ولا للإضافة فيه منزع. فمن فعل هذا فقد أخلص وصلى وما ضل وما غوى ومن لم يفعل فقد افترى وكذب وعصى. والله أجل وأعلى وأعز من ذلك وأقوى اهـ. قال ﷺ (لاإيمان لمن لا صلاة له ولا إيمان لمن لا أمانة له) وقال (صلوا كما رأيتموني أصلي) . وقال تعالى ﴿إنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْر الله أكْبَرُ وَالله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .

стр. 147

عرض الرسول ﷺ نفسه على قبائل العرب .

стр. 148

-أخفى رسول الله ﷺ رسالته بادئ الأمر، ثم أعلنها في السنة الرابعة من النبوة ودعا إلى الإسلام عشر سنين يوافي المواسم كل عام يتبع الحجاج في منازلهم بمنى والموقف يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق الموسم وهي عكاظ ومَجمَّة وذو المجاز، وكانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوال، ثم تجئ إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوماً، ثم تجئ إلى سوق ذي المجاز فتقيم به أيام الحج وكان ﷺ يعرض نفسه عليهم ويدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالة ربه، وكان يطوف على الناس في منازلهم ويقول: "ياأيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا" وكان أبو لهب يمشي وراءه ويقول: إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. وروى ابن اسحاق انه ﷺ عرض نفسه على كندة وكلب وعلى بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة فقال له رجل منهم أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له أنقاتل العرب دونك فإذا أظفرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك أبوا عليه، فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن لا يقدر أن يوافي معهم الموسم، فلما قدموا عليه سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال؟ يا بني عامر هل لها من تلاف؟ أي هل لهذه القصة من تدارك والذي نفس فلان بيده ما يقولها كاذبا من بني إسماعيل قط وأنها لحق وإن رأيكم غاب عنكم. وروى الواقدي أنه ﷺ أتى بني عبس وبني سليم وبني محارب وفزارة ومرة وبني النضر وعذرة والحضارمة فردوا عليه ﷺ أقبح الرد وقالوا أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، ولم يكن أحد من العرب أقبح عليه من بني حنيفة وهم أهل اليمامة قوم مسليمة الكذاب، ومن ثم جاء في الحديث "شر قبائل العرب بنو حنيفة" ومن أقبح القبائل في الرد عليه ﷺ ثقيف، ومن ثم جاء "شر قبائل العرب بنو حنيفة وثقيف" ولا زال ﷺ يعرض نفسه على القبائل في كل موسم يقول لا أكره أحداً على شئ. من رضى الذي أدعو إليه فذاك ومن كره لم أكرهه وإنما أريد منعي من القتل حتى أبلغ رسالة ربي فلم يقبله ﷺ احد من تلك القبائل ويقولون: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه؟

стр. 149

بدء اسلام الأنصار بيعة العقبة الأولى - اسلام سعد بن معاذ

стр. 150

-خرج رسول الله ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب وحجاجهم كما كانت عادته في كل موسم، فبينما هو عند العقبة التي تضاف إليها الجمرة فيقال جمرة العقبة وهي على يسار القاعد منى من مكة إذ لقى رهطا من الأوس والخزرج كانوا يحجون فيمن يحج من العرب، وهما قبيلتان مشهورتان عظيمتان من العرب في يثرب وقد لقبهم رسول الله بالأنصار لما هاجر إليهم ومنعوه ونصروه، وكان الذين لقبهم ﷺ من الخزرج هم أبو أمامة أسعد بن زُراره وعوف ابن الحارث ويعرف بابن عفراء وهما من بني النجار. ورافع بن مالك بن العجلان وعامر بن عبد حارثة وهما بني زريق. وقُطبة بن عامر بن حديدة من بني سلمة وعقبة بن عامر بن نابئ من بني غنم وجابر بن عبد الله بن رباب من بني عبيدة فعرض النبي عليهم الإسلام وتلى عليهم القرآن فقبلوا ذلك منه وأثر في قلوبهم وكان اليهود مع الأوس والخزرج بالمدينة وكانوا أهل كتاب والأوس والخزرج أهل شرك وأوثان. وكانوا إذا كانوا بينهم شيء تقول اليهود أن نبياً سيبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وأرم وكانوا يصفونه لهم بصفاته. فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم النبي ﷺ ودعوهم إلى الإسلام فأسلم كثيرون منهم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار أثنا عشر رجلاً وذلك سنة أثنتي عشرة من النبوة (٦٢١ م) فلقوه بالعقبة فبايعوه بيعة النساء، وسميت بذلك لأنها كانت على الأمور التي ورد ذكرها في سورة الممتحنة خاصة ببعة النساء وهي هذو الآية: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ إّذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتث يُبَايعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْركنَ بالله شيئا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلنَ أوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيدْيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهَنَّ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وبعد أن تمت هذه البيعة بعث ﷺ معهم مصعب بن عمير بن هاشم يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام وكان يسمى مصعب بالميدنة المقرئ فأسلم على يده سعد بن معاذ وأسيد بن حُضير، وكان سعد من أجل رؤسائهم ثم فشا فيهم الإسلام ولم تبق دار من دور الأنصار وإلا فيها رجال ونساء مسلمون إلا ماكان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت (وهو صيفي) وكان شاعراً لهم وقائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام ولم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة. بيعة العقبة الثانية

стр. 151

-اتفق جماعة من الأنصار للقاء النبي ﷺ مستخفين لا يشعر بهم أحد فوافوا مكة في الموسم في ذي الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به وواعدوه أوسط أيام التشريق (١) فلما كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه يتسللون حتى أجتمعوا بالعقبة وحضر معهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر (٢) وأسلم تلك الليلة وجاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وكان لا يزال على دين قومه وأحب أن يتوثق لابن أخيه وكان اول من بايع تلك الليلة وهو أول من تكلم. فقال يا معشر خزرج (وكانت العرب تسمي الخزرج والأوس به) إن محمداً منا حيث قد علمتم في عز ومنعة وأنه قد أبى إلا الإنقطاع إليكم فإن كنتم ترون أنكم تفون له بما دعوتموه إليه وما نعوه فأنتم وذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الأن فدعوه فإنه عز ومنعة. فقال الأنصار قد سمعنا ما قلتم فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت فتكلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام ثم قال: تمنعونني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الإخلاص والتوثق لرسول الله ﷺ إذ أخذ بيده وقال: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه ذرارينا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب، فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبد الأشهل فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا وأنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت أن أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ وقال بل الدم الدم، الهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم وكانت عدة الذين بايعوا في تلك سبعين رجلا وامرأتين نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء بنت عمرو بن عدي من نبي سلمة (٣) واختار منهم رسول الله ﷺ اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس وقال لهم أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي. والنقباء هم:

стр. 152

١ - سعد بن عبادة.٢- أسعد بن زرارة.٣- سعد بن الربيع.٤- سعد بن خيثمة.٥- المنذر بن عمرو.٦- عبد الله بن رواحة.٧- البراء بن معرور.٨- أبو الهيثم بن التيهان.٩- أسيد بن حضير. ١٠- عبد الله بن عمرو بن حرام.١١- عبادة بن الصامت. ١٢- رافع بن مالك. فلما بايعوا النبي ﷺ رجعوا إلى المدينة فكان قدومهم في ذي الحجة فأقام رسول الله ﷺ بمكة بقير ذي الحجة والمحرم وصفر وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول وقدمها لأثني عشرة ليلة خلت منه وقد كانت قريش لما بلغهما الإسلام من أسلم من الأنصار اشتدوا على من بمكة من المسلمين فأصابهم جهد شديد. فأمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا ارسالا حتى لم يبق أحد من المسلمين بمكة مع رسول الله ﷺ إلا أبو بكر وعلي بن أبي طالب فإنهما أقاما بأمره وكان ﷺ ينتظر أن يؤذن له في الهجرة. واسلام الأنصار له شأن كبير في تاريخ الإسلام بل في تاريخ الدنيا.

стр. 153

مؤامرة قريش على قتل رسول الله ﷺ .

стр. 154

-لقد بلغ اضطهاد قريش للمسلمين أنهم اضطروهم إلى الهجرة ففريق هاجر إلى الحبشة ثم هاجر من بقي مع رسول الله إلى المدينة. ولما علمت قريش تتابع أصحاب رسول الله ﷺ بالهجرة أخيراً إلى المدينة وقد صار له شيعة وأنصار من غيرهم وأنه أجمع على اللحاق بهم تشاوروا فيما يصنعون من أمره فاجتمعوا في "دار الندوة" وهي دار قصي بن كلاب (١) وتشاوروا في حبسه أو اخراجه عنهم ثم انفقوا على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى شاباً جلداً فيقتلونه جميعاً فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حربهم جميعاً ويقال إن هذا كان رأي أبي جهل. وهكذا نجد دائما اسم أبي جهل وأبي لهب في كل مؤامرة ضد النبي ﷺ وكل ايذاء اضطهاد كأن لا عمل لما غير ذلك. استعدوا لقتله ﵊ من ليلتهم فلما كانت العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام فيثبون عليه وبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر عليا أن ينام فراشه ويتشح ببرده الأخضر وأن يتخلف عنه لؤدى ما كان عند رسول الله ﷺ الودائع إلى أربابها فامتثل أمره فكان أول من شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ووقى بنفسه رسول الله ﷺ . هنا نقول أن الأستاذ مرجوليث اعتاد أن يصف اعداء رسول الله برجاحة العقل والنبل ولا يعدم أن يجد كتابا يذكره كمصدر له من غير تحقيق فقد قال عن أبي جهل في كتابه (محمد) أنه حاز شهرة عظيمة في العقل حتى أنه دخل دار الندوة في سن الثلاثين في حين أنه كان لا يسمح لأحد من أهل مكة بدخولها الا إذا بلغ الأربعين والحقيقة أنهم كانوا لا يدخلون فيها غير قرشي الا أن بلغ أربعين سنة بخلاف القرشي تمييزاص وبما أن أبا جهل قرشي فكان يسوغ له دخول دار الندوة قبل الأربعين وليس ذلك لأنه كان شديد الذكاء راجح العقل.

стр. 155

ما نزل من القرآن بمكة .

стр. 156

-نزل من القرآن بمكة اثنتان وثمانون سورة. وكان أول ما نزل على رسول الله ﴿إقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ﴾ ثم نون والقلم وما يسطرون. ثم والضحى. ثم يا أيها المزمل. ثم يا أيها المدثر. ثم فاتحة الكتاب. ثم تبت. ثم إذا الشمس كورت. ثم سبح اسم ربك الأعلى. ثم ووالليل إذا يغشى. ثم والفجر. ثم ألم نشرح لك صدرك. ثم الرحمن. ثم والعصر. صم أنا أعطيناك الكوثر. ثم ألهاكم التكاثر. ثم أرأيت الذي يكذب بالدين. ثم ألم تركيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ثم والنجم إذا هوى. صم عبس وتولى. ثم إنا أنزلناه في ليلة القدر. ثم والشمس وضحاها. ثم والسماء ذات البروج. ثم والتين والزيتون. ثم لإيلاف قريش. ثم القارعة. ثم لا أقسم بيوم القيامة. ثم ويل لكل همزة. ثم والمرسلات عرفا. ثم ق والقرآن المجيد. ثم لا أقسم بهذا البلد. ثم والسماء والطارق. ثم اقتربت الساعة. ثم ص والقرآن ذي الذكر. ثم الأعراف. ثم سورة الجن. ثم سورة يس ثم تبارك الذي نزل الفرقان. ثم حمد الملائكة. ثم سورة مريم. ثم سورة طه. ثم طسم~. الشعراء. ثم طس النمل. ثم طسم القصص. ثم سورة بني اسرائيل. ثم سورة يونس. ثم سورة هود. ثم سورة يوسف. ثم الحجر. ثم الأنعام. ثم الصافّات ثم لقمان. ثم حم المؤمن. ثم حم السجدة. ثم حم عسق. ثم الزخرف. ثم سبأ. ثم تنزيل الزمر. ثم حم الدخان. ثم حم الشريعة. ثم الأحقاف. ثم والذاريات. ثم هل أتاك حديث الغاشية. ثم سورة الكهف. ثم سورة النحل. ثم إنا أرسلنا نوحا. ثم سورة إبراهيم. ثم اقترب للناس حسابهم. ثم قد أفلح المؤمنون. ثم الرعد. ثم والطور. ثم تبارك الذي بيده الملك. ثم الحاقة. ثم سأل سائل. ثم عم يتساءلون. ثم والنازعات غرقا. ثم إذا السماء انفطرت. ثم سورة الروم. ثم العنكبوت. وعن ابن عباس أنه قال: كان القرآن ينزل مفرقا لا ينزل سورة سورة فما نزل أولها بمكة أثبتناها بمكة وإن كان تمامها بالمدينة وكذلك ما نزل بالمدينة وأنه كان يعرف فصل مابين السورة والسورة إذا نزل بسم الله الرحمن الرحيم فيعلمون أن الأولى قد انقضت وابتدئ بسورة أخرى.

стр. 157

الهجرة إلى المدينة .

стр. 158

-خرج رسول الله ﷺ وهم يرصدونه فأخذ حفنة تراب وجعل ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو قوله تعالى يَس إلى قوله ﴿فَأَغْشَيُنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرونَ﴾ ثم انصرف فلم يروه. فلما أفاقوا من غشيتهم جعلوا يطلعون فيرون علياً نائما وعليه برد رسول الله ﷺ فيقولون إن محمداً لنائم. فأقاموا بالباب يحرسون علياً يحسبونه النبي ﷺ حتى يقوم في الصباح. فلما أصبحوا قام على عن الفراش فقالوا له أين صاحبك؟ قال لاأدري فعلموا أن النبي ﷺ قد نجا. فأما عليّ فأقام بمكة حتى يؤدى ودائع النبي ﷺ وقصد النبي ﷺ دار أبي بكررضي الله عنه وأعلمه بأن الله قد أذن له بالهجرة فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله. قال الصحبة، فبكى أبو بكر ﵁ فرحاً واستأجر عبد الله بن أريقط وكان مشركا ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى. ولم يعلم بخروج رسول الله ﷺ غير أبي بكر وعليّ وآل أبي بكر وكان خروجه ﷺ من مكة يوم الخميس أول يوم من ربيع الأول وقدم المدينة لأثنتي عشرة خلت من ربيع الأول وذلك يوم الأثنين الظهر لثلاث وخمسين سنة من مولده ٢٨ يونيه (٦٢٢ م) وروى أن النبي ﷺ قال حين خروجه من مكة إلى المدينة "اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليَّ فاسكني أحب البلاد اليك" رواه الحاكم في المستدرك. وكان مدة مقامه بمكة بعد البعثة ثلاث عشر سنة. ثم أتيا الغار الذي بجبل ثور على ثلاثة أميال من جنوب غربي مكة، وأمره أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع لهما بمكة ثم يأتيهما ليلا وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما بها ليلا ليأخذا حاجتهما من لبنها وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بطعامهما. فأقاما في الغار ثلاثا. ولما فقدته قريش اتبعوه ومعهم القائف فقاف الأثر حتى وقف عند الغار وقال هنا انقطع الأثر (١) وإذا بنسيج العنكبوت على فم الغار وقد عششت على بابه حمامتان. فقالت قريش ما وراء هذا شيء. وجعلوا مائة ناقة لمن يرده عليهم. فلما مضت الثلاث وسكن الناس أتاهما دليلهما ببعيرين فأخذ أحدهما رسول الله ﷺ من أبي بكر لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه ﵊ في استكمال فضل الهجرة إلى الله تعالى. ثم ركبا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة يخدمهما في الطريق وأتتهما أسماء بسفرة لها وشقت نطاقها وربطت السفرة فسميت ذات النطاقين وحمل أبو بكر جميع ماله وكان نحو ستة آلاف درهم وبينما هما في الطريق مجردين منكل سلاح بصر بهما سراقة بن مالك بن جعشم فاتبعهما ليردها فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت قوائم فرسه في أرض صلبة. فقال أدعي لي يا محمدليخلصني الله أن أراد عنك الطلب فدعا له فخلص. فدعا عليه ثانية فساخت قوائم فرسه في الأرض أشد من الأولى. فقال يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك علي فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ولك عهد الله أن أرد عنك الطلب. فدعا له فخلص وعاهدهم أن لا يقاتلهم ولا يخبر عنهم وأن يكتم عنهم ثلاث ليال. فرجع سراقة ورد كل من لقيه بأن يقول ما ها هنا. وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: فبينما نحن يوما جلوسا في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة (٢) قال قائل (٣) لأبي بكر هذا رسول الله ﷺ متقنعا (٤) في ساهة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ماجاء في هذة الساعة الأمر. قالت عائشة فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك (٥) بأبى أنت يا رسول الله. قال فأني قد أذن لي في الخروج (٦) . فقال أبو بكر الصحبة بابي أنت يا رسول الله. قال رسول الله ﷺ نعم. قال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحتي هاتين. قال رسول الله ﷺ بالثمن (٧) قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز (٨) وصنعنا لهم سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قكعة من نطاقها (٩) فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين وأسماء بنت أبي بكر الصديق كانت أسن من عائشة وهي أختها لأبيها وكان عبد الله بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها قالت ثم لحق رسول الله ﷺ وأو بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف (١٠) لقن (١١) فيدلج (١٢) من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت (١٣) فلا يسمع أمراً يكتادان به (١٤) إلا وعاه (١٥) حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحه (١٦) من غنم (١٧) فيريحا عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما (١٨) حتى ينعق بها (١٩) عامر بن فهيرة يغلس (٢٠) . يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله ﷺ وأبة بكر رجلاً من بني الديل (٢١) وهومن بني عبد إبن عدي هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا فيآل العاص بن وائل السهمي (٢٢) وهوعلى دين كفار قريش فأمناه فدعا إليه راحتهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحليتهما صبح ثلاث ليال وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل (٢٣) قال سراقة بن جعشم جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهمحتى قام علينا ونحن جلوس فقاليا سراقة إني آنفا أسودة (٢٤) بالساحل أراها (٢٥) محمداً وأصحابه. قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له أنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت فيةالمجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة (٢٦) فتحسبها على وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجه (٢٧) الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتّي (٢٨) فأستخرجت منها الازلام (٢٩) فاستقسمت بها أضرهم أن لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي تقرب بي وعصيت الازلام حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت (٣٠) يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما أستوت قائمة إذ لأثر يديها عثان (٣١) ساطع في السماء مثل الدخان. فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآنى (٣٢) ولم يسألانها إلا أن قالا أخف عنا فسألته إن يكتب لي الكتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم (٣٣) ثم مضى رسول الله ﷺ ". ومما وقع لهما في الطريق أنهما لقيا طلحة في الطريق وكان راجعا من تجارة فحياهما وكساهما ثياباً بيضاً وقيل لقيهما الزبير كذلك.

стр. 159

وصوله ﷺ إلى المدينة

стр. 160

-نزل رسول الله ﷺ قباء على كلثوم بن هرم (١) شيخ بني عمرو بن عوف وهم بطن من الأوس. وقباء قرية على ميلين من جنوب المدينة وهي خصبة بها حدائق من أعناب ونخيل وتين ورمان وأقام بها رسول الله يوم الأثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى من أول يوم ونزل أبو بكر ﵁ على حبيب بن أساف بالسنح (٢) ثم قدم عليّ ﵁ ومعه الفواطم وأم أيمن وولدها أيمن وجماعة من ضعفاء المؤمنين ولما وصل نزل على كلثوم بن الهرم اقتداء النبي ﷺ وكان عليّ ﵁ في طريقه يسير الليل ويكمن النهار ثم ركب النبي ﷺ يوم الجمعة يريد المدينة وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي بمن معه من المسلمين وكانوا مائة وهي أول جمعة صلاها بالمدينة وأول خطبة خطبها في الإسلام ثم ركب راحلته يريد المدينة وأرخى زمامها فاكان لا يمر بدار من دور الأنصار الا قالوا هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة ويعترضون ناقته فيقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى بركت عند موضع مسجده اليوم وكان يربداً للتمر (٣) لغلامين يتيمين وهما سهل وسُهيل ابنا عمرو من بني النجار فلما بركت لم ينزل عنها ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به فالتفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها الأول فبركت فيه ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله ﷺ واحتمل أبو أيوب الأنصاري (٤) رحل ناقته إلى بيته ودعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله ﷺ أن يقبل منهما هبة حتى أتباعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن (الطوب النئ) في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر (٥) ويقول: إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره ثم وادع رسول الله ﷺ اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة وسنأتي على نص الكتاب فيما بعد. وقبل أن يتم رسول الله بناء مسجده مات سعد بن زرارة بالذبحة والشهقة وكان نقيباً لبني النجار فطلبوا إقامة نقيب مكانه فقال أنا نقيبكم ولم يخص منهم أحداً دون آخر فكانت من مناقبهم. فرح أهل المدينة بقدم النبي ﷺ فرحاً شديداً وصعدت ذوات الخدور على الأسطحة. وعن عائشة ﵂، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جلس النساء والصبيان والولائد يقلن جهراً: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع قال ابن عباس إبن النبي ﷺ يوم الأثنين واستنبئ يوم الأثنين ورفع الحجر الأسود يوم الأثنين وقبض يوم الأثنين وإبتدأ التاريخ في الإسلام من هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وأول من أرخ بالهجرة عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشر من الهجرة إلا أن التاريخ الهجري يبدأ قبل الهجرة بشهرين وذلك أنهم جعلوا مبدأ التاريخ المحرم من تلك السنة والنبي ﷺ بعد بمكة ثم كانت الهجرة بعد ذلك في ربيع الأول.

стр. 161

خطبة رسول الله ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة .

стр. 162

-هذا نص الخطبة التي خطبها رسول الله ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف: "الحمد لله أحمد وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدي والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيداً. وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلم ثم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكراً. وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك الأوجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد. والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول "ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد" فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله. في السر والعلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيآته ويعظم له أجراً. ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. وأن تقوى الله يوقى مقته ويوقى سخطه، وأن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضى الرب ويرفع الدرجة. خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله. قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه، جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ملا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم (١) ". هذه هي أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة في أول جمعة ونلاحظ أن رسول الله لم يذكر فيها أهل مكة ولا ما كان من عنادهم وإصرارهم على الكفر وإيذائهم للمسلمين وتآمرهم على قتله بل قصر خطبته على حض المسلمين على التقوى وتذكيرهم بالله تعالى وهذا في الحق غاية الأدب ومنتهى ما يصل إليه حلم الحليم ولو كان غير رسول الله لا يستفزه الغضب وعدد مثالبهم لأنهم هم الذين خذلوه واضطهدوه وأخرجوه من أحب البلاد إليه وكانوا عقبة في سبيل تبليغ رسالة ربه وقد صدق الله تعالى حيث قال فيه ﴿وَإنَّكَ لَعَلَي خُلُقٍ عَظِمٍ﴾ .

стр. 163

معاهدة رسول الله ﷺ اليهود .

стр. 164

-قال ابن اسحاق وكتب رسول الله ﷺ كتاب بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط عليهم وأشترط لهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم (١) يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم (٢) بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحرث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون الأولى وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وإن المؤمنين لا يتركون مفرجا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل ولا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٣) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وان أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواء وعدل بينهم وإن كل غازية غزت معنا تعقب بعضها بعض وإن المؤمنين ببئ (٤) بعضهم على بعض بما نال دماءهم فيسبيل الله وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن وأنه من اغتبط (٥) مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلى أن يرضى ولى المقتول وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصفيحة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه وأ، هـ من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل وأ، كم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وغلى محمد ﷺ . وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يونغ (٦) إلا نفسه وأهل بيته وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني الحرث مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم فإنه لا يونغ إلا نفسه وأهل بيته وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم وأن لبني الشطنة مثل ما ليهود بني عوف وأ، البر دون الإثم وأن موالي ثعلبة كأنفسهم وأن بطانة (٧) يهود كأنفسهم وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ وأنه لا ينحجز على ثار جرح وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا ظلم وأن الله على أبر هذا وأن علي اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم وأنه لم يأثم امرؤ بحليفة وأن النصر للمظلوم وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصفيحة وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وانه لاتجار حرمة إلا بأذن أهلها وأنه ماكان بين أهل هذه الصفيحة من حدث أو اشتجار (٨) يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ وإن الله على أتقى ما في هذه الصفيحة وأبره وأنه لاتجار قريش ولا من تضرها وإن بينهم النصر على من دهم (٩) يثرب وإذا دعوا إلى الصلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وأنهم دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين الا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم وإن ليهود الاوس مواليهم وأنفسهم مثل مالا هل هذه الصفيحة مع البر الحسن من أهل هذه الصفيحة وإن البر دون الأثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله ﷺ ".

стр. 165

الخزرج والأوس وما كان بينهما وبين اليهود .

стр. 166

-الخزرج والأوس هما قبيلتان مشهورتان من العرب في يثرب وقد لقبهم رسول الله ﷺ بالأنصار لما هاجر إليهم لأنهم هم الذين نصروه ومنعوه وقد مر ذكرهم في بيعة العقبة الأولى والثانية ولا شك أن الباحث يشتاق إلى الوقوف على تاريخ هاتين القبيلتين وما كان بينهما وبين اليهود من علاقات وحروب لأن ذلك يساعده على فهم تاريخ سكان المدينة وعلى موقف الأنصار واليهود إزاء الاسلام والمسلمين وليكون على بينة من أمرهم عند ذكرهم في الحوادث التي وقعت بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة من أمرهم عند ذكرهم في الحوادث التي وقعت بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة. خزرج وأوس أخوان أبوهما حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وأم أوس وخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد من قضاعة ولذلك يقال لهما ابنا قيلة. وكان منهما قبيلتان مشهورتان عظيمتان من العرب في يثرب تذكران غالباً معا فيقال الأوس والخزرج. لكن غلب اسم الخزرج وسموا أيضاً الأنصار لأنهم أول من قام بنصرة النبي ﷺ وساعده في حروبه وآووه إلى أرضهم. أما أصلهم فقد جاء في كتب السير أنه لما خرج مزيقياء من اليمن بعد تفرق أهل سبأ بسيل العرم (١) ملك غسان بالشام ثم هلك وملك ابنه ثعلبة العنقاء. ولما هلك ملك بعده عمرو ابن أخيه جفنة فسخط مكانه ابنه حارثة وأجمع الرحالة إلى يثرب نزل على يهود خيبر وسألهم الحلف والجوار على الأمان والمنعة فأعطوه من ذلك ما سأل. وقيل لما سار ثعلة بن عمرو بن عامر في من معه اجتازوا يثرب فتخلف بها أوس وخزرج ابنا حارثة في من معهما فنزل بعضهم بضرار وبعضهم بالقرى مع زرع الا الأعذاق اليسيرة فكانوا يحيون الأرض الموات ويزرعونها والأموال لليهود فلبثوا حيناً من الدهر على ذلك وهم في ضيق مال وسوء حال. ثم قدم منهم مالك بن عجلان على أبي جبيلة الغساني فسأله عن حالهم فأخبره بضيق معاشهم. فقال: ما بالكم لاتغلبونهم كما غلبنا أهل بلدنا ووعده أنه يسير إليهم فينصرهم فرجع مالك وأخبر قومه بوعد أبي جبيلة فاستعدوا له وقدم عليهم وخشى أن يتحصن منه اليهود فاتخذ حائرا (٢) وبعث إليهم فمال خواصهم وحشمهم وأذن لهم في دخول الحائر ثم أمر جنوده فقتلوهم عن آخرهم. وقال للأوس والخزرج: إذا لم تتغلبوا على البلاد بعد قتل هؤلاء فلأحرقنكم ورجع إلى الشام. فأقاموا في عداوة مع اليهود ثم أجمع مالك ابن عجلان وصنع لهم طعاماً ودعاهم فامتنعوا خوفا من الغدر فاعتذر إليهم مالك عن فعل أبي جبيلة ووعدهم أنه لا يقصد مثل ذلك فأجابوه وجاءوا إليه فغدرهم وقتل ٨٧ من رؤسائهم وفر الباقون وصورت اليهود مالكا في كنائسهم وبيعهم وكانوا يلعنونه كلما دخلوا. وذكر ابن الأثير رواية أخرى وهي أن اليهود كان لهم ملك اسمه الفيطون وكان ظالماً فاسقاً. وقد سن سنة أن كل امرأة تتزوج يدخل عليها قبل زوجها فاتفق يوماً زفاف أخت مالك هذا فأتت مجلساً فيه أخوها وكشفت عن ساقها. فقال لها أخوها: قد أتيت بسوء. فقالت: الذي يراد بي الليلة أشد من هذا فثارت النخوة في رأسه واحتال على الدخول معها عند الملك في زي امرأة فلما خلا المكان قتله (٣) وفر إلى جبيلة ولم يكن هذا ملكا لغسان بل معظما عند ملوك غسان وقد ذلوا بعد هذه الفعلة وخافوا ولجأ كل قوم منهم إلى بطن من الأوس والخزرج يستنصرون بهم ويكونون لهم أحلافا وعظم شأم ملك وسوده الحيان. ولم يمض زمان طويل حتى أثرى الأوس والخزرج وامتنع جانبهم وقد تناسلوا تكاثروا وتشعبوا عدة بطون فكان بنو الأوس كلهم لمالك بن الأوس فمنهم خطة بن جشم بن مالك وثعلبة ولوذان وعوف كلهم بنو عمرو بن عوف بن مالك. ومن بني عوف حنش ومالك وكلة. ومن مالك معاوية وزيد. ومن زيد عبيد وضبيعة وأمية. ومن كلفة حججبا. ومن مالك بن الأوس الحارث وكعب ابنا الخزرج بن عمرو بن مالك. فمن كعب بنو ظفر. ومن الحارث ابن الخزرج حارثة وجشم. ومن جشم بنو عبد الأشهل. ومن مالك بن الأوس أيضاً بنو سعد وبنو عامر ابنا مرة بن مالك. فبنو سعد الجعارة. ومن بني عامر عطية وأمية ووائل بنو زيد بن قيس بن عامر. ومن مالك بن الأوس ايضا أسلم وواقف ابنا امرئ القيس بن مالك فهذه بطون الأوس كما ذكرها ابن خلدون. وأما الخزرج فخمسة بطون من كعب وعمرو وعوف وجشم والحارث -١- فمن كعب بن الخزرج بنو ساعدة بن كعب -٢- ومن عمرو بن الخزرج بنو النجار وهم: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو وهم شعوب كثيرة بنو مالك وبنو عدي وبنو مازن وبنو دينار كلهم بنو النجار. ومن مالك بن النجار مبدول واسمه عامر وغانم وعمرو. ومن عمرو عدي ومعاوية. -٣- ومن عوف بن الخزرج بنو سام والقوافل وهما: عوف بن عمرو بن عوف والقواقل ثعلبة ومرضخة بنو قوقل بن عوف. ومن سالم بن عوف بنو العجلان بن زيدبن عصم بن سالم وبنو سالم بن عوف. -٤- ومن جشم بن الخزرج بنو غضب بن جشم وزيد بن جشم. فمن غضب بنو بياضة وبنو زريق وبنو عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب. ومن يزيد بن جشم بنو سلمة بن سعد بن علي بن راشد بن ساردة بن يزيد. -٥- ومن الحارث بن الخزرج بنو خدرة وبنو حرام ابني عوف بن الحارث ابن الخزرج. فلما فعلوا ما فعلوا باليهود واعتزوا وكثروا تفرقوا في عالية يثرب وسافلتها وملكوا أمرها ودخل في حلقهم من جاورهم من قبائل مضر ثم قامت الفتن بين الحيين وكل منهم يستنصر بمن حلفه من مضر واليهود ورجل عمروبن الأطنابة من الخزرج بن المنذر ملك الحيرة فملكه على الحيرة واتصلت الرياسة في الخزرج بينهم وبين الأوس.

стр. 167

العداوة بين الأوس والخزرج

стр. 168

-كانت أول فتنة وقعت بين الأوس والخزرج حرب سمير وذلك أن رجلا حليفا يقال له كعب فاخرالأوس بشيء فغضب منهم رجل له سمير وشتمه ثم رصده حتى خلا به فقتله فغضب مالك بن عجلان وطلب الرجل عشيرته فأنكروا معرفته وعرضوا عليه الدية فقبلها فأرسلوا إليه نصف دية لأن الرجل حليف لا نسيب فأبى الا الدية كاملة فامتنعوا ولج الأمر حتى أفضى إلى المحاربة فاقتتلوا مرتين كانت النصرة في الثانية منهما للأوس فلما افترقوا أرسلت الأوس إلى مالك أن حكم بيننا المنذر بن حرام التجاري الخزرجي وهو جد حسان بن ثابت فأجابهم إلى ذلك فحكم أن يؤدى الأوس إلى مالك دية الصريح ثن يعودون إلى سنتهم القديمة فرضوا بذلك وافترقوا وقد شبت البغضاء في قلوبهم وتمكنت العداوة بين القبيلتين. ثم ان كعب بن عمرو المازني الخزرجي تزوج امرأة من بني سالم فأمر أحيحة بن جلاح رئيس بني حججبا من الأوس جماعة أن يرصدوه ويقتلوه ففعلوا فدعا أخوه عاصم قبيلته للنصرة فاستعدوا والتقوا هم والأوس واقتتلوا قتالا شديداُ فانهزمت بنو حججبا وانهزم أحيحة فركض وراءه عاصم فأدركه وقد دخل باب الحصن وأغلقه فرماه بسهم فلم يصبه فقتل أخا له فعزم أحيحة أن يكبس بني النجار وكان متزوجاً بأمرأة منهم فلم يرضها ذلك وخافت على قومها فسارت إليهم ليلاً وقد نام أحيحة بعد سهر طويل وأنذرتهم. فلما أتاهم أحيحة إذا هم على سلاحهم فلم يقدر عليهم فضرب إمرأته حتى كسر يدها لما بلغه ما فعلت وطلقها. ثم كانت حرب بني وائل بن زيد من الأوس وبني مازن بن النجار من الخزرج وذلك أن الحصين بن الأسلت الأوسي نازع رجلاً من بني مازن وقتله فتبعه قوم من بني مازن فقتلوه فبلغ ذلك أخاه أبا قيس بن الأسلت فجمع قومه وانضمت الأوس والخزرج كلها فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزمت الأوس. ثم كانت حرب بين بني ظفر من الأوس وبني مالك بن النجار من الخزرج وذلك أن رجلاً من ظفر كان يمر إلى أرضه في أرض رجل من بني النجار فمنعه فلم يمتنع فنازعه فقتله الظفري فاجتمع قومها واقتتلا فانهزم بنو مالك بن النجار. ثم أن رجلاً من بني النجار أصاب غلاماً من قضاعة وقتله وكان عم الغلام جاراً لمعاذ بن النعمان الأوسي فطلب معاذ ديته منبني النجار فامتنعوا فلقيهم بقومه عند فارع أطم حسان بن ثابت ولم يزل القتال بينهم حتى حمل الدية إليه عامر بن الأطناب فاصطلحوا حالا. ثم كانت الموقعة المعروفة بحاطب وهو حاطب بن قيس من بني أمية بن زيد بن مالك ابن عوف الأوسي وبينها وبين حرب سمير نحو مائة سنة وكان سبب هذه الحروب أن حاطبا كان رجلا شريفا سيدا فأتاه رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فنزل عليه ثم أنه غدا يوما إلى سوق قينقاع فرآه يزيد بن الحرث المعروف بابن فسحم وهي أمه وهو من بني الحرث بن الخزرج فقال يزيد لرجل يهودي لك ردائي إن كسعت هذا الثعلبي فأخذ رداءه وكسعه (١) كسعة سمعها من بالسوق فنادى الثعلبي يالحاظب كسع ضيفك وفضح. وأخبر حاطب بذلك فجاء إليه فسأله من كسعه فأشار إلى اليهودي فضربه حاطب بالسيف ففلق هامته فأخبر ابن فسحم الخبر وقيل له قتل اليهودي قتله حاطب فأسرع خلف حاطب فأدركه وقد دخل بيوت أهله فلقى رجلا من بني معاوية فقتله (ولا ندري السبب الذي دعا ابن فسحم أن يحرض ذلك اليهودي على ضرب الثعلبي في دبره) فثارت الحرب بين الأوس والخزرج وكان الظفر فيها للخزرج وهذا اليوم من أشهد أيامهم وكان بعده عدة وقائع كلها من حرب حاطب فمنها يوم الربيع ويوم البقيع والفجار الأول والثاني ويوم بعاث هو آخر الأيام بينهم. وفي يوم الفجار الثاني حالفت قريظة والنضير الأوس على الخزرج وجرى بينهم قتال سمي ذلك اليوم يوم الفجار الثاني وسبب حرب يوم بعاث هو أن قريظة والنضير جددوا العهود مع الأوس على الموازرة والتناصر واستحكم أمرهم وجدوا في حربهم ودخل معهم قبائل من اليهود غير من ذكرنا فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت وحشدت وأرسلت حلفاءها من أشجع وجهينة وأرسلت الأوس حلفاءها من مزينة ومكثوا أربعين يوما يتجهزون للحرب والتقوا (بيعاث) وهي من أعمال قريظة. وعلى الأوس حضير الكتائب والد أسيد بن حضير وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وتخلف عبد الله بن أبي ابن سلول فيمن تبعه عن الخزرج. وتخلف بنو حارثة بن الحرث عن الأوس فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديداً وصبروا جميعا. ثم أن الأوس وجدت من السلاح فولوا منهْزمين نحو العريض فلما رأى حضير هزيمتهم برك وطعن قدمه بسنان رمحه وصاح واعقراه كعقر الجمل والله لا أعود حتى أقتل فان شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا فعطفوا عليه وقاتل عنه غلامان من بني عبد الأشهل يقال لهما محمود ويزيد ابنا خليفة حتى قتلا وأقبل سهم لا يدري من رمى به فأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس الخزرج فقتله فبينا عبد الله بن أبي ابن سلول يتردد راكبا قريبا من بعاث يتجسس الأخبار إذ طلع عليه بعمرو بن النعمان قتيلا في عباءة يحمله أربعة رجال كما كان قال له. فلما رآه قال ذق وبال البغى وانهزمت الخزرج ووضعت فيهم الأوس السلاح فصاح صائح يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهللوا أخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب فانتهوا عنهم ولم يسلبوهم وإنما سلبهم قريظة والنضير وحملت الأوس حضيرا مجروجا فمات وأحرقت الاوس دور الخزرج ونخيلهم فأجار سعد بن معاذ الأشهلي أموال بني سلمة ونخيلهم ودورهم جزار بما فعلوا له في الرعل ونجى يومئذ الزبير بن اياس بن باطا ثابت ابن قيس بن شماس الخزرجي أخذه فجز ناصيته وأطلقه وهي اليد التي جازاه بها ثابت في الاسلام يوم بني قريظة.

стр. 169

الخلاصة

стр. 170

-تبين ينا من تاريخ الخزرج والأوس أنهما ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء الذي خرج من اليمن بعد تفرق أهل سبأ بسيل العرم وأن هذا السيل ليس خرافة بل حدث مرارا وخرب السد فغرت البلاد. وقد لبث الخزرج والأوس حينا من الدهر مع اليهود يحيون الأرض الموات ويزرعونها وهم في عسر شديد. وكان اليهود هم أرباب الأموال فحدث نزاع وشجار بينهم وبين اليهود وهو أشبه بالثورات التي حدثت بين المزارعين أو العمال المتمولين في القرون الأخيرة. ثم نشبت حروب بن الأوس والخزرج فتارة كان النصر فيها للخزرج وأخرى للأوس وكان الظفر في أكثرها للخزرج. وأخيرا حالفت قريظة والنضير الأوس على الخزرج وأنضم بنو قينقاع إلى الخزرج على أن تلك الحروب الطاحنة بين القبيلتين الأختين كان سببها بناء على ما وصل إليه من تاريخها حزازات شخصية كان في الإمكان ملافاتها. لكن العداء أشتدد بينهما لما في طبيعة العرب من التمسك بالأخذ بالثار. وقد بلغت العداوة بين الخزرج والأوس مبلغا عظيما قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة وآخر الحروب بينهم يوم بعاث الذي هزم فيه الخزرج وكان حوالي سنة ٦١٦ م فلما سئموا القتال أجمعوا على تتويج عبد الله بن أبيّ ابن (١) سلول ملكا عليهم وابن سلول هذا هو اللقب برأس المنافقين. وقد حسد النبي لأن الإسلام منع تتويجه وأخذته العزة فأضمر الشر وهو الذي قال في غزوة المصطلق "لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ" فقال ابنه عبد الله للنبي وهو الله الذليل وأنت العزيز يا رسول الله إن أنت أذنت لي في قتله قتلته فواللذه لو علمت الخزرج ما كان بها أحد أبر بوالده منى. ولكني أخشى أن تأمر به رجلا مسلما فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي على الأرض حياً حتىأقتله. فقال النبي ﷺ : بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا ولا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ولكن برّ أباك وأحسن صحبته. ولما أنعم الله على الخزرج والأوس بنعمة الإسلام اتفقت الكلمة واجتمع الشمل وتآخى الفريقان فوحّد رسول الله ﷺ اسمهما ولقبهما بالأنصار لأنهم نصروه. وتوحيد الاسمين تحت راية الإسلام كان له أعظم أثر في النفوس إذ بذلك امتنع الشقاق وتصافت النفوس وساروا جميعا نحو غرض واحد ومبدأ واحد. جاء في دائرة المعارف الإسلامية في مادة أنصار (Ansar) :"لكأن محمداً أراد أن يشابه بين كلمة الأنصار المطلقة على المسيحيين" وهذا خطأ واضح لأن كلمة أنصار جمع نصير أما نصارى فنسبة إلى قرية بالشام تسمى ناصرة أو نصران وفوق ذلك فإن سبب تسمية الخزرج والأوس بالأنصار معروف وهو لأنهم نصروه ﷺ وقد جل رسول الله ﷺ عن التشبه والتقليد.

стр. 171

مدينة يثرب .

стр. 172

-سميت يثرب بعد الإسلام بالمدينة مدينة رسول الله ﷺ وهي عبارة عن جملة قرى تقع في سهل خصب وبينها وبين مكة ٢٠٠ ميل وهي في شمالها. جاء في معجم البلدان لياقوت "إن لهذه المدينة تسعة وعشرين اسما" ثم سردها وكذا أحصى المجد الشيرازي اللغوي نحو ثلاثين اسما وذكر السمهودي في كتاب وفاء الوفا أربعة وتسعين اسما وقال إن كثرة الأسماء تدل على شرف مسمى ونقل ابن زبالة أن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال بلغني أن للمدينة في التوراة أربعين اسما. فمن اسمائها أثرب كمسجد ويثرب: قال تعالى ﴿وَإذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أهْلَ يَثْرِثَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ والبلد. قال تعالى ﴿لاَ أقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ ودار الهجرة والسنة وطيبة وطابة وقرية الأنصار ومدينة الرسول ومضجع الرسول وأكّالة البلدان والمباركة والمسكينة والعذراء الخ. أما قدرها فهي في مقدار نصف مكة وهي في حرة سبخة ولها نخيل كثيرة ومياه ونخيلهم وزروعهم تسقى من الآبار عليها العبيد وللمدينة سور والمسجد في نحو وسطها وقبر النبي ﷺ في شرق المسجد وهو بيت مرتفع وليس بينه وبين سقف المسجد إلا فرجة وهو مسدود لا باب له وفيه قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر والمنبر الذي كان يخطب عليه رسول الله ﷺ قد غشى بمنبر آخر والروضة أمام المنبر بينه وبين القبر ومصلاه ﷺ الذي كان يصلي فيه الأعياد في غربي المدينة داخل الباب. و (بقيع الغرقد) خارج المدينة من شرقيها و (قباء) خارج المدينة على نحو ميلين إلى ما يلي القبلة وهي شبيهة بالقرية و (أحد) جبل في شمالي المدينة وهو أقرب الجبال إليها مقدار فرسخين وبقربها مزارع ونخيل وضياع لأهل المدينة و (وادي العقيق) فيما بينها وبين الفُرع و (الفرع) من المدينة على أربعة أيام في جنوبيها وبها مسجد جامع غير أن أكثر هذه الضياع خراب وكذلك حوالي المدينة ضياع كثيرة أكثرها خراب. وأعذب مياه تلك الناحية آبار العقيق. وحرّم رسول الله ﷺ شجر المدينة بريداً في بريد من كل ناحية ورخص في الهش وفي متاع الناضح ونهى عن الخبط وأن يعضد ويهصر. ومن خصائص المدينة أنها طيبة الريح وللعطر فيها فضل رائحة لا توجد في غيرها وتمرا الصيحاني لا يوجد في بلد من البلدان مثله حب اللبان ومنها يحمل إلى سائر البلدان وجبلها أحد قد فضله رسول الله ﷺ فقال "أحد جبل يحبنا ونحبه وهو على باب من أبواب الجنة" وحجارة أحد من الجرانيت. المسافات: من المدينة إلى مكة نحو عشر مراحل (١) ومن الكفوفة إلى المدينة نحو عشرين مرحلة وطريق البصرة إلى المدينة نحو من ثمان عشرة مرحلة ويلتقى مع طريق الكوفة بقرب معدن النقرة ومن الرقة إلى المدينة نحو من عشرين مرحلة. ومن البحرين إلى المدينة نحو خمسة عشر مرحلة. ومن دمشق إلى المدينة نحو عشرين مرحلة ومثله من فلسطين إلى المدينة عن طريق الساحل.

стр. 173

مرض المهاجرين بحمى المدينة .

стр. 174

-حاول رؤساء قريش منع المسلمين من الهجرة إلى المدينة لكنهم استطاعوا الهجرة بعد بضعة اسابيع وقد اعتاد المهاجرون جو مكة الجاف فلما قدموا المدينة أصيب أكثرهم بالحمى لأن صيفها رطب وشتاءها قارس. قالت عائشة "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وهي أول أرض أصاب أصحابه منها بلاء وسقم. وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ وأصابت الحمى أبا بكر وبلالا وعامر بن فهيرة فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادتهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب من شدة الحمى فأذن لي فدخلت عليهم وهم في بيت واحد فوجدتهم يهذون من شدة الحمى فأخبرت رسول الله ﷺ . قالت فنظر إلى السماء وقال اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة" فاستجاب الله له فطيب هواءها وترابها وسكنها والعيش بها. وحمى المدينة كانت الملاريا لما كان يحيط بها من البرك والآبار حتى أن الجمال كانت تمرض من الشرب منها وكانت قريش تعيب على أهل يثرب ما يعتريهم من الحمى وتسلط اليهود عليهم وتسمى الحمى (أم ملدم) قال رسول الله لزيد الخيل وكان قد أتى مع وطئ وأسلم يا زيد تقتلك أم ملدم يعني الحمى فأصيب بها أثناء الطريق عند عودته ومات بها.

стр. 175

مسجد رسول الله ﷺ .

стр. 176

-قال ابن عمر كان بناء المسجد على عهد رسول الله ﷺ وسقفه جريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا فزاد فيه عمر ويناه على ما كان من بنائه ثم غيره عثمان وبناه بالحجارة المنقوشة والفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه ساجا وزاد فيه. وفي الصحيح في ذكر بناء المسجد وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار (١) لبنتين لبنتين فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" وقال يقول عمار أعوذ بالله من الفتن. وروى البيهقي في الدلائل عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال لما بنى النبي ﷺ المسجد وضع حجرا ثم قال ثم قال ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر ثم ليضع عثمان حجره إلى حجر عمر. فقال رسول الله ﷺ هؤلاء الخلفاء من بعدي. وعن مكحول قال لما كثر أصحاب رسول الله ﷺ قالوا اجعل لنا مسجداً فقال خشبات وثمامات عريش كعريش أخي موسى. صلوات الله عليه. الأمر أعجل من ذلك ورواه رزين وزاد فيه فطفقوا ينقلون اللبن وما يحتاجون إليه ورسول الله ﷺ ينقل معهم الخ. وكان الذين أسسوا المسجد جعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب باب في مؤخره وهو في جهة القبلة اليوم وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة. والباب الذي كان يدخل منه رسول الله ﷺ وهو باب ىل عثمان اليوم وهذان البابان لم يغيرا بعد أن صرفت القبلة، ولما صرفت القبلة سد رسول الله ﷺ الباب الذي كان خلفه وفتح هذا الباب ومحاذيه هذا الباب الذي سد. وكان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع يتكئ عليه فقالت امرأة من الأنصار أو رجل يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا؟ قال إن شئتم فجعلوا له منبرا ولما فارق رسول الله الجذع وصعد المنبر حن الجذع وسمع له صوت كصوت العشار فقال النبي ﷺ ألا تعجبون من حنين هذه الخشبة؟ فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم فنزل إليه رسول الله ﷺ فضمه فسكن. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر. قال كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده عليه. ولا شك أن حنين الجذع من معجزاته ﷺ وحديث الجذع مشهور رواه من الصحابة بضعة عشر. وكان المنبر من خشب الأثل ومن درجتين وله مجلس. وذكر ابن بطوطة في رحلته الجذع فقال: "دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلى المسجد الكريم فوقفنا باب السلام مسلمين وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم واستلمنا القطعة الباقية من الجذع الذي حن رسول الله ﷺ وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة" وقال عند ذكر القبر الكريم: "وفي الحديث أن رسول الله ﷺ تسليما كان يخطب إلى الجذع نخلة بالمسجد فلما صنع له المنبر وتحول إليه حن الجذع حنين الناقة إلى حُوارها وروى أن رسول الله ﷺ تسليما نزل إليه فألتزمه فسكن وقال لو لم ألتزمه لحن إلى يوم القيامة. واختلفت الروايات فيمن صنع المنبر الكريم فروى أن تيميا الدّارىّ رضي الله نه هو الذي صنعه. وقيل أن غلاما للعباس ﵁ صنعه. وقيل غلام لامرأة من الأنصار وورد ذلك في الحديث الصحيح وصنع من طرفاء الغابة وقيل من الاثل وكان له ثلاث درجات فكان رسول الله ﷺ يقعد على عُلياهن ويضع رجليه الكريمتين في وسطاهن فلما ولى أبو بكر الصديق ﵁ قعد على وسطاهن ووضع رجليه على أولاهن. فلما ولى عمر ﵁ جلس على أولاهن ووضع رجليه على الأرض. وفعل ذلك عثمان ﵁ صدرا من خلافته ثم ترقى إلى الثالثة ولما أن صار الأمر إلى معاوية ﵁ أراد نقل المنبر إلى الشام فضج المسلمون فلما رأى ذلك معاوية تركه وزاد فيه ست درجات من أسفله فبلغ تسع درجات".

стр. 177

تزويج النبي ﷺ بعائشة ﵂

стр. 178

-عائشة ﵂ هي بنت أبي بكر الصديق وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر. ولدت في السنة الثامنة أو التاسعة قبل الهجرة (٦١٣-٦١٤ م) تزوجها رسول الله ﷺ بمكة في شهر شوال قبل الهجرة وكان صداقها أربعمائة درهم وكانت أحب نسائه إليه وكنيتها أم عبد الله كنيت بابن أختها أسماء وهي أم عبد الله بن الزبير وكان يدعوها أما لأنه تربى في حجرها وروت عن النبي ﷺ أكثر من ألف حديث وكانت من أكبر النساء عقلا. فصيحة الكلام صحيحة المنطق تحفظ كثيرا من القصائد كريمة لا تدخر شيئا. أحفظ أهل زمانها للحديث وقد روت عنها الرواة من الرجال والنساء. وأثبت بعض المؤرخين أن عائشة كان لديها نسخة من القرآن (١) وقبض رسول الله وهي بنت ثمان عشرة ولم يتزوج بكراً غيرها وقبض رسول الله ورأسه في حجرها ودفن في بيتها وتوفيت سنة سبع وخمسين للهجرة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان (١٣ يولية سنة ٦٧٨ م) وقد قاربت سبعاً وستين سنة وصلى عليها أبو هريرة بالبقيع ودفنت ليلا وذلك زمن ولاية مروان بن الحكم على المدينة في خلافة معاوية وكان مروان استخلف أبا هريرة لما ذهب إلى العمرة في تلك السنة. روى القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنا قالتك فضلت أزواج النبي ﷺ بعضر خصال: تزوجني رسول الله ﷺ بكراً دون غيري. وأبواي مهاجران. وجاء جبريل ﵇ في حريرة. وأمره أن يتزوج بي. وكنت أغتسل معه في أناء واحد. وجبريل ﵇ ينزل عليه بالوحي وأنا معه في لحاف واحد. وتزوجني في شوال وبنى في ذلك الشهر. وقبض بين سحري ونحري وأنزل الله تعالى عذرى من السماء ودفن في بيتي وكل ذلك لم يساوني غيري فيه (٢) .

стр. 179

صرف القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة .

стр. 180

-لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً وكان يحب أن يصرف إلى الكعبة فقال يا جبريل وددت أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود. فقال جبريل: إنما أنا عبد فادع ربك وسله وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء فنزلت عليه "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها" فوجه إلى الكعبة إلى الميزاب. ويقال صلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون. ويقال بل زار رسول الله ﷺ أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما وحانت الظهر فصلى رسول الله ﷺ باصحابه ركعتين ثم أمر أن يتوجه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب فسمى المسجد مسجد القبلتين وذلك يوم الأثنين. للنصف من رجب على رأس ثمانية عشر شهرا (١) .
следующие страницы →